Полный текст (477 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
جلسات رمضانية لعام ١٤١٠هـ[١]
رمضان شهر كريم، وفرصة غالية يجب استغلالها في تكثير الحسنات والتقرب إلى رب السماوات بجميع أنواع النوافل والطاعات، وفي هذه المادة بيان منزلة هذا الشهر العظيم وفضله، والحث على الإكثار من الصلوات، وقراءة القرآن، وفضل تناول السحور.
стр. 2
استغلال شهر رمضان للتزود من الأعمال الصالحة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلَّغ النبي ﷺ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وأظهره الله تعالى على ما سواه، حتى ملكت هذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها، وهذا من نعمة الله ، فصلوات الله وسلامه على محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الإخوة الكرام: فإن الذي نصر أوَّل هذه الأمة، وأظهر دينها على جميع الأديان، ودك به صروح كسرى وقيصر وغيرهم من أئمة الكفر، قادر على أن ينصر آخر هذه الأمة؛ لأن سنة الله تعالى في عباده واحدة، ولكن الناس إذا أضاعوا أمر الله أضاعهم الله، وإذا نسوا الله نسيهم الله، وإلا فلو رجعنا رجوعاً حقيقياً إلى ربنا لوجدنا النصر والكرامة والعزة، ولكن مع الأسف الشديد أن كثيراً من المسلمين أضاعوا أمر الله فأضاعهم الله .
أيها الإخوة الكرام: إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا لن يعمَّر، ولن يبقى، فهو موجود من العدم، وصائر إلى العدم، وإن الساعات التي تمر بالإنسان في هذه الدنيا كأنها لحظات، بل هي لحظات: لحظة تتلوها لحظة، وهكذا إلى أن يصل الإنسان إلى آخر نهايته، وهذا أمر يشعر به كل واحدٍ منا.
لقد مضى على رمضان العام الماضي اثنا عشر شهراً برمضان، يعني: بعد رمضان أحد عشر شهراً كلها مضت، ومع ذلك فكأنها أحد عشر ساعة، كأننا بالأمس القريب نصلي رمضان عام (١٤٠٩هـ) ، والآن نصلي عام (١٤١٠هـ) ، وما هي إلا لحظات زالت، وهكذا أيضاً ما بقي من أعمارنا سوف يزول بهذه السرعة، إذاً فالواجب علينا -أيها الإخوة- أن ننتهز هذه الفرصة، أن ننتهز فرصة وجودنا في الدنيا حتى نعمل للآخرة، والعجب أن الذي يعمل للآخرة ينال الدنيا والآخرة، والذي يعمل للدنيا يخسر الدنيا والآخرة، لا أقول ذلك من عند نفسي ولكني أقول ذلك بكتاب الله، قال الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] الحياة الطيبة الدنيا ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] في الآخرة.
أما عكس ذلك فاستمع: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٣-١٠٥] .
أيها الإخوة الكرام: إذا علمنا هاتين الحقيقتين، وهما: أولاً: سرعة الدنيا وزوالها، وأنها تمضي لحظة بعد أخرى، حتى يأتي الإنسان الموت، وعلمنا أيضاً أن الكاسب والرابح هو المؤمن، وأن من لم يكن مؤمناً عاملاً بالصالحات فهو خاسر، استدللنا لذلك بالواقع وبكتاب الله ، فإنه جدير بنا أن ننتهز فرصة وجودنا في هذه الدنيا لأننا لابد أن ننتقل، لابد أن نُذكر كما كنا نَذكر غيرنا، الذين كانوا من قبلنا وأدركناهم، كانوا يتحدثون كما نتحدث، ويخبرون كما نخبر، وأصبحوا الآن خبراً من الأخبار.
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار
هو في الأول مخبر ويكون خبراً يخبر عنه: فلان ﵀، هذا هو الحقيقة.
إذاً فلننتهز -يا إخواني- هذه الفرصة لا سيما في المواسم، مواسم الخيرات التي جعلها الله لعباده، كالأسواق التجارية بل هي التجارة حقيقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠-١١] .
علينا أن ننتهز هذه الفرصة، رمضان متى يأتي؟ ربما يموت الإنسان قبل أن يدركه رمضان الثاني، كما تعلمون أن هناك أناساً كانوا معكم في العام الماضي الآن هم في قبورهم مرتهنون بأعمالهم، لا يملكون أن يزيدوا حسنة في حسناتهم ولا أن ينقصوا سيئة من سيئاتهم، هذا الذي مر عليهم ربما يمر عليك، بل قطعاً سيمر عليك، لكن ربما يمر عليك قبل أن يعود إليك رمضان، إذاً: فانتهز الفرصة! ونحن الليلة في الليلة الثالثة من رمضان انظروا سرعة ذهابه، يعني: مضى منه يومان كاملان، ونحن الليلة في الليلة الثالثة، وسيمر سريعاً فلننتهز هذه الفرصة.
стр. 3
الحث على الطاعات في ليالي رمضان
стр. 4
التعبد لله بالإفطار
أولاً: في الليل، يبدأ الإنسان ليله بالتقرب إلى الله تعالى بأكل الفطور، الإنسان يبتدئ ليله بالتقرب إلى الله تعالى بأكل الفطور، أكل الفطور هو مما يلائم الطبيعة، لأن الإنسان يشتهي الأكل.
ومع ذلك هو عبادة تتقرب بها إلى الله.
إذاً: نبتدئ ليلنا بالتقرب إلى الله تعالى بأكل الفطور، وأنا أقول لكم ذلك من أجل أن ينوي الإنسان عند فطره أنه يفطر طاعة لله ورسوله واتباعاً لرسول الله ﷺ ، هل منكم أحد يدرك هذه النية؟ أو إذا أذَّن وإذا هو يشتهي التمر والماء أكله تشهياً لا تعبداً، أكثر الناس هكذا، ونحن منهم نسأل الله أن يتوب علينا إلا أن يمن الله علينا بالتذكر، لابد أن يتذكر الإنسان.
стр. 5
إحسان عبادة إجابة النداء والوضوء والصلاة
ثانياً: يجيب المؤذن وهو يفطر؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن) لكن في حيَّ على الصلاة تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! يجيب ويدعو وهو مفطر، يجمع بين عبادتين، ثم بعد ذلك يخرج من بيته يمشي إلى أي شيء؟ إلى المسجد متطهراً، لا يخطو خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، يقدم رجله اليمنى، هذه سنة قولية أو فعلية؟ فعلية، ويقول: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، هذه سنة قولية، يسأل الله أن يفتح له أبواب رحمته.
ثم يدخل مع الإمام يصلي مع الإمام كما أمره النبي ﷺ ، فيتقرب إلى الله في هذه الصلاة من وجهين: الوجه الأول: أنه يؤدي فريضة من فرائض الإسلام وهي الصلاة.
الوجه الثاني: أنه يتابع الإمام، ومتابعة الإمام فيها أجر وعبادة؛ لأن النبي ﷺ أمر بها، قال: (إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا) إذاً: تكون عبادة، فيؤدي عبادتين: فريضة الإسلام، واتباع الإمام الذي أمره النبي ﷺ باتباعه.
أما إذا أتينا إلى الصلاة أو نظرنا إلى الصلاة، فيالها من روضة يانعة فيها من كل فاكهة زوجان، تكبير لله قرآن تسبيح دعاء هيئات متعددة كلها تنبئ عن التعظيم، أنت ترفع يديك عند التكبير تعظيماً لله تركع تعظيماً لله، ولهذا تقول في ركوعك: سبحان ربي العظيم، لتجمع بين التعظيم القولي والتعظيم الفعلي، إذا رفعت تثني على الله ؛ لأنه مجيبٌ لمن حمده، سمع الله لمن حمده يعني: أجاب لمن حمده، وتحمد الله ، ثم تسجد على الأعضاء السبعة، هذه الأعضاء تتناول أدنى ما في البدن وأعلى ما في البدن، ما هو أدنى ما في البدن؟ القدمان، وأعلى ما في البدن؟ الوجه، تسجد كلك، من هامك إلى إبهامك تعظيماً لله .
ترى أعلى ما فيك وأشرف ما فيك في مداس الناس في الأرض، والله! لو أمرك أكبر ملك في الدنيا أن تسجد له ما وافقت إطلاقاً، لأبيت أشد الإباء، لكنك ولله الحمد تنقاد وبكل سهولة، وتتلذذ بهذا أيضاً، لأن النبي ﷺ قال: (وجعلت قرت عيني في الصلاة) في سجودك تبتهل إلى الله .
تجتهد في الدعاء؛ لأن الرسول ﷺ قال: (وأما السجود فأكثروا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم) .
ثم ترفع وتجلس بين السجدتين وتسأل الله المغفرة والرحمة والهداية، وتعيد السجود مرة ثانية.
الله أكبر! الركوع مرة واحدة والسجود مرتين، لأن السجود أشد خضوعاً وخشوعاً، لأنك لست تنحني فقط بل تنحني وزيادة، وتضع أشرف ما فيك على الأرض ولهذا كُرِّر في الصلاة، ولم يكرر الركوع في الصلاة إلا في صلاة الكسوف، لأنها صلاة خوف ورهبة، فلهذا كرر فيها الركوع تعظيماً لله ، ثم عند ختام الصلاة تثني على الله بالتحيات، وبالسلام على النبي ﷺ تسلم عليه، وبالسلام عليك وعلى عباد الله الصالحين، وبالصلاة على النبي ﷺ ، وبالاستعاذة بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال.
ما زلنا الآن في أول الليل، ما هي الصلاة التي أديناها؟ صلاة المغرب.
стр. 6
فعل المباح بنية العبادة
ثم تذهب إلى البيت راجعاً يكتب لك ممشاك حيث احتسبته على الله ذاهباً وراجعاً، وتتعشى لتتقوى على طاعة الله، ولذلك ينبغي لنا -نسأل الله أن يوقظ قلوبنا- ألا ننوي بأكلنا وشربنا مجرد التشهي، أن ننوي به: أولاً: امتثال أمر الله ، لأن الله أمرنا بالأكل والشرب في أي آية؟ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١] ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٧٢] .
ثانياً: ننوي بذلك حفظ أبداننا؛ لأن بدنك أمانة عندك ائتمنك الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] هذه الأمانة الدينية، والأمانة البدنية الدنيوية: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] إذاً: فننوي بالأكل حفظ هذا البدن الذي جعله الله أمانة عندك نقيه الشر في الدنيا والآخر.
ثالثاً: ننوي بذلك التنعم بنعم الله، التنعم بنعم الله قربة؟ نعم لأنه يدل على قبولك لنعمة الله عليك، قبولك لمنة الله عليك، ومعلوم أن قبول ذي المنة اعتراف بفضله ، فأنت تعترف بفضل الله، وتتمتع بنعمه، ولهذا جاء في الحديث: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه) إذاً: ويحب أن يتبسط عباده بنعمه؛ لأن الكريم يحب أن ينتفع الناس بكرمه.
رابعاً: تنوي بذلك التقوِّي على الطاعة، ولهذا قال النبي ﵊: (تسحروا فإن في السحور بركة) أمرنا بالسحور من أجل التقوِّي على الصيام، فأنت تنوي بأكلك وشربك التقوِّي على طاعة الله.
