← Тараджим

Тараджим · id 7666

الطبقات الكبرى - متمم التابعين

ابن سعد

Полный текст (471 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تقديم بقلم فضيلة الدكتور عبد الله بن عبد الله الزّايد نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة. الحمد لله الموفق لكل خير، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصبحه ومن تبع سُنته إلى يوم الدين. وبعد: فإن إحياء التراث القديم من أولى ما ينبغي السعي إليه والاهتمام به، لأمور يدركها الباحثون وذوو التخصص. وإن كتاب الطبقات الكبرى للإمام محمد بن سعد كاتب الواقدي هو من هذا التراث القديم الأم، وقد سبق المستشرقون إلى طباعته منذ أكثر من مائة عام، ثم طبع في بيروت -مرتين- ومصر عن تلك الطبعة. وجاءت مطبوعة المستشرقين ناقصة من مواضع متعددة، ولم يوفقوا آنذاك لاستكمال الكتاب وسد ثغراته، لنقص في النسخ الخطية التي اعتمدوها، وقد نبهوا إلى وجود هذه الثغرات والأسقاط -وهي متعددة في ثنايا الكتاب-. ومع ذلك فإن كثيراً من الناس كان مغتراً بنسختهم زاعماً أنه عمل استشراقي لا يدخله خلل!!. وقد وجد المحدَّثون والمؤرخون بغيتهم في هذا الكتاب من قديم الزمن ثم طبع الكتاب فتداوله المحدثون والباحثون ووجدوا فيه ضالتهم، لغزارة مادته، وترتيبها وحسن عرضها وتوثيقها بالرواية والإسناد.

стр. 2

وإن كتاباً بهذه المثابة لجدير بالاهتمام كل الاهتمام: طباعة محققة تحقيقاً علمياً دقيقاً، وفنياً أنيقاً. بأقلام مسلمة أمينة خبيرة، مع السعي الجّاد الحثيث وراء بقاياه وتتماته، ليكون الكتاب ماثلاً بين أيدي ورّاده كما صنفه مؤلفه وأراده له. وإن من نعم الله تعالى علينا أن وفقنا لسد قسم من هذه الأسقاط والثغرات، بنشر هذه القطعة التي تتم الجزء الخامس من الطبعة البيروتية، من آخر ترجمة عمر بن عبد العزيز فما بعدها، وهو هذا الجزء النفيس الذي نقدمه للقراء اليوم، ضمن سلسلة مطبوعاتنا التي صدر منها: ١ - (الإيمان) لابن منده، بتحقيق فضيلة الدكتور علي ناصر الفقيهي. ٢ - (منتخب كتاب أزواج النبي ﷺ لمحمد بن الحسن بن زبالة، تحقيق فضيلة الدكتور أكرم ضياء العمري. وكلاهما طبع بمطبعة الجامعة الإسلامية. ٣ - أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية، مع تحقيق كتابه (أسامي الضعفاء) و (وأجوبته عن أسئلة البزدعي) لفضيلة الدكتور سعدي مهدي الهاشمي. ٤ - (البيهقي وموقفه من الإلهيات) لفضيلة الدكتور أحمد عطية الغامدي. ٥ - (مرويات غزوة بني المصطلق) لأستاذ الشيخ إبراهيم القريبي. وكتابنا هذا هو الحلقة السادسة من هذه السلسة. والكتاب السابع فيها هو (سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود السجستاني) تحقيق الأستاذ الشيخ محمد علي قاسم العمري. يرى القارئ لهذا القسم الذي نقدمه من طبقات ابن سعد أنه فوت كبير من الطبقات السابقة، فقد حوى سبع ترجمات وأربعمائة ترجمة، هي تراجم

стр. 3

لخيرة رجالات المدينة المنوّرة من كبار التابعين وصغارهم، لعل أقدمهم وفاة هو عبد الرحمن بن مسور (٩٠ هـ) وآخرهم وفاة هو شعيب بن طلحة (١٧٤ أو ١٧٥ هـ). ويجد فيه من تراجم الأئمة: ترجمة ابن شهاب الزهري -وهي أطول ترجمة فيه- وابن أبي ذئب، وربيعة الرأي. ومن تراجم العُبّاد الصالحين: تراجم الأخوة الثلاثة النجوم الزواهر من آل المنكدر محمد وعمر وأبي بكر، وغيرهم كثير. ومن تراجم الأشراف: ترجمة عبد الله بن حسن وولديه محمد النفس الزكية، وإبراهيم، ووقائعهم مع بني العباس مشهورة. وفيه من التراجم النادرة التي لم يقف المحقق على ذكر لصاحبها في موضع آخر: ترجمة قُرين بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة، وأبوه المطلب هو الذي زوجّه سعيد بن المسيب، ابنته، في قصة مشهورة له، فأنجبا هذا الرجل (قرين). فهو -إذاً- جزء تتجلى أهميته من حيث أنه متمم لكتاب أصيل في بابه ومادته، ومن حيث احتواؤه لتراجم عدد كبير من رجالات أعظم مركز إسلامي علماً وحضارة في تلك الفترة. ولذلك كان إخراجه لزاماً على عارفيه، وقد جعل الله تعالى لجامعتنا قصب السبق لذلك، والحمد لله. كما كان من توفيق الله أن هيأ لتحقيقه شاباً جلداً نفاذاً من مشكلاته، دؤوباً على العمل والتحقيق، فقدم في أوله ترجمة للمؤلف، ودراسة عن هذا القسم خاصة، وفكرة موجز عن الطبعات السابقة. ثم قدم للقراء نص الكتاب نصاً سليماً بالرغم من أن نسخته وحيدة غير متعددة، وحققه وضبط أعلامه وشرح غريبه، وخرج أحاديثه وتتبع حال المترجم عند أئمة الجرح ونقل أقوالهم في موافقة ابن سعد أو مخالفته عندما يتكلم عن

стр. 4

الرجل جرحاً وتعديلاً، أو في الزيادة عليه حينما يقتصر ابن سعد على قوله (قليل الحديث) أو (كثير الحديث) مثلاً ولا يقول: ثقة، أ، ضعيف. فيبين محققه حال الرجل من هذه الجهة، كل ذلك لييسر للقارئ الاستفادة من الكتب، وليزيده منها. جزاه الله خيراً وأثابه على ما بذل من جهد وعناء. وختاماً: نحمد الله الكريم على أفضاله علينا، ثم نزجي شكرنا لجلالة الملك خالد وسمو ولي العهد على سعيهما قدماً بالجامعة الإسلامية لتكون في مقدمة زميلاتها من جامعات المملكة، في ميدان العلوم الإسلامية والعربية والإعلامية، زادهما الله توفيقاً لكل خير. والحمد لله رب العالمين

стр. 5

بين يدي الكتاب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن من فضل الله على الأمة الإسلامية خاصة، وعلى الناس عامة، أن حفظ لهم هذا الدين. وذلك بحفظ الكتاب والسنة، وتسخير العلماء لخدمتهما عبر عصور طويلة. ولما كانت السنة النبوية هي المصدر التشريعي الثاني بعد كتاب الله، إذ جاءت مفصلة لمجمله، وموضحة لمشكله، ومخصصة لعامه، ومقيدة لمطلقه لذلك عظمت منزلتها، فهي المصدر الثاني للتشريع، ولا يمكن فهم الإسلام بدونها. ومن هذا المنطلق سار موكب العلماء، للحفاظ على دينهم القويم، ونزلوا في معترك العمل الدائب، لتمحيص الروايات التي تصلهم عن النبي ﷺ وآثار الصحابة، وفتاوى الفقهاء، والروايات التاريخية … الخ. وكان جلُّ اهتمامهم منصباً على دراسة الحديث في نقله بالأسانيد، وهي مزية للأمة الإسلامية لم تعرفها الأمم الأخرى، فأمعنوا النظر في هذه الأسانيد، وقوّموا رجالها لتمييز صحيح الحديث من سقيمه، ومنقطعه من موصوله، فنشأت

стр. 6

علوم الحديث المختلفة، منها ما يتعلق بهذه الأسانيد، كعلم الطبقات والجرح والتعديل والكنى والألقاب وغيرها، ومنها ما يتعلق بدراسة المتون. والمهم في دراستي علم الطبقات وعلم الجرح والتعديل، اللذان استقلا بمصنفات خاصة، ونبغ فيهما نقاد أفذاذ تكلموا في الرواة وأحوالهم، وحكموا على كل راوٍ بالحكم الذي يستحقه، أمثال: يحي القطان، وابن معين، وابن المديني، وابن حنبل، وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين، والبخاري مسلم وغيرهم من النقاد الأوائل. وكان من بين هؤلاء النقاد المتقدمين، محمد بن سعد مؤلف (الطبقات الكبرى) أهم كتب الطبقات المبكرة، وقد استعمل فيه ألفاظ الجرح والتعديل عند إرادته الحكم على الرجل. فاشتمل على مادة جيدة في علم الجرح والتعديل، واعتبر السخاويّ كلام ابن سعد في نقد الرجال كلاماً جيداً مقبولاً (١). إلاَّ أن المعلومات المتعلقة بمادَتْيَ النسب، والتاريخ الثقافي والحضاري، طغت لسعتها وغزارتها على مادة الجرح والتعديل، فاشتهر الكتاب في أوساط المؤرخين أكثر من المحدثين. ويعتبر كتاب (الطبقات الكبرى) لابن سعد من أقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات، لأن كتب التي دونت قبله على نظام الطبقات مازالت مفقودة (٢). كما تظهر أهمية الكتاب في تنوع مادته، وفي دقة المؤلف بذكر الأسانيد -وفق منهج المحدثين- للروايات الحديثية، والتأريخية، وحتى الأخبار المتعلقة بالأوصاف الشخصية. ولعل أهمية تكمن أيضاً في حسن اختيار المؤلف لمعلوماته المتنوعة من مصادرها المتخصصة، بأمانة علمية متناهية. ومع هذا كله فلم يحظ الكتاب بالعناية العلمية التي يستحقها. فكان أول _________ (١) انظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ٣٤٢. (٢) انظر: بحوث في تاريخ السنة المشرفة للدكتور / أكرم ضياء العمري ٧٥ - ٧٦.

