Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
أَوْ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَارَ مَعَ مُصَدِّقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَمَدَ رَجُلٌ إلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ. فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا؛ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ خَيْرَ إبِلِي فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا فَخَطَمَ لَهُ أُخْرَى دُونَهَا فَقَبِلَهَا، وَقَالَ: إنِّي لَآخُذُهَا وَأَخَافُ أَنْ يَجِدَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: عَمَدْت إلَى رَجُلٍ فَتَخَيَّرْت عَلَيْهِ إبِلَهُ ".
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ: أُخْبِرْت أَنَّك تَقُولُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي أَبَاهُ - إذَا لَمْ تَجِدُوا السِّنَّ فَقِيمَتُهَا؟ قَالَ: مَا قُلْته قَطُّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عَطَاءٌ: لَا يَخْرُجُ فِي الصَّدَقَةِ صَغِيرٌ وَلَا ذَكَرٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا هَرِمَةٌ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ ذَكَرٌ مَكَانَ أُنْثَى إلَّا ابْنُ لَبُونٍ مَكَانَ ابْنَةِ مَخَاضٍ قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ ذَبَحَ أَوْ نَحَرَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الصَّدَقَةِ ثُمَّ أَعْطَاهُ مُذَكًّى لَمْ يَجُزْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ إعْطَاؤُهُ حَيًّا وَلَا يَقَعُ عَلَى الْمُذْكِي اسْمُ شَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَلَا اسْمُ بَقَرَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَلَا اسْمُ بِنْتِ مَخَاضٍ مُطْلَقَةٍ، وَقَدْ وَجَبَ لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ حَيًّا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُ مَا وَجَبَ لِغَيْرِهِ؟ فَإِذَا قَبَضَهُ أَهْلُهُ أَوْ الْمُصَدِّقُ فَقَدْ أَجْزَأَ، وَجَازَ لِلْمُصَدِّقِ حِينَئِذٍ بَيْعُهُ، إنْ رَأَى ذَلِكَ حَظًّا لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لَهُمْ وَلَيْسُوا قَوْمًا بِأَعْيَانِهِمْ، فَيَجُوزُ حُكْمُهُمْ فِيهِ، أَوْ إبْرَاؤُهُمْ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِمْ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حِقَّتَانِ إلَى أَنْ تَصِيرَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ثَلَاثٌ بَنَاتِ لَبُونٍ وَلَا بُدَّ إلَى أَنْ تَصِيرَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَيَجِبُ فِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ ثُمَّ كُلَّمَا زَادَتْ عَشَرَةً كَانَ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ؟
стр. 1367
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَيَّ الصِّفَتَيْنِ أَدَّى أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إلَى أَنْ تَبْلُغَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ، فَيَجِبُ فِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ، وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَتْ عَشْرًا فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَيْسَ فِيمَا بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَّا حِقَّتَانِ فَقَطْ؛ حَتَّى تُتِمَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَيَجِبُ فِيهَا حِقَّتَانِ وَشَاةٌ إلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَشَاتَانِ، إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَثَلَاثُ شِيَاهٍ؛ إلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَأَرْبَعُ شِيَاهٍ؛ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ؛ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ، إلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ، وَهَكَذَا أَبَدًا، إذَا زَادَتْ عَلَى الْخَمْسِينَ وَمِائَةٍ خَمْسًا فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَشَاةٍ، ثُمَّ كَمَا ذَكَرْنَا؛ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ مَعَ الثَّلَاثِ حِقَاقٍ، إلَى أَنْ تَصِيرَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ وَمِائَةً، فَيَجِبُ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ وَثَلَاثُ حِقَاقٍ؛ إلَى سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ؛ فَإِذَا بَلَغَتْهَا كَانَتْ فِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، إلَى سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ؛ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ، وَكَذَلِكَ إلَى أَنْ تَكُونَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسًا؛ فَإِذَا بَلَغَتْهَا فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ وَشَاةٌ؛ وَهَكَذَا أَبَدًا كُلَّمَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ خَمْسِينَ زَادَ حِقَّةً، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَزْكِيَتَهَا بِالْغَنَمِ، ثُمَّ بِبِنْتِ الْمَخَاضِ ثُمَّ بِبِنْتِ اللَّبُونِ ثُمَّ الْحِقَّةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْحِقَّتَيْنِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ إلَى أَنْ تَصِيرَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِأَنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " إنَّ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي
стр. 1368
كِتَابِ عُمَرَ فِي الصَّدَقَةِ: أَنَّ الْإِبِلَ إذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْعَشْرِ شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً ".
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَجْهُولٌ وَنَحْنُ نَأْتِيهِمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ هُوَ أَبُو كُرَيْبٍ - ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ثنا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ.
هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَهُ فِي الصَّدَقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: أَقْرَأَنِي إيَّاهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ الَّتِي انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَسَالِمُ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ «فِي الْإِبِلِ إذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ إلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا بَلَغَتْهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
وَهَذَا خَيْرٌ مِمَّا أَتَوْنَا بِهِ، وَهَذَا هُوَ كِتَابُ عُمَرَ حَقًّا؛ لَا تِلْكَ الْمَكْذُوبَةُ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا سَحْنُونٌ ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَ فِي الصَّدَقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا وَهِيَ الَّتِي نَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ سَالِمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ أُمِّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَ عُمَّالَهُ بِالْعَمَلِ بِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ الَّذِي أَوْرَدْنَا؟ وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ " فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ "؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهِيَ أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» .
وَكَذَلِكَ صَحَّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ، كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى أَبِي دَاوُد ثنا
стр. 1369
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ ثنا عُبَادٍ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، وَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ «فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ، وَلَوْ صَحَّتْ تِلْكَ الْأَخْبَارُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إلَّا «فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» لَكَانَ هَذَانِ الْخَبَرَانِ الصَّحِيحَانِ زَائِدَيْنِ عَلَيْهَا حُكْمًا فِي أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ؛ فَتِلْكَ غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ زَائِدَانِ عَلَى تِلْكَ؛ فَلَا يَحِلُّ خِلَافُهُمَا، وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُمْ قَالُوا: لِمَا وَجَبَ فِي الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ، ثُمَّ وَجَدْنَا الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا لَا حُكْمَ لَهَا فِي نَفْسِهَا، إذْ كُلُّ أَرْبَعِينَ قَبْلهَا فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ عَلَى قَوْلِكُمْ؛ إذْ تَجْعَلُونَ فِيمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ -: فَإِذَا لَا حُكْمَ لَهَا فِي نَفْسِهَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا - حُكْمٌ فِي غَيْرِهَا، فَكُلُّ زِيَادَةٍ قَبْلَهَا تَنْقُلُ الْفَرْضَ فَلَهَا حِصَّةٌ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَهَذِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا بِكَلَامِ الْمَمْرُورِينَ، أَوْ بِكَلَامِ الْمُسْتَخِفِّينَ بِالدِّينِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِكَلَامِ مَنْ يَعْقِلُ وَيَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ فَاسِدَةٌ، وَلَا أَثَرٌ عَنْ صَاحِبٍ وَلَا تَابِعٍ، وَلَا قِيَاسُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهُ يُفْهَمُ ثُمَّ يُقَالُ: قَدْ كَذَبْتَ فِي وَسْوَاسِك هَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ أَرْبَعِينَ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ لَا تَجِبُ فِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أَصْلًا، وَلَا تَجِبُ فِيهَا مُجْتَمِعَةً ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا حِقَّتَانِ فَقَطْ، حَتَّى إذَا زَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَاحِدَةً فَصَاعِدًا إلَى أَنْ تُتِمَّ ثَلَاثِينَ
стр. 1370
وَمِائَةً فَحِينَئِذٍ وَجَبَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ مَعَ الزِّيَادَةِ الَّتِي زَادَتْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ فَتِلْكَ الزِّيَادَةُ غَيَّرَتْ فَرْضَ مَا قَبْلَهَا، وَصَارَ لَهَا أَيْضًا فِي نَفْسِهَا حِصَّةٌ مِنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؟ وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ ﵇: «فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» فِيمَا زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَوَجَبَ فِي الْمِائَةِ حِينَئِذٍ حِقَّتَانِ وَلَمْ يَجُزْ تَعْطِيلُ النَّيِّفِ وَالْعِشْرِينَ الزَّائِدَةِ فَلَا تُزَكَّى، وَحُكْمُهَا فِي الزَّكَاةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَمُمْكِنٌ إخْرَاجُهَا فِيهِ، فَوَجَبَتْ الثَّلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَبَطَلَ مَا مَوَّهُوا بِهِ وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ إخْرَاجِ حِقَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ بَنَاتِ، لَبُونٍ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلنَّيِّفِ وَالْعِشْرِينَ الزَّائِدَةِ عَلَى الْمِائَةِ؛ فَلَا تَخْرُجُ زَكَاتُهَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ؟ .
وَأَيْضًا: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَجَعَلَ فِيهَا حِقَّتَيْنِ.
بِنَصِّ كَلَامِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي أَوَّلِ كَلَامِنَا فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ وَبَيْنَ حُكْمِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ حُكْمَيْنِ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ مَالِكٍ قَالَ بِهَذَا التَّخْيِيرِ؟ .