إذاً انقلبت هذه النعمة التي يتمتع بها أكثر الناس تشهياً، انقلبت عبادة، فبإمكان الإنسان الموفق أن يقلب عاداته عبادات، والغافل تكون عباداته عادات، يروح يصلي على العادة، يتوضأ على العادة، يمكن لو عاش في بيئة أخرى غير مسلمة يمكن أن يمشي على ما هم عليه عادة، لكن الموفق يجعل من عاداته عبادات.
стр. 7
قيام رمضان وبعض أحكامه
بعد هذا تذهب إلى المسجد كما قلنا في الأول تتوضأ في البيت وتسبغ الوضوء، وهنا أنبه إلى أنه يحسن للإنسان أن يتوضأ في بيته أحسن من المسجد؛ لأجل أن يخرج وهو متطهر، فإن من توضأ في بيته فأسبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا وصل المسجد وصلى فإن الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة.
تدخل في صلاة العشاء، تدخل في قيام رمضان؛ لأن التراويح قيام رمضان، لولا أننا نعتقد أنه قيام رمضان لكنا لم نقم رمضان، هو قيام رمضان تماماً، انتبه لا تظن أنه صلاة فقط مجرد هو صلاة لكن هو قيام رمضان، الذي قال فيه ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه) ولهذا كان الرسول ﷺ يطيل فيه الصلاة، قالت عائشة ﵂ لما سئلت: (كيف كانت صلاة النبي ﷺ في رمضان، قالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ﵂ وهي من أعلم الناس بصلاته- يصلي أربعا، ً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) .
هذا الحديث إذاً أربع وأربع ثمان وثلاث إحدى عشر، لكن قولها: يصلي أربعاً، قد يحتمل أن المعنى يصليها جميعاً في تسليمة واحدة، ثم يصلي أربعاً في تسليمة واحدة، وهذا محتمل، لكن يحتمل وجهاً آخر، أنه يصلي أربعاً بتسليمتين يعني: يصلي ركعتين ثم ركعتين ثم يستريح، والدليل على هذا أمران: الأمر الأول: قول النبي ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) ولم يعهد من الرسول ﵊ أنه صلى أكثر من اثنتين إلا في الوتر، الوتر كان يوتر بخمس أو بسبع ولا يجلس إلا في آخرها، أو بتسع ويجلس في الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم، لكن في الوتر ما عهد عنه أنه صلى أكثر من ركعتين، وقد قال هو ﵊ قوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) .
والوجه الثاني: مما يؤيد هذا أنها قالت (ثم) وثم هذه للترتيب والمهلة فيجعل بين الأربع والأربع شيئاً من المهلة، ولهذا أخذ الناس هذا العمل، فصار الناس في صدر هذه الأمة يصلون أربعاً ثم يستريحون ثم يصلون أربعاً، ولهذا سميت تراويح من الراحة، ما هي تراويح بمعنى السرعة، لا، من الراحة! يصلون صلاة طويلة ثم يستريحون، يصلي أربعاً ويستريح، ويصلي أربعاً ويستريح، ثم يصلي ثلاثاً.
وظاهر قولها ﵂ أنه لا يسلم في هذه الثلاث، لأنه وتر والوتر إذا أوتر بثلاث يسردها، لكن قد صح عن ابن عمر أنه يسلم في الركعتين ويأتي بالثالثة، فإن فعلت هذا أو هذا فكله جائز، لكني أرجح أن الثلاث تكون سرداً بتسليمة واحدة.
انتهينا من صلاة أول الليل، بعد ذلك هل يكتب للإنسان أجر إلى الفجر؟ استمع: (أقام النبي ﷺ بأصحابه ثلاث ليالٍ، فقالوا: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا -يعني: لو زدت النفل هنا بمعنى الزيادة، لو زدتنا بقية الليلة انظر الهمة العالية، نحن لو أطلنا قال الناس: أطال فلان، ابحثوا عن غيره أخف منه، لكن الصحابة قالوا للرسول ﷺ : انفلنا بقية الليلة زدنا قال النبي ﷺ : من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) اللهم لك الحمد قيام ليلة وأنت نائم! نعم قيام ليلة وأنا نائم، هكذا قال النبي ﵊ نعمة من الله، إذاً يكتب للإنسان الذي يقوم مع الإمام حتى ينصرف قيام ليلة كاملة قاله النبي ﷺ .
стр. 8
السحور فضله وأحكامه
تقوم في آخر الليل تأكل وتشرب، وهذا الأكل والشرب كله خير، أمر به النبي ﷺ فقال: (تسحروا فإن في السحور بركة) وقال: (فصل ما بيننا وبين صيام أهل الكتاب أكلة السحور) اليهود والنصارى يصومون، لكن صيامهم هباء منثوراً بعد بعثة النبي ﷺ ؛ لأنهم كفار لا ينفعهم إيمانهم، لو صاموا سنةً كاملة ليست بشيء، ولا تقبل منهم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] متى يتسحر اليهود والنصارى؟ في نصف الليل؛ لأن نهارهم يبدأ من نصف الليل، لكن المسلمين هم الموافقون للواقع، متى يبدأ نهارهم؟ إذا بدأ النهار وبدأ الصبح، فأوفق من يكون للواقع هم المسلمون، يصومون في النهار ويفطرون في الليل، فهل هذا السحور فيه فائدة؟ نعد الفوائد: أولاً: امتثال أمر النبي ﷺ ؛ لأنه قال: تسحروا.
ثانياً: الاقتداء بالرسول ﷺ ، لأنه كان يتسحر، ولم يكن بين سحوره وبين صلاته إلا مقدار خمسين آية، أيضاً يؤخر السحور.
ثالثاً: أن في هذه الأكلة معونة على طاعة الله؛ لأن الإنسان إذا تسحر كفاه ذلك كل اليوم، كم تشرب كل يوم إذا لم تكن صائماً؟ كثير، لكن إذا كنت صائماً سبحان الله! الشرب الذي في السحور يكفيك، هذا من بركته قال النبي ﷺ : (تسحروا فإن في السحور بركة) .
رابعاً: إظهار المخالفة لليهود والنصارى؛ لأن هذا السحور هو فصل ما بيننا وبين صيام اليهود والنصارى، ولا شك أن إظهار مخالفة اليهود والنصارى مما يقرب إلى الله: (من تشبه بقوم فهو منهم) بل إغاظة اليهود والنصارى مما يقرب إلى الله، بل إغاظة كل كافر مما يقرب إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠] وقال الله تعالى في وصف الرسول ﷺ ومن معه قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] .
ما نصانع الكفار لأن الكفار لا يصانعوننا، ولكنا نفعل كل ما يغيظهم، نتقرب بذلك إلى الله، ونعلم أن هذا قربة لنا؛ لأن هذا لنا فيه أجر وهذا وصف محمد ﷺ وأصحابه.
الخامس: أنه فيه ما ذكرنا من قبل من فوائد الأكل، يعني: السحور أكل، فيه التنعم بنعم الله، حفظ البدن، امتثال أمر الله، وغير ذلك.
إذاً: تسحرنا -يا إخواني- أجر أم غير أجر؟ أجر، ولكن كل هذه الأمور تحتاج إلى أن الإنسان يتذكر، أكثر الناس لا يتذكر يأكل الأكل يتنعم به ترفهاً بدنياً لا أنه يتنعم به تنعماً عبادياً، لا.
إلا أن يشاء الله، إذا استيقظ الإنسان واستحضر انتفع، أما في النهار فأنت في عبادة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ميزان هذه العبادة ما هي؟ مرتبتها في الإسلام، ركن من أركان الإسلام، تقوم به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولو كنت نائماً، ولو كنت تبيع أو تشتري، أو تتحدث مع أصحابك، أنت في ركن من أركان الإسلام، سبحان الله!
стр. 9
فضل قراءة القرآن في رمضان
هذه نعمة من الله في هذا الشهر المبارك، تقرأ القرآن كل حرف من حروف القرآن فيه عشر حسنات.
قال ابن عصفور ويروى مرفوعاً عن النبي ﷺ : (لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) يعني: ثلاثة حروف تعتبر ثلاثين حسنة، وهذا أمر لا يدرك عدده إلا الله ، كل هذا لأنك تقرأ كلام رب العالمين ، خالق السماوات والأرض الذي هو أحب حبيب إليك، ما ظنك لو جاءتك رسالة من صديق لك، كل ساعة تطلعها من جيبك وتقرأها، كأنما تواجه صديقك أو حبيبك، أليس كذلك؟ أنت إذا قرأت كلام الله لا شك أن المؤمن أحب شيء عنده هو الله ، يقرأ كلام الله ، من جهة التعظيم ولذلك فإن النبي ﷺ كان يكثر من قراءة القرآن في رمضان.
وكان جبريل يدارسه القرآن وكان يقرأ في كل سنة مرة، إلا السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، فإنه قرأه عليه مرتين، لماذا؟ من أجل الاستثبات، وأن القرآن ولله الحمد محفوظ إلى آخر حياة الرسول ﵊، لم يتغير، لا بنقص، ولا بزيادة، ولهذا قال العلماء: من أنكر حرفاً منه وهو عالمٌ به فهو كافر، حرف واحد تنكره وأنت تعلم تكون كافراً، لأنك مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين، أما الله فيقول: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية:٢٩] ويقول : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] هذا كلام الله! أخبر به عن نفسه، وأما الرسول ﷺ فقد بلَّغ أمته، وقال هذا كلام ربي، بلغهم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] أما المسلمون فأجمعوا كلهم على أن هذا القرآن الذي بين أيدينا، من فاتحته إلى خاتمته كلام الله، وأنه محفوظ، وأنه ليس فيه زيادة، وليس فيه نقص، بل هو محفوظ بحفظ الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فالحمد لله.
المهم أن كتاب الله ينبغي للمؤمن أن يكثر من تلاوته لا سيما في هذا الشهر المبارك، ولا حرج أن يجعل الإنسان لنفسه شيئاً معيناً من القرآن يحافظ عليه، سواءً في رمضان أو في غيره، لا تقل هذا بدعة، أجعل كل يوم جزءاً أو كل يوم نصف جزء أو كل يوم جزئين أو ثلاثة، لأن بعض الناس يشتبه عليه الأمر، يقول: أخشى أني لو أجعل في اليوم شيء معين من القرآن أن هذا بدعة، هذا ليس بدعة هذا تنظيم، أنا لست أتقرب إلى الله بهذا العدد المعين جزء أو جزئين، لكن أريد أن أحفظ وأنظم قراءتي للقرآن، لأن الإنسان لو يجعل أنه كل ما فرغ قرأ يمكن يمر عليه الشهرين وما قرأ، لكن إذا جعل له شيئاً معيناً؛ جزء أو نصف جزء أو جزئين أو ثلاثة، حافظ عليه، وسهل عليه، وقد قال النبي ﵊: (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل) فلو أن الإنسان منا حرص على أن يجعل له شيئاً معيناً في كل يوم في رمضان، وشيئاً معيناً في كل يوم في غير رمضان، حتى ينظم نفسه بالنسبة لقراءة القرآن كان هذا حسناً وليس ببدعة.
