← Тараджим

Тараджим · id 7669

شجرة النور الزكية في طبقات المالكية

مخلوف، محمد بن محمد

Полный текст (970 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شجرة النور الزكية في طبقات المالكية تأليف العلاّمة الجليل الأستاذ الشيخ محمد بن محمد بن عمر بن قاسم مخلوف المتوفى سنة ١٣٦٠هـ خرّج حواشيه وعلق عليه عبد المجيد خيالي الجزء الأول منشورات محمد علي بيضون لنشر كتب السنة والجماعة دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

стр. 2

منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية جميع الحقوق محفوظة ــ جميع حقوق الملكية الأدبية والفنيه محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت- لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقه الناشر خطياً. ــ الطَبعَة الأوْلى ٢٠٠٣م - ١٤٢٤هـ ــ دار الكتب العلمية بيروت- لبنان رمل الظريف. شارع البحتري، بناية ملكارت الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية هاتف وفاكس: ١٣/ ١٢/ ١١/ ٨٠٤٨١٠ (٩٦١٥+) صندوق بريد ٩٤٢٤ - ١١ بيروت. لبنان

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: أخي القارئ والباحث، وكل مَن له هَمَّ الاطلاع، كما تعلم أن الإنسان ينقضي بانقضاء أجله يموت ويُنسى ولا يُذكر إلا بما خلَّفه من خير أو شر، وخير ما يُذكر به: النفع العام. كما جاء في رواية الحديث: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ولا شك أن هذا المصنَّف ما أراد به صاحبه إلا النفع العام، ليكسب به أجر الصدقة الجارية، والعلم المنتفع به. وكتابه هذا الذي نضعه بين أيدي القراء والباحثين، هو كتاب نفيس في إيراد تراجم طبقات الأعلام المالكية من القرن الثالث الهجري إلى القرن الرابع الهجري، فقد حوى عدداً كبيراً من التراجم التي استنبطها من كتب أعلام سابقيه والتي حصرها في طبقات تندرج تحتها: فروع باسم بلدان الأعلام المترجم لهم حسب وفياتهم والتي تأخذ الشكل التالي مثلاً: الطبقة الخامسة: من أهل الحجاز، تبتدىء بالقرن الثاني الهجري وذلك حسب وفاة المترجم له. فرع العراق، فرع مصر، فرع إفريقية، فرع الأندلس. كذا بالنسبة للطبقات الأخرى إلى أن بعد الفروع فإنه لا يتم ترجمة أعلامها إلى آخر الكتاب وذلك نتيجة ضعف المتشبثين بالمذهب المالكي.

стр. 4

فمثلاً فرع العراق ينتهي عند القرن الخامس الهجري وذلك لضعف مذهب مالك بالعراق وقلّ طالبه في هذا العصر لاتباع الناس أهل السياسة والظهور. كذا بالنسبة لفرع الأندلس فإن المذهب المالكي انقطع أواخر القرن التاسع واندثر بتاتاً. بينما استمر في باقي الفروع كفرع الحجاز ومصر وإفريقية أي تونس والمغربين الأقصى والأوسط الذين انتشر فيهم المذهب المالكي واشتد ساعده واستمر انتشاره الباهر إلى يومنا الحاضر. كتبه: عبد المجيد خيالي ١ - ٨ - ٢٠٠٢

стр. 5

ترجمة المؤلف هو: محمَّد بن محمَّد بن عمر بن قاسم مخلوف ولد في مدينة المنستير (بتونس) وذلك سنة: ١٢٨٠ هـ / ١٨٦٣ م. دخل إلى جامعة الزيتونة ليقتطف من أزاهر العلم وأصوله وفنونه وذلك سنة ١٣٠٧ هـ فقرأ بالجامع المذكور: المرشد المعين لعبد الواحد بن عاشر والرسالة، والأجرومية، والماكودي على الخلاصة من أوله إلى العطف. وفي سنة ١٣١٣ هـ / ١٨٩٥ م أسند إلى التدريس بالمنستير، وفيها أسندت إليه خطة الفتوى بقابس، ثم القضاء بها. وفي سنة ١٣١٩ هـ / ١٩٠١ م أسندت إليه خطة القضاء بالمنستير، وخطة الإمامة والخطابة بجامعها الكبير، وفي سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٦ م أصبح المفتي الأكبر إلى أن توفي سنة ١٣٦٠ هـ / ١٩٤١ م. شيوخه: لقد أخذ ﵀ عن شيوخ من العلماء في بلاده منهم: ١ - الشيخ أبو العباس أحمد بن الأكتب محمود بو خريص التونسي، قرأ عليه نحو النصف من شرح الشيخ التاودي على التحفة، توفي سنة ١٣١٦ هـ / ١٨٩٨ م. ٢ - الشيخ محمَّد الصادق بن حمدة، قرأ عليه نحو النصف من شرح الشيخ التاودي على التحفة، والخطاب على الورقات وأوائل جمع الجوامع، توفي سنة ١٣٢٠هـ /١٩٠٢م. ٣ - أبو محمَّد حسين بن أحمد بن حسين التونسي، قرأ عليه قراءة تحقيق، الرسالة بشرح أبي الحسن، وقرأ عليه المختصر مرتين بشرح الدردير، وشرح التاودي على التحفة، والقطر بشرح مؤلفه، والماكودي، والأشموني على الخلاصة. توفي سنة ١٣٨٣ هـ / ١٩٠٥ م. ٤ - أبو الحسن علي التنوخي بحر المعارف، وبحر اللطائف، توفي سنة ١٣٢٦هـ/ ١٩٠٨م. ٥ - أبو حفص عمر ابن الشيخ أحمد. توفي سنة ١٣٢٩ هـ/ ١٩١٠ م.

стр. 6

٦ - أبو الحسن علي، عرف ابن الحاج، قرأ عليه شرح التاودي على التحفة، وشرح ميارة على الزقاقية من أوله إلى منتصفه. توفي سنة ١٣٣٠هـ / ١٩١١ م. ٧ - أبو عبد الله محمَّد بن عثمان النجار الكريم. توفي سنة ١٣٣١ هـ/ ١٩١٢م. ٨ - أبو محمَّد حمودة بن محمَّد تاج الأذكياء والبلغاء. توفي سنة ١٣٣٨ هـ/١٩١٩م. ٩ - سالم بن عمر أبو النجاة التنْبَلِي نسبة لقرية قرب المنستير. توفي سنة ١٣٣٧هـ/ ١٩١٨م. ١٠ - أبو عبد الله محمَّد الطيب بن محمَّد النيفر. توفي سنة ١٣٤٥ هـ/ ١٩٢٦م. ١١ - محمَّد بلحسن بن محمَّد النجار، أجازه بما حوته فهرسته. أما أخذه عن شيوخ غير بلده فلنقتصر على ثلاثة شيوخ من المغاربة وهم كالتالي. ١٢ - محمَّد المهدي بن محمَّد بن خضر الحسني الوزاني الفاسي. توفي سنة ١٣٤٢هـ/ ١٩٢٣م. ١٣ - جارم الله أبو عبد الله محمَّد ابن الشيخ جعفر الكتاني صاحب سلوة الأنفاس. توفي سنة ١٣٤٥ هـ / ١٩٢٦ م. ١٤ - محمَّد عبد الحسين بن عبد الكبير الكتاني صاحب كتاب فهرس الفهارس. فهؤلاء كلهم من الطبقة المالكية. أما أخذه عن شيوخ مذاهب أخرى فلقد أخذ عن بعض طبقات الحنفية منهم. ١٥ - محمود بن مصطفى المتوفى سنة ١٣١٦ هـ / ١٨٩٨ م. ١٦ - محمود بن محمَّد بن أحمد الخوجة. توفي سنة ١٣٢٩ هـ / ١٩١١ م. ١٧ - أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن الخوجة. توفي سنة ١٣٢٥ هـ / ١٩٠٧ م. ١٨ - محمود بن محمود قرأ عليه مختصر السعد من أوله إلى منتصفه وأجازه. تولى التدريس. توفي سنة ١٣٤٤ هـ / ١٩٢٥ م. ١٩ - أبو العباس أحمد بن مراد. مؤلفاته: ١ - مواهب الرحيم في مناقب الشيخ عبد السلام بن سليم المتوفى سنة ١٨٩ هـ طبع ونشر.