стр. 7

من بادر إلى نشره، طائفة من المستشرقين، غير أنهم لم يعطوا المؤلف حقه في الترجمة، ولا الكتاب حقه في التحقيق. وعلى هذه الصورة طبع الكتاب في (ليدن) ولكن يبقى لهم فضل السبق في نشره على ضخامة حجمه. وقد فقدت صفحات كثيرة من تابعي أهل المدينة، في المجلد الخامس من الكتاب. لفت نظري وأرشدني إلى هذا السقط -مشكوراً- (الدكتور أكرم ضياء العمري) فوقفت على قطعة الساقطة، وحددت بدايتها ونهايتها، ورغبت في تحقيقها لأمور منها: ١ - أنها تكمل كتاباً هاماً اعتمده أصحاب المغازي والسير، والمؤرخون والنسابون وأئمة الجرح والتعديل. ٢ - أنها من أقدم وأوفى ما كتب في التاريخ الثقافي للمدينة المنورة في القرنين الأولين من الهجرة، وقد فقدت المؤلفات المبكرة التي تناولت التاريخ الثقافي للمدينة، مما يجعل لهذه القطعة أهمية خاصة. ولما شرعتُ بتحقيق واجهتني بعض الصعوبات التي أمكنني التغلب على بعضها، وهي: ١ - كون النسخة الفريدة. إذ كانت الصعوبة تمكن في مقابلة النصوص بالكتب اللاحقة. ٢ - طول النسخة الخطية، البالغة اثنتين وثلاثين ومائتي صفحة. ٣ - وجود أسماء مبهمة لبعض الأعلام، الذين لا يمكن تمييزهم إلا بعد تعب ودقة فحص، وإمعان نظر. فالمؤلف يذكر مثلاً، أبا سلمة الذي يروي جعفر بن سليمان، وعنه أحمد ابن أبي إسحاق العبدي، والمُكَنَّوْن بأبي سلمة كثيرون، فلم أستطيع تمييزه لو لم يصرح أبو نعيم باسمه في الحلية. ٤ - وقد ترد بعض الأسماء المختصرة، التي تتعب الباحث في معرفة الاسم الكامل للحصول على المعلومات المتعلقة به والتي يحتاجها الباحث. فصاحب الترجمة ١٦١ (محمد بن حلحلة الدَّيلي) بحثت عنه في الكتب

стр. 8

المختلفة، فلم أعثر على ترجمته، وبعد مُضِيّ فترة، وجدته في أحد الكتب وأنا أبحث عن راوٍ آخر، فوقع نظري على كلمة (حلحلة) فتذكرت صاحبي الذي كنت أبحث عنه، وإذ هو (محمد بن عمرو بن حلحلة). ٥ - وجود عدد لا بأس به من أصحاب التراجم في هذه القطعة لم أعثر على تراجمهم في الكتب الأخرى. ولا يسعني في خاتمة هذا التقديم إلا التوجه بفائق الاحترام والتقدير، للرعاية الأبوية والعناية العلمية، اللتين حباني بهما فضيلة الدكتور (أكرم ضياء العمري) طيلة فترة إشرافه على هذه الرسالة. وأتقدم بجزيل الشكري، للأستاذين الفاضلين: الدكتور (السيد محمد الحكيم)، والشيخ (حماد الأنصاري، تقديراً للجهد الذي بذلاه في إعدادي خلال السنة التحضيرية. ولا يفوتني التنزيه بفضل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة علَّي، حيث أحاطتني بالرعاية خلال مراحلة الدراسة، وتولت نشر رسالتي هذه، التي تقدمت بها لنيل مرتبة الماجستير من قسم الدراسات العليا فيها. وفق الله القائمين عليها لما يحبه ويرضاه. وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 9

المقَدّمَة تشتمل على: أولاً- حياة المؤلف؛ ودراسة تحليلية لهذا القسم الساقط من كتاب (الطبقات الكبرى) من تابعي أهل المدينة ثانيا- دراسة الكتاب

стр. 10

أولاً- حياة المؤلف

стр. 11

أولاً حياة المؤلّف اسمه ونسبه: هو محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله البصري، المعروف بابن سعد (١)، وبكاتب الواقدي، لكونه لازم شيخه محمد بن عمر الواقدي زمناً طويلاً، وكتب له (٢). وقد ظهر بين المصادر خلاف في نسبه، فورد في بعضها أن ولاءه لبني هاشم (٣)، حيث كان مولَّى للحسين بن عبد الله (٤) بن عبيد الله بن العباس (٥)، أو أن أحد أجداده مولى الحسين (٦)، وذكرت بعض المصادر أنه زُهريّ _________ (١) انظر هدية العارفين ٢/ ١١. (٢) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١. ووفيات الأعيان ى ٤/ ٣٥١. والأعلام للزركلي ٧/ ٦. والرسالة المستطرفة ١٣٨. (٣) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١. وتهذيب الكمال للمزّي ٦/ ٦٠٠. وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٤٢٥. وتذهيب التهذيب له ٣/ ٢٠٦ أ. والوافي بالوفيات الصفدي ٣/ ٨٨. وتهذيب التهذيب لابن حجر ٩/ ١٨٢. والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٢/ ٢٥٨. والرسالة المستطرفة ١٣٨. (٤) ستأتي ترجمته رقم ١٣٣. (٥) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٤. وتاريخ بغداد ٥/ ٣٥١. (٦) انظر: المغازي الأولى ومؤلفوها لهورفتس ١٢٦. ومقدمة طبقات ابن سعد -دار صادر- لإحسان عباس ١/ ٦.

стр. 12

الولاء (١). كما جردته مصادر أخرى من عهدة الولاء على أنه زُهري النسب (٢) وعندما وُصف بصفة الولاء للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباسي الهاشمي، فإن ذلك لا يعني أنه هو نفسه كان مولًى له، وإنما جده، وربما أبوه أيضاً (٣). لأن حسين بن عبد الله توفي سنة أربعين ومائة، أو إحدى وأربعين ومائة أو إحدى وأربعين ومائة (٤). وكان مولد محمد بن سعد سنة ثمان وستين ومائة (٥). أي بعد وفاة الحسين بن عبد الله ابن عبد الله العباسي بسبع وعشرين سنة- وبالإضافة إلى أن الحسين بن عبد الله لم يكن له ولد غير عبد الله الذي مات ولم يعقب، فورثته زوجته أم عيسى بنت علي بن عبد الله بن العباس (٦). ومن ذلك يتضح أن هذا الفرع الهاشمي الذي كان ابن سعد ينتمي بالولاء إليه قد انقرض، ولعله قد انتسب هو أو أبوه قبله إلى بني زُهرة من قريش (٧). وعلى العموم فإن هذا الخلاف الذي أوردته المصادر حول نسبه لا يهمنا كثيرا بقدر ما تهمنا تلك المعلومات التي تعطينا صورة واضحة عن حياة ابن سعد، فلم نجد مصدراً من المصادر الكثيرة التي ترجمت له يعطينا معلومات غزيرة نستطيع من خلالها إبراز حياة المؤلف إبرازا يتناسب مع سعة علمه. والحق أن هذه الملاحظة تنطيق أيضاً على الكثيرين من المؤلفين المعاصرين له أو القريبين من عصره (٨). _________ (١) انظر: الأعلام للزركلي ٧/ ٦. ومعجم المؤلفين ١٠/ ٢١. (٢) انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٥١. وكشف الظنون ٢/ ١٠٩٩. وهدية العارفين ٢/ ١١. وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٣/ ١٩. وتاريخ الثرات لسزكين ١/ ٤٨٠. (٣) انظر: المغازي الأولى ومؤلفوها ١٢٦. (٤) انظر: الترجمة ١٣٣. (٥) انظر: تقريب التهذيب ٢٩٨. والأعلام للزركلي ٧/ ٦. وتاريخ التراث لسزكين ١/ ٤٨٠. (٦) انظر: الترجمة ١٣٣. (٧) انظر: المغازي الأولى ومؤلفوها لهورفتس ١٢٦. (٨) من لمسات المشرق.

стр. 13

ولادته: لقد أجمعت المصادر التي ذكرت ولادته أنها كانت في البصرة سنة ثمان وستين ومائة من الهجرة (١)، لكن بعض المصادر ترجمته سكتت عن تاريخ ولادته (٢). نشأته ورحلاته العلمية: ولد ابن سعد ونشأ في البصرة، التي كانت مركزاً علمياً هاماً في ذلك العصر وقد ازدانت بعدد كبير من العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء، فشَبَّ في تلك البيئة العلمية، وأفاد من علماء عصره، فسمع من الكثرين منهم. ثم قدم بغداد وسكن فيها ملازماً لشيخه محمد بن عمر الواقدي (ت (٢٠٧) هـ)، يكتب له مدة طويلة من الزمن فعُرف به (٣). كما قدم الكوفة سعياً في طلب العلم (٤). وكانت له رحلة إلى المدينة المنورة، وأخرى إلى مكة، غير أن الترتيب الزمني لهذه الرحلات كان غامضاً، فلم أقف على دراسة بحثت رحلاته العلمية _________ (١) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢٢. والأنساب للسنعاني ٤٧٠. ووفيات الأعيان ٤/ ٣٥٢. وتهذيب الكمال للمزي ٦/ ٦٠٠. والعبر للذهبي ١/ ٤٠٧. وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٥. وتقريب التهذيب ٢٩٨. وشذرات الذهب ٢/ ٦٩. (٢) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢. والكامل في التاريخ لابن الأثير ٧/ ١٨. وكشف الظنون ٢/ ١٠٩٩. وطبقات الحفاظ للسيوطي ١٨٣. (٣) انظر: ص ١٧ تعليق ٢ من هذه المقدمة. (٤) انظر: مقدمة ساخاو لطبقات ابن سعد ٣/ ٢٥ (طبعة دار التحرير). ومقدمة إحسان عباس للطبقات ١/ ٦ (تصوير بيروت).

