أحمد سعيد البغدادي
قال في كتابه "نديم الأديب":
وأما حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية المذهب١ وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه بتأمل، لأن غالب المؤرخين الشرقيين ينقلون عن كتب الإفرنجية فإن كان المؤرخ المنقول عنه صاحب دراية وصادق الرواية تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية الأصل وإن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى ومنهم من يقول أن هذه الطائفة تنهى عن وصف النبي ﵊ بأوصاف المدح والتعظيم ويقول إنها تؤمن بقدم القرآن وبهذا يظهر بداهية التناقض لأن من يؤمن بقدم القرآن يؤمن بما فيه، وفي القرآن الشريف مدح النبي ﵊ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ، وآيات غير هذه كثيرة أما ما نهى عنه محمد بن عبد الوهاب إنما هو الوصف بأوصاف الألوهية كالقدرة والإرادة وعلم الغيب كما وصف النصارى عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام فقد قال ﵊: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" ومن أراد أن يعرف جانباً من اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁ فإنه مذهبهم وأما سبب حرب صاحب مصر لهذه الطائفة فقد ذكره المؤرخ الشهير الموسيو "سيديو" الفرنساوي وكلامه هذا محذوف من ترجمة كتابه التي أمر بها علي باشا مبارك وخلاصة معناه:
стр. 37
هي أن انكلترا وفرنسا حين علمتا بقيام محمد بن عبد الوهاب وابن سعود وبانضمام جميع العرب إليهما لأن قيامهما كان لإحياء كلمة الدين، خافتا أن ينتبه المسلمون فينضمون إليها وتذهب عنهم غفلتهم ويعود الإسلام كما كان في أيام عمر ﵁ فيترتب على ذلك حروب دينية وفتوحات إسلاميّة ترجع أوربا منها في خسران عظيم فحرضتا الدولة العلية على حربهم وهي فوضت ذلك إلى محمد علي باشا وحصل ما حصل "ولكل أجل كتاب" وهذه الطائفة بريئة مما ينسب إليها الجاهلون ومن سبها يأثم والله أعلم بغيبه وأحكم.
стр. 38
الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
قال في مقدمته لكتاب "محمد بن عبد الوهاب مظلوم ومفترى عليه١":
لا يخفى أن الإمام الرباني الأواب محمد بن عبد الوهاب قام بدعوة حنيفية جددت عهد الرسول الكريم والأصحاب، وأسس دولة ذكرت الناس بدولة الخلفاء الراشدين، ولا شكّ أن معرفة أخبار هذه الدّعوة وصاحبها تهم كل طالب علم.
стр. 39
خير الدين الزركلي
قال في كتابه القيم "الاعلام" في ترجمته للشيخ: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي، زعيم النهضة الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب.
ولد ونشأ في العيينة بنجد، ورحل مرتين إلى الحجاز، ثم ذهب إلى المدينة، ورحل إلى البصرة، وعاد إلى نجد، وسكن حريملا، ثم انتقل إلى العيينة، ناهجاً
стр. 40
منهج السلف الصالح، داعياً إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع، وتحطيم ما علق بالإسلام من الأوهام.
وكانت دعوته، الشعلة الأولى لليقظة الحديثة للعالم الإسلامي كله، تأثر بها رجال الإصلاح، في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها.
فظهر الألوسي الكبير في بغداد، وجمال الدين الأفغاني بأفغانستان، ومحمد عبده بمصر، وجمال الدين القاسمي بالشام، وخير الدين التونسي بتونس، وصديق حسن خان في بهوبال وأمير علي في كلكته.
وعرف من والاه، وشد أزره في قلب الجزيرة بأهل التوحيد "إخوان من أطاع الله" وسماهم خصومهم بالوهابية.
стр. 41
محمد عبد الله ماضي
قال في كتابه "حاضر العالم الإسلامي" تحت عنوان "النهضة العربية السعودية" بعد كلام سابق. ما نصّه:
كما بعث الرسول ﷺ محمد بن عبد الله بين العرب، وهم في فوضى شاملة، وانحطاطٍ عام، وتفكك وانحلال، ليس لهم وحدة تربطهم، ولا فكرة صالحة تجمعهم، فنشر مبادئ الإسلام بينهم، وجمعهم على التوحيد، فوحد بينهم في العقيدة – فأصبحوا يدينون بمبدأ واحد، ويعبدون الله وحده، فوحد بينهم في المظهر، وجعل منهم أمة واحدة عربية مسلمة، قوية عزيزة الجانب، وأقام لهم دولة على أساس من الدين الحنيف.
فكذلك أخذ المصلح الديني، والزعيم الإسلامي محمد بن عبد الوهاب في منتصف القرن الثاني عشر الهجري، يدعو إلى تصحيح العقيدة، والرجوع إلى مبادئ الإسلام الصحيحة، واعتناقها من جديد بين النجديين.
стр. 42
وكانوا قد فسدت عقيدتهم، وضلت سيرتهم.
وأخذ الزعيم السياسي النجدي محمد بن سعود يناصر ابن عبد الوهاب في دعوته الدينية الإصلاحيّة، ويعمل على نشرها واعتناق الناس لها.
стр. 43
محمد ضياء الدين الريس
أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة فؤاد الأول
نشر في مجلة الإرشاد الكويتية التي كانت تصدر سابقاً في العدد السادس من شهر رجب سنة ١٣٧٣ هجري مقالاً بعنوان "الحركة الوهابية" قال بعد كلام:
مؤسس الدعوة هو محمد بن عبد الوهاب. ولد في بلدة العيينة بإقليم العارض بنجد عام ١٧٠٣م، فتلقى العلم في موطنه، ثم رحل في سبيل الدراسة والمعرفة إلى المدينة ومكة، والإحساء، والبصرة، وبغداد، ودمشق، وقيل فارس أيضاً.
فاكتسب من سياحته العديدة –علماً غزيراً وخبرة واسعة، ووقف على أحوال العالم الإسلامي، ثم قارن بين ما آلت إليه حاله وما كوّنه في ذهنه من أفكار عن المثل الدينية الصحيحة.
