Полный текст (970 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
كمسند أبي علي ومصنف عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد الله بن حميد والطيالسي وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل.
الطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في الطبقتين الأوليين، وكانت في المجامع والمسانيد المختلفة فنوهوا بأمرها، وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل الأهواء والضعفاء أو كانت من آثار الصحابة والتابعين أو من أخبار بني إسرائيل أو من كلام الحكماء والوعاظ، خلطها الرواة بحديث النبي ﷺ سهواً أو عمداً، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمداً، أو كانت جملاً شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثاً واحداً بنسق واحد. ومظنة هذه الأحاديث كتاب الضعفاء لابن حبان وكامل ابن عدي وكتب الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن عساكر وابن النجار والديلمي وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة. وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفاً محتملاً وأسوأها ما كان موضوعاً أو مقلوباً شديد النكارة. وهذه الطبقة مادة كتاب الموضوعات لابن الجوزي.
ها هنا طبقة خامسة منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين ونحوهم وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع، ومنها ما دسه الماجن في دينه العالم بلسانه فأتى بإسناد قوي لا يمكن الجرح فيه وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه ﷺ فأثار في الإِسلام مصيبة عظيمة، لكن الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد فتهتك الأستار ويظهر العوار.
أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين وحوم حمامهما مرتعهم ومسرحهم، وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث، نعم ربما يؤخذ منها المتابعات والشواهد وقد جعل الله لكل شيء قدراً. وأما الرابعة فالاشتغال بجمعها أو الاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين
стр. 37
الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم فالانتصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث اهـ.
والحاصل أن الموطأ والكتب الخمسة هي الأسوة في فن الحديث في القديم والحديث وشهرة مؤلفيها غنية عن التعريف والبيان والتوصيف. متصلة السند، حملها فحول عن فحول إلى يومنا هذا وسنذكر سندي إليها في آخر المقصد إن شاء الله، وهي:
(١) الموطأ للإمام مالك وسيأتي ذكره قريباً في المقصد والتتمة.
(٢) صحيح البخاري لمؤلفه أبي عبد الله محمد بن أبي الحسن إسماعيل الجعفي البخاري الإِمام الجليل العلامة شيخ الإِسلام الفهامة الحافظ الحجة النظار. نال من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها. مولده سنة ١٩٤هـ ومات سنة ٢٥٦ هجرية. أنشد له الشهاب المقري بيتين وقال ليس له غيرهما وهما:
اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغته
كم صحيح قد مات قبل سقيم ... ذهبت نفسه النفيسة بغته
ووقع له ذلك أو قريب منه. قاله الحافظ ابن حجر اهـ من نفح الطيب.
(٣) صحيح مسلم: لمؤلفه أبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري الإمام الجليل الحافظ النظار الحجة مولده سنة ٢٠٦هـ وتوفي سنة ٢٦١ هجرية.
(٤) سنن أبي داود: لمؤلفها أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي الإمام سيد الحفاظ الحجة المثبت مولده سنة ٢٠٢ هـ وتوفي سنة ٢٧٥ هجرية.
(٥) الجامع: لمؤلفه أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي الإمام الحافظ الحجة الأميز مولده سنة ٢٠٩هـ وتوفي سنة ٢٧٩ هجرية.
(٦) المجتبى: وهي السنن الصغرى لأبي عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي الإمام المثبت الحافظ الحجة المتولد سنة ٢١٥هـ المتوفى سنة ٣٠٣ هجرية.
стр. 38
الفريدة السادسة ذكر الأئمة المجتهدين والفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي
قال برهان الدين بن فرحون نقلاً عن القاضي عياض ﵀ ما نصه: اعلم وفقنا الله وإياك أن حكم المتعبد بأوامر الله ونواهيه المتشرع بشريعة نبيه ﷺ طلب معرفة ما يتعبد به، وما يأتيه ويذره ويجب عليه ويحرم ويباح له ويرغب فيه من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ فهما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ثم إجماع المسلمين مرتب عليهما فلا يصح أن يؤخذ وينعقد إلا عليهما، إما من نص صريح عرفوه ثم تركوا نقله، أو اجتهاد مبني عليهما على القول بصحة الإجماع من طريق الاجتهاد وهذا كله لا يتم إلا بعد تحقيق العلم بذلك والعرف والدلالات الموصلة إليه من نقل ونظر وجمع وحفظ وعلم ما صح من السنن واشتهر ومعرفة كيف تفهم من علم ظواهر الألفاظ وهو علم العربية والفقه وعلم معانيها ومعاني موارد الشرع ومقاصده ونص الكلام وظاهره وفحواه وسائر مناهجه وهو المعبر عنه بعلم أصول الفقه وهذا كله يحتاج إلى مهلة والتعبد لازم لحينه، ثم الواصل لطريق الاجتهاد قليل وأقل القليل بعد الصدر الأول والسلف الصالح، وإذا كان هذا فلا بد لمن لم يبلغ هذه المنزلة من المكلفين أن يتلقى ما يُتَعَبَّد به وكلف من وظائف شريعته ممن ينقله له ويعرفه به، واثقاً به في نقله وعلمه، وهذا هو
стр. 39
التقليد ودرجة عوام الناس بل أكثرهم، وإذا كان هذا فالواجب تقليد العالم الموثوق به في ذلك، فإذا كثر العلماء فالأعلم، وهذا حظ المقلد من الاجتهاد لدينه، ولا يترك المقلد الأعلم ويعدل إلى غيره وإن كان مشتغلاً بالعلم فيسأل حينئذ عما لا يعلم حتى يعلمه. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧، النحل: ٤٣] وأمر النبي ﷺ بالاقتداء بالخلفاء (١) بعده وأصحابه وقد بعث النبي ﷺ أصحابه في الناس ليفقهوهم في الدين ويعلموهم ما كتب عليهم. وإذا كان هذا الأمر لازماً فأولى من قلده العامي الجاهل والطالب المسترشد والمتفقه في دين الله فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ الذين أخذوا عنه الأمر وعلموا أسباب نزول الأوامر والنواهي وشاهدوا قرائن الأمور وثاقفوا في أكثرها النبي ﷺ واستفسروه عنها مع ما كانوا عليه من صفة العلم ومعرفة معاني الكلام وتنوير القلوب وانشراح الصدور فكانوا أعلم الأمة بلا مرية وأولاهم بالتقليد، لكنهم لم يتكلموا من النوازل إلا في اليسير مما وقع، ولا تفرعت عنهم المسائل ولا من الشرع إلا في قواعد ووقائع، وكان أكثر اشتغالهم بالعمل بما علموا والذب عن حوزة الدين وتوطين شريعة المسلمين، ثم بينهم في الاختلاف في بعض ما تكلموا فيه مما يُبقي المقلد في حيرة ويحوجه إلى نظر وتوقف. وإنما جاء التفريع وبسط الكلام فيما يتوقع وقوعه بعدهم فجاء التابعون فنظروا في اختلافهم وبنوا على أصولهم، ثم جاء من بعدهم من العلماء من أتباع التابعين والوقائع قد كثرت، والفتاوى قد تشعبت فجمعوا أقاويل الجميع وحفظوا فقههم وبحثوا عن اختلافهم واتفاقهم وَحَذِرُوا انتشار
стр. 40
الأمر، وخروج الخلاف عن الضبط، فاجتهدوا في جمع السنن، وضبط الأحوال وسئلوا فأجابوا ومهدوا الأصول، وفرعوا النوازل ووضعوا التصانيف ودونوها وقاسوا على ما بلغهم ما يشبهه فالمتعين على المقلد أن يرجع في التقليد لهؤلاء لأحكامهم النظر في مذاهب من تقدمهم وكفايتهم ذلك لمن جاء بعدهم لكن تقليد جميعهم لا يتفق في أكثر النوازل لاختلافهم في الأصول التي بنوا عليها ولا يصلح أن يقلد المقلد من شاء منهم على الشهرة أو على ما وجد عليه أهل قطره فحظه هنا من الاجتهاد أن ينظر في أعلمهم ويعرف الأولى بالتقليد من جملتهم، حتى يركن في أعماله إلى فتواه، ولا يحل له أن يعدو في استفتائه إلى من هو لا يرى مذهبه، وكذلك يلزم هذا طالب العلم في بدايته في درس ما أصله الأعلم من هؤلاء وفرّعه والاهتداء بنظره؛ إذ لو ابتدأ الطالب يطلب في كل مسألة الوقوف على الحق منها بطريق الاجتهاد لعسر عليه ذلك إذ لا يتفق إلا بعد جمع خلاله كما تقدم وإذا اجتمعت خلاله كان حينئذ من المجتهدين لا من المقلدين انتهى. ثم قال ما ملخصه: وقع إجماع المسلمين في أقطار الأرض على تقليد هذا النمط واتباعهم ودرس مذاهبهم دون من قَبْلَهُم مع الاعتراف بفضل من قبلهم وسبقه ومزيد علمه. ثم اختلفت الآراء في تعيين المقلد منهم فغلب مذهب كل منهم على جهة: فمالك بالمدينة، وأبو حنيفة والثوري بالكوفة المتوفى سنة ١٦١هـ، والحسن البصري بالبصرة المتوفى سنة١١٦هـ، والأوزاعي بالشام المتوفى سنة ١٥٧هـ،
стр. 41
والليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥هـ إمام أهل مصر في الفقه والحديث المتوفى سنة ٩٤ هـ والشافعي بمصر وأحمد بن حنبل ببغداد وكان لأبي ثور المتوفى سنة ٢٤٦ هـ هناك أتباع أيضاً ثم نشأ ببغداد أبو جعفر الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ وداود الأصبهاني المتوفى سنة ٢٧٠ هـ فألفا الكتب واختارا في المذهب على رأي أهل الحديث وطرح داود منها القياس وكان لكل واحد منهم أتباع فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم مع الاختلاف في أعيانهم واتفاق العلماء على اتباعهم والاقتداء بمذاهبهم ودرس كتبهم والتفقه على مآخذهم والبناء على قواعدهم والتفريع عى أصولهم دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم للعلل التي ذكرناها. وصار الناس اليوم في أقطار الأرض على خمسة مذاهب: مالكية وحنبلية وشافعية وحنفية وداودية وهم المعروفون بالظاهرية انتهى باختصار مع زيادة وهؤلاء الأئمة لهم أتباع يختلفون قلة وكثرة في الاتباع والانتشار والدوام والانقطاع إلى أواخر المائة الخامسة فلم يبقَ من بينهم مَن له أتباع إلا الأئمة الأربعة. قال ولي الدين بن خلدون وقف التقليد في الأمصار عند الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ودرس المقلدون لمن سواهم وسدّ الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء، كل بما اختص به من المقلدين. وحظروا أن يُتداول تقليد من سواهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب مقلده منهم
