Полный текст (617 стр.). Показаны 596–617 · переход к 601.
стр. 596
معنى: (يبعث ملبياً)
السؤال
قال النبي ﷺ في الذي وقع عن رحالته يوم عرفه (لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) سؤالي: هل معنى هذا أنه يبعث بإزاره وردائه يلبي؟ وكيف الجمع بينه وبين النصوص الدالة على بعث الناس حفاة عراة إذا كان معنى الحديث ظاهره؟
الجواب
الحديث ليس ظاهره أنه يكون بإزار ورداء، الحديث يقول: يلبي، ولم يقل: فإنه يبعث يوم القيامة بإزاره وردائه.
هل في الحديث أنه قال: يبعث بإزاره وردائه؟ لا.
إذاً: كيف نفرض أنه بإزاره وردائه، فإذاً ما قاله وعندنا أحاديث عامة أن الناس يبعثون حفاةً عراةً غرلاً فهو يحشر كما يحشر الناس، ولهذا أمر النبي ﵊ أن يدفن الشهداء بثيابهم ولكنه قال: (يأتون يوم القيامة وجروحهم تثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
لكن هل يشرع أن يكمل أحد من الناس هذا النسك؟ المذهب يشرع، ويجب إن كان حج فريضة، لكنه قول ضعيف جداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أحداً أن يكمل نسك هذا الميت، ثم إنه قد يكون فيه جناية على الميت؛ لأنه إذا قضي عنه ما بقي حل بإحلال نائبه أو من يقضي عنه، وحينئذ لا يبعث يوم القيامة ملبياً؛ لأنه انتهى نسكه.
стр. 597
حكم شراء المجلات الإسلامية
السؤال
يكثر في المكتبات والمحلات التجارية بيع مجلات إسلامية يكثر فيها الصور، فهل يجوز شراؤها وهل وجودها في المنزل يؤثر كتأثير تعليق الصور؟
الجواب
الذي يظهر أنها ليست كالصور المعلقة وأنها لا تؤثر؛ لأن هذه المجلات لا يقصد منها الصور التي فيها وإنما يقصد ما فيها من الكلام والفائدة بخلاف مجلات الصور التي تعتني بالصور وتلونها وتحسنها فهذه لا يجوز اقتناؤها ولا شراؤها أيضاً.
стр. 598
حكم مبيت الخادمة في منزل من تخدمهم
السؤال
استقدمت عاملة مع محرمها وهو زوجها، وفي العقد الذي بيننا أن تبيت مع زوجها ليلة واحدة في الأسبوع خارج المنزل، وقد قبلا هذا العقد، واستمر الوضع أكثر من سنة، ولقد أفتى أحد المشايخ بالفتوى التالية: إنه لا يجوز إطلاقاً أن تبيت العاملة في منزلنا حتى ولو لضرورة؟
الجواب
نرى أنه لا بأس أن تبيت في المنزل إذا لم يخل بها الرجل، يعني بأن يكون في المنزل أناس آخرون، لأنه ليس فيه خلوة، ولكن شرطهم ألا تبيت عند زوجها إلا ليلة واحدة في الأسبوع شرط قاس، والذي أرى أن يخففوا من هذا الشرط حتى يستمتع الرجل بزوجته وكذلك المرأة بزوجها.
стр. 599
الأولوية في دعوة أهل البدع
السؤال
شخص داع إلى الله في مكان يكثر فيه أهل البدعة، هل يبدأ بالتوحيد أم بفضائل الأعمال كالصلاة؟
الجواب
يرى الأنسب، إذا كان يرى أن يبدأ بالصلاة والأشياء المتفق عليها حتى يوطنهم ويألفوه فلا بأس، وقوله: وهؤلاء ينكرون موت الرسول ﷺ والصلاة في النعلين ووو إلخ على كل حال يبدأ بالذي يرى أنه أنسب حتى يألفوه، لأنه لو بدأ يهاجم ما هم عليه من البدع من أول الأمر ربما ينفرون منه ويعادونه، وإذا كان لهم سلطة ربما يطردونه أيضاً من البلد.
стр. 600
حكم الحج عن المختل عقلياً
السؤال
هناك شخص له أخ مختل العقل ولكنه يصلي ويتوضأ، مع عدم إحسانه لهما، وأيضاً فإنه يفهم ما تريد منه عندما تخاطبه، ويعرف كثيراً من الأمور، فهو ليس مجنوناً تماماً، ولديه بعض المال، فيقول أخوه بأنه يريد أن يحج عنه من ماله هو -أي: من مال الأخ المجنون نفسه- فهل يجوز هذا؟
الجواب
لا يجوز؛ لأن هذا المجنون إما أن يكون مجنوناً حقاً فهذا لا يجب عليه الحج، وإما أن يكون كما وصف في السؤال فهذا يمكن أن يحج، ينظر إلى رفقة طيبة ويركب معهم.