стр. 7

٢ - رسالة في الطب والمستشفيات. ٣ - وتقريرات على الأربعين الثنائيات في طبقة التابعين غير أنها محتاجة إلى التهذيب. ٤ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية وبها اشتهر. عملي في الكتاب: أقول: كل مَن فتح كتاب شجرة النور الزكية إلا ويشهد لِمُصَنِّفه بجهد البحث والاطلاع الواسع، للتنقيب عن أعلام يمكن أن نحسب بعضهم في الغابرين، وبعضهم لا أثر له في الحقل العلمي والمعرفي، ولهذا يمكن أن نضع هذا العمل في خانة البحث العلمي المتميز الذي برز فيه من سبق المؤلف في هذا الميدان كمن صنف في طبقات الشافعية، وطبقات الحنفية من المتقدمين. وأي عمل لا يخل من قصور أي يحتاج إلى مراجعة وإصلاح. ولهذا بعد مراجعة هذا الكتاب فتحت للأستاذ محمَّد علي بيضون صاحب دار الكتب العلمية بإعادة الكتاب وطبعه، فقبل هذا العمل بصدر رحب فشجعني على دراسته وإعادته في حلة أخرى ليسهل على الباحث استخراج العلم بسهولة ويسر. فكانت الخطوات على الشكل التالي: ١ - توثيق اسم العلم المترجم وتصحيحه في الهامش. ٢ - ضبط سنة الوفيات وتصحيحها في الهامش مع ذكر اختلاف المترجمين في ذلك. ٣ - إبراز الكتب التي ترجمت للعلم حسب جهدنا المستطاع مع عدم ترتيبها. ٤ - تخريج جل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ٥ - تغيير ترتيب أرقام ترجمة الأعلام واستبدالها. ٦ - زيادة التاريخ الميلادي ووضعه بين معقوفتين بجانب التاريخ الهجري خاصة في ذكر تاريخ الوفيات. ٧ - وضع فهرسة للأعلام مرتبة ترتيب الحروف الهجائية مبتدأ: بابن، وأبو، ثم: أ، ب ... الخ. ٨ - وضع قائمة للمصادر والمراجع. مع ذكر محتويات الكتاب. وأخيراً لا أقول أنني استوفيت الأمر حقه، وما توفيقي إلا بالله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.

стр. 8

خطبة الكتاب وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمَّد وسلم الحمد لله الذي أنزل القرآن وهدى مَن أحب لاجتناء أزهاره، واقتباس أنواره، والأخذ بأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وأخباره، واختار منهم خزنة لأسراره. وأرشدهم لإبراز رموزه، واستنباط كنوزه. ورفع مقام العلم وأهله، ووصل بسببه انقطاعهم بحبله، وأنعم عليهم سوابغ نعمه بفضله، وأكمل دينه وجمع مفترق شمله. وجعل الإسناد من الدين، وأبقاه متصلاً بينهم أبد الآبدين. حفظاً للدين من الشك والوهم، وصوناً له من التبديل والتغيير ومحو الرسم. والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد صاحب الشريعة المطهرة، والسنة الواضحة النيرة، المخصوص بجوامع الكلم، وبدائع الحكم، ومكارم الأخلاق ومعالي الهمم. والتشريف والتكريم، والإجلال والتعظيم، والآيات والذكر الحكيم. وتلقي الوحي والتنزيل، من الروح الأمين جبريل. فبلغ ذلك ونهى وأمر، وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر. وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ووقروه ووفوا بالعهود ونصروه، ونقلوا شرعه العزيز وآثروه. وعلى خلفائه الراشدين المرشدين أئمة الهدى، والتالين له في شرف ذلك المدى، والقائمين بأعباء أمره الموعود أنه يبقى أبداً، وعلى التابعين وتابعهيم نجوم الاهتداء، والسنة في الاقتداء، وسائر حملة الشريعة وحماة الدين القويم، عن الزيغ وتحريفاته، وهداة الخلق إلى الصراط المستقيم، بإيضاح كلياته وجزئياته، صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين بدوام نعم الله تعالى على خواصه وأهل طاعاته. أما بعد فيقول راقم هاته الحروف، الواجل من اليوم المخوف، عبده محمَّد بن محمَّد مخلوف: قد اغتنى العلماء بالتاريخ قديماً وحديثاً، وسعوا في ذلك سعياً حَثيثاً. فألّفوا التآليف البارعة، في أغراض متفاوتة مفيدة نافعة. فمنهم مَن ألّف في الرواة والمحدثين، والفقهاء والمفسرين والمتكلمين، والأدباء والشعراء والنحاة

стр. 9

واللغويين، والعلماء والخلفاء والملوك والسلاطين، وأتى على تراجمهم من دون تمييز ولا تفريق، ومنهم مَن أتى على فريق دون فريق، وبيّن مراده، فيما أراده. وممن سلك هذا الطريق العالم الشهير الذكر، الجليل القدر، أبو الفضل القاضي عياض فألّف المدارك، في طبقات أعيان الأئمة الآخذين بمذهب مالك، وتبعه العلامة الحامل لواء المعارف والفنون، برهان الدين بن فرحون، فألّف الديباج، وذيله العالم العامل أبو العباس أحمد باباً بنيل الابتهاج، فرغ منه سنة خمس بعد المائة العاشرة، وجاء بعده إلى هذا العهد أئمة لهم في العلم منزلة ظاهرة، ومزايا فاخرة. ومعلوم أنه لم يزل في كل عصر من حملة هذا الدين بدر طالع، وزهر غصن يانع، وعلم ترنو إليه الأبصار وتشير إليه الأصابع، ولم نجد مَن تعرض لجمعهم بحال، ونسج فضائلهم على ذلك المنوال. وقد اختلج ما يأتي ذكره في صدري، وعالجه فكري، حتى صرت أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى، وأجري شوطاً ثم أرجع القهقرى. فتوجهت إلى الله تعالى واستخرته، وسألته إبراز ما اختلج في صدري واستعنته. وبعد ذلك انشرح صدري لتأليف تذييل مفيد مبين، وتكميل مستحسن معين. جامع لكثير من أئمة السلف، المترجم لهم قبل الخمس سنين بعد الألف، مع كونه صلة، إلى علماء العصر وشيوخنا الجلة، به كثير من أعيان علماء الدين والملة، مرتب على طبقات متصلة بمَن ختم الله به النبوة والرسالة المنتخب من خير عنصر وأطيب سلالة، مقتصراً على ما هو أولى، والحمد لله على ما أولى، جائحاً للاختصار، تاركاً التطويل والإكثار، بعد التثبت والتحري فيه، حسبما وصلت القدرة إليه، ولم آل جهداً في تحرير اسم المترجم له وعمن أخذ فنون علمه، وما له في التآليف التي هي من محاسن نثره وبديع نظمه، مع ذكر محاسن الصفات، وإثبات المواليد والوفيات، ومكثت أعواماً كثيرة أبحث عن ذلك جهدي، وكلما عثرت على ترجمة عالم قيدتها في ورقات عندي. ولم أدع كتاباً وقفت عليه إلا وعيته نظراً، وتحققته معتبراً أو مختبراً، وترددت في تفهمه ورداً وصدراً، وعكفت عليه بسيطاً كان أو مختصراً. واقتطفت منه ما لا بد منه، ولا مندوحة للإعراض عنه. فاجتمع من ذلك أعلاق جمة، وتراجم كثير من الأئمة، وأنا في ذلك ألتمس مزيداً، ولا أسأم بحثاً وتقييداً، فحصل بذلك الغاية المطلوبة، والبغية المرغوبة. ومع ذلك بقي بعض تحريرات إلى هذا الأوان مطوية عني محجوبة، حيث لم أجد عندي ولديّ، ولا أرى من خلفي وبين يدي، كتباً في الغرض أراجعها في المشتبهات، وأقتطف منها تراجم مَن لم يقع العثور عليه من العلماء الثقات. ثم جمعت تلك الأعلاق ورتبتها، على نحو ما انشرح إليه صدري وهذبتها، مقتطفة من تآليف نفيسة مهمة، مشار لها

стр. 10

في آخر التتمة، سالكاً في ترتيب ذلك أقرب الطرق والمسالك، ذاكراً علماء كل طبقة على نسق من كل مملكة من المالك، مرتباً ذلك فريقاً بعد فريق، والله ولي الإعانة والتوفيق، مبتدئاً بنبي الرحمة، وينبوع كل فضيلة وحكمة، سيدنا محمَّد ﷺ وشرف وكرم، ثم بسادات من الصحابة الأعلام، ثم بأئمة من التابعين الكرام، ثم بأربعين حديثاً ثنائيات، مروية في الموطأ عن أولئك السادات، ثم بمالك إمام دار الهجرة طابه، خير مَن أمّ المطي رحابه، ثم بطبقات الأئمة الأعيان، طبقة بعد طبقة إلى هذا الزمان، والراوي إما أن يكون في الطبقة التي شيخه فيها، أو في الطبقة التي تليها، فارتباط الرواة في كل طبقتين، كارتباط القمرين النيرين. ورتبته على مقدمة فيها سبع فرائد اشتملت على كثير من الجواهر الثمينة والفوائد. ومقصد به سبع وعشرون طبقة ترتيبها على نحو ما أشرت إليه، وعولت في تهذيبها عليه. وختمته بخاتمة قيمة في تاريخ فنون السنة، وأسأله التوفيق لما أمر به وسنّه. وتتمة في طبقات أمراء إفريقية، هي في الحقيقة خلاصة نقية، اشتملت على فوائد تاريخية، وتنبيهات لها أهمية. غاية في التحرير، والتقرير والتحبير، جديرة بالاعتبار، عند ذوي الأنظار، وعلى خلاصة الأدوار والأطوار، التي حصلت لدول إفريقية وما لها من الآثار. وخاتمة في خصوص الكلام على المنستير، وهو مسقط رأس العبد الفقير، ومنبت غرسه، ومجمع أهله وأنسه. ثم لخصت المقصد في صورة شجرة، بعبارات وجيزة محررة، أغصانها بالدر يانعة، وثمراتها طيبة نافعة، وأنوارها ساطعة لامعة، روضها كله زهر، وسلكها كله درر، شجرة تقتبس أنوارها، وتجتنى ثمارها وأزهارها، لم تزل من البركة والسمو في النماء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، طابت أصلاً، وزكت فرعاً وفصلاً، وسميته (شجرة النور الزكية، في طبقات المالكية) والباعث على تلخيصه على نحو ما ذكرناه، والنمط الذي اخترناه، هو التوصل بسهولة للأسانيد عند المطالعة، وليكون المطالع على يقين بعد المراجعة. فجاء تأليفاً جامعاً لما انتشر، وموضوعاً بارعاً ناظماً لما انتثر، على أسلوب غريب، ومنزع عجيب، راق مجتلاه ومجتناه، في الحسن والإحسان لفظه ومعناه، وعلم الشريعة كما هو معلوم على طبقات، ولأصحابه فيما بينهم درجات، والمترجم لهم هم سادات السادات، سباقو غايات، وأساطين روايات، وأئمة في العلوم والمعارف، والرقائق والمواعظ واللطائف، فمنهم الخلفاء، والملوك والأمراء. ومنهم قضاة العدل، والقراء والمحدثون المشهود لهم بالعلم والعمل والفضل، ومنهم الفقهاء المعتكفون على مطالعة المسائل، واعمال النظر لتحريرها بأكمل الوسائل، والتقاط المسائل من الدلائل. فمنهم مَن أصَّل وفرَّع، ومنهم مَن

