← Акыда

Акыда · id 7664

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

سليمان بن سحمان

Полный текст (691 стр.). Показаны 666–691 · переход к 671.

стр. 666

والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] ، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧] فوصف خواص عباده بالوفاء والنذر، وأثنى عليهم بذلك، وفي الآية الأخرى الوعد بالإثابة والجزاء، فثبت أنه عبادة يحبها الرب ويرضاها -أي الوفاء به- وما كان كذلك فيجب إخلاصه لله، لأن صرف العبادة لغير الله شرك. وفي حديث علي: "لعن الله من ذبح لغير الله" ١، وهذا العراقي وأمثاله من القبوريين دفعوا في صدر النصوص بشبهات وهذيان لا يصدر عمن يعقل ما يقول. وفي آخر العبارة التي نقلها العراقي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحكم عام في قبر نفيسة، ومن هو أكبر من نفيسة، من الصحابة، مثل قبر طلحة والزبير، وغيرهما بالبصرة، وفي سلمان وغيره بالعراق. قلت: وفيها بيان تدليس العراقي، وأنه أسقطها ليروج قوله: (فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين) إلى أن قال الشيخ: (فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى الله، وأنها تكشف الضر، أو تفتح الرزق، أو تحفظ مصر، فإن هذا كافر مشرك،

стр. 667

يجب قتله، وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائناً من كان ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٥٦] . ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣] ، والقرآن من أوله إلى آخره، بل وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعل مع الله إلهاً آخر. والإله من يألهه القلب عبادة واستعانة وإجلالاً وإكرماً، وخوفاً ورجاء، كما هو حال المشركين في آلهتهم. وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق ومصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"١ وقال النبي ﷺ لحصين الخزاعي: "يا حصين كم تعبد؟ " قال: أعبد سبعة آلهة، سنة في الأرض وواحد في السماء، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء، قال: يا حصين فأسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، فلما أسلم قال: "قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي" ٢ والله أعلم انتهى.

стр. 668

قلت: فانظر إلى تصريح الشيه أن من اعتقد في مخلوق أنه باب الحوائج إلى الله -يعني واسطة في الحوائج- أو أنه يكشف الضر، أو يفتح الرزق، أو يحفظ مصر: أنه كافر مشرك، يجب قتله، وهذا بعينه معتقد عباد القبور والناذرين للموتى، المستغيثين بهم، وهو طريقة العراقي، ومذهبه الذي نصره، وقرره واستظهره، وزعم أنه لا يضر إلا إذا اعتقد الاستقلال لغير الله، كما مر عنه في غير موضع، وسيأتيك هذا القيد فيما يأتي من كلامه في مواضع متعددة. والشيخ قد رد عليه في هذا، وأبطل هذا الشرط بقوله: وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق مصنوع -وساق ما يقوله المشركون في تلبيتهم، وساق حديث حصين- وهذا لأن الآيات القرآنية دالة على تكفير هذا النوع -أعني من اتخذ

стр. 669

الشفعاء والوسائط، وقصدهم في حاجاته وملماته كما كان يفعله المشركون مع آلهتهم- فكل هذا أعمى الله بصيرة العراقي عنه ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . قال الشيخ صنع الله الحلبي نزيل مكة: وأما كونهم جوزوا الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور، فيقال: هذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان وفلان فهو لغير الله، فيكون باطلاً، وفي التنزيل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، والحديث: "لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله" متفق عليه١. وورد: أن من حلف بغير الله فقد أشرك٢. رواه الحاكم وغيره. ونحو النذر لغير الله الذبح، وفي التنزيل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، أي إن صلاتي وذبحي لله كما به نظير قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الآية [الكوثر:٢] ، وفي الحديث: "لا نذر في معصية الله "٣ رواه أبو داود وغيره.

