بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ من سورة النور:٥٥.
١- انتشار الثقافة والتعليم بين الناس، حتى غدت البلاد بمعاهدها ومدارسها وجامعاتها منتجعاً لطلاب العلم والمعرفة من أنحاء الدنيا، كما جعل الله فيها بيته العتيق قبلة المسلمين: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ المائدة: من الآية ٩٧.
٢- إحياء التراث الإسلامي التليد، ودرس تاريخ السلف، ومؤلفاتهم الخ ...
وجماع القول: لقد كانت دعوة الشيخ مفتاح خير وبشر وسعادة وعزّ لهذه البقاع ولكل بقعة من بقاع المسلمين اتجهت إليها، أو فتحت صدرها لاستقبالها وعقيدتي أن عز المسلمين وسؤددهم منوط برجعتهم إلى المنهج الذي صلحت به هذه الأمة في أول أمرها، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وخلاصة هذا المنهاج، وثمرته تشع من قول الله جل وعلا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: من الآية١١٠.
وإلى ذلك المنهج كانت دعوة الشيخ اعتقادا وعملا، ولقد ظل جزاه الله خيراً مجاهداً في سبيل هذه الدعوة طول حياته، حتى لقي ربه سنة ١٢٠٦هـ عن عمر يزيد على التسعين عاماً، بعد أن خلف وراءه بتوفيق الله علما نافعاً، وذرية صالحة "ولا أزكي على الله أحداً" وإحياء وسنة وقمع بدعة، ودلالة على خير أرجوا أن يكون له أجر ذلك وأجر من عمل به إلى يوم القيامة.
стр. 107
محمد عبده ناسر
قال تحت عنوان "آثار الحركة السلفية":
لقد كان لحركة محمد بن عبد الوهاب آثار عظيمة ورائعة داخلية وخارجية، فمن آثارها في الجزيرة العربية:
١- تصحيح فهم الإسلام، والعودة بالمسلمين إلى صفاء التوحيد ونقاء العقيدة.
٢- القضاء على البدع والخرافات.
٣- إقامة الحكومة السعودية في ظل الوضع السلفي، على أسس قوية من الشريعة الإسلامية.
٤- انتشار الأمن في المملكة.
خارجياً:
١- أحدثت دعوة الشيخ يقظة فكرية بين العلماء ظهرت على إثرها حركات إصلاحية كحركة المهدي والسنوسي، وذلك يظهر جلياً في كثير من دعوتهم وظهور دعوات للإسلام الصحيح، وكذلك بعض العلماء الذين ألفوا في العقيدة السلفية في مختلف البلدان.
٢- يقظة بين الناس حتى بدأوا يطالبون بالحكم الإسلامي، والدعوة إلى الله ويتطلعون إلى قيام حكم إسلاميّ.
الآثار الحاضرة:
لا زالت آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى اليوم نلمسها ونراها في العلماء المجاهد ينفي أقطار شتى، ففي المملكة العربية السعودية منشأ الحركة نلمس ذلك في النشاط الذي يقوم به مجموعة من العلماء المجاهدين في إحياء دعوة
стр. 108
السلف الصالح دخلياً وخارجياً، ويمثل ذلك محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي رحمه الله تعالى، والذي كانت مهمته عظيمة في نشر التوحيد وتوزيع الكتب الإسلامية وتشجيع طلبة العلم، والذي كانت وفاته خسارة كبيرة في تأريخ الدعوة في وقت مرت به هذه الدعوة صعوبات ومشاق، ومن آثارها العلامة المجاهد الشيخ عبد العزيز بن باز الذي حمل الراية عالية، وتمثل دوره في التالي:
١- الجامعة الإسلامية التي جمعت أبناء المسلمين من أنحاء العالم لتعليمهم العقيدة السليمة والتوحيد الخالص النقي، والشريعة الإسلامية، وإعدادهم ليكونوا أنصار كتاب الله وسنة رسوله، ويأخذوا الإسلام من ينابيعه الحقيقية ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، ويلمس الناس اليوم آثار هذه الجامعة في مختلف أنحاء العالم وخاصة في أفريقيا، وهي أمل كبير من آمال المسلمين، يتطلعون إليه.
وعلى الرغم من كل الصعوبات التي تواجه هذه الجامعة إلا أنها سائرة في الطريق ويتمثل نشاطها فيما يلي:
١- إعداد الدعاة والعلماء والمرشدين وإرسالهم إلى بلادهم لينشروا الإسلام.
٢- توجيه المسلمين بكافة الوسائل الممكنة إلى إحياء التراث الإسلامي وتوزيع كتب العقيدة الصحيحة على مختلف العالم الإسلامي، فهي منارة لكل الدعاة المخلصين في أنحاء العالم.
٣- دعم العلماء والجمعيات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم بكل إمكانية مستطاعة.
٤- تبني القضايا الإسلامية للمسلمين والدفاع عن الإسلام من شبهات المحرفين.
٥- جمع كلمة المسلمين وتوحيدهم على العقيدة الصحيحة.
٦- الدفاع عن المسلمين والصمود أمام التيارات الملحدة.
стр. 109
١- الدفاع عن السنة ونشرها بين أهل العلم في الوقت الذي نرى تساهلاً كبيراً بهذا الأمر عند الكثير من أهل العلم.
ب- وتتعاون مع الهيئات الإسلامية القائمة على دعوة السلف في نشر الدعوة إلى الله ويمثل ذلك التعاون الكبير بين الجامعة الإسلامية وإدارة البحوث والدعوة والإرشاد والإفتاء التي يقوم عليها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والتي ترسل الدعاة إلى الله في أنحاء العالم الإسلامي، وتبني المدارس وتوزع الكتب الإسلامية، وكذلك هيئات الإشراف الديني، وما تقوم به هيئة كبار العلماء من دور كبير في الأمور الاجتهادية الشرعية، وكذلك الندوة العالمية للشباب الإسلاميّ التي تقو بجهود كبيرة في أوساط الشباب في العالم الإسلامي، بإشراف حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ، وغير ذلك من المجهودات. ونسأل الله لهذه الجهود أن تبقى، فهي تؤدي رسالة عظيمة، وكذلك لا تنسى دور التوحيد والمعاهد والكليات، وغير ذلك من نشاط العلماء.
стр. 110
علي عبد الحليم محمود
قال هذا الدكتور:
الحديث عن المجددين لأمر هذا الدين، والتعريف بهم وبما جددوا مما يشوق كل مسلم، ممن يفهمون الإسلام فهماً حقيقياً، فيعرفون أنه أكمل دين وأتم منهاج، وأنه أرضى الأديان لله سبحانه، وأنه النعمة الحقيقية التي ينعم الله بها على من يشاء من عباده، هذا الحديث يسر المسلمين الذين يوقنون أن دين الإسلام هو طلب البشرية كلها من كافة أدوائها، وأن التماس الهدى من غيره ضلال وضياع، هؤلاء يسرهم -ما في ذلك شك- بالحديث عن المجددين المصلحين من أعلام هذا الدين، ونأمل أن نسرهم بالحديث عن واحد من هؤلاء الأعلام
стр. 111
الذين وهبوا حياتهم للعمل من أجل الإسلام، ذلك هو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب محيي السنة وقامع البدعة، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر المجاهد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا.