وَقَوْلُنَا فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَآلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ؟ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: فَإِنَّهُ احْتَجَّ أَصْحَابُهُ لَهُ بِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ كِتَابًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَتَبَ لِجَدِّهِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ذِكْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَرَائِضِ الْإِبِلِ: «إذَا كَانَتْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهَا حِقَّةٌ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ سِتِّينَ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَفِيهَا جَذَعَةٌ،
стр. 1371
إلَى أَنْ تَبْلُغَ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، فَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى أَنْ تَبْلُغَ تِسْعِينَ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ، إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعُدَّ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ؛ فَمَا فَضَلَ فَإِنَّهُ يُعَادُ إلَى أَوَّلِ فَرِيضَةِ الْإِبِلِ وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ لَيْسَ فِيهَا ذَكَرٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ مِنْ الْغَنَمِ» ثُمَّ خَرَجَ إلَى ذِكْرِ زَكَاةِ الْغَنَمِ؟ وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا فِيهِ وَفِي الْإِبِلِ إذَا كَانَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ ابْنَةُ مَخَاضٍ فِي الْإِبِلِ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ إلَى أَنْ ذَكَرَ التِّسْعِينَ فَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ، فَإِذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَاعْدُدْ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً، وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» .
وَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِبِلِ قَالَ: فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَبِحِسَابِ الْأَوَّلِ، وَتُسْتَأْنَفُ لَهَا الْفَرَائِضُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِقَوْلِهِمْ يَقُولُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ؟ قَالُوا: وَحَدِيثُ عَلِيٍّ هَذَا مُسْنَدٌ؟ وَاحْتَجُّوا بِمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا [الدَّبَرِيُّ] ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو يَعْلَى هُوَ مُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إلَى أَبِي فَشَكَوْا: سُعَاةَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ خُذْ هَذَا الْكِتَابَ فَاذْهَبْ بِهِ إلَى عُثْمَانَ وَقُلْ لَهُ: إنَّ نَاسًا مِنْ
стр. 1372
النَّاسِ شَكَوْا سُعَاتَك، وَهَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَرَائِضِ: فَأْمُرْهُمْ فَلْيَأْخُذُوا بِهِ؟ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ بِالْكِتَابِ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ فَقُلْت: إنَّ أَبِي أَرْسَلَنِي إلَيْك، وَذَكَرَ أَنَّ نَاسًا مِنْ النَّاسِ شَكَوْا سُعَاتَك، وَهَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَرَائِضِ، فَمُرْهُمْ فَلْيَأْخُذُوا بِهِ؟ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي كِتَابِك؛ فَرَجَعْتُ إلَى أَبِي فَأَخْبَرْته؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَا عَلَيْك، أُرْدِدْ الْكِتَابَ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ ذَاكِرًا عُثْمَانَ بِشَيْءٍ لَذَكَرَهُ بِسُوءٍ؛ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْكِتَابِ مَا كَانَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ.
قَالُوا: فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُظَنَّ بِعَلِيٍّ ﵁ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِغَيْرِ مَا فِي كِتَابِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَادَّعَوْا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَابْنِ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُمَوِّهَ بِهِ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، أَوْ مَنْ لَا تَقْوَى لَهُ، وَأَمَّا الْهَذَرُ وَالتَّخْلِيطُ فَلَا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْقُوَّةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا أَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: فَمُرْسَلَانِ لَا تَقُومُ بِهِمَا حُجَّةٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِمَا مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا أَمَّا طَرِيقُ مَعْمَرٍ فَإِنَّ الَّذِي فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَفِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ " فَإِنَّمَا هُوَ حُكْمُ ابْتِدَاءِ فَرَائِضِ الْإِبِلِ.