стр. 42
بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية لا محصول للفقه اليوم غير هذا ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأربعة انتهى. انظره. والأربعة:
١٧ - مالك بن أنس: إمام دار الهجرة ﵁ انتشر مذهبه بالحجاز والبصرة وما والاها وبإفريقية والمغرب والأندلس ومصر وأتباعه كثيرون جداً مولده سنة ٩٣ هـ وتوفي سنة ١٧٩هـ وستأتي ترجمته [٧٩٥ م].
١٨ - وأبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي: التابعي ﵁ الإمام قدوة العلماء الأعلام وشيخ مشايخ الإسلام العالم الجليل القدر الشهير الذكر المتفق على جلالته وفضله وعلمه انتشر مذهبه بالكوفة والشام والعراق وما وراء النهرين والروم وغيرها وأتباعه كثيرون جداً. ترجمته واسعة أفردت بالتأليف. مولده سنة ٨٠ هـ وتوفي ببغداد سنة ١٥٠هـ[٧٦٧ م].
١٩ - وأبو عبد الله محمَّد بن إدريس الشافعي المطلبي ﵁: الإِمام البعيد الصيت والذكر الجليل القدر علامة الدنيا بلا ثنيا الحافظ الحجة النظار المتفق على جلالته وفضله وعلمه شهرته في أقطار الأرض تغني عن التعريف به. وترجمته واسعة أفردت بالتأليف له أتباع كثيرون جداً وانتشر مذهبه انتشار مذهب أبي حنيفة ومن دعائه: اللهم يا لطيف أسألك اللطف فيما جرت به المقادير. وهو مشهور بين العلماء بالإجابة. مولده بغزة سنة ١٥٠هـ توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ.
٢٠ - أبو عبد الله أحمد بن محمَّد بن حنبل البغدادي ﵁: الإمام الثقة المثبت الأمين الحافظ الحجة النظار المتفق على جلالته وورعه وعلمه كان من علية أئمة الحديث انتشر مذهبه بكثير من بلاد الشام وغيرها ثم ضعف. ترجمته عالية ذكرت مفردة ومضافة مولود سنة ١٦٤هـ وتوفي ببغداد سنة ٢٤١هـ[٨٥٥ م].
стр. 43
فهؤلاء الأربعة أئمة الدين الأعلام، وقف التقليد عندهم في سائر الأقطار والأمصار، إلى هذا الوقت. وفي باب أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء من كتاب حجة الله البالغة كلام نفيس هو من الأهمية بمكان، ولذا آثرت نقله بنصه وإن كان فيه طول، فإن الحسن غير مملول. قال ﵀: اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئاً من حملة العلم إنجازاً لما وعده رسول الله ﷺ حيث قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُولُهُ" (١) فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ورووا حديث النبي ﷺ وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيها، وسألوا عن المسائل واجتهدوا في ذلك كله ثم صاروا كبراء قوم، ووسد إليهم الأمر فنسجوا على منوال شيوخهم ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتضاءات، فقضوا وأفتوا ورووا وعلموا. وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابهاً. وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله ﷺ والمرسل جميعاً ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين. علمنا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله ﷺ اختبروها فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم وقد روى حديث نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة
стр. 44
والمزابنة فقيل له أما تحفظ من رسول الله ﷺ حديثاً غير هذا قال: بلى ولكن أقول قال عبد الله قال علقمة أحب إلى. وكما قال الشعبي وقد سئل عن حديث وقيل إنه يرجع إلى النبي ﷺ قال لا، علي من دون النبي ﷺ أحب إلينا فإن كان فيه زيادة ونقصان كان علي من دون النبي ﷺ أو يكون استنباطاً منهم من النصوص أو اجتهاداً منهم بآرائهم وهم أحسن صنيعاً في كل ذلك ممن يجيء بعدهم وأكثر إصابة وأقدم زماناً وأوعى علماً فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله ﷺ يخالف قولهم مخالفة ظاهرة وأنه إذا اختلفت أحاديث رسول الله ﷺ في مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك ولكن اتفقوا على تركه وعدم القول بموجبه فإنه كابتداء علة فيه أو الحكم بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ذلك وهو قول مالك: في حديث ولغ الكلب جاء هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم أرَ الفقهاء يعملون به وأنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف
стр. 45
بصحيح أقاويلهم من السقيم وأوعى للأصول المناسبة لها وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم- مثل سعيد بن المسيب فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد الله بن عبد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة- أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي ﷺ في فضائل المدينة ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل عصر ولذلك ترى مالكاً يلازم محجتهم ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى إبراهيم أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في الشريك قال: هل أحد منكم أثبت من عبد الله؟ فقال: لا ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون فإن اتفق أهل البلد على شيء أخذوا بنواجده وهو الذي يقول في مثله مالك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها إما بكثرة القائلين به أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج من الكتاب والسنة وهو الذي يقول في مثله مالك هذا أحسن ما سمعت فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء وألهموا في هذه الطبقة التدوين فدون مالك ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذيب بالمدينة وابن جريج وابن عيينة بمكة والثوري بالكوفة وربيع بن الصبيح بالبصرة وكلهم مشوا على هذا المنهج الذي ذكرته ولما حج المنصور قال لمالك قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها فتنسخ ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم
стр. 46
أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وأتوا به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم ويحكى نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد (١) وأنه شاور مالكاً في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه فقال لا تفعل فإن أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل سنة مضت. قال: وفقك الله يا أبا عبد الله حكاه السيوطي وكان مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله ﷺ وأوثقهم إسناداً وأعلمهم بقضايا عمر، وأقاويل عبد الله بن عمر، وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى فلما وسد إليه الأمر حدث وأفتى وأفاد وأجاد وعليه انطبق قول النبي ﷺ : "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحداً أعلم من عالم المدينة" على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق، وناهيك بهما. فجمع أصحابه رواياته ومختاراته ولخصوها وحرروها وشرحوها وخرّجوا عليها وتكلموا في أصولها ودلائلها وتفرقوا إلى المغرب ونواحي الأرض فنفع الله بهم كثيراً من خلقه. وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أهل مذهبه فانظر في كتاب الموطأ تجده كما ذكرنا، وكان أبو حنيفة ﵁ ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلاً على الفروع أتم إقبال وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلناه فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار
стр. 47
لمحمد ﵀ وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضاً لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة وكان أشهر أصحابه ذكراً أبا يوسف ﵀ تولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد فكان سبباً لظهور مذهبه والقضاء به في أقطار العراق وخراسان وما وراء النهر، وكان أحسنهم تصنيفاً وألزمهم درساً محمد بن الحسن، وكان من خبره أن تفقه على أبي حنيفة وأبي يوسف ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك ثم رجع إلى نفسه فطبّق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فإن وافق فيها وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياساً ضعيفاً أو تخريجاً ليناً يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح ما هنالك، وهذان لا يزالان على محجة إبراهيم وأقرانه ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة ﵁ يفعل ذلك وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض فصنف محمد ﵀ وجمع رأي هؤلاء الثلاثة ونفع كثيراً من الناس فتوجه أصحاب أبي حنيفة ﵁ إلى تلك التصانيف تخليصاً وتقريباً أو شرحاً أو تخريجاً أو تأسيساً أو استدلالاً ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر فيسمى ذلك مذهب أبي حنيفة. ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما فنظر في صنيع الأوائل فوجد فيه أموراً كبحت عنانه عن الجريان في طريقهم وقد ذكرها في أوائل كتاب الأم منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما الخلل فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه
стр. 48
كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف مسنداً (١) فقرر أن لا يأخذ بالمرسل إلا عند وجود شروط وهي مذكورة في كتب الأصول، ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان يتطرق بذلك خلل في مجتهداتهم فوضع لها أصولاً ودوّنها في كتاب وهذا أول تدوين كان في أصول الفقه مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن وهو يطعن علي أهل المدينة في قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين ويقول هذا زيادة على كتاب الله، فقال الشافعي: أثبت عندك أنه لا تجوز الزيادة على كتاب الله بخبر الواحد؟ قال نعم. قال: فلمَ قلت إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله ﷺ : "ألا لا وصية لوارث" وقد قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية وأورد عليه أشياء من هذا القبيل فانقطع كلام محمَّد بن الحسن، ومنها أن بعض الأحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم الفتوى فاجتهدوا بآرائهم أو اتبعوا العمومات أو اقتدوا بمن مضى من الصحابة فأفتوا حسب ذلك ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة فلم يعملوا بها ظناً منهم أنها تخالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم التي لا اختلاف لهم فيها وذلك قادح في الحديث وعلة مسقطة له أو لم تظهر في الثلاثة وإنما ظهرت بعد ذلك عندما أمعن أهل الحديث في جميع طرق الحديث ورحلوا إلى أقطار الأرض وبحثوا عن حملة العلم فكثر من الأحاديث ما لا يرويه من الصحابة إلا رجل واحد، أو رجلان، ولا يرويه عنه أو عنهما إلا رجل واحد أو رجلان وهلم جراً فخفي على أهل الفقه وظهر في عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث كثير من الأحاديث رواه أهل البصرة مثلاً وسائر الأقطار في غفلة منه فبيّن الشافعي أن العلماء من الصحابة والتابعين لم يزل شأنهم يطلبون الحديث في
стр. 49
المسألة فإذا لم يجدوا تمسكوا بنوع آخر من الاستدلال ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد رجعوا من اجتهادهم إلى الحديث فإذا كان الأمر على ذلك لا يكون عدم تمسكهم بالحديث قدحاً فيه اللهم إلا إذا بينّوا العلة القادحة مثاله: حديث القلتين فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة معظمها ترجع إلى أبي الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله أو محمَّد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله كلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت الطرق بعد ذلك. وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى وعول الناس عليهم فلم يظهر الحديث في عصر سعيد بن المسيب ولا في عصر الزهري ولم يمشِ عليه المالكية ولا الحنفية فلم يعملوا به وعمل به الشافعي وكحديث: "خيار المجلس": فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة وعمل به: ابن عمر، وأبو هريرة من الصحابة. ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به فرأى مالك وأبو حنيفة هذه علة قادحة في الحديث وعمل به الشافعي ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر
стр. 50
الشافعي فتكثرت واختلفت وتشعبت ورأى كثيراً منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم ورأى السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث فترك التمسك بأقوالهم ما لم يتفقوا وقال هم رجال ونحن رجال. ومنها أنه رأى قوماً من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته فلا يميزون واحداً منهم من الآخر ويسمونه بالاستحسان وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة لحكم وإنما القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص ويدار عليها الحكم فأبطل هذا النوع أتم إبطال وقال: "مَن استحسن فإنه أراد أن يكون شارعاً" حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول مثاله رشد اليتيم أمر خفي فأقاموا مظنة الرشد وهو بلوغ خمس وعشرين سنة مقامه وقالوا إذا بلغ هذا العمر سلم إليه ماله قالوا هذا استحسان والقياس أن لا يسلم إليه وبالجملة لما رأى في صنع الأوائل مثل هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس فأسس الأصول وفرع الفروع وصنف الكتب فأجاد وأفاد واجتمع عليه الفقهاء وتصرفوا اختصاراً وشرحاً واستدلالاً وتخريجاً ثم تفرقوا في البلدان فكان هذا مذهباً للشافعي اهـ. ثم عقد باباً في الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي ونص محل الحاجة منه كان عندهم إذا وجد في المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول منه إلى غيره، وإذا كان القرآن محتملاً لوجوه فالسنة قاضية عليه، فإذا لم يجدوا في كتاب الله أخذوا سنة رسول الله ﷺ سواء كان مستفيضاً دائراً بين الفقهاء أو يكون مختصاً بأهل بلد أو أهل بيت أو بطريق خاصة، وسواء عمل به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به. ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع فيها خلاف أثر من الآثار ولا اجتهاد أحد من المجتهدين، وإذا أفرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث ولم يجدوا في المسألة حديثاً أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين ولا يتقيدون بقوم دون قوم ولا ببلد دون بلد كما كان يفعل من قبلهم، فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علماً وأورعهم ورعاً وأكثرهم ضبطاً أو ما اشتهر عنهم. فإن وجدوا شيئاً يستوي فيه قولان فهي مسألة ذات قولين، فإن عجزوا عن ذلك أيضاً تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيماءاتها واقتضاءاتها وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب إذا كانتا متقاربتين بادئ الرأي لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول ولكن
стр. 51
على ما يخلص إلى الفهم ويثلج به الصدر كما أنه ليس ميزان التواتر عدد الرواة ولا حالهم ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس كما نبهنا على ذلك في بيان حال الصحابة. وكانت هذه الأصول مستخرجة عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم، وعن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج يسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله ﷺ فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل بيننا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به. وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ﷺ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيراً لك. ثم قال: وعن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك ﵃ أنهم كانوا يقولون: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله ﷺ . وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد لم تكن مسألة من المسائل التي تكلم فيها من قبلهم والتي
стр. 52
وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثاً مرفوعاً متصلاً أو مرسلاً أو موقوفاً صحيحاً أو حسناً أو صالحاً للاعتبار أو وجدوا أثراً من آثار الشيخين أو سائر الخلفاء وقضاة الأمصار وفقهاء البلدان أو استنباطاً من عموم أو إيماء أو اقتضاء فيسر الله لهم العمل بالسنة على هذا الوجه، وكان أعظمهم شأناً وأوسعهم رواية وأرفعهم للحديث مرتبة وأعمقهم فقهاً أحمد بن محمَّد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه. وكان ترتيب الفقه على هذا الوجه يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث والآثار حتى سئل أحمد يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفتي؟ قال: لا. حتى قيل خمسمائة ألف حديث؟ قال: أرجو. كذا في غاية المنتهى. ومراده الإفتاء على هذا الأصل. ثم أنشأ الله تعالى قرناً آخر فرأوا أصحابهم قد كفوا مؤنة جمع الحديث وتمهيد الفقه على أصلهم فتفرغوا لفنون أخرى كتمييز الحديث الصحيح المجمع عليه بين كبراء أهل الحديث كزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وأحمد إسحاق وأضرابهم، وكجمع أحاديث الفقه التي بني عليها فقهاء الأمصار وعلماء البلدان مذاهبم وكالحكم على كل حديث بما يستحقه وكالشاذة والفاذة من الأحاديث لم يرووها أو طرقها التي لم يخرجوا من جهتها الأوائل مما فيه اتصال أو علو سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ عن حافظ ونحو ذلك من المطالب العلمية وهؤلاء هم البخاري ومسلم وأبو داود وعبد الله بن حميد والدارمي وابن ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي والخطيب والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم، وكان أوسعهم علماً عندي وأنفعهم تصنيفاً وأشهرهم ذكراً رجال أربعة متقاربون في العصر:
- أولهم: أبو عبد الله البخاري وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح المستفيضة المتصلة من غيرها واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فصنف جامعه الصحيح ووفى بما شرط، وبلغنا أن رجلاً من الصالحين رأى رسول الله ﷺ في منامه وهو يقول: مالك اشتغلت بفقه محمَّد بن إدريس وتركت كتابي. قال: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: صحيح البخاري. ولعمري أنه نال من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها.
