Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وَعَنْ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ جَالِسًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ وَعُثْمَانُ يَسْأَلُ النَّاسَ عَنْ أَسْعَارِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ.
وَعَنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كَلَامُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الْكَلَامَ؟ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ: قَالَ لِي حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ وَعَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ.
وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ مِثْلُهُ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِثْلُهُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ: لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ فِي جُلُوسِ الْإِمَامِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ رَعَفَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ]
٥٣٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ رَعَفَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ فَلْيَخْرُجْ وَكَذَلِكَ مَنْ عَرَضَ لَهُ مَا يَدْعُوهُ إلَى الْخُرُوجِ.
وَلَا مَعْنَى لِاسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِإِيجَابِ اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ؟
وَيُقَالُ لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ: فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ، أَتَرَاهُ يَبْقَى بِلَا وُضُوءٍ؟ أَوْ هُوَ يُلَوِّثُ الْمَسْجِدَ بِالدَّمِ؟ أَوْ يُضَيِّعُ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَضْيِيعُهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ؟ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا؟
[مَسْأَلَةٌ ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ صَلَاةَ فَرْضٍ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا]
٥٣٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ صَلَاةَ فَرْضٍ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيَقُمْ وَلْيُصَلِّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَ فَقِيهٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا»
стр. 1087
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ.
وَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ - وَهَذَا خَطَأٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا نَظَرٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، بَلْ الْحُجَّةُ أَلْزَمُ لِلْفَقِيهِ فِي أَنْ لَا يُضَيِّعَ دِينَهُ مِنْهَا لِغَيْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَرَاهُ الْجَاهِلُ فَيَظُنُّ الصَّلَاةَ تَطَوُّعًا جَائِزَةً حِينَئِذٍ؟ قُلْنَا: لَا أَعْجَبُ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ لِنَفْسِهِ مُخَالَفَةَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَضْيِيعَ فَرْضِهِ خَوْفَ أَنْ يُخْطِئَ غَيْرُهُ وَلَعَلَّ غَيْرَهُ لَا يَظُنُّ ذَلِكَ أَوْ يَظُنُّ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] .
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا رَكْعَةً أَوْ الْجُلُوسَ فَقَطْ]
٥٣٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ الْجُلُوسَ فَقَطْ فَلْيَدْخُلْ مَعَهُ وَلْيَقْضِ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا الْجُلُوسَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَضَى إلَيْهَا أُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا رَفْعَ الرَّأْسِ مِنْ الرَّكْعَةِ فَمَا بَعْدَهُ صَلَّى أَرْبَعًا.
وَقَالَ عَطَاءُ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْ الْخُطْبَةِ صَلَّى أَرْبَعًا.
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِأَنَّ الْخُطْبَةَ جُعِلَتْ بِإِزَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا: أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ الْأُولَى وَأَدْرَكَ الثَّانِيَةَ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ؟
وَاحْتَجَّ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَاحِدَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» .
стр. 1088
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ لَمْ يُدْرِكْ الصَّلَاةَ؟
بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إسْمَاعِيلَ النَّضْرِيُّ ثنا عِيسَى بْنُ حَبِيبٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ثنا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، عَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو نُعَيْمٍ ثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» .
فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ مَا أَدْرَكَ، وَعَمَّ ﵇ وَلَمْ يَخُصَّ، وَسَمَّاهُ مُدْرِكًا لِمَا أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ، فَمَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا، أَوْ سَاجِدًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَيَلْتَزِمَ إمَامَتَهُ، وَيَكُونَ بِذَلِكَ بِلَا شَكٍّ دَاخِلًا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ وَيُتِمُّ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ تَفُتْهُ إلَّا رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ فَلَا تُصَلَّى إلَّا رَكْعَتَيْنِ.
وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ زَائِدَانِ عَلَى الَّذِي فِيهِ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً " وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَنْ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُمْ جُلُوسٌ؟ قَالَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْنَا لَهُ: مَا قَالَ هَذَا عَنْ إبْرَاهِيمَ
стр. 1089
إلَّا حَمَّادٌ؟ قَالَ الْحَكَمُ: وَمَنْ مِثْلُ حَمَّادٍ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: إنْ أَدْرَكَهُمْ جُلُوسًا فِي آخِرِ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ قَدْ تَنَاقَضُوا هَهُنَا، لِأَنَّ مِنْ أُصُولِهِمْ - الَّتِي جَعَلُوهَا دِينًا - أَنَّ قَوْلَ الصَّاحِبِ الَّذِي يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ رَكْعَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى إلَيْهَا أُخْرَى، وَإِنْ وَجَدَ الْقَوْمَ جُلُوسًا صَلَّى أَرْبَعًا؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ، وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا.
وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ.
نَعَمْ، وَقَدْ رُوِيَتْ فِيهِ آثَارٌ - لَيْسَتْ بِأَضْعَفَ مِنْ حَدِيثِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ، وَالْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءِ وَالْبِنَاءِ مِنْ الرُّعَافِ وَالْقَيْءِ، فَخَالَفُوهَا إذْ خَالَفَهَا أَبُو حَنِيفَةَ - مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدَيْنِ وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ صَحَّ فِي هَذَا أَثَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَقُلْنَا بِهِ وَلَمْ نَتَعَدَّهُ
[مَسْأَلَةٌ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
٥٣٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالْغُسْلُ وَاجِبٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الطِّيبُ، وَالسِّوَاكُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ فَأَغْنَى عَنْ تَرْدَادِهِ، إذْ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَلَا يَتَطَيَّبُ لَهَا الْمُحْرِمُ وَلَا الْمَرْأَةُ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا فِي النِّسَاءِ يَحْضُرُونَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ، وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنْ إحْدَاثِ
стр. 1090
التَّطَيُّبِ، عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيَلْزَمُ الْغُسْلُ، وَالسِّوَاكُ: الْمُحْرِمَ، وَالْمَرْأَةَ كَمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ، فَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ تَيَمَّمَ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ
[مَسْأَلَةٌ ضَاقَ الْمَسْجِدُ وَاتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ يَوْم الْجُمُعَةُ]
٥٣٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ امْتَلَأَتْ الرِّحَابُ وَاتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ صُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فِي الدُّورِ، وَالْبُيُوتِ، وَالدَّكَاكِينِ الْمُتَّصِلَةِ بِالصُّفُوفِ، وَعَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مُسَامِتًا لِمَا خَلْفَ الْإِمَامِ، لَا لِلْإِمَامِ وَلَا لِمَا أَمَامَ الْإِمَامِ أَصْلًا وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَالصُّفُوفِ نَهْرٌ عَظِيمٌ أَوْ صَغِيرٌ أَوْ خَنْدَقٌ أَوْ حَائِطٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، وَصَلَّى الْجُمُعَةَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ - ثنا عَبْدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حُكْمُ الْإِمَامَةِ سَوَاءٌ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَالنَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَحْوَالِ الْإِمَامَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا جَاءَ نَصٌّ بِالْمَنْعِ مِنْ الِائْتِمَامِ بِالْإِمَامِ إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ، فَلَا يَجُوزُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ؟ وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ»
فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعٍ إلَّا مَوْضِعًا جَاءَ النَّصُّ بِالْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ.