السائل: هو يصلي ولكنه لا يسحنها؟ الشيخ: الظاهر أن هذا مجنون مادام يلتفت في الصلاة ويهرج في الصلاة ويتكلم في الصلاة هذا ما هو عاقل.
نسأل الله أن يعافينا وإياكم.
стр. 601
العلة في الاستخارة
السؤال
أيهما الصحيح في دعاء الاستخارة: هل هو العزم على أحد الأمرين ثم الاستخارة؟ أم الاستخارة أثناء التردد والحيرة بين أمرين؟
الجواب
لا.
الاستخارة عند التردد حتى يختار الله له ما هو أصلح، مثلاً: أراد أن يسافر ولا يدري هل هذا خير أم لا، فيستخير، أما إذا عرف أنه خير فلا يحتاج استخارة.
стр. 602
شبهة في زكاة الحلي
السؤال
يقال: إن هناك فتوى لكم توجبون فيها أن على المرأة زكاة في حليها الذي تستعمله، ولكن هناك سؤال يتداول بين العامة وهو: إذا كانت المرأة فقيرة ولا يوجد عندها إلا هذا الذهب فكلما زكت سيفنى، فما قولكم في هذه الشبهة؟
الجواب
الشبهة هذه غير صحيحة، لأنها إذا وصلت إلى حد ينقص عن النصاب سيبقى عندها ما دون النصاب ولا يزكي، ثم إذا كانت فقيرة ولها زوج وأراد أن يؤدي الزكاة عنها فلا بأس، أو لها أب، أو أحد من الناس يحسن إليها ويؤدي الزكاة فلا بأس، لكن إذا قدرنا أنه ما حصل من هذا شيء فنقول: تزكي وعسى الله أن يطول عمرها، إذا طال عمرها فكل سنة تخرج شيئاً من حليها، وإذا نقص النصاب وقفت الزكاة.
قل لمن قال هكذا: إذا نقصت عن النصاب ولو قيراطاً فإنه يسقط عنها الزكاة.
стр. 603
جواز بيع العرايا للحاجة
السؤال
كيف جازت العرايا وهي حرام من أجل الحاجة دون الضرورة، والقاعدة عند العلماء: أن المحرم لا يجوز إلا عند الضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
الجواب
المحرم نوعان: محرم لذاته ومحرم لغيره، والعرايا جازت للحاجة مع أن جوازها لابد فيه من شروط وليس الجواز المطلق، جازت للحاجة لأن أصل تحريم ربا الفضل لئلا يكون وسيلة إلى ربا النسيئة، ولهذا جاء في حديث أسامة (إنما الربا في النسيئة) يعني: الربا الحقيقي المقصود هو ربا النسيئة، ربا الفضل: أن تبيع الصاع بصاعين، يكون وسيلة للنسيئة، ووجه ذلك: أنه إذا جاز الزيادة من أجل الوصف انتقل الذهن إلى جواز الزيادة من أجل التأجيل فوقع في ربا النسيئة.
وما حرم لغيره فإنه تبيحه الحاجة، ومن ذلك أنه يباح اليسير من الفضة فيما إذا انشق أو انصدع الإناء أن يشرط بشيء من الفضة مع أنه ليس ضرورة يمكن أن يشرط بشيء آخر، لكن لما كان هذا من باب تحريم الوسائل وليس محرماً لذاته خفف فيه الأمر، مع أن العرايا لابد أن تكون في الخرص وألا تتجاوز خمسة أوسق، وأن يكون هناك حاجة.
стр. 604
تنزيه الله عن إيجاد الخلق بدون غاية
السؤال
قال بعضهم في شرح مسائل الجاهلية للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀: المسألة الأربعون: القدح في حكمته تعالى، إلى أن قال: ولقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق لا لشيء ولا لغاية، فقال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤] إلى قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ [آل عمران:١٩١] وذكر أنه نقلها ابن القيم ﵀ في شفاء العليل فما هو شواهد الاستثناء وهل يصح نسبة هذا إلى ابن القيم ﵀؟
الجواب
قال ﴿لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] أي: لأولي العقول، أما صحته إلى ابن القيم فما دام أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقله عنه فهو ثقة.