стр. 11

جمع وصنف فأبدع. ومنهم مَن هذّب فحرّر وأجاد، وحقق المباحث فوق ما يراد. وأذاق حلاوة الشريعة لذوي الألباب، وفتح للحرج المدفوع أحسن باب. بسياسة شرعية، أساسها المصلحة المرعية. وما ذكرناه عنوان، عما لهم من المزية وعلو الشأن. ولا نسبة بينه وبين ما يجهل، وأقل من معشار ما عنه يغفل. فبحار المدارك مسجورة، وغايات الإحسان عن الإنسان مهجورة، مع قلة البضاعة، والتطفل على هذه الصناعة، فالحمد لله الذي يسّر هذا القدر، مع تكدر منهج الصدر، وشواغل القضاء عائقة، وأحوال عن مثل هذا متضائقة، ورحم الله القائل: طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأسواء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها .... متطلب في الماء جذوة نار ورحم الله القائل: من رام في الدنيا حياة خلية ... من الهم والأكدار رام محالا وهاتيك دعوى قد تركت دليلها ... على كل أبناء الزمان محالا وقد قيل: مَن صنف قد استهدف. وعليه فالمرجو ممن وقف عليه وسرح ألحاظه، أن يسامح نسيجه ولا ينتقد ألفاظه، وأن يصلح ما يجد من الخلل. وأسأل الله التوفيق لإخلاص النية في القول والعمل، وأن يجعله من شوائب الرياء سالماً، وينفع به نفعاً عميماً دائماً، وخير أعمال لا تدرس ولا تبلى، وينفع صاحبها يوم تحشر السرائر وتبلى. هذا وقد قال بعض العلماء: إن قوله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" يدخل فيه الانتفاع بالتأليف لأنه مظنة عدم انقطاع الانتفاع وقد قيل: طوبى لمَن عرف المصير، وشمر زمانه القصير، في اكتساب منفعة تبقى بعده شهاباً، وتخليد محمدة تورثه ثناءً وثواباً. فالذكر الجميل كلما تخلد استدعى الرحمة وطلبها، واستدنى الراحة وجلبها. وإلى جناب الله الرفيع أستند، وعليه في كل أموري أعتمد. وبعزته ألوذ، وبه أستعين ومن كل أفاك وحسود أعوذ. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، وصلّى الله على سيدنا محمَّد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وأصحابه والتابعين والحمد لله رب العالمين.

стр. 12

المقدمة وفيها سبع فرائد: الفريدة الأولى في بعض مبادئ علم التاريخ وفضيلته في مفتاح السعادة: التأريخ لغة تعريف الوقت مطلقاً، يقال: أرخت الكتاب تأريخاً وورخته توريخاً كما في الصحاح. واصطلاحاً هو معرفة الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وألقابهم ووفياتهم إلى غير ذلك. وموضوعه أحوال الأشخاص الماضية من الأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء والملوك والشعراء وغيرهم. والغرض منه الوقوف على الأحوال الماضية وفائدته العبرة بتلك الأحوال والتنصُّح بها، وحصول ملكة التجارب بالوقوف على تقلبات الزمان ليحترز عن أمثال ما نقل من المضار ويستجلب نظائرها من المنافع. وهذا العلم كما قيل عمر آخر للناظرين ينتقي به المطلع في مصره منافع لا نحصل إلا للمسافرين. انتهى باختصار من كشف الظنون. ليس بإنسان ولا شبهه ... من لا يعي التاريخ في صدره ومن روى أخبار من قد مضى ... أضاف أعماراً إلى عمره ومزية التاريخ مشكورة بكل لسان، ممدوحة عند كل إنسان، فهو من أجلّ العلوم قدراً، وأرفعها منزلة وذكراً، وأنفعها عائدة وذخراً. وقد شحن الله به كتابه العزيز بما أفحم به أكابر أهل الكتاب وأتى بما لم يكن في ظن ولا حساب. قال بعضهم: احتج الله في القرآن على أهل الكتابين بالتاريخ فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ وقال ابن عباس ﵄: ذكر الله التاريخ في كتابه واستنبطه بعضهم من قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ

стр. 13

وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ وفي الجامع الصغير "بلَّغوا عني ولو آية وحدِّثوا علي بني إسرائيل ولا حرج ومَن كذب عني متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" وفي أوائل كشف الظنون قد ورد الأثر عن سيد البشر "من ورخ مؤمناً فكأنما أحياه" ابن عيينة: عند ذكر الأولياء تنزل الرحمة. قال الإمامان الجليلان أبو حنيفة والشافعي ﵄: إن لم يكن العلماء أولياء وفي رواية الفقهاء أولياء فليس لله ولي. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في استذكاره: معرفة أعمار العلماء والوقوف على وفياتهم من علم خاصة أهل العلم وإنه لا ينبغي لمَن وسم نفسه بالعلم جهل ذلك. قال حسان بن يزيد لم أستعن علي دفع كذب الكاذبين بمثل التاريخ وقال ولي الدين بن خلدون: التاريخ من الفنون التي يتداولها الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال وتتنافس فيه الملوك والأقيال ويتساوى في فهمه العلماء والجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأمم والدول والسوابق من القرون الأولى تنهى فيه الأقوال وتضرب فيه الأمثال وتطرب به الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النضال والمجال وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق. وقال الصلاح الصفدي: التاريخ للزمان مرآة، وتراجم العلماء للمشاركة والمشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمن عاقره الهموم ملهاة، وقد أفاد حزماً وعزماً وموعظة وعلماً وهمة تذهب همًّا، وبياناً يزيل وهماً، وصبراً يبعثه التأسي بمن مضى واحتشاماً يوجب الرضى بما خفي وجلا من القضاء ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقال النووي: ومن المطلوبات المهمات والنفائس الجليلات التي ينبغي للفقيه والمتفقه معرفتها، ويقبح به جهالتها، معرفة شيوخه في العلم الذين هم آباؤه في الدين ووصلة بينه وبين رب العالمين. وكيف لا يقبح به جهل الأنساب والوصلة بينه وبين ربه الكريم الوهّاب مع أنه مأمور بالدعاء لهم وبرهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم والشكر لهم. وقال الشيخ أحمد بابا: الجاهل بالتاريخ راكب عمياء وخابط خبط عشواء، ينسب إلى مَن تقدم أخبار من تأخر ويعكس ذلك ولا يتدبر.

стр. 14

وقال بعض العلماء: دراسة حياة الأجداد تربي أخلاق الأبناء والأحفاد لما فيها من الحكمة البالغة الحسنة والموعظة المستحسنة. وفي البستان: طلب الإجازة والرواية من شأن أهل العلم وكذلك معرفة أفاضل الأمة من صحابي وتابعي وفقيه ومن الكمال معرفة تاريخ موتهم وولادتهم ليميز من سبق عمن لحق ومعرفة الكتب وأسماء المؤلفين من الكمال ومعرفة طبقات الفقهاء من مهمات الطالب وكذلك ما ألفوه في حصر المسائل انتهى. وفي عنوان الدراية: لما كان طلب العلم فرضاً على الكفاية حيناً ومتعيناً في حال ولم يكن بد في تحصيله من تلقيه على الرجال وكان التلقي إما مباشرة أو عن سند ذي اتصال وكان المباشر تكفي معرفته والمسند عنه لا بد أن تعرف صفته فلهذا اهتم العلماء بذكر الرجال واستعملوا في تمييز أحوالهم الفكر والبال ليوضحوا سبيل المتحمل ويبينوا وسيلة التوصل، وقد اختلفت في ذلك مصادرهم ومواردهم وإن اتفقت في بعض الوجوه مقاصدهم: فمنهم مَن ذكر التعديل والتجريح في المحدثين، ومنهم من ذكر من يعرف بالحفظ والإتقان من المتقدمين، ومنهم من اقتصر على ذكر العلماء المجتهدين، ومنهم من ذكر المؤلفين والمصنفين، ومنهم من ذكر علماء وقته، ومنهم من اقتصر على ذكر مشيخته وكل ذلك يحصل الإفادة ويسهل للطالب مراده انتهى. وقال ابن شاكر في عيون التواريخ: التاريخ من أعظم العلوم أدباً وأسناها مشرباً وأنورها مطلعاً وأحلاها في القلوب موقعًا. لم تزل محاسنه تروق وفوائده تفوق وفرائده تشوق، به تعرف أخبار من سلف من العرب والعجم وأحاديث ذوي المراتب والهمم وسيرة الكرماء في كل وقت ومن اختص ببعض صفاته بالهيبة وغيره بالمقت وكل عالم وعمن أخذ فنون علمه، وكل أديب ومحاسن نثره وبديع نظمه. والنظر في السنة الشريفة وأسماء رجالها ومراتب رواتها وطبقات فرسان مجالها حتى كأن الواقف عليه قد أدرك كلاً منهم في عصره ومصره في ساحة ميدانه ومشيد قصره ورأي الأئمة وأصبح للعلوم من أفواههم متلقياً وعلم مَن كان بجده وهزله إلى ورود العلياء مرتقياً، وفي كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من أخبار الأمم السابقة وأنباء القرون الخالية ما فيه عبرة لذوي البصائر واستعداد ليوم تبلى فيه السرائر. وقد اختار الله لنا أن نكون آخر الأمم وأطلعنا على أخبار من تقدم لنتعظ بما جرى على القرون الخالية وتعيها أذن واعية ولنقتدي بمن تقدم من الأنبياء والأئمة والعلماء. ونرجو بتوفيق الله تعالى أن نجتمع بهم في الجنة ونذاكرهم بما نقل إلينا عنهم، وذلك على رغم أنف من عدم الأدب ولم يكن له في هذا العلم أرب. انتهى.

