← Акыда

Акыда · id 7664

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

سليمان بن سحمان

Полный текст (691 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قلنا لهم ما ضر مصر بأنها ... كانت لفرعون الشقي الأطرد إن النماردة الفراعنة الأُلى ... كانوا بأرض الله أهل تمردِ ذا قال: أنا رب وذا متنبئٌ ... هم في بلاد الله أهل ترددِ يمناً وشاماً والعراق ومصرها ... من كل طاغٍ في البرية مفسدِ فبموتهم طابت وطار غبارها ... وزهت بتوحيد الإله المفردِ إن المواطن لم تشرف ساكناً ... فيها ولا تهديه إن لم يهتدِ من كان لله الكريم موحداً ... لو مات في جوف الكنيف المطردِ وبعكسه من كان يشرك فهو لم ... يفلح ولو قد مات وسط المسجدِ خرج النبي المصطفى من مكة ... وبقي أبو جهل الذي لم يهتدِ إن الأماكن لا تقدس أهلها ... إن لم يكونوا قائمين على الهدي١

стр. 72

لو أنصفوا لرأوا له فضلاً على ... إظهار ما قد ضيعوه من اليدِ ودعوا له بالخير بعد مماته ... ليكافئوه على وفاق المرشدِ لكنهم قد عاندوا وتكبروا ... ومشوا على منهاج قوم حسّدِ ورموه بالبهتان والإفك الذي ... هم يعملون به ومنهم يبتدي١ كمقالهم هو للمتابع قاطع ... بدخول جنات وحور خرد حاشا وكلا ليس هذا شأنه ... بل إنه يرجو بها لموحدِ قالوا له: أشقى الورى مع كونه ... ينهى عن الأنداد للمتفردِ قالوا له: يا سالكاً طرق الردى ... لم لا تسير على الطريق الأرشدِ وهموا يرون الشمس ظاهرة لهم ... لكن أعمى القلب ليس بمهتدي٢ قالوا له: يا كافراً يا فاجراً ... ما ضره قول العداة الحسّد

стр. 73

قالت قريش قبلهم للمصطفى ... ذا ساحر ذا كاهن ذا معتدي١ قد أتهموه بأنه يغتال في ... تأذينه ليجئ أهل المسجدِ فإذا أتوا قتلوا بغير جناية ... تالله هذا إفك أفاك ردي٢ قالوا يعم المسلمين جميعهم ... بالكفر قلنا: ليس ذا بمؤكد بل كل من جعل العديل لربه ... ونهي فصد فذاك كالمتهود قالوا له: غشاش أمة أحمد ... وهو النصيح بكل وجه يبتدي هل قال إلا وحدوا رب السما ... وذروا عبادة ما سوى المتفرد وتمسكوا بالسنة البيضا ولا ... تتنطعوا بزيادة وترددِ هذا الذي جعلوه غشاً وهو قد ... نطقت به الرسل الكرام لمن هدي من عهد آدم ثم نوح هكذا ... تترى إلى عهد النبي محمد

стр. 74

وكذلك الخلفاء بعد نبيهم ... والتابعون وكل حبر مهتدي١ منهاجهم هذا عليه تمسكوا ... من كان مستناً بهم فليقتد٢ عجباً لمن يتلوا الكتاب ويدعي ... علم الحديث مسلسلاً في المسند ويقول للتوحيد غشاً إن ذا ... خطر على من قال فلتشهد٣ ويجدد الإسلام والإيمان معتقداً ... بأن الشيخ خير مجدد ما ذنبه في الناس إلا أنه ... هدّ القباب وتلك سيرة أحمد ما صح عهد ثقيف لما عاهدوا ... إلا بهدم اللات لو لم يعبد ما اللات إلا كان عبداً صالحاً ... لت السويق لطائف متعبد لما توفي عظموا لضريحه ... كصنيع عباد القبور النكدِ إذ كان حياً قادراً قاموا ... بإطعام له وبكسوة وتفقد وإذا توارى عنهموا في قبره ... جعلوه نداً للإله السيدِ

стр. 75

ولقد رأى الفاروق يوماً قبة ... نصبت على قبر تشد بأعمدِ فأشار: نحوها دعوه يظله ... عمل له إن لم يكن عملٌ ردي وحديث أبي الهياج فيه كفاية ... لذوي البصائر والعقول النقد في طمس تمثال وقبر مشرفٍ ... جاء الحديث به الصحيح لمسندِ١ لما نفى الإطراء منهم والغلو ... قالوا أتيت بذا الجفاء المبعد لو كان حبك للنبي محققاً ... لفعلت فعلتنا لعلك تهتدي أما "الدلائل"٢ فهو لم ينكر بها ... صلوات أزكى العالمين الأمجدِ إلا التظاهر بالغلو وجعلها ... درساً يكرر في كتابٍ مفردِ فترى لهم حرصاً على تجويدها ... خطاً وتزويقاً وحسن مجلدِ

стр. 76

لا يعتنون بمصحف لهمو كما ... هو يعتنون براتب وبمولدِ فلو اعتنى رب "الدلائل" بالذي ... يأتي عقيب تشهد المتشهد لكفاه كل مؤونة وتكلف ... ومشى على النهج القويم الأرشد سأل النبي من الصحابة سائل ... كيف الصلاة عليك كالمسترشد فأجاب يرشده بما قد جاء في ... قول المصلي دبر كل تشهد لوحت فيه ولم أصرح حيث لم ... يدخل على وزن القريض المنشد هذا الكلام على"الدلائل" ليس ما ... قد قاله من شذ عن ذا المقصد وكذاك في"روض الرياحين" الذي ... فيها الغلو بصالح وبسيد والله قد ذم الغلو فقال: يا ... أهل الكتاب بغلطة وتهدد إذ قال: لا تغلوا بنهي لازم ... في دينكم فالحكم لم يتردد وكذا الرسول نهى وأخبر أنه ... فيه الهلاك لراهب متعبدِ