فكانت نتيجة ذلك، هذا المذهب الجديد الذي عرف به، وحمل اسمه. وكان سبباً في خلق هذه الحركة الإصلاحيّة الخطيرة.
والمذهب الوهابي، ليس مذهباً بالمعنى الصحيح، ولا هو يعدو أن يكون تفسيراً، أو وجهة نظر معيّنة، في فهم بعض نواحي الدين الإسلاميّ، ولا يخرج –في مجموعه- عن حدود المذاهب السنية المعترف بها.
والوهابيون يتبعون في فروع الأحكام من حيث الفقه، مذهب الإمام أحمد بن
стр. 44
حنبل، وفي العقائد مذهب أهل السنة، وبخاصّة –كما قرّرها وفسّرها الإمام السني العلامة ابن تيمية.
وابن تيمية هو الأستاذ المباشر لابن عبد الوهاب، وإن فصل بينهما أربعة قرون.
وقد قرأ كتبه وتأثر كل التأثر بتعاليمه.
والمبادئ الأساسية للدعوة الوهابية، هي تنقية معنى التوحيد من شوائب الشرك، ظاهرة وخفية، وإخلاص الدين لله، وعدم الالتجاء إلى غير الله، وعدم الغلو في تمجيد الرسول بما يخرجه عن حدود الطبيعة البشريّة، وتحديد معنى الرسالة التي كلف بإبلاغها.
ومصادر العقيدة، هو الرجوع إلى مذهب السلف في فهم الدين وتفسير آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ .
وتكره الوهابية التعقيدات التي أدخلها المتكلمون والفلاسفة والصوفية، ولا مانع من الاجتهاد، كما يرون ضرورة القيام بواجب الجهاد.
وهذه الحركة كانت نهضة أخلاقية شاملة، ووثبة روحيّة جريئة ودعوة إلى دين الحق والإصلاح.
فقد أيقظت العقول الراقدة، وحركت المشاعر الخامدة، ودعت إلى إعادة النظر في الدين، لتصفية العقيدة، وتطهير العقول من الخرافات والأوهام.
فقد احتوت على مبدأين، كان لهما أكبر الأثر في تطور العالم الإسلاميّ وتقدمه.
وهما الدعوة إلى الرجوع إلى مذهب السلف، مع الاعتماد على الكتاب والسنة وتقرير مبدأ الاجتهاد.
فكان هذا البندان أساساً لنهضة فكريّة روحيّة.
стр. 45
محمد خليل الهراس
قال في رسالته: الحركة الوهابية:
إن صيانة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لكتب الإمام ابن تيمية وإحياءه لهما تعد مفخرة من مفاخر هذا الشيخ ستظل تذكر له بالعرفان والتقدير، فان كتب شيخ الإسلام ورسائله كانت مطمورة تحت ركام الإهمال والنسيان، لا يسمح لها أهل البدع والإلحاد أن ترى النور، ولا أن تقوم بدورها الخطير في توجيه العالم الإسلامي نحو الطريق الصحيح.
بل كثيراً ما كانوا يحذرون من قراءتها ويقرنونها بكتب الفلاسفة في جواز الاستنجاء بها.
فلما قامت حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب المباركة أخذت تنقب عن تلك الثروة العظيمة التي خلفها شيخ الإسلام ابن تيمية تلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى وجد المسؤولون عن هذه الدعوة في إبراز هذه الكنوز بالطبع والنشر.
وكان للملك عبد العزيز – غفر الله له وأجزل مثوبته- اليد الطولى في هذا الباب، حتى أصبحت كتب الشيخين الجليلين تملأ المكتبات العامة والخاصة.
وأخذت العقيدة السلفية التي كانت قابعة في زوايا كتب الكلام حيث تذكر ولا تقدر، وتعتبر مذهباً للعوام، أخذت مركزها الصحيح في القيادة والتوجيه، بعد قراءة كتب هذين الإمامين اللذين لم يأت لهما نظير في الجمع بين المعقول والمنقول، فكتبهما الآن هي المنارة التي تضيء السبيل لكل مستقيم الفكر بريء من الهوى والتقليد، وآراؤهما أصبحت محل التقدير العظيم في جميع الأوساط والمحافل العلميّة.
стр. 46
محمد بشير السهسواني
هو مؤلف "صيانة الإنسان ١ عن وسوسة دحلان" -قال عن الشيخ محمد:
إنه من المعلوم عند كل عاقل خبر الناس، وعرف أحوالهم وسمع شيئاً من أخبارهم وتواريخهم، أن أهل نجد وغيرهم، ممن تبع دعوة الشيخ واستجاب لها من سكان الجزيرة العرب، كانوا غاية من الجهالة والضلالة والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف إلى أن قال:
فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم به بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان
стр. 47
القرى بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفّر من أنكر البعث، واستراب فيه من أهل الجهل والجفاء.
وأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وترك المنكرات والمسكرات ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين في الأصول والفروع من مسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن واستبان بدعوته منهاج الشريعة والسنن، وقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحدت الحدود الشرعية وعزرت التعازير الدينية، وانتصب علم الجهاد وقاتل لإعلاء كلمة الله أهل الشرك والفساد، حتى سارت دعوته، وثبت نصحه لله ولكتابه، ولرسوله ولعامّة المسلمين ولأئمتهم.
وجمع الله به القلوب بعد شتاتها، وتألفت بعد عداوتها، وصاروا –بنعمة الله- إخواناً.
فأعطاهم الله بذلك من النّصر والعزّ والظهور، ما لا يعرف مثله بسكان تلك الفيافي والصخور، وفتح عليهم الأحساء والقطيف، وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر، ومن اليمن إلى العراق والشام، دانت لهم عربها فأصبحت نجد تضرب إليها أكباد الإبل في طلب الدين والدنيا، وتفتخر بما نالها من العز والنصر والإقبال والسنا.
قلت في منظومتي اللآلي السنية بعد الثناء على الشيخ ابن تيمية، وعلى الشيخ ابن القيم رحمهما الله.
