وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ [النساء:١٥٠-١٥١] .
وكذلك بنو عبيد القداح الذين ملكوا "المغرب" و"مصر" في زمن بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين١؛ إلى أمثال هذا مما لا يحصى ولا يستقصى.
стр. 352
وأما قوله: (وقال ابن القيم: أجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فقد دخل في الإسلام ... ) إلى آخره.
فأقول: هذا حق إذا صدر من الكافر الأصلي، ولكن إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام كفر، ولو أقر بالشهادتين، وكذلك من عمل بجميع الأركان ممن ولد في الإسلام، لكنه مع ذلك قد جحد شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ وابتدع في الإسلام بدعة تخرجه منه كفر.
وابن القيم الذي حكيت عنه إجماع المسلمين على أن من أقر بالشهادتين فقد دخل في الإسلام، قد حكى إجماع أهل الحجة من أهل الإسلام على تكفير الجهمية، كام قال في "الكافية الشافية في الإنتصار للفرقة الناجية":
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
стр. 353
واللالكائي الإمام حكاه عنهم ... بل قد حكاه قبله الطبراني
وذكر في كتاب "الصلاة" له: تكفير من أمر بالصلاة، فامتنع حتى يخرج وقتها، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
وأما قوله: (ولذلك انعقد الإجماع على أن المرتد إذا كانت ردته بالشرك فإن توبته بالشهادتين) .
فأقول: هذا غير مسلم، ودعوى انعقاد الإجماع على ذلك دعوى مجردة. بل من كانت ردته بالشرك بالله فتوبته الإقلاع عن هذا الشرك، فإن كثيراً١ من المشركين اليوم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، كالرافضة فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهم مع ذلك يدعون الحسن والحسين مع الله، وكذلك عباد القبور يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومع ذلك يدعون عبد القادر، وأحمد البدوي، وغيرهما، ويستغيثون بهم في الشدائد والملمات، ويرغبون إليهم في جميع الحاجات، وكشف الكربات، وإغاثة اللهفات.
وقد انعقد الإجماع على أن من أشرك بالله في
стр. 354
عبادته غيره كان مشركاً، وإن تلفظ بالشهادتين، كما هو مذكور في كتاب "الفقه" في باب "حكم المرتد".
وقوله: (ثم إن الوهابية عدوا الاستشفاع إلى الله تعالى بالنبي ﷺ بعد موته كفراً١، مع أن الإجماع منعقد على جوازه) .
فأقول: إن كان أراد بالاستشفاع بالنبي ﷺ كأن يقول القائل: اللهم إني أسألك بجاه محمد، أو بحقه، أو حرمته. فهذا القول بدعة محدثة محرمة، ولا يكفر٢ الوهابية أحداً بهذا. وإن أراد بالاستشفاع بالنبي بأن يدعوه، ويستغيث به، كأن يقول: يا رسول الله أغثني، أو أدركني، وأنا في حسبك، أو يسأله أو يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، ويتوكل عليه، ويلجأ إليه في جميع مهماته وطلباته، ويجعله واسطة في جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن كان أراد هذا فقد ذكر في "الإقناع" من كتب الحنابلة: أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم: كفر إجماعاً. وكذلك ذكر فيه شيخ
стр. 355
الإسلام تقي الدين: أن من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، ومن شك في كفره١ فهو كافر.
والوهابية على مذهب أحمد ﵀.
وأما دعوى انعقاد الإجماع على جوازه، فدعوى مجردة، اللهم إلا إجماع عباد القبور، وأولئك ليسوا من أهل الإسلام، فضلاً عن أن يجمعوا على الأحكام.
وأما قوله: (وهم لم يجوزوا لأحد أن يقلد مجتهداً من أئمة المسلمين) .
فأقول: هذا كذب على الوهابية، وإن وجد هذا في بعض الكتب لمن هو على مذهب الوهابية في تجريد التوحيد، وإخلاص العبادة لله، ممن ينسبه هؤلاء إلى الوهابية، فنسبته إلى الشيخ محمد وأتباعه من الكذب عليهم.
وكذلك قوله: (وجوزا لكل أحد أن يستنبط من القرآن ما استطاع أن يستنبط ... ) إلى آخره.
فهذه كلها من الأوضاع المكذوبة على الوهابية.
стр. 356
ثم ذكر الإجماع، وأنه: اتفاق المجتهدين. وأن الإجماع ينعقد في كل عصر، لأن الحوادث تحدث في كل يوم بالأمور التي لم يصرح بحكمها الكتاب والسنة.