وهكذا يتقلب الإنسان في هذا الشهر من طاعة إلى أخرى، إذا وفق لاستغلال الفرصة، فأنا أوصيكم ونفسي في هذا الشهر بتقوى الله واستغلال الفرصة بقدر المستطاع، مع الاستعانة بالله ، ولهذا ينبغي لنا بل يجب علينا أن نقرن أفعالنا بالاستعانة بالله ، نقرنها بالاستعانة، الاستعانة عبادة أم غير عبادة؟ الاستعانة عبادة، إذاً أنت إذا فعلت شيئاً من العبادات مستعيناً بالله، أعانك الله ومع ذلك قربك إليه لأن الاستعانة عبادة.
أسأل الله تعالى أن يعينني وإياكم في هذا الشهر وفي غيره، على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يثبتنا على الحق إلى أن نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 10
الأسئلة
стр. 11
حكم التهنئة بقوله: مبروك أو كل عام وأنتم بخير
السؤال
ما حكم التهنئة في أول الشهر بقوله: مبروك أو كل عام وأنتم بخير، فهل هي من السنة أم لا؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، التهنئة بشهر رمضان لا بأس بها، وهي عادة معروفة عند الناس يتخذونها من باب الدعاء، يدعو بعضهم لبعض بهذا ولا بأس به، وقد ذكر بعض أهل العلم أن النبي ﷺ كان يبشر أصحابه برمضان، يقول: (أتاكم رمضان) مبشراً لهم به، ولكن كلمة: (كل عام وأنتم بخير) هذه يظهر لي أنهم يريدون الدعاء بهذا، يعني جعلك الله في كل عام بخير، لكن لو قالوا كلمة أحسن من هذا وأخص، مثل أن يقول: بارك الله لك في الشهر وأعانك فيه على طاعته، وما أشبه ذلك لكان هذا أحسن من (كل عام وأنتم بخير) .
стр. 12
حكم المزاح والضحك في رمضان
السؤال
نلاحظ على كثير من الناس ممن حسنت نياتهم أنهم يفرحون بمجيء رمضان، فيستعدون له بقلوبهم، ولكنهم إذا جاءهم رمضان فإننا لا نلاحظ عليهم أي تغير، فكلامهم يكثر فيه المزاح، وقلوبهم قبل الصلاة وبعد الصلاة وأثناء الصلاة واحدة لا تتغير إلى آخر ذلك، فماذا تنصحهم؟
الجواب
الواقع أن المسلمين يفرحون برمضان على وجهين: الوجه الأول: من يفرح برمضان لأنه ينشط في رمضان على العبادة، ويكثر من العبادة، وهذا لا شك هو الأصل، وهو المقصود، وهو الطيب.
الوجه الثاني: ومنهم من يفرح برمضان لكثرة خيراته، وكثرة نعم الله وعفوه على عباده، ولما فيه من الأسباب الكثيرة التي يغفر الله بها للإنسان كالصيام مثلاً.
والذي ينبغي للإنسان أن يفرح في رمضان للأمرين جميعاً، يفرح لأنه ينشط على العبادة ويكثر منها، ويتعبد الله بقدر ما يستطيع، ويفرح به أيضاً بما فيه من الخيرات والبركات ونعم الله ، فإن فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
وأما كون الإنسان في رمضان لا يضحك ولا يمزح مع أصحابه ولا يتحدث إليهم، فهذا ليس هو المقصود، المقصود ربما يكون ضحك الإنسان ومزحه مع إخوانه من أجل إدخال السرور عليهم، ربما يكون من العبادة أن يدخل الإنسان السرور على إخوانه.
ومع ذلك فإنه ينبغي له ألا يكثر من الضحك والمزاح.
стр. 13
تبييت نية الصيام من الليل
السؤال
ما رأيكم في رجل في آخر يوم من شعبان لم يعلم بطلوع هلال رمضان ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر من أول يوم من رمضان، فهل يستكمل صومه وقد قال النبي ﷺ : (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) هل يلزمه القضاء؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
الجواب
إذا كان هذا الإنسان نائماً على أنه إن كان غداً من رمضان فهو صائم فهذه نية صحيحة ويصح بها الصوم لقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى) .
فهذا الرجل يقول في نفسه: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، فإذا تبين أنه من رمضان فقد نوى نية صحيحة، وأما الحديث الذي أشار إليه: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له) فهذا حديث تكلم العلماء فيه، وضعفه كثير من أهل العلم، ورجحوا أنه موقوف وإذا كان موقوفاً، فليس فيه دليل، ثم نقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المراد بذلك من علم؛ لأن النية تتبع العلم، فمن لم يعلم فكيف ينوي؟ فيكون الإنسان الذي يعلم أن غداً من رمضان ليس له الحق أن يؤخر النية حتى يطلع الفجر؛ لأنه عالم بل لابد أن ينوي قبل أن يطلع الفجر، إذا كان عالماً وكلامنا في الشخص الذي لم يعلم.
стр. 14
صفة النية المتعلقة بالصيام
السؤال
هذا السؤال متعلق بالسؤال الذي سبق، يقول: سمعت لك جواباً في برنامج نور على الدرب أن كل يوم له نيته الخاصة به، فما هي صفة هذه النية، وهل هي قول أم نية في القلب؟
الجواب
لا أدري عن هذا السماع الذي سمعه، أنا أرى أن النية الواحدة في أول رمضان كافية عن كل رمضان، ولا حاجة إلى تبييت النية كل ليلة، إلا إذا قطع الإنسان صومه في أثناء رمضان بعذر؛ ثم أراد أن يصوم بعد زوال هذا العذر، فلابد من تجديد النية.
فمثلاً: أول ليلة من رمضان ينوي الإنسان الصوم، ولو سألته هل ستصوم غداً؟ يعني بعد اليوم الأول، لقال: نعم، فهو ناوٍ من حين يدخل رمضان إلى آخر رمضان ونيته واحدة، ثم إن الإنسان إذا قام في آخر الليل، وقرَّب الأكل وأكل وشرب ناوٍ أو غير ناوٍ؟ ناوٍ، لو قيل له: صم ولا تنوِ الصيام، يستطيع أو لا يستطيع؟ لا يستطيع، كما قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، صحيح! لو أن الله قال: يا عبادي! اعملوا ولا تنووا، لا نطيق، كيف نعمل ونحن نعمل باختيارنا ولا ننوي؟ ما من إنسان يفعل باختياره إلا وهو ناوٍ.
لكن مسألة أن الإنسان يقوم في آخر الليل ويتسحر معروف أنه ناوٍ، لكن لو فرضنا رجلاً نام قبل غروب الشمس اليوم، وما استيقظ إلا بعد طلوع الفجر من الغد، مضى عليه الليل كله وهو نائم، هنا يأتي الخلاف، من قال: إنه لابد أن ينوي لكل يوم من ليلته؛ فصومه على هذا غير صحيح؛ لأنه ما نوى! ومن قال: تكفي النية الأولى، قال: صومه صحيح، وهذا لا شك أنه هو القول الراجح الصحيح، لأن هذا النائم الذي نام بعد العصر اليوم، هل نيته أنه يصوم غداً أو لا يصوم؟ نيته أنه يصوم ما في ذلك إشكال، إلا إذا كان هناك عذر في أثناء الشهر، ثم يزول العذر فلابد أن يجدد النية، مثلاً: لو سافر الرجل وأفطر في سفره، ثم رجع إلى بلده، نقول: لابد أن تجدد النية؛ لأن النية الأولى انقطعت أفطرت، فلابد من أن تجدد النية، والمرأة إذا حاضت تجدد النية.
стр. 15
حكم التهاون في عدم تناول طعام السحور
السؤال
هناك بعض الناس يتهاونون في السحور حيث أنهم ينامون في الساعة الثالثة ويقولون: نقوم قبل الفجر ونشرب ماءً ويكفي ذلك، فما رأي فضيلتكم بذلك؟
الجواب
صحيح أن الأمر يكفي، أي: لو تسحر الإنسان في وسط الليل، ونام إلى قرب طلوع الفجر ثم قام وشرب كفى بلا شك، لكن الأفضل أن يؤخر السحور كله في آخر الليل، لأن هذا هو هدي النبي ﷺ ، ويذكر عنه ﷺ أنه قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) أما الجملة الأولى: (عجلوا الفطر) فهي ثابتة في الصحيحين، وأما الثانية فهي مروية عن الرسول ﵊، ولكن هذا إن لم يصح من قوله فقد صح من فعله أنه كان يؤخر السحور.
стр. 16
حكم استعمال بخاخ الربو للصائم
السؤال
هل استعمال بخاخ الربو يفطر في رمضان؟
الجواب
بخاخ الربو نوعان: النوع الأول المسدس الذي يجعل فيه حبوباً ثم يُطلق وتنفجر في الفم، وتنزل إلى المعدة هذا يفطِّر، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يبقى كل النهار بدونه، فإنه لا بأس أن يفطر والأمر واسع لأنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] وإذا قدر أن هذا من الأمراض المستعصية التي لا يرجى زوالها، فإنه يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، ثم إن قدر أن الله عافاه والله على كل شيء قدير؛ فإنه لا يلزمه إعادة الإطعام ولا الصوم، لأن هذا الرجل برئت ذمته في الإطعام فلا تعود مشغولة بدون سبب.
أما النوع الثاني من البخاخ الذي يزول فيه ضيق النفس فهو هواء غاز، لا يصل منه جرم إلى المعدة هذا لا بأس به ولو كان الإنسان صائماً ولا يفطر.
стр. 17
حكم صلاة النافلة بعد الوتر
السؤال
إذا صلى المرء صلاة التراويح وصلى الوتر، ثم خرج إلى منزله ثم ذهب إلى أحد المساجد لاستماع إحدى المحاضرات هل يصلي تحية المسجد إذا دخل ذلك المسجد؟
الجواب
هذه المسألة ينبغي أن نفهمها جيداً، قال النبي ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) ولم يقل لا تصلوا بعد الوتر، وبين العبارتين فرق، لو قال: لا تصلوا بعد الوتر، قلنا: لا تصل بعد الوتر لا في بيتك، ولا في دخول المسجد، بل يكون هناك تعارض بين هذا الحديث وحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) لكن الرسول ﷺ قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) يعني معنى ذلك أنك إذا ختمت صلاة الليل فأوتر فإذا قدر لك أن تصلي بعد ذلك فلا حرج ما دمت حين أوترت وأنت تظن أنك لن تصلي بعد ذلك فإنك إذا صليت بعده فلا حرج، مثال ذلك: رجل أوتر مع الإمام على أنه لن يصلي، ثم قُدِّر له في آخر الليل فقام، وقال: أحب أن أستغل آخر الليل بالصلاة، فصلى يجوز أم لا يجوز؟ يجوز؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل لا تصلوا بعد الوتر، قال: (اجعلوا آخر صلاتكم في الليل وتراً) وأنا قد جعلت آخر صلاتي بالليل وتراً وأوترت لكن قدر لي أن أقوم أصلي ركعتين صلاة الليل مثنى مثنى، أما إذا وجد سبب فهذا أبين وأبين، إذا وجد سبب للصلاة بعد الوتر فهذا أبين وأبين، مثلاً: أوترت في مسجدك ثم ذهبت إلى مسجد آخر ووجدت الناس يصلون ادخل معهم وصلِّ، فإن أوتروا فقم بعد الوتر وصلِّ ركعة أكمل ليكون شفعاً؛ لأنك قد أوترت من قبل، وكذلك إذا دخلت المسجد فصلِّ ركعتين تحية المسجد؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) .