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –﵀ داعية إسلامي مصلح مجدد في القرن الثاني عشر الهجري، ذلك القرن الذي كانت تسيطر فيه على المسلمين أسباب الضعف السياسي، وأنواع الضلال الفكري، وصنوف الانحراف عن جادة الحق جادة الإسلام، القرن الذي أوشك بعض المسلمين فيه أن يعودوا إلى عبادة الصالحين والأوثان.
استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵀ بتوفيق من الله أن يعرف دينه حق المعرفة وأن يدرك مقاصده وأهدافه، وأن يجند نفسه للعمل إلى الوصول لتلك المقاصد والأهداف. استطاع الشيخ الإمام أن يزيل عن قلوب كثير من المسلمين ما علق عليها من صدأ، وأن يقشع عن عيونهم ما ضللها من غيوم وسحب وذلك عندما أخذ على عاتقه أن يشرح للناس عقيدة الإسلام وأن ينقيها من الشوائب التي أدخلها عليها أهل الباطل والضلال والزيغ والهوى.
كما استطاع الشيخ الإمام –﵀ أن يكون رائداً في النداء على المسلمين عموماً بأن دين الإسلام عقيدة وشريعة، وأنه دين ودولة، وأنه منهج متكامل للحياة الإنسانية في كافة أزمنتها وأمكنتها. هذه الكلمات التي أطلقها الشيخ وجاهد في سبيلها هي نفس الشعارات التي أصبح يرددها المسلمون العاملون المخلصون لدينهم بعد الشيخ بسنوات في العالم العربي وفي غيره من البقاع الإسلامية. لقد عاش الشيخ حياته كلها يشرح عقيدة الإسلام ويجلي ما فيها من عظمة وتكامل ويدعوا الناس إلى اعتناقها وترك الترهات والأباطيل، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مجاهداً في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
стр. 112
لقد أوقف الشيخ نفسه وجهده وماله على تحقيق هذه الغاية، ولقي في سبيلها ما يلقاه المؤمنون المحتسبون الصادقون، فصبر وصابر، ولم يثنه إيذاء عن الجهر بكلمة الحق، ولم تعقه هزيمة مني بها عن المضي في طريق الحق، وتجميع المؤمنين من حوله. هكذا كان الداعية المصلح محمد بن عبد الوهاب –﵀.
стр. 113
محمد سلام مدكور
قال تحت عنوان: "مكونات فكر الإمام محمد بن عبد الوهاب":
سمع الشيخ الحديث والفقه ودرس النحو على جماعة بالبصرة، وقد رأى أثناء إقامته بالحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العالم الإسلاميّ أن التوحيد الذي هو مزية الإسلام الكبرى قد ضاع ودخله كثير من الفساد، فالتوحيد أساسه إلا يعبد إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهذا هو التوحيد الذي دعا إليه الشيخ وغيره من المصلحين.
من أجل هذا سمى نفسه هو وأتباعه بالموحدين، أما اسم الوهابية فهو اسم أطلقه عليهم خصومهم، واستعمله الأوروبيون، ثم جرى على الألسن، وقد كتب قول: إنا معشر الموحدين لما من الله علينا بدخول مكة نصف النهار يوم السبت الثامن من شهر محرم سنة ١٢١٨هـ بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤهم من الأمير سعود –﵀ الأمان، لما تمت لنا العمرة جمعنا الناس ضحوة الأحد، وبينا لهم أن هدفنا إخلاص التوحيد لله وحده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فوافقونا على ذلك وبايعوا الأمير على كتاب الله وسنة رسوله ١.
كما رأى تعلق العوام بأضرحة الأولياء واستغاثتهم بها، فوجد أن ذلك انحراف عن عقيدة الإسلام التي هي في جوهرها إخلاص العبادة لله وحده، والمسلمون ما أمروا ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ٢﴾
стр. 114
وقد كتب يقول: إن محبة ألأولياء والصالحين إنما هي اتباع هديهم وآثارهم والاستنارة بضياء نورهم لا صرف الحقوق الربانية إلى الأجسام الفانية.
ومن هنا نرى أنه كان يعتبر الذي يتخذ وسيطاً بينه وبين الله كافراً. وأن دعاء الأنبياء والأولياء أو غيرهم والتوجه إليهم لقضاء الحاجات وتفريج الكروب إنما هو من أعظم الشرور التي كانت من صفات المشركين الذين اتخذوا أولياء وشفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون عنهم الأضرار بزعمهم فقال –﵀: وكان الناس من مشركي البصرة يأتون إليّ بشبهات يلقونها عليّ فأقول: لا تصلح العبادات كلها إلا لله.
стр. 115
عبد الله عبد الماجد إبراهيم
قال الدكتور عبد الله عبد الماجد إبراهيم الأستاذ المساعد في كلية الشريعة في الرياض:
هذا هو منهج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، منهج سليم ودعوة سليمة، منطلقها كتاب الله، وأسلوبها أسلوب دعوة الرسل إلى الله، وغايتها إخلاص العبودية لله رب العالمين، فالدعوة في جوهرها ومضمونها جملة وتفصيلاً دعوة الإسلام أسلوباً ومنهجاً وشعاراً.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ .
ومن هنا فلا عجب أن يكون التوفيق حليفها، والأمن شعارها والرخاء دثارها، وسعادة المواطن بعض أثارها، وإذا صاحب بزوغ دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب إشاعة الشكوك وإثارة الشبه لسبب الدفاع عن المطامع والمكاسب، وحماية المنافع والمصالح، فإنّ هذه الشكوك وتلك الشبه هي التي أرست قواعد تلك
стр. 116
التصورات الخاطئة وقعدت لتلك الأباطيل الكاذبة، ومهدت لحملات قمع الدعوة الحربية، والإعلامية، والدعائية.. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ ، ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ فيأذن لفجر الصدق أن يسطع، ولنور الإخلاص أن يشع ... ليظهر للعالمين صدق الدعوة، وإخلاص الداعي.. فيشيد بالإمام وبدعوته الأعداء قبل الأصدقاء.
الأعداء من مستشرقين ومستغربين.
والأصدقاء من مصريين وسوريين وعراقيين وغيرهم.
وها قد وقفت على شهاداتهم وتزكياتهم بأم عينيك نقلناها كما هي وكما كتبت، دون تعليق منا ببنت شفة حتى لا نتهم بالتحيز العاطفي أو الانسياق مع التيار ومواكبة الظرف، وإني إذ أشكر جامعة أم درمان الإسلامية بتأكيدها لي ضرورة المشاركة في أسبوع هذا الإمام المجاهد الكبير.. إمام الدعوة ورائد الدعاة في العصر الحديث الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ودفعاً لراية التعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في طريق الدعوة إلى الله، لتأخذ مسارها الصحيح في ضوء منهاجها السليم، وأسلوبها الواضح إلى افريقية والله أسأل أن يتقبل عملنا هذا الذي كان قصدنا منه القيام بواجب معرفة الفضل العظيم.