وهذا مما يعلم كل أحد غلطه في ذلك، وتخبيطه فيه، فلا فائدة في الجواب عنه.
стр. 357
فصل في فرية الملحد عليهم بإنكارهم القياس
...
فصل١
ثم قال العراقي: (الوهابية ونفيها للقياس: إن الوهابية كما أنكروا الإجماع، كذلك أنكروا القياس ... ) إلى آخر ما قال.
فأقول: وهذا أيضاً من نمط ما قبله من الكذب والزور. فإن الوهابية لا ينكرون القياس مطلقاً، وفيه تفصيل.
لكن ذكر صاحب "الدين الخالص" من ذلك ما أوجب لهؤلاء أن ينسبوا إلى الوهابية ما يقوله "صديق" وليس ما قاله مطلقاً يقول به الوهابية، بل لهم فيه تفصيل، ليس هذا موضع ذكره، إذ المقصود نفي ما يدعيه من الكذب على الوهابية.
ثم قال: (ومن العجب أن الوهابية لأجل تخطئة
стр. 358
المجتهدين في قبولهم القياس جعلت تعبث بكلام الله تعالى، فتصرف الآيات القرآنية عن معانيها الصحيحة، مأولة إياها بما يوافق هواها، مع أنها لا تأول من الآيات ما يلزم من ظاهره النقص على الله تعالى، والمحال، كآية الاستواء، واليدين والوجه، وتقول: إن المجتهدين عاملون بآرائهم مع أنها تجوز حتى للجهلة الرعاع من ذوي نحلتها أن يفسروا كلام الله بحسب أفهامهم القاصرة) .
والجواب أن نقول: هذا كذب على الوهابية، فإنهم من أعظم الناس تعظيماً لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، فبهتهم بالعبث بكتاب الله ظلم وعدوان، وإلى الله المرجع، وإليه التحاكم ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
بل الوهابية يضعون الآيات القرآنية في معانيها الصحيحة، ويسيرون على منهاج أئمة التفسير، ولا يؤولونها على ما يوافق أهواءهم، بل يستدلون بالآيات النازلة في المشركين على تكفير من فعل كما يفعله الكفار، من الإشراك بالله، والكفر به، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 359
وأما قوله: (مع أنها لا تؤول من الآيات ما يلزم من ظاهره النقص على الله تعالى، والمحال كآية الاستواء واليد والوجه) .
فأقول: نعم لا يتأولون الآيات والأحاديث النبوية، فيصرفونها عن ظاهرها، وعما اقتضته من إثبات صفات الكمال، ونعوت الجلال، لأجل ما يزعمه أعداء الله من أنه يلزم من ظاهرها النقص على الله والمحال، فإن ما أثبته الله ورسوله من الاستواء والوجه واليدين وغير ذلك من الصفات: وصف كمال ونعوت جلال، لا وصف نقص. بل من أثبت ذاتاً مجردة عن أوصاف الكمال فقد تنقصه غاية التنقص، وشبهه بالجمادات، ومثله بأنقص المعقولات الذهنية، وجعله دون الموجودات الخارجية.
وإثبات الصفات لا يلزم منها مماثلة الله بخلقه، ولا تشبيههم به، لأن الله تعالى أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فقد كفر، وقد تقدم بيان ذلك مراراً عديدة.
وأما قوله: (وتقول: إن المجتهدين١ عاملون بآرائهم) .
стр. 360
فأقول: هذا كذب عليهم، وما علمنا أحداً قال: بهذا من الوهابية، كما أنا لا نعلم أن أحداً منهم أجاز للجهلة الرعاع –كما تزعمونه- أن يفسر كلام الله بحسب مفهومه القاصر، ونعوذ بالله من ذلك.
ثم ذكر القياس، وزعم أن الوهابية ينكرونه.
وقد قدمنا أن الوهابية لا ينكرون القياس مطلقاً، ولا يثبتونه مطلقاً، لأن القياس ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد:
فالصحيح هو الميزان الذي أنزله مع كتابه في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط﴾ [الحديد: ٢٥] .
والفاسد ما يضاده، كقياس الذين قاسوا البيع على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة
стр. 361
المالية، ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس، وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعماله، والاستدلال به، وهذا١ حق.