- وثانيهم: مسلم النيسابوري توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة وأراد تقريبها إلى الأذهان وتسهيل الاستنباط منها فرتب ترتيباً جيداً وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ليتضح اختلاف المتون وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون وجمع بين المختلفات فلم يدع لمن له معرفة لسان العرب عذراً في الإعراض عن السنة إلى غيرها.
стр. 53
- وثالثهم: أبو داود السجستاني وكان همه جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ودارت فيهم وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنف سننه وجمع فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل. قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثاً أجمع الناس على تركه، وما كان منها ضعيفاً صرح بضعفه وما كان فيه علة بيّنها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن، وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب. ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد.
- ورابعهم: أبو عيسى الترمذي وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما أبهما وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع تلك الطريقتين وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار فجمع كتاباً جامعاً واختصر طرق الحديث اختصاراً لطيفاً فذكر واحداً وأومأ إلى ما عداه وبيّن أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر وبيّن وجه الضعف ليكون الطالب على بصيرة من أمره فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه وذكر أنه مستفيض أو غريب وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار وسمى من يحتاج إلى التسمية وكنى من يحتاج إلى التكنية ولم يدع خفاء لمن هو من رجال العلم ولذلك يقال إنه كاف للمجتهد مغن للمقلد.
وكان بأزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ولا يهابون الفتيا ويقولون على الفقه بناء الدين فلا بد من إشاعته ويهابون رواية حديث رسول الله ﷺ والرفع إليه حتى قال الشعبي على من دون النبي ﷺ أحب إلينا فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان على من دون النبي ﷺ . وقال إبراهيم: أقول: قال عبد الله وقال علقمة أحب إلينا. وكان أبو مسعود إذا تحدث عن رسول الله ﷺ تربد وجهه وقال: هكذا أو نحوه، هكذا أو نحوه. وقال عمر حين بعث رهطاً من الأنصار إلى الكوفة: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد! قدم أصحاب محمَّد! فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ . قال ابن عون: كان الشعبي إذا جاءه شيء اتقى. وكان إبراهيم يقول ويقول. أخرج هذه الآثار الدارمي. فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر وذلك أنه لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء البلدان وجمعها والبحث عنها واتهموا أنفسهم في ذلك وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق وكأن قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم كما قال علقمة: هل أحد منهم أثبت
стр. 54
من عبد الله، وقال أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفقه من ابن عمر. وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم، وكل ميسر لما خلق له، وكل حزب بما لديهم فرحون. فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان أصحابه وأعرفهم بأقوال القوم وأصحهم نظراً في الترجيح فيتأمل في كل مسألة وجه الحكم، فكلما سئل عن شيء أو احتاج إلى شيء رأى فيما يحفظه من تصريحات أصحابه فإن وجد الجواب فيها وإلا نظر إلى عموم كلامهم فأجراه إيماء واقتضاء يفهم المقصود، وربما كان للمسألة المصرح بها نظير تحمل عليه وربما نظروا في علة الحكم المصرح به بالتخريج أو باليسر والحذف فأداروا حكمه على غير المصرح به، وربما كان له كلامان لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني أو الشرطي أنتجا جواب المسألة وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالمثال والقسمة غير معلوم بالحد الجامع المانع فيرجعون إلى أهل اللسان ويتكلفون في تحصيل ذاتياته وترتيب حد جامع مانع له وضبط فهمه وتمييز مشكله، وربما كان كلامهم محتملاً بوجهين فينظرون في ترجيح أحد المحتملين، وربما يكون تقريب الدلائل خفياً فيبينون ذلك، وربما استدل بعض المخرجين من فعل أئمتهم وسكوتهم ونحو ذلك فهذا هو التخريج ويقال له القول المخرج لفلان كذا، ويقال على مذهب فلان أو على أصل فلان أو على قول فلان جواب المسألة كذا وكذا ويقال لهؤلاء المجتهدون في المذهب وعنى هذا الاجتهاد على هذا الأصل من قال: من حفظ المبسوط كان مجتهداً. أي وإن لم يكن له علم برواية أصلاً ولا بحديث واحد فوقع التخريج في كل مذهب وكثر، فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد إليهم القضاء والإفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس ودرسوا درساً ظاهراً انتشر في أقطار الأرض ولم يزل ينتشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين ولم يولوا القضاء والإفتاء ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين اهـ.
فائدة
اعلم أن ما جاء في الشريعة المطهرة الفخيمة لا يخرج عن الرخصة والعزيمة. وقد أتى على تحرير ذلك بأبين بيان وأفصح عبارة، وألطف إشارة، العارف الشعراني في أوائل كتابه (كشف الغمة عن جميع الأمة) وإليك ما حرره، ﵀ وفي الملأ الأعلى ذكره. قال: الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة، وأقوال علمائها
стр. 55
كالفروع والأغصان. وكل مَن شهد تناقضاً في أخبارها أو خطأ في أقوال علمائها فإنما هو لقصوره عن درجة العرفان. فإن الشريعة قد جاءت على مرتبتين تخفيف وتشديد ولكل منهما رجال لا على مرتبة واحدة كما سيأتي في الميزان. ومن عسر عليه الجمع بين حديثين منها أو قولين من أقوال علمائها فليجعل المائل إلى الاحتياط منهما في مرتبة الأولوية والمائل إلى الرخصة في مرتبة خلاف الأولى يطلع على ما قلناه من أعطي الفرقان. ثم أتى على الميزان المشار إليها فقال: بيان ميزان نفيسة، يشرف الإنسان بها على تقرير جميع أدلة الشريعة، وما انبنى عليها من أقوال المجتهدين إلى يوم الدين. وذلك أن تعلم يا أخي أن الشريعة المطهرة جاءت عامة وليس مذهب بها أولى من مذهب، مَن ادعى تخصيصها بما ذهب إليه إمامه من المقلدين فقد أتى باباً من الكبائر، وخطأ الأئمة أو ضعف أدلتهم بالرد تارة وبالقول بالنسخ تارة وبجرح الرواة لها تارة نسأل الله العافية. ولا تخرج يا أخي من هذه الورطة إلا أن تقول بصحة كل حديث أو أثر استدل به إمام من الأئمة لمذهبه كائناً ذلك الإِمام من كان، فإنه لولا ما صح عنده ما استدل به وكفانا صحة ذلك الحديث أو الأثر استدلال مجتهديه ولا يقدح فيه تجريح غيره من المحدثين المجتهدين من طريق روايتهم فإذا تقرر عندك أدلة الشريعة كلها على هذا الطريق ثم خفت تعارضها رجعها كلها إلى مرتبتين عزيمة ورخصة يرتفع التعارض والخلاف عندك من الشريعة إن شاء الله تعالى, لأن الشريعة لا تخرج عن هاتين المرتبتين أبداً. لأن الحديث إما أن يكون الحكم المحتوي عليه مائلاً إلى العزيمة والاحتياط وإما أن يكون مائلاً إلى الرخصة والتخفيف عن ضعفاء الأمة ولكل من المرتبتين رجال في حال مباشرة الأعمال فمن قوي منهم خوطب بالتشديد وحكم عليه به في الحقوق ونحوها، ومن ضعف منهم خوطب بالرخصة فلا يكلف الضعيف بالصعود لمرتبة الأقوياء ولا يؤمر القوي بالنزول لمرتبة الضعفاء, سواء كان ذلك المأمور به مندوباً أو واجباً ويوضح لك ذلك في أقوال المذاهب أن تجعل كل ما شرطه مجتهد بطريق الاستنباط في مرتبة الأولوية والاحتياط وتجعل مقابله من كلام المجتهد الآخر في مرتبة خلاف الأولى لا غير مع القول بصحة القولين وموافقتهما للشريعة وذلك كاشتراط النية في الطهارة واشتراط الطهارة بالماء الذي لم يستعمل ووجوب التسمية على الوضوء ووجوب المضمضة والاسثنشاق ووجوب الترتيب والموالاة وكنقض الوضوء بلمس المرأة ولو محرماً ومس الذكر وبخروج الدم والقيء والقهقهة وكقراءة الفاتحة
