فالجواب أن يقال: ليس هذا جواب الوهابية فقط، بل قد ذكره ابن القيم ﵀ في كتاب "الروح" فقال:
وأما قول أهل النار ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] فتفسير هذه الآية، الآية التي في البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] ، فكانوا أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور.
فصار جوابك هو الذي يضحك منه الصبيان، لأنه مكابرة للقرآن، لأن الله وحده قد أخبر أنهم كانواً أمواتاً وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٨٧] ثم أحياهم سبحانه بإخراجهم إلى دار الدنيا، ثم أماتهم سبحانه، ثم يحييهم يوم النشور.
وبما ذكره ابن القيم ﵀ قال أهل التفسير:
قال الحافظ ابن كثير ﵀ على هذه الآية: يقول الله تعالى مخبراً عن الكفار أنهم ينادون يوم القيامة، وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من
стр. 632
عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به- إلى أن قال:
أما قوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] ، وكذا قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك.
وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.
وقال السدي: أميتوا في الدنيا، ثم أحيوا في قبورهم، فخوطبوا، ثم أميتوا، ثم أحيوا يوم القيامة.
وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان، لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات.
والصحيح قول ابن مسعود، وابن عباس، ومن تابعهما ... إلى آخر كلامه ﵀.
فإن كان ما قال أصحاب رسول الله ﷺ يضحك الصبيان، فليس على وجه الأرض كلام صحيح إلا ما صححه هذا الملحد بمعقوله الذي هو بكلام المجاذيب أشبه به من كلام المجانين، وحيث نسب تفسير أصحاب رسول الله ﷺ إلى الوهابية، فأهلاً به أهلاً، فإنا به قائلون، وعلى ما أثبوته معتمدون، ولما سواه نافون.
стр. 633
وأما قولة العراقي: (وأما جوابها أن الإماتة الأولى هي إماتة الناس بعد حياتهم في عالم الذر، فهو أوهن من جوابها الأول، لأن الناس في عالم الذر لم يكونوا غير أرواح ... ) الخ.
فأقول: هذا الجواب ليس هو للوهابية، بل هو كلام ابن زيد، وقد ضعفه ابن كثير كما تقدم، وهو مبني على خلاف العلماء في خلق الأرواح، هل هو مقدم على أبدانها أم متأخر، والصحيح الذي تشهد له النصوص من الكتاب والسنة أن خلقها بعد خلق الأبوين، وذلك بعد إرسال الله ملك الأرواح إلى النطف في بطون الأمهات ينفخ فيها الروح، والذي ثبت إنما هو إثبات القدر السابق، وتقسيمهمم إلى شقي وسعيد.
وأما الأحاديث التي وردت في تقدم خلقها على أبدانها، فلا يصح منها شيء، والصحيح الثابت هو ما ذكره ابن القيم من الوجوه التي ذكرها في الفصل الذي ذكر فيه الأدلة على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق الأبدان، وبه الكفاية، فمن أراد تحقيق المسألة فهي مبسوطة في كتاب "الروح" في هذا الفصل.
وإذا تقرر هذا فليس للوهابية كلام على هذه المسألة منسوب إليها، فيكون هذا الجواب جواباً له، بل هو جواب
стр. 634
باطل فاسد على أصل لا يصح بدليل شرعي ثابت، فإن كان تكلم في هذه المسألة أحد ممن تنسبونه إلى الوهابية فربما.
وأما الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه فليس لهم فيها كلام معروف، غير ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، والقول الذي نعتمده في هذه المسائل كلها هو ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" قال رحمه الله تعالى:
стр. 635
فصل
في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم
ولأجل هذا رام ناصر قولكم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان
قال الرسول بقبره حيّ كما ... قد كان فوق الأرض والرجمان
من فوقه أطباق ذاك الترب واللـ ... ـبنات قد عرضت على الجدران
لو كان حيا في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان
ما كان تحت الأرض بل من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن
أتراه تحت الأرض حياً ثم لا ... يفتيهموا بشرائع الايمان
ويريح أمته من الآراء والـ ... ـخلف العظيم وسائر البهتان
стр. 636
أم كان حيا عاجزا عن نطقه ... وعن الجواب لسائل لهفان
وعن الحراك فما الحياة اللاء قد ... أثبتموها أوضحوا ببيان
هذا ولم لا جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتان
إذ كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حيّ يشاهدهم شهود عيان
هل جاءكم أثر بأن صحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفان
فأجابهم بجواب حي ناطق ... فأتوا إذا? بالحق والبرهان
هلا أجابهموا جواباً شافياً ... إن كان حيا ناطقا بلسان
هذا وما شدت ركائبه عن الحـ ... ـجرات للقاصي من البلدان
مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التبيان
أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمان
стр. 637
إن قلتموا سبق البيان صدقتمو ... قد كان بالتكرار ذا نبيان
هذا وكم من أمر أشكل بعده ... أعني على علماء كل زمان
أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيان
بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتان
قد قصّر الفاروق عند فريقكم ... إذ لم يسله وهو في الأكفان
أتراهمو يأتون حول ضريحه ... لسؤال أم هموا أعز حصان
ونبيهم حي يشاهدهم ويسـ ... ـمعهم ولا يأتي لهم ببيان
أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حيا داخل البنيان
يا قومنا استحيوا من العقلاء والمـ ... ـبعوث بالقرآن والرحمن
والله لا قدر الرسول عرفتموا ...