стр. 18
حكم التفريط في قضاء الصيام إلى بعد رمضان الثاني
السؤال
شخص عمره ثلاث عشرة سنة وعليه قضاء ستة عشر يوماً من رمضان الفائت، ولم يبدأ بقضائها إلا في يوم اثنين وعشرين، في هذه الحالة سوف يأتي رمضان قبل إكمال الأيام فهل يقضي بعض رمضان الثاني باقي الأيام، وهل هناك فرق بين البالغ وغير البالغ في هذه الحالة، جزاكم الله خيرا؟
الجواب
نعم هناك فرق بين البالغ وغيره، وهو أنه إذا كان هذا الرجل الذي له ثلاث عشرة سنة، إذا كان لم يبلغ فلا قضاء عليه هو حر، إن شاء قضى وإن شاء لم يقضِ؛ لأن الذي دون البلوغ لا يلزمه الصوم فلا يلزمه القضاء، وأما إن كان بالغاً فإنه يلزمه القضاء ولا يجوز أن يؤخره إلى ما بعد رمضان الثاني، وعلى هذا فإننا نقول لهذا الشخص: إن كنت مفرطاً في هذا التأخير، لأنك لم تبدأ إلا بعد اثنين وعشرين من شعبان، فإن كنت مفرطاً فاستغفر الله، وإذا انتهى رمضان فأكمل الباقي عليك، ستة أيام لأنه صام من ثلاثة وعشرين إلى تسعة وعشرين الجميع سبعة أيام ويبقى عليه ستة أيام يقضيها بعد رمضان، هذا مع التوبة والاستغفار مما حصل منه.
стр. 19
الأفضلية في قراءة القرآن ليلاً
السؤال
مدارسة جبريل للنبي ﷺ كانت في الليل، هل يؤخذ منه أن قراءة القرآن ليلاً أفضل من النهار؟
الجواب
لا شك أن قراءة القرآن في الليل في الغالب أشد حضوراً في القلب، ولا سيما إن كانت ناشئة وهي التي تكون بعد النوم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] ولكن هذا غير متعين بالنسبة لرسول الله ﷺ ، لأننا نعلم جميعاً أن رسول الله ﷺ هو إمام الأمة، ومتولي أمورها، وهو في النهار مشغول في شأن الخلق، وتدبير أمورهم، وفي الليل لا شك أنه أفرغ، فاجتمع في ذلك أنه أفرغ، وأنه في الغالب أحضر للقلب، فدراسة الناس الآن إذا كان في النهار أفضل لقلبه، وفي الليل يشتغل قلبه، فإنه يقرأ في النهار، وإن نظرنا إلى الغالب فالغالب أنه في الليل أحضر للقلب، وأقرب إلى التدبر.
стр. 20
حكم الاشتراك في قراءة القرآن في رمضان
السؤال
هل يؤخذ من مدارسة جبريل للنبي ﷺ للقرآن فضيلة الاشتراك في قراءته؟
الجواب
هذا لا يؤخذ منه فضيلة الاشتراك، ولهذا لا نفضل الاشتراك على الانفراد مطلقاً، ولا الانفراد على الاشتراك مطلقاً، فإذا كان الإنسان ضعيفاً في القراءة فالاشتراك مع شخص أقرأ منه أحسن، من أجل أن يقوِّم قراءته، إذا كان يكسل أو يأتيه النعاس فاشتراكه مع غيره أحسن، من أجل إذا جاءه النعاس قرص أذنه، حتى لا يأتيه النعاس، مثل ما كان الرسول يفعل مع عبد الله بن عباس ﵄، عبد الله بن عباس لما أحسن أن النبي ﷺ قام يصلي قام فصلى مع الرسول ﷺ ، فكان ينعس فكان النبي ﵊ يأخذ بأذنه إذا نعس، إذا كان هناك مصلحة فالاشتراك أفضل، إذا كان الأصلح في الانفراد لأنه أقوى على التدبر، ولأنه يقرأ الكلام كله بلفظه لا باستماعه، صار الانفراد أفضل، المهم أن الانفراد أو الاشتراك لا يفضل أحدهما على الثاني بكل حال وإنما ينظر للمصلحة.
السؤال: هل يحصل الفضل الذي قال فيه النبي ﷺ : (ما اجتمع قوم) الحديث، هل يحصل في الاجتماع في البيت أو المزرعة أو البر على قراءة القرآن؟ الجواب: الله أعلم، ظاهر الحديث أنه لا يحصل إلا إذا اجتمعوا في بيت من بيوت الله، وذلك في المساجد، لأنه يجتمع في ذلك شرف المكان، وشرف القرآن، أما إذا كانوا في مكان آخر فظاهر الحديث أنه لا يحصل لهم هذا.
стр. 21
حكم الإفطار عند الغير لينال فضل تفطير الصائم
السؤال
ماذا يقول فضيلتكم برجل أراد الإفطار عند أخيه المسلم، لا لشيء إلا لأجل أن يتيح لأخيه الآخر فضل تفطير الصائم؟
الجواب
هذا جيد ولاشك، لكن خير منه أن يقول لأخيه: ائتِ إليَّ وافطر معي، لكي ينال هو أجر تفطير الصائم ويسلم من أن يكون للآخر عليه منة، وربما يضيق على الآخر، فلو قال: الليل سأفطر عندك، نعم.
ربما يكون ذاك في ضيق وما استعد له، أو لا يحب أن يفطر معه أحد، يحب أن يفطر هو وأهله، وإذا كان يحب هذا فأولى ما يبر نفسه، يقول: يا فلان! تفضل عندي.
قد يقول هذا الأخ: قال النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وإذا كان أحب أن يفطر عندي الصائمون فأنا أحب لأخي أن يفطر عنده الصائمون، نقول: ألست أنت تحب أن يفطر عندك الصائمون؟ يقول: نعم أحب ذلك، نقول: هل تقدم بخيرك غيرك؟ لا، في مسائل العبادات أمرنا الله بالاستباق إليها، قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران:١٣٣] لا تؤثر غيرك في القربات أبداً، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان أن يؤثر غيره بالطاعة فلا يؤثر غيره بالصف الأول ويتأخر هو مثلاً، كل طاعة لا تؤثر غيرك فيها، قالوا: لأن هذا دليل على قلة رغبته في الطاعة، لا سيما في مثل مسألتنا، تذهب تسأله أنك تأتي تأكل عنده فطوراً وعشاء، نعم.
مع أن الصحيح في مسألة الإيثار أن نقول: الإيثار بالواجب حرام، والإيثار بالمستحب خلاف الأولى إلا لمصلحة، والإيثار بالمباح حلال، فالإيثارات أقسامها ثلاثة: إيثار بالواجب وهذا حرام، إيثار بالمستحب وهذا خلاف الأولى إلا لمصلحة، إيثار بالمباح وهذا يحمد عليه الإنسان: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] يؤثرون بالأكل يعطون غيرهم يأكلو ولو كانوا جائعين، هذا الشيء من المباح.
الإيثار بالواجب مثاله: رجل ليس معه إلا ماء قليل إن توضأ به كفاه، وإن آثر به غيره نقص عنه وبقي هو يريد يتيمم، نقول: هذا لا يجوز أن تؤثر غيرك، أنت توضأ به وجوباً، إنسان ليس عليه إلا ثوب، وأخوه عريان ولا يمكن أنه يعطيه، إلا وهو متعرٍ، نقول: لا تتعرَ، مع أن مسألة الثوب قد لا تصح مثالاً؛ لأننا نقول: صل به أولاً ثم أعطه صاحبك، لكن مسألة الماء منطبقة تماماً، مثال صحيح.
والإيثار بالمستحب مثل الصف الأول، رأيت إنساناً وأنت في الصف الأول قمت من مكانك وقلت: تفضل يا فلان! هذا خلاف الأولى والفقهاء نصوا بأنه مكروه، لكن الصحيح أنه خلاف الأولى، وأنه إذا وجدت مصلحة فلا بأس، مثل لو أنك تأخرت لهذا الرجل من باب التأليف، لأن بعض الناس إذا رأى أن الناس يؤثرونه ازداد رغبة في الخير والصلاة مع الجماعة، فأنت مثلاً تفعل هذا لأجل أن تؤلفه حتى يرغب هذا طيب، أو إنسان جاء أبوه وتأخر له، هذا أيضاً طيب، لأن أباك في هذه الحالة سوف يراها لك ويحسبها من برك.
أما المباح فهو معروف مثل أن تعطي غيرك الطعام وأنت تشتهيه، لكن تؤثره هذا طيب.
стр. 22
إجزاء صلاة التراويح مع الجماعة عن قيام الليل
السؤال
أنا شاب -ولله الحمد- أصلي التراويح مع الجماعة في المسجد، ولكن في بعض الأحيان أريد أن أصلي في الثلث الأخير من الليل، فهل لي ذلك؟
الجواب
الذي يظهر لي أن من قام مع الإمام حتى ينصرف لا يصلي في آخر الليل؛ لأن الصحابة أنفسهم طلبوا من النبي ﷺ أن ينفلهم بقية ليلتهم فقال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليل) وفي هذا -والعلم عند الله- إشارة إلى ألا يشق الإنسان على نفسه ويكتفي بصلاته مع الإمام، فإذا اكتفى بصلاته مع الإمام كفى، لأن النبي ﷺ لم يقل قوموا أنتم، إن شئتم فقوموا الباب مفتوح، ما قال هذا، بل قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) ولكن كما نعلم أن الأئمة فيما سبق يؤدون الصلاة تماماً، يعني يمكنون الناس من الدعاء، ومن سؤال الرحمة، ومن قراءة القرآن على الوجه الذي ينبغي، بخلاف كثير من الأئمة اليوم، كثير من الأئمة اليوم -الله يهدينا وإياهم- يسرعون إسراعاً عظيماً، ما يطمئن الإنسان، ولا يدعو؛ لأنهم يحبون أن الناس يملئون مساجدهم إلا من شاء الله، والناس يحبون العجلة، غالب الناس يحب العجلة، فكثير من الناس يفعل هذا.
أنا حدثني إنسان ثقة رحمة الله عليه يقول لي: دخلت مسجداً في زمان مضى-لكن الآن الحمد لله أخذ المساجد شباب طيب ملتزم، وصار يمشي أحسن من قبل- فأدركت أناساً يركضون ركضاً عظيماً، يقول: إنه دخل وصلى مع الجماعة التراويح، ولما نام في الليل، يقول: كأني دخلت هذا المسجد فوجدت أهله يحندون، الحند: مثل الرقص، كأنهم يرقصون، أي: أن صلاتهم في رؤياه صارت كأنها لعب، ليس فيها فائدة، وهذا لا شك أنه صحيح لأن رسول الله ﷺ قال للرجل الذي لا يطمئن: (ارجع فصل فإنك لم تصل) وقال ﵊: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان -أي: عند الغروب هذا في صلاة العصر- قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا) .