стр. 56
بخصوصها في الصلاة دون غيرها ووجوب الاعتدال والسجود على السبعة أعضاء وغير ذلك من سائر الأبواب فامتحن بهذا الميزان جميع الآيات والآثار والأخبار وما انبنى على ذلك من أقوال المجتهدين والمقلدين لهم إلى يوم الدين في سائر أبواب العبادات والمعاملات والمناكحات والحدود والجنايات والدعوى والبينات تجد كل دليل أو قول لا يخرج عن هاتين المرتبتين كما مر فما دخل الخلاف والنزاع بين أهل المذاهب ومقلديهم إلا من شهودهم أن الشريعة إنما جاءت على مرتبة واحدة وأن المصيب واحد في نفس الأمر من أصحاب تلك الأئمة أو الأقوال والباقي مخطئ وربما استدلوا على وقوع الخطأ بحديث "من اجتهد وأخطأ فله أجر" وهو لا يصلح دليلاً لأن المراد أخطأ الحديث الوارد عني بعد التتبع فلم يجده لا أنه أخطأ في عين الفهم إذ لو صحّ خطأه في عين الفهم لخرج عن الشريعة وإذا خرج فلا أجر فافهم فالحق الذي نعتقده أن الشريعة جاءت على مرتبتين كما قررنا ولو كانت جاءت على مرتبة واحدة إما تخفيف فقط أو تشديد فقط لكانت عذاباً في قسم التشديد ولم يظهر للدين شعار في قسم التخفيف والتسهيل وقد جاءت بحمد الله رحمة للخلق وإظهاراً لشعار الدين ثم قال: فمَن دخل لفهم الشريعة من باب هذا الميزان ارتفع الخلاف عنده من الشريعة جملة ورأى جميع علماء الشريعة في بحرها يسبحون لاستمدادهم كلهم من عين الشريعة وقرر جميع أدلة المجتهدين وأقوالهم ولم يجد شيئاً من أداتهم ولا أقوالهم خارجاً عن الشريعة المطهرة وعلم أن مجموع المذاهب هي بعينها الشريعة ومن لم يدخل لفهم الشريعة من هذا الباب نقض علمه بالشريعة وفاته خير كثير لأن كل حديث لم يأخذ به إمامه يترك العمل به والمذهب الواحد بلا شك لا يحتوي على كل أحاديث الشريعة إلا إن قال صاحبه إذا صح الحديث فهو مذهبي فيدخل في مذهبه كل حديث استدل به مجتهد من المجتهدين وقد ثبت عن الشافعي ذلك وهذا مشرب ما رأيته لأحد من العلماء إلى وقتي هذا وقد أخبرني الهاتف ﵇ أن هذا الميزان لم يظفر به أحد من التابعين ولا أحد من الأئمة المجتهدين بدليل ما نقل عن التابعين من الخلاف وما نصبه المجتهدون بينهم من المناظرات وردهم لأقوال بعضهم بعضاً بالحجج التي قامت عندهم ولو علموا هذا الميزان لم يقع بينهم خلاف لحمل كل واحد منهم كلام صاحبه على مرتبة من إحدى مرتبتي الشريعة اهـ ببعض اختصار.
стр. 57
الفريدة السابعة من خصائص هذه الأمة أنه لم تزل طائفة منهم ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم
في البخاري باب قول النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم" حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسماعيل عن قيس عن المغيرة [عن] شعبة عن النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطي الله ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله". وفي مسلم مرفوعاً قال رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرني على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
هاته الأحاديث تعرض لشرحها كثير من العلماء مضافة ومستقلة، وإليك ما قاله الحافظ في شرحه فتح الباري قوله وهم: أهل العلم من كلام المصنف وأخرج الترمذي حديث الباب ثم قال: سمعت البخاري يقول: هم أصحاب الحديث وذكر في كتاب خلق أفعال العباد حديث أبي سعيد في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] هم الطائفة المذكورة في حديث "لا تزال طائفة من أمتي" وقال: وجاء نحوه عن أبي هريرة ومعاوية وجابر وسلمة بن نفيل وقرة [بن ياسر].
стр. 58
وأخرج الحاكم في علوم الحديث بسند صحيح عن الإِمام أحمد إن لم يكونوا أهل
الحديث فلا أدري من هم. ومن طريق يزيد بن هارون مثله. وقال الكرماني يؤخذ
من الاستقامة المذكورة في حديث معاوية أن من جملة الاستقامة أن يكون التفقه لأنه
الأصل وبهذا ترتبط الأخبار المذكورة.
وحديث معاوية اشتمل على ثلاثة أحكام:
أحدها: فضل التفقه في الدين.
وثانيها: أن المعطي في الحقيقة هو الله.
وثالثها: أن بعض أهل هذه الأمة يبقى على الحق أبداً والمراد بأمر الله هنا الريح التي تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان وتبقي شرار الناس فعليهم تقوم الساعة ويفقهه أي يفهمه وهي ساكنة الهاء لأنها جواب الشرط يقال: فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم وفقه بالكسر إذا فهم ونكر خيراً ليشمل القليل والكثير والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي يتعلم قواعد الإِسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم وفي الحديث أن التفقه لا يكون بالاكتساب فقط بل لمن يفتح الله عليه به وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجوداً حتى يأتي أمر الله وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار وقال أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وقال القاضي عياض: أراد أحمد أهل السنة وظاهرون أي على من خالفهم أي غالبون وقوله: ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله في رواية عمير بن هانئ لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله وزاد قال عمير قال مالك بن يخامر قال معاذ وهم بالشام وفي رواية يزيد بن الأصم ولا تزال عصابة من المسلمين ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة. قال صاحب المشارق في قوله: لا يزال أهل الغرب يعني الرواية التي في بعض طرق مسلم وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء، ذكر يعقوب بن شيبة عن علي بن المديني قال: المراد بالغرب الدلو أي العرب بفتح المهملتين لأنهم أصحابها لا يسقي بها أحد غيرهم لكن في حديث معاذ وهم أهل الشام فالظاهر أن المراد بالغرب البلد لأن الشام غربي الحجاز، كذا قال؛ وليس بواضح، ووقع
стр. 59
في بعض طرق الحديث المغرب بفتح الميم وسكون المعجمة وهذا يرد تأويل الغرب بالعرب لكن يحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه أن المراد الإقليم لا صفة بعض أهله، وقيل المراد بالغرب أهل القوة والاجتهاد يقال في لسانه غريب بفتح ثم سكون أي حدة ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني "يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة". ويمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد يكونون ببيت المقدس وهي شامية ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو وحده وجدّ النووي في الحديث الإجماع حجة، ثم قال: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون البعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة فإذا انقوضوا جاء أمر الله اهـ. مع زيادة يسيرة ونظير ما نبه عليه ما حمل عليه بعض الأئمة حديث أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لهما دينها أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل مائة سنة واحد فقط بل يكون الأمر فيه كما ذكر في الطائفة وهو ظاهر فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا ينحصر في نوع من أنواع الخير ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد، إلا أن يدعى ذلك في عمر بن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها؛ ومن ثم أطلق أحمد أنهم كانوا يحملون الحديث عليه، وأما مَن جاء بعده فالشافعي وإن كان متصفاً بالصفات الجميلة، إلا أنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كل مَن كان متصفاً بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد سواء تعدد أم لا اهـ فتح في كتابي العلم والاعتصام.