وَلَمْ يَسْتَحْيِ عَمِيدٌ مِنْ عُمُدِهِمْ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ جِهَارًا -: إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ فِي أَوَّلِهِ ذِكْرُ تَزْكِيَةِ الْإِبِلِ بِالْغَنَمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ كَرَّرَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ كَذَبَ فِي هَذَا عَلَانِيَةً وَأَعْمَاهُ الْهَوَى وَأَصَمَّهُ وَلَمْ يَسْتَحِي وَمَا ذَكَرَ مَعْمَرٌ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ فِي فَرَائِضِ الْإِبِلِ إلَّا كَمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ حُكْمِ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ فَصَاعِدًا وَذَكَرَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ حُكْمَ تَزْكِيَتِهَا بِالْغَنَمِ إذْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَوَّلًا؟ وَالْمَوْضُوعُ الثَّانِي: أَنَّهُ جَاهَرَ بِالْكَذِبِ، فَقَالَ: " مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ " وَهَذَا كَذِبٌ، مَا رَوَاهُ ذَلِكَ مَعْمَرٌ إلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَطْ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُ هَذَا لَمَا أَخْرُجهُ عَنْ الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو
стр. 1373
لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ ﷺ . ثُمَّ عَجَبٌ آخَرُ وَهُوَ احْتِجَاجُهُ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِمَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ يُخَالِفُهُمَا فِيمَا فِيهِمَا مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ تُوجَدْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ أَفَلَا يَعُوقُ الْمَرْءَ مُسَكَةٌ مِنْ الْحَيَاءِ عَنْ مِثْلِ هَذَا؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ زَادُوا كَذِبًا وَجُرْأَةً وَفُحْشًا فَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: «إنْ لَمْ تُوجَدْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» إنَّمَا أَرَادَ بِقِيمَةِ بِنْتِ مَخَاضٍ؟ وَهَذَا كَذِبٌ بَارِدٌ سَمْجٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: مَا أَرَادَ إلَّا ابْنَ لَبُونٍ أَصْهَبَ، أَوْ فِي أَرْضِ نَجْدٍ خَاصَّةً وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَصْلًا أَنْ يُرِيدَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعَوِّضَ مِمَّا عُدِمَ بِالْقِيمَةِ وَيَقْتَصِرُ عَلَى ذِكْرِ ابْنِ لَبُونٍ ذَكَرٌ أَيْضًا خَاصَّةً وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي تَقْوِيلِهِمْ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ وَإِحَالَةِ كَلَامِهِ إلَى الْهَوَسِ وَالْغَثَاثَةِ وَالتَّلْبِيسِ وَلَا يَسْتَجِيزُونَ إحَالَةَ لَفْظَةٍ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ مُقْتَضَاهَا وَاَللَّهُ لَا فَعَلَ هَذَا مَوْثُوقٌ بِعَقْدِهِ وَلَقَدْ صَدَقَ الْأَئِمَّةُ الْقَائِلُونَ: إنَّهُمْ يَكِيدُونَ الْإِسْلَامَ وَيُقَالُ لَهُمْ: هَلَّا حَمَلْتُمْ مَا أَخَذْتُمْ بِهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ مِمَّا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ أَنَّ جُعْلَ الْآبِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا -: عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ قِيمَةَ تَعَبِ ذَلِكَ الَّذِي رَدَّ ذَلِكَ الْآبِقَ فَقَطْ؟ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ أَوْلَى وَأَصَحَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى إيجَابِ شَرِيعَةٍ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ .
كَمَا لَمْ يَتَعَدَّوْا قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ عَلَى بَيْتٍ وَخَادِمٍ أَنَّ الْبَيْتَ خَمْسُونَ
стр. 1374
دِينَارًا وَالْعَبْدَ أَرْبَعُونَ دِينَارًا؛ فَتَوَقَّوْا مُخَالَفَةَ خَطَأِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّقْوِيمِ، وَلَمْ يُبَالُوا بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْكَذِبِ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُمْ حَدُّهُ عَلَى التَّقْوِيمِ وَأَيْضًا - فَإِنَّنَا قَدْ أَوْجَدْنَاهُمْ مَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ قَالَ: ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَابُلِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ثنا أَبِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ ابْنَيْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ جَدِّهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَتَبَ هَذَا الْكِتَابَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ أَمَّرَهُ الْيَمَنَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ، فَذَكَرُهُ، «فَإِذَا بَلَغَتْ الذَّهَبَ قِيمَةَ مِائَتِي دِرْهَمٍ فَفِي قِيمَةِ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ حِينَ تَبْلُغُ أَرْبَعِينَ دِينَارًا» .
فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ تَكُونَ صَحِيفَةُ ابْنِ حَزْمٍ بَعْضُهَا حُجَّةٌ وَبَعْضُهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهَذِهِ صِفَةُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠] .
وَأَمَّا طَرِيقُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَمُرْسَلَةٌ أَيْضًا، وَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي طَرِيقِ مَعْمَرٍ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّا جَمِيعًا لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِمَا حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا مَا قَالُوا بِهِ أَصْلًا، لِأَنَّ نَصَّ رِوَايَةِ حَمَّادٍ " إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعُدَّ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً، فَمَا فَضَلَ فَإِنَّهُ يُعَادُ إلَى أَوَّلِ فَرِيضَةِ الْإِبِلِ " هَذَا عَلَى أَنْ تُعَادَ فِيهِ الزَّكَاةُ بِالْغَنَمِ كَمَا ادَّعَوْا؟ وَيَحْتَمِلُ هَذَا اللَّفْظُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الْحُكْمَ إلَى أَوَّلِ فَرِيضَةِ الْإِبِلِ فِي أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لِأَنَّ فِي أَوَّلِ فَرِيضَةِ الْإِبِلِ أَنَّ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي ثَمَانِينَ بِنْتَيْ لَبُونٍ؛ فَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِهِمْ الْكَاذِبِ الْفَاسِدِ الْمُسْتَحِيلِ.