стр. 14

بحثاً تفصيليا إلاَّ ما ذكره كل من ساخاو وإحسان عباس، أن، رحلته إلى المدينة كانت قبل سنة مائتين من الهجرة، إذ أن بعض شيوخه المدنين أدركتهم المنيَّة قبل بداية القرن الثالث، فمعن بن عيسى مثلاً توفي سنة ثمان وتسعين ومائة (١). أما طبيعة تنقله بين المدن الخمس-البصرة، وبغداد، والكوفة والمدينة المنورة ومكة المكرمة-من حيث التسلسل الزمني، فمازالت مبهمة ولإيضاح لا بد ذلك من دراسة شاملة لشيوخ المؤلف، والوقوف على تواريخ وفياتهم لضبط أوقات حِلِّه وترحاله. وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى الحركة العلمية التي شهدتها هذه المدن، لتتعرف على البيئة العلمية التي نشأ فيها ابن سعد، وعلى الأوساط الثقافية التي ارتحل إليها. لقد شهدت مدن الحجاز والمدن الهامة في الأمصار الإسلامية الأخرى كالمدينة المنورة والكوفة والبصرة وبغداد ودمشق والفسطاط، حركة فكرية واسعة، شملت العلوم الإسلامية واللغوية، كما شملت العلوم والعقلية أيضاً، ومن الصعب الإحاطة بجوانب هذه الحركة في هذا التمهيد، لأن القصد التعريف بالأوساط الفكرية التي تأثر بها ابن سعد. وفيما يلي عرض سريع لهذه الحركة في تلك المراكز: ١ - الحركة العلمية في البصرة: قبل أن نستعرض الحركة العلمية المعاصرة لابن سعد في البصرة لابد من الإشارة إلى النواة الأولى التي بدأت منها هذه الحركة بعد أنَّ مُصِر البلد (٢) و. _________ (١) انظر: المصدرين السابقين. (٢) فتحت البصرة سنة أربع عشرة، على يد عتبة بن غزوان، أيام عمر بن الخطاب، والمشهور أنها مُصَّرت في نفس السنة. وقيل غير ذلك. (انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٧. والكامل في التاريخ ٢/ ٤٨٥. ومعجم البلدان ١/ ٤٣٠ - ٤/ ٤٩٠).

стр. 15

فقد بعث عمر بن الخطاب عدداً من الصحابة إليها ليفقهوا أهلها من بينهم عمران بن الحصين (ت (٥٢) هـ) (١)، وغيره. وكان ممن عُرف من الصحابة القائمين على هذه المدرسة أيضاً: أبو موسى الأشعري (ت بعد سنة (٦٠) هـ) (٢) وعبد الله بن عباس (ت (٦٨) هـ) (٣) وأنس بن مالك (ت (٩٣) هـ) (٤) وغيرهم من الصحابة الذين وفدوا إليها وأقاموا فيها (٥) ووضعوا البذور الأولى، التي كانت فيما بعد بدء انطلاقة قوية لحركة فكرية تمثلت بالدروس القرآنية أولاً، وبالحديث ثانياً، ثم بالأبحاث اللغوية ثالثاً (٦). وهكذا تربى شباب البصرة على أيدي من تربوا على يد رسول الله ﷺ فلا غرابة إذن أن تنشط الحركة العلمية، وتنتقل دفتها إلى أيدي التابعين، أمثال الحسن البصري (ت (١١٠) هـ) (٧)، ومحمد بن سيرين (ت (١١٠) هـ) (٨). ثم تتابعت الأيام وتوالت السنون، وأشرف القرن الأول على النهاية وقد نضجت بذور المتكلمين، الذين لم يقتنعوا بالمنقول، واضطروا خضوعاً لموقفهم الفكري إلى التأويل (٩). وقد قال ابن قتيبة في حديثه عنهم: يقولون على الله ما لا يعلمون ويفتون الناس بما يأتون، ويتهمون غيرهم في النقل، ولا يتهمون _________ (١) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٩. (٢) واسم أبي موسى: عبد الله بن قيس. (انظر: الإصابة ٢/ ٣٦٠). (٣) المصدر السابق ٢/ ٣٣٤. (٤) وكان أنس آخر من مات من الصحابة في البصرة. (انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٦). (٥) انظر: القائمة التي ذكرها ابن سعد في طبقاته ٧/ ٥ - ٨٩ من الصحابة الذين نزلوا البصرة. (٦) انظر: الجاحظ في البصرة وبغداد وسامراء لشارل بلات ١٢١. (٧) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ١٧٧. (٨) المصدر السابق ٧/ ٢٠٦. (٩) انظر: حياة الأدبية في البصرة لأحمد زكي ١٥٣.

стр. 16

آراءهم في التأويل .... الخ (١). فكثرت الخصومات، وعُقدت المناظرات التي تغلغلت في الحياة العامة بين الناس. وتصدى المحدثون لهؤلاء المتكلمين، وضعفوا منهجهم في الاعتماد على الرأي. فكان ذلك من أسباب نشاط العلم والعلماء (٢). ويظهر هذا النشاط جلياً في النصف الأخير من القرن الثاني، حيث كثر التدوين، واهتم العلماء بالتأليف (كما يشير إلى ذلك السيوطي) فيما ينقله عن الذهبي: "منذ عام ثلاث وأربعين ومائة كثر تدوين العلم وتبويبه، ودونت كتب العربية، والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة) (٣). فنبغ في البصرة عدد كبير من العلماء الذين اشتغلوا في مختلف العلوم. فقد اشتهر من القراء: يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت (٢٠٥) هـ) صاحب كتاب (الجامع) في القراءات، وكان عالماً بالنحو (٤). ومن المفسرين: أبو زيد الأنصاري سعيد بن أوس (ت (٢١٥) هـ) صاحب كتاب (لغات القرآن) (٥). ومن المحدثين: إسماعيل بن عُليَّة (ت (١٩٣) هـ)، صاحب كتابي (التفسير) و (الطهارة) وغيرهما (٦). وعفان بن مسلم (ت (٢٢٠) هـ) (٧). وأبو الوليد الطيالسي (ت (٢٢٧) هـ) (٨)، والثلاثة من شيوخ ابن سعد. _________ (١) أنظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ١٢ وما بعدها. (٢) انظر: الجاحظ حياته وآثاره للحاجري ٤١. والحياة الأدبية في البصرة لأحمد زكي ١٥٦. (٣) انظر: الحياةالأدبية في البصرة لأحمد زكي ١٤٦. (٤) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ٢٣. (٥) انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٧٩. (٦) انظر: الفهرست لابن النديم ٣١٧. (٧) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٢٩٨. (٨) واسم أبي الوليد: هشام بن عبد الملك. (انظر: المصدر السابق ٧/ ٣٠٠).

стр. 17

ومن الفقهاء: عيسى بن أبان القاضي (ت (٢٢١) هـ) صاحب كتاب (اجتهاد الرأي) (١). وإسماعيل بن عُليَّة، وشيخ ابن سعد، تقدم آنفاً. ومن أصحاب السير والمغازي: عبد الملك بن هشام (ت (٢٠٨) أو (٢١٣) هـ). صاحب السيرة، وكان مؤرخاً ونسابةً ونحوياً (٢). ومن المؤرخين: سهل بن هارون البصري (ت (٢١٥) هـ) سكن بغداد (٣). ومن أئمة اللغة والنحو: الخليل بن أحمد (ت (١٧٠) هـ) صاحب كتاب (العين) (٤) وسيبويه عمرو بن عثمان (ت (١٨٣) هـ) صاحب (الكتاب) في النحو (٥). والأخفش (ت (٢٢١) هـ) صاحب الكتاب (الأوسط) في النحو، وغيره (٦). وعلى هذا المحيط الحافل بالعلماء والمؤلفات، فتح ابن سعد عينيه، فارتوى من معينه، وتعلق بالعلم والمعرفة، مما دفع به إلى العواصم العلوم الأخرى وصاحبة الريادة فيه، كالكوفة، وبغداد، والمدينة، ومكة. ٢ ـ الحركة العلمية في الكوفة: لم تكن الكوفة (٧) أقل أهمية من شقيقتها البصرة، في الدور الذي لعبته في النهضة العلمية عبر العصر العباسي الأول. فهذه توأم تلك، من حيث المجتمع _________ (١) انظر: فهرست ٢٨٩. وتاريخ التراث لسزكين ٢/ ٧٥. (٢) انظر: تاريخ التراث ١/ ٤٧٥. (٣) المصدر السابق. (٤) انظر الفهرست ٦٣ - ٧٦ - ٧٧. على الترتيب. (٥) انظر الفهرست ٦٣ - ٧٦ - ٧٧. على الترتيب. (٦) انظر الفهرست ٦٣ - ٧٦ - ٧٧. على الترتيب. (٧) كان تمصيرها سنة سبع عشرة وقيل بعدها، في عهد عمر بن الخطاب. (انظر: معجم البلدان ٤/ ٤٩٠. وبلدان الخلافة الشرقية ١٠١).

стр. 18

البشري الذي نزلها، والأساس العلمي الذي قامت عليه. فنفس القبائل التي نزلت في الأولى نزلت في الثانية (١)، وعلى يدي خريجي مدرسة واحدة -مدرسة محمد ﷺ بُني الأساس العلمي للبلدين، فكما أرسل عمر بن الخطاب ﵁ عدداً من الصحابة إلى البصرة لتعليم الناس أمور دينهم، أرسل عدداً آخر إلى الكوفة لنفس الغرض. كسعد بن أبي وقاص (ت (٥٥) هـ) (٢) وعبد الله بن مسعود (ت (٣٢) هـ) (٣)، والبراء بن عازب (ت (٧٢) هـ) (٤) وغيرهم (٥) ممن علموا الناس القرآن والحديث، والفقه فنبغ على أيديهم عدد كبير من أئمة التابعين، من بينهم، سعيد بن جبير (ت (٩٤) هـ) (٦)، وإبراهيم النخعي (ت (٩٦) هـ) (٧) وغيرهم. فكثر العلماء، في العصر الأموي، ونشط العلم الذي كانت نواته القرآن والحديث، واستنباط الأحكام الفقهية منهما (٨)، اعتماداً على الجانب العقلي أكثر من الجانب النقلي، حتى عُرفت بمدرسة أهل الرأي، إضافة إلى شهرتها النحوية التي نافست بها مدرسة البصرة التي سبقتها إلى ذلك بمائة عام. وفي العصر العباسي نزلت بغداد إلى الميدان العلمي فاشتد التنافس بين الأمصار الثلاثة وكثرت المناظرات، والمفاخرات بين علماء الأمصار (٩)، مما أدى إلى نهضة علمية واسعة النطاق، فأصاب الكوفة حظ وافر من هذه النهضة على أكتاف علمائها المشتغلين في ميادين القرآن والحديث والفقه، واللغة والنحو، وغيرها. _________ (١) انظر: الجاحظ حياته وآثاره للحاجري ٦/ ١٣. (٢) انظر: طبقات ابن سعد ٦/ ١٣. (٣) انظر: المصدر السابق ٦/ ١٣. (٤) انظر: المصدر السابق ٦/ ١٣. (٥). انظر: قائمة الصحابة الذين نزلوا الكوفة في المصدر السابق جـ/٦. (٦) المصدر السابق ٦/ ٢٥٦. (٧) المصدر السابق ٦/ ٢٧٠. (٨) انظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين ٢/ ١١. (٩) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٧٨ - ٢٨٤.