стр. 77

عجباً لهم لو كان فيهم منصف ... لرأى المحب محمداً لمحمد من حيث أن الإتباع مقارن ... للحب في نص الكتاب الأمجدِ١ قالوا: صبأتم نحوه، قلنا لهم: ... الحق شمس للبصير المهتدي ما بيننا نسب نميل به ولا ... حسب يقربنا له بتوددِ أيضاً ولا هو جارنا الأدنى الذي ... نمتار نعمته ولم نسترفد لكنها شمس الظهيرة قد بدت ... لذوي البصائرفاهتدى من يهتدي فالعالمون العاملون المنصفو ... ن له أقروا بالفضائل واليد لكن قليل منهمو في عصرنا ... كالشعرة البيضا بجلدٍ أسودِ والله قد ذم الكثير وقال في ... حق القليل مقالة لم تجحدِ

стр. 78

بـ"سبا" و"ص"١ فاتلها متدبراً ... تلقَ الصحيح بها فخذه تهتدِ فإن اعتراكم في الذي قد قاله ... شك وريب واختلاف يبتدي فزنوا بميزان الشريعة قوله ... تجدوه حقاً ظاهراً للمقتدي ولئن وجدتم فاسقاً أو جافياً ... أو جاهلاً في العلم كالمتردد قد زل يوماً أو هفا لا تنسبوا ... هفواته لجناب ذاك المرشدِ فالآل والأصحاب ماذا ضرهم ... من بعدهم تكدير صافي المورد من بعد ذاك الإجتماع على الهدى ... ظهروا ذوي فرق وأهل تبدد ماذا يضر السحب نبح الكلب أم ... ماذا يضر الصحب سب الملحد ثم الصلاة على النبي محمد ... أزكى الورى أصلاً وأطيب محتد والآل والأصحاب جمعاً كلما ... قد ذب عن ذا الدين كل موحد

стр. 79

فصل في رد فرية بأنهم خوارج ... فصل قال العراقي: (تمسك ابن عبد الوهاب في تكفير الناس بآيات نزلت في المشركين، فحملها على الموحدين) . الجواب أن يقال: هذا كذب بحت، فإنه لا يكفر ﵀ أهل التوحيد، ولا يحمل الآيات النازلة في المشركين على الموحدين، وإنما يكفر من أشرك بالله في عبادته، واتخذ معبوداً سواه. مع أن هذا المعترض لم يذكر الآيات التي زعم أن الشيخ ﵀ تمسك بها في تكفير الناس حتى ننظر هل كان محقاً في ذلك القول أو مبطلاً ضالاً؟ ويقال أيضاً: إن من١ منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما

стр. 80

عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلاً للقرآن، وهجراً له، وعزلاً له عن الاستدلال به في موارد النزاع، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ [النساء: ٥٩] الآية. والرد إلى الله١ هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول رد إلى سنته، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وقد قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ [الأنعام:١٩] ، فنصوصه وأحكامه عامة لا خاصة بخصوص السبب، وما المانع من تكفير من فعل كما فعلت اليهود من الصد عن سبيل الله والكفر به، مع معرفته، وهذا العراقي لا يبدي قولةً في اعتراضه وتلبيسه إلا هي أكبر من أختها في الجهالة والضلالة، ولو كان يعرف الكتاب العزيز، وما دل عليه من الأحكام والاعتبار لأحجم عن هذه العبارات التي لا يقولها إلا أفلسُ الخلق من العلم والإيمان. وأما قوله: (وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵁ في وصف الخوارج: أنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين، وفي رواية أخرى عن ابن عمر أنه ﷺ قال: "أخوف ما أخاف

стр. 81

على أمتي رجل متأول للقرآن يضعه في غير موضعه"، فهذا وما قبله صادق على ابن عبد الوهاب وأتباعه) . فالجواب أن يقال: هذا الوصف هو المنطبق عليك، وعلى من نحا نحوك من أهل الضلال، حيث زعمت أن لكتاب الله وسنة رسوله ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات فتأول إما إجمالاً ويفوض أمرها إلى الله، وإما تفصيلاً كما هو رأي الكثيرين، فالذي يتأول القرآن، ويضعه في غير موضعه، ويصرفه عن القول الراجح إلى القول المرجوح بالتحكم والهوى -لأن كتاب الله وسنة رسوله عندكم أدلتهما ظنية، لا تعارض نتائج عقول الفلاسفة وورثة المجوس والصائبة وطواغيت اليونان ومن أخذ بأقوالهم من المتكلمين، بل قد صرحت أن العقل يقدم على النقل- فمن قدم معقول هؤلاء على كتاب الله وسنة رسوله فقد خرج من الدين، وفارق جماعة المسلمين. وأما ابن عبد الوهاب، فهو وأتباعه لا يتأولون القرآن، ولا يضعونه في غير موضعه، بل يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ولا يتأولون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، كما تفعلون أنتم في تأويل آيات الصفات وأحاديثها. وحاصل مقصود هذا العراقي ونقله: تشبيه أهل