وَأَمَّا حَمْلُهُمْ مَا رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُسْنَدُ احْتِجَاجِهِمْ فِي ذَلِكَ بِوُجُوبِ حُسْنِ الظَّنِّ بِعَلِيٍّ ﵁ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ يُحَدِّثُ بِغَيْرِ مَا عِنْدَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَقَوْلُ لَعَمْرِي صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلِيٌّ بِأَوْلَى بِحُسْنِ الظَّنِّ مِنَّا مِنْ عُثْمَانَ ﵄ مَعًا، وَالْفَرْضُ عَلَيْنَا حُسْنُ الظَّنِّ بِهِمَا، وَإِلَّا فَقَدْ سَلَكُوا سَبِيلَ إخْوَانِهِمْ مِنْ الرَّوَافِضِ
стр. 1375
وَنَحْنُ نَقُولُ: كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِعَلِيٍّ ﵁ فِي أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ يُحَدِّثُ بِغَيْرِ مَا عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ يَتَعَمَّدُ خِلَافَ رِوَايَتِهِ عَنْهُ ﵇: فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِعُثْمَانَ ﵁؛ فَيُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ؛ لَوْلَا أَنَّ عُثْمَانَ عَلِمَ أَنَّ مَا فِي كِتَابِ عَلِيٍّ مَنْسُوخٌ مَا رَدَّهُ، وَلَا أَعْرَضَ عَنْهُ، لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ الْكِتَابُ عِنْدَ عَلِيٍّ وَلَمْ يَعْلَمْ بِنَسْخِهِ، وَكَانَ عِنْدَ عُثْمَانَ نَسْخُهُ فَنُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِمَا جَمِيعًا كَمَا يَلْزَمُنَا، وَلَيْسَ إحْسَانُ الظَّنِّ بِعَلِيٍّ وَإِسَاءَتُهُ بِعُثْمَانَ بِأَبْعَدَ مِنْ الضَّلَالِ مِنْ إحْسَانِ الظَّنِّ بِعُثْمَانَ وَإِسَاءَتِهِ بِعَلِيٍّ.
فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْكِتَابُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا رَدَّهُ عُثْمَانُ، وَلَا إحْدَى السَّيِّئَتَيْنِ بِأَسْهَلَ مِنْ الْأُخْرَى وَأَمَّا نَحْنُ فَنُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِمَا ﵄، وَلَا نَسْتَسْهِلُ الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَنْ نَنْسُبَ إلَيْهِ الْقَوْلَ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ فَنَتَبَوَّأَ مَقَاعِدَنَا مِنْ النَّارِ كَمَا تَبَوَّأَهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ بَلْ [نُقِرُّ] قَوْلَ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مَقَرَّهُمَا؛ فَلَيْسَا حُجَّةً دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكِنَّهُمَا إمَامَانِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَغْفُورٌ لَهُمَا، غَيْرُ مُبْعَدِينَ مِنْ الْوَهْمِ، وَنَرْجِعُ إلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَأْخُذُ بِالثَّابِتِ عَنْهُ وَنَطْرَحُ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ؟ ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: هَبْكُمْ أَنَّ كِتَابَ عَلِيٍّ مُسْنَدٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ - فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا تَقُولُونَ؛ بَلْ تُمَوِّهُونَ -: وَإِنَّمَا فِيهِ «فِي الْإِبِلِ إذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَبِحِسَابِ الْأَوَّلِ وَتُسْتَأْنَفُ لَهَا الْفَرَائِضُ» وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ زَكَاةَ الْغَنَمِ تَعُودُ فِيهَا، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ هَذَا أَنْ تَعُودَ إلَى حِسَابِهَا الْأَوَّلِ وَتُسْتَأْنَفَ لَهَا الْفَرَائِضُ؛ فَتَرْجِعَ إلَى أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، كَمَا فِي أَوَّلِهَا: فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ.