стр. 23
حكم استعمال الإبر الطبية للصائم
السؤال
هناك امرأة أخذت في هذا اليوم إبرة في الرحم وهذه الإبرة ضرورية وهي على موعد لأخذ إشاعة ملونة، ويجب أخذ هذه الإبرة، وقد أخذت الإبرة وخرج على إثرها دم ليس بالقليل، فهل تقضي هذا اليوم؟
الجواب
الصحيح أن الإبر لا تفطر أبداً مهما كانت، إلا إذا كان يستغنى بها عن الأكل والشرب، يعني إذا كانت توضع في المريض بحيث لا يحتاج إلى الأكل والشرب فهذه نقول: إنها بمعنى الأكل والشرب، فتكون مفطرة لا يتناولها الإنسان إلا عند الضرورة، وإذا اضطر إليها تناولها وأفطر والحمد لله.
وأقول لكم بصراحة: نقول لكم هذا ونحن نسأل الله أن يغفر لنا، لأن الإنسان قد يقول قياسها على الأكل والشرب قياس مع الفارق، كيف الفارق؟ يقول: الأكل والشرب يحصل فيه لذة ومتعة بالأكل والشرب بخلاف هذه، هذه تنفع الجسم كما ينفع الأكل والشرب إن قدر أن نفعها للجسم مساوٍ لنفع الأكل والشرب، لكن التلذذ في الأكل والمضغ والحصول في المعدة هذا لا يحصل بهذه الإبر، فيمكن أن يكون الأكل والشرب حرمه الله لما فيه من اللذة والتغذية، ولهذا يقولون: إن المصاب المريض تجد في نفسه شوقاً عظيماً للأكل والشرب، ولو كان يتغذى بها، إذاً ففيها نقص، لكن نحن نقول: إنها تفطر وإن الإنسان إذا احتاج إليها فإنه لا يحتاج إليها إلا في مرض، وإذا كان مريضاً فإنه يحل له أن يفطر ويقضي.
أما الدم فلا يضر لأنها ليست حجامة ولم تأخذ هذا لأجل الدم.
ونسأل الله أن يلحقنا وإياكم خيراً وأن يجعل عملنا صالحاً وخالصاً لله.
стр. 24
جلسات رمضانية لعام ١٤١٠هـ[٢]
لأول وهلة ينظر إلى الصيام وكأنه جوع مجرد، ومشقة جوفاء، لكن الله الحكيم العظيم ما شرعه إلا لحكم عظيمة، أعظمها: التقوى.
وفي هذا اللقاء بيان لكثير من أحكام الصيام، وإجابات قيمة على أسئلة الحاضرين.
стр. 25
الحكمة من الصوم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإننا في هذه الجلسة سنتحدث -إن شاء الله- عن الصيام وما يتعلق به من أحكام وذلك للأهمية؛ لأن كثيراً من الناس يجهل حكمة الصوم ويجهل كثيراً من مسائله، فنبدأ أولاً بذكر حكمة الصوم.
ما هي الحكمة من أن الله فرض على عباده الصوم بل جعله أحد أركان الإسلام التي لا يقوم الإسلام إلا بها، مع أن فيه تعباً على الجسم وعلى النفس، يتجنب الإنسان فيه مشتهياته من الأكل والشرب والنكاح، ويلحقه من الضعف، ضعف النفس، وضعف البدن، ولا سيما في الأيام الطويلة الحارة، ما يجعله أو ما يلحقه المشقة؟ فنقول جواباً على هذا
السؤال
يجب أن نعلم قبل كل شيء أن الله من أسمائه الحكيم، وقد تكرر في القرآن كثيراً، والحكيم هو ذو الحكمة الذي يضع الأشياء في مواضعها ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ وبناءً على هذه العقيدة التي يجب أن يعتقدها كل مسلم، وهي أن الله له الحكمة في شرعه وقدره، بناءً على ذلك يرضى المسلم ويسلم بشرع الله ، كما يرضى ويسلم بقضاء الله وقدره، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١] قال علقمة -أحد أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلِّم، ولما سئلت عائشة ﵂: [ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة] .
فوظيفة المسلم الإيمان بقضاء الله وقدره، والإيمان بشرع الله وحكمه، فنقول: إن الله لم يشرع الصيام إلا لحكمٍ عظيمة، أهمها وأجلها وأعظمها: التقوى.
تقوى الله ، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] هذه الحكمة، من أجل تقوى الله ، حتى إن رسول الله ﷺ قال للصائم: (إذا سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم) أي: لا يسبه ويرد عليه بالمثل، ليقل: إني امرؤ صائم، والصائم لا يسب ولا يشتم ولا يصخب، بل عنده الطمأنينة والوقار والسكينة، وتجنب المحرمات والأقوال البذيئة؛ لأن الصوم جنة، يتقي به الإنسان محارم الله ويتقي به النار يوم القيامة، هذه أعظم حكم الصيام.
ومن حكم الصيام: تعويد الإنسان على المشقة، على تحمل المشقات والتعب، لأن الترف والنعيم وتيسر الأكل والشرب لن يدوم، فيعوِّد الإنسان نفسه على تحمل المشاق.
ومن حكم الصوم كسر حدة النفس؛ لأن النفس إذا كمل لها نعيمها، من أكل وشرب ونكاح، حملها ذلك على الأشر والبطر ونسيان الغير، وأصبح الإنسان كالبهيمة ليس له هم إلا بطنه وفرجه، فإذا كبح جماح نفسه وعودها على تحمل المشاق، وتحمل الجوع، وتحمل الظمأ، وتحمل اجتناب النكاح، صار في هذا تربية عظيمة لها.
ومن حكم الصوم: أن الإنسان يذكر به نعمة الله ، بماذا؟ بتيسير الأكل والشرب والنكاح، لأن الإنسان لا يعرف الشيء إلا بضده، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
الإنسان لا يدري قدر النعمة إلا إذا فقدها، وانظر الآن مثالاً قريباً: لو أن النفس حبس، أي: صار الإنسان لا يستطيع أن يتنفس لوجد المشقة العظيمة، مع أننا نتنفس ونحن نتكلم، نتنفس ونحن نأكل، نتنفس ونحن نشرب، نتنفس ونحن في اليقظة، نتنفس ونحن في المنام، ولا نشعر بهذه النعمة العظيمة.
وكم مرة يتنفس الإنسان في الدقيقة في الساعة في اليوم في الشهر في السنة، ولا تعرف هذه النعمة، أو لا تعرف قدر هذه النعمة إلا إذا فقدتها، ولهذا إذا أصيب الإنسان بضيق النفس يجد الحرج العظيم، نسأل الله لنا ولكم العافية، لا يلتذ لا بنوم ولا بأكل ولا بشرب ولا بمخاطبة أحد، إذاً إذا صمت وامتنعت عن الأكل والشرب والنكاح عرفت قدر نعمة الله عليك بالأكل والشرب والنكاح، ففيه تذكر نعمة الله.
ومن حكمة الله في إيجاب الصوم: أن يذكر الإنسان إخوة له مصابين بالجوع والعطش وفقد النكاح، فيرحمهم ويحنو عليهم ويعطيهم مما أعطاه الله ، ولهذا كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، ينفق ويجود ﵊.
وهذه الذكرى -أي: ذكرى إخوانك المعوزين- تحملك على أن تتصدق عليهم، وأن تتبرع لهم، وأن تحسن إليهم، والحكم كثيرة في الصوم، لكن كثير من الناس اليوم نجد يوم صومهم ويوم فطرهم سواء، لا تجد عند الإنسان سكينة الصوم ولا الوقار ولا تجنب السب والشتم والكذب والخيانة أبداً، يوم فطره ويوم صومه سواء عنده، وهذا نقص عظيم في الصوم.
أما ما يصام عنه من الأمور الحسية، يعني: نحن الآن ذكرنا حكمة الصوم.
стр. 26
مفطرات الصوم
ًما هي الأشياء التي يصام عنها؟ الأشياء التي يصام عنها هي التي يسميها العلماء المفطرات، أو مفسدات الصوم، وهي الأكل والشرب والنكاح والقيء وخروج الدم بالحجامة والحيض والنفاس.
هذه المنصوص عليها وفيها أشياء مقيسة ليست منصوصاً عليها.
فالأكل والشرب والنكاح منصوص عليها في قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] .
القيء منصوص عليه في حديث أبي هريرة الذي رواه عن النبي ﷺ : (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه) ذرعه يعني: غلبه: (ومن استقاء عمداً فليقض) .
خروج الدم بالحجامة منصوص عليه أيضاً في قوله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) هذه خمسة.
خروج دم الحيض والنفاس منصوص عليه في قوله ﷺ : (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) وقد أجمع العلماء على إلحاق النفاس بالحيض.
بقي علينا أشياء ليست منصوصاً عليها منها ما كان بمعنى الأكل والشرب، وهي: الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب، يعني: أن الإنسان إذا تناولها اكتفى بها عن الأكل والشرب، هذه تلحق بالأكل والشرب قياساً.
ومنها: خروج المني بشهوة بفعل من الإنسان، فإنه يفطر، من العلماء من قال: إنه ملحق بالجماع، لأن كلاً منهما يوجب الغسل، فكان كلٌ منهما مفسد للصوم ومنهم من قال: إنه منصوص عليه، وذلك أن خروج المني بشهوة هو أعلى أنواع الشهوة، والصوم صوم عن الأكل والشرب والشهوة، لقوله تعالى في الحديث القدسي: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) .
على كل حال، خروج المني بشهوة بفعل من الصائم يفسد الصوم هذا عليه والأئمة الأربعة: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأما خروج المذي بشهوة فلا يفسد الصوم، ولا يمكن أن يلحق بالمني لأن المذي لا يوجب الغسل، وليس هو الشهوة ولهذا يخرج من الإنسان من غير أن يشعر به بخلاف المني، وعلى هذا فلا يصح إلحاقه بالمني، والأصل بقاء الصوم وصحته حتى يقوم دليل على فساده، وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يحفظها: كل ما ثبت في الشرع فإنه لا ينقض إلا بالشرع، يعني: ما ثبت بدليل شرعي لا ينقض إلا بدليل شرعي، فإذا ثبت هذا الصيام لا يمكن أن يفسده إلا بدليل من الشرع، ولا دليل على أن المذي ناقض ومفسد للصوم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أيضاً مذهب الظاهرية وهو صحيح.
ذكرنا الأكل، والشرب، والنكاح، وخروج القيء عمداً، وخروج الدم بالحجامة، وخروج دم الحيض والنفاس، وما كان بمعنى الأكل والشرب، وخروج المني بشهوة، بفعل من الصائم.
