← Акыда

Акыда · id 7664

الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق

سليمان بن سحمان

Полный текст (691 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وبعد هذا الأمر اشتد الأمر على السلطان، وبعث يستنصر محمد علي، فبعث عسكراً كبيرهم "قارئ علي" فهلكوا في البحر قبل أن يصلوا، ثم إن السلطان بعث "نجيب أفندي" لمحمد علي يطلب منه أن يسير بنفسه، فبعث إليه يعتذر بالمرض، وأن إبراهيم باشا يقوم مقامه، وقبل ذلك بعث "حسين بك"١ الذي سبا أهل نجد، وقتل منهم البعض في ثرمدا، وفزع للسلطان قبل مسير إبراهيم باشا بعسكره الذي كان معه في نجد، وتبعه إبراهيم باشا يمده، ونزلوا "مورة" لحرب أهلها، فأذلهم الله لهم، فقتلوا فيهم قتلاً عظيماً. فأما عسكر "حسين بك"٢ فلم يقدم مصر منه إلا صبي. وأما إبراهيم باشا فاشترى نفسه منهم بالأموال، فانظر إلى هذه العقوبات العاجلة التي أوقعها الله على الآمر والمأمور، وأكثر الناس لا يدري بهذه الأمور. وهذا الذي ذكرناه فيه عبرة عظيمة، وشاهد لأهل هذا الدين أن الله لما سلط عليهم عدوهم، ونال منهم ما نال، صارت العاقبة السلامة والعافية لمن ثبت على دينه، واستقام على دين الإسلام.

стр. 107

ثم إن الله تعالى أوقع بعدوهم ما ذكرنا وأعظم، لكن ذكرنا الواقع على سبيل الاختصار لقصد الاعتبار ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] . ثم إن الله أجرى على من أعانهم من أهل نجد ممن شك منهم في هذا الدين، وأكثر الطعن على المسلمين، أن الله تعالى أفناهم، وهذه أيضاً من العبر لم يبق أحد ممن أظهر شره وإنكاره وعداوته للمسلمين إلا وعوجل١ بالهلاك والذهاب"اهـ. ثم ذكر ﵀ ظهور خالد وإسماعيل وذلك بعد أن رد الله الكرة للمسلمين، وجمعهم الله على تركي بن عبد الله، ثم على ابنه فيصل، وذكر ﵀ ما جرى من تسلط العساكر المصرية على أهل هذه الدعوة المحمدية، وما جرى من الملاحم العظيمة مما يطول عده، وتمكنهم من فيصل، وأخذهم له، وإرساله لمصر، ثم صار في هذه العساكر من الذهاب والعذاب والفساد لما أوقع الله الحرب بين السلطان ومحمد علي، وذلك من العقوبات، ثم رد الله الكرة لأهل نجد وجمعهم الله بالإمام فيصل فرجعوا كما كانوا أولاً على ما كانوا عليه قبل حرب هؤلاء الدول. والمقصود بما ذكرنا الاعتبار بأن الله حفظ هذا

стр. 108

الدين ومن تمسك به، وأيدهم بالنصر على ضعفهم وقلتهم، وأوقع بأسه بهذه الدولة على قوتهم وكثرتهم، وأسباب كيدهم، ثم إن الله تعالى أهلك تلك الدول بما أجرى عليهم من حرب النصارى في بلاد الروم، فكل دولة مشت على نجد والحجاز لم يبق منهم اليوم عين تطرف، وكانوا لا يحصي عددهم إلا الله، فهلكوا في حرب النصارى، فصارت العاقبة العافية والظهور لمن جاهدهم في الله من الموحدين، فجمع الله لهم بعد تلك الحوادث العظيمة من النعم والعز والنصر ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال. ومن عجيب ما اتفق لأهل الدعوة أن محمد بن سعود عفا الله عنه لما وفقه الله لقبول هذا الدين ابتدأ بعد تخلف الأسباب، وعدم الناصر شمر في نصرته ولم يبال بمن خالفه من قريب أو بعيد، حتى إن بعض أناس ممن له قرابة به عذله عن هذا المقام الذي شمر إليه، فلم يلتفت إلى عذل عاذل، ولا لوم لائم، ولا رأي مرتاب، بل جد في نصرة هذا الدين، فملكه الله تعالى في حياته كل من استولى عليه من القرى، ثم بعد وفاته صار الأمر في ذريته يسوسون الناس بهذا الدين ويجاهدون فيه كما جاهدوا في الابتداء، فزادت دولتهم وعظمت صولتهم على الناس بهذا الدين الذي لا شك فيه ولا التباس، فصار

стр. 109

الأمر في ذريته لا ينازعهم فيه منازع، ولا يدافعهم عنه مدافع، وأعطاهم الله القبول والمهابة، وجمع الله عليهم من أهل نجد وغيرهم ممن لا يمكن اجتماعهم على إمام واحد إلا بهذا الدين، وظهرت آثار الإسلام في كثير من الأقاليم النجدية وغيرها مما تقدم ذكره، وأصلح الله بهم ما أفسدت تلك الدول التي حاربتهم، ودافعتهم عن هذا الدين ليطفئوه، فأبى الله ذلك، وجعل لهم العز والظهور- انتهى ما ذكره الشيخ. والمقصود أن هذا العراقي ذكر أن الدولة المصرية أفنت المسلمين وأبادتهم، ولم يبق منهم أحد، وقد أبقى الله – وله الحمد والمنة- من آل سعود من أقام هذا الدين، وجاهد فيه، وأحيا ما اندرس من معالمه، بعد تلك الدول، ونسأل الله أن يديم ذلك، وأن يجعلهم أئمة هدى، وأن يوفقهم لما وفق له الخلفاء الراشدين الذين لهم التقدم في نصرة هذا الدين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 110