وَفِي ثَمَانِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِكُمْ الْكَاذِبِ؟ ثُمَّ نَقُولُ: هَبْكُمْ أَنَّهُ مُسْنَدٌ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَأَنَّ فِيهِ نَصَّ مَا قُلْتُمْ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - فَاسْمَعُوهُ بِكَمَالِهِ؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا مُفَرِّجٌ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فِي خَمْسٍ مِنْ
стр. 1376
الْإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسُ شِيَاهٍ، وَفِي سِتٍّ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ - أَوْ قَالَ: الْجَمَلِ - حَتَّى تَبْلُغَ سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ، وَاحِدَةً فَفِيهَا جَذَعَةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي الْوَرِقِ - إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ - فِي كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، خَمْسَةُ دَرَاهِمَ. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ مِائَتَيْنِ شَيْءٌ، فَإِنْ زَادَتْ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ؛ وَقَدْ عَفَوْت عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ؟
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ سِنًّا فَوْقَ سِنٍّ رَدَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَيْنِ؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: وَإِذَا زَادَتْ الْإِبِلُ عَلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، إذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ بِنْتَ لَبُونٍ مَكَانَ ابْنِ لَبُونٍ رَدَّ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَيْنِ لَيْسَ فِي الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، فَإِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَفِي كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةٌ، فَمَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ؛ فِي أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، فَمَا نَقَصَ فَبِالْحِسَابِ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ، وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسٌ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ، ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ؛ إنْ أَخَذَ الْمُصَدِّقُ سِنًّا فَوْقَ سِنٍّ رَدَّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَاتَيْنِ، أَوْ أَخَذَ سِنًّا دُونَ سِنٍّ أَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: مَعْمَرٌ، وَسُفْيَانُ،
стр. 1377
وَشُعْبَةُ: مُتَّفِقُونَ كُلُّهُمْ، رَوَاهُ عَنْ سُفْيَان: وَكِيعٌ، وَرَوَاهُ عَنْ شُعْبَةَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَرَوَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ؟ وَاَلَّذِي مَوَّهُوا بِطَرْفٍ، مِمَّا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ خَاصَّةً: لَيْسَ أَيْضًا مُوَافِقًا لِقَوْلِهِمْ كَمَا أَوْرَدْنَا، فَادَّعَوْا فِي خَبَرِ عَلِيٍّ مَا لَيْسَ فِيهِ عَنْهُ أَثَرٌ، وَلَا جَاءَ قَطُّ عَنْهُ وَخَالَفُوا ذَلِكَ الْخَبَرَ نَفْسَهُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا مِمَّا فِيهِ نَصًّا، وَهِيَ -: قَوْلُهُ: «فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ خَمْسُ شِيَاهٍ» .
وَقَوْلُهُ: بِتَعْوِيضِ ابْنِ لَبُونٍ مَكَانَ ابْنَةِ مَخَاضٍ فَقَطْ؟ وَقَوْلُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونِ» .
وَإِسْقَاطُهُ ذِكْرَ عَوْدَةِ فَرَائِضِ الْغَنَمِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ؟ «وَقَوْلُهُ فِيمَنْ أَخَذَ سِنًّا فَوْقَ سِنٍّ رَدَّ شَاتَيْنِ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِيمَنْ أَخَذَ بِنْتَ لَبُونٍ مَكَانَ ابْنَةِ مَخَاضٍ إنْ لَمْ يُوجَدْ ابْنُ لَبُونٍ؟ «وَقَوْلُهُ فِيمَنْ أَخَذَ سِنًّا دُونَ سِنٍّ أَخَذَ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ» .
وَقَوْلُهُ: «لَيْسَ فِي الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» وَلَمْ يَخُصَّ؛ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ جِنْسِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ؟ وَقَوْلُهُ: «فِي مِائَتَيْنِ مِنْ الْوَرِقِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِالْحِسَابِ» وَلَمْ يَجْعَلْ فِي ذَلِكَ وَقْصًا، كَمَا يَزْعُمُونَ بِرَأْيِهِمْ وَقَوْلُهُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ مِائَتَيْنِ مِنْ الْوَرِقِ زَكَاةٌ» وَهُمْ يُزَكُّونَ مَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ إذَا كَانَ مَعَ مَالِكِهَا ذَهَبٌ إذَا جَمَعَ إلَى الْوَرِقِ سَاوَيَا جَمِيعًا مِائَتِي دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا.