стр. 82

الإسلام والتوحيد بالخوارج في تكفيرهم من عبد الأنبياء والأولياء والصالحين ودعاهم مع الله -لأن عباد القبور عنده هم أهل التوحيد وأهل الإسلام- من جنس الخوارج الذين يكفرون أهل القبلة، هذا حاصل كلامه، ومضمونه خطابه، وهذا داء قديم في أهل الشرك والتعطيل، من كفرهم بعبادة غير الله، وتعطيل أوصافه، وحقائق أسمائه، قالوا له: أنت مثل الخوارج، يكفرون بالذنوب، ويأخذون بظواهر الآيات. ومعلوم أن الذنوب تتفاوت وتختلف بحسب منافاتها لأصل الحكمة المقصودة بإيجاد العالم، وخلق الجن والإنس، وبحسب ما يترتب عليها من هضم حقوق الربوبية، وتنقص رتبة الإلهية، وقد كفر الله ورسوله ﷺ بكثير من جنس الذنوب: كالشرك وعبادة الصالحين، وأخبر أنه أكبر الكبائر، كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله! أي الذنوب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك"، قال قلت: ثم أي؟، قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"، قال: قلت: ثم أي؟، قال: "أن تزاني حليلة جارك"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] الآية١.

стр. 83

فمن أنكر التكفير جملة فهو محجوج بالكتاب والسنة، ومن فرق بين ما فرق الله ورسوله من الذنوب، ودان بحكم الكتاب والسنة، وإجماع الأمة في الفرق بين الذنوب والكفر فقد أنصف، ووافق أهل السنة والجماعة. ونحن لم نكفر أحداً بذنب دون الشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله، إذا قامت عليه الحجة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد كما حكاه في "الإعلام" لابن حجر الشافعي. وأما قوله: (ويظهر من أقواله وأفعاله أنه كان يدّعي أن ما أتى به دين جديد) . فالجواب أن نقول: بل الذي يظهر من أفعاله وأقواله خلاف ما يزعمه هؤلاء الضلال، فإنه كان ﵀ على الدين العتيق الذي كان عليه السلف الصالح والصدر الأول، من الدعوة إلى دين الله، كما قال ﵀ في رسالته إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي قال:

стр. 84

وأما ما ذكرتم عني فإني لم آته بجهالة، بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل: ابن القيم، والذهبي، أو ابن كثير، أو غيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى١ سنة رسول الله ﷺ التي وصى بها أول أمته وآخرهم، وأرجوا أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتاني منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله ﷺ ، فإنه لا يقول إلا الحق اهـ. فهذا نص كلامه ﵀ كما ترى لم يقل فيه ولا في غيره من كلامه: إن ما أدعوكم إليه دين جديد، بل كان ﵀ يجدد ما اندرس من معالم الدين العتيق، ويوطد أساس الملة المحمدية التي انطمست أعلامها، وأقوت رسومها، كما قال الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني ﵀ في أبيات له، قال فيها: قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهتدي من ضل هن منهج الرشد

стр. 85

محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد وما كل قول بالقبول مقابل ... ولا كل قول واجب الرد والطرد سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل يا ذا عن الرَّدِّ وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على قدر الأدلة في النقدِ وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهراً ما طوى كل جاهلٍ ... ومبتدع منه فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادماً ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من وُدِّ وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد

стр. 86

وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهراً على عمد وكم طائف حول القبور مقبلٍ ... ومستلم الأركان منهن باليدِ وقال الشيخ الإمام عالم الأحساء أبو بكر حسين بن غنام رحمه الله تعالى في أبيات له: لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلو١ الضلال ويرفعُ سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى ... وعاد٢ بتيار المعارف يقطع فأحيا به التوحيد بعد اندراسه ... وأوهي به من مطلع الشرك مهيع سما ذورة المجد التي ما ارتقى لها ... سواه ولا حاذى فِناها سميدع وشمر في منها سنة أحمد ... يشيد ويحيي ما تعفى ويرفع يناظر بالآيات والسنة التي ... أمرنا إليها في التنازع نرجع

стр. 87

فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... وأمسى محياها يضيء ويلمع وعاد به نهج الغواية طامساً ... وقد كان مسلوكاً به الناس تربع١ وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع فآثاره فيها سوام سوافر ... وأنواره فيها تضيء وتسطع٢ وبهذا يظهر لكل ذي عقل سليم، ودين مستقيم، أنه لم يكن يدعو إلى دين جديد كما يزعمه هؤلاء المارقون عن دين الإسلام. وأما قوله: (ولذلك لم يقبل من دين النبي ﷺ إلا القرآن، وقبوله إياه إنما كان ظاهراً) . فالجواب أن نقول: وهذا أيضاً من نمط ما قبله من المفتريات، ورعونات الخزعبلات والخرافات. وأما قوله: (والدليل على ذلك أنه هو وأتباعه كانوا

стр. 88

يأولون القرآن بحسب أهوائهم، لا بحسب ما فسره النبي ﷺ وأصحابه، والسلف الصالح، وأئمة التفسير، وما كان يقول بأحاديث النبي ﷺ ، وأقاويل الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ولا بما استنبطه الأئمة من الكتاب والسنة، ولا يأخذ بالإجماع، ولا القياس الصحيح، وكان يدعي الانتساب إلى مذهب الإمام أحمد كذباً وتستراً، وقد رد عليه أضاليله كثير من علماء الحنابلة، وألفوا في ذلك رسائل عديدة، حتى أخوه سليمان بن عبد الوهاب ألف رسالة في الرد عليه كما ذكرناه، وكان يقول لعماله: اجتهدوا بحسب نظركم، واحكموا بما ترونه مناسباً للدين، ولا تلتفتوا لهذه الكتب المتداولة، فإن فيها الحق والباطل، وقتل كثيراً من العلماء والصالحين لأنهم لم يوافقوه على ما ابتدعه) . فالجواب أن نقول: قد أجاب عن هذه الأكاذيب والمفتريات الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقال ﵀: [وأما ما يكذب علينا ستراً للحق، وتلبيساً على الخلق بأنا نفسر القرآن برأيتنا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرح، ولا نعول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رُمة في قبره، وعصا