رُوِّينَا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي فِي بَيْتِهَا بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ؟
стр. 1091
وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، إذْ صَلَّتْ فِي بَيْتِهَا بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّاسِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنِي جَبَلَةُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الشَّقَرِيُّ قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي فِي دَارِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْبَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى الْمَسْجِدِ يَرَى رُكُوعَهُمْ وَسُجُودَهُمْ؟ وَعَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: تُصَلِّي الْمَرْأَةُ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ التَّكْبِيرَ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ امْتَلَأَ فَدَخَلَ دَارَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالطَّرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى مَعَهُمْ وَهُوَ يَرَى رُكُوعَهُمْ وَسُجُودَهُمْ.
وَعَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي بَيْتِ الْخَيَّاطِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الرَّحْبَةِ الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا الْقِبَابُ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: جِئْت أَنَا وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّاسُ عَلَى الْجُدُرِ وَالْكَنَفِ، فَقُلْت لَهُ: أَبَا سَعِيدٍ، أَتَرْجُو لِهَؤُلَاءِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونُوا فِي الْأَجْرِ سَوَاءً؟ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُصَلَّى الْجُمُعَةُ خَاصَّةً فِي مَكَان مَحْجُورٍ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا سَائِرُ صَلَوَاتِ الْفَرْضِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِيهَا.
وَهَذَا لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُعَضِّدُ هَذَا الْقَوْلَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ نَهْرٌ صَغِيرٌ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَمْ تُجْزِهِ.
وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ، لَا يُعَضِّدُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ،
стр. 1092
وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ؟ وَحَدُّ النَّهْرِ الْكَبِيرِ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ تَجْرِيَ فِيهِ السُّفُنُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْتَ شِعْرِي أَيْ السُّفُنُ؟ وَفِي السُّفُنِ مَا يَحْمِلُ أَلْفَ وَسْقٍ، وَفِيهَا زُوَيْرِقٌ صَغِيرٌ يَحْمِلُ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً فَقَطْ.
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَبَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جُدُرٌ أَوْ نَهْرٌ فَلَا يَأْتَمُّ بِهِ - فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نَهْرٍ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: ثنا قَتَادَةُ قَالَ: قَالَ لِي زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا جُمُعَةَ لِمَنْ صَلَّى فِي الرَّحْبَةِ - وَبِهِ يَقُولُ زُرَارَةُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ كَانَ تَقْلِيدًا لَكَانَ هَذَا - لِصِحَّةِ إسْنَادِهِ - أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: لَا جُمُعَةَ لَهُمْ، قُلْت: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا فَلَا يَفْعَلُونَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَصِلَ الصَّفَّ فَلَمْ يَفْعَلْ
وَإِنَّ الْعَجَبَ كُلَّهُ مِمَّنْ يُجِيزُ الصَّلَاةَ حَيْثُ صَحَّ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ كَالْمَقْبَرَةِ، وَمَعْطِنِ الْإِبِلِ، وَالْحَمَّامِ، ثُمَّ يَمْنَعُ مِنْهَا حَيْثُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا، كَالْمَوْضِعِ الْمَحْجُورِ، أَوْ بَيْنَهَا نَهْرٌ كَبِيرٌ وَكُلُّ هَذَا كَمَا تَرَى وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ مِنْ زُوحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
٥٣٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ زُوحِمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ كَيْفَ أَمْكَنَهُ وَلَوْ إيمَاءً وَعَلَى الرُّكُوعِ كَذَلِكَ -: أَجْزَأَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَصْلًا وَقَفَ كَمَا هُوَ، فَإِذَا خَفَّ الْأَمْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَأَجْزَأَهُ.
لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِمَرَضٍ أَوْ بِخَوْفٍ أَوْ بِمَنْعِ زِحَامٍ وَقَدْ صَلَّى السَّلَفُ الْجُمُعَةَ إيمَاءً فِي الْمَسْجِدِ، إذْ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ إلَى قُرْبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ
стр. 1093
[مَسْأَلَةٌ جَاءَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَقَدْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ]
مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ جَاءَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَقَدْ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ صَلَّوْهَا جُمُعَةً، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي الْجَمَاعَةِ
[مَسْأَلَةٌ كَانَ بِالْمِصْرِ فَرَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ]
٥٤٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ بِالْمِصْرِ فَرَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ فَحَسَنٌ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مِيلٍ فَصَاعِدًا صَلَّى فِي مَوْضِعِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَجِيءُ إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا مَسْجِدَ مَكَّةَ، وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً، فَالْمَجِيءُ إلَيْهَا عَلَى بُعْدٍ: فَضِيلَةٌ -: لِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا رَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا الرِّحْلَةُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ إيلْيَاءَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الرِّحْلَةُ هِيَ السَّفَرُ، وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ السَّفَرَ مِيلٌ فَصَاعِدًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
стр. 1094
[مَسْأَلَةٌ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ]
مَسْأَلَةٌ: وَالصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ جَائِزَةٌ، وَالْإِثْمُ عَلَى الْمَانِعِ لَا عَلَى الْمُطْلَقِ لَهُ دُخُولُهَا، بَلْ الْفَرْضُ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ دُخُولُهَا أَنْ يَصِلَ الصُّفُوفَ فِيهَا، لِأَنَّ إكْمَالَ الصُّفُوفِ فَرْضٌ كَمَا قَدَّمْنَا فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ فَحَقُّهُ أَطْلَقَ لَهُ، وَحَقٌّ عَلَيْهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، وَمَنْ مُنِعَ فَحَقُّهُ مُنِعَ مِنْهُ وَالْمَانِعُ مِنْ الْحَقِّ ظَالِمٌ، وَلَا إثْمَ عَلَى الْمَمْنُوعِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
[مَسْأَلَةٌ الْبَيْعُ وَقْت صَلَاة الْجُمُعَةِ]
٥٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْبَيْعُ مِنْ أَثَرِ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَمِنْ أَوَّلِ أَخْذِهَا فِي الزَّوَالِ وَالْمَيْلِ إلَى أَنْ تُقْضَى صَلَاةُ الْجُمُعَةِ
فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ قَدْ مُنِعَ أَهْلُهَا الْجُمُعَةَ أَوْ كَانَ سَاكِنًا بَيْنَ الْكُفَّارِ، وَلَا مُسْلِمَ مَعَهُ: فَإِلَى أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرَ يَوْمِهِ، أَوْ يُصَلُّوا ذَلِكَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ: فَإِلَى أَنْ يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ.
وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ أَبَدًا إنْ وَقَعَ وَلَا يُصَحِّحُهُ خُرُوجُ الْوَقْتِ، سَوَاءٌ كَانَ التَّبَايُعُ مِنْ مُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، أَوْ مِنْ كَافِرِينَ.