وَمِنْهَا عَفُوُّهُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَمِنْهَا عَفُوُّهُ عَنْ صَدَقَةِ الرَّقِيقِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؟ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: «فِي أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ، فَمَا نَقَصَ فَبِالْحِسَابِ» وَلَمْ يَجْعَلْ فِي ذَلِكَ وَقْصًا؟ أَفَيَكُونُ أَعْجَبَ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِرِوَايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ لَا بَيَانَ فِيهَا لِقَوْلِهِمْ، لَكِنْ بِظَنٍّ
стр. 1378
كَاذِبٍ، وَيَتَحَيَّلُونَ فِي أَنَّهَا مُسْنَدَةٌ بِالْقَطْعِ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ الْمُفْتَرَى -: وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا تِلْكَ الرِّوَايَةَ نَفْسَهَا بِتِلْكَ الطَّرِيقِ، وَمَعَهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا فِي اثْنَيْ عَشْرَ مَوْضِعًا مِنْهَا، كُلُّهَا نُصُوصٌ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ؟ هَذَا أَمْرٌ مَا نَدْرِي فِي أَيِّ دِينٍ أَمْ فِي أَيِّ عَقْلٍ وَجَدُوا مَا يُسَهِّلُهُ عَلَيْهِمْ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِصَحِيفَةِ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَبِصَحِيفَةِ حَمَّادٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، وَهُمَا مُرْسَلَتَانِ، وَحَدِيثٍ مَوْقُوفٍ عَلَى عَلِيٍّ وَلَيْسَ فِي كُلِّ ذَلِكَ نَصٌّ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ، وَلَا دَلِيلَ ظَاهِرٌ -: ثُمَّ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ أَنْ يَعِيبُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا بِالْإِرْسَالِ الْحَدِيثَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ الْمُسْنَدَيْنِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى كِلَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى، سَمِعَاهُ مِنْهُ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، سَمِعَهُ مِنْهُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، سَمِعَهُ مِنْهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ سَمِعَهُ مِنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى هَكَذَا نَصًّا وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا ابْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيِّ ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ إلَى عُمَّالِهِ حَتَّى قُبِضَ، فَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ، فَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ عُمَرُ حَتَّى قُبِضَ، فَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ابْنَةُ مَخَاضٍ، إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ: إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ، إلَى سِتِّينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا جَذَعَةٌ، إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ، إلَى تِسْعِينَ: فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ، إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ؟»
فَقَالُوا: إنَّ أَصْلَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْإِرْسَالُ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ
стр. 1379
يَحْتَجُّوا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَيُصَحِّحُونَهُمَا، إذَا وَجَدُوا فِيهِمَا مَا يُوَافِقُ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيُحِلُّونَهُ طَوْرًا وَيُحَرِّمُونَهُ طَوْرًا وَاعْتَرَضُوا فِيهِمَا بِأَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَهُمَا وَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ فِي صَحِيفَةِ ابْنِ حَزْمٍ، وَحَدِيثِ عَلِيٍّ؟ مَا نَرَاهُ اسْتَجَازَ الْكَلَامَ بِذِكْرِهِمَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَشْتَغِلَ بِتَضْعِيفِهِمَا؟ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ بَعْضَ مُقَدِّمِيهِمْ - الْمُتَأَخِّرِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى - قَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ حَقًّا لَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى عُمَّالِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْلُ الرَّوَافِضِ فِي الطَّعْنِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ فِي الْعَمَلِ بِهِ: نَعَمْ، وَعَلَى النَّبِيِّ ﷺ إذْ نُسِبَتْ إلَيْهِ كُتُبُ الْبَاطِلِ وَقَرَنَهُ بِسَيْفِهِ ثُمَّ كَتَمَهُ، وَعَمِلَ بِهِ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ؛ فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ وَقَدْ خَالَفُوا فِي هَذَا الْمَكَانِ النُّصُوصَ وَالْقِيَاسَ؟ فَهَلْ وَجَدُوا فَرِيضَةً تَعُودُ بَعْدَ سُقُوطِهَا؟ وَهَلْ وَجَدُوا فِي أَوْقَاصِ الْإِبِلِ وَقْصًا مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ؟ إذْ لَمْ يَجْعَلُوا بَعْدَ الْإِحْدَى وَالتِّسْعِينَ حُكْمًا زَائِدًا إلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَهَلْ وَجَدُوا فِي شَيْءٍ مِنْ الْإِبِلِ حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي إبِلٍ وَاحِدَةٍ، بَعْضُهَا يُزَكَّى بِالْإِبِلِ وَبَعْضُهَا يُزَكَّى بِالْغَنَمِ؟ وَهُمْ يُنْكِرُونَ أَخْذَ زَكَاةٍ عَمَّا أُصِيبَ فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذُوا حِقَّيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَالٍ وَاحِدٍ وَهُمْ قَدْ جَعَلُوا هَاهُنَا -: بِرَأْيِهِمْ الْفَاسِدِ - فِي مَالٍ وَاحِدٍ حِقَّيْنِ: أَحَدُهُمَا إبِلٌ؛ وَالثَّانِي غَنَمٌ؟ وَهَلَّا إذْ رَدُّوا الْغَنَمَ وَبِنْتَ الْمَخَاضِ بَعْدَ إسْقَاطِهِمَا رَدُّوا أَيْضًا فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ زَائِدَةً عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ بِنْتَ اللَّبُونِ؟ فَإِنْ قَالُوا: مَنَعَنَا مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: «فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ» .
