رسوله ﷺ وما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان كما حارب كثيراً من المنكرات والمحرمات في الشريعة الإسلامية من تعاطي السحر والاعتقاد في الطيرة والأنواء والاعتقاد بأن من الأيام أيام نحس وشؤم وغير ذلك مما علق بأذهان الناس واعتقدوه أمراً مباحاً ولا زالت رواسبه في أذهان العوام في كثير من البلاد الإسلامية.
ومن الأمور الأساسية التي ركزت عليها تلك الدعوة السلفية إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة. يقول الشيخ رحمه الله تعالى – باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله – والباب الآخر قوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ... الآيات ... ولنقتطف مما ذكر الشيخ آية من كل باب أو حديثاً ونوضحه.
أما الباب الأول ... فقد أورد الشيخ حديث عدي بن حاتم "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ... فقال له إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه ... فقلت بلى.. قال: فتلك عبادتهم" رواه أحمد والترمذي وحسنة.
وشواهد الحديث من الآيات كثيرة.. فتأمل هذا الحديث العظيم. تأمل قول عدي إنا لسنا نعبدهم. ظاناً أن العبادة هي التقرب إليهم بسجود أو نذر أو ذبح وتأمل قول الرسول ﷺ "فتلك عبادتهم" ... ففي هذا صراحة ووضوح بأن العبادة هي الطاعة وهي الاتباع وهي التحكيم فمن أطاع الله ورسوله لم يرض بما يخالفه من الأحكام من أي مصدر كان واتخاذهم أرباباً يكون في هذا النوع فمن رضي حكماً غير حكم الله وحكم رسوله وهو عالم بذلك معتقداً صحة هذا لحكم المخالف نصاً وروحاً لحكم الله فهذا لا شكّ في كفره.
стр. 142
وأما الباب الثاني فإليك رأس الباب. باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ... يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. في شرحه لهذه الآية في كتاب تيسير العزيز الحميد لما كان التوحيد هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملاً على الإيمان بالرسل مستلزماً له وذلك هو الشهادتان. ولهذا جعلها النبي ﷺ ركناً واحداً نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع إذ هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله ولازمها، الذي لا بد منه لكل مؤمن.
فإن من عرف أن لا إله إلا الله فلا بدّ له من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله ﷺ . فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول ﷺ في موارد النزاع فقد كذب في شهادته....
ونادت الدعوة السلفية بوجوب الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر. ونادت الدعوة السلفية أيضاً بتطبيق الشريعة الإسلامية في كل شؤون الحياة وأنه لا بد من أن تكون في الناس أمة تدعوا على الخير وترشد إليه وتقلع المنكر من جذوره وتحذر منه وفق ما جاء به دين الله الذي ارتضاه لعباده.
-الدعوة تنشط من عقالها-
بينما الجزيرة العربية منغمسة في تلك الأوحال المخالفة لهدى الإسلام ولصفاء نور العقيدة الخالصة من شوائب الشرك والبدع إذا بصوت الداعي المصلح ينادي بالدعوة إلى التوحيد ويندب نفسه للذود عن الدين وتخليصه من أيدي المشركين والمبتدعين.
стр. 143
وقال سماحته في آخر محاضرته القيمة: لقد ظلت دعوة الشيخ المجدد ﵀ صورة حية في حياة سكان الجزيرة العربية وغيرهم من سكان آسيا وإفريقيا كما كان كفاحه ونضاله في سبيل تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والعمل على توحيد الجزيرة العربية في كيان واحد يلم شعثها. فقد كانت الجزيرة العربية قبل دعوة هذا الإمام المصلح مجزأة في غمارات صغيرة مختلفة متناحرة يأكل قويهم ضعيفهم ويستبيح ماله وعرضه. مجتمعاً تسوده الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء فعبدت الأشجار والأحجار والفئران والأموات من دون الله، كانت المرأة في ذلك الزمن تأتي إلى فحل النخل وتحتضنه قائلة: يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل الحلول وقد ذكرت كتب التاريخ أشجاراً وأحجاراً وغيرها يرتاداها الجهلة من الناس من غير نكير. فبلغت درجة من التخلف عظيمة كانت تلك الإمارات وكانت القبائل فئات متناحرة تتصرف بعقلية متعفنة وبعادات جاهليّة، فجاهد الشيخ محمد بن سعود ومن بعده من أمراء الدولة السعودية الأولى في سبيل تصحيح العقيدة ومحاربة ما ورثه الأبناء عن الآباء من مخالفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى عاد للجزيرة العربية وجهها المشرق وكان لها وضع مذهل وذلك بفضل قوة الإسلام وحمايته من قبل الحكم العادل..
هما السيف والقرآن قد حكما معاً ... فلم يتركا زيفاً ولم يتركا خرفاً. كان الشيخ بجانبه الإمام المسلم الذي اشرب قلبه بلبان التوحيد رائدي منهج وخطة عمل فهما أخذا على عاتقهما إصلاح المجتمع الجاهلي عقيدة وسلوكاً وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر. والله المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على الحق وأن يهدينا سواء السبيل. وأن يغرس لهذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتهاك المبطلين – وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين-.
стр. 144
صالح بن عبد الرحمن الأطرم .
قال ١: من المعلوم أن كل داعية سيدلي بأدلة إما أن تكون صحيحة، فمآلها إلى الثبوت والاستمرار، وإما أن تكون باطلة فيكون مآلها للرد. إن قبول الناس المنصفين وردهم للدعوة يرجع إلى صدق الداعية وكذبه وليس كل من يدعي وصلاً نقر له بالوصول، ولا كل من زعم أمراً ثبت له المزعوم.