стр. 89

أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل عليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد أقواله، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق من بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه. ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد حتى نقرر عليه بأنه كان مشركاً، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله، وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقاً، وأنا لا نرى حقاً لأهل البيت، وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شاباً إذا ترافعوا إلينا، ولا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكرنا جوابنا عليه في كل مسألة سبحانك هذا بهتان عظيم. فمن روى عنا شيئاً من ذلك، ونسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا، وحضر مجلسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين، تنفيراً للناس عن الإذعان لإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك الذي نص الله على أنه لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء] .

стр. 90

فهذا وأشباهه مما تقدم ذكره عن هذا العراقي وأمثاله من الكذب على شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام لا يعتمد عليه ويصدقه في ذلك إلا ضال مضلّ.

стр. 91

فصل في رد فرية الملحد في تنقص الأنبياء والصالحين ... فصل قال العراقي: (قال العلامة السيد العلوي الحداد: إن المحقق عندنا من أقواله وأفعاله ما يوجب خروجه عن القواعد الإسلامية، لما أنه استحل أموراً مجمعاً على تحريمها معلومة من الدين بالضرورة بلا تأويل سائغ، وهو مع ذلك ينتقص الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، وانتقاصهم عمداً كفر بالإجماع عند الأئمة الأربعة) . والجواب أن يقال: هذا كله كذب وافتراء. وهذا الرجل المسمى بالحداد ليس هو من العلماء المشهورين بالعلم والدين والصلاح، بل كان من الغالين في الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، لأنه زعم أن من أمر بتوحيد الله بالعبادة وإخلاصها لله وحده دون من سواه، فقد تنقص الأنبياء١ والأولياء والصالحين. وقد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن من

стр. 92

صرف لغير الله شيئاً منها كان مشركاً سواء كان ذلك الغير من الأنبياء أو الصالحين، فلو كان هذا عالماً، أو كان يعرف قواعد الإسلام ومبانيه العظام ما فاه بمثل هذه الورطات، وبهرج بهذه الخرافات، بل هذا يدل على جهله وعدم معرفته وعلمه. ومن كان هذا حاله، وهذه أقواله، فلا يعول عليه، ولا يلتفت إليه ولا يعتمد على قوله ونقله إلا أشباه الأنعام السائمة، فلو ذكر عدو الله شيئاً مما نسبه إلى الشيخ مما يوجب خروجه عن القواعد الإسلامية لبينا بطلان قوله، ولكنه عدل إلى هذه المخرقة السامجة.

стр. 93

فصل في رد فرية الملحد على كتاب (كشف الشبهات) ... فصل قال العراقي: (ثم إنه صنف لابن سعود رسالة سماها كشف الشبهات عن خالق الأرض والسموات كفّر فيها جميع المسلمين، وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة، وحمل الآيات التي نزلت في الكفار من قريش على أتقياء الأمة، واتخذ ابن سعود ما يقوله وسيلة لاتساع الملك، وانقياد الأعراب له، فصار ابن عبد الوهاب يدعو الناس إلى الدين، ويثبت في قلوبهم أن جميع من هو تحت السماء مشرك بلا مراء، ومن قتل مشركاً فقد وجبت له الجنة. وكان ابن سعود يمتثل كل ما يأمر به! فإذا أمره بقتل إنسان، أو أخذ ماله سارع إلى ذلك، وكأن ابن عبد الوهاب في قومه كالنبي في أمته لا يتركون شيئاً مما يقوله، ولا يفعلون شيئاً إلا بأمره، ويعظمونه غاية التعظيم، ويبجلونه غاية التبجيل، وما زالت أحياء العرب وقبائلها تطيعه حتى اتسع بذلك ملك ابن سعود وملك أولاده بعده، وحارب الشريف غالباً ﵀ خمس عشرة سنة حتى عجز عن حربه، ولم يبق أحد إلا صار من حزبه، ودخل مكة بالصلح سنة ألف

стр. 94

ومائتين وعشرين، واستمر فيها سبع سنين، إلى أن جهزت الدولة العلية عساكرها المنصورة عليه، ووجهت الأمر إلى وزيرها المفخم "محمد علي باشا" صاحب مصر، فأتاه بجيوش باسلة، وطهر الأرض منه ومن أتباعه، ثم جهز ابنه "إبراهيم باشا" فوصل بجيوشه إلى الدرعية سنة ألف ومائتين وثلاث وثلاثين، فأفنى وأباد من بقي منهم) . والجواب أن نقول: نعم صنف الشيخ رحمه الله تعالى كشف الشبهات، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة على بطلان ما أورده أعداء الله ورسوله من الشبهات، فأدحض حججهم، وبين تهافتهم، وكان كتاباً عظيم النفع على صغر حجمه، جليل القدر انقمع به أعداء الله وانتفع به أولياء الله، فصار علما يقتدي به الموحدون، وسلسبيلاً يرده المهتدون، ومن كوثره يشربون، وبه على أعداء الله يصولون، فلله ما أنفعه من كتاب، وما أوضح حججه من خطاب، لكن لمن كان ذا قلب سليم وعقل راجح مستقيم. وأما قوله: (عن خالق الأرض والسموات) . فأقول: لم أسمع بهذه الكلمة إلا عن هذا العراقي. وأما قوله: (كفر فيها جميع المسلمين) .