وعلى الشيخ الجليل المعتبر ... ذلك الحبر الإمام المرتضى
من بشرع الله كان أظهرا ... أيد الحق الذي قد غمرا
صاحب الدعوة في نجدهم ... مظهر الحق الذي قد أنكرا
عمّ ذاك الشرك كلّ نجدهم ... ضم الامصار الكبار والقرى
стр. 48
جاءهم يدعو إلى الله العلي ... اتركوا القبر وخلوا الشجرا
اعبدوا الله الذي يرزقكم ... من لهذا الخلق أيضاً قد برى
جاهد الشرك بسيف قاطع ... ولسان مظهر ما استترا
وسرت دعوته الغرا إلى ... أكثر العالم من هذا الورى
بث دين الله جهراً ما ونى ... مزّق الإلحاد فيما حررا
ولصرح السنة في نجد بنى ... وقصور الشرك فيها دمّرا
فاستنارت نجدهم وافتخرت ... حق للنجدي أن يفتخرا
стр. 49
محمد عبد الله السلمان
هو مدرس في كلية لعلوم الاجتماعية في الرياض قال ١:
يعتبر النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري "الثامن عشر الميلادي" نقطة تحول هامة في تاريخ الجزيرة العربية بخاصة، وتاريخ الأمة الإسلامية بشكل عام.
ففي تلك الفترة أشرقت من أرض نجد شمس الهداية والنور، شمس العودة إلى الإسلام في أصوله الأولى، وذلك على يد حركة إصلاحيّة كانت بحق بداية النقطة الإسلامية ضد ما أصاب المسلمين من ركود وضعف في أكثر المجالات في الحياة "الدينية والسياسية والاقتصادية".
كان مفجر هذه الحركة المباركة رجلا من نجد، وعالماً من علمائها، وعربياً أصلاً من تميم. إنه الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" "١١١٥-١٢٠٦هـ - ١٧٠٣-١٧٩٢م".
стр. 50
لقد أحس من خلال رحلاته في كثير من أجزاء العالم الإسلامي ما يسود المسلمين من انحراف عن مبادئ الدين الصحيح، وذلك بانتشار البدع والمفاسد والخرافات، إضافة إلى ما صاحب ذلك من فوضى واضطراب سياسي وتدهور في الحالة الاقتصادية فعمت المجاعات وانتشرت الأوبئة، وبخاصة داخل الجزيرة العربية.
وقد عرف الشيخ أن هذا التدهور كله عائدٌ إلى ابتعاد المسلمين عن أصول الإسلام التي كان عليها الرسول محمد " ﷺ " وأصحابه، حتى لقد انتشرت أنواع خطيرة من الشرك وتقديس الموتى والصالحين، وحتى المأفونين والمجانين، بل نزلوا إلى تقديس الأشجار والأحجار وتعظيمها.
ولم ير الشيخ بداً من أن يجهر بالحقّ، ويعلن إنكاره لهذه الأفعال، وعلى الرغم من أن هذا الجهد من الشيخ قد بدأ أثناء رحلاته العلمية. إلا أنه كان جهداً فردياً لم يؤت ثماره المطلوبة. وكثيراً ما تعرض الشيخ للاضطهاد – أثناء هذه الرحلات- والإخراج من البلد "كما حصل في البصرة وحريملاء" ورغم أن انتقاله إلى "العيينة" وترحيب أميرها "عثمان بن معمر" به أول الأمر، وتنفيذه بعض مبادئ الدعوة عملياً قد فتح باب الأمل أمام الشيخ. إلا أنه لم يلبث أن أخرجه بتهديد من حاكم الأحساء.
فانتقل الشيخ بدعوته إلى "الدرعية" عام ١١٥٧هـ "١٧٤٤م" وكان انتقاله موفقاً، فقد قبل أميرها "محمد بن سعود" الدعوة وقنع بها، ووعد الشيخ بنصرته ومساعدته لنشر دعوته بين المسلمين بكل ما أوتي من قوة. ومن هنا أخذ الجهد الجماعي للدعوة يظهر، وبدأ التطبيق العملي لمبادئ الدعوة، وتحقيق أهدافها وأملها العظام.
стр. 51
محمد جميل بيهم .
قال في كتابه "الحلقة المفقودة في تاريخ العرب" تحت عنوان "آل سعود في حكم آل عثمان":
الوهابية وإمارة السعوديين الأولى:
أصاب تركيا أواخر القرن السابع عشر في أثناء حروبها مع روسيا وفارس خذلان إثر خذلان.
فاهتزّ البعث القومي خلال حكمهم الأخير، وانفسح المجال في جملة ذلك إلى حركات كانت قومية في العاطفة ودينية في الغاية.
حدثت حركة في نجد: كادت تجمع شتات جزيرة العرب وتحررها، وتنهض بها نهضة الإسلام الأولى، وأعني بها "الوهابية".
واضع هذا المذهب١ رجل تميمي، اسمه محمد بن عبد الوهاب ﵀ طلب العلم في بغداد والبصرة.
ولما عاد إلى نجد في منتصف القرن الثامن عشر، كبر عليه أن يرى وطنه وسائر الجزيرة يهيمان في جهالة لا حد لها.
فود النهوض بها، فدعا إلى الاعتماد على القرآن، وإلى شريعة بيضاء نقية، كما تركها محمد ﷺ ، ونهى عن الغلو في تقديس الأنبياء والأولياء. وكان خلال ذلك ينكر على الترك، تحكمهم، ويؤاخذهم على الأخلاق التي تعتبر في الشرع فساداً.
стр. 52
وكانت قبائل نجد وغيرها، لا تعرف من الدين إلا أنها مسلمة، فأقبلت على دعوته، واستمسكت بالآداب التي بشّر بها.
وكان زعيم مريديه "محمد بن سعود" يجمع بين الشجاعة والحكمة فعقد له محمد بن عبد الوهاب راية القيادة واستطاع بعقله الكبير أن يؤلف بين القبائل، وأن يوجهها إلى أطراف الجزيرة لتنشر الوهابية ١، وكان الأمراء البارزون في جزيرة العرب وقتئذ هم أشراف الحجاز وبنو خالد في الأحساء وآل معمر في العيينة وآل السعدون في العراق والإمام المتوكلي في صنعاء والسادة في نجران فأعلنت نجد عليهم حروباً دامية كان هدفها الإصلاح ...