стр. 605
كيفية فراق الزوجة لزوجها إذا ظهر أنها أخته من الرضاع
السؤال
رجل تزوج امرأة ثم تبين له أنها أخته من الرضاعة ففسخت منه، فهل تعتد منه عدة مطلقة أم تستبرأ بحيضة، وإن كانت لا تحيض لصغرها فهل عليها عدة في هذه الحال؟
الجواب
لا يصح أن نقول: فسخت منه، بل نقول: فرق بينهما؛ لأن الفسخ فرع عن صحة العقد، والعقد هنا غير صحيح لأنه تبين أنها أخته، فيفرق بينهما وتستبرأ بحيضة، فإن كانت لا تحيض فبشهر.
стр. 606
حكم الواسطة مقابل مال
السؤال
ما حكم الواسطة من أجل التوظيف في مهنة معلمة، مع العلم أن هذه الواسطة هي قيمة مقدارها عشرة آلاف ريال، وأن هذا الرجل الذي يقوم بالواسطة كان قديماً يشتغل في الرئاسة، وبعد ذلك ذهب من الرئاسة، وإنني لا أعلم هل عندما أدفع له القيمة يستحق أن يشتغل مع أحد آخر ويعطيه نصف القيمة ولا أدري هل هو يتعب أثناء هذا العمل أم لا؟
الجواب
الظاهر لي أنه لا يتعب وأنه يعطي الموظف نصف القيمة على حد قول إمام الحنشل: (الشرط أربعون لنا عشرون ولكم عشرون) فلا يجوز.
стр. 607
بطلان قياس الصلاة على الصيام في وقت القضاء
السؤال
إذا شرع الرجل في صلاة فريضة ثم قطعها لغير عذر، وبعد خروج الوقت أراد أن يقضيها فهل له القضاء لأنه قد شرع فيها ثم قطعها كما ذكرنا في الصيام أم لا؟
الجواب
لا.
لا يجوز، بل هو آثم لكونه شرع ثم قطع، وأما في الصيام فلا يمكن أن يقضيها في نفس الوقت، لأن الصيام شهر، كل يوم له عبادة، فلابد أن يقضي ومثل هذا نقول له: لما قطعتها اقضها في الوقت لا بأس لكن بعد وقتها لا، والفرق ظاهر، الصلاة وقتها واسع، إذا قدرنا أنه صلى أول الوقت ثم قطعها نقول: اقضها لأن الوقت باق، مع أن الصيام -أيضاً- يقضيه، انتبه الصيام إذا قطعه يقضيه حتى ولو كان عمداً، لكن إذا تركه ولم يصم أصلاً فهذا لا يقبل.
стр. 608
خصوصية عجوة المدينة
السؤال
هل يثبت للعجوة النابتة خارج المدينة وقاية من السحر كما ثبت لتمر المدينة؟
الجواب
لا، لا يثبت، لأن في بعض ألفاظ الحديث من تمر العالية، والعالية في المدينة.
السائل: الأحاديث التي ذكرت في العجوة لم يذكر (ما بين اللابتين) وفي روايات أخرى ذكرتم العالية وما بين اللابتين عام في كل تمر المدينة.
الشيخ: يقيد هذا لأن التربة لها أثر والجَوُّلَةُ أثَرٌ.
стр. 609
حكم صيام شهر المحرم كاملاً
السؤال
ما حكم صيام شهر المحرم كاملاً لأنا قد سمعنا أنه لم يثبت عن النبي ﷺ ذلك، فما حكم صيامه كاملاً؟
الجواب
من العلماء من قال: يصام كاملاً ولكن الأفضل ألا يصومه كاملاً لأن عائشة تقول: (ما كان النبي ﷺ يصوم شهراً كاملاً إلا رمضان).
стр. 610
حكم الاتصاف بصفات الله
السؤال
ما حكم قول القائل: هذا الحكيم في حل، بأن أوصف رجلاً بأنه حكيم، وهل تؤثر (أل) التعريف في أسماء الله؟
الجواب
لا بأس بذلك، الحكيم، إذا قصدت به الوصف دون الاسم فلا بأس به، وإذا قلت: هذا حكيم في قضائه، حكيم في كلامه أحسن، من أن تقول: الحكيم.
стр. 611
حكم تشريح الجثث
السؤال
ما حكم تشريح جثث الموتى بغرض تعليم الطلاب، وهل يجوز أن يشرح الرجل المرأة والعكس؟
الجواب
وهم أحياء أم أموات؟ السائل: أموات.