стр. 15

ولنقتصر على ما ذكرنا من فوائد علم التاريخ المعقولة المقصودة بالنصوص المنقولة والله ولي التوفيق. صلة في الكلام على علم الجغرافية وفضيلته وأقسامه اعلم أن علم الجغرافية مرتبط بعلم التاريخ ارتباطاً وثيقاً ويتعلق به تعلقاً عريقاً. قال بعض العلماء: اعلم أن بين فني التاريخ والجغرافية ارتباطاً قوياً وتعلقاً شديداً، فهما أخوان يتعاونان وفرسا رهان يتسابقان لا يستغنى بأحدهما عن الآخر. ولذا قال بعضهم: إن التاريخ له عينان يبصر بإحداهما معرفة الزمان وبالأخرى معرفة البلدان والحق كذلك فإنه لا تتم حوادث الأزمنة من غير وقوف على ما وقعت فيه من الأمكنة. على أن التجارة والصناعة اللتين بهما أساس لثروة الأمم وقوتها وتمدنها وحضارتها يرتبطان بفن الجغرافية ارتباطاً تاماً بحيث لا يمكن الحصول عليهما بدونه إذ به تعرف المحال التي تستخرج منها المواد الصالحة للصناعة والجهات التي يلزم توزيع التجارة فيها وإلا فلا ثمرة لها، وحينئذ فلا شيء أنفع للإنسان من معرفته إذ هو يعرّفنا حقيقة الأرض التي نحن ساكنوها، والدنيا التي نحن آهلوها. ومن العار أن يجهل الإنسان زوايا داره، ولا يعرف كل ساكن بجواره. فإذا كنت مالكاً لقطعة أرض مثلاً أفلا يلزمك أن تجتهد في معرفة ما تشتمل عليه من ينابيع وغدران ومستنقعات وغير ذلك ثم تبحث عن الطريقة الموصلة لاستخراج ما فيها من المنافع بأن تنظر فيها بما يناسب طبيعة القطعة من النباتات التي يمكن زرعها فيها والحيوانات التي يمكن استعمالها لحرثها لتعود عليك بالمحصول الجيد الوافر. ولذا وقع تعريفه بقولهم (هو علم يُعرف به سطح الأرض وما عليه من أنهار وبحار وجبال ومدن وسكان وحكومات ودول وما شاكل ذلك) قيل: وضع قدماء المصريين وقيل غيرهم. وجغرافية كلمة يونانية الأصل مركبة من كلمتين وهما وصف الأرض ويسمى عند العرب علم تقويم البلدان وينقسم إلى ستة أقسام: أولاً: الجغرافية الطبيعية يبحث فيها عن وصف سطح الأرض على ما هي عليه من أصل خلقة الباري جل وعلا كالتكلم على الجبال والأنهار والبحار وغير ذلك. ثانياً: الجغرافية السياسية ويبحث فيها عن وصف ما على هذا السطح من السكان والدول والحكومات وما أشبه ذلك.

стр. 16

ثالثاً: الجغرافية التاريخية ويبحث فيها عن تاريخ الأرض وما اعتراها من تقلبات الدول وبيان الوقائع المرتبطة بالبقاع والأمكنة. رابعاً: الجغرافية الرياضية ويبحث فيها عما يتعلق بشكل الأرض والعلائق التي بينها وبين الكواكب وسكونها وحركاتها وأطول البلاد وعروضها واختلاف الليل والنهار وتكوين الفصول وما يتعلق بذلك. خامساً: الجغرافية الدينية ويبحث فيها عن اختلاف أديان أهل الأرض ومللهم ومذاهبهم وطرق عبادتهم. سادساً: الجغرافية الاقتصادية ويبحث فيها عن محصولات البلاد من نباتات ومعادن وثروة كل أمة وتجارتها وصناعتها وما يتعلق بذلك. والمتأخرون من علماء هذا الفن قسموا اليابس من الأرض إلى خمسة أقسام: آسيا وأوروبا وإفريقية وأمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا وفي ذلك خرائط وتصانيف كثيرة مشتملة على تفاصيل وافية وإيضاحات شافية. الفريدة الثانية من خصائص هذه الأمة أنهم أوتوا الإسناد اعلم أن الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة وسنة مؤكدة. قال محمَّد بن حاتم بن المظفر: إن الله قد أكرم هذه الأمة وشرّفها وفضّلها بالإسناد وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد وإنما هو صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم فليس عندهم تمييز بين ما أنزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات وهذه الأمة الشريفة زادها الله شرفاً بنبيها، إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تنتهي أخبارهم ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأضبط فالأضبط والأطول مجالسة فمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهاً فأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطوا حروفه ويعدوه عداً، وهذا من فضل الله على هذه الأمة. انتهى من اختصار المواهب اللدنية. وقد ذكرنا في الفريدة الأولى أن المسند عنه لا بد من معرفة صفته.

стр. 17

إذا علمت ذلك فاعلم أنه جاء عن العلماء في الحض على تقييد العلم بالأسانيد والكراهية لمن كان عرياً عنها. قال أبو محمَّد عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء". وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل. وقال يزيد بن زريع: لكل دين فرسان وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد ولها طرق في الحمل والرواية وفي التأدية والتبليغ وللرواية مراتب أعلاها سماع الراوي قراءة المحدث للكتاب الذي رواه أو الحديث وسماع الشيخ ثم مناولة الشيخ للكتاب الذي رواه عن شيخه ثم إجازة الشيخ للطالب أن يحدث عنه بالكتاب الذي رواه وإباحة ذلك. فأما السماع من الشيخ فالأصل فيه حديث ابن جبير عن ابن عباس ﵃ قال: قال النبي ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم ويسمع من يسمع منكم" وقوله ﷺ : "نَضَّرَ اللهُ امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها فأداها كما

стр. 18

سمعها" الحديث. وأما العرض عن الشيخ فالأصل فيه حديث ضمام بن ثعلبة ﵁ الثابت في الصحيح أنه قال: سئل رسول الله ﷺ "أمرك أن تصلي الصلوات الخمس قال نعم" الحديث. فهذه قراءة عن النبي ﷺ ثم أخبر بذلك ضمام قومه فأخذوا بما أدى لهم من ذلك. قال يحيي بن عبد الله بن بكير: "لما عرضنا الموطأ على مالك قال له رجل من أهل المغرب: يا أبا عبد الله أحدث به عنك وأقول: حدثنا به مالك؟ قال: نعم حدثوا به عني وقولوا حدثنا مالك". وأما المناولة فالأصل فيها حديث النبي ﷺ في الصحيح حيث كتب لأمير السرية كتاباً وقال له لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ﷺ ، فهذا النبي ﷺ قد ناول أمير السرية كتابه ولم يقرأه، ولا عرضه أمير السرية عليه، ثم إن الأمير قرأه على السرية فامتثلوا لما في الكتاب وأخذوا به وبلغ ذلك النبي ﷺ فرضيه وأقر به وقامت بذلك الحجة. وأما الإجازة لكتاب أهل العلم بالقلم إلى البلدان فقد اختلفوا فيها فأجازها أكثر أهل العلم كربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبد العزيز بن الماجشون وسفيان

стр. 19

الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة والليث بن سعد واختلفت الرواية فيها عن مالك والأشهر عنه جوازها وعلى ذلك أصحابه الفقهاء لا يعلم أحد منهم خالفه في ذلك ومنعها بعض العلماء. ولمالك ﵀ شروط في الإجازة منها: أن يكون عالماً لما يجيز به ثقة في دينه وروايته معروفاً بالعلم وأن يكون المستجيز من أهل العلم أو متسماً بسمته حتى لا يقع العلم إلا عند أهله، وكان يكره الإجازة لمن ليس من أهل العلم ولا ممن خدمه وقاسى صناعته. واعلم أن في الإجازة فائدتين: إحداهما: استعجال الرواية عند الضرورات. الثانية: الاستكثار من المروي حتى لا يكاد أن يشد على المستكثر من الروايات حديث عن النبي ﷺ إلا وقد احتوت روايته عليه فيتخلص بذلك من الحرج في حكايته كلامه من غير رواية، فقد يذكر الخطباء على المنابر وأعيان الناس في المشاهد والمحاضر أقوال النبي ﷺ ولا رواية عندهم لها وقد اتفق العلماء على أن لا يصح لمسلم أن يقول قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مروياً ولو على أقل وجوه الروايات لقول رسول الله ﷺ : "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" وفي بعض الروايات "من كذب علي" مطلقاً دون قيد وقد بسط أبو بكر بن خير في برنامجه الكلام على ما ذكرناه في هذه الفصول مع أخبار وآثار تركنا إيرادها مخالفة التطويل. وذكر الإِمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه القراءة والعرض على المحدث والمناولة وكتاب أهل العلم إلى البلدان. قال الحافظ في فتح الباري ما نصه: لم يذكر المصنف من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة ولا الوجادة ولا الوصية ولا الأعلام المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى بشيء منها انتهى.