стр. 53
محمد الحفظي
هو صاحب دوجال من قرى عسير، نظم أرجوزة طويلة ذكر دعوة الشيخ وأثنى عليه ثناءً حسناً، افتتح الأرجوزة بقوله:
الحمد حقاً مستحقاً أبدا ... لله رب العالمين سرمدا
إلى أن قال:
مصلياً على الرسول الشارع ... وأهله وصحبه والتابع
في البدء والختم وأما بعد ... فهذه منظومة تعدّ
حركني لنظمها الخير الذي ... قد جاءها في آخر العصر القذي
لما دعى الداعي من المشارق ... بأمر رب العالمين الخالق
وبعث الله لنا مجددا ... من أرض نجد عالماً مجتهدا
شيخ الهدى محمد المحمدي ... الحنبلي الأثري الأحمدي
فقام والشرك الصريح قد سرى ... بين الورى وقد طغى واعتكرا
لا يعرفون الدين والتهليلا ... وطرق الإسلام والسبيلا
إلا أساميها وباقي الرسم ... والأرض لا تخلوا من أهل العلم
стр. 54
وكل حزب فلهم وليجة ... يدعونه في الضيق للتفريجة
وملة الإسلام والأحكام ... في غربة وأهلها أيتام
دعا إلى الله وبالتهليلة ... يصرخ بين أظهر القبيلة
مستضعفاً وما له من ناصر ... ولا له مساعد مؤازر
في ذلة وقله وفي يده ... مهفة تغنيه عن مهنّده
كأنها ريح الصبا في الرعب ... والحق يعلوا بجنود الرب
قد أذكرتني درّة لعمر ... وضرب موسى بالعصا للحجر
لم يزل يدعوا إلى دين النبي ... ليس إلى نفس دعا أو مذهب
يعلم الناس معاني أشهد ... أن لا إله غير فرد يعبد
محمداً نبيه وعبده ... رسوله إليكم وقصده
أن تعبدوه وحده لا تشركوا ... شيئا به والابتداع فاتركوا
من دعا دون الإله أحدا ... أشرك بالله ولو محمدا
إن قلتمو نعبدهمو للقربة ... أو للشفاعة فتلك الكذبة
وربنا يقول في كتابه ... هذا هو الشرك بلا تشابه
هذي معاني دعوة الشيخ لمن ... عاصره فاستكبروا عن السنن
فانقسم الناس فمنهم شارد ... مخاصم محارب معاند
ما بين خفاش وبين جعل ... شاهت وجوه أهل المثل
وبعدما استجيب لله فمن ... جادل في الله تردى وافتتن
ومن أجاب داعيَ الله ملك ... ومن تولى معرضاً فقد هلك
والسابقون الأولون السادة ... آل سعود الكبراء القادة
هم الغيوث والليوث والشنف ... ونصرة الإسلام والشم الأنف
فأقبلوا والناس عنه أدبروا ... وعرفوا من حقه ما أنكروا
إلى آخر ما جاء في تلك الأرجوزة الرنانة.
стр. 55
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
نشر فضيلته بحثاً قيماً في رسالة "الطالب المسلم" التي تصدر عن جامعة محمد بن سعود في الرياض نقتطف منه ما يلي:
إن وصف حركة البعث الإسلامي والعقيدة السلفية التي دعا إليها الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب –﵀ بأنها حركة إصلاحٍ وتجديد في شؤون العبادات والسلوك الأخلاقي: ما هو في الحقيقة إلا تفسير لمفهوم الدعوة بجزء من تراثها.
وإلا فهي أكثر شمولاً وأبعد عمقاً في مجال التطبيق العمليّ، وممارسة السلوك في شؤون الحياة والاجتماع، بالإضافة إلى كشف كل زيغ وانحراف لا سيما ما يختص بتوحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب.
فهي دعوة تحمل في صميم وجودها أبعاد تجربة شاملة نحو الممارسة الصحيحة لدور حضاريّ في تاريخ البشريّة، سبق أن قام به المسلمون العرب حتى أصبح جزءاً حافلاً من تاريخهم.
وإذا نظرنا بتأمّل واعٍ لدراسة تراث الدعوة في بعض آثارها من كتب ورسائل ومحاورات ومجادلات وما أحاط بتلك الآثار من ملامح تاريخية مسرودة، نجد حقائق مذهلة تنير لنا الطريق وتهدينا نحو معالمه.
فالإمام الشيخ إلى جانب شخصيته الواعية المضيئة يضم إلى الموعظة البليغة والمجادلة الحسنة.. طموحاً فكرياً وأماني متلهفة نحو التطبيق العملي من خلال إقامة دولة إسلاميّة قادرة على تحمّل مسؤوليات الوازع والرادع.. وهذا الاتجاه لا ينبغي أن يخضع لتجربة شك أو حوار.
стр. 56
ومن هنا فإن ما عاشه الإمام الداعية في مجتمعه في قلب الجزيرة العربية، وما عاشه وسمع عنه في أجزاء أخرى من الوطن الإسلاميّ من تخلّف فكريٍّ وعقيديٍّ واندثار في القيم والأخلاق والمثل، وردة مهينة إلى مفاهيم الحياة الجاهلية الأولى، وما يصحب ذلك من تمزق واضمحلال وسقوط مشين في الضلالة الوثنية، والبدع والخرافات.
وما تبع كل ذلك من تمزق في الكيان العام للبنية الاجتماعية لضبط الجماعة والإدارة والمجتمع "وهو ما يعرف بالدولة" حيث هجرت ضوابط كبح المجتمعات وألغي الحكم بالشريعة الإسلاميّة وعاد الحكم عرفيّاً يقرره وينفّذه رجل القبيلة دونما اعتراض أو احتجاج، وأصبحت الأحكام الشرعيّة وقافً على شؤون الإفتاء في العبادات، وكثيراً ما تجانب الصواب.