كلا ولا للنفس والإنسان
стр. 638
من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمان
ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآن
أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدان
أثلاث موتات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتان
إذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ ... في الأرض حيا قط بالبرهان
أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا ... مات الورى أم هل لكم قولان
فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيـ ... ـئوا بالدليل فنحن ذو أذهان
أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ ... صوات حول القبر بالنكران
لا ترفعوا الأصوات رحمة عبده ... ميتا كحرمته لدى الحيوان
قد كان يمكنهم يقولوا أنه ... حي فغضوا الصوت بالاحسان
стр. 639
لكنهم بالله أعلم منكموا ... ورسوله وحقائق الإيمان
ولقد أتوا الى العباس يسـ ... ـتسقون من قحط وجدب زمان
هذا وبينهموا وبين نبيهم ... عرض الجدار وحجرة النسوان
فنبيهم حي ويستسقون غيـ ... ـر نبيهم حاشا أولي الإيمان
стр. 640
فصل
فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور
فان احتججتم بالشهيد بأنه ... حيّ كما قد جاء في القرآن
والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيان
فلذاك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل والإيمان
وبأن عقد نسائه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان
ولأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمان
أفليس في هذا دليل أنه ... حيّ لمن كانت له أذنان
أو يرى المختار موسى قائما ... في قبره لصلاة ذي القربان
стр. 641
أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ... عين المحال وواضح البطلان
أو لم يقل أني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الاحسان١
أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتان٢
هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيان
وبأن أعمال العباد عليه تعـ ... ـرض دائما في جمعة يومان
يوم الخميس ويوم الاثنين الذي ... قد خص بالفضل العظيم الشأن
стр. 642
فصل
في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة
فيقال أصل دليلكم في ذاك حجـ ... ـتنا عليكم وهي ذات بيان
إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركان
هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتا ذاك في القرآن
ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمان
هذا وإن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدان
لكنه مع ذلك حيّ فارح ... مستبشر بكرامة الرحمن
فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدان
стр. 643
وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهان
ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضا وقد وجدوه رأي عيان
فانظر الى قلب الدليل عليهموا ... حرفا بحرف ظاهر التبيان
لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان
خيرن بين رسوله وسواه فاخـ ... ـترن الرسول لصحة الايمان
شكر الإله لهن ذلك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران
قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكر ذي الاحسان
وكذاك أيضا قصرهن عليه معـ ... ـلوم بلا شك ولا حسبان
زوجاته في هذه الدنيا وفي الأ ... ـخرى يقينا واضح البرهان
فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراش ثان
стр. 644
لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحدود وملزم الأوطان
هذا ورؤيته الكليم مصليا ... في قبره أثر عظيم الشان
في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحق ما قد قال ذو البرهان
ولذاك أعرض في الصحيح محمد ... عنه على عمد بلا نسيان
والدارقطني الإمام أعله ... برواية معلومة التبيان
أنس يقول رأي الكليم مصليا ... في قبره فأعجب لذا الفرقان
فرواه موقوفا عليه وليس بالمر ... ـفوع واشواقا إلى العرفان١