الشيخ: لا يجوز لأن النبي ﷺ قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) بقي علينا إذا كانت هذه الجثث جثث كفار قتلناهم جهاداً في سبيل الله، من المعلوم أنه ليس لهم حرمة، لكن هل نقول: إن هذا يدخل في التمثيل المنهي عنه أم نقول: لا يدخل، لأنه قد يكون نهي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المثلة يعني فيما إذا كان حياً، والظاهر أنه يدخل في المثلة لا سيما إذا كان أعداؤنا يعلمون بهذا، لأنهم إذا علموا بهذا فسوف يفعلون بنا ما فعلنا بهم، لكن أنت تعرف الآن أن أكثر الأطباء ولا سيما الأطباء الكفار لا يبالون بالتشريح.
стр. 612
حكم صيام السبت والأحد
السؤال
ما حكم صيام يومي السبت والأحد لورود النهي عنهما؟ وما حكم من يصوم يوماً ويفطر يوماً وصادف صيامه هذين اليومين أفيدونا؟
الجواب
صيام يوم السبت ذهب بعض أهل العلم إلى استحبابه، وقال: لأنه عيد الكفار فينبغي مخالفتهم، وكذلك يوم الأحد، ذهب بعض العلماء إلى استحباب صومه مخالفة لمن يتخذونه عيداً ويوم سرور وفرح، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكره لأن الصوم فيه نوع تعظيم لهذا اليوم، وهذا يوافق الكفار في تعظيمهم، والصحيح أنه لا يسن ولا يكره وأن صيامهما من الجائز، وصوم يوم السبت جائز لكن يكره إفراده إن صح الحديث -أي: حديث النهي عن صوم يوم السبت- والحديث الذي فيه النهي عن صوم يوم السبت إلا فيما افترض علينا حديث منسوخ عند أكثر أهل العلم، وقد قال بعضهم: إنه شاذ، لأنه يخالف ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لإحدى نسائه عندما كانت صائمة يوم الجمعة: (أصمت أمس؟ قالت: لا.
قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا.
قال: فأفطري).
فدل هذا على أن صوم يوم السبت ليس بمكروه.
والصواب أن يقال: إن صح الحديث فالمكروه إفراده فقط، وأما إذا جمع مع الجمعة أو صادف يوماً يسن صومه كما لو صادف يوم عرفه فإنه يصام وحده، لأن الإنسان إذا صامه وهو يوم عرفه لم يصمه لأنه يوم السبت ولكنه صامه لأنه يوم عرفة، وكذلك من يصوم يوماً ويفطر يوماً إذا صادف يوم السبت يوم صومه فلا حرج.
стр. 613
نفي شك الرسول ﷺ في القرآن
السؤال
ما معنى قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤] وهل كان ﷺ في شك من القرآن كما قد يفهمه من يفهمه من ظاهر الآية؟ بينوا لنا هذا الأمر بين الله لكم طريق الجنة؟
الجواب
الرسول لم يشك، بل قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] وهذا الشرط لا يستلزم وقوع المشروط كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون للرحمن ولد، وهذا يعني: أنك إن كنت يا محمد في شك فاسأل فستجد اليقين في مقابل الذين شكوا في رسالته أو طعنوا فيها.
стр. 614
فريضة الزكاة في الإسلام
الزكاة حق المال فيجب إخراجها إذا توفرت فيها الشروط من حولان الحول وبلوغ النصاب المقدر لها شرعاً، والأصناف التي تجب فيها الزكاة، ومن ثمَّ يأتي الوعيد لمن أنكر فرضيتها وجحدها أو امتنع عن أدائها بخلاً وشحاً، وإذا أخرجها الإنسان لابد أن تكون لأناس مخصوصين بينتهم الآيات الكريمات في سورة التوبة.
فالحذر الحذر!! من التلاعب في إخراجها أو وضعها في غير محلها، فالإنسان يتعامل مع ربه جل وعلا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
стр. 615
الوعيد الرباني لمانعي زكاة أموالهم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.
أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى وأدوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم التي مَنَّ الله بها عليكم حيث لم تجدوها، فقد أخرجكم الله تعالى من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ولا تملكون لأنفسكم ضراً ولا نفعاً، ثم يسر لكم الرزق وأعطاكم ما ليس في حسبانكم، فاشكروا الله على هذا -أيها المسلمون- وأدوا ما أوجب الله عليكم في هذه الأموال لتبرئوا ذممكم وتطهروا أموالكم وتزكوا نفوسكم، واحذروا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، وإياكم والبخل بما أوجب الله عليكم فإن ذلك هلاككم ونزع بركة أموالكم.