стр. 95

فأقول: حاشا وكلا ما كفّر فيها مسلماً، وإنما كفر من أشرك بالله. وعدل به أحداً سواه. وأما قوله: (وزعم أن الناس كفار منذ ستمائة سنة) . فأقول: هذا كذب لم يثبت عنه هذا اللفظ في هذه الرسالة ولا في غيرها، بل قد أجاب عن هذه المسألة وغيرها في رسالته لعدو الله عبد الله بن سحيم حيث قال: فالمسائل التي شنع بها، منها ما هو من البهتان الظاهر، وهي قوله: إني مبطل كتب المذاهب، وقوله: إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، وقوله: إني أقول إن اختلاف العلماء نقمة، وقوله: إني أكفر من توسل بالصالحين، وقوله: إني أكفر البوصيري لقوله: "يا أكرم الخلق" الخ، وقوله: إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزاباً من خشب، وقوله: إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ ، وقوله: إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفر من يحلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة١ مسألة، جوابي فيها أن أقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، ولكن قبله من بهت محمداً ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم، ويسب الصالحين، تشابهت قلوبهم، وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة

стр. 96

وعيسى وعزيراً في النار، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الانبياء:١٠١] وأما قوله: (وحمل الآيات التي نزلت في الكفار من قريش على أتقياء الأمة) . فقد تقدم الجواب على هذه الدعوى الباطلة فيما تقدم. وأما قوله: (وبث في قلوبهم أن جميع من هو تحت السماء مشرك بلا مراء، ومن قتل مشركاً فقد وجبت له الجنة) . فأقول: هذا كذب وافتراء كما تقدم بيانه.

стр. 97

فصل في كيد الدولة التركية المصرية ورد الله له ... فصل ثم ذكر العراقي محاربة آل سعود الشريف غالباً، وعجزه عن مناوأتهم، ودخولهم مكة بالصلح إلى قوله: (ثم جهزت الدولة العلية) إلى آخره. فأقول: قد ذكرنا فيما تقدم١ ما أوقع الله بمن عادى المسلمين من العقوبات، وأن آخر أمرهم صار إلى تباب كما ذكره شيخنا ﵀ في المقامات، ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: "وأما الدولة التركية المصرية فابتلى الله بهم جميع المسلمين لما ردوا حاج الشامي عن الحج بسبب أمور كانوا يفعلونها في المشاعر، فطلبوا منهم أن يتركوها، وأن يقيموا الصلاة جماعة، فما حصل منهم أن ذلك، فردهم سعود ﵀ تديناً، فغضبت تلك الدولة التركية، وجرى عندهم أمور يطول عدها، ولا فائدة في ذكرها، فأمروا محمد علي صحاب مصر أن يسير إليهم بعسكره، وبكل ما يقدر عليه من القوة والكيد، فبلغ سعود ذلك، فأمر ابنه عبد الله أن يسير

стр. 98

لقتالهم، وأمره أن ينزل دون المدينة، فاجتمعت عساكر الحجاز على عثمان بن عبد الرحمن المضايفي وأهل بيشة١ وقحطان وجميع العربان، فنزلوا بالجديدة، فاختار عبد الله بن سعود القدوم عليهم، والاجتماع بهم، وذلك أن العسكر المصري في ينبع، فاجتمع المسلمون في بلد حرب، وحفروا في مضيق الوادي خندقاً، وعبئوا الجموع، وصار في الخندق من المسلمين أهل نجد، وصار عثمان ومن معه من أهل الحجاز في الجبل فوق الخندق، فحين نزل العسكر ارتدت خيولهم، وعلموا أنه لا طريق لها إلى المسلمين، فأخذوا يضربون بالقبوس فدفع الله شر تلك القبوس الهائلة عن المسلمين إن رفعوها مرّت ولا ضرت، وإن خفضوها اندفنت في التراب، فهذه عبرة، وذلك أن أعظم ما معهم من الكيد أبطله الله في الحال، ثم مشوا على عثمان ومن معه في الجبل، فتركهم حتى قربوا منه، فرموهم بما احتسبوهم به وما أعدوه لهم حين أقبلوا عليهم فما أخطأ لهم بندق، فقتلوا العسكر قتلاً ذريعاً، وهذه أيضاً من العبر، لأن العسكر الذي جاءهم أكثر منهم بأضعاف، ومع كل واحد من الفرود والمزندات، فما أصابوا رجلاً من المسلمين، وصار القتل فيهم، وهذه أيضاً عيرة عظيمة، هذا كله وأنا أشاهده، ثم مالوا إلى الجانب الأيمن

стр. 99

من الجبال بجميع عسكرهم من الرجال، وأما الخيل فليس لها فيه مجال، فانهزم كل من على الجبل من أهل بيشة وقحطان وسائر العربان إلا ما كان من حرب فلم يحضروا، واشتدوا على المسلمين لما صاروا في أعلى الجبل، فصاروا يرامون المسلمين من فوقهم، فحمي الوطيس آخر ذلك اليوم، ثم من الغد، فاستنصر أهل الإسلام ربهم الناصر لمن ينصره، فلما قرب الزوال من اليوم الثاني نظرت فإذا برجلين قد أتيا فصعدا طرف ذلك الجبل، فما سمعنا لهم بندقاً ثارت، إلا أن الله كسر ذلك البيرق ونحن ننظر، فتتابعت الهزيمة على جميع العسكر فولوا مدبرين، وجنبوا الخيل والمطرح، وقصدوا طريقهم الذي جاءوا معه، فتبعهم المسلمون يقتلون ويسلبون، هذا ونحن ننظر إلى تلك الخيول قد حارت وخارت، وظهر عليهم عسكر من الفرسان من جانب الخندق ومعهم بعض الرجال فولت تلك الخيول مدبرة، فتبعتهم خيول المسلمين في أثرهم، وليس معهم زاد ولا مزاد، فانظر إلى هذا النصر العظيم من الإله الحق رب العباد، لأن الله هزم تلك العساكر العظيمة برجلين، فهذه ثلاث عبر لكن أين من يعتبر، فأخذوا بعد ذلك مدة من السنين. ثم بعد ذلك سار "طوسون" كبير ذلك العسكر الذي هزمه الله فقصد المدينة فوراً، وأمر سعود على عبد الله ومن معه من