стр. 670

والنذر لغير الله إشراك مع الله فلا أكبر من معصيته، وفي التنزيل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] فالنذر لغير الله كالذبح لغيره. وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود، والذبح والنذر واليمين. ومن ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها. ولو أشرك مع اسمه أحداً، كقوله: باسم الله ومحمد ﷺ -بواو العطف، فكذا تحرم ذبيحته، وكذا لو ترك اسم الله عمداً على الذبيحة، لا تؤكل عندنا، فهي ميتة بصريح قوله جل ذكره: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، فترك المؤمن ذكر الله عمداً كذكر غيره. نعم لو قال: هذا النذر لله يذبح في مكان كذا، ويصرف على جماعة فلان، أو على رباط فلان، فلا بأس به، كما في الوقف على فلان وفلان، فإن قوله: لله، ملك له، وتصرف غلته على من عينه الواقف، وكذا هنا. والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين لهم الأجور؟ وكذا الذبائح، ومن قال: إن هذا النذر لفلان، وهذه الذبيحة لفلان، فهو من العصيان، ومن نذر لله ذبحاً أو غيره، وقال: يذبح بمكان كذا، ويأكله قوم جاز، والله الهادي.

стр. 671

قلت: وإذا نذر لله وجعل مصرفه على السدنة والمجاورين عند القبور فهو نذر معصية لا يجوز، ويجب صرفه في القرب الشرعية كالحجاج والمعتكفين في المساجد، وقد ذكر هذا غير واحد، والمنع منه لما فيه من الإعانة على العكوف عند القبور الذي هو من أكبر الوسائل والذرائع إلى عبادتها أو دعائها قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وفي الحديث: أن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً ببوانة قبل إسلامه، فلما أسلم سأل رسول الله ﷺ عن نذره، فقال: "هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية؟ " قال: لا، قال: "هل كان بها عيد من أعياد الجاهلية؟ " قال: لا، قال: "فأوف بنذرك" ١، ففيه المنع من عبادة الله في أماكن الشرك، وعبادة غيره للمشابهة الصورية، وإن لم تقصد فكيف بالذرائع والوسائل القريبة المفضية إلى

стр. 672

عين الشرك، ونفس المحذور الأكبر، فقف وتأمل إن كان لك بصيرة تدرك بها أسرار الشريعة. انتهى. وأما قوله: (وأما الذبح فقد ذكره ابن القيم في المحرمات لا في المكفرات إلا إذا ذبح لما عبد من دون الله، وكذلك أهل العلم ذكروا أنه مما أهل به لغير الله ولم يكفروا صاحبه) . فالجواب أن نقول: أما ذكره في كتاب الكبائر من الذبح لغير الله، وجعله من المحرم فنعم هو محرم قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا -إلى قوله- لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١-١٥٣] . فجعل هذا محرماً، هذا عرف القرآن والسنة والشرع، والعراقي لجهله وسوء قصده، يحمل كلام أهل العلم على العرف النبطي الحادث واصطلاح العامة فقاتل الله الجهل والهوى، فما أغلظهما حجاباً بين العبد والهدى. قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: "وأيضاً فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ظاهره ما ذبح لغير الله سواء لفظ فيه به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه

стр. 673

باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفراً من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقرباً إليه لحرم، ولو قال فيه: بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن" انتهى كلام الشيخ. فأخذ هؤلاء المعترضون السطر الأخير من كلامه أو بعض السطر، وأخذ المشبه وترك المشبه به، لأن في الأول التصريح بردة من ذبح لغير الله، وأن الذبح للجن مانع آخر، لأنه مما أهل به لغير الله، وقوله في العبارة فإن: (عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة بغير الله) فتركوا هذا، وسرقوا بعض العبارة، واختلسوا منها كاختلاس الشيطان من صلاة العبد واختطافة بعضها. وفي العبارة التصريخ بكفر من استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، خلافاً للعراقي وشيعته من عباد القبور، الصادين عن سبيل الله، المحرفين للكلم عن مواضعه، الوارثين لليهود في تحريف كلمات الله، وتبديل دينه. وقال صاحب "الروض" من كتب الشافعية: (إذا ذبح المسلم للنبي ﷺ كفر) نقله شيخنا ﵀ وذكره غير