هذه الأشياء المفطرة هل فيها كفارة؟
الجواب
لا ليس فيها كفارة إلا واحداً فقط وهو الجماع، الجماع فيه كفارة بشرط أن يكون في نهار رمضان ممن يجب عليه الصوم، فإن كان في غير نهار رمضان مثل أن يكون الإنسان يقضي قضاءً، يعني: عليه أيام من رمضان يقضيها فحصل الجماع فإنه ليس فيه كفارة، فإذا كان في نهار رمضان ممن لا يجب عليه الصوم، فكذلك ليس فيه كفارة، مثل: أن يكون الإنسان مسافراً، ومعه أهله وقد صام هو وأهله، ولكن في أثناء النهار أتى أهله، فإنه ليس عليه كفارة ولا إثم أيضاً؛ لأن المسافر يجوز أن يفطر بأي شيء كان، مما أحله الله ، إذاً عليه القضاء لأنه أفطر فعليه القضاء، وما عدا الجماع ليس فيه كفارة حتى لو أنزل الإنسان فإنه لا كفارة عليه، لكن إذا كان صومه واجباً فعليه إثم وعليه القضاء.
стр. 27
حكم من أفطر ناسياً أو جاهلاً أو غير قاصد
ثم هذه المفطرات لا تفطِّر إلا إذا تناولها الإنسان عالماً ذاكراً قاصداً.
عالماً: وضده الجاهل.
ذاكراً: وضده الناسي.
قاصداً: وضده غير القاصد.
فلو أن الإنسان أكل وشرب يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه طالع فليس عليه قضاء، بل صومه صحيح، لأنه جاهل ولو أكل ناسياً فصومه صحيح، ولو أكل مكرهاً أتاه إنسان وهدده بالحبس أو بالقتل أو بضرب يؤلمه، حتى أكل فلا قضاء عليه وصومه صحيح، وكذلك لو تمضمض ودخل الماء إلى جوفه بدون قصد فصومه صحيح، لأنه غير قاصد.
ما هو الدليل على أن الجاهل والناسي وغير القاصد لا يفطر؟ الدليل عموم وخصوص، أي: هناك أدلة عامة وأدلة خاصة، وأنا أقول لكم: الأدلة العامة يجب إبقاؤها على عمومها فلا يخرج منها أي صورة إلا بدليل، هذا أيضاً خذوها: الأدلة العامة يجب إبقاؤها على عمومها فلا يخرج منها أي صورة، أي: ما يخرج منها أي شيء إلا بدليل، لأن كلام الله وكلام رسوله ﷺ محكم جاء باللغة العربية، فما كان داخلاً تحت الدلالة فإنه باقٍ على ما دل عليه اللفظ إلا بدليل.
الأدلة العامة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] في أي شيء؟ لا تؤاخذني في أي شيء؟ في كل شيء يقع منا خطأ أو نسيان فلا تؤاخذنا فيه (قال الله: قد فعلت) هذه القاعدة العامة العظيمة من الله إذا ادعى إنسان أن شيئاً خارجاً منها قلنا له: عليك الدليل.
دليل آخر من القرآن: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] .
إذاً ما لا نقصده فليس علينا جناح فيه ما وقع منا بغير قصد فليس علينا جناح فيه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] .
هناك أدلة خاصة في مسألة الأكل جاهلاً أو ناسياً عدي بن حاتم ﵁ أراد أن يصوم، فجعل تحت وسادته عقالين يعني: حبلين يعقل بهما البعير، وجعل يأكل ويشرب وينظر إلى العقالين الأسود والأبيض، لما تبين الأسود من الأبيض أمسك ظناً منه أن قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] أن المراد به الخيط الحبل، فلما أصبح أخبر النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (ذلك بياض النهار وسواد الليل) ولم يأمره بالإعادة مع أن الذي يأكل حتى يبين العقال الأسود والأبيض سوف يأكل وقد ارتفع النهار وقد ارتفع الفجر، لم يأمره بالإعادة لأنه جاهل بالحكم، يظن أن هذا معنى الآية.
أيضاً الجاهل بالوقت يظن أن الوقت وقت إفطار وقت أكل وليس كذلك، ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا في يوم غيمٍ على عهد النبي ﷺ ثم ظهرت الشمس، أكلوا وأفطروا في يوم غيم ظن منهم أن الشمس قد غربت، وبعد ذلك ظهرت الشمس إذاً أكلوا في النهار، لكن جهلاً منهم، جهلاً بالوقت، ما علموا أن الشمس لم تغرب، ولم يأمر النبي ﷺ بالقضاء، ما أمرهم، لو كان القضاء واجباً لأمرهم به كما أمر الذي أساء في صلاته قال له: (صل فإنك لم تصل) لو كان القضاء واجباً لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إليه لا يمكن أن يترك؛ لأنه لو أمر به لكان من الشرع، والشرع محفوظ لابد أن يصل إلى آخر الأمة كما وصل إلى أولهم.
إذاً نقول: لا قضاء، وكما أن هذا مقتضى دلالة الحديث، فهو أيضاً مقتضى الأدلة العامة، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وهو كذلك مقتضى القياس على ما صح به الحديث: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) والجهل والنسيان صنوان، يعني: قرينان فإذا عفي عن الإنسان بالنسيان، عفي عنه في جهل ولا فرق.
أما عدم القصد فيؤخذ من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦] ووجه الأخذ من هذه الآية أن الله رفع حكم الكفر عمن أكره عليه فما دون الكفر من معاصي من باب أولى، كما جاء في الحديث أيضاً أن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
هذه لمحة وجيزة سريعة فيما يتعلق بالمفطِّرات ولكن يجب أن نعلم أن الإنسان مأمور بالصوم عن أمرين عن أمور حسية وهي هذه المفطرات، وعن أمور معنوية وهي قول الزور والعمل به والجهل، فعلينا أن نحفظ صيامنا حتى يكون نافعاً مؤثراً، وحتى نتربى به، فلا يخرج رمضان إلا وقد تأثرنا بهذا الصوم، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
стр. 28
الأسئلة
стр. 29
حكم شم البخور للصائم
السؤال
ذكرت -يا فضيلة الشيخ- في خطبة الجمعة أن من المفطرات البخور، وقلتم: إن له جرماً يدخل في الأنف، مع أنكم ذكرتم في مجالس شهر رمضان كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية، أنه ليس مناط التكليف في المفطرات، في كل ما يدخل في الجوف، فهل البخور بمعنى الأكل والشرب؟ أفيدونا أثابكم الله؟
الجواب
البخور المحظور منه أن تستنشقه لا أن تتبخر به لو تبخرت به وتصاعد إلى أنفك شيء من دخانه بغير قصد لم يضر لكن كونك تجعل المبخرة تحت أنفك ثم تستنشق حتى يصل الدخان إلى جوفك، هذا مثل الماء، وقد قال النبي ﵊ للقيط بن صبرة: (وبالغ فيَّ الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فلما قال له: إلا أن تكون صائماً، بحثنا ما هي الحكمة في أن الصائم لا يبالغ، الحكمة: لئلا ينزل شيء من الماء إلى جوفه، فعلم بهذا أن كل ما يخشى منه نزول شيء إلى الجوف، أو أن كل ما نزل إلى الجوف من طريق الأنف فهو كالنازل إليه من طريق الفم.
стр. 30
وقت الإمساك عن الطعام في رمضان
السؤال
يتفاوت المؤذنون في أذان الفجر، فإذا أذن من نراه أوثق فهل نمسك على أول أذانه، أم لنا أن نأكل حتى ينتهي؟ وهل يجوز للمؤذن أن يحتاط فيؤذن في أول الوقت على ظنه وهو لا يرى طلوع الفجر، إنما يتبع في ذلك التقويم، كل ذلك خوفاً على صيام الناس مع احتمال تصويم الناس قبل الوقت؟
الجواب
الواقع أن مسألة أذان الفجر في وقتنا الحاضر، مشكلة كيف إشكالها؟ الناس لا يمكن أن يروا الفجر بسبب الإضاءة، لا يمكن أن يروه إلا من كان بعيداً، فهم يعتمدون في الحقيقة على الحساب بلا شك، وهنا صرنا نعمل بالحساب بحسب التوقيت اليومي، ولا نعمل بالحساب بحسب التوقيت الشهري، وهذا حق، أي مسألة أننا لا نعمل بالحساب بحسب التوقيت الشهري هذا حق، لأن النبي ﷺ علق الحكم بالرؤية: (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا) وكذلك الإمساك اليومي أو الإفطار اليومي، معلق أيضاً بالرؤية، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ [البقرة:١٨٧] وبماذا يتبين الخط الأبيض؟ في اللمس لا، بالشم لا، بالذوق لا، بالرؤية لكن الآن نحن نمشي على الحساب، حتى يتبين لنا بالحساب وإلا ما نشاهده.
على كل حال، ما دمنا نمشي على الحساب، فالحساب أدق من الرؤية، لأن الحساب يبني على تقدير درجات معينة، ولهذا تجد فيه اختلافاً، حتى الحساب الآن فيه اختلاف فهو يمشي على درجات معينة لا على رؤية، ولهذا يقال لنا -ونحن ما جربنا- إن الإنسان الذي يبعد عن الأضواء يجد الفرق العظيم بين تبين الصبح وبين أذان الناس، يعني أن أذان الناس يسبق تبين الصبح؛ لأن هذا مقدر ببعد الشمس عن الأفق بدرجات قد يرى الصبح وقد لا يرى، لهذا نقول: إنه لا يجوز للمؤذن أن يحتاط فيقدم، هذا لا يجوز حرام عليه لأنه إذا فعل ذلك وقع في محاذير، ولنعدها: المحذور الأول: حرمان المسلمين مما أباح الله لهم؛ لأنه إذا أذن وأمسك الناس قبل أن يطلع الفجر، معناه أنه حرم الناس من الأكل والشرب إلى الفجر، وهذا شيء عظيم، ربما يكون الإنسان في هذه اللحظة قام من نومه، يريد أن يشرب ماءً، ولكن سمع الأذان فوقف هذه مشكلة.
المحذور الثاني: أنه قد يصلي الإنسان الفجر على الأذان، أي: شخص يكون متوضئاً وينتظر متى يؤذن حتى يقوم ويصلي كالمرأة في البيت، والمريض في البيت، فيكون هذا صلَّى قبل دخول الوقت وهذا خطر عظيم، كيف يحتاط الإنسان بمنع المسلمين مما أباح الله لهم، وبكون المسلمين يصلون قبل الوقت، أين الاحتياط؟ هذا حقيقة إشغال للذمة، يعني: المؤذن يتعلق الناس بذمته.
المحذور الثالث: أننا إذا قلنا بأن الأذان للفجر لا يجوز إلا بعد دخول الوقت كسائر الأذانات، يعني: أذان الظهر لا يصلح إلا بعد دخول الوقت، أذان العصر لا يصلح إلا بعد دخول الوقت، أذان المغرب لا يصلح إلا بعد دخول الوقت، أذان العشاء لا يصلح إلا بعد دخول الوقت، انتبه! أذان الفجر فيه خلاف بين العلماء، منهم من قال: لا يصلح إلا بعد دخول الوقت، ومنهم من قال يصح ولو قبل أن يدخل الوقت ولكن في زمن قريب من الوقت، لكن إذا قلنا بأنه لا يصح إلا بعد دخول الوقت، وأذن المؤذن قبل الوقت، يكون أذانه صحيحاً أم غير صحيح؟ غير صحيح.