والحاصل أن الناس فيه طرفان ووسط: فأحد الطرفين من ينفي العلل، والمعاني والأوصاف المؤثرة، ويجوز ورود الشريعة بالفرق بين المتساويين، والجمع بين المختلفين، ولا يثبت أن الله سبحانه شرع الأحكام لعلل ومصالح، وربطها بأوصاف مؤثرة فيها، مقتضية لها طرداً وعكساً، وأنه قد يوجب الشيء ويحرم نظيره من كل٢ وجه، ويأمر به لا لمصلحة بل لمحض المشيئة المجردة عن الحكمة والمصلحة.
وبإزاء هؤلاء قوم أفرطوا فيه، وتوسعوا جداً، وجمعوا بين الشيئين اللذين فرق الله بينهما بأدنى جامع من شبه أو طرد أو وصف يتخيلونه علة يمكن أن يكون علته وأن لا يكون، فيجعلونه هو السبب الذي علق الله ورسوله عليه الحكم بالخرص والظن.
وهذا هو الذي أجمع السلف على ذمه.
стр. 362
والنبي ﷺ يذكر في الأحكام العلل والأوصاف المؤثرة فيها طرداً وعكساً، وكل الصحابة ﵃ يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره.
والمقصود أن من زعم أن الوهابية ينفون القياس مطلقاً فقد كذب عليهم وافترى.
وأما قوله: (فقول الوهابية: إن النصوص تستوعب جميع الحوادث بدون استنباط أو قياس، غير مسلم، فإن استيعابها جميع الحوادث لا يتم إلا بطريقهما) .
فالجواب أن نقول: قد ذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين": أن الناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق:
فرقة قالت: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث. وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعشر معشارها -وذكر حجتهم وأبطلها بثلاثة وجوه أجاد فيها وأفاد، ثم قال لما ذكر أقوال الطائفتين المنحرفتين عن الوسط قول المعتزلة المكذبين بالقدر، وقول الجهمية المنكرين للحكم، والأسباب والرحمة والتعليل. قال:
стр. 363
والمقصود أنهم كما انقسموا إلى ثلاث فرق في هذا الأصل، انقسموا في فروعه –وهو القياس- إلى ثلاث فرق:
فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به، وأنكرت الحكم والتعليل والمناسبات. والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين، وأنها أحالت على القياس، ثم قالت١ غلاتهم: أحالت عليه أكثر الأحكام. وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيراً من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها إلا به.
والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان: الكتاب، والميزان، وقد تخفى دلالة النص، ولا يبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقاً للنص فيكون قياساً صحيحاً، وقد يظهر مخالفاً له فيكون فاسداً، وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته ... إلى آخر كلامه ﵀.
стр. 364
وقال١ شيخ الإسلام بعد أن ذكر هذه المسألة وقررها أحسن تقرير:
وبالجملة الأمر نوعان: كلية عامة، وجزئية خاصة.
فأما الجزئيات الخاصة، كالجزء الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه من ميراث هذا الميت، وعدل هذا الشاهد ونفقة هذه الزوجة، ووقوع الطلاق بهذا الزوج، وإقامة الحد على هذا المفسد، وأمثال ذلك، فهذا مما لا يمكنه لا نبياً ولا إمام ولا أحد من الخلق أن ينص على كل فرد منه لأن أفعال بني آدم وأعيانهم يعجز عن معرفة أعيانها الجزئية واحد من البشر وعبارته: لا يمكن بشر أن يعلم ذلك كله بخطاب الله له، وإنما الغاية الممكنة ذكر الأمور الكلية العامة كما قال ﷺ : "بعثت بجوامع الكلم".
стр. 365
فصل في فرية الملحد بتكفير المقلدين
...
فصل
قال العراقي: (الوهابية وتكفيرها من قلد المجتهدين:
لما كانت أقوال المجتهدين السالفين رحمهم الله تعالى وما وصلوا إليه باجتهادهم من الأحكام المقررة الدينية تصادم ما ابتدعته الفئة المارقة الوهابية، لم تر هذه الفئة بداً من إنكارها صحة اجتهادهم، وتخطئة آرائهم، وتكفير من قلدهم، حتى يخلو لها الجو، فتبيض وتصفر وتلعب بالدين كما شاء هواها، ويتمهد لها الطريق إلى تأسيس قواعد ضلالها المبين، إذ هي لو لم تنف اجتهادهم لما تم لها أن تصرف بحسب هواها الآيات النازلة في المشركين إلى المسلمين الذين يتوسلون إلى الله تعالى بجاه رسوله، وكرامة أوليائه، لأن هذا الصرف مما لم يقل١ به مجتهد، ولم يرض به أحد من أئمة الدين) .