بين السياق إلى السياق تفاوت ... لا تطرحه فما هما سيان
لكن تقلد مسلما وسواه ممـ ... ـن صحّ هذا عنده ببيان
فرواته الاثبات أعلام الهدى ... حفاظ هذا الدين في الأزمان
стр. 645
لكن هذا ليس مختصا به ... والله ذو فضل وذو إحسان
فروى ابن حبان الصدوق وغيره ... خبرا صحيحا عنده ذا شان
فيه صلاة العصر في قبر الذي ... قد مات وهو محقق الإيمان
فتمثل الشمس الذي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذي القربان
عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعان
حتى أصلي العصر قبل فواتها ... قالا سنفعل ذاك بعد الآن
هذا مع الموت المحقق لا الذي ... حكيت لنا بثبوته القولان
هذا وثابت البناني قد دعا الـ ... ـرحمان دعوة صادق الإيقان
أن لا يزال مصليا في قبره ... أن كان أعطي ذاك من إنسان
لكن رؤيته لموسى ليلة الـ ... ـمعراج فوق جميع ذي الأكوان
стр. 646
يرويه أصحاب الصحاح جميعهم
... والقطع موجبه بلا نكران
ولذاك ظن معارضا لصلاته ... في قبره إذ ليس يجتمعان
وأجيب عنه بأنه أسرى به ... ليراه ثم مشاهدا بعيان
فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ... بتناقض إذ أمكن الوقتان
هذا ورد نبينا التسليم١ من ... يأتي بتسليم مع الإحسان
ما ذاك مختصا به أيضا كما ... قد قاله المبعوث بالقرآن
من زار قبر أخ له فأتى بتسـ ... ـليم عليه وهو ذو إيمان
رد الإله عليه حقا روحه ... حتى يرد عليه رد بيان
وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لما يصح وظاهر النكران
فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ... إن كنت ذا علم بهذا الشان
стр. 647
هذا ونحن نقول هم أحياء لا ... كن عندنا كحياة ذي الأبدان
والترب تحتهموا وفوق رؤوسهم ... وعن الشمائل ثم عن أيمان
مثل الذي قد قلتموه معاذنا ... بالله من أفك ومن بهتان
بل عند ربهموا تعالى مثل ما ... قد قال في الشهداء في القرآن
لكن حياتهموا أجل وحالهم ... أعلى وأكمل عند ذي الإحسان
هذا وأما عرض أعمال العبا ... د عليه فهو الحق ذو إمكان
وأتى به أثر فإن صح الحديـ ... ـث به فحق ليس ذا نكران
لكن هذا ليس مختصا به ... أيضا بآثار روين حسان
فعلى أبي الإنسان يعرض سعيه ... وعلى أقاربه مع الأخوان
إن كان سعيا صالحا فرحوا به ... واستبشروا يا لذة الفرحان
стр. 648
أو كان سعيا سيئا حزنوا وقا ... لوا رب راجعه الى الإحسان
ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بلسان
يا رب إني عائذ من خزية ... أخزي بها عند القريب الدان
ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة ... المحبو بالغفران والرضوان
لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل النقلان
هذي نهايات لأقدام الورى ... في ذا المقام الضنك صعب الشان
والحق فيه ليس تحمله عقو ... ل بني الزمان لغلظة الأذهان
ولجهلهم بالروح مع أحكامها ... وصفاتها للإلف بالأبدان
فارض الذي رضي الإله لهم به ... أتريد تنقض حكمة الديان
هل في عقولهموا بأن الروح في ... أعلى الرفيق مقيمة بجنان
стр. 649
وترد أوقات السلام عليه من ... أتباعه في سائر الأزمان
وكذاك إن زرت القبور مسلما ... ردت لهم أرواحهم للآن
فهموا يردون السلام عليك لا ... كن لست تسمعه بذي الأذنان
هذا وأجواف الطيور الخضر مسـ ... ـكنها لدى الجنات والرضوان
من ليس يحمل عقله هذا فلا ... تظلمه واعذره على النكران
للروح شأن غير ذي الأجسام لا ... تهمله شأن الروح أعجب شان
وهو الذي حار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الأزمان
هذا وأمر فوق ذا لو قلته ... بادرت بالإنكار والعدوان
فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدان
هذا وقولي إنها مخلوقة ... وحدوثها المعلوم بالبرهان
стр. 650
هذا وقولي إنها ليست كما ... قد قال أهل الافك والبهتان
لا داخل فينا ولا هي خارج ... عنا كما قالوه في الديان
والله لا الرحمن أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدعي العرفان
عطلتموا الأبدان من أرواحها ... والعرش عطلتم من الرحمن
стр. 651
فصل في مزاعم للملحد، وردها
...