وأصبح المنتسبون للعلم والفتوى –إلا قليلاً منهم- يقضون جلّ أعمارهم في الانشغال بالتعليقات والحواشي، واستنباط الأسئلة الافتراضية البعيدة الوقوع والاحتمال، وأحياناً يأخذون الرشوة ويجمعون رزقهم من كتابة الحجب وبيع الأفكار المبتدعة، والترنم بقصائد المديح في الموالد والمواسم والمناسبات المفتعلة.
وافتقدت النفوس كل سمو في المعاني وشموخ في الأفعال، وعادت إلى التواضع في الأقوال، وممارسة المهانات، حتى لكأن الإسلام العظيم لم يترك أي أثر حضاريّ في تلك النفوس.
كل تلك الصور الحزينة لم تكن هي صورة للوضع في الجزيرة العربية فقط، وإنما كانت صورة متناسخة لمعظم البلاد الإسلامية، فذلك السقوط الخطير في أوحال الجاهلية، وذلك التفكك الاجتماعي، كان قدراً مشتركاً بين أبناء البلاد الإسلامية، فلم تكن العراق أو الشام أو تركيا أو المغرب مثلاً أحسن حالاً من سكان أبناء الجزيرة في المستوى الديني والاحتكام إلى الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 57
وعندما وضحت الرؤية، وتحددت أبعاد الصورة أمام ذهنيّة الداعية فكّر في طريقة مثلى، ووسيلة مجدية، لانتشال أبناء ملته ودينه من تلك الورطة الرهيبة، فلم ير وسيلة أقرب ولا أجدى من محاولة العودة بهم إلى صفاء العقيدة في ظل حياة تستوعب حكماً عادلاً قادراً على تنفيذ خطّة إصلاح تتناول المبدأ والعقيدة والمجتمع والحياة.
ولكن كيف السبيل؟ هل يكون ذلك بمجرد الوعظ وحشد الخطب الرادعة الزاجرة أم أن ذلك يتطلب منطقاً سليماً وإرادةً واعيةً وإصراراً على فتح الحوار للتعامل في جوٍّ يتيح فرصة إيجاد التطبيق العمل؟.. وبعد أن تجمع لدى الداعية من شواهد التاريخ الماضي والحاضر أن تجربة نشر الحقيقة دون حسام أو سلطان لن يكون كافياً لمنح منطق مقبول، إن لم تتعرض الحقيقة نفسها للسلب أو التشويه أو الرفض.
فرأى أن الحكمة وحسن الدعوة أن يعتمد في دعوته على أمرين هامين:
الأمر الأول:
الأصالة والوضوح فيما يدعو إليه.. فيلتمس دعوته من النبع الصافي: كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵇، دون أخذ بآراء الرجال وخرصها.. وأن يفتح باب الاجتهاد الذي أغلقه الجهلة الأغبياء، والمتعصبون لمذاهبهم.
الأمر الثاني:
أن يستعين بالقدرة السلطانية على تنفيذ وحماية منطق الدعوة ومبادئها.
стр. 58
أحمد حسين
قال في كتابه"مشاهداتي في جزيرة العرب" بعد أن وصف ما كان في جزيرة العرب من جهالة قبل ظهور الدعوة ما يلي " في وسط هذا الجو ولد محمد بن عبد الوهاب. وكان أبوه الشيخ عبد الوهاب قاضي بلدة العيينة، وكان شيخاً عالماً جليلاً. فقرأ على أبيه الفقه. وسرعان ما ظهرت عليه علائم النجابة. وبدأ يدرك على الفور ما تردت به البادية من همجية وردة عن دين الإسلام وبدأت تجيش نفسه بما تجيش به نفس كل مصلح من عزم على تغيير هذه الحال. فلما بلغ من العمر عشرين ربيعاً. بدأ يستخدم فصاحته وعلمه في مناقشة أنداده وأضرابه. بل ومن هم أكبر منه سنة في فساد الحال فلم يجد منهم أذناً صاغية وبعد أن ذكر سفر الشيخ إلى الحجاز والبصرة ورجوعه ثانية إلى نجد. واستقراره في الدرعية واتفاقه مع محمد بن سعود ختم هذا البحث بقوله: تلك هي قصة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما بدأت والتي لم تكتمل حتى الآن. فلا يزال أحفاد محمد بن سعود. وأحفاد الشيخ محمد. يحملون لواء التوحيد. وينافحون عنه. وإذا كان العالم الإسلامي كله اليوم تحت تأثير النور والعرفان. قد بدأ يدرك بفطرته هذا الذي دعا إليه محمد بن عبد الوهاب ويتعشقه فسيظلّ التاريخ يسجل لآل سعود الذين كانوا أول من نصره واستجاب له.
стр. 59
محمد عبده
قال الشيخ حافظ وهبه في كتابه "٢٠ عاماً في جزيرة العرب" وهو يتحدث عن طلبة العلم في الأزهر أنه سمع الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي مصر يثني في
стр. 60
دروسه بالأزهر على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويلقبه بالمصلح العظيم، ويلقي تبعة وقف دعوته على الأتراك وعلى محمد علي الألباني لجهلهم ومسايرتهم لعلماء عصرهم ممن ساروا على سنة من سبقهم من مؤيدي البدعة والخرافات ومجافاة حقائق الإسلام.