стр. 117
مناع دخيل القطان
قال هذا الشيخ الفاضل:
استقل كل أمير في نجد بإماراته، وبلغ الأمر ذروته في القرن الثاني عشر الهجري حيث تعددت الإمارات، فكانت الإمارة في العيينة لآل معمر، وفي الدرعية لآل سعود، وفي الرياض لآل دواس، وفي الأحساء لبني خالد، وفي نجران لآل هزال، وفي حائل لآل عليّ، وفي القصيم لآل حجيلان، إلى غير ذلك من الإمارات.
وبين هذه الإمارات المتعددة من الشحناء والبغضاء والتناحر والتنافر ما يحول دون استقرار البلاد والشعور بالأمن والانصراف للكسب والمعيشة.
ولم تكن الحالة الدينية في نجد أحسن من تلك الحالة السياسية فإن انقطاع الصلة بينها وبين الخلافة والدولة وما نجم عن ذلك من استقلال إماراتها وانقسام قبائلها جعل حياتها الدينية مضطربة منحرفة، وعرض العقيدة الإسلامية في نفوس أبنائها إلى شوائب البدع والخرافات، حتى كثر الشرك بالله، وشاعت الاعتقادات الجاهلية، واشتدت الحالة في القرن الثاني عشر الهجري، واعتقد الناس في الجن والأحجار والأشجار والقبور، ولم يكن هناك من العلماء من يقوم بواجب الدعوة إلى الله وتبصير الناس بما هم عليه من الشرك والخرافات والأباطيل حيث غلب الهوى واستحوذ على العقول الضلال، واستسلم أمام موجة الجهل عامة الناس وخاصتهم ما بين مخدوع ومستضعف مسكين.
وحين تعظم الطاقة وتدلهم الخطوب تسأم النفوس الحياة وتمل الفساد والجور وتتطلع إلى ساعة الخلاص التي تنقذها من براثن الشرك وتنشلها من حمأة الرذيلة وتأخذ بيدها إلى صراط مستقيم وترفع عن كاهلها أوزار الجهالة، وتحطم قيود
стр. 118
العبودية وأغلال الاستبداد، وبين تلك الحياة القائمة التي كانت تعيشها نجد سياسياً ودينياً، ومض في ألأفق بريق في الأمل، وأراد الله تعالى أن يزيح الغمة ويعيد للأمة صفاء عقيدتها، ويخلصها من أوضار الشرك والجهالة، ويبدد غيوم اليأس والقنوط فارتفع صوت يردد كلمة التوحيد التي بعث بها الرسل "لا إله إلا الله" بروح الإيمان الصادق، ويحيي في النفوس العقيدة الخالصة، ويمسح عنها أدران الوثنية والجاهلية، ويدعوها إلى نبذ البدع والخرافات ويستقي لها من نبع الإسلام الصافي ومورده العذب في القرآن والسنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة، كان هذا الصواب صوت الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي الذي تجاوبت أصداؤه في ربوع نجد، وفي جزيرة العرب وفي ديار الإسلام كافة، ووجد ما يدعمه من قوة السلطان في الأمير محمد بن سعود، فكان ذلك إيذاناً بفجر جديد ينشر ضوءه في جوانب العالم الإسلاميّ، إعلاء لكلمة الله وتمكيناً لشريعة الإسلام.
стр. 119
محمد فتحي عثمان
قال هذا الدكتور١: إن النقول التي ينقلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تدل على علم وفطنة، وهي قوية في دلالتها وحجتها، على ما يريد ذكره وبيانه ...
فهو يقع على ما ينطق بفكره، ويبدوا وكأن حججه وبراهينه بين أطراف أناله يديرها كيف يشاء ... وعمدته وذخيرته الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، استوعبتها ذاكرته وبلغت أعماق قلبه، فهو يقتبس منها ما يلائم المقام ويقع على القضية المعروضة وقوع الحافر على الحافر ... وأحياناً تأتي رسالته مقصورة على سرد آيات القرآن وأحاديث الرسول صلوات الله عليه مع إيضاح أو تعليق. كلماه معدودة محكمة٢.
стр. 120
والشيخ في نقوله كان يختار ما يعين على صياغة "الموقف الإيجابي" الذي يريده كل من يؤمن بالدعوة السلفية.. فليس في قضية الإيمان والكفر مجال لمواربة أو مداهنة أو سلبية ... والباطل يصر ويتجمع وينتفخ ويستعلي، فهل يمكن أن يجابه ويغالب بالتردد والتفرق والاستخذاء!؟.. أليس التوكل على الله والاعتزاز به والرجاء فيه والخوف منه وإفراده سبحانه بذلك هي حقيقة الإيمان والتوحيد، أليس الاجتماع على الحق والجهاد في سبيله من فرائض هذا الدين؟؟.. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في "ثلاثة الأصول": اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأولى: العلم –وهو معرفة الله ونبيه ودين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه. والدليل قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ، قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم.
متبع غير مبتدع:
وإذا كان محمد بن عبد الوهاب متميزاً في "حركته" التي كانت "نهجه" في العمل للدعوة السلفية، فإنه في "موضوع" هذه الدعوة سلفي متبع غير مبتدع، لا يفتأ يلح على ما بينه متبعو السلف الصالح جيلاً بعد جيل، ويقتفي أثر السابقين بإحسان في معالجة قضايا الصفات وتوحيد الألوهية والربوبية وعبادة الله وحده وفق ما جاء به رسوله صلوات الله عليه وسلم وإنكار البدع وما إلى ذلك.
وكتاباته من هذه الوجهة إنما تؤكد ما سبق أن قرره الطحاوي وشارح "الطحاوية" من بعده، ثم ابن تيمية وابن القيم وغيرهم ﵏ وأجزل مثوبتهم ... والشيخ ابن عبد الوهاب يؤكد هذا في صراحة قاطعة ودون أية مواربة، لأن اعتقاد السلف مأخوذ عن السلف من صحابة وتابعين وتابعيهم بإحسان ﵃، وأساس فهمهم جميعاً الكتاب والسنة، فالداعون إلى عقيدة السلف هم دائماً متبعون لا مبتدعون، بل هم لا ينفكون عن الإنكار على كل ابتداع في هذا المجال ... يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى السويدي عالم
стр. 121
أهل العراق "عبد الرحمن بن عبد الله": وأخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع، وعقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة.
لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم وعن إشراكهم فيما يعبد الله به من الذبح والنذور والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل وه والذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة١ ...
ويقول في رسالته إلى علماء مكة بشأن هدم الأبنية التي بنيت على قبور الصالحين: فنحن ولله الحمد متبعون غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.. ومن البهتان الذي أشاعه الأعداء أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة وتعلمون أعزكم الله أنه في كثير من البلدان العمل بهاتين المسألتين –هدم القبور والأمر بترك دعوة الصالحين مما يكبر على العامة.....
стр. 122
محمد ناصر الدين الألباني
قال هذا المحدث الكبير رداً على المحتجين بالحديث التالي على ذم الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب.
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ الفجر ثم أقبل على القوم فقال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا اللهم بارك لنا في حرمنا، وبارك لنا في شامنا" فقال رجل: وفي العراق؟ فسكت.
стр. 123
ثم أعاد. قال الرجل: وفي عراقنا. فسكت. ثم قال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم اجعل مع البركة بركة والذي نفسي بيده ما من المدينة من شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها...." وذكر الحديث١.