стр. 20

وألف بعضهم في خصوص الكلام على الإجازة، منهم أبو العباس الوليد بن مخلد الأندلسي سماه (الوجازة في صحة القول بالإجازة). وألّف الحافظ ابن عبد البر تأليفاً سماه (الجامع بين العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله) وفي فهرسة أبي الحسن علي النوري الصفاقسي ما نصه: قال يحيي بن معين: الإسناد العالي قربة إلى الله وإلى سيد المرسلين، وقد هاجر ذوو الهمم العلية والأحوال السنية، إلى الأقطار الشاسعة من بلاد الله الواسعة، إلى ملاقاة العلماء الذين علا سندهم، فإن تعذر عنهم السفر اجتهدوا في طلب الإجازة منهم بإرسال الاستدعاءات والمكاتبات، وذلك نوع من أنواع التحمل عند أهل الحديث المشهور فضلهم في القديم والحديث انتهى. وفي الجزء الأخير من المعيار ما نصه: سئل الأستاذ أبو سعيد بن لب عن إجازة الشيوخ لمن يسألها منهم، ويطلبها ها هنا من ينكرها ويدعي أن لا فائدة لها، فأجاب: إن كان المتكلم في الإجازة للرواية فإن الرواية هي أصل الدين والمنهج القويم، فالرسول ﷺ روى عن جبريل ﵇ عن ربه : كتاب الله أفضل كل قيل ... رواه محمد عن جبرائيل عن اللوح المحيط بكل علم ... من العلم الرفيع عن الجليل وهكذا سنته ﷺ لأنها من عند الله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ [النجم: ٣ - ٥] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ولا يصح أن ينذر به بعد الصحابة إلا بالرواية، فلذلك بلغ الأمة بعد تباعد المدة ولولا الرواية لتعطلت الشريعة وضلّت الخليقة ولم تقم على من يأتي من الناس حجة. وقال ﷺ : "بلغوا عني" وقال: "ليبلغ الشاهد الغائب" وما تواتر

стр. 21

ما علم تواتره من علوم الملة إلا بكثرة الرواية وتكرارها على تكرار الأزمنة، وما علم أن الموطأ لمالك بن أنس وأن أحد الصحيحين البخاري ومسلم إلا بالرواية، ولولاها لم يكن لنا وثوق بشيء من ذلك وهكذا سائر الكتب المؤلفة والفتاوى المقيدة، لكن شرطها في الكتب التصحيح والضبط وأهمل في هذه الأزمنة هذا الشرط لكساد سوق العلم واقتصار أهله على المظنون من مضمنها دون المعلوم وإلى هذا الشرط إشارة إجازة المجيزين في إجازتهم لقولهم على شرط ذلك عند أهله فصارت فائدة الرواية عند إهمال هذا الشرط إنما هي حفظ الرسوم المجملة دون المسائل التفصيلية إلا ما خصصته الرواية منها وعينته بشرطها فتكون الرواية فيها على كمالها وهي القرآن العظيم، والحمد لله تعالى على منهجها القويم وصراطها المستقيم، وتواترها في الحديث كما في القديم، إلى بركة الانتهاء إلى المقام العلي الأعظم، والانتظام في السلك النبوي أن يقول القارئ والمحدث أروي عن شيخي فلان عن فلان إلى أن يقول عن النبي ﷺ عن جبريل ﵇ عن رب العزة، وحسبك بهذا شرفاً تتعلق به لذوي الآمال آمال، وتبذل في تعاطيه الأموال. ويكفي هنا هذا القدر من الكلام، فإنه وإن طال يقصر عن هذا المقام، والعجب من مسلم ينكر الرواية وهي نور الإِسلام. وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم انتهى وستعلم إن شاء الله من الفرائد الآتية ما يوضح ما قررناه ويؤيد ما ذكرناه ومما يأتي ذكره في أواخر المقصد. تنبيه: كانت السنة في القرون الأولى تؤخذ من أفواه الشيوخ وقلما كان الرواة يثقون بالخطوط وكان اتصال سند الراوي بالرسول مع عدالة المروي عنهم وكان ضبطهم أمراً لا محيص عنه حتى يحوز الحديث درجة الصحة، فلما أن صنفت كتب الصحاح المشهورة وذاعت في الأقطار المختلفة قامت شهرتها مقام تواترها فلم تبق حاجة لاتصال السند منا إلى مصنفيها في كل حديث دون فيها وأصبح الاعتماد على الكتاب فوق الاعتماد على الشيوخ.

стр. 22

قال أبو عمرو بن الصلاح (١) المتوفى سنة ٦٤٣ هـ: اعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود منها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطاً يصح لأن يعتمد عليه، وإنما المقصود به بقاء سلسلة الإسناد الذي خصت به هذه الأمة. أقول: وهذا هو الغرض بعينه في عصرنا والعصور السالفة قبله في محافظة الشيوخ على سلسلة السند إلى مصنفي الكتب الشهيرة كالبخاري ومسلم إنما الواجب على أمثالنا أن يتثبتوا في أمور ثلاثة: كون الكتاب الذي يروون الحديث عنه صحت نسبته إلى مؤلفه أو تواترت، والبحث في سند الحديث الذي روي به في ذلك الكتاب وخلوه من الغلط والتحريف والدخيل. وسبيل معرفة الثالث أن تقابل نسخة من الكتاب الذي يراد الأخذ عنه بنسخ أخرى منه مختلفة في الرواية إن كان ثم اختلاف فيها أو بنسخ متعددة منه إن لم يكن اختلاف في الرواية، فإذ ذاك يطمئن القلب إلى تلك النسخة وتتبين منه درجة صحتها وخلوها من العيوب فيقوم ذلك مقام تعدد الرواة اهـ. مفتاح السنة (٢) للعلامة أبي عبد الله محمَّد عبد العزيز الخولي وسترى ملخصه في خاتمة المقصد. الفريدة الثالثة في الكلام على القرآن وتواتره وأئمة علم القرآن اعلم أن القرآن الكريم الذي أنزل لتبليغ ما فيه من الأحكام وللتعبد بتلاوته مع تدبر معانيه العظام قد تلقته الأمة رواية ودراية بالسند جيلاً بعد جيل إلى هذا الأمد بدون نقص ولا زيادة ولا تحريف ولا تبديل بل والعناية به اشتدت من زمن الصحابة والدواعي توفرت في نقله وحمايته وحفظه وحراسته حتى حصل العلم بكل شيء فيه من حروفه وإعرابه وقراءته ودراسته مع صدق العناية والاهتمام البالغ للغاية، وقد

стр. 23

تكفل سبحانه بحفظه ولم يحفظ كتاباً من الكتب كذلك فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]. في روح المعاني للعلامة النِّحرير المفسر الدراكة الشهير، أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن محمود الألوسي: اعلم أن القرآن جمع أولاً بحضرة النبي ﷺ فقد أخرج الحاكم بسنده على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: كنا عند النبي ﷺ نؤلف القرآن في الرقاع (١). وثانياً بحضرة أبي بكر ﵁ فقد أخرج البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت أيضاً قال: أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقرّاء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قالا: هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر. وأخرج ابن أبي داود بسند رجاله ثقات مع انقطاع أن أبا بكر قال لعمر وزيد مع أنه كان حافظاً اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه. ولعل الغرض من الشاهدين أن يشهدا على أن ذلك كتب بين يدي رسول الله ﷺ أو على أنه مما عرض عليه ﷺ عام وفاته وإنما اكتفوا في آية التوبة بشهادة خزيمة لأن رسول الله ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين انتهى.