وكل يدعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقرّ لهم بذاك
قل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الجمعة:٦.
فاليهود زعموا ولاية لله ولكن ليس لهذا الزعم ما يثبته.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ التغابن:٧.
فالكفار زعموا عدم البعث، وحيث أنهم لم يبنوا زعمهم على أساس من الحقيقة أبطله الله وأثبت ضده وما ينافيه، وبهذه المقدمة البسيطة يتضح لنا صدق القول بأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب معتمدة على الكتاب والسنة. فليس ما قيل في ذلك مجمد زعم أو توهم، بل ما قال عن نفسه من اعتماد على الأدلة وما قاله غيره واضح جلي وثابت في مراسلاته وكتاباته ومؤلفاته المنتشرة بين العالم لا يستطيع أحد إنكارها إلا من أغمض عينيه عن الحقيقة، وتغلب عليه الهوى والتقليد الأعمى والعصبية الممقوتة.
стр. 145
وما انطلت عليه شبهة المشتبهين من الخرافيين بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يحب الأنبياء والصالحين، غرس هذه الشبهة الشيطان بأدمغة أوليائه وأغفلهم عن مراد المصلح الداعية وهو أن ينهى عن زيارة القبور البدعية، وإعطاء الأولياء الصالحين فوق حقهم، وتشريكهم حق الله، وما ثبت من زيارة القبور الشرعية فمحمد بن عبد الوهاب يأمر بها ولم ينه عنها ويعطي الأنبياء والأولياء حقهم من محبتهم التي تجعل من يحبهم يتأسى بأقوالهم وأفعالهم حتى يكون ولياً بما كانوا به أولياء وصالحاً بما كانوا به صلحاء.
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس:٦٣، فلم يثبت الولاية إلا للمؤمنين المتقين، ولم يقل أن الولاية لمن عظم قبور الصالحين، وتبرك بهم وجعل لهم النذور والذبائح، وهذه الحقيقة ثابتة في مؤلفات الشيخ المصلح المجدد للقرن الثاني عشر الهجري، والذي ما زال إصلاحه مستمراً وتأليفه فيه مستقراً.
فهو بين أيدينا منظوراً ومقروءاً، فنسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. فكانت عناية الشيخ بالعقيدة وتصحيحها وتعديل مفاهيم الناس، ولكنه مع ذلك لم يغفل الفروع بل أدى لها جملة من الاهتمام يتضح ذلك فيما قرره بأنه من أبعد الناس عن التعصب والتقليد، يدعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يتوخى الدليل، ويرى الاقتداء بالأئمة بما لم يقم الدليل على خلاف من اجتهاداتهم.
ومؤلفاته حافلة بذلك سواء ما ألفه ابتداءً في التوحيد والفروع. أو ما اختصره من كتب الأئمة والمحققين تقريباً منه إلى الأذهان القاصرة، ونظر امن بوصل طلابه بالأئمة السابقين ونفعهم العاجل، لأنه ليس كل طالب علم يقوى على قراءة الكتب المطولة فإذا قرأ المنصف والمحب للفائدة، والراغب في الاطلاع والذب عن أئمة الدعوة ومؤلفاته التي قامت بجمعها وطبعها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تجلى للقارئ اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة.
стр. 146
وقد ألزم نفسه ﵀ أن يسير في دعوته على الكتاب والسنة بالقول والفعل وأن يأخذ بما قرره علماء المسلمين الثقاة في مسائل الاجتهاد مما لا نص فيه من كتاب أو سنة أو إجماع، وحينما يختلفون حسب مفاهيمهم من النصوص فإنه يأخذ بما ترجح عنده.
وقال هذا الشيخ أيضاً: وغلط من عاصروا الشيخ بين دعوته ومذهبه، أو فسروا دعوته على أنها مذهب خارج عن الإسلام، وما كان له مذهب خاص به بل له دعوة، وما دعوته إلا الإسلام في صفائه ونقائه، ولقد قال عنه أعداؤه ما لم يقل ونسبوا إليه قصصاً وأحاديث وأقوالاً وأفعالاً لم تصدر منه، فكتبه ورسائله بين أيدي الناس ليس فيها شيء مما زعموا بل نقيض ما زعموا وهو لا يحاسب على الأباطيل والأكاذيب المنسوبة إليه، وليس عليه وزر ما لم يقل أو لم يفعل، ومن خصومه العلماء الذين حرفوا أقواله.
стр. 147
عبد الوهاب بن إبراهيم أبو سليمان
قال١: إن أهمية الدعوة السلفية التي نهض بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والتي تركت آثاراً فكرية واضحة في كثير من المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر استقطبت الباحثين ووجهت أنظار المفكرين، فاستقلت بدراسات موسعة وبحوث علمية مختلفة، والجانب العقائدي منها والمتمثل في حياة الشيخ نفسه وإنتاجه العلمي فيها كان له منها النصيب ألأوفى وهذا عائد إلى طبيعة دعوته والأولوية التي تصدى لها وركز عليها في دعوته وهو تصحيح العقيدة الإسلامية
стр. 148
لدى المسلمين، فبسلامتها يسلم للمرء كل شيء، وبفسادها يضيع كل شيء.
إن انتماء الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودراسته للمذهب الحنبلي سهل له التعرف على فكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في وقت مبكر جداً أثناء طلبه للعلم في بلاده مسقط رأسه، ووقوفه على جهادهما ما قوى فيه العزيمة للدعوة إلى الإسلام الصحيح عقيدة وشريعة. فرحل إلى ما رحل من أقطار وهو متشبع بفكر الدعوة الإصلاحية التي أصبح يعيشها فكراً، ووطن نفسه للدعوة لها جهراً واحتكاكه بعلماء السلف بمكة المكرمة والمدينة المنورة زاد من حماسته لها وتفانيه في سبيلها.
