فالجواب أن يقال: قد تقدم عدم تكفير الخوارج والمرجئة غير الغالية منهم.
وأما الجهمية فيقال: لو سلم هذا فجوابه من أوضح الواضحات عند أهل العلم والأثر: وذلك أن الإمام أحمد وأمثاله -من أهل العلم والحديث- لا يختلفون في تكفير الجهمية وأنهم ضلال زنادقة، وقد ذكر من صنف في السنة تكفيرهم عن عامة أهل العلم والأثر وعد اللالكائي الإمام رحمه الله تعالى منهم عدداً يتعذر ذكرهم في هذا الجواب، وكذلك ابن الإمام أحمد في كتاب السنة، والخلال في كتاب السنة، وابن أبي مليكة١ في كتاب السنة، وإمام الأئمة ابن خزيمة قرر كفرهم ونقله عن أساطين الأئمة.
وقد حكى كفرهم شمس الدين ابن القيم في "كافيته" عن خمسمائة من أئمة المسلمين وعلمائهم. والصلاة خلفهم لا تنافي القول بتكفيرهم، لكن تجب الإعادة حيث لا تمكن الصلاة خلف غيرهم، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد هي المنع من الصلاة خلفهم، وقد يفرق بين من قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها،
стр. 387
وبين من لا شعور له بذلك، وهذا القول يميل إليه شيخ الإسلام في المسائل التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما تقدم ذكره.
وعلى هذا القول: فالجهمية في هذه الأزمنة قد بلغتهم الحجة، وظهر الدليل، وعرفوا ما عليه أهل السنة، واشتهرت الأحاديث النبوية، وظهرت ظهوراً ليس بعده إلا المكابرة والعناد، وهذا حقيقة الكفر والإلحاد، كيف لا وقولهم يقتضي من تعطيل الذات والصفات، والكفر بما اتفقت عليه الرسالة والنبوات، وشهدت به الفطر السليمات، ما لا يبقى معه من حقيقة الربوبية والإلهية ولا وجود للذات المقدسة المتصفة بجميل الصفات، وهم إنما يعبدون عدماً لا حقيقة لوجوده، ويعتمدون من الخيالات والشبه ما يعلم فساده بضرورة العقل، وبالضرورة من دين الإسلام عند من عرفه وعرف ما جاءت به الرسل من الإثبات.
ولبشر المريسي وأمثاله من الشبه والكلام في نفي الصفات ما هو من جنس هذا المذكور عند الجهمية المتأخرين، بل كلامه أخف إلحاداً من بعض هؤلاء الضلال، ومع ذلك فأهل العلم متفقون على تكفيره، وعلى أن الصلاة لا تصح خلف كافر جهمي أو غيره، وقد صرح الإمام أحمد فيما نقل عنه ابنه عبد الله وغيره أنه كان
стр. 388
يعيد صلاة الجمعة وغيرها، وقد يفعله المؤمن مع غيرهم من المرتدين إذا كانت لهم شوكة ودولة، والنصوص في ذلك معروفة مشهورة من طلبها وجدها. انتهى.
وقد تقدم كلام أبي حنيفة وتصريحه بكفر من قال: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: لأنه أنكر أنه في السماء، لأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وقال الإمام الشافعي ﵀: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، ونثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . انتهى.
وقال شيخ الإسلام ﵀ بعد كلام سبق: والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والروافض، والقدرية والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما، قالوا: أصول الاثنين وسبعين فرقة هي أربع: الخوارج،
стр. 389
والروافض والمرجئة والقدرية، قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست من أمه محمد ﷺ .
والجهمية نفاة الصفات، الذين يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وإن محمداً لم يعرج به إلى الله، وإن الله لا علم له ولا قدرة، ولا حياة، ونحو ذلك، كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم.
وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان، فأحدهما الجهمية، والرافضة، فهذان الصنفان شرار أهل البدع، ومنهم دخلت القرامطة الباطنية كالنصيرية والإسماعيلية، ومنهم اتصلت الإتحادية، فإنهم من جنس الطائفة الفرعونية. والرافضة في هذه الأزمان مع الرفض جهمية قدرية، فإنهم ضموا إلى الرفض مذهب المعتزلة، ثم يخرجون إلى مذهب الإسماعيلية ونحوهم من أهل الزندقة والاتحاد. انتهى كلامه ﵀.
وهذا العراقي الملحد ضم إلى معتقده في عبادة القبور مذهب الجهمية، والمعتزلة، وقول الرافضة في الرؤية والقدرية.
وأما قوله عن شيخ الإسلام: (وقال أيضاً ما محصله: إن من البدع المنكرة تكفير طائفة من المسلمين،
стр. 390
واستحلال دمائهم وأموالهم، إذ لعل تلك الطائفة ليس فيها من البدعة ما في الطائفة المنكرة لها، ولو فرض أن تلك الطائفة قد ابتدعت لم يجز للطائفة التي على السنة أن تكفرها لما عسى أن تكون بدعتها ناشئة عن خطأ ... ) إلى آخره.