قلت: حديث صحيح، وإن كنت لم أقف عليه بهذا التمام فيما عندي من كتب السنة، وإنما وقفت عليه مفرقاًُ من حديث ابن عمر دون قوله في آخره "اللهم اجعل مع البركة بركة ... " فإنما هو من حديث أبي سعيد الخدري في حديث له أخرجه مسلم "٤: ١١٧" لكنه قال: "بركتين".
وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو نعيم "٦: ١٣٣" وابن عساكر إلى قوله "وفي العراق" وزاد: فاعرض عنه فقال: "فيها الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان". وإسناده صحيح. ورواه الطبراني في الكبير من طريق أخرى عن ابن عمر وسنده صحيح أيضاً. وقد أورده في المجمع "٣: ٣٠٥" وقال: "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات". وأخرجه أحمد "٢: ١٤٣" ومختصراً بلفظ قال: رأيت رسول الله ﵌ يشير بيده يؤم العراق ها إن الفتنة هاهنا، ثلاث مرات من حين يطلع قرن الشيطان. وإسناده صحيح على شرط مسلم وقد أخرجه في صحيحه "٨: ١٨١" نحوه. وفي رواية له من وجه آخر عن سالم بن عبد الله قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم الكبيرة؟! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: فذكره. وأخرجه البخاري ومسلم أيضاً من وجه آخر عن سالم به مرفوعاً وأخرجه البخاري "١٣: ٣٨ – بشرح العسقلاني"، وأحمد "٢: ١١٨"، وابن عساكر من طريق نافع عن ابن عمر موقوفاً "اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا. قالوا: وفي نجدنا؟ قال: هناك الزلازل" الحديث. وأخرجه الترمذي وصححه وعزاه المنذري في "الترغيب" "٤: ٦١" للترمذي وحده، فوهم. وله عند أحمد "٢: ١٢٦" طريق أخرى عن
стр. 124
ابن عمر ولحديثه الأول عند أبي نعيم شاهد من حديث ابن عباس ساق لفظه الهيثمي وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات" وروى بعضه الخطيب في تاريخه"١: ٢٤ و ٢٥". ومن طريقه ابن عساكر من حديث معاذ بن جبل.
فيستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من "نجد" في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق وبذلك فسره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني، وتجد كلامهما في ذلك في "شرح كتاب الفتن الكبر" من صحيح البخاري للحافظ. وقد تحقق ما أبنأ به ﵇ فإن كثيراً من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ، فالحديث من معجزاته ﵌ وأعلام نبوته١. ومن ذلك تعلم أن الأستاذ صلاح الدين المنجد أخطأ في حشر هذا الحديث في الأحاديث الموضوعة في المقدمة.
стр. 125
حسين بن محمد بن عبد الوهاب
زعم بعض الخرافيين والمبتدعين أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه، يفتري على الغزالي وابن الفارض وأمثالهما، وهمم ممن يعتقدون فيهم الولاية، فما كان من حسين إلا المسارعة لتبرئة أبيه من القول فيما ليس له به علم فذكر السؤال الذي تقدم به المعترضون مع جواب الشيخ، وكل ذلك مقرون بالأدلة والأدب الرفيع.
وفيما يلي نذكر هذا الحوار، قال هؤلاء المعترضون:
أن الإمام الغزالي من أئمة السنة ومن أكابر المصنفين، وصنف "إحياء علوم الدين" فهل تنقمون على هذا الكتاب شيئا مخالفاً لما جاء به الكتاب؟ فأجاب والدنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله ثوابه: " أبو حامد رحمه الله تعالى كما قال فيه بعض أئمة الإسلام: نجده مع ماله من العلم والفقه ... وغير ذلك يذكر في كتاب الأربعين ونحوه ككتاب "المظنون به على غير أهله" فإذا طالعت هذا الكتاب وجدته: قول الصابئة المتفلسفة بعينه، وقد غيرت عباراته إلى أن قال، فإن أبا حامد: كثيراً ما يحيل على ذلك النور الإلهي وعلى ما يعتقد أنه يوجد للصوفية والعباد برياضتهم وديانتهم من إدراك الحقائق وكشفها لهم حتى يزنوا بذلك ما ورد به الشرع، وسبب ذلك أنه قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريقة المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب –إلى أن قال- ولهذا كان كثير الذم لهذه الحوائل، وإنما ذلك لعلمه الذي سلكه والذي حجب به عن حقيقة المتابعة للرسالة، وليس هو بعلم، قال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق، ولهذا صار طائفة ممن يرى فضيلته وديانته يدفعون وجود هذه الكتب عنه، وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه لعلمهم بمراد كلامه
стр. 126
ومشابهة بعضه بعضاً، ولكن كان هو وأمثاله كما قدمت، مضطربين لا يثبتون على قول ثابت، لأنه ليس عندهم من الذكاء والطلب ما يتعرفون به إلى طريق خاصة هذه الأمة من الذين ورثوا من الرسول العلم والإيمان، وهم أهل حقائق الإيمان والقرآن وهم أهل الفهم لكتاب الله والفهم لحديث رسول الله ﷺ ولهذا كان أبو عمرو "ابن الصلاح" يقول فيما رأيت بخطه: أبو حامد كثر القول فيه، فأما هذه الكتب-يعني المخالفة للحق- فلا يلتفت إليها، وأما الرجل فيسكت عنه ويفوض أمره إلى الله، ومقصوده أنه لا يذكر بسوء، لأن عفو الله من الناسي والمخطئ وتوبة المذنب تأتي على كل ذنب ولأن مغفرة الله بالحساب منه ومن غيره وتكفيره الذنوب بالمصائب تأتي على محق الذنوب، فلا يقدم الإنسان على انتفاء ذلك في حق معين إلا ببصيرة ولا سيما مع كثرة الإحسان والعلم الصحيح، والعمل الصالح والقصد الحسن، وهو ﵀ يميل إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية، ولهذا رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي المالكي قال فيه: أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منه فما قدر، ورد عليه أبو عبد الله المازري وأبو بكر الطرطوشي وأبو الحسن "المرغيناني" رفيقه، والشيخ أبو البيان، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وحذر من كلامه في ذلك، وأبو زكريا "النواوي" وابن عقيل، وابن الجوزي، وأبو محمد المقدسي، وغيرهم.
وأما كتابه الإحياء فمنه ما هو مردود عليه، ومنه ما هو مقبول، ومنه ما هو متنازع فيه، وفيه فوائد كثيرة ولكن فيه موارد مذمومة، فإن فيه موارد فاسدة من كلام الفلاسفة، تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد،، فإذا ذكرت معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوا للمسلمين فألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا أمرضه الشفاء١، وفيه أحاديث وآثار موضوعة وفيه أشياء من أغاليط الصوفية، وفيه أشياء من كلام العارفين المستقيمين، وفيه من أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يرد منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس٢- انتهى ملخصاً-
стр. 127
وفيما ذكرناه يتبين لك حال هذا الرجل، وحال كتابه، في إحياء علوم الدين وهذا غاية ما نعتقده فيه، لا نرفعه فوق منزلته فعل الغالين، ولا نضعه من درجته كما وضعه بعض المقصرين فإن من الناس من يغلوا فيه، وفي كلامه الغلو العظيم ومنهم من يذمه، فيهدر محاسنه ويرى تحريق كتابه، وسمعنا أن منهم من يقول ليس هذا إحياء علوم الدين، بل إماتة علوم الدين، والصراط المستقيم حسنة بين سيئتين، وهدي بين ضلالتين١.