стр. 100

المسلمين أن ينهضوا لقتالهم، فوجدوهم قد هجموا على المدينة، ودخلوها، وأخرجوا من كان بها من أهل نجد وعسير، فحج المسلمون تلك السنة، فأقبل ذلك العسكر ونزل رابغ، ونزل المسلمون وادي فاطمة، فخان لهم شريف مكة، وضمهم إليه، وجاءوا مع الخبيث على غفلة من المسلمين، فعلم المسلمون أنه لا مقام لهم مع ما جرى من الخيانة، فرجعوا إلى أوطانهم، فخاف عثمان وهو بالطائف أن يكون الحرب منهم ومن الشريف عليه لما يعلم من شدة عداوتهم فخرج بأهله وترك لهم الطائف أيضاً مخافة أن يجتمعوا على حربه، وليس معه إلا القليل من عشيرته، ولا يأمن أهل الطائف أيضاً، فنزل المسلمون بتربة بعد ذلك نحوا من شهر، ثم رجعوا حين أكلوا ما معهم من الزاد، فجرى بعد ذلك وقعات بينهم وبين المسلمين، ولا فائدة في الإطالة بذكرها، والمقصود أن استيلاءهم على المدينة ومكة والطائف كان بأسباب قدّرها الملك الغلاب. فيريك عزته ويبدي لطفه ... والعبد في الغفلات عن ذا الشان وفيها من العبر أن الله أبطل كيد العدو، وحمى الحوزة، وعافى المسلمين من شرهم، وصار المسلمون يغزونهم فيما قرب من المدينة ومكة في نحو من ثلاث سنين أو أربع

стр. 101

فتوفى الله سعود ﵀ وهم غزاة على من كان معيناً لهذا العسكر من البوادي، فأخذوا وغنموا، فبقي لهم من الولاية ما كانوا عليه أولاً، إلا ما كان من مكة والطائف وبعض الحجاز، وبعد وفاة سعود ﵀ تجهزوا للجهاد على اختلاف كان من أولئك الأولاد، فصار المسلمون جانبين جانباً مع عبد الله وجانباً مع فيصل أخيه، فنزل الحناكية عبد الله، ونزل فيصل تربة باختيار وأمر من أخيه له، فوافق أن محمد علي حج تلك السنة فواجه فيصل هناك فطلب منه أن يصالحه على الحرمين، فأبى فيصل، وأغلظ له الجواب، وفيما قال: لا أصلح الله منا من يصالحكم ... حتى يصالح ذئب المعز راعيها فأخذت محمد علي العزة والأنفة فصار إلى بسل، والظاهر أنه كان حريصاً على الصلح فاستعجل فيصل بمن معه فساروا إليه في بسل، وقد استعد لحربهم خوفاً مما جرى منهم، فأقبلوا وهم في منازلهم فصارت عليهم العساكر والخيول فولوا مدبرين، لكن الله أعز المسلمين فحبس عنهم تلك الدول والخيول، حتى وقفوا على التلول، فسلم أكثر المسلمين من شرهم، واستشهد منهم القليل، ولا بد في القتال أن ينال المسلم أو يُنال منه، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾

стр. 102

إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] الآيات. وقد قال هرقل لأبي سفيان فما الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجال، ينال منا، وننال منه. فهذه سنة الله في العباد زيادة للمؤمنين في الثواب، وتغليظاً على الكافرين في العقاب. وأما عبد الله فرجع بمن معه فلم يلق كيداً دون المدينة. فتفكر في حماية الله لهذه الطائفة مع كثرة من عاداهم وناوأهم، ومع كثرة من أعان عليهم ممن ارتاب في هذا الدين وكرهه، وقبل الباطل وأحبه، فما أكثر هؤلاء لكن الله قهرهم بالإسلام، ففي هذا المقام عبرة، وهو أن الله أعزهم وحفظهم من شر من عاداهم، فلله الحمد والمنة. وبعد ذلك رجع محمد علي إلى مصر، وبعث الشريف غالب إلى إسطنبول، وأمر ابنه طوسون أن ينزل الحناكية دون المدينة، وأمر العطاس أن يسعى بالصلح بينهم وبين عبد الله بن سعود ويركب له من مكة، وأراد الله أن أهل الرس يخافون، لأنهم صاروا في طرف العسكر، فاستلحقوا لهم جماعة١ من المغاربة، وطوسون على الحناكية، وصار في أولاد سعود نوع من العجلة في الأمور فأمروا على الرعايا بالمسير