فالجواب أن نقول: ليس هذا مما نحن فيه في شيء، فإن من أهل البدع من لم تخرجه بدعته من الإسلام، وليس الكلام في هؤلاء، وفرض كلام الشيخ فيمن لم تكن بدعته تخرجه من الإسلام، وإنما الكلام في غلاة هؤلاء الطوائف، وبهذا يعلم كل من له أدنى مسكة من عقل، وأقل معرفة من علم: أن عباد القبور والجهمية لا يدخلون في أهل البدع والأهواء الذين تقدم كلام الشيخ فيهم، والشيخ محمد ﵀ لا يكفر أحداً من هذا الجنس، ولا من هذا١ النوع، وإنما يكفر من نطق بتكفيره الكتاب العزيز، وجاءت به السنة الصحيحة، واجتمعت على تكفيره الأمة، كمن بدل دينه، وفعل فعل الجاهلية، الذين يعبدون الملائكة، والأنبياء، والصالحين، ويدعونهم مع الله، فإن الله كفرهم وأباح دماءهم وأموالهم، كما دل عليه الكتاب العزيز، والسنة المستفيضة.
стр. 391
فصل في تناقض العراقي وكلامه في الجهمية
...
فصل
إذا تبين لك هذا، فمن عجيب أمر هذا العراقي وشدة غباوته، وأنه إنما دهي من عجمته، وعدم معرفته، وعدم تلقيه١ العلوم الشرعية من مظانها،: تناقضه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] .
فمن ذلك أنه ذكر فيما تقدم في غير موضع أن الوهابية قد خبطت كل الخبط في تنزيهه تعالى، حيث أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتاً على عرشه، واستقراراً وعلواً فوقه، وأثبتت له الوجه واليدين، وبعضته سبحانه فجعلته ماسكاً بالسموات على أصبع، والأرض على أصبع، والشجر على أصبع، والملك على أصبع، ثم أثبتت له تعالى الجهة فقالت: هو فوق السموات، ثابت على العرش، يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، وينزل إلى السماء، ويصعد.
стр. 392
ثم نفى الرؤية في مواضع أخر، وأولها بنوع من الانكشاف والتجلي من غير حاجة للباصرة، ولا محاذاة لها.
وفي موضع آخر قال: (فاعتقدوا متمسكين بظواهر الآيات أن الله تعالى على عرشه، وعلاه علواً حقيقياً، وأن له تعالى وجهاً ويدين، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا ويصعد نزولاً وصعوداً حقيقين، وأنه يشار إليه في السماء بالأصبع) .
ثم نكس على رأسه، فقال لما أتى على فرق أهل الأهواء، قال:
(ثم فارقت الجهمية الجماعة فقالوا: ليس على العرش إله يعبد، ولا لله في الأرض من كلام، وأنكروا صفات الله التي أثبتها لنفسه في كتابه المبين، وأثبتها رسوله الصادق الأمين، وأجمع على القول بها الصحابة، وكذلك أنكروا رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، إلى غير ذلك من أقوالهم ومعتقداتهم الكفرية) .
هذا لفظه بحروفه، فنقض ما تقدم من قوله في الوهابية بما قاله ها هنا من أن الجهمية فارقوا الجماعة، وقالوا: إنه ليس على العرش إله يعبد، وأنهم أنكروا الصفات التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، وأجمع على
стр. 393
القول بها الصحابة، وكذلك قال في رؤية الله تعالى، وصرح أن هذا وغيره من معتقداتهم الكفرية، وكذلك قال في سائر الفرق أنهم فارقوا الجماعة، وأن أهل السنة لم يكفروهم بهذه الكفريات.
وهكذا يكون كلام من اتبع هواه ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه﴾ [الجاثية: ٢٣] ، وإلا فكيف يعتقد أن الله ينزه عن إثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، ثم يحكم على أن القائل بها مفارق للجماعة، مخالف لما أجمع عليه الصحابة، وأن اعتقاد هذا من العقائد الكفرية، ثم يقول: (ومع تماديهم في ضلالهم، واستمرارهم على عنادهم، بعد أن بين أهل الحق لهم خطأ مذهبهم، لم يكفروهم، بل جعلوا الأخوة الإيمانية ثابتة لهم، ولمن قبلهم من أهل البدع) ، هذا قوله في المرجئة والمعتزلة والقدرية.
وأما الجهمية فقال: (ومع ذلك فقد رد عليهم الأئمة وبينوا ضلالهم، حتى أنهم قتلوا بعض دعاتهم، كجهم بن صفوان والجعد بن درهم، وبعد أن قتلوهم غسلوهم وصلوا عليهم، ودفنوهم في مقابر المسلمين، ولم يجروا عليهم أحكام أهل الردة) .