стр. 19

فمن أعلامها في القراءات: أبو بكر بن عياش (ت (١٩٣) هـ)، وكان من المحدثين (١). وإسحاق بن محمد المسيبي (ت (٢٠٦) هـ) (٢)، وعنه محمد بن سعدان الضرير (ت (٢٣١) هـ) (٣)، الذي أخذ ابن سعد القراءة عنه (٤). وفي التفسير: محمد بن يوسف الفريابي (ت (٢١٢) هـ) (٥). وغيره. وفي الحديث: وكيع بن الجراح: "ت (١٩٧) هـ) صاحب (كتاب الزهد) و (المصنف) و (التفسير) وله كتب كثيرة في الحديث (٦). والفضل بن دكين (ت (٢١٩) هـ) صاحب كتاب (التفسير) و (الصلاة) و (التاريخ) وغيرها (٧) وكلاهما من شيوخ ابن سعد. وفي الفقه: الإمام أبو حنيفة النعمان (ت (١٥٠) هـ) (٨) وأبو يوسف القاضي (ت (١٨٢) هـ) (٩) ومحمد بن الحسن الشيباني (ت (١٨٩) هـ) (١٠) وعلي بن الحسن بن الحسن بن زياد اللؤلؤي (٢٠٤) صاحب الكتاب (أدب القاضي) (١١) وغيره. _________ (١) انظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٣٨٦. ومعرفة القراء للذهبي ١/ ١١٠. (٢) انظر: معرفة القراء للذهبي ١/ ١٢١. (٣) المصدر السابق ١/ ١٧٧. (٤) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء للجزري ٢/ ١٤٢. (٥) انظر: طبقات المفسرين للداودي ٢/ ٢٩٢. (٦) انظر: طبقات للداودي ٢/ ٣٥٧. (٧) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٩. وتاريخ التراث لسزكين ١/ ١٤٧. (٨) انظر: المعارف لابن قتيبة ٤٩٩. (٩) انظر: تهذيب التهذيب ١١/ ١٢٣. (١٠) انظر: ضحى الإسلام لأحمد أمين ٣/ ١٨٠. حيث يرسم جدولاً يرتب فيه طبقات الفقهاء من الكوفين. (١١) انظر تاريخ التارث لسزكين ٢/ ٧٣.

стр. 20

وفي السيرة والمغازي: إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري (ت (١٨٨) هـ) صاحب كتاب (السير في الأخبار) وكان قد قدم بغداد (١). وسعيد بن يحي بن سعيد الأموي صاحب كتاب (المغازي) الذي سكن بغداد وتوفي بها سنة (٢٤٩ هـ) (٢). وفي التاريخ والنسب: لقيط المحاربي (ت (١٩٠) هـ) (٣)، وهشام بن محمد ابن السائب الكلبي (ت (٢٠٤) أو (٢٠٦) هـ) صاحب (النسب الكبير ـ الجمهرة) وله كتب كثيرة في الأخبار (٤). أما اللغة والنحو: فقد ظهر فيهما أمثال علي بن حمزة الكسائي (ت (١٨٩) هـ) صاحب كتاب (مختصر النحو) وغيره (٥). ويحي بن زياد الفراء (ت (٢٠٧) هـ) صاحب كتاب (معاني القرآن) و (اللغات) و (المذكر والمؤنث) وغيرها (٦). ويتضح مما تقدم الدور الذي لعبته الكوفة، بنشاطها المشترك مع البصرة في النهضة العلمية التي أتت أكلها في بغداد أيام الرشيد (١٧٠ - (١٩٣) هـ) والمأمون (١٩٨ - (٢١٨) هـ). ٣ - الحركة العلمية في بغداد: بعد أن أتم المنصور (١٣٦ - (١٥٨) هـ) بناء مدينة بغداد (٧)، جمع إليه المترجمين، وعُني بترجمة الكتب إلى العربية (٨) وكان عهده قد أظل عدداً من العلماء الذين لم يألوا جهداً في الميدان العلمي والأدبي. _________ (١) المصدر السابق ١/ ٤٦٧. (٢) انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٥. وتقريب التهذيب ١٢٧. (٣) انظر: تاريخ التراث ٤٣٠. (٤) انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٠، وتاريخ بغداد ١٤/ ٤٥. (٥) انظر: المصدرين السابقين ٩٧ و ١١/ ٤١٣. (٦) انظر: المصدرين السابقين ٩٩ و ١٤/ ٤١٩. (٧) بدأ في بنائها سنة خمس وأربعين ومائة، وأئمة في السنة التالية (انظر: تاريخ الطبري ٧/ ٦١٤، ٦٥٠، وفتوح البلدان للبلاذري ٢/ ٣٦١. تاريخ بغداد ١/ ٦٦). (٨) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٦٩.

стр. 21

فشهدت بغداد في عهد مؤسسها نشاطاً علمياً كان أساساً للنهضة العلمية التي شهدتها فيما بعد. ولما صارت الخلافة إلى المهدي (١٥٨ - (١٦٩) هـ) (١) لم تفقد الحركة العلمية نشاطها، إلاَّ أن اهتمامه الأكبر كان منصرفاً إلى النواحي المعمارية (٢)، وتتبع الزنادقة (٣). وسار الهادي على سياسة أبيه في تتبع الزنادقة، ولم يُعمَّر في الخلافة طويلاً حتى أدركته المنيَّة بعد سنة وشهر من تولَّيه الخلافة (٤). ولم يتجلّ النشاط في عهده بوضوح إلى أن جاء عهد الرشيد (١٧٠ - (١٩٣) هـ) (٥) فكثرت الفتوحات، وزادت العناية بترجمة الكتب التي عُثر عليها أثناء الحروب. كما أسس الرشيد بيت الحكمة، وزوده بالكتب المختلفة وأنشأ المدارس والمكتبات (٦)، فبلغت بغداد درجة لم تصل إليها من قبل واحتضنت عدداً كبيراً من العلماء في مختلف العلوم. فمن المفسرين: هُشيم بن بشير السلمي الوسطي (ت (١٨٣) هـ) وكان محدثاً وفقهياً، وله من الكتب (القراءات) و (المغازي) و (السنن في الفقه) (٧). ومن المحدثين: هُشيم بن بشير الواسطي المتقدم. وإسماعيل بن عُليَّة البصري (ت (١٩٣) هـ) المحدث الفقيه المفسر، صاحب كتاب (التفسير) و (الطهارة) و (الصلاة) و (المناسك) (٨). وكلاهما من شيوخ ابن سعد. _________ (١) المصدر السابق ٢٧٠. (٢) انظر: التاريخ الإسلامي العالم لعلي إبراهيم حسن ٣٦٢. (٣) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٧١. (٤) انظر: المعارف لابن قتيبة ٣٨٠، وتاريخ الخلفاء ٢٧٩. (٥) انظر: المصدرين السابقين ٣٨١ - ٢٨٣. (٦) انظر: تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم حسن ٢/ ٣٤٦، ٣٤٨. (٧) انظر الفهرست لابن النديم ٣١٨. وتاريخ التراث لسزكين ١/ ٦٤. (٨) انظر: الفهرست ٣١٧ تكرار العَلَم في الحركات العلمية المختلفة يدل على مساهمته في النشاط العلمي لتلك البلد التي يذكر فيها.

стр. 22

ومن الفقهاء: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي (ت (١٨٢) هـ) صاحب كتاب (الخراج) وغيره (١). ومن أصحاب السير والمغازي: الفزاري إبراهيم بن محمد بن الحارث الكوفي (ت (١٨٨) هـ) صاحب كتاب (السير في الأخبار) (٢). ومن أصحاب النحويين: سيبويه عمرو بن عثمان البصري (ت (١٨٣) هـ) (٣)، والكسائي علي بن حمزة الكوفي (ت (١٨٩) هـ) (٤). فأصبحت بغداد مقصد رجال العلم، ومكتبة لمؤلفاتهم، ومركزاً تجارياً هاماً. ولما آلت الخلافة إلى أمين بن الرشيد (١٩٣ - ١٩٨) نشبت الفتنة بينه وبين أخيه المأمون، واحتدم الصراع بينهما، إلى أن أخمدت الفتنة بقتل الأمين (٥). وانتقل زمام الأمر إلى المأمون (١٩٨ - (٢١٨) هـ) (٦) فعاد إلى بغداد نشاطها، وأصبحت مهد الحضارة في ذلك الوقت. فقد اهتم المأمون بحركة الترجمة، فأرسل المترجمين إلى بلاد الروم لنقل ما فيها من العلوم إلى العربية، فأحضروا طرائف الكتب في مختلف الفنون (٧). كما طوّر بيت الحكمة الذي أسسه الرشيد، وقسمه إلى الأجنحة للترجمة والتأليف، والدرس والنسخ (٨). فزخرت بغداد بجمٍّ غفير من العلماء الذين _________ (١) المصدر السابق ٢٨٦. (٢) انظر: تاريخ التراث ١/ ٤٦٧. (٣) انظر: الفهرست ٧٦. وتاريخ بغداد ١٢/ ١٩٨. (٤) انظر المصدريين السابقين ٩٧، ١١/ ٤١٤. (٥) انظر: التاريخ الإسلامي العام ٣٧٠ - ٣٧١. (٦) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٠٦. (٧) انظر: الفهرست لابن النديم ٣٣٩ - ٣٤٠. (٨) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٦١. وتاريخ الإسلام السياسي ٢/ ٣٤٨. والعصر العباسي الأول لشوقي ضيف ١١٣.