فصل
قال العراقي: (الوهابية وتكفيرها الحالف بغير الله والناذر، والذابح: قاتل الله الوهابية إنها تتحرى في كل أمر أسباب تكفير المسلمين، مما يثبت أن همها الأكبر هو تكفيرهم لا غير، فتراها تكفر من يتوسل إلى الله تعالى بنبيه ﷺ ويستعين باستشفاعه إلى الله تعالى على قضاء حوائجه، وهي لا تخجل إذ تستعين بدولة الكفر على قضاء حاجاتها، التي هي قهر المسلمين وحربهم، وشق عصاهم، والمروق عن طاعة أمير المؤمنين، الذي أمر الله تعالى في كتابه المبين بلزوم طاعته، كما بسطنها في مقدمات الرسالة، وتتخذ أعداء الدين أولياء تستمد منهم في إحضار القوى التي تسعى بها إلى الفساد، وتلج بها في الغواية والعناد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] سحقاً للوهابية إنها لا تدري أن أولئك الأولياء الذين تتخذهم ذريعة لقهر المسلمين إذا ثبت قدمهم فإنهم يقهرونها، ويهتضمونها -أيضاً- مع من تعده خصماً مخالفاً لمذهبها.
стр. 652
فأقول: إيه يابن اللخنا لقد –والله- علمتم أنكم لأنتم اخدان إخوان القردة والخنازير، وإخوان عبدة الصليب أصحاب السعير، وأنا لم ننزع إليهم ولم نستعن بهم في شيء من الأمور التي تزعمونها، وأنا لم نتخذهم أولياء، وقد علمتم أنه ليس في ديارنا لهم علماً، ولا جعلنا في أوطاننا قناصل، ولم نلتزم في ملتنا قوانينهم، ونقدمها على شرع الله ورسوله، ونحن نبرأ إلى الله منهم ومنكم، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] ، ولكن قد غلبت عليكم القحة، والتظاهر بالكذب والعدوان، لكي تطفئوا نور الله بأفواهكم، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] .
فانظر -قاتلك الله يا عدو الله- من قناصل أعداء الله ورسوله عنده؟ ومن أعلامهم منصوبة في ديارهم؟ ومن اليهود والنصارى والرافضة في جملة عساكرهم؟ حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، وتدري من سعى في الأرض بالفساد، ولج في الغواية والعناد، وعام في بحر الضلالة، وتدرع برداء الشرك والجهالة.
وأما قوله: (من غير مرة إن ديدن الوهابية تكفير كافة المسلمين بكل أمر، فهي تكفرهم لتوسلهم بجاه الأنبياء والأولياء وندائهم) .
стр. 653
فأقول: أما تكفير عامة المسلمين فمن الكذب الواضح، وقد بيناه غير مرة، وأما التوسل بجاه الأنبياء والأولياء فالوهابية لا يكفرون بمجرد التوسل بجاههم.
وأما دعاؤهم والاستغاثة بهم، والاستشفاع بهم، والالتجاء إليه، فهو كفر مخرج عن الملة، وقد قدمنا أدلة ذلك، وكلام أهل العلم في ذلك.
وأما قوله: (وتكفرهم بالحلف بغير الله) .
فأقول: وهذا أيضاً من الكذب على الوهابية، والأوهام الوبية.
وأما قوله: (والنذر لذلك الغير والذبح له) فسيأتي الكلام عليه قريباً.
وقوله: (ولو سلمنا أن في بعض الأقوال التي تنسبها الوهابية إلى المسلمين كفراً يصح أن يقال فيه: إن قائل هذا القول يكفر، لما صح أن تكفر جميع الأمة، أو تكفر شخصاً معيناً، قال ذلك القول، فقد يكون القائل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، أو لم تثبت عنده، أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها، أو يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله تعالى فيها) .
стр. 654
فأقول: الوهابية لا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله، وقامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، ولا يلزم من تكفير من قام به الكفر وقامت عليه الحجة تكفير جميع المسلمين، فإن هذا من اللوازم الباطلة، والأقوال الداحضة.
وأما تكفير الشخص المعين، فلا مانع من تكفيره إذا صدر منه ما يوجب تكفيره فإن عبادة الله وحده لا شريك له من الأمور الضرورية المعلومة من دين الإسلام، فمن بلغته دعوة الرسول، وبلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة.
(وأما) الأمور التي لا يكفر فاعلها [مما ليس معلوماً بالضرورة من دين الإسلام، بل في الأمور الخفية فهذا لا يكفر] ١ حتى تقوم عليه٢ الحجة، لأن هذا٣ إنما هو في المسائل النظرية والاجتهادية التي قد يخفى دليلها.