стр. 674

واحد من المفسرين في الكلام على قوله: (وما أهل لغير الله به) . ونقل بعضهم عن فقهاء بخارى أنهم أفتوا بتحريم ما عقر بين يدي الملوك، تعظيماً لهم، لأنه مما أهل لغير الله به. قال العلامة الشوكاني: قال بعض أهل العلم: إن إراقة دماء الأنعام عبادة، لأنها إما هدي، أو أضحية، أو نسك، وكذلك ما يذبح للبيع، لأنه مكسب حلال، فإنه عبادة، ويتحصل من ذلك شكل وضعي هو إراقة دم الأنعام عبادة، وكل عبادة لا تكون إلا لله، فإراقة دم الأنعام لا تكون إلا لله، ودليل الكبرى قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] ، ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] . ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] انتهى. ويكفي المؤمن في هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١-٢] ، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:

стр. 675

٣٧] فإن الإحسان أعلى مراتب الإيمان، ودخول هذه العبادة فيه لأن السياق لها ظاهر لا يخفى. وفي المسند عن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب" قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليه شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ما عندي شيء أقربه، قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً، فخلوا سبيله، فدخل النار، فقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد دون الله ، فضربوا عنقه، فدخل الجنة" ١.

стр. 676

وقف عند هذا، وتأمل حكمة الشريعة وسرها في إخلاص العبادة والتعظيم الذي لا ينبغي إلا لله، ولو بأحقر شيء، كالذباب، فكيف بكرائم الأموال، والله المستعان. انتهى. ثم إن من العجب استدلال هذا الملحد بكلام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الموضع وفي غيره مما تقدم. وهذا الملحد قد ذكر فيما تقدم من قوله: (والوهابية قد خبطت كل الخبط في تنزيهه تعالى، وحيث أبت إلا جعل استوائه سبحانه ثبوتاً على عرشه، واستقراراً وعلواً فوقه، وأثبتت له الوجه واليدين، وبعضته سبحانه، فجعلته ماسكاً بالسموات على أصبع، والأرض على أصبع والشجر على أصبع، والملك على أصبع، ثم أثبتت له الجهة، فقالت: هو فوق السموات، ثابت على العرش، يشار إليه بالأصابع إلى فوق إشارة حسية، وينزل إلى السماء الدنيا ويصعد) . وقد علمت أن نفي هذا وجحده هو مذهب الجهمية، وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

стр. 677

ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البدان واللالكائي الإمام حكاه عنهم ... بل قد حكاه قبله الطبراني فذكر ﵀ كفرهم عن خمسمائة عالم. وقال شيخ الإسلام لما ذكر أهل الأهواء: قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست من أمة محمد ﷺ . فطائفة هذا الملحد عن شيخ الإسلام وابن القيم، هم من أكفر خلق الله، وأبعدهم عن سواء السبيل. قال ابن القيم ﵀ في "الجواب الشافي": الشرك شركان، شرك يتعلق بذات المعبود، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، والشرك الأول نوعان: أحدهما شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وما رب العالمين) ، وقال تعالى مخبراً عنه: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦-٣٧] فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل

стр. 678

معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق سبحانه وصفاته، ولكن عطل حق التوحيد. وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. والمقصود أن هذا العراقي اجتمع فيه من الكفر تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وصفاته، فزعم أن الله تعالى ليس على السموات على عرشه، ولا هو فوقه، ولا يشار إليه إلى فوق، بل زعم أن ما ورد من الإشارة إليه في السماء محمول على أنه تعالى خالق السماء، وأن السماء مظهر قدرته، وأنكر عروج النبي ﷺ إلى السماء حين أسري به، فقال: (وكذلك العروج إليه تعالى هو بمعنى العروج إلى موضع بتقرب إليه بالطاعات) وأنكر رؤية الله تعالى في الآخرة، وأنكر أحاديث النزول، وذكر أن من قال إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل آخر ليلة، فقد زعم أن الله جسم، وأن الله منزه عن ذلك، فعطل الله من أوصافه وأفعاله المقدسة، وأضاف إلى هذا الكفر الشرك في معاملته سبحانه