فأعطته دفعة قوية للاستمرار في اتجاهاته الفكرية العقائدية والفقهية وضاعفت من ملازمته وعكوفة على كتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله فتشبع بمنهجهما أسلوباً وفكراً فورث عنهما خصائصهما العلمية واتجاهاتهما المنهجية والنزعة الاجتهادية.
стр. 149
الدكتور محمد حمد حسين
قال هذا الدكتور أمالب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقتها في ثابتة واضحة فيما تركه صاحب الدعوة من كتب ورسائل وهذه الكتب والرسائل هي التي يحتكم إليها ولا يحتكم إلى سواها في معرفة حقيقة الدعوة مجردة من المبالغات ومن ردود الأفعال، وقد ترك صاحب الدعوة مجموعة من الرسائل التي بعث بها إلى الزعماء والعلماء من أهل عصره يبصرهم بحقيقة دعوته ويرد على ما أثير حولها
стр. 150
من تهم وشبهات وما أشاعه خصومها من اعتراضات.
وهذه الرسائل تقدم صورة واضحة لفساد الحال في المجتمع النجدي الذي نزل به الجهل إلى تقديس لحجر والشجر والقعود عن الأخذ بالأسباب حين استبدلوا بها التعلق بأوهام لا تمت إلى الدين بسبب، مع ارتداد الحياة الجاهلية الأولى في البغي والظلم والنهب والسلب والسطو على الأموال والأعراض وقطع الطريق على حجاج بيت الله.
ثم إن هذه الرسائل تقدم إلى جانب ذلك صورة واضحة لحقيقة الدعوة بما نفته عن نفسها من تهم أعدائها، الذين يزعمون أن صاحبها مبتدع يدعي الاجتهاد ويبطل كتب المذاهب الأربعة، وأنه يصم بالكفر من ليس على مذهبه من المسلمين ويكفر من لم يهاجر إليه ممن يرى رأيه ويستبيح قتاله، وأنه ينكر شفاعة رسول الله ﷺ ، وينهى عن الصلاة عليه، ويعتبر المرحلة إلى زيارته شركاً وينكر على المسلمين توقير أهل بيته.
ورسائل محمد بن عبد الوهاب ومناظراته لأهل الحجاز في اجتماع رسله بعلمائهم كما وردت في تاريخ ابن غنام معاصر محمد بن عبد الوهاب تكذب ذلك كله، وتقرر أنه متبع غير مبتدع على مذهب أحمد بن حنبل لا يدعي الاجتهاد، يقر بشفاعة رسول الله ويصلي عليه كما أمر الله في كتابه، ولا ينهى عن الرحلة إلى مسجده ولا ينكر كرامات الأولياء ولا ينهى عن توقيرهم وعن توقير أهل بيت رسول الله ﷺ ، ولكنه ينكر ما يفعله الجهال من سؤالهم جلب النفع ودفع الضرّ، ومن نذر النذور والذبائح لهم، وينكر ابتداعات المبتدعين، وينصح من يقبل النصيحة من إخوانه ألا يصير في قلب أحدهم شيء من الأدعية والأوراد يظن أن قراءته أجل من قراءة القرآن أو تعدلها.
ذلك إلى أن دعوة محمد بن عبد الوهاب قد أسيء فهمها في بعض الأحيان من الخصوم والأولياء على السواء، ومن أبرز ما أسيء فهمها فيه عداوتها للصوفية
стр. 151
التي بدت عند بعض أتباعها والمتأثرين بها كأنها مقصد من أهم مقاصدها، والواقع أن الصوفية لم تكن مستهدفة لذاتها، ولكن الذي استهدفته الدعوة هو انحرافات التصوف لا التصوف نفسه، الذي يقوم في لبه وأصله الأول على الزهد وعلى مغالبة الشهوات. فمهاجمة التصوف مسألة فرعية جاءت ضمن محاربة ابتداعات المبتدعة فيما يعارض التوحيد، ولم تهاجم إلا في هذه الحدود.
والواقع أن الصوفية يجب أن يفرق فيها بين منهجين:
أحدهما: منهج في السلوك يأخذ بيد المنحرفين البعيدين عن الصراط المستقيم يتدرج بهم حتى يضعهم على المحجة البيضاء، ويتدرج بالمستقيمين على طريق الدين في رياضات روحية تسمو بهم حتى تخلصهم من سلطان الشهوات على اختلافها، شهوة البطن وشهوة الفرج وشهوة الجاه والسلطان وحب المال وهذا المنهج مفيد لا بأس في أكثره.
والمنهج الآخر: منهج في الفكر والمعرفة، يخوض في عالم الغيب ويقول فيه بغير دليل، ويغامر في اقتحام مجاهيل محجوبة عن علم الناس يضر الخوض فيها ولا يفيد، وأكثره مفسد للعقيدة يشوبه خلطٌ كثير، يزعزع الإيمان١.
стр. 152
الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مرآة علماء الغرب وأدبائه
أولفيه ده كورانسيز
...
أولفيه ده كورانسيز
قال هذا الكاتب في كتابه " تاريخ نجد منذ ظهور الحركة الوهابية": الوهابية قد نقوا الإسلام مما أدخل عليه من تشويه وأعدوه إلى بساطته الأولى وصفائه.
ولم يظهر الوهابيون إلا منذ خمسين سنة "بالنسبة لزمن هذا الكاتب" ولكن هذه السرعة الهائلة التي اتسمت بها فتوحاتهم، ضمانة كبيرة لبقائهم وعظمتهم.