وأما عباد القبور، فهم عند السلف وأهل العلم يسمون الغالية، لأن فعلهم غلو، يشبه غلو النصارى في الأنبياء والصالحين، وعبادتهم.
فمسأله توحيد الله، وإخلاص العبادة له، لم ينازع
стр. 655
في وجوبها أحد من أهل الإسلام، لا أهل الأهواء، ولا غيرهم، وهي معلومة من الدين بالضرورة، كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه عرف أن هذا زبدتها وحاصلها، وسائر الأحكام تدور عليه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرد على المتكلمين" لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منهم الردة عن الإسلام كثيراً، قال:
وهذا وإن كان في المقالات الخفية، فقد يقال فيها إنه مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه، من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، ومثل إيجابه للصلوات الخمس، وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش، والزنا، والخمر والميسر، ثم تجد كثيراً من رؤوسهم وقعوا فيها، فكانوا مرتدين، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين، كما فعل أبو عبد الله الرازي -قال: وهذه ردة صريحه، انتهى.
فالشخص المعين إذا صدر منه ما يوجب كفره من الأمور التي هي من ضروريات دين الإسلام مثل عبادة غير الله ، فإن الله قد أقام الحجة بإنزال
стр. 656
كتبه، وبعث رسله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وهذا مما لا إشكال فيه.
وأما قوله: (فقد يكون القائل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ... ) إلى آخره.
فأقول: أما ما عدا الأمور الضرورية المعلومة من دين الإسلام، فإنا لا نكفر من قال قولاً لم يبلغه النص في ذلك بتكفير من فعله، لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ، وكذلك من لم يثبت عنده النص، أو قام لديه معارض من نص آخر، أو وقعت له شبهة يعذره الله بها، هذا مما لا إشكال فيه عند أهل العلم.
وأما قول هذا الجاهل المركب: (أو لم يتمكن من معرفتها وفهمها) فإنما دهي١ من عدم معرفته بالفرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة [فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة] إن كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء به الرسول،
стр. 657
فإن فهم الحجة نوع آخر غير قيامها، قال الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان:٤٤] .
وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [سورة البقرة: ٧] . وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ الآية [سورة الكهف: ١٠٣-١٠٤-١٠٥] .
وأما قوله: (فالذي يؤمن بالله ورسوله، فإن الله قد يغفر له برحمته بعض الذنوب القولية والعملية) .
فأقول: هذا حق، وذلك فيمن أتى ذنباً لا يخرجه من الملة، أو كان ذلك القول أو الفعل مما ليس بضروري في الدين، كما تقدم بيانه، وأما من أشرك بالله في عبادته، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨ و ١١٦] فأما من أتى بالشرك الأكبر، فالله قد حرم عليه الجنة، ومأواه النار، وإن زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، وتلفظ بالشهادتين، فإن هذا لا ينفعه مع فعل الشرك المخرج من الملة، كدعائه غير الله، واستغاثته بمن سواه، والالتجاء إليه، وطلب الحوائج من
стр. 658
الولائج، فإن هذا مناف لشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وما نزل من الآيات في الوعيد على من اقترف ذنباً لا يخرجه من الإسلام، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. ولا يكفر بهذه الذنوب إلا الخوارج.
وأما قوله: (قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "مدارج السالكين" ما ملخصه: إن أهل السنة متفقون على أن الشخص الواحد قد يكون فيه ولاية لله تعالى وعداوة من وجهين مختلفين، وقد يكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون أحدهما إليه أقرب من الآخر، فيكون من أهله، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٧] ) .
فأقول: هذا حق، فقد يكون الشخص فيه ولاية لله تعالى وعداوة، وذلك كمثل الصحابي الذي كان يكثر من شرب الخمر، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال رسول الله ﷺ : "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله" وكذلك من كان فيه خصلة من النفاق كمن إذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وكذلك الكفر مع الإيمان، كقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي
стр. 659
كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، "من حلف بغير الله فقد كفر"، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخرج من الملة، من الأقوال والأعمال.