وَلَا يَحْرُمُ حِينَئِذٍ: نِكَاحٌ، وَلَا إجَازَةٌ، وَلَا سَلَمٌ، وَلَا مَا لَيْسَ بَيْعًا؟ وَقَالَ مَالِكٌ كَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ مُسْلِمٌ، وَفِي النِّكَاحِ، وَعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالسَّلَمِ، وَأَبَاحَ الْهِبَةَ، وَالْقَرْضَ، وَالصَّدَقَةَ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: الْبَيْعُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالسَّلَمُ: جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]
وَوَقْتُ النِّدَاءِ: هُوَ أَوَّلُ الزَّوَالِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَيْعَ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ وَأَبَاحَهُ بَعْدَهَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَلَمْ يُحَرِّمْ تَعَالَى نِكَاحًا، وَلَا إجَارَةً، وَلَا سَلَمًا، وَلَا مَا لَيْسَ
стр. 1095
بَيْعًا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَهُوَ نَاهِضٌ إلَى الصَّلَاةِ غَيْرَ مُتَشَاغِلٍ بِهَا فَجَازَ كُلُّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ السَّعْيِ إلَى الصَّلَاةِ.
فَظَهَرَ تَنَاقُضُ قَوْلِ مَالِكٍ وَفَسَادُهُ فَإِنْ كَانَ جَعَلَ عِلَّةَ كُلِّ ذَلِكَ: التَّشَاغُلَ، سَأَلْنَاهُمْ عَمَّنْ لَمْ يَتَشَاغَلْ؟ بَلْ بَاعَ أَوْ أَنْكَحَ، أَوْ أَجَرَ وَهُوَ نَاهِضٌ إلَى الْجُمُعَةِ، أَوْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: يُفْسَخُ، فَبَطَلَ تَعْلِيلُهُمْ بِالتَّشَاغُلِ، فَإِنْ لَمْ يُعَلِّلُوا بِالتَّشَاغُلِ فَقَدْ قَاسُوا عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: بِالْقِيَاسِ، فَكَيْفَ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: النِّكَاحُ بَيْعٌ، قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ بَيْعًا وَلَا رَسُولُهُ ﷺ .
وَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ: فَنَكَحَ أَوْ أَجَرَ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يَحْنَثُ وَاعْتَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّشَاغُلِ عَنْ الْجُمُعَةِ فَقَطْ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ، وَقَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﷺ .
وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ وَلَمْ يَكِلْنَا إلَى خَطَأِ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَظَنِّهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا ذَلِكَ؟ قُلْنَا: وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمُوهُ؟ فَإِنْ ادَّعَيْتُمْ ضَرُورَةً كَذَبْتُمْ، لِأَنَّنَا غَيْرُ مُضْطَرِّينَ إلَى عِلْمِ ذَلِكَ، وَالطَّبِيعَةُ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ ادَّعَوْا دَلِيلًا سُئِلُوهُ، وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الظَّنُّ وَقَالُوا: نَحْنُ مَنْهِيُّونَ عَنْ الْبَيْعِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ بَاعَ امْرُؤٌ فِي صَلَاتِهِ: نَفَذَ الْبَيْعُ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: إنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَمْدًا
стр. 1096
أَبْطَلَهَا، فَلَيْسَ حِينَئِذٍ فِي صَلَاةٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ فَبَاعَ، أَوْ نَكَحَ، أَوْ أَنْكَحَ، أَوْ عَمِلَ مَا لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَالَ الَّتِي هُوَ فِيهَا مَانِعَةٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ حَالٌ ثَابِتَةٌ، فَمَا ضَادَّهَا فَبَاطِلٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ بَاعَ، أَوْ نَكَحَ، أَوْ طَلَّقَ، أَوْ أَعْتَقَ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مِقْدَارُ إحْرَامِهِ بِالتَّكْبِيرِ - وَهُوَ ذَاكِرٌ لِذَلِكَ - فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ.
وَقَالَ ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ أَمْرًا بِخِلَافِ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِنَصِّ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا يَصْلُحُ الْبَيْعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَاشْتَرِ وَبِعْ ".
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ فَسَخَ بَيْعًا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الشَّافِعِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ، لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَهَذَا مَكَانٌ لَا يُعْرَفُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃؟ وَتَنَاقَضَ الْمَالِكِيُّونَ أَيْضًا، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] : عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَمْ يَحْمِلُوا أَمْرَهُ تَعَالَى بِتَمْتِيعِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى الْإِيجَابِ
وَقَالُوا: لَفْظَةُ " ذَرْ " لَا تَكُونُ إلَّا لِلتَّحْرِيمِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] فَهَذِهِ لِلْوَعِيدِ لَا لِلتَّحْرِيمِ
وَأَمَّا مَنْعُنَا أَهْلَ الْكُفْرِ مِنْ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] فَوَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَ أَهْلِ الْكُفْرِ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَا بُدَّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]
стр. 1097
[صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ] [ مَسْأَلَةٌ الْعَمَلُ وَالْبَيْعُ فِي الْعِيدَيْنِ]
ِ ٥٤٣ - مَسْأَلَةٌ: هُمَا عِيدُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ: أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَيَوْمُ الْأَضْحَى: وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدٌ غَيْرُهُمَا، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ عِيدًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَحْرُمُ الْعَمَلُ، وَلَا الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا؟ وَسُنَّةُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ: أَنْ يَبْرُزَ أَهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ إلَى فَضَاءٍ وَاسِعٍ بِحَضْرَةِ مَنَازِلِهِمْ ضَحْوَةً إثْرَ ابْيِضَاضِ الشَّمْسِ، وَحِينَ ابْتِدَاءِ جَوَازِ التَّطَوُّعِ.
وَيَأْتِي الْإِمَامُ فَيَتَقَدَّمُ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ " أُمُّ الْقُرْآنِ " وَسُورَةٌ، وَتُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ السُّورَةُ فِي الْأُولَى " ق ".
وَفِي الثَّانِيَةِ " اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ " أَوْ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ".
وَ " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ".
وَمَا قَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَعَ (أُمِّ الْقُرْآنِ) أَجْزَأَهُ.
وَيُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى إثْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ: سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ مُتَّصِلَةٍ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (أُمِّ الْقُرْآنِ) وَيُكَبِّرُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ إثْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ: خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ.
يَجْهَرُ بِجَمِيعِهِنَّ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ (أُمَّ الْقُرْآنِ) .
وَلَا يَرْفَعُ - يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا حَيْثُ يَرْفَعُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ.
وَلَا يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ إلَّا تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ فَقَطْ.
فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جِلْسَةً، فَإِذَا أَتَمَّهُمَا افْتَرَقَ النَّاسُ.
فَإِنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ خُطْبَةً، وَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ، كُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ -:
стр. 1098
مِنْهَا -: مَا يُقْرَأُ مَعَ (أُمِّ الْقُرْآنِ) وَفِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ
وَأَحْدَثَ بَنُو أُمَيَّةَ: تَأْخِيرَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِيدِ، وَتَقْدِيمَ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَأَمَّا الَّذِي يُقْرَأُ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ ": فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سُورَةٍ بِعَيْنِهَا.