стр. 23

ساهموا في نشر العلم، وتربية الأجيال ثقافة وأخلاقاً، حتى صار لبغداد شهرتها العلمية في مختلف الميادين. فنبغ فيها من القراء: شيخ ابن سعد رُويم بن يزيد المقرئ البغدادي (ت (٢١١) هـ) (١). وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم البغدادي (ت (٢٢٤) هـ) صاحب كتاب (القراءات)، و (مجاز القرآن)، و (غريب القرآن)، و (غريب الحديث)، و (الأموال)، و (الطهارة) وغيرها (٢). ومن المحدثين: أبو زكريا السيلحيني (ت (٢١٠) هـ) (٣). وعفان بن مسلم البصري (ت (٢٢٠) هـ) (٤). والفضل بن دُكين الكوفي (٢١٨ هـ، وقيل غير ذلك) (٥). والثلاثة من شيوخ ابن سعد. ومن الفقهاء المعلَّى بن منصور الرازي (ت (٢١١) هـ) صاحب كتاب (النوادر في الفقه) (٦). وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم، المتقدم. ومن أصحاب المغازي والسير يحيى بن سعد الأموي الكوفي ت (١٩٤) هـ صاحب كتاب المغازي الواقدي ت (٣٠٧) هـ صاحب كتاب (المغازي) (٧) وكان من أهل المدينة (٨). ومعمر بن المثنىَّ البصري (ت (٢٠٩) هـ) صاحب (مجاز القرآن)، وصاحب التصانيف الكثيرة في التاريخ، وغريب الحديث وغير ذلك (٩). _________ (١) انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٤٣٠. (٢) انظر: الفهرست ١٠٦، ومعرفة القراء الكبار ١/ ١٤١. (٣) انظر طبقات ابن سعد ٧/ ٣٤٠. وتاريخ بغداد ١٤/ ١٥٨. واسمه يحي بن إسحاق البجلي. (٤) انظر: تاريخ بغداد ١٢/ ٢٧٧. (٥) المصدر السابق ١٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧. (٦) انظر: تاريخ التراث لسزكين ٢/ ٧٤. (٧) المصدر السابق ١/ ٤٦٨. (٨) انظر: الفهرست ١٤٤. وتاريخ بغداد ٣/ ٣. (٩) انظر: الفهرست ٧٩. وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٥٣.

стр. 24

ومن المؤرخين: سهل بن هارون البصري (ت (٢١٥) هـ) (١). ومن النسابين: هشام بن محمد بن السائب الكلبي الكوفي (ت (٢٠٤) أو (٢٠٦) هـ) صاحب كتاب (النسب الكبير) وغيره (٢). ومصعب بن عبد الله بن مصعب بن الزبيري (ت (٢٣٣) هـ) صاحب كتاب (النسب الكبير)، و (نسب قريش) (٣). ومن اللغويين: مؤرج بن عمر السدوسي البصري (ت (١٩٥) هـ) صاحب كتاب (المعاني) وغيره (٤). ومن النحويين: يحي بن زياد الفراء الكوفي (ت (٢٠٧) هـ) (٥). وإلى جانب هؤلاء العلماء، ظهر المتكلمون، وتكلم الناس في مسألة خلق القرآن، وتدخل المأمون في ذلك، وعقد المجالس للمناظرة، فتحولت مجالس المأمون إلى ندوات علمية، مما ساعد على نشاط الحياة العلمية في عصره (٦)، رغم الآثار السيئة التي تركتها هذه الفتنة في الحياة الإسلامية. هكذا فتحت بغداد أبوابها لاستقبال العلماء من كل حدب وصوب حتى مسرحاً واسعاً للترجمة والتأليف، ولانتشار المؤلفات المتنوعة. _________ (١) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ٤٣٩. (٢) انظر: الفهرست ١٤٠. وتاريخ بغداد ١٤/ ٤٥. (٣) انظر: الفهرست ١٦٠. (٤) انظر: الفهرست ٧١. وتاريخ بغداد ١٣/ ٢٥٨. (٥) تقدم ذكره في آواخر الحديث عن الحركة في الكوفة. (٦) انظر: تاريخ التمدن الإسلامي ١٥٩. وعصر الإسلام الذهبي لعلي محمد راضي ٥٩ - ٦٣. والعصر العباسي الأول لشوقي ضيف ١٣٣. وسأتعرض لهذه المسألة أثناء الكلام عن العقيدة المؤلف، ص ٣٦.

стр. 25

وكان عصر المأمون من أزهى عصور العلم في الدولة العباسية، حتى وصف بأنه (عصر الإسلام الذهبي) (١). ونهج المعتصم (٢١٨ - ٢٢٧) نهج أخيه في حمل الناس على القول بخلق القرآن تنفيذاً لوصية أخيه المأمون له بذلك عند موته (٢). ولم تُعدم بغداد كيانها العلمي في أيامه الأولى، حتى انتقل إلى سامراء (سنة (٢٢١) هـ) بسبب الإضطربات الداخلية (٣). ومن ثم بدأت الحركة العلمية نحو الانحدار، وبالتالي فقدت نشاطها أيام الواثق (٢٢٧ - (٢٣٢) هـ) وران عليها الركود، وعلى ذلك انتهى العصر العباسي الأول (٤). هذا عرض سريع للحركة العلمية الشريعة الخطا التي عايشها ابن سعد في عنفوان قوتها. وشارك في القيام بنهضتها منذ أن بدأت تخطو خطاها الواسعة المديدة. ٤ - الحركة العلمية في المدينة المنوّرة: لا شك أن المدينة المنورة هي الأم التي أنجبت تلك المراكز الإسلامية الثلاثة -البصرة، الكوفة، بغداد- بل مراكز العالم الإسلامي كله. حيث إليها هاجر النبي ﷺ وأنشأ مدرسته العظمى التي ربى فيها أصحابه رضوان الله عليهم، ومنها زحفت الجيوش الإسلامية لإعلاء كلمة الله، فهي مركز الإشعاع الذي انبثق منه نور الإسلام إلى البلدان المختلفة. ومنها خرج ابن عباس إلى البصرة وابن مسعود إلى الكوفة، وغيرهم إلى الأمصار المختلفة لتعيلم الناس أمور دينهم. فأخذوا عنهم القراءات والتفسير والحديث، والفقه. _________ (١) ألّف علي محمد راضي كتاباً بهذا العنوان"عصر الإسلام الذهبي المأمون العباسي". طبع في مصر بالدار القومية للطباعة. (٢) انظر: تاريخ الطبري ٩/ ٦٤٨. (٣) انظر: التاريخ الإسلامي العام ٤٠٨ وما بعدها. (٤) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٤٠. والتاريخ الإسلامي العام ٤١٦ - ٤١٨.

стр. 26

إلا أن من بقى فيها من الصحابة أكثر بكثير ممن خرج منها (١). فلا غرابة إذا ما حافظت على كيانها العلمي الذي زخرت به في أيامها الأولى حتى بداية العصر العباسي (١٣٢ هـ) حيث بدأت الخلافات السياسية بين الخلفاء العراق والخارجين عليهم في المدينة. فأخذ العباسيون ينكَّلون بالمدينة وأهلها، وبالتالي أرخت الجفوة أسدالها بين الطرفين حتى بدأ النشاط العلمي في المدينة يخبو قليلاً، بسبب إهمال الخلفاء لها، وتكريس جهودهم للنهوض ببغداد عاصمة الخلافة. ومع هذا كله فقد كان لوجود الأعداد الهائلة من التابعين ومن بعدهم في المدينة أكبر الأثر في الحفاظ على هذه الثقافة التي تناقلوها عن آبائهم آنذاك. كما كانت فريضة الحج الدائمة سبباً هاماً في اتصالهم بعلماء الأمصار لتبادل العلوم فيما بينهم. فكانت الثقافة في المدينة ترتكز على الحديث وما يبني عليه من فقه، وما يتصل بذلك من أخبار وسير (٢)، بالإضافة إلى تعليم القرآن وغيره. وقد اشتهر من القراء: أبو جعفر القارئ يزيد بن القعقاع (ت (١٣٢) هـ) (٣). وأبو رُويم نافع بن عبد الرحمن (ت (١٦٩) هـ)، أحد أصحاب القراءات السبع الصحيحة (٤). وقالون عيسى بن مينا (ت (٢٢٠) هـ) (٥) وغيرهم. واشتهر من المفسرين: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت (١٨٢) هـ)، صاحب كتاب (الناسخ والمنسوخ) و (التفسير) (٦). _________ (١) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ١٥١. وذكر أن ألفي صحابي تفرقوا في الأمصار، وعشرة آلاف ماتوا في المدينة. (٢) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٧٥. (٣) انظر ترجمته رقم ٦٠. (٤) انظر: ترجمته رقم ٣٨٢. ومعرفة القراء الكبار ١/ ٨٩. (٥) انظر: معرفة القراء الكبار ١/ ١٢٨. (٦) انظر: الفهرست ٥٧. وطبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٦٥.