وقال في الرافضة: (ومع ذلك فلم يكفرهم أحد من
стр. 394
العلماء ولا منعوهم عن التوارث، ولا التناكح، وأجروا عليهم أحكام المسلمين) .
ويكفي مجرد حكاية ضلاله عن التكلف في رده، إذ من المعلوم بالضرورة أن هذا الكلام بكلام المجاذيب الذين ينطقون بما لا يعقلون أشبه به من نسبته إلى أحد من أهل العلم. والله المستعان.
ثم ذكر انعقاد الإجماع على أن من أقر بما جاء به الرسول -وإن كانت فيه خصلة من الكفر أو الشرك- لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ... إلى آخر ما ذكره، مما قد بيناه فيما تقدم جوابه، وكلام العلماء فيه.
ثم قال في آخر: (فقد تبين ما للوهابية في تكفيرها المسلمين من البدعة، والمخالفة لما جاء به١ كتاب الله، وسنة رسوله، وأقوال أئمة الدين، والعلماء المجتهدين) .
والجواب أن يقال: قد بينا فيما تقدم أن الوهابية لا يكفرون المسلمين، ولا يكفرون -أيضاً- أهل الأهواء مطلقاً، إلا بعد بلوغ الحجة على من قام به مكفر من المكفرات، وناقض٢ من النواقض، ولم نكفر إلا من نطق
стр. 395
كتاب الله وسنة رسوله بتكفيره، وخالف أئمة الدين والعلماء المجتهدين، وأجمعت الأمة على تكفيره، كمن بدل دينه، وفعل فعل الجاهلية، الذين يعبدون الملائكة والأنبياء، والصالحين، ويدعونهم مع الله، فإن الله كفرهم وأباح دماءهم وأموالهم، فلا يهولنك سفسطة هذا العراقي، وتمويهه بهذه العبارة، فإنه أول من خالفها، كيف وقد قال فيما مضى من كلامه: (إن لأدلة نصوص الكتاب والسنة ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات) يعني باليقينيات: معقولات الفلاسفة، واليونان، وأنباط فارس، وفروخ الجهمية، وورثة المجوس، والصابئين من المتكلمين الخارجين عن سبيل المؤمنين.
стр. 396
فصل في حكم التوسل والإستغاثة والزيارة والشرك
...
فصل
قال العراقي: (الوهابية، ونفيها التوسل: ذكرنا فيما سبق تكفير الوهابية لمن خالف بدعتها من جميع المسلمين، ونسبتها إياهم إلى الشرك الأكبر، وقد آن لنا أن نذكر ههنا ما اتخذته ذريعة لتكفيرهم من الأمور: فمنها: الاستغاثة بالأنبياء والأولياء، والتوسل بهم إلى الله تعالى، وزيارة قبورهم، فهي قد نفت ذلك وحرمته، وشددت النكير على المستغيثين والمتوسلين والزائرين فكفرتهم وعدتهم مشركين، كعباد الأوثان، بل جعلتهم أسوأ حالاً منهم، حيث قالت: إن المشركين السابقين كانوا مشركين في الألوهية فقط، وأما مشركوا المسملين -تعني بهم من خالفها منهم- فقد أشركوا في الألوهية والربوبية، وقالت أيضاً: إن الكفار في زمن رسول الله ﷺ لا يشركون دائماً، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون الله، ويتركون دعاء الأنبياء والصالحين، وذلك أنهم إذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا بهم، وإذا أصابهم الضر والشدائد
стр. 397
تركوهم وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضراً ولا نفعاً) .
والجواب على سبيل النقض -وسيأتي الجواب على ما يجيب به عما قالت الوهابية- أن نقول:
أما الاستغاثة بالأنبياء والأولياء فهي من الشرك الأكبر، لأن الاستغاثة طلب الغوث، ومن طلب من ميت أو غائب ما لا يقدر عليه إلا الله كان مشركاً، لأن الاستغاثة من أنواع العبادة، فصرفها لغيره شرك.
قال شيخ الإسلام: ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل بميت أو غائب -كما ذكره السائل- ويستغيث به عند المصائب: يا سيدي فلان، كأنه يطلب منه إزالة ضره، أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم.
ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد ﷺ ، وأعلم الناس بقدره وحقه أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك لا١ في مغيبه، ولا يعد مماته ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
وأما التوسل بهم إلى الله، كأن يسأل الله تعالى
стр. 398
بجاههم أو بحرمتهم، فهذا ليس بشرك، بل هو من البدع المحرمة، والذرائع المفضية إلى ما هو أكبر من ذلك.
وأما زيارة قبورهم على الوجه الشرعي، فلا مانع منه. ونسبته إلى الوهابية كذب عليهم. وأما مع شد الرحل فبدعة محرمة، فإن تضمنت زيارتهم دعاءهم والاستغاثة بهم، والالتجاء إليهم، فهو الشرك الأكبر المخرج عن الملة، وأدلة ذلك الآيات التي ذكرها فيما يأتي.