وَشَاهَدْنَا الْمَالِكِيِّينَ لَا يَقْرَءُونَ مَعَ " أُمِّ الْقُرْآنِ " " إلَّا " " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا "، وَ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ". وَهَذَانِ الِاخْتِيَارَانِ: فَاسِدَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ جَائِزَةً.
وَإِنَّمَا نُنْكِرُ اخْتِيَارَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمَا خِلَافُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَرَأْت عَلَى مَالِكٍ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَاقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ أَدْرَكَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا؟ وَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مَحْمُودُ بْنُ غِيلَانَ ثنا وَكِيعٌ ثنا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - كِلَاهُمَا عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدِ: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» .
وَاخْتِيَارُنَا هُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ؟ وَمِنْهَا - التَّكْبِيرُ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ يَجْهَرُ بِهَا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، فَإِذَا قَامَ بَعْدَ السُّجُودِ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ قَرَأَ، فَإِذَا أَتَمَّ السُّورَةَ مَعَ (أُمِّ الْقُرْآنِ) كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ جَهْرًا، يَرْفَعُ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: سَبْعًا فِي الْأُولَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ سِوَى تَكْبِيرَةِ
стр. 1099
الْقِيَامِ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ ﵃: فَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى، وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ، وَيُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ.
وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ فِي الطَّرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّ عَلِيًّا؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعًا، وَفِي الْأُخْرَى خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
وَهَذَا سَنَدٌ كَالشَّمْسِ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَالِسًا وَعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَسَأَلَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَقَتَادَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ هُوَ ابْنُ نَوْفَلٍ - قَالَ: كَبَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَوْمَ الْعِيدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ وَهَذَانِ إسْنَادَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَبِهَذَا تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَيْنَ وُجِدَ لِهَؤُلَاءِ ﵃ أَوْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مَا قَالَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَوَّذَ إثْرَ الْأُولَى ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَأَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَهُنَّ؟ فَبَطَلَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِصَاحِبٍ.
стр. 1100
وَأَطْرَفُ ذَلِكَ أَمْرُهُ بِرَفْعِ الْأَيْدِي فِي التَّكْبِيرِ، الَّذِي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ فِيهِ يَدَيْهِ، وَنَهْيُهُ عَنْ رَفْعِ الْأَيْدِي فِي التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ عَكْسَ الْحَقَائِقِ، وَخِلَافَ السُّنَنِ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ؟ قَالَ: يُكَبِّرُ تِسْعًا أَوْ إحْدَى عَشَرَةَ، أَوْ ثَلَاثَ عَشَرَةَ - وَهَذَا سَنَدٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؟ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: التَّكْبِيرُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَرْبَعًا، وَفِي الْآخِرَةِ ثَلَاثًا، وَالتَّكْبِيرُ سَبْعٌ سِوَى تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ - إلَّا أَنَّ فِي الطَّرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفِي هَذَا آثَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا -: مِنْهَا - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى، فِي الْأُولَى: سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ: خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَاهُمَا» .
وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَحْتَجَّ بِمَا لَا يَصِحُّ كَمَنْ يَحْتَجُّ بِابْنِ لَهِيعَةَ
стр. 1101
وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إذَا وَافَقَا هَوَاهُ، كَفِعْلِهِ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَرُدُّ رِوَايَتَهُمَا إذَا خَالَفَا هَوَاهُ هَذَا فِعْلُ مَنْ لَا دِينَ لَهُ، وَلَا يُبَالِي بِأَنْ يَضِلَّ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُضِلَّ
وَمِنْهَا - خَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ أَخْبَرَنِي أَبُو عَائِشَةَ جَلِيسُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَضَرَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ «سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى، وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، تَكْبِيرُهُ عَلَى الْجَنَائِزِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ، قَالَ أَبُو مُوسَى كَذَلِكَ كُنْت أُكَبِّرُ بِالْبَصْرَةِ حَيْثُ كُنْتُ عَلَيْهِمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ ضَعِيفٌ وَأَبُو عَائِشَةَ مَجْهُولٌ، لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ وَلَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ وَلَا تَصِحُّ رِوَايَةٌ عَنْهُ لِأَحَدٍ، وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ لِلْحَنَفِيِّينَ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقُولُونَ مِنْ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ فِي الْأُولَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَأَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، وَلَا أَنَّ الْأُولَى يُكَبِّرُ فِيهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَرْبَعٌ فِي كِلْتَا الرَّكْعَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا، كَمَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ.
وَهَذَا قِيَاسٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَ الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ فَقَطْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: بِسِتٍّ فِي كِلْتَا الرَّكْعَتَيْنِ دُونَ تَكْبِيرَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالْقِيَامِ، أَوْ بِعَشْرِ تَكْبِيرَاتٍ إنْ عَدُّوا فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِيَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَلَيْسَ فِيهِ رَفْعُ الْأَيْدِي كَمَا زَعَمُوا، فَظَهَرَ تَمْوِيهُهُمْ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ جَعَلَ فِي الْأُولَى سَبْعًا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ دُونَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ، وَهَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا قِيلَ، وَالتَّكْبِيرُ خَيْرٌ، وَلِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ،
стр. 1102
فَلَا يُحَقِّرُهَا إلَّا مَحْرُومٌ، وَلَوْ وَجَدْنَا مَنْ يَقُولُ: بِأَكْثَرَ لَقُلْنَا بِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وَالتَّكْبِيرُ خَيْرٌ بِلَا شَكٍّ.
وَاخْتِيَارُنَا هُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ
وَمِنْهَا - مَا أَحْدَثَ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ، وَإِحْدَاثِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَتَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَيَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ.
قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ - ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ كِلَاهُمَا يَقُولُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كُلُّهُمْ يُصَلِّي ثُمَّ يَخْطُبُ.
وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ثنا هِشَامُ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا جَمِيعًا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى؟
стр. 1103
قَالَ عَلِيٌّ: لَا أَذَانَ وَلَا إقَامَةَ لِغَيْرِ الْفَرِيضَةِ، وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ فِيهِمَا الدُّعَاءُ إلَى الصَّلَاةِ، فَلَوْ أُمِرَ ﵇ بِذَلِكَ لَصَارَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَرِيضَةً بِدُعَائِهِ إلَيْهَا؟
وَاعْتَلُّوا: بِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا إذَا صَلُّوا تَرَكُوهُمْ وَلَمْ يَشْهَدُوا الْخُطْبَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَنُونَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفِرُّونَ، وَحُقَّ لَهُمْ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ الْجُلُوسُ لِلْخُطْبَةِ وَاجِبًا؟ حَدَّثَنَا حَمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْكَرْمَانِيُّ ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ - عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ فَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ ﵇: قَدْ قَضَيْنَا الصَّلَاةَ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ قِيلَ: إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الصَّبَّاحِ أَرْسَلَهُ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ الْمُسْنِدُ زَائِدٌ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُرْسِلِ، فَكَيْفَ وَخُصُومُنَا أَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: إنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُسْنَدَ سَوَاءٌ؟
стр. 1104
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَيْسَ حَقًّا عَلَى النَّاسِ حُضُورُ الْخُطْبَةِ، يَعْنِي فِي الْعِيدَيْنِ وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا
[مَسْأَلَةٌ صَلَاة الْعِيدَيْنِ لِلْعَبْدِ وَالْحُرّ وَالْحَاضِر وَالْمُسَافِر وَالْمَرْأَة]
؟ ٥٤٤ - مَسْأَلَةٌ: وَيُصَلِّيهِمَا، الْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، وَالْحَاضِرُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْمُنْفَرِدُ، وَالْمَرْأَةُ وَالنِّسَاءُ: وَفِي كُلِّ قَرْيَةٍ، صَغُرَتْ أَمْ كَبُرَتْ، كَمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَخْطُبُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةٌ فِي الْبُرُوزِ إلَى الْمُصَلَّى صَلُّوا جَمَاعَةً فِي الْجَامِعِ؟ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُ - فِي كَلَامِنَا فِي الْقَصْرِ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ - أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ، فَكَانَ هَذَا عُمُومًا، لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ -: وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، إلَّا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لَا تُصَلَّى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ إلَّا شَيْئًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَإِنْ كَانَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ حُجَّةً فِي هَذَا فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ
стр. 1105
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ بِضَعَفَةِ النَّاسِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْعِيدِ؟ فَإِنْ ضَعَّفُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ؟ قِيلَ لَهُمْ: هِيَ أَقْوَى مِنْ الَّتِي تَعَلَّقْتُمْ بِهَا عَنْهُ أَوْ مِثْلُهَا، وَلَا فَرْقَ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ تُصَلَّى حَيْثُ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا - حُكْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَصَلَاتِهَا فِي الْمَوَاطِنِ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ ﵄: أَنَّهُمَا صَلَّيَا الْعِيدَ بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَطَرٍ وَقَعَ يَوْمَ الْعِيدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْرُزُ إلَى الْمُصَلَّى لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، فَهَذَا أَفْضَلُ، وَغَيْرُهُ يُجْزِئُ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا أَمْرٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ خُرُوجُ النِّسَاء إلَى الْمُصَلَّى فِي الْعِيدَيْنِ]
٥٤٥ - مَسْأَلَةٌ: وَيَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى: النِّسَاءُ حَتَّى الْأَبْكَارُ، وَالْحُيَّضُ وَغَيْرُ الْحُيَّضِ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَأَمَّا الطَّوَاهِرُ فَيُصَلِّينَ مَعَ النَّاسِ، وَمَنْ لَا جِلْبَابَ لَهَا فَلْتَسْتَعِرْ جِلْبَابًا وَلْتَخْرُجْ، فَإِذَا أَتَمَّ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ فَنَخْتَارُ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ يَعِظُهُنَّ وَيَأْمُرْهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَتُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الصَّدَقَةُ يَوْمَئِذٍ بِمَا تَيَسَّرَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ - ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - ثنا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ «حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ جَوَارِينَا أَنْ يَخْرُجْنَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ أَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا؟ فَقَالَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لِتَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ - أَوْ قَالَ: وَذَوَاتُ الْخُدُورِ» - شَكَّ أَيُّوبُ - «وَالْحُيَّضُ، فَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا هِشَامُ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ «أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 1106
أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتَ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» .
وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ - ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ خَطَبَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، تُلْقِي فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً» .
وَقُلْت لِعَطَاءٍ: أَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ، يَأْتِيَهُنَّ وَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إنَّهُ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ؟ وَبِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ، فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ يَجْلِسُ الرِّجَالُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ - لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ -: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَتَصَدَّقْنَ، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ» .
стр. 1107
فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُ ﷺ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّهُ ﵇ رَأَى حُضُورَ النِّسَاءِ الْمُصَلَّى، وَأَمَرَ بِهِ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ غَيْرِهِ إذَا خَالَفَهُ وَلَا مُتَعَلِّقَ لِلْمُخَالِفِ إلَّا رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ مَنَعَهُنَّ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ خِلَافُهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ إذْ مَنَعَهُنَّ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا بَلَغَهُ رَجَعَ إلَى الْحَقِّ كَمَا فَعَلَ إذْ سَبَّ ابْنَهُ أَشَدَّ السَّبِّ إذْ سَمِعَهُ يَقُولُ: نَمْنَعُ النِّسَاءَ الْمَسَاجِدَ لَيْلًا؟
وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ ادَّعَى امْرُؤٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى الْعِيدَيْنِ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُنَّ -: لَصُدِّقَ، لِأَنَّنَا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ كُلَّ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَوْ بَلَغَهُ مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ -: فَقَدْ سَلَّمَ وَرَضِيَ وَأَطَاعَ، وَالْمَانِعُ مِنْ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ وَلِلسُّنَّةِ
[مَسْأَلَةٌ مِنْ آدَاب الْعِيد مُخَالَفَةَ الطَّرِيق]
؟ ٥٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ السَّيْرَ إلَى الْعِيدِ عَلَى طَرِيقٍ وَالرُّجُوعَ عَلَى آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ، لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ بِالْقَوِيَّةِ؟
[مَسْأَلَةٌ اجْتَمَعَ عِيدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ]
٥٤٧ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ: صُلِّيَ لِلْعِيدِ، ثُمَّ لِلْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَصِحُّ أَثَرٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ فِي رُوَاتِهِ: إسْرَائِيلَ، وَعَبْدَ الْحُمَيْدِ بْنَ جَعْفَرٍ، وَلَيْسَا بِالْقَوِيَّيْنِ، وَلَا مُؤْنَةَ عَلَى خُصُومِنَا مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِهِمَا إذَا وَافَقَ مَا رَوَيَاهُ تَقْلِيدَهُمَا، وَهُنَا خَالَفَا رِوَايَتَهُمَا فَأَمَّا رِوَايَةُ إسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ «عَنْ إيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِيدَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ صَلَّى الْعِيدَ أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ» .
стр. 1108
وَرَوَى عَبْدُ الْحُمَيْدِ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ " اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَخَّرَ الْخُرُوجَ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ فَأَطَالَ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ الْجُمُعَةَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصَابَ السُّنَّةَ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْجُمُعَةُ فَرْضٌ وَالْعِيدُ تَطَوُّعٌ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ.
[مَسْأَلَةٌ التَّكْبِيرُ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ]
٥٤٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّكْبِيرُ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ: فَرْضٌ، وَهُوَ فِي لَيْلَةِ عِيدِ الْأَضْحَى: حَسَنٌ.
قَالَ تَعَالَى وَقَدْ ذَكَرَ صَوْمَ رَمَضَانَ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
فَبِإِكْمَالِ عِدَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَجَبَ التَّكْبِيرُ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَةٌ.