стр. 27

ومن المحدثين: الزهري (ت (١٢٤) هـ) (١). ويحي بن سعيد الأنصاري (ت (١٤٤) هـ) (٢). ومالك ابن أنس (ت (١٧٩) هـ)، صاحب (الموطأ) (٣). وشيخا ابن سعد: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم الزهري (ت (٢٠٨) هـ) (٤)، وله نسخة في الحديث تُعرف بـ (نسخة إبراهيم) (٥) ومعن بن عيسى القزاز (ت (١٩٨) هـ) (٦). وأما الفقه، فكانت مدرسته تعتمد على الحديث (٧)، بخلاف ما كانت عليه العراق وعلى وجه الخصوص الكوفة، مدرسة أهل الرأي (٨). ولهذا كان إذا تجادل الحجازيون والعراقيون في هذا الباب كان الحجازيون أقوى وأقهر (٩). فكان في المدينة من الفقهاء: السبعة المشهورون، ومن جاء بعدهم أمثال الزهري، ويحي الأنصاري، ومالك بن أنس (١٠)، ويحي بن يحي الليثي (ت (٢٣٤) هـ) (١١). وكان ممن اهتم بالسيرة ومغازي الرسول ﷺ ، ومحمد بن إسحاق (ت (١٥٠) هـ)، صاحب (السيرة) (١٢). والواقدي (ت (٢٠٧) هـ)، صاحب _________ (١) انظر تراجمهم على الترتيب ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢. (٢) انظر تراجمهم على الترتيب ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢. (٣) انظر تراجمهم على الترتيب ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢. (٤) انظر تاريخ بغداد ١٤/ ٢٦٩. (٥) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ١٣٨. (٦) انظر: تقريب التهذيب ٣٤٤. (٧) انظر: التراجم ١٦ - ٧٢ - ٧٧ - ١١٣. (٨) انظر: تاريخ الإسلام السياسي ١/ ٣٣١. (٩) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ١٥٢. (١٠) ستأتي تراجم الثلاثة رقم ٧٠ - ٢٤٤ - ٣٧٢ على الترتيب. (١١) انظر: ضحى الإسلام ٢/ ٢٠٨. حيث يرسم جدولاً "لطبقات الفقهاء" والفقهاء السبعة هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عروة بن الزبير، والقاسم بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله. (١٢) انظر: ترجمته رقم ٣٣٠. والفهرست لابن النديم ١٣٦.

стр. 28

كتاب (المغازي)، وهو شيخ ابن سعد (١). هذه نماذج من التابعين، ومن بعدهم، ممن احتضنتهم المدينة ونهضت بهم، لتزويد الأمصار المختلفة، العلوم الإسلامية المتنوعة التي زخرت بها من مدرستها الأولى. والمجلد الخامس بما فيه هذا القسم من طبقات ابن سعد -تُرجم فيه لسبعة وثمانين وثمانمائة رجل من أهل العلم- يعكس نشاط الحركة العلمية التي عايشتها المدينة، ومدى تأثيرها على الأقطار الأخرى إلى نهاية العصر العباسي الأول تقريباً. ٥ - الحركة العلمية في مكة المكرمة: وقد انحدر ابن سعد في ترحاله إلى مكة، والحركة العلمية فيها محدودة النشاط إذا قيست بزميلاتها من المراكز العليمة الأخرى، لأن نشاط البلد كان يتناسب طرداً مع مقر الخلافة، فحيث وجد الخليفة وجد النشاط. فالبلد الذي يستقر فيه الخليفة، هو الذي يكون صاحب الحظ الأوفر ثقافياً، واقتصادياً، وعسكرياً … الخ. ففي فجر الإسلام، كان الحجاز -مكة والمدينة- صاحب الريادة العلمية ولما انتقلت الخلافة إلى الشام في العهد الأموي، نشطت الحركة العلمية فيها أكثر منها في الأمصار الأخرى. وعندما صار زمام الأمر بيد العباسيين انتقلت الريادة العلمية إلى العراق -البصرة، الكوفة، وبغداد- معقل بني العباس. وعلى كل حال كانت مكة وإلى جانبها من أغنى مصادر روايات التشريع الإسلامي لأن الأولى دار نشأة النبي ﷺ ، والثانية دار هجرته، وكلاهما منشأ المهاجرين والأنصار، الذين عاشروا النبي ﷺ ، وحدثوا عنه، وتناقل التابعون ومن بعدهم ما سمعوا منه (٢). _________ (١) انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٤. وتاريخ التراث ١/ ٤٧٠ - ٤٧٥. (٢) انظر ضحى الإسلام لأحمد أمين ٢/ ٧٥.

стр. 29

بالإضافة إلى حركة الحج الدائمة التي كانت تصل العالم الإسلامي بعلماء الحرمين الشريفين، فكان أناس يذهبون للحج ويقصدون لقاء العلماء أيضاً وفي ذلك يقول الداودي: "فقد كان خلق يحجون والباعث لهم لقي ابن عيينة فيزدحمون عليه أيام الحج" (١). وكان سفيان بن عيينة محدثاً ومفسراً وفقيهاً، ولد بالكوفة (١٠٧ هـ)، ونشأ وتوفي في مكة (١٩٦ هـ). له كتاب (التفسير)، وكتب في الحديث (٢). وكان من شيوخ ابن سعد (٣) وممن قدم مكة وسكنها ومات فيها من العلماء: العلاء بن عبد الجبار البصري (ت (٢١٢) هـ) المحدث الثقة، شيخ ابن سعد (٤). وسعيد بن منصور المروزي (ت (٢٢٧) هـ) رواية إسماعيل بن عُليَّة، كما أخذ عن ابن عيينة (٥). وله كتاب (السنن) وأحاديث (العوالي) و (التفسير) (٦). وكان فيها من المؤرخين: أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي (ت (٢١٧) هـ أو (٢٢٢) هـ)، صاحب كتاب (تاريخ مكة)، روى عن ابن سعد (٧)، وروى عنه ابن سعد (٨)، وكان محدثاً ثقةً، وقد أخرج له البخاري (٩). _________ (١) انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/ ١٩٠. (٢) انظر: المصدر السابق، وتاريخ التراث لسزكين ١/ ١٣٩. (٣) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٢. (٤) انظر طبقات ابن سعد ٥/ ٥٠١. وتهذيب التهذيب ٨/ ١٨٥. (٥) انظر: المصدرين السابقين ٥/ ٥٠٢. و ٤/ ٨٩ - ٩٠. (٦) انظر: تاريخ التارث لسزكين ١/ ١٥٣ وقد طبع مجلدان من سننه. (٧) انظر: تاريخ التراث لسزكين ١/ ٥٥٣. (٨) انظر: ترجمة "محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان" رقم ١٤١ حيث ينقل ابن سعد عنه فيها. (٩) انظر: تقريب التهذيب ١٦.

стр. 30

لقد كانت المدرسة الثقافية في مكة ترتكز على الكتاب والسنة، وما يؤخذ منهما من أحكام فقهية. بالإضافة إلى الأخبار التاريخية. وكان أكثر أخذ ابن سعد في مكة عن سفيان بن عيينة. كما أفاد من الأزرقي في الأخبار التاريخية. وكان آخر مطاف ابن سعد في تجواله أن عاد إلى بغداد واستقر فيها إلى أن مات. عقيدته: عاصر ابن سعد انتعاش حركة المعتزلة في خلافتي المأمون والمعتصم (٢١٨ - (٢٢٧) هـ) إلى أن ضعفت هذه الحركة في أواخر عصر الواثق بالله بن المعتصم (٢٢٧ - (٢٣٢) هـ) (١) وخلفه المتوكل إذ بذل الأخير جهداً في قمعها والقضاء عليها. ففي سنة ثمان عشرة ومائتين كتب الخليفة العباسي المأمون بن الرشيد إلى أبي الحسين إسحاق بن إبراهيم ببغداد، في إمتحان القضاة والشهود والمحدثين بخلق القرآن، فمن أقرَّ أنه مخلوق مُحْدَث خلَّى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمره فيه برأيه، وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن، وترك الإستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، وكان الكتاب في ربيع الأول، وأمره أن يحضر سبعة أشخاص إلى الرقة لأنهم امتنعوا عن الإجابة، منهم محمد بن سعد، ويحي بن معين، وأحمد بن إبراهيم الدورقي. فامتحنهم في خلق القرآن، وهددهم بالقتل إن لم يستجبوا لرغبته، فأجابوه جميعاً بخلق تالقرآن، فأعادهم إلى بغداد، وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم أن يشهر أمرهم ويشهد عليهم فأحضرهم إسحاق إلى داره، وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث وغيره، فأقروا بذلك، فخلَّى سبيلهم (٢). _________ (١) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٠٨ - ٣٤١. (٢) انظر: تاريخ الطبري ٨/ ٦٣٤. وتاريخ الموصل للأزدي ٤١٢. وتاريخ بغداد ١٤/ ١٥ ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ٤٧٠. والكامل في التاريخ لابن الأثير ٦/ ٤٢٣. والبداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٧٢. وطبقات الشافعية الكبرى ٢/ ٣٩.

стр. 31

وكان ممن أجاب بخلق القرآن في هذه المحنة أيضاً: علي بن المديني وأبو نصر التمار، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وغيرهم (١). ولو قارنا بين هذا الموقف والموقف المشهور للإمام أحمد بن حنبل في تلك المحنة، فإننا نجد أن عقيدته الراسخة قد حالت بينه وبين الباطل. ولم يستجب لقول المأمون بخلق القرآن، بل ناظر خصومه حتى ضُرب وعُذب في عهد المعتصم ثم لزم بيته أيام الواثق، صابراً على ما لاقاه منهم. ثابتاً على الحق لا يخاف في الله لومة لائم (٢). إنه نموذج من النماذج الحية التي تعطينا صورةً واضحة عن تلك المواقف النبيلة التي كان يقفها أسلافنا لنصرة الحق، وتطبيق عملي لقوله ﷺ : "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) (٣). ولما كان الإيمان يزيد وينقص، فإننا لا نشك في سلامة عقيدة ابن سعد وأقرانه، لأن ثمة حالات تنتاب الإنسان أحياناً تهز شخصيته وتضعفه أمام حد السيف خوفاً من الموت. _________ (١) انظر: مناقب الإمام أحمد ٤٧٠. (٢) انظر: حلية الأولياء للأصبهاني ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦. ومناقب الإمام أحمد ٣٨٧ - ٣٩٣ - ٣٩٧ - ٤٠٨، ٤٢٩. (٣) أخرج الحديث كل من: (أ) ـ البخاري في صحيحه ٤/ ١٦٥. كتاب الأحكام. باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية. عن عبد الله بن عمر. وبألفاظ مقاربة. وفي ٤/ ١٧٩. كتاب التمني. باب ما جاء في إجازة خبر الواحد. عن علي بن أبي طالب. (ب) ومسلم في صحيحه ٣/ ١٤٦٩. كتاب الإمارة ٣٣. باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ٨. حديث ٣٩. عن علي أبي طالب. (ج) وأبو داود في سننه ٣/ ٩٣. كتاب الجهاد ٩. باب في الطاعة ٩٦. حديث ٢٦٢٥. عن علي بن أبي طالب أيضاً.