стр. 24

ثم قال: وما اشتهر أن جامعه عثمان ﵁ فهو على ظاهره باطل لأنه إنما حمل الناس في سنة خمس وعشرين على القراءة بوجه واحد باختيار وقع بينه وبين من شاهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة من اختلاف أهل العراق والشام في حروف القرآن، فقد روى البخاري (١) عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأجزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القريشي الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما أنزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القراآت في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، قال زيد: ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا الصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها عند خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ألحقناها في سورتها في المصحف وقد ارتضى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ حتى إن المرتضى كرم الله تعالى وجهه قال - على ما أخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة عنه -: لا تقولوا في عثمان إلا خيراً فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا. وفي رواية لو وليت لعملت بالمصحف الذي عمله عثمان وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكره غير واحد من المحققين حتى صرحوا بأن عثمان لم يضع شيئاً فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغيير ترتيب سوى أنه جمع الناس على القراءة بلغة قريش محتجاً بأن القرآن نزل بلغتهم وبعد انتشار هاته المصاحف في هذه الأمة المحفوظة لا سيما الصدر الأول الذي حوى من الأكابر ما حوى وتصدر فيه للخلافة الراشدة عليّ المرتضى وهو باب مدينة العلم لكل عالم والأسد الأشد الذي لا تأخذه في الله لومة لائم لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيء يعد من القرآن

стр. 25

وإلا لوقع الشك في كثير من ضروريات هذا الدين الواضح البرهان انتهى. باختصار وفي باب كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي ﷺ من حجة الله البالغة لولي الله المحدث العلامة النابغة الشيخ أحمد الدهلوي تقرير نفيس رأيت أن نذكره بنصه لما فيه من الفوائد، قال روح الله روحه أعلم أن تلقي الأمة منه الشرع على وجهين أحدهما تلقي الظاهر ولا بد أن يكون بنقل إما متواتر أو غير متواتر والمتواتر منه المتواتر لفظاً كالقرآن العظيم وكنبذ يسيرة من الأحاديث، منها قوله: "إنكم سترون ربكم". ومنه المتواتر معنى ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوت والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم تختلف فيه فرقة من فرق الإِسلام وغير المتواتر أعلى درجاته المستفيض وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعداً ثم لم يزل يزيد الرواة إلى الطبقة الخامسة وهذا قسم كثير الوجود وعليه بناء رؤوس الفقه ثم الخبر المقضي له بالصحة أو الحسن على ألسنة حفاظ المحدثين وكبرائهم ثم أخبار فيها كلام قبلها بعض ولم يقبلها آخرون فما اعتضد منها بالشواهد أو قول أكثر أهل العلم أو الفعل الصريح وجب اتباعه. وثانيهما التلقي دلالة وهي أن يرى الصحابة رسول الله ﷺ يقول أو يفعل فاستنبطوا من ذلك حكماً من الوجوب وغيره فأخبروا بذلك الحكم فقالوا الشيء الفلاني واجب وذلك الآخر جائز ثم تلقي التابعون من الصحابة كذلك فدوّن الطبقة الثالثة فتاواهم وقضاياهم وأحكموا الأمر. وأكابر هذا الوجه عمر وعلي وابن مسعود وابن العباس ﵃ لكن كان من سيرة عمر ﵁ أنه كان يشاور الصحابة ويناظرهم حتى تنكشف الغمة ويأتيه الثلج فصار غالب قضاياه وفتاواه متبعة في مشارق الأرض ومغاربها وهو قول: إبراهيم لما مات عمر ﵁: ذهب تسعة أعشار العلم. وقول ابن مسعود ﵁: كان عمر إذا سلك طريقاً وجدناه سهلاً. وكان علي ﵁ لا يشاور غالباً وكان أغلب قضاياه بالكوفة ولم يحملها عنه إلا ناس وكان ابن مسعود ﵁ بالكوفة فلم يحمل عنه غالباً إلا أهل تلك الناحية. وكان ابن عباس ﵄ اجتهد بعد عصر الأولين فناقضهم في كثير من الأحكام واتبعه في ذلك أصحابه من مكة ولم يأخذ بما تفرد به جمهور أهل الإِسلام وأما غير هؤلاء الأربعة فكانوا يراؤون دلالة ولكن ما كانوا يميزون الركن والشرط من الآداب

стр. 26

والسنن ولم يكن لهم قول عند تعارض الأخبار وتقابل الدلائل إلا قليلاً كابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت ﵃ وأكابر هذا الوجه من التابعين بالمدينة الفقهاء السبعة لا سيما ابن المسيب بالمدينة وبمكة عطاء بن أبي رباح وبالكوفة إبراهيم وشريح والشعبي وبالبصرة الحسن وفي كل من الطريقتين خلل إنما ينجبر بالأخرى ولا غنى لإحداهما عن صاحبتها أما الأولى فمن خللها ما يدخل في الرواية بالمعنى من التبديل ولا يؤمن من تغيير المعنى ومنه ما كان الأمر في واقعة خاصة يظنه الراوي حكماً كلياً ومنه ما أخرج فيه الكلام مخرج التأكيد ليعضوا عليه بالنواجذ فظن الراوي وجوباً أو حرمة وليس الأمر على ذلك فمَن كان فقيهاً وحضر الواقعة استنبط من القرائن حقيقة الحال كقول زيد ﵁ في النهي عن المزارعة وعن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها إن ذلك كان كالمشورة وأما الثانية فيدخل فيها قياسات الصحابة والتابعين واستنباطهم من الكتاب والسنة وليس الاجتهاد مصيباً في جميع الأحوال وربما كان لم يبلغ أحدهم الحديث أو بلغه بوجه لا ينتهض بمثله الحجة فلم يعمل به ثم ظهر جلية الحال على لسان صحابي آخر بعد ذلك كقول عمر وابن مسعود ﵄ في التيمم عن الجنابة وكثيراً ما كان اتفاق رؤوس الصحابة ﵃ على شيء من قبل دلالة العقل على ارتفاق وهو قوله ﷺ : "وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (١) وليس من أصول الشرع فمن كان متبحراً في الأخبار وألفاظ الحديث فيتيسر له التقصي عن مزال الأقدام ولما كان الأمر كذلك وجب على الخائض في الفقه أن يكون متضلعاً من كلا المشربين ومتبحراً في كلا المذهبين وكان أحسن شعائر الملة ما أجمع عليه جمهور الرواة وحملة العلم وتطابق فيه الطريقان. انتهى. واعلم أن علم القراءات به يعرف كيفية النطق بالقرآن وبالقراءات ترجح بعض الوجوه المحتمله على بعض. قال العلامة الأمير: فمن القراءات أمام كل فن وحكمة انتهى. ويأتي ذكر كثير من أئمة هذا الفن في المقصد. والقراء السبعة الذين هم الطراز الأول في هذا الفن وعليهم المعوَّل من وقتهم إلى هذا الزمن هم:

стр. 27

١ - أبو محمد عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبي الدمشقي: قاضيها التابعي الجليل الحافظ المقرئ الثقة الأمين. قرأ عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي وأبي الدرداء وأصحاب عثمان ﵃. وعنه جماعة منهم إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر وأبو عبيد مسلم ويحيى بن الحارث. مولده سنة ٢١ هـ وتوفي سنة ١١٨هـ[٧٣٦م]. ٢ - أبو سعيد عبد الله بن كثير المكي: مولى عمر بن علقمة. أصله من أبناء فارس ﵁. الإِمام التابعي الفاضل القدوة الثقة المثبت الأمين قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي وعلى مجاهد بن جبر وهما على عبد الله بن العباس وعلى زيد بن ثابت ﵃ عن النبي. وعنه الكثير من الأئمة. ولد بمكة سنة ٤٥ هـ وتوفي سنة ١٢٠هـ[٧٣٧م]. ٣ - أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي ﵁: الإِمام التابعي الثقة الفاضل المثبت الأمين العمدة الكامل. قرأ على أبي عبد الله حبيب السلمي وزر بن حبيش الأسدي وهما على عثمان وعلي وابن مسعود وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ﵃ على النبي ﷺ . وعنه جماعة منهم أبو بكر شيبة بن عياش وأبو عمر حفص بن سلمان الكوفي. مات على أحد الأقوال سنة ١٢٧هـ[٧٤٤م]. ٤ - أبو عمر وزيان بن العلاء البصري الخزاعي المازني ﵁: الإِمام العمدة الثقة الذكي المثبت العالم بالقراءة والحديث واللغة قرأ على جماعة من التابعين بالحجاز والعراق منهم ابن كثير ومجاهد بن جبر وسعيد بن جبير وعطاء. وهم عن ابن عباس عن أبي بن كعب ﵃ عن النبي ﷺ . وعليه قرأ الكثير من الأئمة منهم أبو زكريا يحيي بن المبارك اليزيدي ويونس والأصمعي وأبو عبيدة. ولد بمكة سنة ٦٥ هـ وتوفي سنة ١٥٤هـ. ٣ - أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي: الذكي المتورع الزاهد الإِمام