стр. 60
المقصد
الطبقة الأولى
ذكر رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين وأزواجه أمهات المؤمنين وأولاده رضوان الله عليهم أجمعين
أول الطبقات، وغاية الغايات، وسيد السادات عين الرحمة، وينبوع كل فضيلة وحكمة، الذي جاء بالآيات البينات المخصوص بالنبوة والرسالة المنتخب من خير عنصر وأطيب سلالة، سيدنا ومولانا أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن معد بن عدنان، وفيما فوق ذلك خلاف كثير، وكره مالك رفع النسب إلى آدم ﵇. وأمه
стр. 61
السيدة الرضية آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب المذكور. ولد ﷺ بمكة يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول عام الفيل الذي قدم فيه ملك الحبشة بجيوشه لهدم الكعبة الموافق لعام ٥٢٠ هـ من ميلاد عيسى ﵇ فهو الرسول الكريم الذي تلقى الوحي والقرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل عن الروح الأمين عن رب العالمين ﷻ وتقدس كلامه. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: أنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ثم أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين ثم توفي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة وتلقى أصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ما جاء به بالمسرة والإجلال والمبرة وأيدوه وعزروه ونصروه من بين يديه ومن خلفه واتبعوا النور الذي أنزل عليه ولما حصل التبليغ وهو المقصود من بعثته بقوله وفعله وإظهار الدين على الدين كله أنزل عليه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال المفسرون: نزلت هاته الآية يوم الجمعة بعد العصر يوم عرفة والنبي ﷺ واقف بعرفات على ناقته القصواء فكاد عضد الناقة تندق وبركت لثقل الوحي وذلك في حجة الوداع سنة عشر للهجرة أخرج ابن أبي شيبة عن عنترة أن عمر ﵁ لما نزلت هاته الآية بكى، فقال النبي ﷺ ما يبكيك يا عمر؟ فقال: أبكاني أنا كنا من زيادة في ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء قط إلا نقص، قال: صدقت فكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ عاش بعدها واحداً وثمانين يوماً ومضى روحي فداه إلى الرفيق الأعلى ﷺ يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأنور، وقيل لاثنتي عشرة ليلة. قال الخازن في تفسيره وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة فمجموع عمره ﷺ ثلاث وستون سنة على الصحيح وماذا أقول وآي القرآن مفصحة عن علاه بما يبهر العقول ومصرحة من كل صفاته بما لا يستطاع إليه الوصول ففضله أشهر من أن يذكر ويبين فهو حجة الله في الأرض ومصطفاه من البشر المخصوص بمنزلة النبوة وآدم بين الماء والطين ولله در ابن الخطيب إذ يقول:
стр. 62
يا مصطفى من قبل نشأة آدم .... والكون لم يفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعد ما .... أثنى على أخلاقك الخلاف
ولما توفي ﷺ كان الخليفة بعده أفضل الصحابة وأسبقهم في الصحبة باتفاق أهل السنة الصاحب في الغار وفي السر والجهار سيدنا أبو بكر الصديق ﵁ واسمه عبد الله بن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بويع له بالخلافة يوم الثلاثاء وهو اليوم الثاني من وفاته ﷺ وقام بها أحسن قيام إلى أن توفاه الله تعالى يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الثانية سنة ١٣هـ وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وعمره ثلاث وستون سنة وقام بالخلافة أفضل الفضلاء، وأعلم العلماء، بعد سيدنا أبي بكر ﵁ الخليفة الثاني أمير المؤمنين سيدنا أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ ابن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي يجتمع مع النبي ﷺ في كعب توفي شهيداً يوم السبت منسلخ ذي الحجة سنة ٢٣ هـ ودفن هلال محرم وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وقام بالخلافة أفضل الفضلاء وأعلم العلماء بعد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الثالث أمير المؤمنين أبو عمرو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف توفي شهيداً لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة ٣٥ هـ وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً وقام بالخلافة أفضل الفضلاء وأعلم الشرفاء والعلماء بعد سيدنا عثمان ﵁ الخليفة الرابع أمير المؤمنين سيدنا أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب جد النبي ﷺ بويع له بالخلافة يوم
стр. 63
وفاة عثمان ومات شهيداً صبيحة يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة ٤٠ هـ ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
وتوفي ﷺ عن تسع نسوة وهن أزواجه أمهات المؤمنين في الاحترام والتحريم واستحقاق المبرة والتكريم وهن: السيدة سودة بنت زمعة القرشية العامرية المتوفاة في خلافة عمر ﵃ ويقال توفيت سنة ٥٤هـ. السيدة عائشة بنت سيدنا أبي بكر لم يتزوج بكراً غيرها أفقه النساء على الإطلاق وكانت أحب نسائه إليه بعد خديجة ﵃ توفيت في رمضان سنة سبع أو ثمان وخمسين. السيدة حفصة بنت سيدنا عمر بن الخطاب ﵄ توفيت سنة ٤٥ هـ. السيدة أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية المتوفاة سنة ٦١ هـ. السيدة زينب بنت جحش الأسدية أسد خزيمة المتوفاة سنة ٢٠ هـ. السيدة جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية المتوفاة سنة ٥٦ هـ. السيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب القرشية الأموية المتوفاة سنة ٤٤هـ. السيدة صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية النضرية من سبط هارون ﵇ توفيت سنة خمسين أو اثنتين وخمسين. السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية
стр. 64
العامرية المتوفاة سنة إحدى وخمسين أو إحدى وستين ﵅ هذا على الأشهر في الترتيب والوفيات. قال الإِمام القسطلاني في المواهب: وقد ذكر أسماءهن الحافظ أبو الحسن بن فضل المقدسي نظماً فقال:
توفي رسول الله عن تسع نسوة ... إليهن تعزى المكرمات وتنسب
فعائشة ميمونة وصفية .... وحفصة تتلوهن هندوزينب
جويرية مع رملة ثم سودة .... ثلاث وست ذكرهن مهذب
ودخل ﷺ بإحدى عشرة بلا خلاف التسع المذكورات والسيدة زينب بنت خزيمة الهلالية ماتت في حياته ﷺ والسيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وفيه تجتمع مع رسول الله ﷺ تزوجها قبل النبوة بعد أبي هالة التيمي وولدت له هنداً وبعد عتيق المخزومي وهي ابنة أربعين سنة وستة أشهر وسن رسول الله ﷺ خمس وعشرون سنة على أحد الأقوال كانت فاضلة عاقلة ذات مال قيل هي أول من أسلم بعث رسول الله ﷺ في يوم الاثنين فأسلمت ذلك اليوم وكانت عوناً على حاله كله تثبته على أمره وتصبره على ما يلقى من أذى قومه وكان ﷺ يحبها ويقول "رزقت حبها" ولم يتزوج عليها حتى ماتت قبل الهجرة بسبع سنين وقيل بخمس وقيل بأربع وقيل بثلاث وهو أصح وأشهر وتوفيت هي وأبو طالب في سنة واحدة والأصح أنها أفضل أزواجه. وأجمع أهل النقل على أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام وهاجرن زينب وفاطمة ورقية وأم كلثوم وأجمعوا على أنها ولدت له ولداً وسماه القاسم وبه كان يكنى واختلف هل ولدت له ذكراً غيره؟ فقيل لم تلد غيره وقيل ولدت ثلاثة: عبد الله والطيب والطاهر ويقال الثلاثة أسماء لولد واحد على الصحيح والخلاف في ذلك كثير ومات القاسم
стр. 65
بمكة صغيراً ولم يكن له ﷺ من غير خديجة إلا إبراهيم ولدته مارية القبطية سريته بالمدينة وبها توفي وهو رضيع فالذكور ماتوا صغاراً قال الحافظ العراقي في باب ذكر أولاده ﷺ :
كان له ثلاثة بنون ... القاسم الذي به يكنون
بمكة قبل النبوة ولد .... والطيب الطاهر وهو واحد
هذا الصحيح واسمه عبد الله .... وقيل بل هذان اثنان سواه
والثالث إبراهيم بالمدينة ... عاش بها عاماً ونصف السنة
وقيل مع نقصان شهر وقضى ... سنة عشرفرطاً له مضى
وأما الإناث فتزوجهن كلهن فأما زينب فتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف فولدت له علياً وأمامة وأمية وأما رقية فتزوجها سيدنا عثمان ﵄ فولدت له عبد الله ثم ماتت فزوجه رسول الله ﷺ أختها أم كلثوم فلم تلد وماتت البنات الثلاث في حياة رسول الله ﷺ ولم تعقب واحدة منهن أما فاطمة فتزوجها سيدنا علي بن أبي طالب فولدت له الحسن والحسين ومحسناً وأم كلثوم وزينب ورقية وأعقب ﷺ منها وتوفيت بعده بستة أشهر على أحد الأقوال وهي بنت ثلاثين سنة رضوان الله عليهم أجمعين وما ذكرته نقطة من بحر وقد ألف في مناقبهم أصحاب السير وغيرهم التآليف الكثيرة كالمواهب اللدنية وغيرها:
حب آل النبي خالط قلبي ... فاعذروني في حبهم اعذروني
أنا والله مغرم بهواهم ... عللوني بذكرهم عللوني
وسترى ما يشرح الصدور في شأن صاحب الرسالة ﷺ والخلفاء الراشدين وكثير من أعيان الصحابة في أوائل التتمة.