стр. 32

فلم يستجب هؤلاء الحفاظ لقول المأمون إلا تقيَّة وهم كارهون، يخشون على أنفسهم الموت، فكان يحي بن معين، وغيره يقولون: أجبنا خوفاً من السيف (١). وهكذا فإن الإمام أحمد أخذ بالعزيمة وكثير من أقرانه أخذوا بالرخصة رغم أن مكانتهم العلمية واحتمال متابعة العامة لهم تقتضي أن يأخذوا بالعزيمة وذلك خوف أن يفتن الناس بسببهم (٢). وقد أنكر الإمام أحمد بن حنبل عليهم موقفهم وحلف أن لا يكلم أحداً ممن أجاب في المحنة حتى يلقى الله ، وكره الكتابة عنهم (٣)، وأنكر هذا الإنكار الشديد عليهم (٤) لأنه رأى فيهم قدوة لهذه الأمة، باعتبارهم من العلماء المتصدرين لرواية العلم، وتنقية حديث رسول الله ﷺ من دسائس الوضع، وتمييز صحيحه من سقيمه، لطول باعهم في علم الرجال، كما شهد لهم واعتمد عليهم من بعدهم ممن عُني بهذا الفن. ولو نظرنا في ترجمة ابن سعد عن بعض أئمة الجرح والتعديل -كابن أبي حاتم (٥)، والخطيب البغدادي (٦)، والمزّي (٧)، وابن عبد الهادي (٨)، والذهبي (٩)، _________ (١) انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٧٣. وتاريخ الخلفاء للسيوطي ٣٠٨ - ٣٠٩. (٢) من لمسات المشرف. (٣) انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٤١٠. (٤) انظر: مناقب الإمام أحمد ٤٧٣ - ٤٧٥. (٥) انظر الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢. (٦) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١. (٧) انظر: تهذيب الكمال ٦/ ٦٠٠. (٨) انظر: مختصر في طبقات علماء الحديث ١٣٨. (٩) انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٤٥. وميزان الإعتدال ٣/ ٥٦٠. وتذهيب تهذيب الكمال ٣/ ٢/٢٠٦ أ. وسير أعلام النبلاء ٧/ ٢٨٥ ب.

стр. 33

وابن حجر (١)، والسخاوي (٢) - لم نجد ذكراً لتلك المحنة. ولعل في ذلك دليلاً على أنه تاب ورجع عن تلك القولة، وإلا كانوا بينوا ذلك، لأن الأمر خطير، ويتعلق بعدالة الرجل والحكم عليه. ثم إن اهتمام النقاد بأقواله في الجرح والتعديل، وتدوين أقواله في بطون كتبهم دليل آخر على سلامة عقيدته. مكانته الاجتماعية: لا تتوفر المعلومات الكثيرة التي توضح مكانته الاجتماعية ولكن يظهر من بعض الروايات أنه كان معروفاً في المجتمع، مبرزاً في فنه. حيث يروي الخطيب البغدادي عن إبراهيم الحربي (٣)، قوله (كان أحمد بن حتبل يوجه في كل جمعة بحنبل بن إسحاق (٤) إلى ابن سعد، يأخذ منه جزأين من حديث الواقدي (٥)، ينظر فيهما إلى الجمعة الأخرى، ثم يردهما ويأخذ غيرهما" (٦). وهذا يدل على الصلة العلمية بينهما. وكذلك فإن ابن سعد كان أحد المحدثين السبعة الذين طلب المأمون إشخاصهم إليه، ثم طلب الإشهاد عليهم بعد إجابتهم، مما يدل على مكانتهم وأثرهم في مجتمعهم. فقد كان ابن سعد من وجهاء مدينة بغداد، بل ومن نخبة علمائها. وقد عاشر الشيوخ فأفاد منهم، وخالطه التلاميذ فأفادوا منه، ولم يكن منطوياً على نفسه. نقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: "رأيته جاء إلى _________ (١) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٢. وتقريب التهذيب ٢٩٨. (٢) انظر: فتح المغيث ٣/ ٣٥٤. (٣) هو إبراهيم بن إسحاق بن بشير أبو إسحاق الحربي (١٩٨ - ٢٨٥ هـ)، الفقيه المحدث صاحب التصانيف. (انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٧). (٤) هو ابن عم الإمام أحمد بن حنبل. (ت ٢٧٣ هـ). (انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٢٨٦). (٥) هو: محمد بن عمر بن واقد الواقدي. شيخ ابن سعد. (٦) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢٢. وسير أعلام النبلاء للذهبي ٧/ ٢١٥. ومختصر في طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي ق ١٣٨.

стр. 34

القواريري وسأله عن أحاديث فحدّث" (١). ولو تصفحنا مجلداً واحداً من طبقاته الكبرى، لتعرفنا على عدد كبير من شيوخه، ومروياته عنهم. ولو لم يحسن العشرة، ويجيد الخلطة ويرتحل سعياً في طلب العلم، لقلَّت مشيخته وتقلصت مدرسته، وبالتالي ما كانت لتتوفر لديه هذه المعلومات المتنوعة التي ألف منها كتابه الحافل بمواد مختلفة من أنساب، وأخبار، وحديث، ونقد للرجال. ثقافته: أفاد ابن سعد من علماء عصره في البصرة وبغداد والكوفة والمدينة ومكة، هذه المدن التي كانت صاحبة الريادة العلمية في تلك الحقبة الزمنية التي عاشها. فلا شك أنه نهل من معينها الصافي، ورشف من تراثها الإسلامي العريق، وظهر أثر ذلك في كتابه (الطبقات الكبرى) الذي يوضح كثيراً من جوانب ثقافته. ولقد شهد له من عاصره، ومن بعده من العلماء بالعلم والفضل، وبمعرفته بالحديث وغيره. فقال عنه تلميذه وراوي كتابه (الطبقات) الحسين بن فَهُم (٢): "كان كثير العلم كثير الحديث والرواية كثير الكتب، كتب الحديث وغيره من كتب الغريب والفقه" (٣). وقال ابن النديم (ت (٣٨٥) هـ): "كان عالماً بأخبار الصحابة والتابعين) (٤). _________ (١) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢. (٢) هو الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فَهُم -بفتح الفاء، وضم الهاء- وقصة تسمية فَهُم: ذكرها الخطيب. قال الحاكم والدار قطني: ليس بالقوي. وقال الخطيب: ثقة عسر في الرواية متمنع إلا لمن أكثر ملازمته. وقال ابن كامل: كان حسن المجلس متفنناً في العلوم، حافظاً للحديث والأخبار والأنساب والشعر، عارفاً بالرجال، متوسطاً في الفقه. مات سنة تسع وثمانين ومائتين وله ثمان وسبعون سنة. (انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٩٢. والعبر للذهبي ٥/ ٨٣. وميزان الاعتدال ١/ ٥٤٥). (٣) انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٣٦٤. وتاريخ يغداد ٥/ ٣٢١. (٤) انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٥.

стр. 35

وقال الخطيب البغدادي (ت (٤٦٣) هـ): "كان من أهل العلم والفضل). ثم روى بسنده عن محمد بن موسى (١)، حيث قال: "الذين اجتمعت عندهم كتب الواقدي أربعة أنفس؛ محمد بن سعد الكاتب أولهم) (٢). وقال الصفدي ظهرت فضائله ومعارفه وهو كثير العلم … الخ. وذكر نحواً مما نقله الخطيب عن ابن فَهُم (٣). وقال ابن تغري بردي (ت (٨٧٤) هـ): "كان إماماً فاضلاً عالماً حسن التصانيف، ونقلنا عنه كثيراً في الكتب (٤). ولم تقتصر دراسة ابن سعد على الحديث، والأخبار، والسير، والفقه والغريب-كما تقدم-بل شملت الأنساب بإتقان ودقة متكاملين، حيث ينتهي بنسب صاحب الترجمة إلى ما قبل الإسلام، مما يدل على تضلعه العميق في هذا الفن. بالإضافة إلى تمتعه بقسط وافر من المعرفة بعلم الرجال، فكثيراً ما تجده يصدر حكمه على الرجل من جرح أو تعديل. كما وجه اهتمامه إلى دراسة القراءات، وكان من شيوخه المشهورين في هذا المجال: رُويم بن يزيد المقرئ أبو الحسن البصري نزيل بغداد (ت (٢١١) هـ)، وكان يُقرئ في مسجده ببغداد، وكان ثقة في الحديث (٥). ومحمد سعدان الكوفي الضرير النحوي المقرئ (ت (٢٣١) هـ)، صاحب كتاب (القراءات) وآخر في النحو. وقد وثقه الخطيب وغيره (٦). _________ (١) هو محمد بن محمد بن موسى بن حماد أبو أحمد، المعروف بالبربري. كان إخبارياً، عارفاً بأيام الناس توفي سنة أربع وتسعين ومائتين. (انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٢٤٣). (٢) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١. (٣) انظر: الوافي بالوفيات ٣/ ٨٨. (٤) انظر: النجوم الزاهرة ٢/ ٢٥٨. (٥) انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٤٢٩. ومعرفة القراء الكبار ١/ ١٧٦. (٦) انظر: المصدرين السابقين ٥/ ٣٢٤. و ١/ ١٧٧.