стр. 28

الثقة المثبت العابد قرأ على جعفر الصادق على أبيه محمَّد الباقر على أبيه زين العابدين على أبيه الحسن على أبيه علي ﵃ على النبي ﷺ وقرأ حمزة أيضاً عن الأعمش ومحمد بن أبي ليلى وعمران بن الحسين. وعنه الكثير من الأئمة. ولد سنة ٨٠ هـ وتوفي سنة ١٥٦هـ. ٦ - أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم مولى جعونة: أصله من أصفهان إمام دار الهجرة عمر طويلاً. كان إماماً ثقة فاضلاً عالماً جليلاً كاملاً وكان إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك قرأ على سبعين من التابعين منهم يزيد بن القعقاع وربيع وعبد الرحمن بن هرمز. وهم عن عبد الله بن عباس وهو على أبي بن كعب ﵃ على النبي ﷺ . أخذ عنه مالك وكان يصلي وراءه وهو أخذ عن مالك الموطأ. روى عنه مائتان وخمسون من الأئمة منهم أبو موسى عيسى بن ميناء ويلقب بقالون المتوفى سنة ٢٠٥ هـ وأبو سعيد عثمان بن سعيد المصري الملقب بورش المتوفى سنة ١٩٧هـ. مات صاحب الترجمة بالمدينة سنة تسع أو سبع وستين ومائة. ٧ - أبو الحسن علي بن حمزة النحوي المعروف بالكسائي: الإِمام المشهور في النحو واللغة وفن القراءات، العمدة الثقة الأمين. قرأ على حمزة وتقدم سنده وعلى عيسى بن عمر على طلحة بن أبي مصرف على النخعي على علقمة على ابن مسعود ﵃ على رسول الله ﷺ وعنه أئمة منهم أبو الحارث الليث بن خالد وأبو عمر حفص الداودي توفي سنة تسع وثمانين ومائة وعمره سبعون عاماً. الفريدة الرابعة في ذكر الفقهاء السبعة الفقهاء الذين كانوا في المدينة في عصر واحد كانوا كثيراً وإنما خصَّ هؤلاء لاجتماع الناس على رأيهم واختصاصهم بفتاويهم لأنهم معروفون بالفضل والصلاح حتى كانوا لا يقضى في أمر حتى يرجع إليهم وصارت الفتيا لهم خاصة بعد الصحابة

стр. 29

وكان الناس يتبركون بهم حتى قيل إن أسماءهم إذا علقت على محموم برىء وإذا وضعت في البر لم يفسد، ولهم شهرة تامة، وهم: ٨ - أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: من سادات التابعين وأعلامهم وفضلائهم ﵁، توفي سنة ٩٨ هـ على الأصح [٧١٦ م]. ٩ - أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي ﵃: من سادات التابعين وأعلامهم وصالحيهم. توفي سنة ٩٤ هـ على الأصح [٧١٢ م]. ١٠ - أبو محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃: من سادات التابعين وفضلائهم وأعلامهم. توفي سنة ١٠١هـ على أحد الأقوال [٧١٩م]. ١١ - أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المدني: سيد التابعين من الطراز الأول جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع ﵁، سمع جماعة من الصحابة ودخل على أزواج النبي ﷺ وأخذ عنهن وأكثر روايته المسند عن أبي هريرة ﵁ وكان زوج ابنته. وكانت ولادته لسنتين خلتا من خلافة سيدنا عمر ﵁. وتوفي بالمدينة سنة ٩٤ هـ على أحد الأقوال [٧١٢م]. ١٢ - أبو أيوب ويقال أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله سليمان بن يسار مولى ميمونة أم المومنين ﵃: من أكابر التابعين وساداتهم وعلمائهم. توفي سنة ١٠٧هـ[٧٢٥م]. ١٣ - خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري ﵃: التابعي الجليل القدر فضلاً وعلماً وعملاً. ووالده من أكابر الصحابة وصدورهم. توفي سنة ٩٩ هـ[٧١٧م]. ١٤ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن مغيرة القرشي

стр. 30

المخزومي ﵁: من سادات التابعين وفضلائهم سمي واهب قريش وأبو الحارث أخو أبي سفيان من جملة الصحابة ﵃. توفي سنة ٩٤ هـ. وقد نظم بعضهم أسماءهم فقال: [٧١٢م] ألا كل من لايقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه ١٥ - واختلف في السابع فقيل أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المخزومي الزهري المدني ﵁: وهو قول الأكثر قيل اسمه كنيته وقيل عبد الله وقيل إسماعيل. كان كثير الحديث من أعيان التابعين وفقهائهم وساداتهم المشهورين بالرواية عن أبي هريرة ﵁ وعن غيره. مولده سنة بضع وعشرين. ومات سنة ٩٤ أو ١٠٤. وقيل أبو عمر ويقال أبو عبد الله [٧١٢م] [٧٢٢م]. ١٦ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃: من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم. توفي سنة ست ومائة. وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن المذكور. وصاحب نظم البيتين مشى على القول الثالث. الفريدة الخامسة في معرفة طبقات الحديث ومعرفة أئمته قال الشيخ الأمير في فهرسته: اعلم أن جميع العلوم الشرعية من تفسير وغيره تستمد من حديث رسول الله ﷺ ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي شرح الترمذي: الموطأ هو الأصل الأول واللباب، والبخاري الأصل الثاني في هذا الباب، وعليهم بني الجميع كمسلم والترمذي انتهى. وألّف جماعة في الصحيح الذي هو معرفة ما تحفظ به السنن المنقولة عن صاحب الشريعة المطهرة ﷺ . وفي حجة الله البالغة: اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا بخبر النبي ﷺ بخلاف المصالح فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحو ذلك. ولا سبيل إلى معرفة أخباره ﷺ إلا تلقي

стр. 31

الروايات المنتهية إليه بالاتصال والعنعنة سواء كانت من لفظه ﷺ أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية بها عن جماعة من الصحابة والتابعين بحيث يبعد أقدامهم عن الجزم بمثله لولا النص أو الإشارة من الشارع بمثل ذلك رواية عنه ﷺ دلالة وتلقي تلك الروايات لا سبيل إليه في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم الحديث فإنه لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة وكتب الحديث على طبقات مختلفة ومنازل متباينة فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث فنقول: هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات وذلك لأن أعلى أقسام الحديث كما عرفت فيما سبق ما ثبت بالتواتر وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به ثم استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها واتفق على العمل به جمهور فقهاء الأمصار أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة فإن الحرمين محل الخلفاء الراشدين في القرون الأولى ومحط رحال العلماء طبقة بعد طبقة يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر أو كان قولاً مشهوراً معمولاً به في قطر عظيم مروياً عن جماعة عظيمة من الصحابة والتابعين ثم ما صح أو حسن سنده وشهد به علماء الحديث ولم يكن قولاً متروكاً لم يذهب إليه أحد من الأمة أما ما كان ضعيفاً أو موضوعاً أو منقطعاً أو مقلوباً في سنده أو متنه أو من رواية المجاهيل أو مخالفاً لما أجمع عليه السلف طبقة بعد طبقة فلا سبيل إلى القول به فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح أو حسن غير مقلوب ولا شاذ ولا ضعيف إلا مع بيان حاله فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح في الكتاب؛ والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل تدوينها وبعد تدوينها فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرف شتى وأوردوها في مسانيدهم ومجاميعهم وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه وكشف مشكله وشرح غريبه وبيان إعرابه وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى يومنا هذا حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه إلا ما شاء الله ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده وافقوه في القول بها وحكموا بصحتها وارتضوا رأي المصنف فيها وتلقوا كتابه بالمدح والثناء ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون منها ويعتمدون عليها ويعتنون بها ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها وتعظيمها وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان كلاهما في كتاب كان من الطبقة الأولى ثم، وثم، وإن فقدتا رأساً لم يكن له اعتبار وما كان أعلى عد في الطبقة الأولى بأنه يصل إلى حد التواتر وما دون

стр. 32

ذلك يصل إلى الاستفاضة ثم إلى الصحة القطعية أعني القطع المأخوذ في علم الحديث المفيد للعمل والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية وهكذا ينزل الأمر فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب الموطأ وصحيح البخاري وصحيح مسلم. قال الشافعي: "أصح كتاب بعد كتاب الله موطأ مالك". واتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند فيه من طرق أخرى فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه. وقد صنف في زمان مالك موطئات كثيرة في تخريج أحاديثه ووصل منقطعه مثل: كتاب ابن أبي ذؤيب وابن عيينة والثوري ومعمر وغيرهم ممن شارك مالكاً في الشيوخ. وقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل وقد ضرب الناس فيه أكباد الإبل إلى مالك من أقاصي البلاد كما كان النبي ﷺ -ذكره في حديثه. فمنهم المبرزون من الفقهاء كالشافعي ومحمد بن الحسن وابن وهب وابن القاسم ومنهم نحارير المحدثين كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد وابنيه. وقد

стр. 33

اشتهر في عصره حتى بلغ على جميع ديار الإِسلام ثم لم يأت زمان إلا وهو أكثر له شهرة وأقوى به عناية وعليه بني فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق في بعض أمرهم ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه ويذكرون متابعته وشواهده ويشرحون غريبه ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه ويفتشون عن رجاله، إلى غاية ليس بعدها غاية وإن شئت الحق الصراح فقس كتاب الموطأ بكتاب الآثار لمحمد، والأمالي لأبي يوسف تجد بينه وبينهما بعد المشرقين، فهل سمعت أحداً من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما؟ أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وإنهما متواتران إلى مصنفيهما، وإن كل من يهوّن أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة وكتاب الطحاوي ومسند الخوارزمي وغيرهم تجد بينهما وبينهم بعد المشرقين. وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هىِ على شرطهما ولم يذكراها، وقد تتبعت ما استدركه فوجدته قد أصاب من وجه ولم يصب من وجه، وذلك لأنه وجد