.. كان المسلمون يومئذ "أي منذ ظهور محمد بن عبد الوهاب" يمارسون أشكالاً غريبة من العبادات بحيث لو عاد "محمد" ﷺ إلى الدنيا، لظن أن الإسلام زال منها. ولرأى شيئاً عجيباً، فعلى القبور تقام القباب والمباني، ويزعم أن لأصحابها كرامات ومعجزات، وهناك وسطاء بين الله والناس يقبلون الرشوة، ومجانين ينتقلون في البلاد بحرية، ولا يجرؤ أحد على مقاومتهم لأنهم فيما يزعمون من أصحاب "السر" أو أهل الحظوة، وأما القرآن الخالد فقد فسروه تفاسير مذهلة غابت فيها حقيقته! ... فجاء محمد بن عبد الوهاب وأعاد الإسلام على نقاوته الأولى.
стр. 153
روسو
قال في كتابه "أشد المذاهب الإسلامية الثلاث": إن نظرية محمد بن عبد الوهاب بسيطة جداً فهو يدعوا إلى عبادة إله واحدا، وهو يقول: إن أحداً لا يستطيع أن يتوسط بين العبد وخالقه، وأن الموتى لا يضرون ولا ينفعون وتوجيه الأدعية إليهم، والبناء على قبورهم عبث بل شرك، وقد بدأ النصارى بمثل ذلك وانتهوا إلى جعل المسيح إلهاً يعبدونه.
стр. 154
مانجان
قال هذا المؤرخ الافرنسي في كتابه "تاريخ مصر": كانت تعاليم هذا المصلح مؤسسة على مبادئ أخلاقية سليمة، تدعوا إلى عبادة الله وحده. والتوجه إليه وحده بالسؤال والدعاء وكل شيء دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو من الدين، أي مما أمر به الله ورسوله ولكن المسلمين نسوه أو تناسوه وأهملوه، فقام هذا الشيخ يدعوهم إليه وحملهم عليه أعظم قيام.
стр. 155
برنادلوسي
قال هذا العالم الفرنسي في كتابه "العرب في التاريخ" ١: باسم الإسلام الخالي من الشوائب الذي ساد في القرن الأول نادى محمد بن عبد الوهاب بالابتعاد عن جميع ما أضيف للعقيدة والعبادات من زيادات باعتبارها بدعاً خرافية غريبة عن الإسلام الصحيح فخلع على دين محمد رونقاً جديداً وبدد الخرافات التي زالت مع الزمن فأظهر الإسلام خالياً من جميع ما عزي إليه من الشوائب. وما لبثت النفوس التي أرهقتها الشروح المطولة الغامضة أن رجعت إلى بعض مبادئ عامة بسيطة واضحة وقبلت خطط ابن عبد الوهاب الإصلاحية بقبول حسن.
стр. 156
بركارت
قال هذا المستشرق في كتابه "مواد لتاريخ الوهابية" لم تكن المبادئ التي جاء بها ابن عبد الوهاب مبادئ دين جديد وإنما كانت جهوده منصرفة إلى إصلاح ما فسد من معتقدات المسلمين، وإلى نشر الدين بين البدو الذين كانوا مسلمين بالاسم، ولكنهم لا يعرفون الديانة، ولا كانوا يعلمون بأوامرها وقال أعداؤه: إنه صاحب دعوة جديدة لذلك عادوه وبدّعوه بل كفروه.
стр. 157
ستوداود
قال هذا الكاتب الأمريكي مؤلف "حاضر العالم الإسلامي" الذي علق عليه الأمير شكيب أرسلان في الفصل الأول من الكتاب، في اليقظة الإسلامية في القرن الثامن عشر:
كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم ما بلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركة فاربد وجوه، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه، ورجاء من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب ... إلى أن قال: وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفاً من الخرافات، وقشور الصوفية دخلت المساجد. وكثر عديد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء ويزينون للناس التماس الشفاعة في دفناء القبور. غابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان وانتشرت الرذائل وهتكت ستر الحرمات عل غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام وعلى الجملة. فقد بدل
стр. 158
المسلمون غير المسلمين وهبطوا مهبطاً بعيد القرار. فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدعى الإسلام، لغضب وأطلق اللعنة على من استحقها من المفسدين من أدعياء الإسلام وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومدلج في ظلمته، إذا بصوت يدوي في قلب صحراء شبه الجزيرة عهد الإسلام، يوقظ المؤمنين، ويدعوهم إلى الإصلاح، والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم. فكان صارخ هذا الصوت إنما هو المصلح الشهير الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي أشعل نار الوهابية ١، فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها في كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس واستعادة المجد الإسلامي القديم التليد. فبدت تباشير الإصلاح ثم بدأت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام.