الطبقة الثانية
طبقة الصحابة
٢١ - أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري النجاري الصحابي
стр. 66
رضي الله عنه: خادم رسول الله ﷺ يكنى أبا حمزة، ولد له من الولد ثمانية وسبعون ذكراً وبنتاً، وتوفي وسنه ينوف على المائة وكان من أكثر الناس مالاً وكان له بستان يحمل في السنة مرتين وذلك ببركة دعائه ﷺ حيث قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته" أخذ عنه من لا يعد كثرة، منهم ربيعة وإسحق بن عبد الله وشريك والعلاء بن عبد الرحمن وحميد الطويل، توفي سنة ٩٣ هـ على أحد الأقوال بالطف على فرسخين من البصرة وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة وقيل آخر من مات بها أبو الطفيل [٧١١ م].
٢٢ - أبو هريرة الصحابي الجليل ﵁: اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، فهو عبد الرحمن بن صخر واشتهر بكنية أبي هريرة، لازم النبي ﷺ رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه. فكانت يده مع رسول الله ﷺ ويدور معه حيث دار ويحضر ما لم يحضر غيره ثم اتفق أن حصلت له بركة النبي ﷺ في الذي أعطاه وضمه إلى صدره، فكان يحفظ كل ما سمع ولا ينساه. قال البخاري: روى عنه أكثر من ثلاثمائة رجل بين صحابي وتابعي منهم نعيم بن عبد الله المجمر وسعيد المقبري ولي إمارة المدينة المنورة وبها مات سنة ٥٧ هـ على أحد الأقوال [٦٧٦م].
٢٣ - أبو شريح الخزاعي الكعبي: نسبة إلى كعب بن عمرو بطن من خزاعة واسمه خويلد على الأصح الصحابي الجليل ﵁ كان معه لواء خزاعة يوم الفتح له أحاديث عن النبي ﷺ روى عنه جماعة من التابعين منهم سعيد المقبري مات بالمدينة سنة ٦٨ هـ[٦٨٧م].
٢٤ - جابر بن عبد الله بن عمر الأنصاري: الصحابي ابن الصحابي ﵄ غزا تسع عشرة غزوة مع رسول الله ﷺ ولم يشهد بدراً ولا أُحداً واستغفر له رسول الله وكانت له حلقة بالمسجد النبوىِ، أخذ عنه جماعة منهم أبو الزبير المكي ومحمد بن المنكدر وزيد بن أسلم. توفي بالمدينة على الأصح سنة ٧٤ هـ[٦٩٣م].
стр. 67
٢٥ - أبو العباس سهل بن سعد الساعدي الأنصاري المخزومي: الصحابي ابن الصحابي ﵄ كان اسمه حزناً فسماه النبي ﷺ سهلاً أخذ عنه جماعة منهم ابنه عباس وأبو حازم سلمة بن دينار وابن شهاب الزهري. مات بالمدينة سنة ٨٨ هـ وقيل ٩١ هـ وقد جاوز المائة وهو آخر من مات بها من الصحابة وقيل جابر [٧٠٧ م]-[٧٠٩م].
٢٦ - أبو عبد الرحمن عبد الله ابن سيدنا عمر بن الخطاب ﵄: الرجل الصالح بشهادة النبي ﷺ أسلم صغيراً وهو أحد العبادلة الأربعة: ابن عباس وابن عمرو بن العاص وابن الزبير واحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ : أبو هريرة وابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعائشة ﵃ كان واسع العلم متين الدين أخذ عنه عالم كثير منهم ابنه سالم ومولاه نافع ومولاه عبد الله بن دينار وزيد بن أسلم، مات بمكة سنة ٧٣ هـ[٦٩٢م].
٢٧ - أبو لبابة بشر وقيل رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري الأوسي: الصحابي الجليل ﵁ أحد النقباء وشهد أحداً استعمله النبي ﷺ على المدينة في غزوة السويق وكانت معه راية قومه يوم الفتح، روى عنه جماعة من التابعين منهم نافع مولى ابن عمر. مات أواخر خلافة عثمان على الصحيح، وفي الإصابة مات في خلافة علي ﵃ وفي رحلة أبي سالم العياشي نقلاً عن ابن ناجي أن قبره بقابس المنسوب إليه لما تواتر عند أهل بلده. قال البرزلي: وتواتره دليل على صحة أن ذلك قبره، ونقل التجاني في رحلته رسالة لأبي المطرف بن عميرة في وصف قابس أن أبا لبابة الأنصاري ببلدهم وقبره عندهم يزار مشهور ولعل قدومه إلى إفريقية كان هجراناً لدار قومه بسبب الذنب الذي أذنبه فتاب الله عليه فقال: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأجاورك وبعد ذكر الخلاف في الذنب الذي أذنبه ذكر القصيدة التي أنشدها أبو المطرف المذكور وقد انصرف من قبر أبي لبابة:
стр. 68
خبر الأحبة ما ألذ مساقه ... وجنى القطيعة ما أمر مذاقه
وهوى القلوب بها عليها شواهد ... سبقت بناطق ما لها استنطاقه
أين المنازل إن ذكرت عهودها ... فتهيج من كلف بها أشواقه
ومنها:
لكن بقبر أبي لبابة لي هوى ... ما من هوى للنفس إلا فاقه
قلت في الموطأ أن أبا لبابة بن عبد المنذر حين تاب الله عليه قال: يا رسول لله أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأجاورك وأنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : "يجزيك من ذلك الثلث" وقد زرت هذا القبر المكرم مراراً أيام ولايتي القضاء بقابس من عام ١٣١٣ هـ إلى عام ١٣١٩هـ ودعوت الله عنده بما أرجو قبوله ومكتوب بمقامه فوق حجر أنه توفي سنة ٤٠ هـ[٦٦٠م].
٢٨ - أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري المخزومي الأنصاري: الصحابي الجليل ابن الصحابي ﵄ من الرماة المشهورين معدود من أهل الصفة ومن فقهاء الصحابة ومن أصحاب الشجرة أخذ عنه أعلام من التابعين منهم نافع مولى ابن عمر ﵃. توفي بالمدينة المنورة سنة ٧٤ هـ على أحد الأقوال [٦٩٣م].
٢٩ - عمر بن أبي سلمة عبد الله المخزومي: الصحابي ابن الصحابي ﵄ ربيب النبي ﷺ وأمه أم المؤمنين هند أم سلمة ﵂. ولد في الحبشة في السنة الثانية وأمره ﷺ على البحرين روى عنه وهب بن كيسان وغيره، مات بالمدينة سنة ٨٣ ص على الأصح [٧٠٢م].
стр. 69
الطبقة الثالثة
طبقة التابعين
٣٠ - أبو عثمان ربيعة بن عبد الرحمن فروخ مولى المنكدر المدني
المعروب بربيعة الرأي: مفتي المدينة الإِمام الجليل الثقة أدرك جماعة من الصحابة وأخذ عنهم منهم أنس ﵁ وعنه أئمة منهم مالك، قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة الرأي، توفي سنة ١٣٦هـ[٧٥٣م].
٣١ - إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني: الثقة الحجة الأمين أخذ عن أنس بن مالك وهو عمه أخو أبيه لأمه وعنه أخذ مالك وغيره، مات سنة ١٣٢ هـ[٧٤٩ م].
٣٢ - أبو بكر محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري القرشي: أحد أعلام
الفقهاء المحدثين التابعين بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة منهم أنس ﵁ وروى عن جماعة من الصحابة وعنه جماعة من الأئمة منهم مالك والسفيانان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب فإنكم لا تجدون أحداً أعلم منه بالسنه، وله في الموطأ مرفوعاً مائة وثلاثة وثلاثون حديثاً، مات سنة ١٢٥ [٧٤٢ م] على أحد الأقوال وهو ابن ٧٢ سنة.