وأما كون مشركي أهل هذه الأزمان أسوأ حالاً من مشركي الجاهلية: فنعم، لأن الكفار الأولين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، فيقرون أن الله هو الخالق الرازق، المحي المميت، المدبر النافع الضار، إلى غير ذلك مما ذكره الله عنهم، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام، وإنما كان شركهم في الألوهية، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وتعظيماً، ومن أنواع ذلك: الدعاء والخوف والرجاء، والحب والتعظيم والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح والنذر والتوكل، والالتجاء، والرغبة والرهبة، والخضوع والخشوع، والإنابة، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، وهذه حال عباد القبور في هذه الأزمان.
وأما كون الكفار في زمن رسول الله ﷺ لا يشركون
стр. 399
دائماً، بل تارة يشركون، وتارة يوحدون، ويتركون دعاء الأنبياء والصالحين، وذلك أنهم إذا كانوا في السراء دعوهم، واعتقدوا بهم، وإذا أصابهم الضر والشدائد تركوهم وأخلصوا لله الدين، وعرفوا أن الأنبياء والصالحين لا يملكون ضراً ولا نفعاً: فهذا ليس هو قول الوهابية، بل هو نص كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥-٦٦] إلى غير ذلك من الآيات.
وأما مشركوا أهل هذه الأزمان فإنه لا يشتد شركهم إلا إذا وقعت بهم الشدائد، فإنهم ينسون الله، ولا يدعون إلا معبودهم، فشركهم دائم في الرخاء والشدة، وهذا أمر معلوم مشاهد، لا ينكره إلا مكابر في الحسيات، مباهت في الضروريات.
قال العراقي: (حملت الوهابية جميع الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الموحدين من أمة محمد ﷺ ، وتمسكت بها في تكفيرهم، منها قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ
стр. 400
غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥-٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:١٠٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣-١٤] ، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣] ، وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤] ، وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧] إلى غير ذلك من الآيات النازلة في المشركين.
فزعم ابن عبد الوهاب أن كل من استغاث بالنبي ﷺ ، وتوسل به أو بغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، أو ناداهم أو سأله الشفاعة، أو زار قبره: يكون في عداد هؤلاء المشركين، داخلاً في عموم هذه الآيات. وشبهته في ذلك: أن هذه الآيات -وإن كانت نازلة في المشركين- إلا أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب) انتهى.
فكل ما ذكره عن الوهابية حق، وبه نقول، إلا ما
стр. 401
كان من لفظ التوسل، أو زيارة القبور، فقد تقدم في الفصل الأول الجواب عن ذلك، وأنا لا نكفر بهما.
ثم انظر ماذا يجيب به من المخرقة السامجة المارجة الساذجة:
قال: (والجواب: أننا لا ننكر أن العبرة هي لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولكن نقول: إن هذه الآيات لا تشمل من زعمت الوهابية أنها شاملة لهم، لما أنه ليس من أحوال الكفار الذين نزلت هذه الآية فيهم شيء عند المتوسلين والمستغيثين، فإن الدعاء يأتي لمعان شتى -كما سنذكره قريباً- وهو في هذه الآيات كلها بمعنى العبادة١، والمسلمون لا يعبدون إلا الله تعالى، وليس فيهم من اتخذ الأنبياء والأولياء آلهة، وجعلهم شركاء لله تعالى حتى تعمهم هذه الآيات، ولا اتقدوا أنهم يستحقون العبادة، ولا أنهم يخلقون شيئاً، ولا أنهم يملكون ضراً ولا نفعاً، بل إنما اعتقدوا أنهم عبيد الله مخلوقون له، وما قصدوا
стр. 402
بزيارة قبورهم والتوسل بهم إلى الله تعالى إلا التبرك بهم، لكونهم أحباء الله المقربين، الذين اصطفاهم واجتباهم فببركتهم يرحم عباده.
قالت الوهابية: إن اعتذاركم هو عين اعتذار المشركين عن عبادة الأصنام، فقد قال تعالى حكاية عن المشركين في اعتذارهم عن عبادة الأصنام ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] . فالمشركون ما اعتقدوا في الأصنام أنها تخلق شيئاً، بل اعتقدوا أن الخالق هو الله تعالى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] . وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ، فإنما حكم الله تعالى عليهم بالكفر لقولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] . قالت: وهكذا المتوسلون بالأنبياء والصالحين يقولون ما هو بمعنى قول المشركين: ليقربونا إلى الله زلفى.
قال العراقي: (والجواب من وجوه: الأول أن المشركين جعلوا الأصنام آلهة، والمسلمون ما اعتقدوا إلا إلها واحداً، فعندهم أن الأنبياء أنبياء، والأولياء أولياء، ليس إلا، فلم يتخذوهم آلة مثل المشركين) .
стр. 403
والجواب عن أجوبة هذا الملحد أن نقول:
ما ذكره العراقي ليس هو حاصل ما تجيب به الوهابية من أشرك بالله غيره، واتخذ معه آلهة من دونه، فإن عندهم من الأدلة والأجوبة ما لم تحط به علماً، ولا تقدر على نقضه وإبطاله، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣] .
فإنهم هم أتباع رسول الله ﷺ على الحقيقة لا على الدعوى والانتساب، ولكنا في هذا المقام إنما نجيب على أجوبته بما يبين بطلانها، ويهدم أركانها، ويهد بنيانها، وإن كان ما أجابهم به أوهن من خيط العنكبوت، فنقول:
قد كان من المعلوم عند من له معرفة بالعلوم الشرعية أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ : منهم من يعبد الأصنام المصورة على صور الصالحين: ود وسواع، ويغوث ويعوق ونسر. ومنهم من يعبد الملائكة، والأنبياء والصالحين، ويجعلونهم وسائط بينهم وبين الله، ويقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم. ومنهم من يعتقد في الأشجار والأحجار، يرجون بركتها، وغير ذلك، ومع ذلك كانوا يعلمون أن الأنبياء أنبياء، وأن الأولياء أولياء، وأن الأشجار -كالعزى- شجرة، وأن مناة أكمة يذبحون لآلهتهم عندها يرجون بركتها، وكذلك اللات
стр. 404
يعلمون أنها صخرة كان يلت عليها السويق للحاج. فبعث الله١ محمداً ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، ولا يصلح٢ منه شيء لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما.
وهؤلاء المشركون لم يعتقدوا في آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأصنام، والملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، أنهم يستحقون العبادة، ولا أنهم يخلقون شيئاً، ولا أنهم يملكون ضراً ولا نفعاً، ويعلمون أن الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر لجميع الأمور، ولكن لم يدخلهم ذلك في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ من إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن يكون الدين كله لله، والنذر كله لله٣، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها بالله، والالتجاء إليه وحده، والتوكل عليه، والخوف والرجاء منه، والدعاء كله لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله.
فإذا عرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم
стр. 405
في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بهم، ويتبركون بهم، لكونهم أحباء الله المقربين الذين اصطفاهم١ واجتباهم: هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. عرفت حينئذ التوحيد التي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وهذا التوحيد هو معنى قولك: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب، ويقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً، أو شجرة أو قبراً أو جنياً. لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر.
فمن صرف من هذه العبادة -المتقدم ذكرها- شيئاً لغير الله فقد اتخذه إلهاً، لأنه صرف خالص حق الله لغيره، وأشركه معه في عبادته، ومن أشرك بالله أحداً في عبادته كان مشركاً، سواء كان المدعو المستغاث به ملكاً أو نبياً أو ولياً أو صنماً.
فقول هذا العراقي: (إن المشركين جعلوا الأصنام آلهة، والمسلمون ما اعتقدوا إلا إلهاً واحداً) . جهل عظيم، وغباوة مفرطة، فإن المشركين عبدوا الملائكة، وعيسى واللات -وهو قبر رجل صالح- مع الأصنام المصورة، وصرفوا لهم خالص حق الله، كما تقدم ذكره.
стр. 406
وأيضاً فإن رسول الله ﷺ لما قال لهم: "قولوا لا إله إلا الله"، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] ، فالكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة منه، وأن يكون الدين كله لله، فإذا صرف المشركون لمن يعتقدون فيه شيئاً من هذه العبادة كانوا بذلك مشركين، فكذلك من يزعم أنه مسلم، ويتلفظ بالشهادتين، ويقر بسائر الأركان إذا صرف من هذه العبادة شيئاً لغير الله كان مشركاً، ولا ينفعه اعتقاده أن الله إله واحد، وهو يعبد معه غيره، ولا تنفعه معرفته أن الأنبياء أنبياء، والأولياء أولياء وهو يشركهم في عبادة الله.
стр. 407
فصل في بيان جهل الملحد بمعنى العبادة
...
فصل
قال العراقي: (الثاني: أن المشركين اعتقدوا أن تلك الآلهة تستحق العبادة، بخلاف المسلمين فإنهم لم يعتقدوا أن أحداً من المتوسلين بهم مستحق لأقل عبادة، وليس عندهم المستحق للعبادة إلا الله وحده) .
والجواب أن نقول: هذه العبادة التي صرفها المشركون الأولون لآلهتهم هي ما يفعله المشركون من عباد القبور في هذه الأزمان سواء بسواء، وإن زعموا أن هذا توسل، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء.
فإن المشركين الأولين ما زعموا أن آلهتهم التي عبدوها من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة، شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، ولا أنهم مستحقون للعبادة، وإنما كانوا يدعونهم ويلتجئون إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم، ليقربوهم إلى الله زلفى.
стр. 408
ويقال لهذا الملحد أيضاً:
لايخلو معتقد هذه الأفعال عن أحد ثلاثة أمور: إما أن يعتقد أنهم مستحقون للعبادة من دون الله، أو مع الله. وإما أن لا يعتقد ذلك، لكن ليقربوهم إلى الله زلفى. وإما أن لا تكون هذه الأفعال عبادة.