стр. 366
والجواب أن نقول: أما دعوى تكفير المجتهدين فمن الكذب الواضح، والإفك الفاضح.
وأما ما مخرق به من أنا مصادمون لما اجتهد الأئمة فيه١ من الأحكام الدينية، وأنا أنكرنا اجتهادهم ليخلو لنا الجو، كما زعمه هذا البو٢، فما ذاك إلا من فيض كلب العداوة في الدين، لأنه جهمي، معتزلي مشرك، ونحن -ولله الحمد- على طريقة السلف وأئمة الدين في باب معرفة الله وأسمائه وصفاته، وفي باب العمل والعبادة، فلا نشرك بربنا أحداً، ولا نتخذ من دونه أولياء.
ومن تأمل كلامه علم أنه هو المارق المبتدع، وأنه ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] ، بل هو بريء من الأئمة المجتهدين، وهم برآء منه، فإن عقيدته مخالفة لعقائدهم، فهو إلى طريق الفلاسفة والملاحدة ومن نحا نحوهم من المتكلمين أقرب منهم إلى الأئمة المجتهدين.
وهذا العراقي متبع لهواه، عابد لما يهواه، قد اتخذ الكذب ديدنه، والزور والفجور ميزانه، ودخل من الكذب في ظلمات بعضها فوق بعض، حتى آل به زوره وفجوره
стр. 367
إلى أن زعم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كان كثير الميل إلى الإطلاع على أخبار من ادعى النبوة، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وأنه كان يضمر في نفسه أن يؤسس ديناً يحذو به حذو أولئك الكذابين.. إلى غير ذلك من مفترياته، ورعونات جهالاته وخزعبلاته، فالموعد الرحمن، وإليه التحاكم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم لو استهواه الشيطان، وحكى ما يقوله١ أهل البغي والعدوان، فكيف ساغ له أن يحكي عما في ضميره –لو كان- وحاشا لله أن يكون ذلك في الإمكان.
وأما زعمه أن الشيخ يدعي الاجتهاد المطلق، فمن نمط ما قبله من المفتريات، فإنه لا يدعي ذلك، وقد نفاه في بعض رسائله، ومن طالع كتب الشيخ وتصانيفه ورسائله، علم محله من العلم والفقه والمتانة في الدين، ورسوخه فيه، وقد شهد له علماء وقته بذلك كما مضى بيانه.
وأما قوله: (وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين":
стр. 368
لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم) .
فأقول: هذا لسان جاهل، وتركيب نبطي لا يدري شيئاً من صناعة العلم، وابن القيم ينزه عن هذا اللفظ، وهذا التركيب، ولا يقول: (ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم) ، فإن البحث ما هكذا إيراده ولا تقريره، والعلوم فيها ما لا دخل له هنا ولا اعتبار، كعلم الطب والهندسة والإنشاء وقريض الشعر وميزانه، والعلم بالرسم وإتقانه، ومعرفة التاريخ.
وأما بالنظر للمعنى فابن القيم ﵀ قد شن الغارة على من لا يجوز له أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد، وشنع على قائله تجهيلاً وتخطئة وقال:
هذا سد لباب أخذ العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله.
وذكر في هذا المبحث من النصوص والآثار والمناظرة بين المجتهد والمقلد ما لا تتسع له هذه الرسالة، وذكر هذه العبارة راداً لها، مجهلاً لقائلها. بل ذكر فيه عن الإمام أحمد أنه لا يجوز الإفتاء إلا لرجل عالم بالكتاب
стр. 369
والسنة. ثم ذكر بعد ذلك فصولاً في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول. وقال أيضاً في "الإعلام" لما ذكر القياس قال:
ونحن نقول قولاً ندين الله به، ونحمد الله على توفيقنا له، ونسأله الثبات عليه: إن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس قط، فإن فيها غنية وكفاية عن كل رأي وقياس، وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم من يؤتيه الله عبده فيها، وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الانبياء: ٧٩] ، وقال علي ﵁: "إلا فهما يؤتيه الله عبده في كتابه". وقال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس: "اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل". وقال أبو سعيد: "كان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ ". وقال عمر لأبي موسى: "الفهم الفهم". انتهى.
والذي غر هؤلاء الجهلة أنهم ظنوا أن الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو مرتبة الاجتهاد، أو من تجوز له الفتيا في الحلال والحرام، وما علموا أن الاجتهاد هو النظر في الأدلة إذا تعارضت، وفيما يخفى دليله، وهذا لا يتهيأ إلا لمن كملت فيه شروط الاجتهاد، أو اجتمعت فيه أدوات الفتيا.