٣٣ - العلاء بن عبد الرحمن بن بعقوب المخزومي: المدني الفقيه الثقة الثبت الأمين روى عن ابن عمر وأنس وغيرهما ﵃ وعنه جماعة منهم ابنه شبل ومالك وشعبة والسفيانان. مات سنة بضع وثلاثين ومائة.
٣٤ - أبو عبيدة حميد الطويل بن أبي حميد البصري: مولى طلحة الطلحات عبد الله الخزاعي الثقة الأمين المتفق على الاحتجاج به روى عن أنس
стр. 70
وغيره وعنه مالك وغيره. مات وهو قائم يصلي في جمادى الأولى سنة ١٤٢ هـ[٧٥٩ م].
٣٥ - أبو عبد الله محمَّد بن أبي بكر بن عوف الثقفي: الحجازي الثقة الأمين روى عن أنس ﵁ وعنه مالك له حديث واحد عن أنس وليس له عن أنس ولا غيره سواه.
٣٦ - أبو عثمان عمرو بن أبي عمرو ميسرة المدني: مولى المطلب بن عبد الله المخزومي القرشي الثقة الأمين روى عن أنس ﵁ وغيره وعنه مالك وغيره. مات بعد الخمسين ومائة وقال بعضهم مات في خلافة المنصور.
٣٧ - نُعيم:- بضم النون - ابن عبد الله المجمر المدني: مولى آل عمر ﵃ الثقة القدوة الأمين المثبت روى عن جابر وأنس وابن عمر وأبي هريرة ﵃ وجماعة وعنه ابنه ومالك بن أنس.
٣٨ - سعيد المقبري بن أبي سعيد كيسان: مولى بني جندع كان مجاوراً للمقبرة فنسب إليها المدني الإِمام الصدوق المتفق على توثيقه روى له الجميع واختلط قبل موته بأربع سنين وكان سماع مالك وغيره قبل الاختلاط، أخذ عن أبي هريرة وأبي شريح وغيرهما. توفي سنة ١٣٣ هـ على أحد القولين [٧٥٠ م].
٣٩ - أبو عبد الله محمَّد بن المنكدر بن عبد الله بن الهذلي التميمي القرشي المدني: الإِمام الصدوق الثبت روى عن أبيه وجابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة وخلق كثير ﵃ وعنه الزهري والسفيانان ومالك وخلق، قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق يجتمع إليه الصالحون. مات سنة ١٣٠ [٧٤٧ م].
٤٠ - أبو الزبير المكي محمَّد بن مسلم بن تدرس - بفتح التاء وضم الراء - الأسدي مولى حكيم بن حزام: الثقة الصدوق روى عن جابر بن عبد الله وغيره وعنه
стр. 71
مالك والسفيانان والليث وجماعة، روى له الجميع وله في الموطأ ثمانية أحاديث. مات سنة ١٢٦ هـ أو ١٢٨ هـ[٧٤٣ م]-[٧٤٥ م].
٤١ - أبو حازم سلمة بن دينار الحكيم مولى بني ليث المدني: العابد الثبت الثقة من رجال الجميع، قال أبو عمر: كان من الفضلاء الحكماء العلماء الثقات الأثبات وله حكم وزهديات ومواعظ ورقائق ومقطعات، أخذ عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ وغيره وعنه ابن شهاب ومالك وغيرهما. مات سنة ١٤٠ هـ[٧٥٧ م].
٤٢ - أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار العدوي المدني مولى عبد الله بن عمر ﵃: الإِمام الثقة التابعي الجليل روى عن مولاه عبد الله بن عمر وأنس وغيرهما وعنه أئمة الثوري وابن عيينة ومالك وشعبة. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٢٧هـ[٧٤٤ م].
٤٣ - أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر ﵃: الإِمام الحافظ الثبت الأمين الثقة من سادات التابعين وأكابر الصالحين سمع مولاه عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا لبابة وجماعة ﵃، وعنه جماعة منهم الزهري ومالك. قال مالك: كنت إذا سمعتا حديث نافع عن ابن عمر ﵄ لا أبالي أن لا أسمعه من أحد غيره وأهل الحديث يقولون: رواية أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة بعثه عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى مصر ليعلّم الناس السنن, مات سنة ١١٧هـ أو ١٢٠ هـ[٧٣٧ م].
٤٤ - أبو أسامة زيد بن أسلم العدوي المدني مولى عمر ﵁: الثبت الفقيه الثقة الأمين من الطبقة الوسطى من التابعين وكانت له حلقة في المسجد النبوي. قال أبو حازم: لقد رأينا في مجلس زيد بن أسلم أربعين حبراً فقيهاً أدنى خصلة من خصالهم التواسي بما في أيديهم وكان عالماً بتفسير القرآن له كتاب فيه أخذ عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وغيرهما وعنه مالك وغيره، مات في ذي الحجة سنة ١٢٦ هـ[٧٤٣ م].
стр. 72
٤٥ - أبو نعيم- بضم النون - وهب بن كيسان القرشي مولى عبد الله بن الزبير ﵃: الثقة الأمين المثبت روى عن جابر بن عبد الله وابن عباس وابن الزبير وأسماء وعمر بن أبي سلمة وغيرهم وعنه مالك وغيره، وثقه النسائي وغيره وروى له الجميع، مات سنة ١٢٧ هـ[٧٤٤م].
تنبيه: أخذ مالك بن أنس ﵁ عن أعلام من أئمة الدين وهم كثيرون جداً واقتصرنا على ذكر شيوخه المذكورين بالطبقة الثالثة وشيوخ شيوخه المذكورين بالطبقة قبلها لأنهم المروي عنهم ثنائيات الموطأ وهي تنيف عن المائة حديث وأثبتنا أربعين حديثاً منها هنا تبركاً واتباعاً لقوله ﷺ : "مَن قرأ على أمتي أربعين حديثاً كنت له شفيعاً يوم القيامة" وفي رواية "مَن حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة حتى يؤديها إليهم كما سمعها كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة" والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وهي:
١ - مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله على رأس الستين وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.
стр. 73
٢ - مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ : "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة".
٣ - وبه قال: "رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر فالتمس الناس وضوءاً فلم يجدوه فأتي رسول الله ﷺ بوضوء في إناء فوضع رسول الله ﷺ في ذلك الإناء يده ثم أمر الناس يتوضؤون منه". قال أنس: رأيت الماء يقطر من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم.
٤ - وبه: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب
أمواله بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلى بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضمها يا رسول الله حيث شئت؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "بخ ذلك مال رابح، بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيه، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عَمِّهِ.
٥ - مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "لا
стр. 74
تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهاجر أخاه فوق ثلاث".
٦ - وبه: أن رسول الله ﷺ أُتي بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: "الأيمن فالأيمن".
٧ - مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر فقام يصلي العصر فلما فرغ من صلاته ذكر لنا تعجيل الصلاة أو ذكرها فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، يجلس أحدهم حتى إذا أسفرت الشمس وكانت بين قرني الشيطان أو قرن الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً".
٨ - مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك: أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى رسول الله ﷺ وبه أثر صفرة فسأله رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا؟ " فأخبر أنه تزوج فقال رسول الله ﷺ : "كم سقت لها؟ " فقال: زنة نواة من ذهب، فقال رسول الله ﷺ : "أولم ولو بشاة".
٩ - وبه: احتجم رسول الله ﷺ فحجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه خراجه.
١٠ - وبه: أن رسول الله ﷺ خرج إلى خيبر أتاها ليلاً، وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقر حتى يصبح فخرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: محمَّد
стр. 75
والله! محمَّد والخميس فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر. خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".
١١ - مالك: عن محمَّد بن أبي بكر بن عوف الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من مني إلى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﷺ ؟ قال: يهلل المهلل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه.
١٢ - مالك: عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ طلع له أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه اللهم إن إبراهيم حرّم مكة وأنا أحرم ما بين لابتيها".
١٣ - مالك: عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال".
١٤ - مالك: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم لها".
١٥ - مالك: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة وضيافته ثلاثة وما كان بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يُحْرِجَهُ".
следующие страницы →