وَأَمَّا لَيْلَةُ الْأَضْحَى وَيَوْمُهُ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ: فَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَمْرٌ، لَكِنَّ التَّكْبِيرَ فِعْلُ خَيْرٍ وَأَجْرٍ
[مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى]
٥٤٩ - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ، مَا لَمْ يَرْغَبْ عَنْ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ أَكَلَ يَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ غُدُوِّهِ إلَى الْمُصَلَّى فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ فَحَسَنٌ، وَلَا يَحِلُّ صِيَامُهَا أَصْلًا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ
стр. 1109
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَلْزَمُ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ يُوجِبَ: التَّمْرَ، دُونَ غَيْرِهِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَلَا أَعْلَمُهُ أَكَلَ شَيْئًا.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا تَأْكُلُوا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا يَوْمَ الْفِطْرِ إنْ شِئْتُمْ؟ وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إنْ شَاءَ طَعِمَ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَطْعَمْ؟
[مَسْأَلَةٌ التَّنَفُّل فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا]
٥٥٠ - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّنَفُّلُ قَبْلَهُمَا فِي الْمُصَلَّى حَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ، لِأَنَّ التَّنَفُّلَ فِعْلُ خَيْرٍ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا، وَلَا بَعْدَهُمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ الْإِمَامَ، وَكَانَ مَجِيئُهُ إلَى التَّكْبِيرِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِلَا فَصْلٍ، وَلَمْ يَنْهَ ﵇ قَطُّ - لَا بِإِيجَابٍ وَلَا بِكَرَاهَةٍ - عَنْ التَّنَفُّلِ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِبَيْنِهَا ﵇.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزِدْ قَطُّ فِي لَيْلَةٍ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَفَتَكْرَهُونَ الزِّيَادَةَ أَوْ تَمْنَعُونَ مِنْهَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: فُرِّقُوا وَلَا سَبِيلَ إلَى فَرْقٍ
وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَالْحَسَنُ، وَأَخُوهُ سَعِيدٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ يُصَلُّونَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَبَعْدَهُ: يَعْنِي فِي الْعِيدَيْنِ؟ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَالْحَسَنَ يُصَلِّيَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ.
وَعَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَالْحَسَنَ، وَأَخَاهُ
стр. 1110
سَعِيدًا، وَأَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ: يُصَلُّونَ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ أَتَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَكُونُ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى
[مَسْأَلَةٌ التَّكْبِيرُ فِي الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ]
٥٥١ - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّكْبِيرُ إثْرَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي الْأَضْحَى، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ -: حَسَنٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِعْلُ خَيْرٍ، وَلَيْسَ هَهُنَا أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَرُوِّينَا عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَأَبِي يُوسُفُ، وَمُحَمَّدٍ: اسْتِحْبَابَ التَّكْبِيرِ غَدَاةَ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ الْعَصْرِ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ وَأَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُكَبِّرُ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ النَّحْرِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي رِوَايَتِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَعَنْ عَلْقَمَةَ مِثْلُ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى تَكْبِيرِ أَيَّامِ مِنًى فَقَدْ أَخْطَأَ، لِأَنَّهُ قَاسَ مَنْ لَيْسَ بِحَاجٍّ عَلَى الْحَاجِّ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُمْ لَا يَقِيسُونَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي التَّلْبِيَةِ، فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّكْبِيرِ.
وَلَا مَعْنَى لِمَنْ قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] .
وَقَالَ: إنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومَاتِ وَمَا بَعْدَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1111
دَعْوَى فَاسِدَةٌ، وَمَا حَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ ذِكْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيَّامِ؟ وَلَا مَعْنَى لِمَنْ اقْتَصَرَ بِالْمَعْلُومَاتِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ لَيْسَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَأَنَّ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ هُوَ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ لَمْ يَخْرُجْ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
٥٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ: خَرَجَ لِصَلَاتِهِمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ غُدْوَةً خَرَجَ مَا لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ، لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْحَوْضِيُّ - ثنا شُعْبَةُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو عُمَيْرٍ مَقْطُوعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَامِهِ مَنْ صَحَّتْ صُحْبَتُهُ مِمَّنْ لَمْ تَصِحَّ صُحْبَتُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا عِلَّةً مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ ﵃، لِثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِي الثَّانِي مِنْ الْأَضْحَى وَخَرَجَ فِي الثَّالِثِ فَقَدْ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ فِعْلُ خَيْرٍ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ؟
[مَسْأَلَةٌ الْغِنَاءُ وَاللَّعِبُ وَالزَّفْنُ فِي أَيَّامِ الْعِيدَيْنِ]
٥٥٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالْغِنَاءُ وَاللَّعِبُ وَالزَّفْنُ فِي أَيَّامِ الْعِيدَيْنِ حَسَنٌ فِي الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا
стр. 1112
أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ وَأَنَا عَمْرٌو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ يَتِيمُ عُرْوَةَ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءٍ بُعَاثٍ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعْهَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا قَالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ حَتَّى إذَا مَلِلْتُ قَالَ: حَسْبُكِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاذْهَبِي» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَقَالَ: دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ - عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْصَرَفْتُ» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ
стр. 1113
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ إذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَهْوَى إلَيْهِمْ لِيَحْصِبَهُمْ بِالْحَصْبَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعْهُمْ يَا عُمَرُ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَيْنَ يَقَعُ إنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ مِنْ إنْكَارِ سَيِّدَيْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄؟ وَقَدْ أَنْكَرَ ﵇ عَلَيْهِمَا إنْكَارَهُمَا، فَرَجَعَا عَنْ رَأْيِهِمَا إلَى قَوْلِهِ ﵇
[صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ]
[مَسْأَلَةٌ قَحَطَ النَّاسُ أَوْ أَشْتَدَّ الْمَطَرُ حَتَّى يُؤْذِيَ]
صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ ٥٥٤ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ قَحَطَ النَّاسُ أَوْ أَشْتَدَّ الْمَطَرُ حَتَّى يُؤْذِيَ فَلْيَدْعُ الْمُسْلِمُونَ فِي إدْبَارِ صَلَوَاتِهِمْ وَسُجُودِهِمْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَدْعُو الْإِمَامُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
قَالَ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٣] .
فَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ الْبُرُوزَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ خَاصَّةً - لَا فِيمَا سِوَاهُ - فَلْيَخْرُجْ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا إلَى مَوْضِعِ الْمُصَلَّى وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَيَبْدَأُ فَيَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً يُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ، وَيَدْعُو اللَّهَ .
ثُمَّ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَظَهْرَهُ إلَى النَّاسِ، فَيَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى رَافِعًا يَدَيْهِ، ظُهُورُهُمَا إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ يَقْلِبُ رِدَاءَهُ أَوْ ثَوْبَهُ الَّذِي يَتَغَطَّاهُ، فَيَجْعَلُ بَاطِنَهُ ظَاهِرَهُ، وَأَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَمَا عَلَى مَنْكِبٍ مِنْ مَنْكِبَيْهِ عَلَى الْمَنْكِبِ الْآخَرِ، وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ.
ثُمَّ يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا قُلْنَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، إلَّا أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ يَخْرُجُ فِيهَا الْمِنْبَرُ إلَى الْمُصَلَّى، وَلَا يَخْرُجُ فِي الْعِيدَيْنِ، فَإِذَا سَلَّمَ انْصَرَفَ وَانْصَرَفَ النَّاسُ؟ .