فصل في مسألة زيارة قبر النبي ﷺ ... فصل قال العراقي: (ومن قبائح ابن عبد الوهاب الشنيعة أنه منع الناس من زيارة قبر النبي ﷺ فبعد منعه خرج أناس من الأحساء وزاروه ﷺ ، فلما رجعوا مروا على ابن عبد الوهاب في الدرعية فأمر بحلق لحاهم، وأركبهم مقلوبين إلى الأحساء) . والجواب: أن هذا كذب وافتراء، فإن الشيخ قال في جواب اثنتي عشرة مسألة منها إنكاره زيارة قبر النبي ﷺ ما نصه: فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ،وقد تقدم ذكرها. وأما كونه حلق لحى أناس من أهل الأحساء فهو من تصرف هذا العراقي، فإنه لم يذكرها إمام ضلالتهم "أحمد بن زيني دحلان" في مفترياته، وهم إنما يمشون على ما اقترحه لهم وافتراه ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١] .

стр. 111

وأما قوله: (قد أخبر النبي ﷺ عن هؤلاء الخوارج في أحاديث كثيرة فكانت من أعلام نبوته ﵊، لأن فيها إخباراً بالغيب، فمنها قوله ﵊ "الفتنة من ههنا" وأشار إلى المشرق. وقوله ﷺ : "يخرج أناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه -يعني موضع الوتر- سماهم التحليق"، وفي رواية زيادة على ذلك "هم شر الخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء،"، وقوله ﷺ :" اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا؟ قال: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان". وقوله ﷺ : "يخرج ناس من المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون آخرهم مع المسيح الدجال، سيماهم التحليق"، وفي قوله ﷺ : "سيماهم التحليق" تنصيص عن هؤلاء القوم الخارجين من المشرق التابعين لمحمد بن عبد الوهاب فيما ابتدعه) . فالجواب أن يقال: لقد –والله- أمكن الرامي من سواء الثغرة، وعلى نفسها تجني براقش. فإن قوله ﷺ :

стр. 112

"الفتنة ههنا الفتنة ههنا" وأشار إلى المشرق مراده مشرق المدينة، وهو العراق كما يأتي ذلك في الأحاديث، وفي كلام أهل العلم. فأما قوله: (فمنها قوله ﷺ : "الفتنة من ههنا الفتنة من ههنا" وأشار إلى المشرق) . أقول: روى البخاري في كتاب الفتن من حديث ابن عمر ولفظه هكذا: عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قام إلى جنب المنبر فقال: "الفتنة ههنا الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان – أو قال- قرن الشمس" وفي رواية عنه أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان"، وفي رواية عنه قال ذكر النبي ﷺ : " اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا" قالوا: وفي نجدنا، قال: "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا". قالوا: وفي نجدنا. فأظنه قال في الثالثة: "هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان". ولمسلم من رواية عكرمة بن عمار عن سالم سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يشير بيده نحو

стр. 113

المشرق ويقول: "ها إن الفتنة ها هنا -ثلاثاً- حيث يطلع قرن الشيطان". وله من طريق حنظلة عن سالم مثله قال: "إن الفتنة هاهنا. ثلاثاً". وله من طريق فضيل بن غزوان سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: "يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ههنا، وأومى بيده نحو المشرق، من حيث يطلع قرنا الشيطان" ١ كذا فيه بالتثنية.

стр. 114

..................................................................................................

стр. 115

فتبين من هذا الحديث الصحيح أن المراد بالمشرق العراق، ولا بدع فهو منبع كل فساد، ومنشأ كل إلحاد. قال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها، فهي مشرق أهل المدينة، وأصل نجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنه ما انخفض منها. وقال الحافظ في الفتح: وقال غيره "كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة" انتهى. وقال القسطلاني: إنما أشار ﵊ إلى المشرق لأن أهله يومئذ أهل كفر، فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذا وقعت، فكانت وقعة الجمل، ووقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وكان أصل ذلك وسببه قتل عثمان بن عفان ﵁، وهذا من أعلام نبوته ﷺ . انتهى.

стр. 116

فتبين مما ذكره الشراح أن المراد من قوله: "من قبل المشرق" أنه العراق ونواحيه، لأن به كانت وقعة الجمل، ووقعة صفين، وهي لم تكن إلا في ناحية العراق، وخروج الخوارج إنما كان من البصرة والكوفة، فأين هذه الأماكن من اليمامة لو كانوا يعلمون، ولكن الأمر كما قيل: رمتني بدائها وانسلت وقال الداوودي: إن نجداً من ناحية العراق. ذكر هذا الحافظ ابن حجر، ويشهد له ما في مسلم عن ابن غزوان سمعت سالم بن عبد الله سمعت ابن عمر يقول: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الفتنة تجيء من ههنا"، وأومى بيده إلى المشرق، فظهر أن هذا الحديث خاص لأهل العراق، لأن النبي ﷺ فسر المراد بالإشارة الحسية، وقد جاء صريحاً في الكبير للطبراني النص على أنها العراق، وقول ابن عمر، وأهل اللغة وشهادة الحال كل هذا يعين المراد، ومن المعلوم بالضرورة أن وقعة الجمل وصفقين لم تكن بأرض اليمامة، ولا كان خروج الخوارج على علي ﵁ إلا بحروراء١ من جهة العراق ونواحيها.

стр. 117

وأما قوله: (في الحديث الآخر يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن) الخ. فأقول: الحديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد عن معبد بن سيرين عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرج ناس من قبل المشرق، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه، قيل ما سيماهم؟ قال: "التحليق -أو قال- التسبية" ١. وقد وقع مصداق ما أخبر به ﷺ من خروج هؤلاء المارقين، على هذه الصفة التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، وكان خروجهم من جهة العراق كما ذكره الشراح. قال الحافظ في الفتح في آخر كتاب التوحيد تحت قوله ﷺ : "يخرج ناس من قبل المشرق": تقدم في كتاب الفتن أنهم الخوارج، وبيان مبدأ أمرهم، وما ورد فيهم، وكان ابتداء خروجهم في العراق، وهي من جهة المشرق بالنسبة إلى مكة المشرفة انتهى.