وأما اتباع كلام الله أو كلام١ رسوله والأخذ بما فيهما فهو
стр. 370
فرض واجب على المجتهد، والمقلد والعالم والمتعلم، والآيات والأحاديث في ذلك معروفة مشهورة مبسوطة، ذكرها ابن القيم في "الإعلام".
وقال ابن عباس ﵁ لمن ناظره في متعة الحج: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر".
وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
وقال ابن القيم ﵀ في الإعلام: قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا سفيان بن عامر، عن عتاب بن منصور، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ ".
وقال الشافعي ﵀: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها. وقال: لا قول لأحد مع سنة رسول الله ﷺ .
وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل: إنما نأخذ
стр. 371
بالرأي ما لم يجئ الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قول لأحد مع رسول الله ﷺ إذا صح الخبر عنه.
وقال الأصم: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت.
وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فإني راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
وقال الربيع: قال الشافعي: لم أسمع أحداً نسبه عامة أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله اتباع أمر رسوله ﷺ ، والتسليم لحكمه، فإن الله لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحد لا يختلف فيه الغرض، وواجب قبول الخبر عن رسول الله ﷺ ، إلا فرقة سأصف قولها -إن
стр. 372
شاء الله- وذكر كلاماً طويلاً عن الشافعي ﵀ وغيرها تركناه طلباً للاختصار.
والمقصود أنه كذب على ابن القيم في دعواه أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم، ولا عجب من هذا فقد كذب على السلف ﵏ في أن مذهبهم في آيات الصفات وأحاديثها أنها تؤول، إما تفصيلاً وإما إجمالاً ويفوض١ تفصيلها إلى الله.
ثم ذكر العراقي كلاماً زعم فيه أن الوهابية اتخذته ذرائع لتأسيس بدعتها.
وقد تقدم الكلام عليه، ولكن أعاده ليكبر حجم كتابه، وليزداد -إن شاء الله- بذكره مقتاً من الله وغضباً وزيادة في عقابه.
ثم ذكر أن تكفير المسلم أمر غير هين، وأنه قد أجمع العلماء منهم الشيخ ابن تيمية وابن القيم: على أن الجاهل والمخطئ من هذه الأمة -ولو عمل ما يجعل صاحبه مشركاً أو كافراً- يعذر بالجهل والخطأ، حتى تبين له الحجة بياناً واضحاً، لا يلتبس على مثله.
стр. 373
فيقال في جوابه: أما تكفير المسلم فقد قدمنا أن الوهابية لا يكفرون المسلمين. والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه، ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها. قال في بعض رسائله:
وإن كنا لا نكفر من عبد قبة الكواز، لجهلهم وعدم من ينبههم، فكيف من لم يهاجر إلينا؟ وقال –وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال- فقرر أن من قامت عليه الحجة، وتأهل لمعرفتها، يكفر بعبادة القبور، وأما من أخلد إلى الأرض، واتبع هواه، فلا أدري ما حاله.
وأما نقله عن شيخ الإسلام وابن القيم على أن الجاهل والمخطئ ... إلى آخره.
فالجواب أن يقال: كلام الشيخين إنما هو في المسائل النظرية والاجتهادية، التي قد يخفى الدليل فيها. وأما عباد القبور فهم عند السلف وأهل العلم يسمون الغالية، لأن فعلهم غلو يشبه غلو النصارى في الأنبياء والصالحين، وعبادتهم.
стр. 374
وأيضاً فإن هذا النقل فيه تكفير من قامت عليه الحجة، ولو في المسائل الخفية، فبطلت الشبهة العراقية، ومسألة توحيد الله وإخلاص العبادة له لم ينازع في وجوبها أحد من أهل الإسلام، لا أهل الأهواء ولا غيرهم، وهي معلومة من الدين بالضرورة، كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه، عرف أن هذا زبدتها وحاصلها، وسائر الأحكام تدور عليه.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على المتكلمين" لما ذكر بعض أئمتهم توجد منهم الردة عن الإسلام كثيراً قال:
وهذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال فيها: إنه مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في أمور يعلمها الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذه أظهر شرائع الإسلام، ومثل إيجابه للصوات الخمس، وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش، والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيراً من رؤوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين، كما فعل أبو عبد الله الرازي، قال: وهذه ردة صريحة. انتهى.