стр. 1114
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ - قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ثنا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي كِنَانَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الِاسْتِسْقَاءِ؟ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي التَّضَرُّعِ، وَالدُّعَاءِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢] .
وَتَحْوِيلُ الرِّدَاءِ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: بِتَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ؟ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ السَّلَفِ خِلَافَ هَذَا، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعَثَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ هُوَ الْخِطْمِيُّ - أَنْ يَسْتَسْقِيَ بِالنَّاسِ، فَخَرَجَ فَاسْتَسْقَى بِالنَّاسِ، وَفِيهِمْ: الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ هَذَا صُحْبَةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُكَبِّرُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ، وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَيَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، وَلَكِنْ فِي الطَّرِيقِ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، وَهُوَ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ.
وَرُوِّينَا: أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَدَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَلَمْ يُصَلِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يُمْنَعُ الْيَهُودُ، وَلَا الْمَجُوسُ، وَلَا النَّصَارَى: مِنْ الْخُرُوجِ إلَى
стр. 1115
الِاسْتِسْقَاءِ لِلدُّعَاءِ فَقَطْ، وَلَا يُبَاحُ لَهُمْ إخْرَاجُ نَاقُوسٍ وَلَا شَيْءَ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[صَلَاةُ الْكُسُوفِ]
٥٥٥ - مَسْأَلَةٌ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى وُجُوهٍ -: أَحَدُهَا - أَنْ تُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَفِي كُسُوفِ الْقَمَرِ أَيْضًا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - ثنا يُونُسُ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: «خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ، فَثَابَ النَّاسَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنًا لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاتَ، يُقَالُ لَهُ: إبْرَاهِيمُ، فَقَالَ نَاسٌ فِي ذَلِكَ»
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ ثنا يُونُسُ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْكَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَقَامَ إلَى الْمَسْجِدِ يَجُرُّ رِدَاءَهُ مِنْ الْعَجَلَةِ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلُّونَ، فَلَمَّا انْجَلَتْ خَطَبَنَا، فَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ
стр. 1116
فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفَ أَحَدِهِمَا فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» .
وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَنَّ فِيهِ تَطْوِيلَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ.
فَأَخَذَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: صَلَّى فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَطَّأَهُ أَخُوهُ عُرْوَةُ؟
قُلْنَا: عُرْوَةُ أَحَقُّ بِالْخَطَأِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَاحِبٌ، وَعُرْوَةَ لَيْسَ بِصَاحِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ عَمِلَ بِعِلْمٍ، وَأَنْكَرَ عُرْوَةُ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا الْوَجْهُ يُصَلَّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ، وَلِكُسُوفِ الْقَمَرِ فِي جَمَاعَةٍ، وَلَوْ صَلَّى ذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ تَظْهَرُ - مِنْ زَلْزَلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا - لَكَانَ حَسَنًا، لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ، هَكَذَا حَتَّى يَنْجَلِيَ الْكُسُوفُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْآيَاتُ كَمَا ذَكَرْنَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ ثنا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ الْبَصْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتْ» .
وَرُوِّينَا أَيْضًا قَوْلَهُ ﵇ «فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ» عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا.
وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَا.
وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: عَنْ
стр. 1117
الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَالَ الرَّبِيعُ: عَنْ الْحَسَنِ ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ قَالَا جَمِيعًا فِي الْكُسُوفِ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَدَعَا بَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ قَائِمًا، فَإِذَا انْجَلَى الْكُسُوفُ قَرَأَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ - هَذَا فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْآيَاتِ أَيْضًا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ أَبِي الْعَلَاءِ «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُنْتُ أَرْمِي بِأَسْهُمٍ لِي فِي الْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، وَقُلْتُ: وَاَللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ إلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» .
وَإِنْ شَاءَ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً إنْ كُسِفَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ -: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَإِنْ كُسِفَتْ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى أَخْذِهَا فِي الْغُرُوبِ: صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، كَصَلَاةِ الظُّهْرِ، أَوْ الْعَصْرِ وَفِي كُسُوفِ الْقَمَرِ خَاصَّةً: إنْ كُسِفَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ: صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ كَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ.
стр. 1118
وَإِنْ كُسِفَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ إلَى الصُّبْحِ: صَلَّى أَرْبَعًا: كَصَلَاةِ الْعَتَمَةِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - ثنا خَالِدُ هُوَ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ فَزِعًا، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِنَا حَتَّى انْجَلَتْ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَالَ: إنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ الْعُظَمَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّ اللَّهَ إذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ خَشَعَ لَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ» .
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ أَبَا قِلَابَةَ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ قَبِيصَةَ الْعَامِرِيِّ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَأَبُو قِلَابَةَ قَدْ أَدْرَكَ النُّعْمَانَ فَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْهُ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ آخَرَ فَحَدَّثَ بِكِلْتَا رِوَايَتَيْهِ، وَلَا وَجْهَ لِلتَّعَلُّلِ بِمِثْلِ هَذَا أَصْلًا وَلَا مَعْنًى لَهُ؟ وَإِنْ شَاءَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ، فَيَقْرَأُ.
ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ. ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ أُخْرَى، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ، كَمَا وَصَفْنَا، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي ثَوْرٍ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
стр. 1119
«انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ» .
وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ؟
وَرُوِّينَا أَيْضًا مِثْلَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ: ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ أَيْضًا رَكْعَةً فِيهَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ؟ .
وَقَدْ رُوِّينَا مَا يُظَنُّ فِيهِ هَذَا الْفِعْلُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَا قَتَادَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ بِالْبَصْرَةِ، قَامَ بِالنَّاسِ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَرَأَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقْرَأَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ فِي الزَّلْزَلَةِ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقُنُوتَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، فَصَارَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ؟
قَالَ قَتَادَةُ: صَلَّى حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ بِأَصْحَابِهِ مِثْلَ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَاتِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ؟
стр. 1120
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: صَلَاةُ الْآيَاتِ سِتُّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الثَّانِيَةِ كَذَلِكَ أَيْضًا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبٍ هُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ - عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ثنا حَبِيبُ هُوَ ابْنُ أَبِي ثَابِتٍ - عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا» .
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ كَمَا ذَكَرْنَا؟ وَقَدْ فَعَلَهُ أَيْضًا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلَ أَخْبَرَهُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ - أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: صَلَّى إذْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ - عَلَى ظَهْرِ صِفَةِ زَمْزَمَ - رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ.
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ: أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، كَمَا رَوَى.