وبالجملة؛ فالقلب الذي لم يتمكن منه الإيمان، ولم يزهر فيه سراجه، حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله، بل فيه مادتان، مادة منه، ومادة من خلافه، فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر، والحكم للغالب، وإليه يرجع، فهذا وأمثاله لا يدخل في مسألة من صرف لغير الله نوعاً من العبادة، فإنا قد بينا فيما تقدم الأدلة على كفره من الكتاب والسنة، وأقوال العلماء، فالمغالطة بإدخال هذه الأمور في مسألة عبادة غيره الله سفسطة، وتمويه، ومزج للحق بالباطل، فسحقاً وبعداً للقوم الظالمين.
وأما قول العراقي: (أما الحلف بغير الله فلا يخرج مرتكبه عن الإسلام ... إلى آخر كلامه) .
فأقول: قد كان من المعلوم أن مجرد الحلف بغير الله لا يخرج من الملة، ومن زعم أنا نكفر بهذه الأشياء كفراً مخرجاً عن الملة فهو من أكذب خلق الله، وأجرأهم على الفرية، وقول الزور. وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن من
стр. 660
عظم مخلوقاً بالحلف تعظيماً كتعظيم الله، فقد أشرك شركاً أكبر. وقال لما عد من هذه الألفاظ ونحوها في شرح "المدارج": وقد يكون ذلك شركاً أكبر بحسب ما قام بقلب فاعله. وحديث ابن عمر صريح في إطلاق الكفر والشرك بالحلف بغير الله. فمن منع الإطلاق فهو مشاق لله ولرسوله، ولكن ساق البخاري في "صحيحه" قول ابن عباس: كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم.
وأما قوله: (من حلف بغير الله فقد كفر. فقد حمله أئمة الحديث من شافعية وحنفية وحنابلة ومالكية على أن المقصود به: كفر النعمة) .
فأقول: هذا الحمل ضعيف جداً، إذ ما من معصية وذنب يفعله المكلف المختار إلا وفيه من كفر النعمة بحسبه. والشكر هو استعمال النعمة في طاعة معطيها ومسديها، مع محبته، والرضا عنه، والثناء بها عليه، والشكر ضد الكفر، فمن أخل بشيء من الشكر ففيه من كفر النعمة بحسب ذلك، فتحصل أن كفر النعمة لا يختص بما أطلق عليه الشارع الكفر من الأفعال، فلا بد للنص من معنى يخصه، وحكمة في تخصيص بعض الأفراد، وهذا معلوم بالشرع والفطرة، إذ تخصيص بعض أفراد الجنس من غير مخصص يقتضي ذلك تحكم محض، وترجيح بلا مرجح.
стр. 661
وأما قوله: (حتى إن أصحاب الشافعي قالوا بأنه مكروه تنزيهاً لا تحريماً. فالحلف الذي قد اختلف فيه العلماء أنه مكروه أو حرام لا يجوز أن يقال في مرتكبه: إنه كافر خارج عن الملة) .
فأقول: أما كونه مكروهاً كراهة تنزيه لا كراهة تحريم فهذا مما لا دليل عليه من الكتاب والسنة، بل هو عرف حادث، والكراهة في عرف الكتاب والسنة وقدماء العلماء، تطلق على التحريم، قال الله تعالى بعد ذكر المحرمات ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [سورة الإسراء:٣٨] وكما في الحديث: "ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" ١ فلا عبرة بخلاف من خالف ما يقتضيه الكتاب والسنة بالإصطلاح الحادث، وأما دعوى أن ذلك يخرج عن الملة، فقد بينا أنه من الكذب والبهتان.
стр. 662
فصل في النذر لغير الله
...
فصل
ثم قال العراقي: (وأما النذر لغير الله فقد صرح الشيخ تقي الدين ابن تيمية وابن القيم -وهما من أعظم من شدد فيه- بعدم جوازه، وكونه معصية، لا أنه كفر وشرك مخرج عن الإسلام، فلا يجوز الوفاء به، ولو تصدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء كان خيراً له عند الله، فلو كان الناذر لغير الله كافراً لما أمراه بالصدقة، لأن الصدقة لا تقبل من الكافر، بل أمراه بتجديد إسلامه) .
والجواب أن نقول: قد أجاب على هذه الشبهة شيخنا الشيخ عبد اللطيف ﵀ في رده شبهات داود بن جرجيس، فقال ﵀:
ليس في كلام الشيخ وكلام ابن القيم ما يدل على أن النذر -الواقع من عباد القبور- لمن يدعونه ويقصدونه لحوائجهم وإغاثتهم في الشدائد- ليس بشرك، بل كلام الشيخ وابن القيم صريح في أنه نذر معصية، وإشراك بالله تعالى، فكيف يسوقه وقد عده ابن القيم من أنواع الشرك
стр. 663
الأكبر، وقرنه بالتوكل على غير الله، والعمل لغيره، والإنابة والخضوع، والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، وقد تقدم ذلك فراجع كلامه في موضعه تعرف كذب هذا العراقي على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى أولي العلم من خلقه، فرحم الله امرأ نظر لنفسه قبل أن تزل قدمه، ويحال بينه وبين العمل.