стр. 159
بروكلمان
قال في تاريخ الشعوب الإسلامية: الإسلام في القرن التاسع عشر١تحت عنوان "الحركة الوهابية في بلاد العرب": ولد في نجد المرتفعة في قلب الجزيرة محمد بن عبد الوهاب، من قبيلة تميم ما بين أواخر القرن السابع عشر، وأوائل القرن الثامن عشر فنشأ محمد محباً للعلم واقفاً نفسه على دراسة الفقه والشريعة وقصد وفقاً –للعادة القديمة- إلى عواصم الشرق الإسلامي طلباً للعلم في مدارسها. ثم إنه درس مؤلفات أحمد بن تيمية والواقع أن دراسته لآراء هذا الإمام انتهت به إلى الإيقان من أن الإسلام في شكله السائد في عصره وبخاصة بين الأتراك مشرب بالمساوئ التي لا تمت إلى الدين الصحيح بنسب. فلما آب إلى بلده سعى أول ما سعى إلى أن يعيد إلى العقيدة والحياة الإسلاميتين صفاءهما
стр. 160
الأصلي في محيطه الضيق. ثم ذكر التجاءه إلى محمد بن سعود! وهناك لقي محمد حفاوة وترحيباً حتى إذا انقضت فترة قصيرة، واكتسبت تعاليمه أنصاراً ومريدين ولقد شجب تقديس الرسول والأولياء على اختلاف صوره. وكان ذاك قد شاع بين المسلمين منذ قرون، تقليداً للنصرانية وبعض الطقوس الدينية الأكثر بدائية، رامياً بالشرك أولئك الذين يشاركون في هذا التقديس١ وحرم أيما تزيين أو زخرفة للمساجد والأضرحة غير مبيح لهم الزيارات المحدثة٢التي أحدثها لأمور لا تخفى، كما فعلت الأمم السالفة، ولم يكن مبتكراً ولا مبتدعاً للمبادئ التي دعا الناس إليها، بل كان تابعاً للرسول.
стр. 161
وليمز
قال في كتابه "ابن سعود! سياسته وحروبه ومطامعه": لما شاع الفساد في بلاد المسلمين، قام في جزيرة العرب محمد بن عبد الوهاب يحارب البدع ويدعوا إلى جمع الصفوف، لإعادة مجد الإسلام وعبادة الله بقلب سليم.
ولكنه كغيره من المصلحين اضطهد، واتهم بالإلحاد والزندقة وطورد حتى التجأ إلى محمد بن سعود، ثم ذكر ولادته ورحلت لطلب العلم، وأنه لما عاد إلى بلاده عزم على نشر الدين الصحيح.
стр. 162
وقال: لما اتصل ببيت سعود، وتزوج محمد بن سعود بابنة الشيخ عندئذ تشيع١ السعوديون للمذهب الجديد فغضب عليهم الأتراك، ولم يكن غضبهم صادراً عن عقيدة، وعن فكر وصلوا إليها بعد دراسة للمذهب الجديد٢ الذي أنكروه رجماً بالغيب ظناً منهم أنه يقف عقبة في سبيل مطامعهم ببلاد العرب.
كان شريف مكة قد احتكم إلى العلماء ليقولوا له رأيهم في مذهب ابن عبد الوهاب فقرروا صدق هذا المذهب. كما أن محمد علي باشا جمع علماء مكة في سنة ١٢١٥هـ لنفس الغرض فجاءت قراراتهم في صالح هذا المذهب. ولكن الأتراك أصروا على العدوان، ولم يكن محمد بن عبد الوهاب إلا رسول سلام، ثم قال: ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى بعض أوجه الخلاف بين مذهب الوهابيين وبين غيرهم.
١- يرى الوهابيون، أن لا معبود إلا الله، وان الرسول ﵊ بشر، فوق مستوى البشر.
٢- أعلن الوهابيون كراهتهم لعبادة الأولياء وهي متفشية بين المسلمين حتى اضطر ابن سعود لتدمير قباب الأولياء ثم ذكر الحفناوي، وأنا من أنصار هذا الرأي فإنك لا تكاد تذهب إلى ضريح في مصر، إلا وترى الجهاد يقبلون الأعتاب ويستغيثون بالأولياء غير ذاكرين الله ولا معتمدين إلا على العظام المدفونة في تلك القبور.
стр. 163
١- يحتفل المسلمون حفلات دينية عديدة، ولكن الوهابيين لا يحتفلون إلا بعيد الفطر وعيد الأضحى ١ ثم قال: ومهما يكن الخلاف المذهبي بين الوهابيين وغيرهم من المسلمين فإننا نجل الوهابيين، فغنهم يدققون في عباداتهم، فيحفظون القرآن والحديث، ويأتمرون بما جاء في الشريعة الغراء وينهون عما نهى عنه النبي ﵊.
стр. 164
سيديو
قال هذا المستشرق في "تاريخ العرب العام" الذي نقله إلى العربية عادل زعيتر، قال في أثناء كلامه على ثورات العرب للتحرر من سيطرة الترك وسيطرة البرتغال في عمان بعد كلام:
ومن ثم نرى أن جزيرة العرب، استردت استقلالها التام تقريباً منذ أوائل القرن الثامن عشر بفضل جدها، وضعف أعدائها، ولم يبق لها إلا أن تؤيد نصرها بمركز يلتف حوله جميع النفوس. وهذا ما حاولت صنعه، قبيلة ظهرت في نجد حوالي سنة ١٧٤٩م وهذا ما حاوله الوهابيون المتنفذون، حتى الآن والذين سيكون لهم تأثير دائم في مصير جزيرة العرب لا ريب واسم واضع هذه السيطرة الإمام محمد بن عبد الوهاب الذي أكب على دراسة آداب العرب وعلومهم منذ صباه، والفقه أكثر ما عني به. واطلع على آراء رجال المذاهب، وقصد بغداد والبصرة، وفارس سائحاً فنمت مداركه، فأنعم النظر في حال بني قومه وميولهم وغرائزهم، وطبيعة قواهم فرأى أنه إذا ما حمل المسلمين على مراعاة
стр. 165
أحكام القرآن، رجعت إليهم تلك الحماسة التي عرفتها عظمة الماضين.
ولم يكن للإصلاح الذي بدا عظيماً، وله هدف سوى إعادة شريعة الإسلام الخالصة إلى سابق عهدها, وحارب ابن عبد الوهاب مغالاة١ المسلمين في إحاطة محمد ﷺ بتعظيم حرمة الله في كثير من كلامه.