أيها المسلمون: إن أعظم ما أوجب الله عليكم في أموالكم وأفضل ما أوجب عليكم هي الزكاة التي هي ثالث أركان الإسلام وقرينة الصلاة في محكم القرآن، وجاء في منعها والبخل بها الوعيد بالنيران، قال الله : ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨٠] بين النبي ﷺ هذه الآية في قوله: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاعاً أقرع -والشجاع الأقرع هي الحية الخالي رأسها من الشعر لكثرة سمها- له زبيبتان يطوقه يوم القيامة -والزبيبتان غدتان مثل الزبيب مملوءتان من السم القاتل- يأخذ بلهزمتيه -يعني: شدقيه- يقول: أنا مالك أنا كنزك) رواه البخاري.
وقال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥] قال النبي ﷺ في بيان هذه الآية: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد) أخرجه مسلم.
[وحق المال هو الزكاة] كما قال ذلك أبو بكر الصديق ﵁.
أيها المسلمون: إن النبي ﷺ بين في هذا الحديث العظيم أنه لا يحمى على الذهب والفضة في نار كنار الدنيا، وإنما يحمى عليها في نار أعظم من نار الدنيا كلها، فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، وأنه إذا أحمي عليها لا يكوى بها طرف من الجسم متطرف، وإنما يكوى بها الجسم من كل ناحية، الجباه من الإمام، والجنوب من الجوانب، والظهور من الخلف، وأنه إذا كوي بها الجسم لا تترك حتى تبرد وتزول حرارتها ولكنها كلما بردت أعيدت فأحمي عليها في نار جهنم، وإن هذا العذاب ليس في يوم ولا في شهر ولا في سنة، ولكنه في يوم مقداره خمسون ألف سنة.
فيا عباد الله: إننا نؤمن بذلك إيماناً يقينياً كما نؤمن بالشمس أمام أعيننا، فيا من آمنوا بالله! يا من صدقوا بكتاب الله! يا من صدقوا بسنة رسول الله ﷺ ! ما قيمة الأموال التي تبخلون بزكاتها، وما فائدتها، إنها تكون نقمة عليكم وثمرتها لغيركم، إنكم لا تطيقون الصبر على وهج نار الدنيا، فكيف تصبرون على نار الآخرة.
فاتقوا الله عباد الله! وأدوا الزكاة طيبة بها نفوسكم، وإنني أسأل: هذه الأموال التي بين أيديكم هل اكتسبتموها بحذقكم ومهارتكم أم أن الله هو الذي ساقها إليكم؟! إننا نجد الرجل الحاذق الماهر الكيس فقيراً لا يملك شيئاً، ونجد الرجل الذي دونه في ذلك قد أغناه الله تعالى غناة واسعة.
إذاً ليست هذه الأموال من كسبنا ولا من حولنا وقوتنا ولكننا نحن سبب، نفعل الأسباب والرازق هو الله، ولهذا قال النبي ﷺ : (إنما أنا قاسم -يعني في الغنيمة- والله معطٍ) فالمعطي والمانع هو الله .
ففكروا -أيها المسلمون- في هذه الأموال، التي منّ الله عليكم بها هي أمر يسير بالنسبة لملك الله ، فلله ملك السماوات والأرض والله لم يطلب منكم الزكاة لحاجته إليها، ولكنه طلب منكم الزكاة مبيناً فائدتها وحكمتها في قوله لرسوله ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣].
стр. 616
الأموال التي تجب فيها الزكاة وأنصبتها
أيها المسلمون: لئن سألتم: ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ فإننا نقول: إن الله بحكمته ورحمته لم يجعل الزكاة واجبة في كل شيء، وإنما جعل الزكاة في الأموال النامية حقيقة أو حكماً، إن الزكاة واجبة في الذهب والفضة على أي حال كانت، سواء كانت جنيهات وريالات، أم قطعاً من الذهب والفضة، أم حلياً من الذهب والفضة سواء كان ذلك للبس أو للبيع أو للتأجير، فالذهب والفضة جاءت نصوص الكتاب والسنة بوجوب الزكاة فيهما عموماً بدون تفصيل فمن ادعى خروج شيءٍ من أفراد هذه العمومات فعليه الدليل وإلا فقد قامت عليه الحجة لأن العام يشمل جميع أفراده، لقول النبي ﷺ للصحابة: (إنكم إذا قلتم: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض) فإذا جاءت النصوص عامة في وجوب زكاة الذهب والفضة، فمن أخرج الحلي منها فعليه الدليل من كلام الله أو من كلام رسوله ﷺ .