стр. 118

وأخرج البخاري عن بشير بن عمرو قال: قلت لسهل بن حنيف هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئاً؟ قال: سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق: "يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية". وأما قوله ﷺ : "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا" الحديث. فالجواب أن يقال: وصف أهل اليمامة بهذا كذب على رسول الله ﷺ ، فإنه لم يصف أهل نجد وأهل اليمامة بهذا، ولا دخل في وصفه من يؤمن بالله ورسوله منهم ولا من غيرهم، بل الموصوف بإجماع المسلمين هم الحرورية الخارجون على علي الذين قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁ من أهل الكوفة والبصرة وما يليها من بني يشكر ومن طي وتميم وغيرهم من قبائل العرب، ودارهم ومسكنهم بالعراق، ولا يختلف في هذا، ودولتهم وشوكتهم كانت هناك دون النهر، ولذلك نسبوا إليه وقيل: أهل النهروان، وحروراء بلدة هناك نسبوا إليها، فقيل: الحرورية. وبعض ألفاظ الحديث في بعض الطرق دال على تلك الخصوصية كما وقع في رواية البخاري عن أبي سعيد

стр. 119

"يخرجون على حين فرقة من الناس" قال أبو سعيد شهدت لسمعته من النبي ﷺ . وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه حين جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ . وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق". وكذلك الحديث الذي أورده العراقي (الزهاوي) ١ من قوله ﷺ : " يخرج ناس من المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون آخرهم مع المسيح الدجال". قال بعض المحققين من أهل العلم في رده شبه دحلان: لم أقف على هذا اللفظ، ولكن أخرج معناه النسائي من حديث أبي برزة وأخرج ابن ماجه معناه من حديث ابن عمر. ولفظه أن رسول الله ﷺ قال: "ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع" قال ابن عمر: حتى يخرج في عراضهم الدجال. وفي مجمع الزوائد عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن حتى

стр. 120

يكون مع بقيتهم الدجال" رواه الطبراني وإسناده حسن. انتهى. وأما قوله: (وفي قوله ﷺ : "سيماهم التحليق" تنصيص على هؤلاء القوم الخارجين من المشرق، التابعين لمحمد بن عبد الوهاب فيما ابتدعه، لأنهم كانوا يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه، ولا يتركونه إذا تبعهم حتى يحلقوا رأسه، ولم يقع مثل ذلك من إحدى الفرق الضالة التي مضت قبلهم، وكان ابن عبد الوهاب يأمر بحلق رؤوس النساء أيضاً ممن اتبعه، وفي مرة أمر امرأة دخلت في دينه أن تحلق رأسها. فقالت له: لو أمرت بحلق اللحى للرجال لساغ أن تأمر بحلق رؤوس النساء، فإن شعر الرأس للنساء بمنزلة اللحية للرجل. فلم يجد لها جواباً) . فالجواب أن نقول: قد تقدم أن التحليق من صفة الخوارج الذين يخرجون من العراق كما هو معروف مشهور في الأحاديث وكلام العلماء. وأما قوله: (إن الشيخ وأتباعه يأمرون من اتبعهم أن يحلق رأسه) . فهذا من الكذب والبهتان، والظلم والعدوان.

стр. 121

وأما حكايته عن المرأة التي زعم أن الشيخ أمرها بحلق رأسها فمن الخرافات والمجونات التي لا يستجيز صبيان المكاتب حكايتها، ولا يحيكها إلا هؤلاء الذين سلب الله عقولهم، وأنطقهم بما يضحك منه المجاذيب الذين لا يعقلون. وأما قوله: (ولم يقع مثل ذلك من أحدى الفرق الضالة التي مضت قبلهم) . فأقول: هذا مما يبين شدة غباوة هذا العراقي وجهله، وعدم إدراكه ومعرفته وشدة كلب عداوته لأهل الإسلام، فإن التحليق من صفة الخوارج كما مر في الأحاديث، وهم خرجوا على علي ﵁، وهم من أكبر الفرق الضالة في القرن الأول، وظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى دين الله في القرن الحادي عشر، أفلا يستحي هذا العراقي ممن وقف على كلامه، من سوء قصده ومرامه، حيث قال: ولم يقع مثل ذلك من إحدى الفرق الضالة. وهو قد وقع للخوارج، ومن شدة غباوته أنه يكتب هذا في صفة الخوارج ثم يقول: ولم يقع مثل هذا. اللهم إلا أن يكون توهم أن الذين خرجوا على علي، وقاتلهم في النهروان ليسوا بخوارج، وإنما الخوارج عنده

стр. 122

من أخلصوا العبادة لله بجميع أنواعها، ودعوا الناس إلى ذلك، ونهوا عن الاعتقاد في الأنبياء والأولياء والصالحين والأحجار والأشجار، وترك التعلق عليهم، والالتجاء إليهم في الرغبات والطلبات، وأنه لا يستغاث بهم في كشف الكربات والملمات، إلى غير ذلك من الفواحش والمنكرات. وأما قوله: (وكان ابن عبد الوهاب يأمر بحلق رؤس النساء إلى آخره) . فأقول: هذا من الكذب الواضح الذي لا يمتري فيه عاقل، بل هو تزوير الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، وقد خاب من افترى، وشاهد الحال يكفي في رد هذه الخرافات. وأما قوله: (ومن الأحاديث قوله ﷺ : "يخرج في آخر الزمان في بلد مسيلمة رجل يغير دين الإسلام") . فأقول: هذه رواية بلا سند، فلا اعتداد بها، بل هذا من موضوعات هؤلاء الغلاة، ولو كان لها أصل لعزاها إلى كتاب من الكتب المعتمدة، وقد قال إمام ضلالة هؤلاء