فالإنسان ينبغي له أن يتقي الله ، وأن يحتاط في أذان الفجر خاصة، وفي غيره من الأذانات، لكن المشكل الآن أن بعض الناس يجتهد وهو مخطئ، فيقول: أتقدم أربع دقائق من أجل الناس أن يمسكوا، ليس هناك إمساك الإمساك يكون إذا تبين الفجر، أما قول بعض الناس إمساك قبل خمس دقائق ثم الفجر هذا ما أنزل الله به من سلطان، كل واشرب إلى أن ترى الفجر.
فإذا أذن المؤذن وعلم أن المؤذن حريص على ضبط ساعته، وعلى التأني وعدم السرعة، فإن الإنسان ينبغي له -من باب الاحتياط- أن يمسك إذا أذن المؤذن، ولا يأكل وبعض العلماء يرخص له، إذا كان الإناء في يده أن يشرب، وإذا كانت التمرة في يده أو اللقمة في يده أن يأكل، بعض العلماء يرخص في هذا لحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند بسند جيد، أن النبي ﷺ قال: (إذا سمع أحدكم الأذان والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي نهمته منه، أو قال: حتى يشرب) قال: هذا دليل على أنه إذا أذن والإناء في يده فلا بأس أن تشرب، أما أن تأخذ من الأرض بعد الأذان وهو قد أذن على طلوع الفجر فلا تأخذه.
على كل حال الذي أنصح به إخواننا أن يكونوا قد هيئوا أنفسهم وألا يعرضوا صيامهم للخطر.
стр. 31
انتقاض الصوم بالنية
السؤال
رجل مسافر نوى قطع صيامه لكنه لم يجد ما يفطر به، ولما كان قريباً من وقت الغروب استأنف نية الإمساك، فما حكم صيامه؟
الجواب
رجل مسافر نوى أن يفطر يعني: قطع الصوم، ثم أراد أن يعود إلى الصوم من جديد، لما رأى أن المغرب قريب، فهل يصح هذا أو لا؟ نقول: لا يصح، لأنه لما نوى قطع الصوم انقطع، حتى وإن لم يأكل ويشرب ما دام نوى قطع الصوم فإنه ينقطع، ولو استأنف الصوم لم يصح لأن صوم الفريضة لابد أن يكون من قبل طلوع الفجر.
стр. 32
حكم من زاد ركوعاً في صلاة الوتر
السؤال
رجل ركع بعد ما قنت في الوتر وقد ركع قبله، مع العلم أنه هو الإمام، فماذا يفعل؟
الجواب
إذا ركع القانت في الوتر بعد القنوت فإن هذا الركوع يعتبر زيادة في الصلاة، وإذا كان زيادة فالواجب في ذلك سجود السهو ويكون سجوده بعد السلام، لأن سجود السهو إذا كان سببه الزيادة فمحله بعد السلام، ولا فرق بين الإمام وغير الإمام، لكن المأموم إذا كان لم يفته شيء من الصلاة يتحمل عنه الإمام سجود السهو، أي: لو فرض من المأموم ولو بركعة، ولما رأى الناس سجدوا قام ثم سجد، نقول: أنت أيها المأموم زدت ركوعاً ولكن لما كنت لم يفتك شيء فسلِّم مع الإمام ولا سجود عليك،يتحمل عنك الإمام، وإن كان قد فاتك شيء فإنه يجب عليك إذا قضيت ما فاتك أن تسجد للسهو.
стр. 33
حكم إخراج النقود بدلاً عن الإطعام على من لا يستطيع الصوم
السؤال
رجل كبير مريض لا يستطيع الصوم، فهل يجزئ إخراج النقود بدلاً عن الإطعام، وهل يجزئ عن ذلك أن يدفعها فيما يسمى تفطير مجاهد؟
الجواب
يجب علينا أن نعلم قاعدة مهمة وهي: أن ما ذكره الله بلفظ الإطعام أو الطعام وجب أن يكون طعاماً، وقد قال الله تعالى في الصوم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] وقال في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩] .
وفي الفطرة فرض النبي ﷺ زكاة الفطر صاعاً من طعام، فما ذكر في النصوص بلفظ الطعام أو الإطعام فإنه لا يجزئ عنه الدراهم، وعلى هذا فالكبير الذي كان فرضه الإطعام لا يجزئ أن يخرج بدلاً عنه دراهم، لو أخرج بقدر قيمة الطعام عشر مرات لم يجزئه، لأنه عدول عما جاء به النص كذلك الفطرة، قال بعض الناس: لو أخرج صاعاً من الذهب لم يجزئ عن صاعٍ من الحنطة؛ لأن الذهب غير منصوص عليه والحنطة منصوص عليها، أي: مذكورة من القرآن، وقد قال النبي ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فالذي حمل بعض الناس أن يقولوا هذا القول، قال: أنا معي أصل، هل نص الرسول على الدينار والدرهم؟ لا، (من طعام) وعلى هذا فنقول للأخ الذي لا يستطيع الصوم لكبره: أطعم عن كل يومٍ مسكيناً ولك في الإطعام صفتان: الصفة الأولى: أن توزع عليهم في بيوتهم، كل واحد تعطيه خمس الصاع من الرز وتجعل معهم ما يؤدمه وأي شيء، فاصنع طعاماً وادع إليه عدد المساكين الذي يجب أن تطعمهم، يعني يمكن إذا مضى عشرة أيام تصنع طعام عشاء، وتدعو عشرة من الفقراء يأكلون، وكذلك في العشر الثانية، والعشر الثالثة، كما كان أنس بن مالك ﵁ حين كبر وصار لا يستطيع الصوم، يطعم ثلاثين فقيراً في آخر يومٍ من رمضان.
وأما صرفه لما يسمى بتفطير مجاهد، فالمجاهد ليس عندنا حتى نفطره وإذا دفعنا ما يفطره اليوم متى يصل إليه، ربما يصل بعد يومين ثلاث وربما لا يصل إلا بعد العيد والله أعلم، حسب بعد المواصلات، وحسب تسهيل الوصول، لكن شيئاً طلب منك اجعله في بلدك، حتى تكون مطمئناً على وصوله في وقته، ومثل ذلك أيضاً الفطرة لا تخرجها إلا في بلدك مهما كان الأمر، حتى أن العلماء قالوا: يحرم على الإنسان أن يخرج فطرته في غير بلده، فإن كان ليس في بلده فقراء أخرجها في أقرب البلاد إليه من البلاد التي فيها الفقراء، والفطرة والأضاحي مطلوبة من الشخص تتعلق ببدنه، ولهذا قال العلماء: لو كان الإنسان في بلد وماله في بلد أخرج فطرته في البلد الذي هو فيه، وأخرج زكاة المال في البلد الذي فيه المال.
وكوننا نجعل حتى الفطرة والأضحية تذهب إلى المكان الفلاني والمكان الفلاني، والناس الفلانيين والناس الفلانيين هذا خطأ، لأن هذه عبادات مقصودة منا، الأضحية إذا دفعناها إلى مكان ما بقيت بيوتنا ليست فيها أضحية فلا نقيم فيها شعائر الإسلام والأضحية من الشعائر، ولهذا قال العلماء: لو تصدق بقيمة الأضحية ألف مرة ما أجزأت عن الأضحية، لأن الله يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] وأنا أرى أن مساعدة المجاهدين في أفغانستان أو في غيرها من بلاد المسلمين ينبغي أن يحث الناس على التبرع، حتى يجعلوا من أموالهم نصيباً للجهاد في سبيل الله، أما أن تجعل الزكوات الواجبة التي هي خارجة على كل حال ومفروضة، تجعل في الجهاد، ولا تبذل أموال خاصة للجهاد، معنى ذلك أننا دفعنا ضريبة الجهاد مما أوجب الله علينا من الزكاة، فكأننا لم نشارك في الجهاد، يعني: الزكاة مطلوبة منا، وفتح هذا الباب للناس أن يجعلوا زكاة أموالهم وزكاة أبدانهم تصرف في الجهاد في أفغانستان أو غيرها، أنا عندي أنه يجب أن يتأمل الإنسان فيه، حتى لا نفتح للناس وقاية أموالهم بزكوات أموالهم، نقول: اجعل من مالك للجهاد حتى تكون مجاهداً أما أن تجعل زكاتك في الجهاد كيف هذا؟ صحيح أن المجاهدين لهم حق في الزكاة، لكن غير المجاهدين سبعة أصناف لهم حق في الزكاة أيضاً، فاجعل التبرع للجهاد من مالك، واجعل من زكاتك للجهاد، واجعل لبقية الأصناف نصيبهم.
على كل حال الذي أريد أن أقوله في مسألة الزكاة: زكاة الفطر لا يجوز أن تخرج في غير بلد الإنسان، الأضحية لا يجوز أن تصرف إلا في بلد الإنسان، الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، جعلها الله للمقيمين في أوطانهم، كما جعل للحجاج هدايا في مكة والله حكيم، أما أن نصرف دراهم للمكان الفلاني والمكان الفلاني، وتبقى بيوتنا معطلة من الأضاحي، أو من العقيقة -مثلاً- بالنسبة للأولاد فلا.
افتح للمسلمين التبرع للجهاد بأموالهم؛ لأن الجهاد بالمال عديل الجهاد بالنفس، دائماً يقرن في القرآن بين الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، ويقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.
أما أن نجعل زكواتنا والأشياء التي أوجب الله علينا نجعلها في الجهاد، ونبقي دراهمنا محفوظة ما نشارك في الجهاد، هذا فيه شيء من النظر، ولست أقول لا يتبرع! ينبغي أن نتبرع للمجاهدين في كل مكان؛ لأنهم إخوتنا وعلينا نصرتهم، لكن كوننا نجعل واجباتنا التي أوجب الله علينا في أموالنا، أو أوجبها الله شعيرة من شعائر الإسلام، تكون في بيوتنا، نصرفها يميناً وشمالاً هذا فيه نظر.
стр. 34
حكم تنبيه الصائم إذا سها فأكل أو شرب
السؤال
إذا رأيت صائماً يأكل أو يشرب فما حكم التنبيه له، وكيف يكون تنبيهه؟
الجواب
يجب إذا رأيت من يأكل أو يشرب وهو صائم أن تنبهه؛ لأنه وقع في سهو والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ولهذا لو رأيت شخصاً نائماً وقت الصلاة، هل تقول: إن النائم مرفوع عنه القلم فلا أوقظه، أو توقظه؟ طبعاً! توقظه، والعلماء قالوا: يجب إعلام النائم بدخول وقت الصلاة قبل أن يخرج وقت الصلاة، وقال النبي ﵊: (إذا نسيت فذكروني) الصائم الذي يأكل ناسياً معذور، لكن العالم به ليس بمعذور؛ لأنه يعلم أن هذا يفعل مفسداً لصومه لولا العذر، إذا كان يعلم بذلك فلينبهه.