стр. 679

بإجازته الاستغاثة بغير الله، والاستشفاع به، والإلتجاء إليه، وأن النذر والذبح لغير الله ليس بشرك إذا اعتقد أن الله هو الخالق المنفرد بالإيجاد، وأنه هو المؤثر لا غيره، ومع هذا كله يستدل بكلام شيخ الإسلام وابن القيم، وهما يكفرانه، وهو يعلم ذلك، ولكنه أراد التلبيس على خفافيش الأبصار أن شيخ الإسلام وابن القيم لا يكفران من نذر لغير الله، أو ذبح لغير الله. والمقصود بيان ضلاله، وخروجه عن الصراط المستقيم، واتباعه غير سبيل المؤمنين، وأنه ممن نكب عن الصراط المستقيم، ودخل في جملة أصحاب الجحيم.

стр. 680

فصل في بيان الركوب إلى النصارى واتخاذهم أولياء ... فصل ثم اعلم أيها الواقف على هذا الكتاب، والناظر في هذا الجواب، أنا قد حررنا فيما مضى شيئاً يسيراً على ما افتراه هذا العراقي على الوهابية، من الكذب والزور، والإفك والفجور، بزعمه أنهم نزعوا إلى الدولة الأجنبية -يعني الإنكليز النصارى- وأنهم استعانوا بهم، كما ذكره في مقدمة رسالته. وفي آخرها قال: (فتراها تكفر من يتوسل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ ، ويستعين باستشفاعه إلى الله تعالى على قضاء حوائجه، وهي لا تخجل إذ تستعين بدولة الكفر على قضاء حاجتها التي هي قهر المسلمين وحربهم، وشق عصاهم، والمروق عن طاعة أمير المؤمنين الذي أمر الله تعالى في كتابه المبين بلزوم طاعته -كما بسطناه في مقدمات الرسالة- وتتخذ أعداء الدين أولياء، تستمد منهم في إحضار القوى التي تسعى بها إلى الفساد، وتلج بها في الغواية والعناد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:

стр. 681

٥١] سحقاً للوهابية، إنها لا تدري أن أولئك الأولياء الذين تتخذهم ذريعة لقهر المسلمين -إذا ثبت قدمهم- فإنهم يقهرونها، ويهتضمونها أيضاً مع من تعده خصماً مخالفاً لمذهبها) . هذا قول الملحد بحروفه. وجميع ما ذكره من الكذب الفاضح، والإفك الواضح على الوهابية، بل هؤلاء الذي يزعم أنهم المسلمون قد ظهر مكنون ما لديهم ومحصول ما انطوت عليه ضمائرهم، من الميل إلى أعداء الله، وأعداء رسوله ودينه، وهذا الملحد المفتري من جملتهم، ومن أنصارهم وأعوانهم، فإنه قد كذب على الوهابية، ورماهم بما هو وحزبه أهله لا أهل الإسلام، فقد أكذبه الله ونكسه على رأسه، وعاد فجوره عليه، وعلى من قام في نصرته، بما أظهروه واجتمعوا عليه من الدستور، وما أعلنوه من الكفر والفجور "سنة١٣٢٦" لست وعشرين بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية، فصرحوا فيه أنها عيسوية، موسوية عثمانية عربية، وأن كل هذه الطوائف المتباينة في أديانها تكون إخواناً، وأنها تجتمع على حرب من خرج عن حكم هذا الدستور، ونصبوا في كل الأماكن من ديارهم مدارس يعلمون الناس دين النصرانية، وجعلوا قاضياً عاماً من الإنكليز الكفار يحكم بين الناس، لأنه