وَإِنْ شَاءَ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ خَاصَّةً رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ الثَّانِيَةُ كَذَلِكَ أَيْضًا ثُمَّ يَجْلِسُ
стр. 1121
وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ؟
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ فِي صَلَاةِ الْآيَاتِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مُبَيَّنًا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ بِصِفَةِ الْعَمَلِ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْمُبَارَكِ بْنِ فُضَالَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ صَلَّى فِي كُسُوفٍ عَشْرَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَمَّنْ عَمِلَ بِهِ مِنْ صَاحِبٍ أَوْ تَابِعٍ؟ وَرُوِيَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْعَدَوِيِّ - وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّ صِفَةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ: أَنْ يَقْرَأَ ثُمَّ يَرْكَعَ فَإِنْ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ، فَقَرَأَ هَكَذَا أَبَدًا حَتَّى تَنْجَلِيَ، فَإِذَا انْجَلَتْ سَجَدَ ثُمَّ رَكَعَ الثَّانِيَةَ.
وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ نَحْوَ هَذَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَحِلُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْآثَارِ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا سُنَنٌ، وَلَا يَحِلُّ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ؟
فَأَمَّا مَالِكٌ: فَإِنَّهُ فِي اخْتِيَارِهِ بَعْضِ مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ ﵄ وَتَقْلِيدُ أَصْحَابِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ -: هَادِمُونَ أَصْلًا لَهُمْ كَبِيرًا، وَهُوَ أَنَّ الثَّابِتَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رَوَيَا مِمَّا اخْتَارَهُ مَالِكٌ كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا.
стр. 1122
وَمِنْ أَصْلِهِمْ أَنَّ الصَّاحِبَ إذَا صَحَّ عَنْهُ خِلَافَ مَا رَوَى كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَا رَوَى إلَّا لِأَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا بِسُنَّةٍ هِيَ أَوْلَى مِنْ الَّتِي تَرَكَ، وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ؟ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَلَّدَهُ: فَإِنَّهُمْ عَارَضُوا سَائِرَ مَا رُوِيَ بِأَنْ قَالُوا: لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ صِفَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا ضَلَالٌ يُؤَدِّي إلَى الِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ؟ لِأَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنْ لَا يُؤْخَذَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُنَّةٌ، وَلَا يُطَاعَ لَهُ أَمْرٌ -: إلَّا حَتَّى يُوجَدَ فِي سَائِرِ الدِّيَانَةِ حُكْمٌ آخَرُ مِثْلُ هَذَا الَّذِي خَالَفُوا، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ حُمْقٌ مِنْ الْقَوْلِ.
وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ لِلَّهِ شَرِيعَةٌ إلَّا حَتَّى تُوجَدَ أُخْرَى مِثْلُهَا وَإِلَّا فَلَا؟ وَمَا نَدْرِي هَذَا يَجِبُ، لَا بِدَيْنٍ وَلَا بِعَقْلٍ، وَلَا بِرَأْيٍ سَدِيدٍ، وَلَا بِقَوْلٍ مُتَقَدِّمٍ، وَمَا هُمْ بِأَوْلَى مِنْ آخَرَ، قَالَ: بَلْ لَا آخُذُ بِهَا حَتَّى أَجِدَ لَهَا نَظِيرَيْنِ أَوْ مِنْ ثَالِثٍ قَالَ: لَا حَتَّى أَجِدَ لَهَا ثَلَاثَ نَظَائِرَ؟ وَالزِّيَادَةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا عَقْلَ وَلَا حَيَاءَ ثُمَّ نَقَضُوا هَذَا فَجَوَّزُوا صَلَاةَ الْخَوْفِ كَمَا جَوَّزُوهَا، وَلَمْ يَجِدُوا لَهَا فِي الْأُصُولِ نَظِيرًا، فِي أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا مُخْتَارًا لِلْوُقُوفِ، لَا يُصَلِّي بِصَلَاةِ إمَامِهِ، وَلَا يُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ؟ وَجَوَّزُوا الْبِنَاءَ فِي الْحَدَثِ، وَلَمْ يَجِدُوا فِي الْأُصُولِ لَهَا نَظِيرًا، أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاتِهِ بِلَا طَهَارَةٍ، ثُمَّ لَا يَعْمَلُ عَمَلَ صَلَاتِهِ، وَلَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهَا، وَالْقَوْمُ لَا يُبَالُونَ بِمَا قَالُوا؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَقَالَ مَنْ احْتَجَّ لَهُمْ: لَوْ جَهَرَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعُرِفَ بِمَا قَرَأَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا احْتِجَاجٌ فَاسِدٌ، وَقَدْ عُرِفَ مَا قَرَأَ؟
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ هُوَ الرَّازِيّ - ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا ابْنُ نِمْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - سَمِعَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ» .
стр. 1123
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السَّلِيمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ يَزِيدَ أَخْبَرَنِي أَبِي ثنا الْأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً فَجَهَرَ بِهَا» فِي صِفَتِهَا لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَطْعُ عَائِشَةَ، وَعُرْوَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ بِأَنَّهُ ﵇ جَهَرَ فِيهَا -: أَوْلَى مِنْ ظُنُونِ هَؤُلَاءِ الْكَاذِبَةِ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ سُورَةً مِنْ الطُّوَلِ» .
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ سَمُرَةَ رَوَى فَقَالَ: «إنَّهُ ﵇ صَلَّى فِي الْكُسُوفِ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا» ؟
стр. 1124
قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبَّادٍ الْعَبْدِيُّ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَجْهَرْ وَإِنَّمَا فِيهِ «لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا» وَصَدَقَ سَمُرَةُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ، وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعْهُ لَسَمِعَهُ كَمَا سَمِعَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ الَّتِي كَانَتْ قَرِيبًا مِنْ الْقِبْلَةِ فِي حُجْرَتِهَا، وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ
ثُمَّ لَوْ كَانَ فِيهِ " لَمْ يَجْهَرْ " لَكَانَ خَبَرُ عَائِشَةَ زَائِدًا عَلَى مَا فِي خَبَرِ سَمُرَةَ، وَالزَّائِدُ أَوْلَى، أَوْ لَكَانَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزًا لَا يُبْطِلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا نَعْلَمُ اخْتِيَارَ الْمَالِكِيِّينَ رُوِيَ عَمَلُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ بِبَيَانِ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ؟ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ الْأَعْمَالُ صِحَاحًا كُلُّهَا وَإِنَّمَا صَلَّاهَا ﵇ مَرَّةً وَاحِدَةً إذْ مَاتَ إبْرَاهِيمُ؟ قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْكَذِبُ وَالْقَوْلُ بِالْجَهْلِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عُمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي كُسُوفٍ - فِي صِفَةِ زَمْزَمَ - أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ» . فَهَذِهِ صَلَاةُ كُسُوفٍ كَانَتْ بِمَكَّةَ سِوَى الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا رَوَوْا قَطُّ عَنْ أَحَدٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً ".
стр. 1125
وَكُسُوفُ الشَّمْسِ يَكُونُ مُتَوَاتِرًا، بَيْنَ كُلِّ كُسُوفَيْنِ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّةٍ، فَأَيُّ نَكِرَةٍ فِي أَنْ يُصَلِّيَ ﵇ فِيهِ عَشْرَاتٍ مِنْ الْمَرَّاتِ فِي نُبُوَّتِهِ؟ صُورَةُ الْمَرَاصِدِ الْفَلَكِيَّةِ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ
следующие страницы →