وحارب تقديس قبور الأولياء فحمل أنصاره على هدمها، وحارب ابن عبد الوهاب ما كان يعيبه على الأتراك من فساد الأخلاق. وحارب تعاطي المسكرات ومما ذكر الناس به هو أن الشريعة تأمر المسلمين بأن يؤتوا الزكاة٢ وتحرم عليهم الزينة ٣ وتلزم القضاة بالنزاهة ومما عني به على الخصوص إبقاء روح الجهاد في قومه مما أدى إلى نصر عجيب لم يعرف منذ قرون.
стр. 166
جولد سيهر
قال شيخ المستشرقين: "جولد سيهر" في كتابه العقيدة والشريعة ما يلي:
إذا أردنا البحث في علاقة الإسلام السني بالحركة الوهابية نجد أنه مما يسترعي انتباهنا خاصة من وجهة النظر الخاصة بالتاريخ الديني الحقيقة الآتية:
يجب على من ينصب نفسه للحكم على الحوادث الإسلامية أن يعتبر الوهابيين أنصاراً للديانة الإسلامية على الصورة التي وضعها النبي والصحابة١ فغاية الوهابية هي إعادة الإسلام كما كان.
стр. 167
جيب
قال المستشرق جيب الانكليزي في كتابه المحمدية.... "وفي جزيرة العرب قام حوالي ١٧٤٤-١١٥٧هـ محمد بن عبد الوهاب مع أمراء الدرعية آل سعود بتحقيق الدعوة إلى المدرسة التي دعا إليها ابن تيمية في القرن الرابع عشر وقال أيضاً في كتابه الاتجاهات المدنية في الإسلام: أما مجال الفكر فإن الوهابية بما قامت به من الحروب ضد التدخلات العدوانية، وضد الأصول القائلة بوحدة الوجود، التي تريد تدنيس التوحيد في الإسلام فقد كانت عاملاً مفيداً للخلاص الأبدي. وحركة نجد أخذت تنجح في العالم الإسلامي شيئاً فشيئاً.
стр. 168
دائرة المعارف البريطانية
جاء في دائرة المعارف البريطانية وهي تتكلم عن الوهابية ما يلي:
الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام. والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده١ ويهملون كل ما سواها وأعداء الوهابية هم أعداء الإسلام الصحيح.
стр. 169
ويلفرد
قال في كتاب "الإسلام في نظر الغرب" ألفه جماعة من المستشرقين:
كان محمد بن عبد الوهاب يقول قبل كل شيء يجب أن تعيشوا حسب الشرع الإسلامي وهذا هو معنى أن تكونوا مسلمين. لا ذاك الرغاء العاطفي والتقى والحرارة التي يقدمها لكم الصوفيون فأساس الإسلام هو الشرع وإذا كنتم تريدون أن تكونوا مسلمين فيجب أن تعيشوا حسب أوامر الإسلام.
стр. 170
دالبرت
قال هذا المؤرخ الألماني في كتابه "عبد العزيز" وقد صدر في ألمانيا سنة ١٩٥٣م١وكان لآل سعود إلى جانب سيفهم الذي يستخدمونه في الفتح سلاح معنوي آخر. أمدهم بأعظم قسط من نجاحهم ذلك السلاح من صنع الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحد العلماء المطاردين في سبيل عقيدتهم.
стр. 171
برانجس
جاء في تقرير لهذا الكاتب الانكليزي:
لقد أشاع أعداء هذا الرجل العظيم وأتباعه بأنهم كفار، إلا أن الحقيقة أنهم متبعون تماماً للكتاب والسنة، وكانت حركتهم حركة تطهير خالصة في الإسلام.
كما أشاع هؤلاء الأعداء أنهم نهوا الناس عن زيارة المدينة، وهذا ليس بصحيح: فإنهم نهوهم فقط عن ارتكاب الأعمال الشركية عند الروضة المطهرة كما نهوا عنها عند قبور الأولياء الآخرين.
стр. 172
ويندر
قال في كتابه "العربية السعودية في القرن التاسع عشر ما ملخصه":
.. نحن لا نعرف إن كانت الوهابية تستطيع مواجهة عصر الذرة والفضاء، ولكن أحد لا ينكر قيمتها وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث.
إن الوهابية كانت في الحقيقة نعمة على المسلمين بمساهمتها الواسعة في تنبيه المسلمين إلى مظاهر الوثنية وتحذيرهم منها.
ولا شك أنها حققت فكرة ابن خلدون القائل: إن العرب البدو يستطيعون أن يؤلفوا قوة لها شأن متى انقادوا إلى الدين.
стр. 173
وهم متبعون تماماً للكتاب والسنة، وكانت حركتهم حركة تطهير خالصة في الإسلام.
كما أشاع هؤلاء الأعداء أنهم نهوا الناس عن زيارة المدينة، وهذا ليس بصحيح: فإنهم نهوهم فقط عن ارتكاب الأعمال الشركية عند الروضة المطهرة كما نهوا عنها عند قبور الأولياء الآخرين.
стр. 174
باديا
قال هذا الكاتب الاسباني باديا: "وقد اختفى وراء اسم علي بك عباس" وكان موجوداً في مكة المكرمة عندما جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه فاتحين: "ما كانت أيديهم تصل إلى أي شيء وما كانوا يحاولون أخذه غصباً وكانوا يشترون جميع حاجاتهم بالفلوس، وهكذا كانوا يدفعون الأجرة على كل خدمة".