стр. 682

بزعمهم أعلم بالسياسات، يكون ذلك القاضي بمصر، فتبين بهذا أنهم هم الذين نزعوا إليهم، واتخذوا أعداء الدين أولياء وإخواناً، وأنهم هم الذين سعوا بهذا إلى الفساد، وولجوا به في الغواية والعناد. قال الله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [المائدة: ٨٠-٨١] . وأنهم هم الذين مرقوا عن طاعة أميرهم وسلطانهم، حتى عزلوه، وجعلوا الأمر شورى بين من نزع إلى أعداء الله ورسوله، واتخذوهم أولياء، وجعلوهم إخواناً وأخداناً، فما حكم به هذا الملحد في مقدمات رسالته من مروق الوهابية بزعمه، عاد عليه وعلى إخوانه. فهلا نصح هذا العراقي نفسه، ورجع إليها باللوم والعتاب، وترك أهل الإسلام المتمسكين بحكم السنة والكتاب، الذين باينوا أعداء الله ورسوله من جميع الطوائف، ولم يدخلوا تحت أوامرهم، ولا أخذوا بقوانينهم، ولم ينبذوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهورهم، كما فعله أعداء الله ورسوله. وقد كان من المعلوم والمتقرر المفهوم أن ما حكاه عن

стр. 683

الوهابية من نزوعهم إلى الدولة الأجنبية أنه من الكذب الظاهر، وأنه هو وأشياعه هم الذين نزعوا إليهم، وحكموا قوانينهم، فبعداً للقوم الظالمين. وهذا كتاب الله ينادي بكفر من اتخذهم أولياء، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية [المائدة:٥١] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٧-٥٨] إلى غير ذلك من الآيات، وهذا لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل ودين، وقد وضح الحق واستبان، وما بعد الحق إلا الضلال. والحمد لله الذي هدانا لدين الإسلام، وجنبنا طريق هؤلاء الجهلة الطغام، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله سيد المرسلين، وإمام المتقين،

стр. 684

وقائد الغر المحجلين، محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد قرظ على جواب "جميل" رجل يقال له: "عبد الصمد بن أحمد النساك" وهذا جواب على تقريظه، ومن الله أستمد الصواب: ألا قل لأهل الجهل من كل مازق ... وكل كفور من ذوي الغي مارق كلام جميل لا جميل فينتقى ... ولا بسديد يرتضى في الحقائق على أنه همط وخرط ملفق ... أكاذيب لا تعزى إلى نقل صادق أتى فيه بالكفر الصريح مجاهراً ... ومرتضياً ما قد أتى من شقائق لعمري لقد أوهى به مهيع الهدى ... وأعلى به سبل الردي بالمخارق وهدّ به ركناً من الدين شامخاً ... وشاد من الكفران أخنع زاهق كتاب حوى إفكاً وزوراً ومنكراً ... وكفراً وتعطيلاً لرب الخلائق

стр. 685

فعطل أوصاف الكمال لربنا ... وعن كونه من فوق سبع الطرائق وأنكر معراج الرسول حقيقة ... بذات رسول الله سحقاً لمارق وأوله تأويل من ليس مؤمناً ... بمن جاء بالوحيين أصدق صادق وأنكر رؤيا المؤمنين لربهم ... فتباً له تبا وسحقاً لمازق وسمى كتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله أزكى الخلائق ظواهر لا تبدي يقيناً لأنها ... على زعمه ظنية في الحقائق فلا يستفيد المؤمنون بها الهدى ... ولكن بمعقولات أهل الشقاشق فإن خالفت معقول من أسسوا لهم ... قواعد كفر شامخات الشواهق فحق على كل امريء بل وواجب ... تأول عن مدلولها بالمخارق وتصرف للمرجوح عن حكم راجح ... لأجل مقالات الغواة الموارق

стр. 686

وإلا فبالتفويض حتماً لديهموا ... إذا لم تأول في خلاف الحقائق وتفويضهم إبطالهم عن حقائق ... تدل عليها بالمعاني الشقاشق فلا عالماً بالعلم فيما لديهموا ... ولا راحماً ذو رحمة بالخلائق ولا قادراً ذو قدرة فصفاته ... تأول عن وصف لها بالحقائق فليست معانيها بأسماء ربنا ... بمشتقة ذا قول كل مشاقق وقدم حكم العقل حتماً بزعمه ... على النقل فيما قد رأى كل مارق لأن لديهم إنما العقل أصله ... وهذا افتراء من جهول ممازق فتباً لمن يبدي ثناء ومدحة ... لتأليفه أو ما حوى من شقاشق فما كان فجراً صادقاً١ في ظهوره ... ولكنه فجران يبدو لرامق