وورد على الإمام محمد بن عبد الوهاب سؤال هذا نصه:
بلغنا أنكم تكفرون أناساً من العلماء المتقدمين، مثل ابن الفارض وغيره، وهو مشهور بالعلم من أهل السنة. فأجاب:
أما ما ذكرت أنا نكفر ناساً من المتقدمين وغيرهم فهذا من البهتان الذي أشاعه عنا أعداؤنا ليجتالوا به على الناس عن الصراط المستقيم، كما نسبوا إلينا غير ذلك من البهتان أشياء كثيرة، وجوابنا عنها أن نقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم" ونحن لا نكفر إلا رجلاً عرف الحق وأنكره بعد ما قامت عليه الحجة، ودعي إليه فلم يقبل وتمرد وعاند، وما ذكر عنا من أنا نكفر غير من هذا حاله فهو كذب علينا وأما "ابن الفارض" وأمثاله من الاتحادية فليسوا من أهل السنة بل لهم مقالات شنع بها عليهم أهل السنة، وذكروا أن هذه الأقوال المنسوبة إليهم كفريات منها قول ابن الفارض في التائية شعراً:
وإن خرّ للأصنام في البيت عاكف ... فلا تعني بالإنكار للعصبية
وإن عبد النار المجوس فما انطفت ... كما جاء بالأخبار من ألف حجة
فما عبدوا غيري وما كان قصدهم ... سواي وإن لم يضمروا عقد نيّة
فمن أهل العلم من أساء به الظن بهذه الألفاظ وأمثالها، ومنهم من تأول ألفاظه وحملها على غير ظاهرها وأحسن فيه الظن، ومن أهل العلم والدين من أجرى
стр. 128
ما صدر منه على ظاهره وقال: هذه الأشعار ونحوها تتضمن مذهب أهل الاتحاد من القائلين بوحدة الوجود والحلول كقصيدته المسماة "نظم السلوك" ومثل كثير من شعر ابن إسرائيل وابن عربي وابن سبعين، والتلمساني وما يوافقهما من النثر الموافق لمعناها فهذه الأشعار من فهمها علم أنه كفر وإلحاد، وأنها مناقضة للعقل والدين ومن لم يفهمها وعظم أهلها كان بمنزلة من سمع كلاماً لا يفهمه وعظمه، وكان ذلك من دين اليهود والنصارى والمشركين، وإن أراد أن يحرفها ويبدل مقصودهم بها كان من الكاذبين البهاتين المحرفين لكلم هؤلاء عن مواضعه، فلا يعظم هؤلاء وكلامهم إلا أحد رجلين: جاهل ضال، أو زنديق منافق، وإلا فمن كان مؤمناً بالله ورسوله، عالما بمعاني كلامهم لا يقع منه إلا بغض هذا الكلام وإنكاره، والتحذير منه، وهذا كقول ابن الفارض يشير إلى الحضرة الإلهية وإلى نظرية الاتحاد ووحدة الوجود الكافرة:
لها صلاتي في المقام أقيمها ... واشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة
وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
إلي رسولاً كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي عليّ استدلت
وقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي فرقها عن فرقة الفرق رفعة
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت
وإن نال بالتنزيل محراب مسجد ... فما نال بالإنجيل هيكل بعثة١
وإن خر للأصنام الخ البيت السابق، وذكر أبياتاً لابن إسرائيل وغيره، ثم قال: وحقيقة قول هؤلاء أنهم قالوا في مجموع الوجود أعظم مما قالته النصارى في المسيح، فإن النصارى ادعوا أن اللاهوت الذي هو الله اتحد مع الناسوت وهو ناسوت المسيح أو حل فيه مع كفرهم الذي أخبر الله به، كما قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فهم مع هذا الكفر يقرون بأن الله خلق
стр. 129
السموت والأرض، وانه مغاير للسموت والأرض ويقولون: إنه قد حل في المسيح واتحد به، وهؤلاء يقولون بالحلول والاتحاد مع جميع العالم ولا يقرون أن للعالم صانعاً مبايناً له بل يقولون: وجود المخلوق هو وجود الخالق. ويقولون في جميع المخلوقات نظير قول النصارى في المسيح، لكن النصارى يثبتون خالقاً كان مبايناً للمسيح، وهؤلاء لا يثبتون خالقاً مبايناً للمخلوقات، فقولهم أعظم حلولاً واتحاداً، وأكبر فساداً وإلحاداً من قول النصارى انتهى.
فتأمل كونه ﵀ أطلق على هذا القول أنه كفر ولم يتعرض لتكفير قائله فافهم الفرق لأن إطلاق الكفر على المعين الذي لم يقم عليه الحجة لا يجوز، أظن هذا الإمام الذي قال فيهم هذا الكلام ﵀ ظن أن الحجة لم تقم على قائل الكلام، وأن ابن الفارض وأمثاله لجهالتهم لا يعلمون ما في كلامهم ومذهبهم من الكفر ومن أحسن فيهم الظن من العلماء كما قدمنا حمل كلامهم على محامل غير هذه وأولها تأويلاً حسناً على غير ظاهرها١. الدرر السنية ج ٢ و ٣ ص ١٨٩-١٩١.
стр. 130
عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
وورد كذلك اعتراض بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتعرض للشاعر البوصيري في قصيدته "البردة" وهي ما يتبرك بها أكثر الشيوخ ويتناشدون أبياتها في دروسهم. فأجاب عبد الله:
رد والدي الإمام محمد بن عبد الوهاب على هذا الاعتراض بقوله: في الحديث لما أنزل الله على الرسول ﵌: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ "المدثر:٢" صعد الصفا فنادى: "واصباحاه! " فلما اجتمع إليه قريش قال لهم ما قال. فقال له عمه: "تبا لك! ما جمعتنا إلا لهاذ؟! " فأنزل الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
وقال رسول الله ﵌: " يا عباس! عم رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله! اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت. لا أغني عنك من الله شيئا".
وبعد ما ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب ما تقدم من الحديث السابق وفيه إنكار
стр. 131
الرسول ﷺ للتوسل بذاته حتى أقرب الناس إليه، وقال: أين هذا من قول صاحب البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم١
стр. 132
محمد يوسف
قال١: ما من دعوة أو حركة قامت لاستعادة مجد الإسلام وعزة المسلمين إلا وتحرك عالم الكفر والاستعمار لمحاربتها والانتقاص من قدرها أو تحطيم قوتها والتقليل من نفوذها بين المسلمين على الأقل، بإحداث العقبات والعراقيل في سبيلها تارة، وإثارة الشبهات وغرس بذور الشكوك حولها تارة أخرى.
وأكبر مأساة تنشق لها الأكباد وتنفطر لها القلوب هي أن المسلمين في كل عصر ومصر وقعوا فريسة لتلك الشبهات التي أعدت حبالها المكيدة والخديعة ومطامع الطامعين الشرسة، فقاموا في وجه الدعوة الإسلامية الخالصة ولفقوا عنها وعن صاحبها إشاعات مضللة وأكاذيب باطلة.