فإن كان أراد أن هذه الأفعال١ ليست بعبادة؛ فقد كابر العقل والشرع، وباهت في الضروريات.
وإن كان أراد بها ليقربوهم إلى الله زلفى، مع اعتقادهم أن الله هو النافع الضار، المدبر لجميع الأمور، وأنه لا خالق إلا الله، فهذا هو شرك الجاهلية.
وإن أراد أنهم مستحقون للعبادة من دون الله، أو مع الله، كان هذا أعظم من شرك الجاهلية، فإن هذا شرك في الربوبية والألوهية معاً.
فإذا عرفت أن هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلاً وتشفعاً بجاه النبي ﷺ أو بحقه، وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي ﷺ كالملائكة والأولياء والصالحين، وهو أن يعتقد أحدهم في غير الله أنه بذاته يقدر على جلب منفعة لمن دعاه، أو استغاث به، أو دفع مضرة، أو أن
стр. 409
هذا١ يحصل ببركته وشفاعته كان هذا هو العبادة التي لا يستحقها إلا الله، فإن العبادة التي لا يستحقها إلا الله مع الإقرار بتوحيد الربوبية هي أفعال العبد الصادرة منه، كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع، والخشوع والإنابة والتوكل والمحبة، والتعظيم والاستغاثة والدعاء والالتجاء والاستعانة، والاستعاذة والذبح والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله٢ بها دون من سواه، وهو المستحق لها دون من عداه، فمن صرف منها شيئاً لغير الله كان مشركاً، سواء اعتقد التأثير فيمن٣ يدعوه ويستغيث به، أو أنه مستحق لذلك، أو غير مستحق، أو لم يعتقد ذلك، وإن فر من تسمية فعله ذلك٤ شركاً، وتألهاً وعبادة، فإنه من المعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها، كتسمية عبادة غير الله توسلاً وتشفعاً أو تبركاً، وتعظيماً للصالحين، وتوقيراً، فإن الاعتبار بحقائق الأمور لا بالأسماء
стр. 410
والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة وجوداً وعدماً، لا مع الأسماء.
فقوله عن مشركي هذا الزمان: (إنهم لا يعتقدون أن أحداً منهم بتوسله يزعم أنهم مستحقون لأقل عبادة) تمويه وسفسطة من هذا العراقي، لأن المستحق للعبادة هو الذي تألهه القلوب محبة، وإجلالاً وتعظيماً فمن تأله غير الله فقد اعتقد أنه مستحق للعبادة بتألهه إياه بأنواع هذه العبادة، شاء أم أبى، ولا ينفعه إقراره أن المستحق للعبادة هو الله وحده، وهو يشرك به غيره.
وأما قوله: (الثالث أن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل، كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، والمسلمون ما عبدوا الأنبياء والصالحين في توسلهم إلى الله تعالى) .
فالجواب أن يقال: إن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل الصادر منهم، كالدعاء والحب والخوف والتعظيم والرجاء والاستغاثة، والاستعاذة والذبح لهم، والنذر والالتجاء إليه، فصرفوا لهم هذه العبادة، ليشفعوا لهم عند الله، وليقربوهم إلى الله زلفى، وهكذا حال
стр. 411
مشركي هذه الأزمان، إنما عبدوهم بالفعل والاعتقاد فيهم، وتوسلوا بهم، وقصدوهم لأجل التبرك بهم، والاستشفاع بجاههم، لا لأجل أنهم مستحقون للعبادة، ولا أنهم مستقلون بالخلق والإيجاد، والنفع والضر -وأيضاً- فإن مجرد ارتكاب فعل أو قول، أو اعتقاد لغير الله، مما يعد من العبادة من الدعاء والذبح -وما تقدم ذكره- موقع في الإشراك، سواء وجد معه اعتقاد ألوهية غير الله أم لا.
وأما قوله: (الرابع: إن المشركين قصدوا بعبادة أصنامهم التقرب إلى الله تعالى، كما حكى الله، وأما المسلمون فلم يقصدوا بتوسلهم بالأنبياء وغيرهم التقرب إلى الله تعالى لما أن التقرب إليه لا يكون إلا بالعبادة، ولذلك قال الله حكاية عن المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، بل المسلمون قصدوا التبرك والاستشفاع بهم، والتبرك بالشيء غير التقرب به، كما لا يخفى) .
فالجواب أن نقول: وهكذا حال مشركي العرب مع أوثانهم، إنما كانوا يعتقدون حصول البركة منها، بتعظيمها ودعائها والاستغاثة بها، والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها، ويؤملونه ببركتها وشفاعتها، وغير ذلك،
стр. 412
فالتبرك بالصالحين أو بقبورهم، كالتبرك باللات، وبالأشجار والأحجار، كالعزى ومناة، من جملة فعل أولئك المشركين، مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك، واعتقد في قبر أو صاحبه، أو حجر أو شجر، فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك، على أن الواقع من هؤلاء المشركين في هذه الأزمان مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك، فمن دعا غير الله، واستغاث به ولجأ إليه، وصرف له شيئاً من خالص حق الله، كان هذا الفعل منه بهذا القصد شركاً، بدليل ما رواه الترمذي، وصححه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، لتتبعن سنن من كان قبلكم" ١.