стр. 123

الغلاة دحلان في شبهاته ومفترياته ما نصه: وفي بعض التواريخ بعد ذكر قتال بني حنيفة قال: ويخرج في آخر الزمان في بلد مسيلمة رجل يغير دين الإسلام، فنسبها إلى بعض التواريخ غير مسندة إلى تاريخ معلوم، ولا إلى رسول الله ﷺ بسند يعتمد عليه، وهذا الجاهل أسند هذه المقالة إلى رسول الله ﷺ بغير سند لعظم غباوته وجراءته، وقد قال ﷺ : "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".

стр. 124

فصل في بيان أن دعوة الشيخ ليس فيها من مقالات الخوارج شيء ... فصل فإذا وضح لك ما تقدم ذكره، فاعلم أنه لا يكون من الخوارج وعلى مذهبهم إلا من يستن بسنة هؤلاء الذين خرجوا على علي ﵁، وسلك مسلكهم من قتل أهل الإسلام، وترك أهل الأوثان، وتكفير من لا يعتقد معتقدهم، وإباحة دمه وماله وأهله، وأن عثمان وعلياً وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم: كفار، وأن من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبداً، وأن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وإبطال رجم المحصن، وقطع يد السارق من الإبط، وإيجاب الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادراً، وإن لم يكن قادراً فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبير عندهم حكم الكافر، وسائر معتقداتهم الفاسدة، وأعمالهم الزائغة. فإذا تبين لك هذا فالشيخ ﵀ وأتباعه لا يعتقدون شيئاً من عقائدهم، ولا يعملون بشيء من

стр. 125

أعمالهم، بل مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتهم طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، ومن روى عنهم من تلك الخرافات والأوضاع، أو نسبه إليهم فقد كذب عليهم وافترى، وهذا ظاهر لمن طالع كتابه المسمى كتاب "التوحيد" وسائر الرسائل المؤلفة للشيخ.

стр. 126

فصل في ذكر بعض مفتريات الملحد ... فصل قال العراقي: (ومن قبائح ابن عبد الوهاب إحراقه كثيراً من كتب العلم، وقتله كثيراً من العلماء وخواص الناس وعوامهم، واستباحة دمائهم وأموالهم، ونبشه لقبور الأولياء، وقد أمر في الأحساء أن تجعل بعض قبورهم محلاً لقضاء الحاجة، ومنع الناس من قراءة دلائل الخيرات، ومن الراوتب١ والأذكار، ومن قراءة المولد الشريف ومن الصلاة على النبي ﷺ في المنابر بعد الأذان، وقتل من فعل ذلك، ومنع الدعاء بعد الصلاة، وكان يصرح بكفر المتوسل بالأنبياء والملائكة والأولياء، ويزعم أن من قال لأحد: مولانا وسيدنا فهو كافر) . فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذه المفتريات، وبينا أنها كذب وزور، وتعنت وفجور، إلا أنا لم نجب عن دعواه نبش قبور الأولياء، وجعلها محلاً

стр. 127

لقضاء الحاجة، ومنع الناس من الراوتب والأذكار، وأن الشيخ يقول لمن قال لأحد: مولانا وسيدنا فهو كافر. فأما دعواه أن الشبخ نبش قبور الأولياء، فهذا كذب، والذي جرى من الشيخ ﵀ وأتباعه هدم البناء الذي على القبور، والمسجد المجعول في المقبرة على القبر الذي يزعمون أنه قبر زيد بن الخطاب ﵁، وذلك كذب ظاهر، فإن قبر زيد ﵁ ومن معه من الشهداء لا يعرف أين موضعه، بل المعروف أن الشهداء من أصحاب رسول الله ﷺ قتلوا في أيام مسيلمة في هذا الوادي، ولا يعرف أين موضع قبورهم من قبور غيرهم، ولا يعرف قبر زيد من قبر غيره، وإنما كذب ذلك بعض الشياطين، وقال للناس: هذا قبر زيد فافتتنوا به، وصاروا يأتون إليه من جميع البلاد بالزيارة، ويجتمع عنده جمع كثير، ويسألونه قضاء الحاجاب، وتفريج الكربات، فلأجل ذلك هدم الشيخ ذلك البناء الذي على قبره، وذلك المسجد الذي على المقبرة، اتباعاً لما أمر الله به ورسوله من تسوية القبور في النهي والتغليظ في بناء المساجد عليها، كما يعرف ذلك من له أدنى مسكة من المعرفة والعلم. وأما كونه نبش القبر. فكل هذا كذب وزور، وتشنيع على الشيخ عند الناس بالباطل والفجور.

стр. 128

وكذلك قوله: وقد أمر في الأحساء أن تجعل بعض قبورهم محلاً لقضاء الحاجة. كذب وافتراء. وأما قراءة مولد النبي ﷺ بوقت محدود، وطريقة معلومة، وكتب مخصوصة لها فلا شك في كونها بدعة محدثة، فأي محذور في المنع منها؟ وأما الدعاء بعد الصلاة فإن كان بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة من الأذكار من غير رفع اليدين كما ورد في الصحيحين وغيرهما من الكتب، فالشيخ لا يمنع عنه، ولا أحد من أتباعه، بل ولا أحد من أهل الحديث، وإن كان الدعاء بغير الألفاظ المأثورة، وكما يفعله الناس اليوم، فقال شيخ الإسلام لما سئل عن ذلك: الجواب: الحمد لله، لم يكن النبي ﷺ يدعو هو ولا المأمومون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله الناس عقيب الفجر والعصر، ولا نقل ذلك عن أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة. ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك فقد غلط عليه، ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك، لكن طائفة من أصحاب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما استحبوا الدعاء بعد الفجر والعصر، قالوا: لأن هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما، فتعوض بالدعاء بعد الصلاة.