стр. 687

ووالله ما أبدى صواباً ولم يكن ... على المنهج الأسنى وليس برائق وليس يروق الكفر إلا لزائغ ... عن الحق أو مستغرق بالعوائق وجوز أن يدعى سوى الله بالرجا ... وبالخوف والتعظيم فعل المشاقق وأن يستغيث المشركون بغيره ... وأن يلجئوا في كل خطب مضايق فتباً لعباد القبور الذين هم ... حماة ذوي الأهواء من كل مارق فقد نبذوا الوحيين خلف ظهورهم ... وقد حكموا القانون بين الخلائق وقد أحكموا عقد الأخوة بينهم ... وبين النصارى واليهود الموارق وقد أحكم الله العداوة بيننا ... وبين ذوي الكفران أهل الشقاشق وآراؤهم لم تقضِ إلى أخوة ... وصلحاً وتوفيقاً بمحض التطابق وعابوا علينا باتباع نبينا ... وقد تبعوا أحكام كل منافق وقد زعموا أنا وهم أهل خلة ... لأهل الكتاب المارقين السوابق

стр. 688

ونحن براء من ذوي الكفر جملة ... فلسنا وإياهم بحكم التوافق ونحن على دين النبي محمد ... ونكفر بالطاغوت دين المشاقق ونرمي عداء الدين من كل مارق ... وكل جهول ماذق بالجلاهق ودونك من هذا الضياء شوارقا ... توضح منهاجاً لأهدى الطرائق وتنشر أعلام الهدى مستنيرة ... وتمحق أهل الكفر من كل مارق وتصعقهم صعقاً فينثل عرشهم ... وتهدم من أركانهم كل شاهق وذاك بقال الله قال رسوله ... وما قاله الأصحاب أهل السوابق وأتباعهم والتابعون ومن على ... طريقتهم من كل حبر موافق وصل على المعصوم ربي وآله ... وأصحابه أهل النهى والحقائق وتابعهم والتابعين لنهجهم ... على السنن المحمود من كل لاحق تم بحمد الله

стр. 689

قال محققه -عفا الله عنه: تم تصحيح هذا الكتاب، والتعليق عليه، قدر الجهد والطاقة في يوم الأربعاء الموافق ٢٤/٤/ ١٤١٠هـ، والحمد لله الذي نعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم.

стр. 690

تقريظ الشيخ محمد بن حسين الأنصاري طائر السعد بالتهاني أتاني ... بسرور مبشراً بالأماني أن بدا طالع الزمان بحبر ... ثابت الجأش ماله من ثاني بعلوم بها لقد أفحم الخصـ ... ـم وفيه قد قام بالبرهان أعنى حبر الأنام قدوة نجد ... ذا سليمان عالي البنيان فسليمان جل قدراً وفضلاً ... وعلوماً تسمو مدى الملوان سالم العرض والشمائل والأخـ ... ـلاق مما يشين في كل آن قامع الملحدين منه بوعظ ... وبكتب تخال مثل السنان بلسان كوابل الغيث في السـ ... ـلم وسيف في حلبة الميدان يفحم الخصم بالدليل وإلا ... فبعضب يرى كسيف يماني يطلب الحق والرشاد إلى الحـ ... ـق له ديدن على كل شاني

стр. 691

دام في العز والسعادة والمجـ ... ـد بنصر وخصمه في الهوان في أمان الإله يرعى ويحظى ... بالذي يرتجى ونيل الأماني مع عبد العزيز آل سعود ... نجل عبد الرحمن فخر الزمان جاهداً في الإله حق جهاد ... بسنان وساعد وجنان شاهر السيف والسنان على من ... قد غدا ملحداً وذا عدوان ناصر الدين تابع الحق أضحى ... ثابت الجأش كامل الإيمان دام يرقى إلى المعالي بسعد ... وبنصر علا على رغم شاني قامع الابتداع من كل قطر ... مفحم القرن قائم البرهان ما تغنت بلابل الأيك تشدو ... وتلتها حمائم الأغصان أو حدا بالقريض نجل حسين ... بو خليل في الهند سيف يماني