стр. 375
فإذا علمت هذا، فمن بلغته رسالة محمد ﷺ ، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر في عدم الإيمان بالله وملائكته ورسله، واليوم الآخر، فلا عذر له بعد ذلك بالجهل.
وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار، مع تصريحه بكفرهم، ونقطع أن اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ونعتقد كفرهم، وكفر من شك في كفرهم.
وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه، ونحو ذلك، كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن حاله هكذا بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته، لأنه لا عذر له بعد بلوغها، وإن لم يفهمها، وقد أخبر الله عن الكفار أنهم لم يفهموا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ [الإسراء: ٤٦] والآيات في هذا المعنى كثيرة، والله أعلم.
وأما قول هذا العراقي: (حتى تتبين له الحجة بياناً واضحاً لا يلتبس على مثله) .
стр. 376
فأقول: هذا تحريف لكلام الشيخ، فإن الشيخ لم يقل حتى تتبين له الحجة ... إلى آخره، وإنما هي زيادة عراقية، وإنما قال الشيخ: (ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ .
فقوله: (حتى تتبين له الحجة بياناً واضحاً لا يلتبس على مثله) إنما هو فهم الحجة، وفرق بعيد بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة، إذا كان على وجه يمكن معه العلم.
ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والإنقياد لما جاء به الرسول، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ، وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الإسراء: ٤٦] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
ويقال أيضاً: فرض كلام شيخ الإسلام وتقديره في الأمور التي قد يخفى دليلها، مما ليس هو من ضروريات الدين، ولا هو من الأمور الجلية، بل هو في الأمور النظرية والاجتهادية. والله أعلم.
стр. 377
وأما قوله: (والمسلم قد يجتمع فيه الكفر والإسلام، والشرك والإيمان، ولا يكفر كفراً ينقله عن الملة) .
فأقول: نعم، هذا فيما دون الشرك، والكفر الذي يخرج من الملة، فأما ما لا يخرج عن الملة كالشرك الأصغر، كيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وما أشبه ذلك، والكفر كقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقوله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وفي لفظ: "فقد كفر" ١، وغير
стр. 378
ذلك مما جاء في الحديث بلفظ: "الكفر" مما لا ينقل عن الملة من الكفر الأصغر.
وأما ما ذكره في الخوارج، فإنما هو لأجل ما قام بهم من الشبهة المانعة من تكفيرهم. والشيخ محمد بن
стр. 379
عبد الوهاب لا يكفر الخوارج، كما أن أكثر أهل العلم لا يكفرونهم.
وقد سئل علي بن أبي طالب ﵁ عن الخوارج: أكفار هم؟ فقال: من الكفر فروا، فقال: منافقون؟ فقال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله كثيراً –أو كلاماً نحو هذا١.
فقول العراقي: (ومع كفرهم لم يكفرهم الصحابة ولا التابعون) ، جهل عريض، وتناقض بين، وعدم معرفة بمقادير الصحابة وأهل العلم، فإنهم لو كانوا عند الصحابة كفاراً كفراً يخرج من الملة لكفرهم الصحابة والتابعون، فلما قام المانع من تكفيرهم أمسكوا عنه، وهم أعلم الأمة، وأعرفهم بالله، وبدينه، وأخشاهم له، فهذا الكلام ونحوه إنما هو في أهل الأهواء والبدع، كالخوارج وأشباههم من أهل البدع التي لم تخرجهم بدعتهم من الإسلام.
وأما مسألة عبادة القبور، ودعائها مع الله، فهي مسألة وفاقية التحريم، إجماعية المنع والتأثيم، فلم يدخل عباد القبور في كلام الشيخين لظهور برهانها، ووضوح أدلتها، وعدم اعتبار الشبهة فيها، هذا وجه الإخراج والاستدراج، ومراد هذا الملحد أن عباد القبور لا يكفرون، لأن الصحابة
стр. 380
والتابعين لهم لم يكفروا الخوارج، فبعداً للقوم الظالمين.
وأما ما ذكره من قتال أهل الردة، فليس الأمر كما زعم من التفريق، وإن كان قد قال به بعض العلماء، فالحق والصواب ما أجمع عليه الصحابة ﵃ فإنهم لم يفرقوا بين من ارتد، وصدق مسيلمة الكذاب والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، وسجاح، وبين من منع الزكاة، بل قاتلوهم كلهم واستحلوا دماءهم وأموالهم، وسبيهم، وسموهم كلهم أهل الردة، ولم يقولوا لمانع الزكاة: أنت مقر بوجوبها، أو جاحد لها، هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل قال الصديق ﵁ لعمر ﵁: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول لله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فجعل المبيح للقتال مجرد المنع، لا جحد الوجوب.
وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب، لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعاً سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعهم أهل الردة، وكان من أعظم فضائل الصديق ﵁ أن ثبته الله عند قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره، فناظرهم حتى رجعوا إلى قوله، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 381
فإذا علمت ذلك، فمن المحال أن يكون الحق. والصواب مع من قال بخلاف ما قاله أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم أفضل الأمة، وأن يكون الحق والصواب مع من بعدهم ممن لا يساويهم ولا يقاربهم في العلم والفضل والمعرفة.
وقد ذكر ابن القيم ﵀ في "أعلام الموقعين" نحواً من خمسة وأربعين وجهاً، تدل على أن ما قاله الصحابة ﵃ هو الحق والصواب الذي لا شك فيه١.
стр. 382
فصل في حكم أهل الأهواء
...
فصل
ثم ذكر العراقي فرق أهل الضلال، من أهل الأهواء والبدع، الذين فارقوا الجماعة، كالقدرية والمعتزلة والمرجئة والجهمية، والرافضة، ولم يذكر من فرق أهل الأهواء إلا هؤلاء، ثم قال:
(ومذهب السلف الذي تتستر به الوهابية هو: عدم القول بتكفير طوائف المارقين الذين١ ذكرناهم) .
والعجب كل العجب أن هذا العراقي يقر أن هؤلاء الطوائف هم المارقون، المفارقون للجماعة، وهو يقول بأقوالهم في نفي الصفات.
والجواب أن نقول: هذا كذب على السلف رضوان الله عليهم، فإنهم كفروا غلاة الرافضة كالذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁، وكذلك كفروا غلاة القدرية، وغلاة المرجئة، والمعتزلة وغلاة الجهمية.
стр. 383
وقد حكى شيخ الإسلام تكفير من قام به الكفر من أهل الأهواء، قال:
واضطرب الناس في ذلك: فمنهم من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتين، وأبو الحسن الأشعري وأصحابه لهم فيه قولان، قال:
وحقيقة الأمر: أن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير قائله، ويقال لمن قال هذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال: لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، انتهى.
وحيث كان الحال هكذا في الخوارج، قد اختلف الناس في تكفيرهم. والغلاة في علي لم يختلف أحد في تكفيرهم، وكذلك من سجد لغير الله، أو ذبح لغير الله، أو دعاه مع الله رغباً أو رهباً، كل هؤلاء اتفق السلف والخلف على كفرهم، كما ذكره أهل المذاهب الأربعة، ولا يمكن أحد أن ينقل عنهم قولاً ثانياً.
وبهذا تعلم أن النزاع وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وأمثاله في غير عباد القبور والمشركين، فرضه وموضوعه في أهل البدع المخالفين للسنة والجماعة، وهذا يعرف من كلام الشيخ.
стр. 384
فإذا عرفت أن كلام الشيخ ابن تيمية في أهل الأهواء كالقدرية والخوارج والمرجئة، ونحوهم، ما خلا غلاتهم، تبين لك أن عباد القبور والجهمية خارجون من هذه الأصناف.
وأما كلامه في عدم تكفير المعين فالمقصود به في مسائل١ مخصوصة قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء، ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أموراً كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفراً، ولا يحكم على قائله بالكفر، لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص، أو بدلالته، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها، ولذلك ذكر هذا في الكلام على بدع أهل الأهواء، وقد نص على هذا فقال في تكفير أناس من أعيان المتكلمين بعد أن قرر هذه المسألة، قال:
وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير، وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أو ما يعلم من الدين بالضرورة، فهذا لا يتوقف في كفر٢ قائله.
стр. 385
وبهذا تعلم غلط هذا العراقي، وكذبه على شيخ الإسلام، وعلى الصحابة والتابعين في عدم تكفير غلاة القدرية وغلاة المعتزلة، وغلاة المرجئة، وغلاة الجهمية، والرافضة. فإن الصادر من هؤلاء كان في مسائل ظاهرة جلية، وفيما يعلم بالضرورة من الدين، وأما من دخل عليه من أهل السنة بعض أقوال هؤلاء، وخاض فيما خاضوا فيه من المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، أو من كان من أهل الأهواء من غير غلاتهم، بل من قلدهم وحسن الظن بأقوالهم من غير نظر ولا بحث فهؤلاء هم الذين توقف السلف والأئمة في تكفيرهم، لاحتمال وجود مانع بالجهل، وعدم العلم بنفس النص، أو بدلالته قبل قيام الحجة عليهم، وأما إذا قامت الحجة عليهم، فهذا لا يتوقف في كفر قائله.