стр. 129

واستحب طائفة من أصحاب الشافعي وغيره الدعاء عقيب الصلوات الخمس، وكلهم متفقون على أن من ترك الدعاء لم ينكر عليه، ومن أنكر عليه فهو مخطئ باتفاق العلماء، فإن هذا ليس مأموراً به لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب في هذا الموطن، بل الفاعل أحق بالإنكار. فإن المداومة على ما لم يكن النبي ﷺ يداوم عليه في الصلوات الخمس ليس مشروعاً، بل مكروه كما لو داوم على الدعاء عقيب الدخول في الصلاة، أو داوم على القنوت في الركعة الأولى في الصلوات الخمس، أو داوم على الجهر بالاستفتاح في كل صلاة، ونحو ذلك فإنه مكروه. وإذا كان القنوت في الصلوات الخمس قد فعله النبي ﷺ أحياناً، وكان عمر يجهر بالاستفتاح أحياناً، وجهر رجل خلف النبي ﷺ بنحو ذلك فأقره عليه، فليس كل ما شرع فعله أحياناً تشرع المداومة عليه، ولو دعا الإمام والمأموم أحياناً عقيب الصلاة لأمر عارض لم يعد هذا مخالفة للسنة كالذي يداوم على ذلك. والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي ﷺ كان يدعو دبر الصلوات قبل السلام، ويأمر بذلك، كما قد بسطنا الكلام على ذلك، وذكرنا ما في ذلك من

стр. 130

الأحاديث، وما يظن أن فيه حجة للمنازع في غير هذا الموضع، وذلك لأن الداعي يناجي ربه، فإذا انصرف مسلماً انصرف عن مناجاته، ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذي يناسب دون سؤاله بعد انصرافه، كما أن من يخاطب ملكاً أو غيره، فإن سؤاله له وهو مقبل على مخاطبته أولى من سؤاله بعد انصرافه عنه. انتهى١. وأما مسألة قول القائل: مولانا وسيدنا. فالشيخ لا يمنع من قال ذلك على الوجه الذي يعرفه الناس من لفظ السيد الشريف، والفاضل الكريم، والحليم ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم، وكذلك لفظ: المولى بالمنعم والمعتق والناصر والمحب والتابع والخال وابن العم والحليف، إلى غير ذلك، وإنما نهى ومنع عن إطلاق لفظ السيد والمولى فيمن يعتقدون فيه نوعاً من الربوبية أو الألوهية كمن يقول: يا سيدي أو يا مولاي فلان أغثني أو أدركني أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذا، فمن قال هذا بهذا المعنى فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليعبد، ولا يدعى معه إله آخر.

стр. 131

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الرسالة السنية: فإذا كان على عهد رسول الله ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام لأسباب منها الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ﵇، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغني أو ارزقني أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل –إلى آخر كلامه ﵀.

стр. 132

فصل في الدولة السعودية القائمة الآن ... فصل قال العراقي الزهاوي البغدادي: (الوهابية وحديث بغيها: إن زعيم الوهابية اليوم هو: عبد الرحمن بن فيصل من أولاد محمد بن سعود الباغي، الذي حاد عن طاعة الخلافة العظمى الإسلامية سنة ١٢٠٥، واستمرت له وقائع مع الشريف غالب إلى ١٢٢٠، حتى عجز الشريف عن حربه جهزت الدولى العثمانية١ عليه عساكرها، وناطت الأمر بوزيرها المرحوم محمد علي باشا، صاحب مصر، وولده المرحوم إبراهيم باشا، فأبادهم سنة ١٢٣٣ كما ألمعنا إليه في مقالتنا السابقة، مما هو مسطور في كتب التاريخ، وعبد الرحمن هذا كان قبل ثلاثين سنة تقريباً أميراً على الرياض، فلما استولى عليها المرحوم٢ أمير الجبل٣ محمد بن رشيد

стр. 133

هرب عبد الرحمن بن سعود إلى بعض السواحل البحرية وأخيراً التجأ إلى الكويت، وبقي هناك يعيش في فقر مدقع لا يرحمه أحد، إلى أن عطفت عليه الدولة العثمانية١، وأجرت له جراية أزالت ما كان فيه من الفقر، وصار يعيش في أرغد عيش على نفقتها في تلك الديار) . والجواب أن يقال: نعم قد كان زعيم الوهابية اليوم الإمام المعظم، والرئيس المفخم، عبد الرحمن بن فيصل، وابنه عبد العزيز بن عبد الرحمن هو قائد الجيوش الإسلامية، وكان عبد الرحمن من أولاد محمد بن سعود الذي رفع الله به أعلام الشريعة المحمدية، والملة الإبراهيمية، بعد أفول شموسها، وانطماس معالمها ودروسها، فبغت عليه الدولة المصرية لما استوثقت له البلاد العربية، وأظهر دين الله الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه. وكان قد جرى من أولاد سعود ﵀ بعض التقصير في الأوامر الدينية، فتسلط عليهم بسبب ما اقترفوه من الذنوب هؤلاء الباغون المعتدون كما تقدم بيانه مما لا فائدة في إعادته، ثم رد الله الكرة للمسلمين وجمعهم الله بالإمام فيصل بن تركي بعد ما بغت عليه العساكر المصرية، ونقلوه إلى مصر بعد محاربات عديدة، وأمور