стр. 36

وقال ابن الجزري (ت (٨٣٣) هـ): إن ابن سعد روى الحروف عن محمد ابن عمر الواقدي، ورواها عن ابن سعد، الحارث بن أبي أسامة (١). ربما دلت صلته بالنحويين واللغويين، مثل أبي زيد الأنصاري النحوي (ت (٢١٥) هـ) صاحب التصانيف اللغوية والنحوية، وكان يُعد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة في النحو (٢). ومثل محمد بن سعدان الضرير المتقدم، ربما دل ذلك على اهتمامه بالنواحي النحوية واللغوية. وخلاصة القول: أن دراسة ابن سعد قد شملت، القرآن، والحديث والفقه، والأنساب، والتاريخ، وعلم الرجال، والغريب، واللغة، والنحو، إلاَّ أنه لم يؤلف سوى كتابه (الطبقات الكبرى) الذي حوى مادة علمية نفيسة في الحديث والأنساب، والتاريخ، ونقد الرجال. ويبدو أن هذه العلوم هي التي استأثرت باهتمام ابن سعد وغلبت على ثقافته (٣). أقوال النقاد فيه ومناقشتها: كاد ابن سعد يسلم من جرح النقاد لولا أن ابن معين كذَّبه، وذلك فيما يرويه الخطيب البغدادي بسنده عن الحسين بن فَهُم، قال: (كنت عند مصعب الزبيري فمر بنا يحيى بن معين فقال له مصعب: يا أبا زكريا حدثنا محمد بن سعد الكاتب بكذا وكذا -وذكر حديثاً- فقال له يحيى: كذب" (٤). إلا أن الخطيب اعتذر عن ابن سعد، وصرف نقد ابن معين _________ (١) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ١٤٢. (٢) انظر: الفهرست ٨١. وتاريخ بغداد ٩/ ٧٧. (٣) من لمسات المشرف. (٤) انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٣٢١.

стр. 37

عنه ووجهه إلى الواقدي، بقوله: "ومحمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته، ولعل مصعباً الزبيري ذكر ليحيى عنه حديث من المناكير التي يرويها الواقدي فنسبه إلى الكذب" (١). وكذا اعتذرا عنه عبد الكريم السمعاني (ت (٥٦٢) هـ) فقال: "حُكي أن ابن معين رماه بالكذب. ولعل الناقل عنه غلط أو وهم لأنه من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته" (٢). وقال الذهبي (ت (٧٤٨) هـ): "هذه لفظة ظاهرها عائد إلى الشيء المحكي، ويحتمل أن يقصد بها ابن سعد، ولكن ثبت أنه صدوق" (٣). ولذا قال ابن تغري بردي (ت (٨٧٤) هـ) بعد أن وصفه بالإمامة والفضل والعلم: "ووثقه غالب الحفاظ إلا يحيى بن معين" (٤). ويظهر من أقوال النقاد أنهم لم يلمزوه في عدالته، بل عاب بعضهم عليه روايته عن الضعفاء. ويتضح ذلك في قول ابن صلاح (ت (٢١٣) هـ): "هو ثقة غير أنه كثير الرواية في الطبقات عن الضعفاء، ومنهم الواقدي محمد بن عمر" (٥). وقال أبو حاتم (ت (٣٢٧) هـ): "يصدق" (٦). وقال ابن النديم (ت (٣٨٥) هـ): "كان ثقة مستوراً عالماً بأخبار الصحابة والتابعين" (٧). _________ (١) المصدر السابق. (٢) نظر: الأنساب للسمعاني ٤٧٠. (٣) انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٠. (٤) انظر: النجوم الزاهرة ٢/ ٢٥٨. (٥) انظر: مقدمة ابن صلاح ٥٩٩. (٦) انظر: الجرح والتعديل ٣/ ٢/٢٦٢. وقد طرأ تغيير على هذه اللفظة فصارت "صدوق" وتنسب إلى أبي حاتم. (انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٠. والعبر للذهبي ١/ ٤٠٧. وغاية النهاية لابن الجزري ٢/ ١٤٢. وشذرات الذهب ٢/ ٦٩.) (٧) لعله أراد بقوله "مستوراً" أي أنه عفيف، لأن حملها على الجهالة الحال يتنافى مع توثيقه له والله أعلم (انظر: الفهرست لابن النديم ١٤٥. والمعجم الوسيط ١/ ٤١٦. مادة: سَتَرَ).

стр. 38

وقال ابن خلكان (ت (٦٨١) هـ): كان أحد الفضلاء النبلاء الأجلاء وكان صدوقاً ثقة" (١). وقال عنه الذهبي (ت (٧٤٨) هـ) (الحافظ العلامة) (٢) ووصفه مرة بـ "الحجة" (٣) وبأنه "أحد الحفاظ الكبار (٤) " وبأنه "صدوق، وقاله أبو حاتم وغيره" (٥). وقال الصفدي (ت (٧٦٤) هـ): "وكان صدوقاً ثقة" (٦). وقال اليافعي (ت (٧٦٨) هـ): "الإمام الحبر الحافظ" (٧). وقال ابن الجزري (ت (٨٣٣) هـ): "حافظ مشهور" (٨). وقال ابن حجر (ت (٨٥٢) هـ): "أحد الحفاظ الكبار، والثقات المتحرين" (٩). وقال أيضاً: "صدوق فاضل" (١٠). ووصفه السيوطي (ت (٩١١) هـ) بأنه حافظ (١١). _________ (١) انظر: وفيات الأعيان ٤/ ٣٥١. (٢) انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٥. (٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٨٥ ب. (٤) انظر: تذهيب تهذيب الكمال ٣/ ٢/٢٠٦ أ. (٥) انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٠. (٦) انظر: الوافي بالوفيات ٣/ ٨٨. (٧) انظر: مرآة الجنان ٢/ ١٠٠. (٨) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء ٢/ ١٤٢. (٩) انظر: تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٢. (١٠) انظر: تقريب التهذيب ٢٩٨. (١١) انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي ١٨٣.

стр. 39

ونقل ابن العباد الحنبلي (ت (١٠٨٩) هـ)، عن ابن الأهدل (١)، قوله: "قيل إنه مكث ستين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً" (٢). وبعد سرد هذه الأقوال يتضح انفراد يحيى بن معين تكذيب ابن سعد ودفاع الخطيب البغدادي، والمسمعاني، وابن تغري بردي، يُبعد عنه ذلك بالإضافة إلى أن الحفاظ عدُّوا ابن معين في طبقة المتشددين من بين طبقات النقاد، فلا يُقبل قوله إذا انفرد بالجرح وخالفه بقية النقاد. قال اللكنوي (ت (١٣٠٤) هـ) أثناء تعداده لموانع قبول الجرح والتروي فيه: ومنها -أي من موانع قبول الجرح-: "أن يكون الجارح من المتعنتين المشددين فإن هناك جمعاً من أئمة الجرح والتعديل لهم تشدد في هذا الباب، فيجرحون الراوي بأدنى جرح، ويطلقون عليه ما لا ينبغي إطلاقه عند أولي الألباب، فمثل هذا الجارح توثيقه معتبر، وجرحه لا يعتبر إلا إذا وافقه غيره ممن ينصف ويعتبر فمنهم. أبو حاتم، والنسائي، وابن معين … ، وغيرهم. فإنهم معروفون بالإسراف في الجرح والتعنت فيه، فليتثبت العاقل في الرواة الذين تفردوا بجرحهم وليتفكر فيه" (٣). هذا وإن كثيراً من جهابذة الحفاظ لم يسلموا من جرح بعض النقاد، فهذا ابن معين الذي تكلم في ابن سعد قد تُكلم فيه. فقال: الذهبي، قال إبراهيم بن هانيء: (٤) رأيت أبا داود (٥) يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى فقال: من جرَّ ذيول الناس جروا ذيله. قال الذهبي: "إنما ذكرته -أي يحي بن معين-) عبرة ليُعلم أن ليس كل كلام وقع في حافظ كبير بمؤثر فيه بوجه (٦). _________ (١) لم أعثر عليه. (٢) انظر: شذرات الذهب ٢/ ٦٩. (٣) انظر: الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ١٧٦. (٤) هو النيسابوري، نزيل بغداد. ثقة في الحديث، توفي سنة خمس وستين ومائتين. (انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٠٤.) (٥) هو سليمان بن الأسعث أبو داود السجستاني صاحب السنن المتوفى سنة خمس وسبعين ومائتين. (انظر: تقريب التهذيب ١٣٢). (٦) انظر: ميزان الاعتدال ٤/ ٤١٠.

стр. 40

فلا عبرة إذن في تجريح ابن معين لابن سعد. فقد وثقه أبو حاتم الرازي وهو من المتشددين أيضاً. وكفى لتوثيقه الذهبي، وابن حجر العسقلاني، فإنهما من أهل الاستقراء في نقد الرجال، وعليهما التعويل في الموازنة والترجيح بين أقوال قدامى النقاد والوصول إلى الأحكام المتزنة والأقوال المعتدلة. كما لا تعتبر رواية ابن سعد عن الواقدي وغيره من الضعفاء سبباً في الطعن إليه، فقد شاركه في هذا كبار الحفاظ، وَمَنْ أَسْنَدَ فَقَدْ أَحَالَ، وابن سعد يسوق الروايات عن الضعفاء والثقات بالأسانيد ويبرأ من العهدة، ولم يقل إنَّ شرطه ذكرُ الروايات الصحيحة، فلا حجة عليه في ذلك (١). شيوخه: إنه لمن الصعب حصر بجميع شيوخه لكثرتهم، لذلك سأقتصر على ذكر شيوخه الذين صرّحتْ بهم الكتب الرجال خلال ترجمة ابن سعد. بالإضافة إلى الشيوخ الذين روى عنهم في هذا القسم، مرتبين على الحروف المعجم، وهم: ١ ـ أحمد بن أبي إسحاق العبدي: أحمد بن إبراهيم بن كثير الدورقي البغدادي (٢) (١٦٨ - (٢٤٦) هـ). نقل عند ابن سعد في عشرة مواضع من هذا القسم من كتابه الطبقات. أبو أحمد الزبيري: محمد بن عبد الله بن الزبير. ٢ ـ أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي (ت (٢٢٧) هـ) (٣). نقل عنه في موضعين. ٣ ـ أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي (ت (٢١٧) أو (٢٢٢) هـ) (٤). نقل عنه في موضع واحد. _________ (١) من توجيهات المشرف. (٢) انظر: ص ١٨٨. (٣) انظر: آخر تتمة ترجمة عمر بن عبد العزيز. بداية هذا القسم (٤) انظر: الترجمة ١٤١.
следующие страницы →