وأما قوله: (قال الشيخ١ تقي الدين ابن تيمية: لم يكفر الإمام أحمد الخوارج، ولا المرجئة، ولا أعيان الجهمية، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا الناس إلى قولهم، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الشديدة) .
стр. 386
فالجواب أن يقال: قد تقدم عدم تكفير الخوارج والمرجئة غير الغالية منهم.
وأما الجهمية فيقال: لو سلم هذا فجوابه من أوضح الواضحات عند أهل العلم والأثر: وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله -من أهل العلم والحديث- لا يختلفون في تكفير الجهمية وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر وعد اللالكائي الإمام رحمه الله تعالى منهم عدداً يتعذر ذكرهم في هذا الجواب، وكذلك ابن الإمام أحمد في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة١ في كتاب السنة، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة.
وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم في "كافيته" عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم. والصلاة خلفهم لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها،
стр. 387
وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما تقدم ذكره.
وعلى هذا القول: فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهوراً ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد، كيف لا وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات، ما لا يبقى معه من حقيقة الربوبية والإلهية ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدماً لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون من الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل، وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات.
ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام في نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحاداً من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان
стр. 388
يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كانت لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة من طلبها وجدها. انتهى.
وقد تقدم كلام أبي حنيفة وتصريحه بكفر من قال: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: لأنه أنكر أنه في السماء، لأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وقال الإمام الشافعي ﵀: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، ونثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . انتهى.
وقال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلام سبق: والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض، والقدرية والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما، قالوا: أصول الاثنين وسبعين فرقة هي أربع: الخوارج،
стр. 389
والروافض والمرجئة والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست من أمه محمد ﷺ .
والجهمية نفاة الصفات، الذين يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وإن محمداً لم يعرج به إلى الله، وإن الله لا علم له ولا قدرة، ولا حياة، ونحو ذلك، كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم.
وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان، فأحدهما الجهمية، والرافضة، فهذان الصنفان شرار أهل البدع، ومنهم دخلت القرامطة الباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، ومنهم اتصلت الإتحادية، فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية. والرافضة في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية، فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة، ثم يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد. انتهى كلامه ﵀.
وهذا العراقي الملحد ضم إلى معتقده في عبادة القبور مذهب الجهمية، والمعتزلة، وقول الرافضة في الرؤية والقدرية.
وأما قوله عن شيخ الإسلام: (وقال أيضاً ما محصله: إن من البدع المنكرة تكفير طائفة من المسلمين،
стр. 390
واستحلال دمائهم وأموالهم، إذ لعل تلك الطائفة ليس فيها من البدعة ما في الطائفة المنكرة لها، ولو فرض أن تلك الطائفة قد ابتدعت لم يجز للطائفة التي على السنة أن تكفرها لما عسى أن تكون بدعتها ناشئة عن خطأ ... ) إلى آخره.
فالجواب أن نقول: ليس هذا مما نحن فيه في شيء، فإن من أهل البدع من لم تخرجه بدعته من الإسلام، وليس الكلام في هؤلاء، وفرض كلام الشيخ فيمن لم تكن بدعته تخرجه من الإسلام، وإنما الكلام في غلاة هؤلاء الطوائف، وبهذا يعلم كل من له أدنى مسكة من عقل، وأقل معرفة من علم: أن عباد القبور والجهمية لا يدخلون في أهل البدع والأهواء الذين تقدم كلام الشيخ فيهم، والشيخ محمد ﵀ لا يكفر أحداً من هذا الجنس، ولا من هذا١ النوع، وإنما يكفر من نطق بتكفيره الكتاب العزيز، وجاءت به السنة الصحيحة، واجتمعت على تكفيره الأمة، كمن بدل دينه، وفعل فعل الجاهلية، الذين يعبدون الملائكة، والأنبياء، والصالحين، ويدعونهم مع الله، فإن الله كفرهم وأباح دماءهم وأموالهم، كما دل عليه الكتاب العزيز، والسنة المستفيضة.