وكذلك الشيخ صرح بأنه معصية، والمعصية تصدق بالشرك وغيره من الكبائر إذا أطلقت. واستدلال المعترض بأنه لم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة. فإطلاق المعصية كاف في المقصود. وأيضاً فالكفر إنما يطلق بعد قيام الحجة. وقول العراقي: (فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء وقصده لوجه الله) . ففي هذه العبارة شيئان:
الأول: استبعاده تكفير من نذر للأنبياء، وجعله ذلك دون النذر للشجرة والبقعة، مع أن الفتنة بقبور المعظمين أشد محنة من الشجر والبقاع، وقد قال النبي ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١، فالشرك بالأنبياء والصالحين أخوف وأعظم فتنة، كما هو معروف.
стр. 664
والثاني: إضافة النذر لأحد الأنبياء، وقوله بعده: (وقصده لوجه الله) . فإذا كان النذر نفسه للأنبياء والصالحين بطل قوله: (وقصده لوجه الله) ، وإنما يكون ذلك نذراً لله وحده، وجعل الثواب لمن شاء من عباده. ومسألة إهداء ثواب القرب إلى الأنبياء لا يخفى ما فيها من القول بالمنع على من له أدنى ممارسة.
والقصد هنا بينا تناقض العراقي، وأن كلامه يدفع بعضه بعضاً، وقوله: (فإن ذلك لايضر بالاتفاق) كذب ظاهر، فإن قول الشيخين إنه يصرف إلى الفقراء دليل على أنه يضر إذا صدر منه لغير الله، وأنه مأمور بالتوبة، وصرف ذلك إلى الجهة المشروعة. وقد صرف النبي ﷺ مال اللات في الجهاد، والمصارف الشرعية التي يستعان بها على عبادة الله وحده لا شريك له، والاستدلال بصرفها في ذلك المصرف الشرعي على أنها شرك وضلال، أوجه من الاستدلال بذلك على أن النذر للأصنام ونحوها ليس بشرك.
стр. 665
وأما قوله: (فول كان الناذر كافراً عندهما لم يأمراه بالصدقة، فإن الصدقة لا تقبل من الكافر) .
فالجواب من وجوه:
الأول: أنه إذا أقلع عن الذنب وصرف المال في مصرفه الشرعي، فهذا رجوع عما كان عليه وتوبة منه.
الثاني: أنه لا يقال بالكفر مطلقاً لكل ناذر لغير الله حتى تقوم الحجة الرسالية، وأما ما نقله عن ابن القيم فقد صرح فيه بأنه نذر معصية وإشراك.
وشبهة هذا العراقي أنه لو كان شركاً مخرجاً عن الملة لما جاز صرفه للفقراء.
فالعراقي لم يفرق بين النذر والمنذور، فكون النذر شركاً لا يمنع الانتفاع بالمنذور في الجهة الشرعية، كما تقدم من فعله ﷺ بمال اللات.
الوجه الثالث: أن الذي يصرفه في المصارف الشرعية، ولاة الأمر، وأهل العلم، وليس المقصود أن يصرفه الناذر نفسه، فإن هذا لا يعتبر، بل يرد إلى المشروع قسراً، ويعامل بنقيض قصده. وكلام الشيخ وأمثاله من أهل العلم ليس حجة مستقلة، بل الحجة فيما يساق من الأدلة. وقد تقدم أن القصد هنا بيان جهله بكلام الشيخ، والكشف عن تحريف هذا العراقي لما نقله عن الشيخين، وإلا فالمرجع إلى أدلة الكتاب
стр. 666
والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] ، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧] فوصف خواص عباده بالوفاء والنذر، وأثنى عليهم بذلك، وفي الآية الأخرى الوعد بالإثابة والجزاء، فثبت أنه عبادة يحبها الرب ويرضاها -أي الوفاء به- وما كان كذلك فيجب إخلاصه لله، لأن صرف العبادة لغير الله شرك.