стр. 103

إلى الرس، فنزلوا الرويضة، فتحصن أهل الرس بمن عندهم، فأوجبت تلك العجلى أن استفزعوا أهل الرس أهل الحناكية، فلما جاء الخبر بإقبالهم نصرة لأهل الرس ارتحل المسلمون يلتمسون من أعانهم من حرب ما بينهم وبين المدينة، فصادفوا خزنة العسكر فقتلوهم، وأخذوا ما معهم، فهذا مما يسره الله من النصر من غير قصد ولا دراية، فرجع المسلمون إلى عنيزة، والعسكر نزلوا الشبيبية قريباً منهم، ويسر الله للمسلمين سبباً آخر، وذلك من توفيق الله ونصره، وجهزوا جيشاً وخيلاً فأغاروا على جانب العسكر فخرجوا عليهم، فهزمهم الله، وقتل المسلمون فيهم قتلاً كثيراً، فألقى الله الرعب في قلوبهم على كثرة من أعانهم، وقوة أسبابهم، وذلك من نصر الله لهذا الدين، فرجعوا إلى الرس خوفاً من هجوم المسلمين عليهم، فتبعهم المسلمون، ونزلوا الحجناوي، فقدم العطاس على الأمر الذي عمده إليه محمد علي فوجد الحال قد تغير [فقصدهم] ابتداء، فمنعوه مما جاء له، ثم إنهم سعوا في الصلح والمسلمون على الحجناوي، وكل يوم يجري بين الخيل طراد فمل أكثر المسلمين من الإقامة، فلم يبق منهم إلا شرذمة قليلة، فجاء منهم أناس يطلبون الصلح، فأصلحهم عبد الله رحمه الله تعالى، وطلبوا منه أن يبعث معهم رجلاً من أهل بيته خوفاً أن يعرض لهم أحد من المسلمين في طريقهم،

стр. 104

فمشى معهم محمد بن حسن بن مشاري إلى المدينة. والمقصود أن الله سبحانه أذلهم، وألقى الرعب في قلوبهم، وحفظ المسلمين من شرهم، بل غنمهم مما بأيديهم من حيث بذلهم المال بشرائهم "الهجن"، فاشتروا من المسلمين "الذلول" بضعفي ثمنها- إلى أن قال ﵀: فلو ساعد القدر وتم هذا الصلح لكان الحال غير الحال، لكن ما أراده الله تعالى وقع على كل حال، لكن جرى من عبد الله بن سعود رحمه الله تعالى ما أوجب نقض ذلك الصلح، وهو أنه بعث عبد الله بن كثير لغامد وزهران بخطوط مضمونها أن يكونوا في طرفه، وفي أمره، فبعثوا بها إلى محمد علي فلم يرض بذلك، وقال: إنهم من جملة من وقع عليهم الصلح، فهذا هو سبب النقض، وأنشأ عسكراً مع إبراهيم باشا، ونزل الحناكية، ثم ذكر وقعة الماوية، ثم قدومه إلى الدرعية، وأخذ في حصارها قدر ثمانية أشهر، وهو يضربهم بالقنابر والقبوس، ثم انتهى الأمر إلى الصلح فأعطاهم العهد والميثاق على ما في البلد من رجل أو مال حتى الثمرة التي على النخل، لكن لم يف لهم بما صالحهم عليه، وغدر بأناس منهم "سليمان بن عبد الله" وبعد هذا تشتت أهل البلد عنها، وقطع النخيل،

стр. 105

وهدم المساكن إلا القليل، وبعث بعبد الله بن سعود لمصر، وأتبعه عياله وإخوانه وكبار آل الشيخ، وبعد ذلك حج، فسلط الله على عسكره الفناء، ولم يصل إلى مصر إلا القليل، فلما وصل مصر حل بهم عقوبات أهل الإسلام، فمشى على السودان ولا أظفره الله فرجع مريضاً، ثم إن محمد علي بعث ابنه إسماعيل، وتمكن منهم بصلح، فلما رأوا منه الخيانة بأخذ عبيد وجوار، أحرقوه بالنار في بيته ومن معه من العسكر، ثم بعد ذلك بعث لهم دفتردار ولا حصل منهم شيئاً. فأما عسكر الحجاز التي وصلت مصر قبل إبراهيم باشا حسين بك١ الذي صار في مكة وعابدين بك٢ الذي صار في اليمن فسيرهم محمد علي قبل هذا الحرب إلى "مورة" "وجريد" لما خرجوا على السلطان، فاستمده السلطان على حربهم، فأمده بهذين العسكرين، فهلكوا عن آخرهم، ولم يفلت منهم عين تطرف، وذلك أن "مورة" "وجريد" في الأصل ولاية للسلطان، فخرجوا عليه، فهلك من عسكر السلطان والعساكر المصرية في حربهم ما لا يحصى، وهذه عقوبة أجراها الله عليهم بسبب ما جرى منهم على أهل الإسلام، حتى "العرناووط" في جبلهم عصوا على السلطان قبل حادثة "مورة" "وجريد".

стр. 106

وبعد هذا الأمر اشتد الأمر على السلطان، وبعث يستنصر محمد علي، فبعث عسكراً كبيرهم "قارئ علي" فهلكوا في البحر قبل أن يصلوا، ثم إن السلطان بعث "نجيب أفندي" لمحمد علي يطلب منه أن يسير بنفسه، فبعث إليه يعتذر بالمرض، وأن إبراهيم باشا يقوم مقامه، وقبل ذلك بعث "حسين بك"١ الذي سبا أهل نجد، وقتل منهم البعض في ثرمدا، وفزع للسلطان قبل مسير إبراهيم باشا بعسكره الذي كان معه في نجد، وتبعه إبراهيم باشا يمده، ونزلوا "مورة" لحرب أهلها، فأذلهم الله لهم، فقتلوا فيهم قتلاً عظيماً. فأما عسكر "حسين بك"٢ فلم يقدم مصر منه إلا صبي. وأما إبراهيم باشا فاشترى نفسه منهم بالأموال، فانظر إلى هذه العقوبات العاجلة التي أوقعها الله على الآمر والمأمور، وأكثر الناس لا يدري بهذه الأمور. وهذا الذي ذكرناه فيه عبرة عظيمة، وشاهد لأهل هذا الدين أن الله لما سلط عليهم عدوهم، ونال منهم ما نال، صارت العاقبة السلامة والعافية لمن ثبت على دينه، واستقام على دين الإسلام.