стр. 61
أحمد أمين
قال في كتابه "زعماء الإصلاح الإسلامي"١: رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء إقامته في الحجاز ورحلاته إلى كثير من بلاد العالم الإسلاميّ أن هذا التوحيد الذي هو مزيّة الإسلام الكبرى قد ضاع ودخله الكثير من الفساد، فالتوحيد أساسه الاعتقاد بأنّ الله وحده، هو خالق هذا العالم وهو المسيطر عليه.. وواضع قوانينه التي يسير عليا. والمشرّع له، وليس في الخلق من يشاركه في خلقه ولا في حكمه ولا من يعينه على تصريف أموره، لأنه تعالى ليس في حاجة إلى عون أحد مهما كان من المقربين إليه. هذا الذي بيده الحكم وحده وهو الذي بيده النفع والضر وحده لا شريك له فمعنى لا إله إلا الله، ليس في الوجود ذو سلطة حقيقية تسير العالم وفقاً لما وضع من القوانين إلا هو، وليس في الوجود من يستحق العبادة والتعظيم إلا هو وهذا هو محور القرآن ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إذن فما بال العالم الإسلامي اليوم يعدل عن هذا التوحيد المطلق الخالص من كل شائبة إلى أن يشرك مع الله كثيراً من خلقه. فهذه الأولياء يحج إليها وتقدم لها النذور ويعتقد أنها قادرة على النفع والضرّ، وهذه
стр. 62
الأضرحة التي لا عداد لها تقام في جميع أقطاره يشد الناس إليها رحالهم ويتمسحون بها ويتذللون لها ويطلبون جلب الخير لهم ودفع الشرّ عنهم. ففي كلّ بلدة ولي أو أولياء. وفي كل بلدة ضريح أو أضرحة تشترك مع الله تعالى في تصريف الأمور، ودفع الأذى وجلب الخير وكأن الله سلطان من سلاطين الدنيا يتقرب إليه بذوي الجاه وأهل الزلفى لديه. ويرجون في تغيير القوانين وقضاء الحاجات. أليس هذا كما كان يقول مشركو العرب ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقولهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ؟ بل واأسفاه لم يكتف المسلمون بذلك. بل أشركوا مع الله حتى النبات والجماد فهؤلاء أهل بلدة منفوحة باليمامة يعتقدون في نخلة هناك، أن لها قدرة عجيبة من قصدها من العرائس تزوجت لعامها. وهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك وفي كلّ بلدةٍ من البلاد الإسلاميّة مثل هذا، ففي مصر شجرة الحنفي. ونعل الكلشني. وبوابه المتولي١.
وفي كل قطر حجر وشجر فكيف يخلص التوحيد من هذه العقائد؟ إنها تصد الناس عن الله الواحد وتشرك معه غيره وتسيء إلى النفوس وتجعلها ذليلة وضيعة مخرفة وتجردها من فكرة التوحيد وتفقدها التسامي.
هكذا شغلت ذهنه فكرة التوحيد في العقيدة مجردة من كل شريك وفكرة التوحيد في التشريع الإسلامي فلا مصدر له إلا الكتاب والسنة.
стр. 63
أمين سعيد
قال في كتابه "سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب" هي من أحفل السير بالعظات وأغناها بالفضائل وأحقها بالبحث والفصل، والتفسير والتعليل وهي سيرة مصلح من أكرم المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين وعالم من خيرة العلماء أنار
стр. 64
الله بصيرته وهداه سبله وألهمه التقوى فدعا أمته للرجوع إلى الله والعمل بكتابه وسنة رسوله ونبذ الشرك وعبادة القبور. انقادت إليه واقتدت به واستجابت له فأخرجها الله من الظلمات إلى النور فنجت وفازت وجنت أطيب الثمار وسمت إلى مرتبة الاختيار. ثم ذكر ولادة الشيخ وما كانت حالة الضعف والانحطاط التي سرت في جسم الدولة العثمانية وذكر أحوال الجزيرة العربية وما فيها من ظلمات الجهل ومزيد الفقر وتفشي الفوضى وفي وسط ذلك الجو القائم المربد، جو الجهل والجمود، جو ضعف الوازع الديني وتسلط الحكام واستبداد الطغاة. أشرقت من جانب نجد أنوار الدعوة الوهابية التي حمل مشعلها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأنارت للأمة السبيل وألهمتها رشدها فشقت طريقها واهتدت بهديها وحققت الدعوة لنجد آمالها وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت فأنشأت لها مجتمعاً إسلامياً سليماً يؤمن بالتوحيد ويعظم شأنه ويسير على هداه ولا يدعوا مع الله أحداً، ولا يزال هذا حاله لم تتبدل ولم تتغير منذ عهد الشيخ وحتى يومنا هذا فهو يصدع بالحق ويؤمن به. وانبثقت عن هذا المجتمع دولة عربية كريمة نشأت في ظل الدعوة وآمنت بها فكانت أول دولة عربية كبرى يؤسسها العرب داخل جزيرتهم بعد دولة الخلفاء الراشدين فاتبعت طريقهم وترسمت خطاهم فسادت وشادت ووسعت حدودها وانتشرت الدعوة في بلاد العرب وبلاد الإسلام وسرى نورها في أرجائها وأقبل عليها الكثيرون وأخذوا بها وتفاعلوا معها واستجابوا لها فكانت الأمنية الكبرى لهذه النهضات التي تعم بلاد العرب وبلاد المسلمين فأحيت ميت الهمم وأيقظت خامد النفوس. وضرب الشيخ الأمثال على تجرده ونزاهته وعلى أنه لم يرد من دعوته سوى وجه الله وحده وإصلاح حال أمته وإنقاذها من ظلمات الجهالة التي كانت تغمرها. ولقي في بدء الدعوة من الأذى والعدوان والمقاومة ما يلقاه الدعاة المصلحون من قومهم فما تردد وما توقف بل صابر وثابر لم يخفه تهديد وما ثناه وعيد ولا أثرت في نفسه المغريات، فشرقت الدعوة وغربت وكثر عدد وعدد المؤمنين بها وازداد أنصارها واستقام أمرها فأزعج ذلك خصومها وأقلق أعداءها
стр. 65
فتألبوا عليها وجاءوا صفوفاً لقتالها وإطفاء أنوارها فحملت السيف للدفاع عن نفسها وحماية كيانها والدفاع عن النفس حق مشروع أقرته جميع الأديان وجاءت به جميع الشرائع، وهذه الحقيقة تنقض قول خصومها وتلقف ما افتروا وما زيفوا فالدعوة لم تعتمد على السيف ولم تشهره في وجه الذين لم يدخلوا فيها بل اعتمدت عليه للدفاع عن نفسها ومقاومة أعدائها الذين تجمعوا لقتالها وتنادوا لمقاومتها والإجهاز عليها، فما أغنت عنهم جهودهم فارتدوا منهزمين وتواروا خاسرين وانتصرت وتغلبت لأنها نور وحق وطبيعة النور أن يسري ويعم وينتشر مهما حاولوا ستره وإخفاءه ومهما أقاموا من الحواجز في طريقه ومن شأن الحق أن يعلوا ولا يعلى عليه.