стр. 35
حكم من جامع زوجته في نهار رمضان ناسياً أو جاهلاً
السؤال
ما هو الصحيح فيمن جامع امرأته في نهار رمضان ناسياً أو جاهلاً هل عليه كفارة أم لا؟
الجواب
جميع مفطرات الصوم ومنها الجماع، إذا كان الإنسان جاهلاً أو ناسياً أو غير قاصد، فإنها لا تفطر، وعلى هذا فمن جامع زوجته ناسياً فليس عليه شيء، وصومه صحيح، ومن جامعها جاهلاً كأن يظن أن الفجر لم يطلع، لا جاهلاً بالحكم لأني لا أظن أن أحداً عاش بين المسلمين يجهل أن جماع الصائم حرام، كل الناس يعلمون أنه حرام، لكن الجاهل في الجماع يمكن أن يكون جهل طلوع الفجر، أي: يجامع زوجته في آخر الليل، وهو لا يظن أن الفجر قد طلع، فيتبين أنه طالع، فحينئذ نقول: صومه صحيح ليس عليه كفارة، ومثل ذلك لو كان يجامع أهله فأذن الفجر، على طلوع الفجر فإنه يجب عليه أن ينزع وصومه صحيح وليس عليه كفارة.
стр. 36
المسافر لا يفطر إلا بعد خروجه من البلد
السؤال
هل يجوز لمن نوى السفر أن يفطر قبل أن يخرج من بيته؟ فإذا كان يجوز له ذلك فما الحكم فيما لو نوى السفر فأفطر قبل الخروج، ثم لم يتيسر له السفر، أرجو التوضيح؟
الجواب
لا يجوز لمن نوى السفر أن يفطر حتى يخرج من البلد، وذلك؛ لأن رخص السفر مربوطة أو منوطة بحصول السفر فعلاً، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٠١] إذا ضربتم، ولم يقل: إذا أردتم الضرب في الأرض، فالضرب لا يكون إلا في الخروج من البلد، فلا يجوز لمن أراد السفر أن يفطر، إلا لمن سافر فعلاً.
ولكن هاهنا مسألة وهي: إذا أراد أن يسافر في الطيارة من بلدٍ في القصيم فمعلوم أن المطار ليس في البلد، ليس في بريدة، وليس في عنيزة، ولا في الرس، ولا في البكيرية، ولا في أي مدينة من مدن القصيم، مستقل! هل يجوز لمن أراد أن يسافر في الطائرة وهو في المطار أن يفطر؟ الجواب: نعم يجوز؛ لأنه خرج عن بلده ويجوز أيضاً أن يقصر الصلاة لأنه أيضاً خرج عن بلده، والعلماء قالوا: متى خرج عن عامر البلد فقد شرع في السفر فيجوز له رخص السفر.
стр. 37
الدعاء المأثور عند الإفطار
السؤال
ما هو الدعاء المأثور عن النبي ﷺ عند الإفطار؟
الجواب
الأدعية الواردة عن النبي ﷺ في الإفطار لم تكن في الصحيحين ولا في أحدهما، لكنها في السنن، ومنها: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) اللهم لك صمت: وهذا إخلاص، وعلى رزقك أفطرت: وهذا شكر لله .
وورد أيضاً فيما إذا اشتد الحر وأفطر الصائم: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال ذلك حين إفطاره، وهذا الحديث واضح أنه في يوم كان شديد الحر، لأن العروق يابسة، والظمأ حصل، فإذا شرب قال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر) أجر الصوم، وأجر مشقة الظمأ.
стр. 38
حكم رؤية الدم بعد تيقن الطهر للمرأة الصائمة
السؤال
امرأة حائض رأت علامة الطهر في الليل فاغتسلت وصامت من الغد، وفي أثناء النهار خرج منها قدر يسير من الدم علماً أنها استوفت في حيضتها المدة المعتادة، هل تصوم وتصلي أم أن ذلك دم حيض، وإذا كان هذا الدم يسيراً ويستمر أياماً فما الحكم؟
الجواب
إذا كانت المرأة هذه قد تيقنت الطهر في آخر الليل وصامت، فإن النقطة والنقطتين بعد الطهر ليست بشيء، لا تمنع لا من صلاة ولا من صيام، كالصفرة والكدرة، وعليه فصوم هذه المرأة صحيح، ولا قضاء عليها، حتى لو جاء في اليوم الثاني والثالث والرابع نقطة أو نقطتان ليس بشيء.
стр. 39
تصفيد الشياطين في رمضان
السؤال
كيف نجمع بين قوله ﷺ فيما معناه: (إذا جاء رمضان صفدت الشياطين فلا يخلصون إلا ما كانوا يخلصون إليه في غيره) وبين ما يفعله كثير من الناس من المعاصي في هذا الشهر الكريم، من إغواء الشيطان لهم، بترك بعض الصلوات أو غيرها من المعاصي؟
الجواب
يجب أولاً أن نعلم قاعدة مهمة، وهي: أن ما ثبت في الكتاب والسنة فلن يخالف الواقع أبداً، فإن وجد في الواقع المحسوس المعلوم ما ظاهره أنه يخالف الكتاب والسنة، فماذا نصنع؟ نقول: يجب تأويل الكتاب والسنة لأن فهمنا يكون حينئذ خطأً، يكون الله ما أراد هذا الذي فهمنا، ولا الرسول ﷺ أراد هذا الذي فهمنا.
إذا حصل في الواقع ما يخالف ظاهر الكتاب والسنة، يؤول ويكون فهمنا أن المراد به ما خالف الظاهر فهماً خطأً، لأن كلام الله ورسوله لا يمكن أن يناقض الواقع إطلاقاً، فهذا الذي ذكره السائل أن رمضان تصفد فيه الشياطين، ولا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، والواقع كما قال: يوجد أناس من الفسقة يزداد فسقهم في رمضان، فالشياطين الآن مصفدة عنهم أم مصفدة فيهم؟ والله أعلم مصفدة فيهم.
على كل حال العلماء ﵏ قالوا: إن في بعض روايات هذا الحديث تصفد مردة الشياطين، وليست الشياطين كلها تصفد، إنما تصفد المردة، وبناءً على ذلك تسلط غير المردة على هؤلاء الفسقة، ولا مانع، وبعضهم قال: إنها تصفد الشياطين كلها، وذكر المردة في بعض الألفاظ لا يقتضي التخصيص؛ لأن لدينا قاعدة وهي: أن ذكر بعض أفراد العام بحكم مطابق للعام لا يكون ذلك تخصيصاً.
إذاً كيف يحمل؟ يقال: يحمل بالنسبة لأهل الحق والإيمان تصفد الشياطين عنهم فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غير، وحينئذٍ نتخلص من تسليط الشياطين على الفسقة في هذا الشهر.
стр. 40
البخل والتقتير على الزوجة والأولاد
السؤال
رجل يقتر على زوجته وأولاده مما يجعلهم في حاجة إلى مساعدة غيرهم، وقد نشب بينهم خلاف فقال: إن أخذت شيئاً من أهلك فأنتِ حرام عليَّ، وقد ندم مؤخراً على كلامه ويريد أن يرجع عنه، فماذا يفعل وهل يجوز أن يدفع لها أخوها من زكاة ماله؟
الجواب
أولاً: أنا أنصح هذا الرجل المقتر، بأنه آثم عاصٍ لله ، إذا قتر فيما يجب عليه لزوجته وأولاده، لأن الله أوجب عليه الإنفاق على زوجته وعلى أولاده، فإذا بخل فقد عصى الله ، والبخل مرض، من الذي يوصف بالبخل؟ اليهود هم أصحاب البخل، هل ترضى لنفسك بأنك تكون مشابهاً لليهود؟ أبداً، لا أحد من المسلمين يرضى أن يكون مشابهاً لليهود أبداً، ولكن البخل من أخلاق اليهود، مع كونه معصية لله ورسوله، مع كون هذا الرجل سفيهاً في عقله، بعد أن كان ناقصاً في دينه فهو سفيه في عقله كيف؟ لمن يعود هذا المال إذا بخل به؟ إذا مات يعود إلى ورثته وقد يكون من بينهم زوجته وهؤلاء الأولاد الموجودون الآن، فإن لم يكن له زوجة ولا أولاد من الذي يرثه؟ بنو عمه البعيدون، فيبخل بالمال على نفسه وعلى أقرب الناس إليه ليكون لبني عمه البعيدين، فإن لم يكن له بنو عم فلبيت المال أبعد وأبعد، هذا مسكين هذا المال الذي يبخل به يرثه إما أولاده أو زوجته الموجودون، وإما بنو عمه البعيدون، وإما من هو أبعد وهو بيت المال.
هذا إن بقي المال مع إنه ربما يسلط عليه آفة تفنيه، ربما يصاب هذا البخيل بأمراض يحتاج معها إلى أموال كثيرة فتفنى أمواله وهو حي.
فنحن نقول لهذا الرجل: أنت الآن ناقص الإيمان سفيه العقل، ونقول له: (إن كل يوم تطلع فيه الشمس فيه ملكان أحدهما يقول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الثاني: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) هل تحب الخلف أم التلف؟ يمكن البخيل هذا يحب التلف، إنما كل إنسان يحب الخلف، ما يمكن يحب التلف، ثم نقول اقرأ قول الله ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] الذي يرزقك الله، لا تظن أن المليون الذي عندك إذا نقص عشر ليرات معناه: لم يعد تماماً، بل سيصبح أكثر، يتم المليون وزيادة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] .
فنصيحتي لهذا الرجل أن يتقي الله ويقوم بالواجب لزوجته وأولاده حتى يبارك الله له في ماله ويتخلص من مشابهة اليهود، أما بالنسبة للزوجة والأولاد فلها شرعاً أن تأخذ من ماله بغير علمه ما تقوم به كفايتها، تسطو على الصندوق إن كانت تعرف المفتاح، وتأخذ ما تريد بشرط ألا تسرف، تأخذ من المخبأة إذا علَّق الثوب تأخذ منه حاجتها، بشرط ألا تسرف، لها ذلك شرعاً لأن هند بنت عتبة شكت زوجها إلى الرسول ﷺ بأنه لا يعطيها ما يكفيها وولدها قال: (خذي من ماله ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف) .
فإذاً نقول: أنتِ حرة لكِ الحق أن تأخذي، فإن لم تستطيعي كأن يكون هذا الرجل يحمل مفتاح الصندوق معه، والمخبأة لا يجعل فيها شيئاً أو حصل لها شيء، ماذا تعمل؟ تأخذ من أقاربها ولا تموت هي وأولادها، لها أن تأخذ، وإذا حرم عليها أن تأخذ من أقاربها، لم يلزمها أن تطيعه في ذلك، لها أن تأخذ، وهو الذي يتعب ليتخلص من هذا التحريم.
وإذا كان هذا الرجل حاضراً يقول: إن شاء الله لن أعود إلى البخل فأنا أفتيه أن يكفر كفارة يمين عن هذا التحريم، وينحل التحريم، يطعم عشرة مساكين ويتركها تأخذ من الذي تريد، وخير من ذلك أن يعطيها هو من ماله.
следующие страницы →