وأما إخراج الحلي بالأقيسة الضعيفة فإنه لا عبرة به، وإنني أقول: هناك نصوص من السنة خاصة في إيجاب الزكاة في الحلي فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: (أن امرأة أتت النبي ﷺ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها النبي ﷺ : أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار، فخلعتهما فألقتهما إلى النبي ﷺ وقالت: هما لله ورسوله) قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: رواه الثلاثة وإسناده قوي، وقال علامة هذه المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: إن إسناده صحيح، وإذا كان هذا الحديث على هذه القوة ومؤيداً بعمومات الكتاب والسنة فما بالنا نتتبع الرخص في هذا الأمر العظيم.
إن العلماء إذا اختلفوا في مسألة فإن مرجعهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لا إلى قول فلان وفلان، وليس قول أحد من الناس حجة على الآخرين إلا أن يكون مؤيداً بكتاب الله أو بسنة رسول الله ﷺ ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩].
ولئن سألتم: هل تجب الزكاة في الذهب والفضة سواء كانت قليلة أم كثيرة؟ فإن الجواب على ذلك: أن جميع الأموال الزكوية لا تجب فيها الزكاة إلا إذا بلغت نصاباً.
نصاب الفضة مائة وأربعون مثقالاً.
وزن ستة وخمسين ريالاً سعودياً من الفضة، فما دون ذلك لا زكاة فيه.
أما نصاب زكاة الذهب فإنه عشرون مثقالاً.
وزن خمسة وثمانون غراماً فما دون ذلك فلا زكاة فيه.
ومقدار الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر، وطريق ذلك أن تقسم ما عندك على أربعين فما خرج بالقسمة فهو الزكاة، وتجب الزكاة أيضاً في الأوراق النقدية إذا بلغت ما يساوي ستة وخمسين ريالاً سعودياً من الفضة وفيها ربع العشر.
وتجب الزكاة كذلك في الديون التي في ذمم الناس إذا كانت من الذهب أو الفضة أو الأوراق النقدية، وبلغت نصاباً بنفسها أو بضمها إلى ما عنده من جنسها سواء كانت حالة أم مؤجلة، ولكن الديون على الفقراء لا زكاة فيها إلا إذا استلمها الإنسان فإنه يزكيها لمدة سنة واحدة.
وكذلك الديون عند شخص أو جهة لا يمكنك مطالبتها فإنه لا زكاة فيها حتى تقبضها ثم تزكيها بسنة واحدة.
وتجب الزكاة في عروض التجارة وهي ما أعده الإنسان للتكسب من عقار أو أثاث أو مواشٍ أو سيارات أو مكائن أو أطعمة أو أقمشة أو غيرها فتجب فيها الزكاة وهي ربع عشر قيمتها عند تمام الحول، فإذا تم الحول وجب على التاجر أن يثمن ما عنده من العروض ويخرج ربع عشر قيمتها سواء كانت القيمة مثل الثمن أو أقل أو أكثر، فإذا اشترى سلعة بألف ريال مثلاً، وكانت تساوي عند تمام الحول ألفين وجب عليه زكاة ألفين، وإذا كانت لا تساوي عند الحول إلا خمسمائة لم يجب عليه إلا زكاة خمسمائة، وإذا كان لا يدري هل تزيد عن ثمنها الأول أو تنقص فإنه يعتبر الثمن الأول؛ وذلك لأن الزيادة والنقص مشكوك فيهما وما شك فيه فإنه يرجع فيه إلى اليقين.
ولا زكاة في المال حتى يحول عليه الحول، فلو نفذ المال قبل تمام الحلول بنفقة أو تلف أو نقص عن النصاب فلا زكاة فيه، ولو مات المالك قبل تمام الحول ولو بأيام فلا زكاة عليه، وإنما تجب الزكاة على الورثة بعد تمام الحول من موت مورثهم إذا تمت شروط الوجوب في حقهم، ويستثنى من ذلك عروض التجارة، فإن ربحها تابع لأصلها، لأن الفرع يتبع الأصل كما قررناه فيما سبق، وكذلك لو استبدل العروض بعضها ببعض فإن المعتبر حول الأول، مثاله: إذا اشتريت سلعة بألف ريال مثلاً، وبقيت عندك وقبل أن يتم الحول بعتها واشتريت سلعة أخرى للتجارة، فإنك تزكي السلعة الثانية إذا تم حول السلعة الأولى لأن عروض التجارة يقوم بعضها مقام بعض.