стр. 66
محمد أبو زهرة
قال في كتابه "المذاهب الإسلامية": ظهرت الوهابية في الصحراء العربية نتيجة للإفراط في تقديس الأشخاص والتبرك بهم وطلب القربى من الله بزيارتهم ونتيجة لكثرة البدع التي ليست من الدين وقد سادت هذه البدع في المواسم الدينية والأعمال الدنيوية. فجاءت الوهابية لمقاومة كل هذا وأحيت مذهب ابن تيمية. ومُنشئ الوهابية درس مؤلفات ابن تيمية فراقت في نظره وتعمق فيها وأخرجها من حيز النظر إلى حيز العمل، وإنهم في الحقيقة لم يزيدوا بالنسبة للعقائد شيئاً عما جاء به ابن تيمية، لأنها لم تشتهر في عهده، ويتلخص ذلك فيما يأتي: أن الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجردة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم باعتبار أنهم يحاربون البدع وهي منكر تجب محاربته، إنها كانت كلما مكن لها من قرية أو مدينة أتت على الأضرحة هدماً وتخريباً حتى لقد أطلق بعض الكتاب الأوربيين على الوهابيين وصف: "هدامي المعابد" ولعل ذلك الوصف فيه بعض المبالغة. لأن الأضرحة ليست معابد، ولكن يظهر أنهم كانوا يهدمون المسجد ١ مع الضريح أخذاً من الخبر الذي استنكر فيه النبي ﷺ عمل بني إسرائيل إذ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
стр. 67
عبد الكريم الخطيب
قال في كتابه: "محمد بن عبد الوهاب. العقل الحرّ والقلب السليم": أن الدم الذي أريق في سبيل الدعوة الوهابية دم عزيز على الإسلام والمسلمين، غير أن الحروب الوهابية قد كان جانب الربح فيها أكثر من الخسارة، فيما عاد على الإسلام والمسلمين بسببها من خير كثير لقد أيقظت هذه الحروب مشاعر الأمة الإسلامية التي كانت قد خمدت، وفتحت منها العيون التي عاشت زمناً طويلاً في وطأة نوم ثقيل كانت الحروب كانت الخروب الوهابية معركة رأي فما قاتل أصحابها وما قتلوا إلا دفاعاً عن رأيهم الذي لم يحتمله العالم الإسلاميّ يومئذ فرماهم بالكفر والمروق من الدين ولقد برئت الدعوة الوهابية من أن يختلط بها هوىً أو يطيف بها زيفٌ أو نحوه. إنها دعوة باسم الدين وللدين، وما كان صاحبها ولا كان مناصروه يطمعون في شيء أكثر من تحرير العقل الإسلاميّ، وتنقية العقيدة الإسلامية من شوائب الشرك والضلال، الكلمة الطيبة كلمة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لأنها كلمة الحقّ، والحق في ظل الله يباركه وينصره، ودعوة محمد بن عبد الوهاب من الكلم الطيب لأنها تستند إلى الحق وتدعوا له وتعمل في سبيله لهذا كانت دعوةً مباركةً وفيرة الثمر كثيرة الخير لقد قام صاحبها يدعوا إلى الله، لا يبغي بهذا جاهاً، ولا يطلب سلطاناً. وإنما يضيء للناس معالم الطريق، ويكشف لهم المعاثر والمزالق التي أقامها الشيطان وأعوان الشيطان، إلى أن قال: والذي لا شكّ فيه أن الدعوة الوهابية كانت أشبه بالقذيفة الصارخة تنفجر في جوف الليل والناس نيام، وكانت صوتاً راعداً أيقظ المجتمع الإسلامي كله، وأزعج طائر النوم المحموم على أوطانهم منذ أمد بعيد.
стр. 68
ويقول في أواخر كتابه: دعوة محمد بن عبد الوهاب من الدعوات الناجحة بغير شكّ، إذا كان مقياس النجاح مقدراً بالنتائج التي تجنى، والثمرات التي تقطف، دون النظر إلى الأخطاء التي وقعت عبر الطريق إلى الغاية ... إذا خلقت في المجتمع الإسلامي وعياً كان ضائعاً ونبهت إحساساً خامداً. وفتحت بصائر كانت مغلقة. ثم إن الدعوة الوهابية من جهة أخرى حملت الناس على أن يقلبوا وجوه الرأي وأن يرجعوا إلى ما خلف السلف من آراء وسنن فكان أن انتهوا آخر الأمر إلى الينابيع الصحيحة للإسلام يصدرون عنها جميعاً، فبدأت وجهات النظر تتلاقى على حين أخذت شقة الخلاف تضيق، حتى صار الأمر إلى ما نراه اليوم من وحدة تتلاقى عندها جميع الأنظار.
стр. 69
عبد العزيز بن عبد الله بن باز .