стр. 34

أحاديث مروية عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه، ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثاً قد تناظر فيه مشايخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له كما أشار مسلم حيث قال: "لم أذكر ها هنا إلا ما أجمعوا عليه" (١). وجل ما تفرد به المستدرك كالموكأ عليه المخفي فكان في زمن مشايخهما وإن اشتهر أمره من بعد أو ما اختلف المحدثون في رجاله فالشيخان كأساتذهما كانا يعتنيان بالبحث عن الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك حتى يتضح الحال والحاكم يعتمد في الأكثر على قواعد مخرجة من صنائعهم كقوله: زيادة الثقات مقبولة وإذا اختلف الناس في الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك فالذي حفظ الزيادة حجة على من لم يحفظ والحق أن كثيراً ما يدخل الخلل في الحفاظ من قبل الموقوف ووصل المنقطع لا سيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع وتنويههم به فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقول الحاكم والله أعلم. وهاته الكتب الثلاث التي اعتنى القاضي عياض في المشارق في ضبط مشكلة ورد تصحيفها. الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيح، ولكنها تتلوها، كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث ولم يرضوا في كتبهم بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم فتلقاها من بعدهم بالقبول واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة واشتهرت فيما بين الناس وتعلق بها القوم شرحاً لغريبها وفحصاً عن رجالها واستنباطاً لفقهها وعلى تلك الأحاديث بناء عامة الناس

стр. 35

كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى النسائي. وهاته الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين في تجريد الصحاح وابن الأثير في جامع الأصول فكاد مسند أحمد يكون من جملة هاته الطبقة فإن الإِمام أحمد جعله أصلاً يعرف به الصحيح والسقيم قال: ما ليس فيه فلا تقبلوه. الطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم، وفي زمانهما وبعدهما جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف، والمعروف والغريب، والشاذ والمنكر، والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة ولم يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص، ومنه ما لم يخدمه لغوي ليشرح غريبه ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف، ولا محدث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، ولا أريد المتأخرين المتعمقين وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها

стр. 36

كمسند أبي علي ومصنف عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد الله بن حميد والطيالسي وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل. الطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجامع والمسانيد المختلفة فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل الأهواء والضعفاء أو كانت من آثار الصحابة والتابعين أو من أخبار بني إسرائيل أو من كلام الحكماء والوعاظ، خلطها الرواة بحديث النبي ﷺ سهواً أو عمداً، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمداً، أو كانت جملاً شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثاً واحداً بنسق واحد. ومظنة هذه الأحاديث كتاب الضعفاء لابن حبان وكامل ابن عدي وكتب الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن عساكر وابن النجار والديلمي وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة. وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفاً محتملاً وأسوأها ما كان موضوعاً أو مقلوباً شديد النكارة. وهذه الطبقة مادة كتاب الموضوعات لابن الجوزي. ها هنا طبقة خامسة منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين ونحوهم وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع، ومنها ما دسه الماجن في دينه العالم بلسانه فأتى بإسناد قوي لا يمكن الجرح فيه وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه ﷺ فأثار في الإِسلام مصيبة عظيمة، لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد فتهتك الأستار ويظهر العوار. أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين وحوم حمامهما مرتعهم ومسرحهم، وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث، نعم ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد وقد جعل الله لكل شيء قدراً. وأما الرابعة فالاشتغال بجمعها أو الاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين

стр. 37

الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث اهـ. والحاصل أن الموطأ والكتب الخمسة هي الأسوة في فن الحديث في القديم والحديث وشهرة مؤلفيها غنية عن التعريف والبيان والتوصيف. متصلة السند، حملها فحول عن فحول إلى يومنا هذا وسنذكر سندي إليها في آخر المقصد إن شاء الله، وهي: (١) الموطأ للإمام مالك وسيأتي ذكره قريباً في المقصد والتتمة. (٢) صحيح البخاري لمؤلفه أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل الجعفي البخاري الإِمام الجليل العلامة شيخ الإِسلام الفهامة الحافظ الحجة النظار. نال من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها. مولده سنة ١٩٤هـ ومات سنة ٢٥٦ هجرية. أنشد له الشهاب المقري بيتين وقال ليس له غيرهما وهما: اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغته كم صحيح قد مات قبل سقيم ... ذهبت نفسه النفيسة بغته ووقع له ذلك أو قريب منه. قاله الحافظ ابن حجر اهـ من نفح الطيب. (٣) صحيح مسلم: لمؤلفه أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري الإمام الجليل الحافظ النظار الحجة مولده سنة ٢٠٦هـ وتوفي سنة ٢٦١ هجرية. (٤) سنن أبي داود: لمؤلفها أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي الإمام سيد الحفاظ الحجة المثبت مولده سنة ٢٠٢ هـ وتوفي سنة ٢٧٥ هجرية. (٥) الجامع: لمؤلفه أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي الإمام الحافظ الحجة الأميز مولده سنة ٢٠٩هـ وتوفي سنة ٢٧٩ هجرية. (٦) المجتبى: وهي السنن الصغرى لأبي عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي الإمام المثبت الحافظ الحجة المتولد سنة ٢١٥هـ المتوفى سنة ٣٠٣ هجرية.

стр. 38

الفريدة السادسة ذكر الأئمة المجتهدين والفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي قال برهان الدين بن فرحون نقلاً عن القاضي عياض ﵀ ما نصه: اعلم وفقنا الله وإياك أن حكم المتعبد بأوامر الله ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه ﷺ طلب معرفة ما يتعبد به، وما يأتيه ويذره ويجب عليه ويحرم ويباح له ويرغب فيه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما فلا يصح أن يؤخذ وينعقد إلا عليهما، إما من نص صريح عرفوه ثم تركوا نقله، أو اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك والعرف والدلالات الموصلة إليه من نقل ونظر وجمع وحفظ وعلم ما صح من السنن واشتهر ومعرفة كيف تفهم من علم ظواهر الألفاظ وهو علم العربية والفقه وعلم معانيها ومعاني موارد الشرع ومقاصده ونص الكلام وظاهره وفحواه وسائر مناهجه وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه وهذا كله يحتاج إلى مهلة والتعبد لازم لحينه، ثم الواصل لطريق الاجتهاد قليل وأقل القليل بعد الصدر الأول والسلف الصالح، وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يتلقى ما يُتَعَبَّد به وكلف من وظائف شريعته ممن ينقله له ويعرفه به، واثقاً به في نقله وعلمه، وهذا هو

стр. 39

التقليد ودرجة عوام الناس بل أكثرهم، وإذا كان هذا فالواجب تقليد العالم الموثوق به في ذلك، فإذا كثر العلماء فالأعلم، وهذا حظ المقلد من الاجتهاد لدينه، ولا يترك المقلد الأعلم ويعدل إلى غيره وإن كان مشتغلاً بالعلم فيسأل حينئذ عما لا يعلم حتى يعلمه. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧، النحل: ٤٣] وأمر النبي ﷺ بالاقتداء بالخلفاء (١) بعده وأصحابه وقد بعث النبي ﷺ أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين ويعلموهم ما كتب عليهم. وإذا كان هذا الأمر لازماً فأولى من قلده العامي الجاهل والطالب المسترشد والمتفقه في دين الله فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ الذين أخذوا عنه الأمر وعلموا أسباب نزول الأوامر والنواهي وشاهدوا قرائن الأمور وثاقفوا في أكثرها النبي ﷺ واستفسروه عنها مع ما كانوا عليه من صفة العلم ومعرفة معاني الكلام وتنوير القلوب وانشراح الصدور فكانوا أعلم الأمة بلا مرية وأولاهم بالتقليد، لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل ولا من الشرع إلا في قواعد ووقائع، وكان أكثر اشتغالهم بالعمل بما علموا والذب عن حوزة الدين وتوطين شريعة المسلمين، ثم بينهم في الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه مما يُبقي المقلد في حيرة ويحوجه إلى نظر وتوقف. وإنما جاء التفريع وبسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم وبنوا على أصولهم، ثم جاء من بعدهم من العلماء من أتباع التابعين والوقائع قد كثرت، والفتاوى قد تشعبت فجمعوا أقاويل الجميع وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم وَحَذِرُوا انتشار

стр. 40

الأمر، وخروج الخلاف عن الضبط، فاجتهدوا في جمع السنن، وضبط الأحوال وسئلوا فأجابوا ومهدوا الأصول، وفرعوا النوازل ووضعوا التصانيف ودونوها وقاسوا على ما بلغهم ما يشبهه فالمتعين على المقلد أن يرجع في التقليد لهؤلاء لأحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل لاختلافهم في الأصول التي بنوا عليها ولا يصلح أن يقلد المقلد من شاء منهم على الشهرة أو على ما وجد عليه أهل قطره فحظه هنا من الاجتهاد أن ينظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم، حتى يركن في أعماله إلى فتواه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه إلى من هو لا يرى مذهبه، وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرّعه والاهتداء بنظره؛ إذ لو ابتدأ الطالب يطلب في كل مسألة الوقوف على الحق منها بطريق الاجتهاد لعسر عليه ذلك إذ لا يتفق إلا بعد جمع خلاله كما تقدم وإذا اجتمعت خلاله كان حينئذ من المجتهدين لا من المقلدين انتهى. ثم قال ما ملخصه: وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قَبْلَهُم مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه. ثم اختلفت الآراء في تعيين المقلد منهم فغلب مذهب كل منهم على جهة: فمالك بالمدينة، وأبو حنيفة والثوري بالكوفة المتوفى سنة ١٦١هـ، والحسن البصري بالبصرة المتوفى سنة١١٦هـ، والأوزاعي بالشام المتوفى سنة ١٥٧هـ،
следующие страницы →