стр. 134

هائلة شديدة، ثم توفي ﵀ سنة ١٢٨٢هـ. وأما قوله: (وعبد الرحمن هذا كان قبل ثلاثين سنة تقريباً أميراً على الرياض) . فأقول: ليس الأمر كذلك، وما آفة الأخبار إلا رواتها، بل كان الأمير على أهل نجد بعد وفاة الإمام فيصل ابنه الأكبر عبد الله بن فيصل، واستمرت له الولاية مدة سنين، ثم كان بينه وبين أخيه سعود محاربات ومنافسات على المملكة يطول عدها. وكان محمد بن رشيد من أمراء آل سعود على جهة الجبل، وما يليه من القرى والبوادي، فلما ضعفت الممالك النجدية، وتضعضع أمرها باختلاف آل سعود بينهم، وغلب أولاد سعود على عمهم عبد الله بن فيصل، استنجد عبد الله بمحمد بن رشيد على أولا أخيه سعود، فسار إلى الرياض وحصرها أياماً قلائل، ثم وقعت المصالحة بينه وبين أهل الرياض، وبينه وبين أولاد سعود على "الخرج" من أعمال الرياض، وارتحل ابن رشيد راجعاً إلى الجبل بعبد الله بن فيصل، ثم بعد ذلك غدر بأولاد سعود وقتلهم وصار الأمر في يده بالبغي والعدوان على أهل تلك الأماكن والبلدان. وكان الإمام عبد الرحمن بن فيصل حال ولاية ابن

стр. 135

رشيد على الرياض ساكناً فيها، والأمير عليها من جهة محمد بن رشيد أخوه محمد بن فيصل، والمتصرف فيها بأوامر محمد بن رشيد أحد أمرائه المسمى "سالم بن سبهان" وكان رجلاً فاجراً لا يخاف الله ولا يتقيه، فأراد الخديعة والمكر بعبد الرحمن بن فيصل، والغدر به كما غدر بأولاد سعود، فلما تحقق الإمام عبد الرحمن خبره هجم عليه، وأخذه قسراً وقهراً، وحبسه ثم بعد ذلك قدم ابن رشيد وحاصر الرياض نحواً من شهر، ثم رجع خائباً حسيراً لم يدرك مقصوده، فلما لم يحصل على طائل بالمحاربة أخذ يخادع أهل الرياض ويعدهم ويمنيهم١، حتى انخدع له بعض الأشرار لما يحصل لهم بعد ذلك منه بسبب غدرهم من الانتقام والدمار، فلما تحقق الإمام عبد الرحمن ذلك الخبر، وتقرر عنده واشتهر، خرج بأولاده وأهله إلى "قطر" ثم ارتحل إلى الكويت فسكن بها واستقر، هذا ملخص الأمر لا كما يزعمه هذا العراقي، ثم توفي محمد بن رشيد سنة ١٣١٥ ألف وثلاثمائة وخمس عشرة وتولى بعده ابن أخيه عبد العزيز بن متعب، وجرى بينه وبين مبارك بن صباح ما جرى من المحاربة، وكانت الدائرة لابن رشيد على ابن صباح غير أنه لم يقتل من

стр. 136

قومه هذا العدد المذكور، بل كان القتلى قريباً من ثلاثمائة رجل أو أقل. وأما قوله: (وبقي هناك يعيش في فقر مدقع لا يرحمه أحد، إلى أن عطفت عليه الدولة، وأجرت له جراية أزالت ما كان فيه من الفقر) إلى آخر كلامه. فأقول: لما كان لهذا العراقي الحظ الوافر من الكذب على الأموات ولم يكتف بذلك أخذ يكذب على الأحياء بما هو معلوم كذبه بالاضطرار، فإن الإمام عبد الرحمن كان في بلد الكويت في أرغد عيش وأنعم بال، وكان جميع من يصل إلى تلك البلاد من أهل نجد في مضيفه، حتى يرحلوا بالجوائز والصلات الجزيلة من الإمام، وإنما أخذ معاش الدولة ليسكن١ بذلك، لكونه إذ ذاك في طرفهم، والولاية لهم فيه ظاهراً، ولأن الكويت قريباً من بلاد نجد والأخبار تصل إليه بسرعة، وأيضاً كان فيه آمناً من تسلط الأعداء، فليس لأحد عليه فيه اتصال بما يكره، لا من جهة الدولة، ولا من جهة ابن رشيد، فلذلك استحب سكنى الكويت على غيره من الأماكن.

стр. 137

وقد كان قائد الجيوش الإسلامية الهمام، المقدم القمقام، المفخم والهزبر الغشمشم عبد العزيز بن عبد الرحمن إذ ذلك حديث السن، لكنه مع ذلك يروم من الأمور معاليها، وينبو بهمته إلى هاماتها وأعاليها، وطلب من أبيه عبد الرحمن بن فيصل أن يأذن له في الإغارة على البوادي من أهل نجد ممن كان في ولاية ابن رشيد، ليتقوى بما يأخذه منهم على محاربة ذلك العدو المريد، والفاجر العنيد، عبد العزيز بن متعب بن رشيد، فأذن له في الخروج والغزو، وأعانه ابن صباح بسلاح، فأخذ يغير على البوادي النجدية حتى أثخنهم قسراً، وأخذهم قهراً، ولم يكن ابن رشيد إذ ذاك كما يزعمه العراقي مشغولاً ببعض الغزوات، لكنه قد بهت مما فعل هذا الرئيس الهمام، والفارس المقدام، فأعمل الفكرة والحيلة في حفظ القرى والأمصار، بأن جعل فيها بأمر الدولة العثمانية، من يمنع عشائر ابن سعود من الميرة منها والقدوم إليها فإنه كان إذا قفل من غزوته نزل قريباً من الأحساء ليمتار منها ويتزود، فمنعته الدولة من القدوم إليها للميرة، وامتنع بعض قواد الأعراب من مساعدته لأجل ذلك، فلما تحقق عبد العزيز ما أعمله من الحيلة، وتعذر الوصول إلى بعض تلك الأقطار للامتيار، اقتضى رأيه أن يسير إلى الرياض، فهجم عليها ليلاً بشرذمة قليلة نحواً من ثلاثين رجلاً، فقتل أمير