стр. 413
فقوله: "وينوطون بها أسلحتهم" أي يعلقونها للبركة، ففي هذا بيان أن عبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الأمور الثلاثة عبدت الأشجار ونحوها، فظنوا أن هذا الأمر محبوب عند الله، فقصدوا التقرب به، فأقسم ﷺ أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، بجامع أن كلا طلبه أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، وإن اختلف اللفظان، فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن طلبتهم من النبي ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط، يتبركون بها، كطلبة بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهاً، فأقسم ﷺ أن مقالة هؤلاء كمقالة أولئك سواء بسواء، وإذا كان القصد من الشرك بالشيء -كالتبرك مثلاً- هو القصد من التأله به، كان الكل عبادة يتقرب بها إلى الله، فالفرق بين العبادتين
стр. 414
لاختلاف اللفظين تحكم بغير دليل، فقد اتضح عدم الفرق في هذه القضية، فانجلت الشبهة العراقية.
وأما قوله: (الخامس: أن المشركين لما كانوا يقصدون أن الله تعالى جسم في السماء، أرادوا بقولهم: ليقربونا إلى الله زلفى. التقرب الحقيقي، ويدل عليه تأكيده بقولهم: (زلفى) إذ تأكيد الشيء بما ظاهره معناه يدل في الأكثر على أن المقصود به هو المعنى الحقيقي دون المجازي، فإذا قلنا: قلته قتلاً، تبادر القتل الحقيقي إلى الفهم، لا الضرب الشديد، بخلاف ما لو قلنا: قلته فقط. فإنه قد يراد به الضرب الشديد، وأما المسلمون فحيث لم يقصدوا أن الله جسم في السماء، بعد منهم أن يطلبوا التقرب الحقيقي إليه بالتوسل، فلا ينطبق عليهم حكم الآية) .
نعم. إن الوهابية لما اعتقدت أن الله تعالى جسم استوى على عرشه في السماء، لم تجد للتبرك الذي قصده المسلمون بتوسلهم معنى غير التقرب الذي يكون إلى الأجسام، ولذلك جعلت هذه الآية منطبقة عليهم) .
فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم أن مشركي
стр. 415
الجاهلية لا يعرفون من لفظ الجسم ما أحدثه هؤلاء المتأخرون من أنه مركب إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المنفردة، أو ما تركب من أجزاء متفرقة، ولا كانوا يعرفون ما أحدثه هؤلاء من لفظ "الأعراض" و"الأغراض" و"الأبعاض" و"الحيز" و"الجهة". وإنما يعرف هذا عن١ ورثة المجوس، والمشركين وضلال اليهود، والنصارى والصابئين، وأفراخ المتفلسفة، وأتباع الهند، واليونان، وأما العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فإن الجسم معناه في لغتهم البدن الكثيف، الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه، فلا يقال للهواء جسم لغة، ولا للنار ولا للماء.
وإذا كان ذلك كذلك، كان هذا المعنى منفياً عن الله تعالى عقلاً وسمعاً.
وكذلك ما يعني هؤلاء الملاحدة بالجسم أنه مركب إما٢ من المادة والصورة والهيولي، أو من الجواهر المنفردة٣، أو من الأجزاء المتفرقة: منفي عن الله تعالى باتفاق من أثبته ومن نفاه من العقلاء، حتى في الممكنات.
فإذا تمهد هذا فالكفار الجهال كانوا أصح عقولاً،
стр. 416
وأسلم فطراً من ورثة المتفلسفة، والصابئين، وأنباط فارس، والروم، فإنهم كانوا يعلمون بفطرهم التي فطروا عليها أن الله الذي خلقهم وأوجدهم: فوق السماء، كما قال ﷺ لحصين الخزاعي: "كم كنت تعبد؟ " قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: "من كنت تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء١.
وكانوا إذا لجئوا إلى الله ودعوه رفعوا أبصارهم وأيديهم إلى السماء. ومن أشعارهم قول أمية بن أبي الصلت الثقفي، الذي أنشد للنبي ﷺ فاستحسنه، وقال: "آمن شعره وكفر٢ قلبه" قال٣:
стр. 417
مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيراً
بالبناء الأعلى الذي سبق النا ... س وسوى فوق السماء سريرا
شرجعاً ما يناله بصر العـ ... ـين ترى دونه الملائك صورا
وقول عبد الله بن رواحة ﵁ حين قال:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا١
وإذا كان العرب يعرفون بفطرهم أن الله فوق السماء، ولا كانوا يعرفون ما أحدثه هؤلاء من لفظ الجسم على اصطلاحهم الحادث الملعون، واختلافهم في ذلك، كان تفريعاً باطلاً على تأصيل باطل مخترع، فكان٢ من المعلوم
стр. 418
أن المشركين إنما اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم إنما هو بطلب القربة والمنزلة عند الله، بشفاعة من يعبدونه، والقربى هي المنزلة، فكان من المعلوم أنهم ما طلبوا منزلة مجازية لا حقيقة لها في الخارج.