وفي حديث علي: "لعن الله من ذبح لغير الله" ١، وهذا العراقي وأمثاله من القبوريين دفعوا في صدر النصوص بشبهات وهذيان لا يصدر عمن يعقل ما يقول.
وفي آخر العبارة التي نقلها العراقي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحكم عام في قبر نفيسة، ومن هو أكبر من نفيسة، من الصحابة، مثل قبر طلحة والزبير، وغيرهما بالبصرة، وفي سلمان وغيره بالعراق.
قلت: وفيها بيان تدليس العراقي، وأنه أسقطها ليروج قوله: (فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين) إلى أن قال الشيخ:
(فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى الله، وأنها تكشف الضر، أو تفتح الرزق، أو تحفظ مصر، فإن هذا كافر مشرك،
стр. 667
يجب قتله، وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائناً من كان ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:٥٦] . ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢-٢٣] ، والقرآن من أوله إلى آخره، بل وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعل مع الله إلهاً آخر.
والإله من يألهه القلب عبادة واستعانة وإجلالاً وإكرماً، وخوفاً ورجاء، كما هو حال المشركين في آلهتهم. وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق ومصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"١ وقال النبي ﷺ لحصين الخزاعي: "يا حصين كم تعبد؟ " قال: أعبد سبعة آلهة، سنة في الأرض وواحد في السماء، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء، قال: يا حصين فأسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، فلما أسلم قال: "قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي" ٢ والله أعلم انتهى.
стр. 668
قلت: فانظر إلى تصريح الشيه أن من اعتقد في مخلوق أنه باب الحوائج إلى الله -يعني واسطة في الحوائج- أو أنه يكشف الضر، أو يفتح الرزق، أو يحفظ مصر: أنه كافر مشرك، يجب قتله، وهذا بعينه معتقد عباد القبور والناذرين للموتى، المستغيثين بهم، وهو طريقة العراقي، ومذهبه الذي نصره، وقرره واستظهره، وزعم أنه لا يضر إلا إذا اعتقد الاستقلال لغير الله، كما مر عنه في غير موضع، وسيأتيك هذا القيد فيما يأتي من كلامه في مواضع متعددة.
والشيخ قد رد عليه في هذا، وأبطل هذا الشرط بقوله: وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق مصنوع -وساق ما يقوله المشركون في تلبيتهم، وساق حديث حصين- وهذا لأن الآيات القرآنية دالة على تكفير هذا النوع -أعني من اتخذ
стр. 669
الشفعاء والوسائط، وقصدهم في حاجاته وملماته كما كان يفعله المشركون مع آلهتهم- فكل هذا أعمى الله بصيرة العراقي عنه ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
قال الشيخ صنع الله الحلبي نزيل مكة: وأما كونهم جوزوا الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور، فيقال: هذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان وفلان فهو لغير الله، فيكون باطلاً، وفي التنزيل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، والحديث: "لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله" متفق عليه١. وورد: أن من حلف بغير الله فقد أشرك٢. رواه الحاكم وغيره. ونحو النذر لغير الله الذبح، وفي التنزيل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] ، أي إن صلاتي وذبحي لله كما به نظير قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الآية [الكوثر:٢] ، وفي الحديث: "لا نذر في معصية الله "٣ رواه أبو داود وغيره.
стр. 670
والنذر لغير الله إشراك مع الله فلا أكبر من معصيته، وفي التنزيل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] فالنذر لغير الله كالذبح لغيره.
وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود، والذبح والنذر واليمين. ومن ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها. ولو أشرك مع اسمه أحداً، كقوله: باسم الله ومحمد ﷺ -بواو العطف، فكذا تحرم ذبيحته، وكذا لو ترك اسم الله عمداً على الذبيحة، لا تؤكل عندنا، فهي ميتة بصريح قوله جل ذكره: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، فترك المؤمن ذكر الله عمداً كذكر غيره. نعم لو قال: هذا النذر لله يذبح في مكان كذا، ويصرف على جماعة فلان، أو على رباط فلان، فلا بأس به، كما في الوقف على فلان وفلان، فإن قوله: لله، ملك له، وتصرف غلته على من عينه الواقف، وكذا هنا.
والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين لهم الأجور؟ وكذا الذبائح، ومن قال: إن هذا النذر لفلان، وهذه الذبيحة لفلان، فهو من العصيان، ومن نذر لله ذبحاً أو غيره، وقال: يذبح بمكان كذا، ويأكله قوم جاز، والله الهادي.