стр. 138

ابن رشيد وذويه بعد أن ألقى بنفسه ومن معه على ثغر الرياض من باب صغير في عرض باب القصر، ووقاه الله شر رماة من فيه من الرجال، فلما فرغ من أمر ذلك القصر أحكم سور البلد في مدة يسيرة، وحفظه بالرجال، وأخذ يغير على البوادي من كل معاند له ومعادي، وكف الله أكف الظالمين، ولم ينتهزوا الفرصة بالمبادرة إلى الرياض قبل استحكام الأمر، ثم جمع ابن رشيد جموعه من الحاضرة١ والبادية، وأقبل بتلك الجنود العاتية، حتى نزل بقرية من قرى "الوشم" فمكث بها قريباً من أربعين يوماً، يخادع أهل الرياض ويعدهم ويمنيهم بالأوعاد، وهيهات دون ذلك خرط القتاد، ثم ارتحل ونزل بماء يقال "الحسي" فمكث به قريباً من شهر، وفي تلك الأيام والإمام عبد العزيز في الرياض، ثم اقتضى رأيه الميمون أن يسير إلى الحوطة من ديار بني تميم لكي يستنجح أمر ابن رشيد وإلى ما يصير إليه أمره بعد ارتحاله عن أرض الرياض، فارتحل ابن رشيد من الحسي وعمد إلى الخرج لأجل حصارها، فامتنعوا منه، ثم مشى عبد العزيز حفظه الله بأهل الحوطة وما يليها من القرى ومن معه من أهل الرياض حتى وصل إلى بلد الخرج، فدخلها ليلاً، ثم لما كان من الغد برز له، وجرت بينه وبين ابن رشيد مقاتلة في

стр. 139

مدة ثلاثة أيام، فهزم الله ابن رشيد وجنوده، وقتل منهم عبد العزيز خلقاً كثيراً، ورجع ابن رشيد خاسئاً حسيراًُ. وأما قول العراقي: (إنه حاصر الرياض سنة) . فمن الكذب الواضح، فإنه لم يقدم إليها، فضلاً عن أن يحاصرها، لكنه بعد ذلك بمدة نحواً من خمسة أشهر قصد الرياض، وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن قد سار بجنوده إلى الكويت لإظهار أهله منها، وجد ابن رشيد في السير حتى وصل إلى الرياض ليلاً ولم يشعر به أحد حتى كان وقت السحر وهو قد أحدق بالبلاد وحفظ أطرافها بالخيل والجنود، وأمر على بعض قومه أن يقتحموا في البلد، فيسر الله أن رجلاً من أهل البادية أقبل قاصداً إلى الرياض فرآه وهو قد قرب منها، فدخلها ليلاً، وصاح بأهل البلد، فنهض أهل البلد، وقصدوا السور وأشعلوا النيران في البروج، وهم قد أحدقوا بها، لكن قذف الله في قلوبهم الرعب، فأحجموا عن الاقتحام والزحام، فلما علم أن أهل البلد قد شعروا به، أرسل إلى قومه أن يكفوا وأن يرجعوا إلى معسكرهم، وأمر البادية ومن معهم من الحاضرة المحدقين بالبلاد أن يأخذوا ما وجدوا في النخيل من الأدباش، وقتلوا في النخيل عشرة أنفار، فلما كان من الغد بعد ارتفاع الشمس أقبل بجنوده ونزل على الرياض،

стр. 140

فظهر عليه بعض الأبطال من الرجال، وصار بينهم قتال، ثم لما كان من اليوم الثاني قذف الله في قلبه الرعب فارتحل١ من الرياض لم يحصل على طائل، وقد قتل من قومه نحو٢ من خمسين رجلاً، ثم سار إلى "شقراء" فحاصرها مدة نحواً من نصف شهر، فلما علم أن عبد العزيز بن عبد الرحمن قد وصل إلى الرياض راجعاً من الكويت ارتحل من "الوشم" ونزل القصيم، ولما رأي ابن رشيد أن أمور ابن سعود قد استصعبت عليه، وعشائر نجد التجأت إليه، لم يجد مندوحة عن الالتجاء إلى الدولة العثمانية، والاستنصار بها، فلما عزم على ذلك الأمر جعل في القصيم جنوداً من قومه، وأمر عليهم "ماجد بن حمود" وحفظ الحصن الذي في "بريدة" بالرجال والأزواد، وحفها بالأجناد، وبعث سرية من قومه، وأمر عليهم "حسين بن جراد" إلى بادية حرب، وأمره أن يسير بهم إلى قرى الوشم، وينزل بها هناك، حتى يقدم إليهم بالعساكر العثمانية، وأرسل رسله إلى باشات بغداد بعد أن قرب من تلك البلاد، فاستجاشها وأثارها بالبخاشيش، فأمدوه بالأجناد، فعند ذلك انتهز الفرصة الإمام عبد الرحمن فأمر ابنه عبد العزيز فأغار بالجيوش الإسلامية والجنود الحنيفية

стр. 141

على "حسين بن جراد" ومن معه من تلك الأجناد من حرب، ومن اجتمع عليها من الأمداد، فأخذهم الله، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم رجع بتلك المغانم الجسيمة، هذا وماجد بن حمود الرشيدي مع جنوده قريباً من عنيزة، فلجأ إليها، ونزل قريباً منها لأجل حماية أهلها، فسار إليهم عبد العزيز فدخل عنيزة عنوة ليلاً وقتل أمير ابن رشيد الذي كان فيها، ثم سار بجنوده آخر الليل فهجم على ماجد بن حمود ومن معه من الجنود، فأخذهم الله تعالى، وهرب ماجد بمن نجا معه إلى الجبل، وسار عبد العزيز إلى بريدة فدخلها عنوة، وحاصر الحصن الذي فيها نحواً من شهر ثم فتحه الله صلحاً. هذا ملخص ما جرى في تلك الوقعات.