стр. 107

ثم إن الله تعالى أوقع بعدوهم ما ذكرنا وأعظم، لكن ذكرنا الواقع على سبيل الاختصار لقصد الاعتبار ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] . ثم إن الله أجرى على من أعانهم من أهل نجد ممن شك منهم في هذا الدين، وأكثر الطعن على المسلمين، أن الله تعالى أفناهم، وهذه أيضاً من العبر لم يبق أحد ممن أظهر شره وإنكاره وعداوته للمسلمين إلا وعوجل١ بالهلاك والذهاب"اهـ. ثم ذكر ﵀ ظهور خالد وإسماعيل وذلك بعد أن رد الله الكرة للمسلمين، وجمعهم الله على تركي بن عبد الله، ثم على ابنه فيصل، وذكر ﵀ ما جرى من تسلط العساكر المصرية على أهل هذه الدعوة المحمدية، وما جرى من الملاحم العظيمة مما يطول عده، وتمكنهم من فيصل، وأخذهم له، وإرساله لمصر، ثم صار في هذه العساكر من الذهاب والعذاب والفساد لما أوقع الله الحرب بين السلطان ومحمد علي، وذلك من العقوبات، ثم رد الله الكرة لأهل نجد وجمعهم الله بالإمام فيصل فرجعوا كما كانوا أولاً على ما كانوا عليه قبل حرب هؤلاء الدول. والمقصود بما ذكرنا الاعتبار بأن الله حفظ هذا

стр. 108

الدين ومن تمسك به، وأيدهم بالنصر على ضعفهم وقلتهم، وأوقع بأسه بهذه الدولة على قوتهم وكثرتهم، وأسباب كيدهم، ثم إن الله تعالى أهلك تلك الدول بما أجرى عليهم من حرب النصارى في بلاد الروم، فكل دولة مشت على نجد والحجاز لم يبق منهم اليوم عين تطرف، وكانوا لا يحصي عددهم إلا الله، فهلكوا في حرب النصارى، فصارت العاقبة العافية والظهور لمن جاهدهم في الله من الموحدين، فجمع الله لهم بعد تلك الحوادث العظيمة من النعم والعز والنصر ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال. ومن عجيب ما اتفق لأهل الدعوة أن محمد بن سعود عفا الله عنه لما وفقه الله لقبول هذا الدين ابتدأ بعد تخلف الأسباب، وعدم الناصر شمر في نصرته ولم يبال بمن خالفه من قريب أو بعيد، حتى إن بعض أناس ممن له قرابة به عذله عن هذا المقام الذي شمر إليه، فلم يلتفت إلى عذل عاذل، ولا لوم لائم، ولا رأي مرتاب، بل جد في نصرة هذا الدين، فملكه الله تعالى في حياته كل من استولى عليه من القرى، ثم بعد وفاته صار الأمر في ذريته يسوسون الناس بهذا الدين ويجاهدون فيه كما جاهدوا في الابتداء، فزادت دولتهم وعظمت صولتهم على الناس بهذا الدين الذي لا شك فيه ولا التباس، فصار

стр. 109

الأمر في ذريته لا ينازعهم فيه منازع، ولا يدافعهم عنه مدافع، وأعطاهم الله القبول والمهابة، وجمع الله عليهم من أهل نجد وغيرهم ممن لا يمكن اجتماعهم على إمام واحد إلا بهذا الدين، وظهرت آثار الإسلام في كثير من الأقاليم النجدية وغيرها مما تقدم ذكره، وأصلح الله بهم ما أفسدت تلك الدول التي حاربتهم، ودافعتهم عن هذا الدين ليطفئوه، فأبى الله ذلك، وجعل لهم العز والظهور- انتهى ما ذكره الشيخ. والمقصود أن هذا العراقي ذكر أن الدولة المصرية أفنت المسلمين وأبادتهم، ولم يبق منهم أحد، وقد أبقى الله – وله الحمد والمنة- من آل سعود من أقام هذا الدين، وجاهد فيه، وأحيا ما اندرس من معالمه، بعد تلك الدول، ونسأل الله أن يديم ذلك، وأن يجعلهم أئمة هدى، وأن يوفقهم لما وفق له الخلفاء الراشدين الذين لهم التقدم في نصرة هذا الدين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 110

فصل في مسألة زيارة قبر النبي ﷺ ... فصل قال العراقي: (ومن قبائح ابن عبد الوهاب الشنيعة أنه منع الناس من زيارة قبر النبي ﷺ فبعد منعه خرج أناس من الأحساء وزاروه ﷺ ، فلما رجعوا مروا على ابن عبد الوهاب في الدرعية فأمر بحلق لحاهم، وأركبهم مقلوبين إلى الأحساء) . والجواب: أن هذا كذب وافتراء، فإن الشيخ قال في جواب اثنتي عشرة مسألة منها إنكاره زيارة قبر النبي ﷺ ما نصه: فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ،وقد تقدم ذكرها. وأما كونه حلق لحى أناس من أهل الأحساء فهو من تصرف هذا العراقي، فإنه لم يذكرها إمام ضلالتهم "أحمد بن زيني دحلان" في مفترياته، وهم إنما يمشون على ما اقترحه لهم وافتراه ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] .
следующие страницы →