стр. 175
هنري لاوست
يقول هذا المستشرق الفرنسي: إن السلفية لقب يطلق على الحركة الوهابية لأنها أرادت إعادة الإسلام إلى صفائه الأول في عهد السلف الصالح إن هذه الحركة السلفية تتميز عن غيرها بأن نظرياتها أدنى إلى العقل وأنها تفتح باب الاجتهاد وتكافح الخرافات والغلو في الدين وتجتهد في التوفيق بين الدين وبين مطالب العصر.
стр. 176
خاتمة المطاف
إن هذه الخاتمة كان من حقها أن تكون مقدمة، ولكني آثرت أن تكون كذلك لهدفين:
الأول: كيلا أنفّر القراء الذين يحملون فكرة خاطئة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب، من مطالعة هذه الرسالة، فإن أكثر الناس أعداء لما جهلوا.
الثاني: التمهيد لجعل هؤلاء القراء على استعداد لاستقبال آراء العلماء والأدباء الحياديين، دون تأثير خارجي، سواءً كان إيجابياً أو سلبياً.
ولا شك أن المنصفين قد أصيبوا بحيرة بين ما طالعوه في هذه الرسالة، وبين ما كانوا سمعوه من كثير من شيوخ السوء عن هذا الإمام العظيم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فحطم الوثنيات وأضاء السبيل للمسلمين لمعرفة التوحيد الصحيح، وأنقذهم من الشرك الذي كان يفتك بعقيدتهم ومن الوثنية التي كانت تختفي وراء شعار الدين، والدين منها براء، وما أرهب ما قاله الدكتور أحمد أمين:
" ... إذاً فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة إلى أن يشرك مع الله كثيراً من خلقه. فهذه الأولياء يحج إليها وتقدم لها النذور ويعتقد أنها قادرة على النفع والضرّ، وهذه الأضرحة التي لا عداد لها تقام في جميع أقطاره يشد الناس إليها رحالهم ويتمسحون بها ويتذللون لها ويطلبون جلب الخير لهم ودفع الشرّ عنهم. ففي كلّ بلدة ولي أو أولياء. وفي كل بلدة ضريح أو أضرحة تشترك مع الله تعالى في تصريف الأمور، ودفع الأذى وجلب الخير وكأن الله سلطان من سلاطين الدنيا الغاشمين يتقرب إليه بذوي الجاه وأهل الزلفى لديه. ويرجون في إفساد القوانين وإبطال العدل. أليس هذا كما كان يقول مشركو العرب ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقولهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ بل واأسفاه لم يكتف المسلمون بذلك. بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد فهؤلاء أهل بلدة "منفوحة"
стр. 177
باليمامة يعتقدون في نخلة هناك، أن لها قدرة عجيبة من قصدها من العرائس تزوجت لعامها. وهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك وفي كلّ بلدةٍ من البلاد الإسلاميّة مثل هذا، ففي مصر شجرة الحنفي. ونعل الكلشني. وبوابه المتولي، وفي كل قطر حجر وشجر فكيف يخلص التوحيد من هذه العقائد.
إنها تصد الناس عن الله الواحد وتشرك معه غيره وتسيء إلى النفوس وتجعلها ذليلة وضيعة مخرفة وتجردها من فكرة التوحيد وتفقدها التسامي١.
وبمناسبة الكلام على عقيدة التوحيد ليسمح لي القارئ أن أحدثه عن رأي طريف يوضح فوائدها في الدنيا قبل الآخرة، ويشرح أخطار الشرك من نواحي العلم والتقدم، قال عالم انكليزي كبير وهو المؤرخ الحضاري "أرنولد تونبي":
"إن القضية الكبرى في سبيل تسخير طاقات الطبيعة، كانت عقيدة الشرك الذي ساد العقل البشري لزمن طويل والذي حول طاقات الطبيعة إلى آلهة وكان المشركون يقدسون هذه الطاقات ويعبدونها بدلاً من تسخيرها , وعقيدة التوحيد هي التي جعلت الإنسان ينظر إلى هذه الطاقات بأنها مخلوقات مثله ومن ثم بدأ يفكر في تسخيرها"٢.
وعلاوة على ما تقدم، فإن الشرك يمسخ الأدمغة الإنسانية ويجعلها مشتتة، ويذل النفوس بالاستغاثة بعباد مثلها قد ماتت، فيتمرغ في عتبات قبورها ويخشى منها ما يخشى من رب العالمين!.
стр. 178
أجل إن المنصفين من القراء قد أصيبوا بدهشة من هذا التناقض، وخاصة أنهم تحققوا أن ما جاء به هذا الإمام العظيم لم يكن أمراً جديداً، إنما هو التوحيد الخالص الذي أنزله الله تعالى ودعا إليه الرسول محمد ﷺ العودة بالإسلام إلى نقاوته الأولى بعدما شوهت جماله الوثنية والبدع والخرافات.
ولكن دهشتهم تزول، إذا علموا أن هؤلاء المبغضين للإمام قد أصيبوا بصراع وذهول من جراء ضياع امتيازاتهم التي كانوا يفرضونها على العامة والمغفلين بصفتهم سدنة أصحاب الرمم المقبورين الذين كانوا يروجون الإشاعات الكاذبة عن قدرتهم على الشفاء وقضاء الحاجات وإجابة الدعاء من دون الله.
يضاف إلى ذلك مؤامرة المستعمرين ضد دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب خشية يقظة العمالقة المسلمين إذا تمسكوا بعقيدة التوحيد، وأضاءت بها نفوسهم فيعيدون سيرتهم الأولى يوم كانوا في عصر الإسلام الأول، فانطلقوا في آفاق الفتح والعلم حتى غدوا خير أمة أخرجت للناس.