وإذا كان الشخص يملك المال شيئاً فشيئاً مثل الرواتب الشهرية فلا زكاة على شيء منه حتى يحول عليه الحول، أما إذا كان ينفق رواتبه كل شهر بشهره، فإنه لا يجب عليه شيء من الزكاة في هذه الرواتب لأنها تنفق، ولكن إن كان عنده أموال أخرى فليزكها.
أما إذا كان لا ينفق جميع الراتب في الشهر فإنه إذا تم الحول يخرج زكاة ما عنده والأحسن والأريح له أن يخرج زكاة الجميع وتكون بالنسبة لما لا يتم حوله معجلة.
وإذا كان للإنسان عقار يسكنه أو سيارة يركبها أو مكينة لفلاحته أو عقارات يؤجرها فإنه ليس فيها زكاة، ولكن الزكاة فيما يحصل منها من الأجرة.
وإذا كان للإنسان أرض يريد أن يبني عليها مسكناً له أو للإيجار فلا زكاة عليه فيها.
وكذلك إذا أبقاها للحاجة يقول: إن احتجت بعتها وإلا أبقيتها فلا زكاة عليه فيها، وكذلك إذا أبقاها متردداً فيها هل يبيعها أو لا فلا زكاة عليه فيها.
وكذلك إذا كان عنده عقار انتهت حاجته منه فعرضه للبيع فلا زكاة عليه فيه؛ لأن هذا ليس من عروض التجارة، ولكنه من الأموال التي انتهت حاجته منها وأراد بيعها.
فيا عباد الله! اتقوا الله واعرفوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم، وأدوا الزكاة طيبة بها نفوسكم محتسبين بها الأجر من الله، فإن الله يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
والزكاة من سبيل الله، بل إخراج الزكاة أفضل من إخراج المال في الجهاد، لأن الزكاة ركن من أركان الإسلام.
أسأل الله أن يعينني وإياكم على خلاص ذممنا من الواجب له ومن الواجب لعباده، وأن يعيننا على ما فيه صلاحنا وفلاحنا وزكاتنا إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 617
الأصناف الذين تصرف لهم الزكاة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ينجو بها العبد إذا أخلصها يوم نلاقيه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: فإن المؤمن إذا قضى الله ورسوله أمراً، لم يكن له الخيرة من أمر الله ورسوله، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].
معنى الآية: أن الله إذا قضى ورسوله أمراً فإن المؤمن لن يختار سوى ما قضى الله ورسوله، فإن اختار سواه فقد عصى الله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦].
وإنكم سمعتم في الخطبة الأولى شيئاً مما تجب فيه الزكاة، وإنني أقول في هذه الخطبة: إن الزكاة لا تبرأ بها الذمة ولا تكون مقبولة عند الله إلا إذا وضعها الإنسان في مواضعها التي فرض الله أن توضع فيها، واستمعوا إلى هذه المواضع، استمعوا إلى قول الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] هذه الآية -كما يعرف علماء البلاغة واللغة- جاءت عن طريق الحصر بـ"إنما" وكأنما العبارة: (ما الصدقات إلا للفقراء و) والحصر كما قال العلماء: هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه.
فقد حصر الله سبحانه الصدقات في هذه الأصناف الثمانية لا تجزئ في غيرها، فلا يجوز إخراج الزكاة في بناء المساجد، ولا يجوز إخراج الزكاة في إصلاح الطرق، ولا يجوز إخراج الزكاة في بناء المساكن للفقراء، ولا غير ذلك، اللهم إلا فقيراً معيناً تدرس حاله وينظر فيه.
هذه الصدقات للفقراء والمساكين، وضابط هذين الصنفين ألا يكونوا قادرين على نفقاتهم ونفقات عوائلهم لمدة عام كامل، فإذا قدرنا أن شخصاً من الناس له راتب قدره ثلاثة آلاف وعنده عائلة لا يكفيهم في الشهر إلا أربعة آلاف فإننا نعطيه من الزكاة اثني عشر ألفاً لأنه يحتاج كل شهر لسداد نفقته ألفاً، فنعطيه ما يسد نفقته، ولكننا إذا خفنا إذا أعطيناه المبلغ كاملاً أن يفرط فيه ويفسده، فلا بأس أن نقسطه عليه بكل شهر حماية له من الفساد.