стр. 142

فصل في كيد الدولة العثمانية ... فصل قال العراقي: (ولما رأت الدولة العثمانية١ اعتداء عبد الرحمن هذا وبغيه، وتطاوله على صادقها ومخلصها الأمير ابن رشيد، ونزع عبد الرحمن إلى الأجانب، أرسلت كتيبة من عساكرها المنصورة صحبة الأمير ابن رشيد لقطع دابر أولئك المارقين، وقمع بغيهم واعتدائهم، وإطفاء شرر فتنتهم المستطير، فصادمت العساكر المنصورة الجماعة الباغية حزب ابن سعود قرب بلدة البكيرية من بلاد القصيم. فوقعت بين الجمعين ملحمة كبرى، انجلت عن هزيمة الفئة الباغية جماعة ابن سعود، وامتلاك العساكر أحد عشر راية من راياتهم. وقد كان –والحق يقال- لحضرة الأمير ابن رشيد وجيشه في هذه الملحمة خدمة في قمع الأعداء تشكر، وبسالة يخلد ذكرها ولا تنكر، وأما المنهزمون فهم اليوم متحصنون ببعض تلك البلاد، والعساكر المنصورة مع جيش الأمير ابن رشيد محدقون

стр. 143

بهم ومجدون في تنكيلهم وكبح جماحهم. وفقهم الله تعالى لذلك) . والجواب أن يقال: ليس الأمر كما زعم هذا العراقي، بل حقيقة الحالة أنه لما رأت الدولة العثمانية أنه قد وقع بين العرب حروب عديدة، وملاحم شديدة، طمعت في بلاد العرب بواسطة الانتصار لابن رشيد، كما أخذت الأحساء والقطيف بغياً وعدواناً بواسطة الانتصار لعبد الله بن فيصل على أخيه سعود. وقد كان من المعلوم أنها لا تمشي مع أحد لحظ نفسه، وإنما تمشي لحظ نفسها، ولكن لا يشعر تائه بمصابه، لأنه ما دخل الأمر من بابه: فجاءوا بأسباب من الكيد مزعج ... مدافعهم يزجي الوحوش رنينها وظنوا أنهم لمن عاداهم من الناس سيقهرون، وأنهم لمن حاربهم سيغلبون، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] ، فأقبل بتلك العساكر والعربان، يقودهم البغي والعدوان، والأشر والبطر والطغيان ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] حتى نزل بأدنى قرى القصيم، وأنزل الله عليهم بها من رجزه عقاصاً عظيماً، ووباء وخيماً، فقتل بعض أولئك

стр. 144

الطغام، وبقي منهم خلق كثير، وجمع غفير، ولم يعتبروا بما حل بهم ودها، وما نزل بهم من النوى. فنهض إليهم الإمام عبد العزيز بمن معه من المسلمين، وهم لا يبلغون معشار أولئك المعتدين، ونزل "البصر"، فارتحل ابن رشيد ونزل بالشيحيات، وسار عبد العزيز بالمسلمين فنزل البكيرية، فلما كان من الغد وانتصف النهار، ولم يلق كيداً من أولئك الأشرار، وظن المسلمون أنه لا يكون في ذلك الوقت مقاتلة من الأغيار، فتفرقوا في النخيل والأشجار، فانتهز ابن رشيد هذه الفرصة، وعبأ عساكره وجنوده، ونشر راياته وبنوده، وجاؤوا كما قال الله تعالى: ﴿بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧] ، فوقعت بين الطائفتين وقعة عظيمة، وملحمة كبيرة جسمية، وكان المسلمون قد نهضوا إليهم على غير تعبئة، وكانت العساكر والجنود الطاغية قد نهضوا بأجمعهم في نحر أهل الرياض ومن معهم من أهل النواحي غير أهل القصيم، فانكشف المسلمون بعد أن جاءتهم الخيل من خلفهم ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤١] ، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] الآية. ولم يقتل من المسلمين على التحقيق إلا نحواً١ من ثمانين رجلاً، وقد قتل من

стр. 145

العسكر وجند ابن رشيد خلق كثير، ولما كان في آخر النهار قبل غروب الشمس ظهرت جموع أهل القصيم، وهم لا يعلمون بانكشاف أهل العارض لأنهم في خب منخفض، فحملوا على العساكر العثمانية والجنود الرشيدية، وقد اجتمع بأهل القصيم من أهل الرياض عصابة في ذلك اليوم فهزموهم شر هزيمة، وقتلوا في ذلك اليوم منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا كثيراً من مطارحهم وخيامهم ومدافعهم، وقد قتل من العسكر ومن أهل الجبل نحواً١ من خمسمائة مقاتل. فلما علم أهل القصيم بانكشاف المسلمين تركوا ما أخذوه مما لا يطيقون حمله، ورجعوا إلى أوطانهم وأماكنهم، ولم يتراجع الفريقان إلا بعد أيام، فرجع ابن رشيد وعسكره إلى معسكرهم في "الشيحيات" واستولى على البكيرية. واجتمع المسلمون في عنيزة، ثم نهض إليهم عبد العزيز بالمسلمين، وقدم جمعاً إلى البكيرية، فهجموا عليهم ليلاً وهرب من فيها من جند ابن رشيد، وملكوا سورها وقصورها، فلما كان آخر الليل التقى الجمعان قريباً من البكيرية، فهزمهم المسلمون هزيمة
следующие страницы →