وقد بشر رسول الله ﷺ قومه بذلك إذا هم تمسكوا بالعقيدة الصحيحة فقال لهم لما عرضوا عليه الملك والرئاسة: "كلمة واحدة تعطونيها تدين لكم بها العرب، وتخضع لكم العجم، تقولون: لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه" رواه الترمذي والحاكم وسنده جيّد.
وهذا الحديث العظيم إن دل على أمر فإنما يدل على أن دعوة الإسلام ليست دعوة توحيد وجنة فحسب، إنما هي دعوة قوة ودولة وفتح ومجد ...
وقد تحقق كل ما وعد به هذا الرسول ﷺ ، فكانت هذه الفتوحات من المحيط إلى المحيط في أقل من قرن من الزمن، مما أدهش العلماء الغربيين حتى أطلقوا عليها اسم "المعجزة الإسلامية" لأنهم لم يستطيعوا أن يتصوروا
стр. 179
أن فئة قليلة وفقيرة من العدد والأعتده، تستطيع القضاء على امبراطوريتي روما وفارس، وهما كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في العصر الحديث وذلك لأن علومهم المادية لا تستطيع أن تتصور تأييد الله سبحانه ومعونته للمؤمنين.
من أجل ذلك يسعى هؤلاء المستعمرون لإبعاد المسلمين عن الإسلام الصحيح بعقيدة التوحيد الجبارة، بمختلف الأساليب، وخاصة لما غلبوا بكثرتهم الساحقة في الحروب الصليبية ومزقوا شر ممزق.
ومالنا نذهب بعيداً في البرهنة على قوة العقيدة الصحيحة الإسلامية، وسرعة تأثيرها بالاستدلال بالتاريخ قديماً، وها هي ذي أمامنا ظاهرة جديدة في العصر الحديث، هي الدعوة التي نتحدث عنها، وكيف أن الله العظيم نصر الحكومة السعودية الأولى لما تبنّت التوحيد وعزمت على الدفاع عنه، وذلك بتوجيه الإمام محمد بن عبد الوهاب، حتى تم لها النصر المبين.
وإن ننس فلا ننسى ثورة بطل الجزيرة العربية في هذا العصر أيضاً الذي عاهد الله سبحانه على تحقيق عقيدة التوحيد، فنصره أعجب انتصار، وأعاد الأعجوبة الأولى واستطاع بأربعين رجلاً وسبعة عزّل، إعادة فتح هذه الجزيرة وتحقيق المملكة العربية السعودية التي نأمل أن تظل قلعة منيعة لحماية الإسلام ونشره، مثابرة على تبني هذه الدعوة حتى يستمر لها البقاء والنصر والتقدم الحقيقي، فلا تصغي إلى بعض دعاة التطور الزائف.
ولا شك أن القارئ بعد مطالعته ما تقدم، تأكد من صحة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وضرورة انتشارها والدفاع عنها لأنها دعوة الإسلام الصحيح، فعلى المخلصين من الدعاة التعاون معاً لإيجاد السبل والوسائل التي تحقق ذلك، فإن المتقاعس عن ذلك كالمتقاعس عن الجهاد في سبيل الله!!.
والآن، وقبل أن أبدأ باقتراح لنشر هذه الدعوة بين الناس، أذكر على سبيل التندر والعبرة، أمثلة قليلة من مئات الأمثلة على مبلغ دسائس المستعمرين ودعاة
стр. 180
السوء من المتعالين، لمحاربتها بتضليل العامة والمغفلين، ليتنكروا لها ويحاربوا دعاتها، وذلك لأثير غيرة المخلصين من الدعاة، وأشحذ هممهم، لينتبهوا للمؤامرات ويشمروا عن ساعد الجدّ والعزيمة ويتسابقوا لنصرة دعوة الله سبحانه.
وكيلا يظن بعضهم أن قصة المجوسي المرابي التالية من نسج الخيال، لغرابتها وفظاعتها، أقول ذكرها الأستاذان المودودي وأبو الحسن الندوي في بعض كتبهما وذكر الأمثلة الأخرى الأديب علي الطنطاوي في كتابه "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" تحت عنوان مضحكات ومبكيات، وهي حوادث تفتت الأكباد وتبعث على الأسى والحسرة والبكاء، لما وصلت إليه دعوة التوحيد من الغربة!!.
مضحكات ومبكيات:
"ولقد أخبرني الأستاذ أبو الأعلى المودودي أنه كان في بلدة في "الهند" مراب مجوسي يستقرض منه بعض جهلة المسلمين بالربا الفاحش، وكان له على واحد منهم دين عجز عن وفائه، فرفع المرابي الأمر إلى القاضي، فجاء المسلم المسجد فقام فيه فقال:
-إن فلاناً "المرابي" قد صار وهابياً!!.
فقاطعه المسلمون حتى كاد يفلس، فتحرى عن السبب، فلما عرفه رجع إلى المدين فأسقط عنه الدين وترضاه أن ينفي عنه تهمة الوهابية.
فعاد المسلم إلى المسجد فقال:
إن فلاناً قد تاب من الوهابية ورجع إلى دينه –فرجعوا على معاملته-.
ولقد ذكرت في ترجمة أحمد بن عرفان الشهيد، خبر الدولة الإسلامية التي أقامها في شمالي الهند، وحارب السيخ وكسرهم، وعجز عنها الإنكليز، فلم يجدوا وسيلة إلى القضاء عليها، إلا اتهامها عند شيوخ القبائل الأفغانية، بأنها دولة وهابية، فاستحلوا بذلك قتالها وقضوا عليها!!.