قال هذا الشيخ الجليل في كتاب: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب١":
الحمد لله الذي من على عباده في كل زمان فترة بإيجاد أئمة هدى يدعون الناس إلى الصراط المستقيم، ويرشدونهم إلى الطريق القويم ويبصرون بكتاب الله أهل العمى، ويبصرون منهم على الأذى ينفون عن كتاب الله وسنة رسوله ﵊ انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين، ويشرحون لهم حقيقة الدين، ويكشفون لهم الشبه بواضح البراهين، وكان من جملة هؤلاء الأئمة المهتدين والدعاة المصلحين الإمام العلامة، والحبر الفهامة. مجدد ما اندرس من معالم الإسلام في القرن الثاني عشر والداعي إلى سنة خير البشر الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي طيب الله ثراه وأكرم في الجنة مثواه. فلقد شرح الله صدره لمعرفة حقيقة الإسلام وما دعا
стр. 70
إليه سيد ولد عدنان عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، من الهدى ودين الحق في عصر استحكمت فيه غربة الإسلام، وغلب على أهله الجهل والبدع والخرافات وعبادة الأنبياء والصالحين والأشجار والأحجار، وقل فيه من يصدع بالحق ويشرح للناس حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب ويحذرهم من أنواع الشرك المنافية لدين الإسلام فقام هذا الإمام في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري بالدعوة إلى الله سبحانه بقلمه ولسانه وأوضح للناس حقيقة ما بعث الله به نبيّه ﵊ وما ألصقه به الجهال والضلال وهو بريء منه من الشرك والبدع والخرافات، وأوذي في ذلك أذى كثيراً من الجهال وأدعياء العلم ومن علماء السوء الذين آثروا الحظّ الأندى على الحظ الأعلى، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ومن الأمراء الجهال الذين لا يهمهم إلا تثبيت مناصبهم وتحصيل أغراضهم العاجلة فصبر ﵀ على ذلك واستمر في الدعوة والبيان وإيضاح الحق بأنواع الأدلة من الكتاب والسنة وشرح حال الأمة حتى قبل الدعوة من سبقت له السعادة وساهم في نصرها ونشرها بكل ما يستطيع من قوة، وكان على رأس من نصر الدعوة وأيدها بقلمه ولسانه وسيفه ولسانه وأولاده وعشيرته وكل من دخل في طاعته الإمام الهمام محمد بن سعود جد الأسرة السعودية الحاكمة تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنانه وسائر من ساهم في نصرها الدعوة وتأييدها والاستقامة عليها.
فقام في ذلك هذا الإمام أكمل قيام وأعلن الجهاد على من وقف في طريق الدعوة ولم ينشرح لها صدره فلم يتقبلها بل حاربها وصدّ عنها حتّى أيّده الله ونصر أتباعه وأظهر على يديه الدّعوة الإسلامية نقيّة من شبهات المخرفين وبدع المضلين، واستمر الشيخ في الدعوة إلى الله وتدريس العلوم الشرعية للطالبين، وكشف الشبهات التي يروجها الكفار والملحدون من عباد القبور وغيرهم ويشجع على الجهاد بأنواعه ويشارك فيه بنفسه وأولاده ويؤلف المؤلفات النافعة والرسائل المفيدة في بيان العقيدة الصحيحة ورد ما يخالفها بأنواع الأدلة
стр. 71
والبراهين حتى ظهر دين الله وانتصر حزب الرحمن وذل حزب الشيطان، وانتصرت العقيدة السلفية في الجزيرة العربية وما حولها وكثر الدعاة إلى الحقّ. ونكست أعلام البدع والشرك والخرافات وقام سوق الجهاد وعمرت المساجد بالصلوات والدروس الإسلامية النقية فلله الحمد على هذه النعمة العظيمة والمنحة الجسيمة التي تفضل الله بها سبحانه على عباده عند ظهور البدع وغلبة الجهل واندراس معالم الإسلام وظهور الشرك في غالب المعمورة، فجزى الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود وأتباعهما أفضل الجزاء وأعظم المثوبة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 72
منير العجلاني
أورد هذا الدكتور في كتابه "تاريخ البلاد السعودية١" مجموعة من البدع التي كانت منتشرة في زمن الإمام محمد بن عبد الوهاب منها وضع الخيط حول الرسغ، والحلقة، والاستغاثة بغير الله تعالى، ودعوة غير الله، والغلو في الصالحين وفي القبور، والعبادة عندها، والسحر والكهانة والتنجيم، والحلف بغير الله كل ذلك إلى جانب شطحات٢ الصوفية بما داخلها من مؤثرات غير إسلامية والانصراف عن العمل بالكتاب والسنة الذين هما المصدران الوحيدان للتشريع٣.
стр. 73
أبو السمع عبد الظاهر المصري
كان إماماً بالمسجد الحرام قال في نونيته التي تأسف فيها على المسلمين مما عراهم: ابتدأها ﵀ – بقوله:
أسفي على الإسلام والإيمان ... أسفي على نور الهدى القرآن
أسفي على الدين القويم وأهله ... أسفاً يذيب القلب بالأحزان
ومضى حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائلاً:
أسفي على الشيخ الإمام محمد ... حبر الأنام العالم الرباني
علم الهدى بحر الندى مفني العدا ... من شنّ غارته على الأوثان
من قام في نجد مقام نبوة ... يدعوا إلى الإسلام والإيمان
حتى غدت نجد كروض مزهر ... يختال في ظل من العرفان
أحيا لنا الدين الحنيف كما أتى ... وأقامه بالسيف والبرهان
برهانه القرآن والسنن التي ... تروي لنا عن سيد الأكوان
كم حارب الشرك الخبيث وأهله ... وأذاقهم في الحرب كل هوان
وأبان توحيد العبادة بعدما ... درست معالمه من الأذهان
كم أبطل البدع التي قد عكرت ... صفو الشريعة مورد الظمآن
وأضاء نوراً لم يزل متألقاً ... يهدي به الرحمن كل أوان
يارب دعوة مؤمن متضرع ... أغدق عليه سحائب الرضوان
стр. 74
عباس محمود العقاد
قال في كتابه: "الإسلام في القرن العشرين": وظاهرة من سيرة محمد بن عبد الوهاب١ أنه لقي في رسالته عنتاً، فاشتد كما يشتدّ من يدعو غير سميع ومن
стр. 75
العنت إطباق الناس على الجهل والتوسل بما لا يضرّ ولا ينفع والتماس المصالح بغير أسبابها، وإتيان المسالك من غير أبوابها، وقد عبّر على البادية زمان يتكلمون فيه على التعاويذ والتمائم وأضاليل المشعوذين والمنجمين، ويدعون السعي من وجوهه توسلاً بأباطيل السحرة والدجالين حتى في الاستسقاء ودفع الوباء، فكان حقاً على الدعاة أن يصرفوهم عن هذه الجهالة، وكان من أثر الدعوة الوهابيّة أنها صرفتهم عن ألوان البدع والخرافات.