لكن العجب كل العجب أن يغتر المسلمون بأكاذيب وأباطيل أشيعت حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوة الشيخ الشهيد الشاه إسماعيل الدهلوي رحمهما الله، فإنّ دعوة الشيخ محمد الإصلاحية إنما هي دعوة امتازت من بين الدعوات الإصلاحية الإسلامية الأخرى، بنجاح كامل شامل في مراميها حيث حاربت المعتدين على الشريعة الإسلامية وأحكامها في نجد، وهذه هي مبراة عظيمة لا تدع مجالاً للشكّ في أن دعوته كانت دعوة حق وهداية وإيمان وإسلام، يجب على كل مسلم قبولها والذود عنها فضلاً عن أن يحبها ويحسن الظن بها وبصاحبها.
كيف يمكن لأحد من المسلمين أن يعتقد سوءاً في مجاهد جاهد جهاداً مضنياً لإحياء الدين، وأعاد إلى الإسلام مجده السياسي وعلوه القيادي، وأقام بالفعل
стр. 133
دولة شرعية، وهي التي يتمنى لها كل مسلم غيور على دينه كل خير ونجاح ويحن إليها كل مؤمن حينما يتغلغل الإيمان في قرارة نفسه.
لكن المعترضين الحاقدين على الإسلام والمسلمين وأرباب الأغراض الدولية والشخصية من المسلمين وغير المسلمين هاجوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعرضوها إلى المسلمين بصورة مشوهة كأنها مذهب جديد مخالف لما عليه الأمة الإسلامية وهي لا تمت بأي صلة إلى الدين، بل تغاير عقيدة الإسلام ومبادئه، ولذلك سموها بالوهابية تلبيساً للمسلمين من عند أنفسهم ولفقوا عنها إشاعات مضللة وحذروا المسلمين عنها، فإن الحركة الإصلاحية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لو سميت على اسم مؤسسها لسميت باسم "الحركة المحمدية" ولكن المعاندين شعروا بما يكون لهذا الاسم من أثر مرموق في قلوب المسلمين، وأدركوا أن هذا الاسم لا يوافق مصلحتهم ولا يتماشى مع أغراضهم فسموها على اسم أبيه وألحقوا بها أنواعاً من التهم والمفتريات حتى ظنه المسلمون خارجاً عن الدين، واعتقدوا فيه السوء بجهالة وبسبب فهم خاطئ أو بمصلحة سياسية مادية أخرى.
ومن جملة ما رموه به من المفتريات:
١- ادعاء النبوة.
٢- إنكار الحديث.
٣- تكفير المسلمين وقتالهم.
٤- إنقاص رتبة النبي وإنكار شفاعته.
٥- هدم قبة النبي.
٦- إنكار التقليد وإبطال كتب الأئمة الأربعة.
ورموا هذه التهمة الداعية الإسلامي المودودي.
فكل من يستعرض هذه الدعوة، والأوضاع والأحوال التي تعرضت لها يكون على بصيرة من أن الدعوة مهما كانت صحيحة ونافعة لا بد لها أن تجد في طريقها من العراقيل من جهات عديدة، ولكن إذا كان حاملو لوائها مخلصين لله مجاهدين
стр. 134
في سبيله متمسكين بالكتاب والسنة في سلوكهم ومعاملاتهم وفي نشر الدعوة فلا بد أن يكون النجاح حليفهم إن شاء الله تعالى. ومن دواعي السرور أن الدعوة الإسلامية التي قام بها الشيخ في الجزيرة أصبحت اليوم دعوة عالمية، فالحركات الإسلامية وغير الإسلامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا خير شاهد على ذلك.
ومن هنا يعلم من له أدنى إلمام بالدعوات الإسلامية أن الحركات الإسلامية في العالم اليوم لا بد لها أن تتعرض لما تعرضت له دعوة الشيخ في عصره، ولكن إذا قام الدعاة وحملوا لواءها وثبتوا وصبروا وصابروا وصمدوا صمود الشيخ يكون النجاح حليفهم في الدنيا والآخرة. وأخيراً نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه لخدمة الإسلام والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 135
عبد الرحمن راتب عميرة
قال هذا الدكتور: هذه كلمات حول الشبهات التي أثيرت حول الدعوة السلفية، دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، أردنا بها وجه الله –والحق أقول- لقد عشت فترة طويلة من الزمن أبتعد عن هذه الشبهات وأحاذر التعرف عليها أو قراءة أفكارها حتى أعانني الله بالاقتراب منها ومعايشتها.
فلم تكن في الحقيقة إلا بناء من ورق، وزينة جوفاء، وسراباً خادعاً لا ماء فيه ولا ريّ، وإكليلاً من الخزي والعار وضعه الشيطان كبير المضلين على رؤوس هؤلاء العتاة الذين وقفوا للدعوة ينالون منها بالكلمة مرة، ويصدون عنها الأتباع والأنصار مرات، ولكن إرادة الله غالبة وجنده هم المنصورون فارتفعت في جنبات أرض نجد كلمة التوحيد الخالصة لله تعالى، وكان هذا إيذاناً بتدمير دولة الطاغوت
стр. 136
التي تمثلها قباب الموتى وأضرحة الأولياء وما يغري به الشيطان أتباعه من الاستعانة والاستغاثة بالشجر والحجر والأصنام.
ولقد وقفت أمام هذه الدعوة كل قوى الشر مجتمعة ممثلة تارة في رجال لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، وعاشوا حياتهم سدنة للأصنام وعباداً للبهتان وأوصياء على بعض الأفراد يزينون لهم المنكر ويغرقونهم في مباءة الشرك إغراقاً.
وتارة أخرى في الاستعمار ورجاله، والطامعين وأذنابهم، والتبشير وأعوانه وقوى أخرى تكره الإسلام وأبناءه، وتعمل جاهدة في كل ميدان حتى لا يقام لأتباع هذا الدين قائمة ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ التوبة:٣٢. ولقد نجحت هذه الدعوة نجاحاً منقطع النظير.
نجحت في رد المسلمين إلى ربهم وخالقهم. ونجحت في جعل العبادة لوجه الله. ونجحت في إبطال فرية الأدعياء والمبطلين القائلين بأن الإسلام استنفد أغراضه ولم تقم له بعد قائمة.
فإذا بجيوش الدعوة السلفية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تزلزل العروش وتقوض التيجان، وتزيل الممالك - وترهب أعداء الله وأعداء دينه- وتنساح جيوشها في الجزيرة العربية كل الجزيرة العربية وتتخطى مبادؤها –التي هي مبادئ الإسلام- الحدود والسدود وتصبح كالبؤرة المشعة من قرص الشمس.
فتقام دعوة الإمام محمد السنوسي في المغرب.
ودعوة الإمام محمد عبده في مصر.
ودعوة الإمام المهدي في السودان١.
ودعوة السيد أحمد حج السيد في الهند.
ودعوة الإمام الشوكاني والصنعاني في اليمن.
فأين أتباع هذه الدعوة ليقودوا العالم مرة أخرى إلى النور والهداية إلى كلمة التوحيد، إلى الدين الخالص ... ؟
стр. 137
يقول أحد المفكرين: لقد سبق للعرب أن قادوا العالم في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم طوال ألفي سنة قبل أيام اليونان ثم في العصور الوسطى مدة أربعة قرون، وليس ثمة ما يمنع هذه الشعوب من أن تقود العالم في المستقبل القريب.