قال البغوي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [الزمر: ٣] ، يعني: الأصنام ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣] ، أي قالوا ما نعبدهم: ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ،وكذلك قرأ ابن مسعود وابن عباس. قال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم ومن خلقكم، ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى. أي قربى، وهو اسم أقيم مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريباً ويشفعوا لنا عند الله.
وبهذا يندفع توهم هذا العراقي أن التقرب بالمعنى المجازي، لا على المعنى الحقيقي، لأنه لا يعتقد أن الله على عرشه، بائن من خلقه، فلذلك ظن أن١ المشركين كانوا يعتقدون أن الله في السماء على عرشه فوق خلقه، وإذا كان على عرشه فوق خلقه كان جسماً، وقد بينا فيما
стр. 419
تقدم بطلان ما توهمه من اللوازم التي أحدثوها، ما أنزل الله بها من سلطان ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] .
وإذا تبين لك ما قدمناه، كان حكم الآية منطبقاً١ على هؤلاء المشركين، الذين يزعم هذا الملحد أنهم مسلمون.
وأيضاً فإن هذا الملحد، ومن نحا نحوه من المشركين، حيث أنكروا التقرب الحقيقي، فمرادهم أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش إله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله ﷺ إليه حقيقة، ولا يتقرب إليه بشيء، ولا يقرب منه أحد، لأنه يلزم على هذا عندهم أن يكون جسماً، وقد علم بالاضطرار أن الله لا سمي له، ولا كفو له، ولا مثل له، فإنه أحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، فلا ننفي عن الله ما أثبته لنفسه لتسمية الملاحدة أعداء الله ورسوله للموصوف بها جسماً، وهؤلاء الضلال قد جمعوا بين الشرك في الإلهية، وبين تعطيل الرب عن صفات كماله، ونعوت جلاله، فكان المشركون
стр. 420
الأولون أخف شركاً منهم، لأنهم ما أنكروا علو الله على عرشه، ولا عطلوه من صفات كماله.
стр. 421
فصل في أنواع الشرك، وجهل الملحد بها
...
فصل
قال الملحد: (ويجدر بنا أن نبين هنا أنواع الشرك، فنقول: منها ما يقال له: شرك الاستقلال، وهو إثبات إلهين مستقلين، كشرك المجوس. ومنها: شرك التبعيض، وهو تركيب الإله من عدة آلهة، كشرك النصارى. ومنها: شرك التقريب، وهو عبادة غير الله تعالى ليقرب إلى الله زلفى، كشرك الجاهلية. والشرك الذي جعلته الوهابية أصلاً لشرك المستغيث والمتوسل، وبنت عليه قاعدتها، هو شرك التقريب الذي دانت به الجاهلية) .
والجواب أن نقول: هذا التقسيم بهذا اللفظ لم أجده في شيء من كتب أهل الإسلام، الذين هم الأسوة، وبهم القدوة، ولم ينسبه إلى عالم من علماء الإسلام، وإنما هو تنويع عراقي، وفيه من التقصير والقصور ما لا يخفى.
وإذا كان هذا مبلغ علمه، ومحصول ما لديه، تعين أن نذكر من أقوال أهل العلم ما يبين تخليط هذا العراقي
стр. 422
وتخبيطه، حيث اعتقد أن ما يفعله المشركون في هذه الأزمان ليس من الشرك، فنقول: اعلم أن ضد التوحيد الشرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.
والدليل على الشرك الأكبر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦] . ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] .
وهو أربعة أنواع: شرك الدعوة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] .
النوع الثاني: شرك النية والإرادة والقصد. والدليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥-١٦] .
النوع الثالث: شرك الطاعة. والدليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
стр. 423
مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] ، وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله قال: لسنا نعبدهم. فذكر أن عبادتهم طاعتهم في المعصية١.
стр. 424
النوع الرابع: شرك المحبة. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ [البقرة: ١٦٥] .
وأما النوع الثاني: فهو الشرك الأصغر، وهو الرياء. والدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ١١٠] ، وهو أنواع.
стр. 425
والنوع الثالث: الشرك الخفي. والدليل عليه قوله ﷺ : "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء، على صفاة١ سوداء، في ظلمة الليل". وكفارته قوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم".
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشرك الأول نوعان: أحدهما شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال وما رب العالمين؟ وقال تعالى مخبراً عنه إنه قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] .
فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق سبحانه، وصفاته، ولكن عطل حق التوحيد.