وهنا مسألة يجب أنبه عليها وأن تنتبهوا لها: وهي أن بعض الفقراء يريد أن تكون نفقته كنفقة الأغنياء؛ فتجده يريد أن يكمل النقص فينفق من الأطعمة وينفق من الأكسية وينفق من الكماليات ما ينفقه الأغنياء وهو في هذه الحال مسرف والله لا يحب المسرفين، والواجب أن يعرف الإنسان حاله وألا ينفق إلا بقدر ما أعطاه الله كما قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].
ومن الأمثال العامية المطابقة للحكمة تماماً: (مد رجلك على قدر لحافك) فلا ينبغي بل ولا يجوز للفقير أن يصرف من النفقات مثلما يصرفه الأغنياء بل يصرف على قدر حاله، ومن يستعفف يعفه الله.
وأما الغارمون: فالغارمون هم الذين عليهم ديون للناس، سواء كانت ثمن مبيع أو أجرة سكن أو غير ذلك، فهؤلاء إذا لم يكن عندهم ما يكفيهم لسداد الديون فلا حرج أن نقضي عنهم الديون من الزكاة، ولكن هل نعطيه هو ليوفي عن نفسه، أو نذهب نحن إلى صاحب الدين ونسدد الدين عمن هو عليه؟ نقول في هذا: ينظر إلى المصلحة؛ فإذا كان المستدين رجلاً حريصاً على إبراء ذمته رشيداً في تصرفه فإننا نعطيه ليوفي حتى لا يكون لنا منة عليه أمام الناس، أما إذا كان رجلاً أخرق سفيهاً لا يبالي باشتغال ذمته بالديون فإننا نذهب إلى صاحب الدين ونسدد الدين عمن هو عليه حتى تبرأ بذلك ذمته، ولا تحقروا شيئاً من المعروف، لا تقولوا: هذا مدين بديون كثيرة وزكاتنا قليلة، فإن الكثير من القليل كثير.
أيها المسلمون: وإن من الحاجة الملحة حاجة الشاب أو غير الشاب إلى الزواج إذا كان ليس عنده ما يعفه وإذا كان ليس قادراً على المهر، فلا حرج أن نعينه من الزكاة في مهره حتى يتزوج؛ لأن الزواج من أهم الأمور، وقد أمر النبي ﷺ به في قوله: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) فإذا عرفنا أن هذا الرجل محتاج إلى الزواج وليس عنده من المهر ما يكفيه فلا حرج أن نعطيه من الزكاة من أجل استكمال المهر؛ لأن هذه حاجة ملحة.
أيها المسلمون: إن من أدى الزكاة في غير محلها فهو كمن صلى الصلاة في غير وقتها لا تبرأ بها ذمته ولا يسقط عنه الواجب، فعلينا أن نحرص غاية الحرص على وضعها في محلها وألا نحابي بها قريباً ولا صديقاً ولا بعيداً ولا شريفاً ولا أحداً من الناس إلا من كان من أهلها، وإذا اجتمع عندنا رجلان كلاهما مستحق ولكن أحدهما قريب فإن القريب أولى؛ لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة، ولكن إذا كان القريب ممن تجب نفقته عليك وكان مالك يتحمل الإنفاق عليه فإنه لا يجوز أن تعطيه للإنفاق من زكاتك، لأنك إذا أعطيته ذلك فإنك بهذا تحمي مالك من النفقة.
أما قضاء الدين عن المدين الذي لا يستطيع وفاءه وهو من قرابتك فلا بأس أن تقضيه من زكاتك ولو كان ابنك أو أباك أو أخاك؛ لأن الدين لا يجب على الإنسان قضاءه ولو كان على أبيه أو ابنه أو أخيه، فإذا سدده من زكاته فلا حرج عليه ولكن بشرط ألا يكون عنده ما يوفي به.
فاعلموا -أيها المسلمون- حدود الله، واتبعوا ما أوجب الله عليكم، وتجنبوا ما حرم الله عليكم لعلكم تفلحون قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢].
اللهم إنا نسألك أن ترحمنا برحمتك الواسعة، اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة يا ذا الجلال والإكرام! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر المسلمين في كل مكان على من ناوءهم وعلى من عاداهم، وعلى من قام ضد حركاتهم يا رب العالمين! اللهم ومن قام ضد الحركات الإسلامية المبنية على كتاب الله وسنة رسوله اللهم فاخذله وأسقطه وأذله يا رب العالمين! إنك جواد كريم.
اللهم انصر من قام بالإسلام على من خالفه، اللهم انصر من قام بالإسلام على من خالفه في أي مكان يا رب العالمين!