стр. 138
أحمد بن عبد العزيز المبارك .
قال١:
لما كان الدين الإسلاميّ هو دين الله هو خاتم للأديان والدين العالمي ولما كانت الأمة الإسلامية هي الأمة الأخيرة التي اختيرت لتبليغ الرسالة السماوية إلى أهل الأرض "إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم" وكتب لها الخلود والانتشار في الآفاق كان من الطبيعي أن تمر في رحلتها الطويلة الواسعة بمراحل عصيبة ومواقف دقيقة لا عهد للتاريخ بها، ولكن الله قد تكفل لهذا الدين بالبقاء إلى يوم القيامة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
فقد خصّ الله محمداً ﷺ برسالة وتعاليم كاملة للإنسان وصالحة لكل زمان ومكان، تستطيع أن تواجه ما يتجدد من الشؤون وأطوار الحياة، وتحل كل ما يعتري من المشاكل والمعضلات وأقام في كل عصرٍ رجالاً أقوياء تحملوا عبء الدعوة الإسلامية ونقلوا تعاليمها إلى الحياة وأعادوا إلى الأمة الإسلامية الشباب والنشاط ...
وفي رواية للبيهقي "يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" ففي هذا الكلام الحكيم بيان لنوعية
стр. 139
العمل الذي قام به علماء الحقّ، وصورة تامة لمسؤولياتهم ودستور كامل لحياتهم وأن تاريخ الدعوة والإصلاح تفصيل لهذا الإجمال وخطوة نحو إكمال هذه النواحي الثلاث، وهي نفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين للإسلام.
ظل هذا العمل مستمراً من بعد وفاة النبي ﷺ إلى يومنا هذا شرق العالم الإسلامي إلى غربه ومن شماله على جنوبه من حيث الزمان ومن حيث المكان، ولما غشي الظلام في القرن الثاني عشر الهجري في العالم الإسلامي وتغيرت الظروف خاصة في بعض جزيرة العرب فقد انتشرت البدع والخرافات وأن عدداً كبيراً من الناس كانوا يجهلون التعاليم الأساسية للإسلام وحقيقة التوحيد وأحاطت بهم العقائد المشتركة والأوهام والخرافات وساد فيهم قطع الطريق على غرار أيام الجاهلية الأولى، ومما لا شكّ فيه أنّ أيّ علاجٍ لا يثمر ما دامت العقيدة الأساسية مزعزعة والإيمان نفسه في خطر فكانت الحاجة ماسة إلى أن يقوم مصلح كبير وشخصية عملاقة بتغيير الأوضاع فقد هيأ الله لهذه المهمة ذات الخطر في حياة الأمة الإسلامية.
في ذلك العصر قام المصلح الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمة الله – بإصلاح العقائد وإقامة شرائع الإسلام المتروكة - وتعظيم حرماته المنتهكة وإعادة الأمور وإعادة الأمور إلى نصابها، دعا الناس جهاراً إلى مبدأ ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ....﴾ ، ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ووضح الفرق بين التوحيد الخالص والشرك، وبين البدعة والسنة، وأنار للأمة سبيلها وأرشدها إلى طريق الحق والصواب وحققت دعوته هذه لنجد آمالها وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت.. فأنشأت لها مجتمعاً إسلامياً سليماً يؤمن بالتوحيد ويعظم شأنه ويسير على هداه، ولا يدعو مع الله أحداً ولا يزال هذا حاله إلى يومنا هذا "وهي المملكة العربية السعودية" نشأت في ظل هذه الدعوة وآمنت بها فصارت الدولة الإسلامية الكبرى التي أسست على شريعة الإسلام في العصر الحديث.
стр. 140
عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
قال:١ قبل أن أبدأ الحديث عن الدعوة السلفية التي قامت في أواسط القرن الثاني عشر الهجري بقيادة الإمام المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله فإنه لا بدّ من لمحة عامة عن حال الجزيرة العربية قبل هذه الدعوة السلفية فقد شهد القرن الحادي عشر الهجري والنصف الأول من القرن الثاني عشر تحولاً في المفهوم الإسلامي لحقيقة التوحيد وحقيقة الشرك بالله ، فعبدت الأشجار والأحجار وأقيمت الطقوس الخرافية والبدع المصطنعة، وشيدت القبور وقدمت النذور لغير الله .
ولغربة الإسلام وغلبة الطغام راجت في المجتمع أشكال من البدع المحدثة التي ليست من الإسلام في شيء، حتى في منطلق الدعوة والرسالة. مكة والمدينة اللتين شرفهما الله تعالى بنزول القرآن ومبعث خاتم الرسل والأنبياء وراج في الناس الشعوذة والسحر وكان وراء ذلك كله علماء السوء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويروجون للعامة والدهماء الأحاديث الموضوعة المخالفة لصريح القرآن والثابت من سنة رسول الله ﷺ ، في هذه الأجواء وفي هذا المجتمع الحالك بظلمة الضلالة والبدعة والفساد قام شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب بدعوته فحارب الشرك بالله مستعيناً به وأعلنها في الملأ بأن دعاء غير الله من ملك أو نبي أو ولي، شرك بالله تعالى وان اتخذ بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم فإنه يكفر بإجماع المسلمين ودليله في ذلك كتاب الله وسنة
стр. 141
رسوله ﷺ وما درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان كما حارب كثيراً من المنكرات والمحرمات في الشريعة الإسلامية من تعاطي السحر والاعتقاد في الطيرة والأنواء والاعتقاد بأن من الأيام أيام نحس وشؤم وغير ذلك مما علق بأذهان الناس واعتقدوه أمراً مباحاً ولا زالت رواسبه في أذهان العوام في كثير من البلاد الإسلامية.
ومن الأمور الأساسية التي ركزت عليها تلك الدعوة السلفية إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة. يقول الشيخ رحمه الله تعالى – باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أرباباً من دون الله – والباب الآخر قوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ... الآيات ... ولنقتطف مما ذكر الشيخ آية من كل باب أو حديثاً ونوضحه.
أما الباب الأول ... فقد أورد الشيخ حديث عدي بن حاتم "أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ... فقال له إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه ... فقلت بلى.. قال: فتلك عبادتهم" رواه أحمد والترمذي وحسنة.
وشواهد الحديث من الآيات كثيرة.. فتأمل هذا الحديث العظيم. تأمل قول عدي إنا لسنا نعبدهم. ظاناً أن العبادة هي التقرب إليهم بسجود أو نذر أو ذبح وتأمل قول الرسول ﷺ "فتلك عبادتهم" ... ففي هذا صراحة ووضوح بأن العبادة هي الطاعة وهي الاتباع وهي التحكيم فمن أطاع الله ورسوله لم يرض بما يخالفه من الأحكام من أي مصدر كان واتخاذهم أرباباً يكون في هذا النوع فمن رضي حكماً غير حكم الله وحكم رسوله وهو عالم بذلك معتقداً صحة هذا لحكم المخالف نصاً وروحاً لحكم الله فهذا لا شكّ في كفره.
стр. 142
وأما الباب الثاني فإليك رأس الباب. باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ... يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. في شرحه لهذه الآية في كتاب تيسير العزيز الحميد لما كان التوحيد هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملاً على الإيمان بالرسل مستلزماً له وذلك هو الشهادتان. ولهذا جعلها النبي ﷺ ركناً واحداً نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع إذ هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله ولازمها، الذي لا بد منه لكل مؤمن.
فإن من عرف أن لا إله إلا الله فلا بدّ له من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله ﷺ . فمن شهد أن لا إله إلا الله ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول ﷺ في موارد النزاع فقد كذب في شهادته....
ونادت الدعوة السلفية بوجوب الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر. ونادت الدعوة السلفية أيضاً بتطبيق الشريعة الإسلامية في كل شؤون الحياة وأنه لا بد من أن تكون في الناس أمة تدعوا على الخير وترشد إليه وتقلع المنكر من جذوره وتحذر منه وفق ما جاء به دين الله الذي ارتضاه لعباده.
-الدعوة تنشط من عقالها-
بينما الجزيرة العربية منغمسة في تلك الأوحال المخالفة لهدى الإسلام ولصفاء نور العقيدة الخالصة من شوائب الشرك والبدع إذا بصوت الداعي المصلح ينادي بالدعوة إلى التوحيد ويندب نفسه للذود عن الدين وتخليصه من أيدي المشركين والمبتدعين.
стр. 143
وقال سماحته في آخر محاضرته القيمة: لقد ظلت دعوة الشيخ المجدد ﵀ صورة حية في حياة سكان الجزيرة العربية وغيرهم من سكان آسيا وإفريقيا كما كان كفاحه ونضاله في سبيل تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والعمل على توحيد الجزيرة العربية في كيان واحد يلم شعثها. فقد كانت الجزيرة العربية قبل دعوة هذا الإمام المصلح مجزأة في غمارات صغيرة مختلفة متناحرة يأكل قويهم ضعيفهم ويستبيح ماله وعرضه. مجتمعاً تسوده الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء فعبدت الأشجار والأحجار والفئران والأموات من دون الله، كانت المرأة في ذلك الزمن تأتي إلى فحل النخل وتحتضنه قائلة: يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل الحلول وقد ذكرت كتب التاريخ أشجاراً وأحجاراً وغيرها يرتاداها الجهلة من الناس من غير نكير. فبلغت درجة من التخلف عظيمة كانت تلك الإمارات وكانت القبائل فئات متناحرة تتصرف بعقلية متعفنة وبعادات جاهليّة، فجاهد الشيخ محمد بن سعود ومن بعده من أمراء الدولة السعودية الأولى في سبيل تصحيح العقيدة ومحاربة ما ورثه الأبناء عن الآباء من مخالفة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى عاد للجزيرة العربية وجهها المشرق وكان لها وضع مذهل وذلك بفضل قوة الإسلام وحمايته من قبل الحكم العادل..
هما السيف والقرآن قد حكما معاً ... فلم يتركا زيفاً ولم يتركا خرفاً. كان الشيخ بجانبه الإمام المسلم الذي اشرب قلبه بلبان التوحيد رائدي منهج وخطة عمل فهما أخذا على عاتقهما إصلاح المجتمع الجاهلي عقيدة وسلوكاً وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر. والله المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على الحق وأن يهدينا سواء السبيل. وأن يغرس لهذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتهاك المبطلين – وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين-.
стр. 144
صالح بن عبد الرحمن الأطرم .
قال ١: من المعلوم أن كل داعية سيدلي بأدلة إما أن تكون صحيحة، فمآلها إلى الثبوت والاستمرار، وإما أن تكون باطلة فيكون مآلها للرد. إن قبول الناس المنصفين وردهم للدعوة يرجع إلى صدق الداعية وكذبه وليس كل من يدعي وصلاً نقر له بالوصول، ولا كل من زعم أمراً ثبت له المزعوم.
وكل يدعي وصلاً بليلى ... وليلى لا تقرّ لهم بذاك
قل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الجمعة:٦.
فاليهود زعموا ولاية لله ولكن ليس لهذا الزعم ما يثبته.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ التغابن:٧.
فالكفار زعموا عدم البعث، وحيث أنهم لم يبنوا زعمهم على أساس من الحقيقة أبطله الله وأثبت ضده وما ينافيه، وبهذه المقدمة البسيطة يتضح لنا صدق القول بأن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب معتمدة على الكتاب والسنة. فليس ما قيل في ذلك مجمد زعم أو توهم، بل ما قال عن نفسه من اعتماد على الأدلة وما قاله غيره واضح جلي وثابت في مراسلاته وكتاباته ومؤلفاته المنتشرة بين العالم لا يستطيع أحد إنكارها إلا من أغمض عينيه عن الحقيقة، وتغلب عليه الهوى والتقليد الأعمى والعصبية الممقوتة.
стр. 145
وما انطلت عليه شبهة المشتبهين من الخرافيين بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يحب الأنبياء والصالحين، غرس هذه الشبهة الشيطان بأدمغة أوليائه وأغفلهم عن مراد المصلح الداعية وهو أن ينهى عن زيارة القبور البدعية، وإعطاء الأولياء الصالحين فوق حقهم، وتشريكهم حق الله، وما ثبت من زيارة القبور الشرعية فمحمد بن عبد الوهاب يأمر بها ولم ينه عنها ويعطي الأنبياء والأولياء حقهم من محبتهم التي تجعل من يحبهم يتأسى بأقوالهم وأفعالهم حتى يكون ولياً بما كانوا به أولياء وصالحاً بما كانوا به صلحاء.
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يونس:٦٣، فلم يثبت الولاية إلا للمؤمنين المتقين، ولم يقل أن الولاية لمن عظم قبور الصالحين، وتبرك بهم وجعل لهم النذور والذبائح، وهذه الحقيقة ثابتة في مؤلفات الشيخ المصلح المجدد للقرن الثاني عشر الهجري، والذي ما زال إصلاحه مستمراً وتأليفه فيه مستقراً.
فهو بين أيدينا منظوراً ومقروءاً، فنسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. فكانت عناية الشيخ بالعقيدة وتصحيحها وتعديل مفاهيم الناس، ولكنه مع ذلك لم يغفل الفروع بل أدى لها جملة من الاهتمام يتضح ذلك فيما قرره بأنه من أبعد الناس عن التعصب والتقليد، يدعوا إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يتوخى الدليل، ويرى الاقتداء بالأئمة بما لم يقم الدليل على خلاف من اجتهاداتهم.
ومؤلفاته حافلة بذلك سواء ما ألفه ابتداءً في التوحيد والفروع. أو ما اختصره من كتب الأئمة والمحققين تقريباً منه إلى الأذهان القاصرة، ونظر امن بوصل طلابه بالأئمة السابقين ونفعهم العاجل، لأنه ليس كل طالب علم يقوى على قراءة الكتب المطولة فإذا قرأ المنصف والمحب للفائدة، والراغب في الاطلاع والذب عن أئمة الدعوة ومؤلفاته التي قامت بجمعها وطبعها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تجلى للقارئ اعتماد الشيخ على الكتاب والسنة.