قِيلَ لَهُمْ: فَهَلَّا مَنَعَكُمْ مِنْ رَدِّ الْغَنَمِ قَوْلُهُ ﵇: «وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ» ؟
стр. 1380
فَظَهَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ وَقَالُوا فِي الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «لَيْسَ فِيمَا بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ شَيْءٌ إلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ» إنَّهُ يُعَارِضُ سَائِرَ الْأَخْبَارِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ هَذَا فَأَوَّلُ مَا يُعَارَضُ فَصَحِيفَةُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِيمَا يَظُنُّهُ فِيهِمَا؛ فَسَقَطَ تَمْوِيهُهُمْ كُلُّهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٍّ؛ وَابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَقَدْ كَذَبُوا جِهَارًا؟ فَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ الثَّابِتَةَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ بِمَا ادَّعَوْهُ عَلَيْهِ بِالتَّمْوِيهِ الْكَاذِبِ وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَلَا يَجِدُونَهُ عَنْهُ أَصْلًا، إمَّا ثَابِتٌ فَنَقْطَعُ بِذَلِكَ قَطْعًا؛ وَإِمَّا رِوَايَةٌ سَاقِطَةٌ فَبَعِيدٌ عَلَيْهِمْ وُجُودُهَا أَيْضًا، وَإِمَّا مَوْضُوعَةٌ مِنْ عَمَلِ الْوَقْتِ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنَّهَا لَا تُنْفَقُ فِي سُوقِ الْعِلْمِ؟ وَأَمَّا عُمَرُ ﵁ فَالثَّابِتُ عَنْهُ كَالشَّمْسِ خِلَافُ قَوْلِهِمْ، وَمُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِ خِلَافِ ذَلِكَ عَنْهُ، إلَّا إنْ صَاغُوهُ لِلْوَقْتِ.
حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْإِبِلِ فِي خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ وَفِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ، إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، إلَى سِتِّينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا جَذَعَةٌ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ؛ فَإِنْ زَادَتْ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ؟
стр. 1381
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ هُوَ أَبُو كُرَيْبٍ - ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: هَذِهِ نُسْخَةُ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَتَبَهُ فِي الصَّدَقَةِ، وَهِيَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَقْرَأَنِيهَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَوَعَيْتُهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ الَّتِي انْتَسَخَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَسَالِمُ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «إذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَةُ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَخَمْسِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ سِتِّينَ وَمِائَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا كَانَتْ سَبْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ ثَمَانِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ؛ أَيُّ السِّنِينَ وُجِدَتْ أُخِذَتْ وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ» فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، هُوَ قَوْلُنَا نَفْسُهُ، مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ تَعَلُّلُهُمْ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ؟ قَالَ عَلِيٌّ:
وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهَا
ثُمَّ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ تَصْحِيحِهِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ مُوهِمِينَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِرَأْيِهِمْ فِي أَنْ لَا زَكَاةَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ؟ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ، وَخِلَافِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِلسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ ﵃ دُونَ أَنْ
стр. 1382
يَتَعَلَّقُوا بِرِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ، إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
[مَسْأَلَةٌ يُعْطِي الْمُصَدِّقُ الشَّاتَيْنِ مِمَّا أَخَذَ مِنْ صَدَقَةِ الْغَنَمِ]
٦٧٥ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُعْطِي الْمُصَدِّقُ، الشَّاتَيْنِ أَوْ الْعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِمَّا أَخَذَ مِنْ صَدَقَةِ الْغَنَمِ، أَوْ يَبِيعَ مِنْ الْإِبِلِ، لِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ يَأْخُذُ ذَلِكَ؛ فَمِنْ مَالِهِمْ يُؤَدِّيه؟ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّقَاصُّ، وَهُوَ: أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِنْتَا لَبُونٍ فَلَا يَجِدُهُمَا عِنْدَهُ، وَيَجِدُ عِنْدَهُ حِقَّةً وَبِنْتَ مَخَاضٍ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُمَا وَيُعْطِيه شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَيَأْخُذ مِنْهُ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلَا بُدَّ، وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ ثُمَّ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ، أَوْ يُعْطِيَهُ ثُمَّ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْفَى وَاسْتَوْفَى وَأَمَّا التَّقَاصُّ - بِأَنْ يَتْرُكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ - فَهُوَ تَرْكٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ وَجَبَ لَمْ يُقْبَضْ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ إبْرَاءُ الْمُصَدِّقِ مِنْ حَقِّ أَهْلِ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاةُ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي الْإِبِلِ]
٦٧٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالزَّكَاةُ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، بِخِلَافِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَصْنَافَ إذَا زُكِّيَتْ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا، وَإِنَّمَا تُزَكَّى عِنْدَ تَصْفِيَتِهَا، وَكَيْلِهَا، وَيُبْسِ التَّمْرِ، وَكَيْلِهِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، إلَّا فِي الْحُلِيِّ وَالْعَوَامِلِ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْرِجُ الْمُصَدِّقِينَ كُلَّ سَنَةٍ؟
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الْإِبِلِ بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ]
٦٧٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ، فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ، وَلَا حُكْمَ فِي ذَلِكَ لِمَجِيءِ السَّاعِي - وَهُوَ الْمُصَدِّقُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا بِمَجِيءِ الْمُصَدِّقِ؟ ثُمَّ تَنَاقَضُوا فَقَالُوا: إنْ أَبْطَأَ الْمُصَدِّقُ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ بِذَلِكَ؛ وَوَجَبَ أَخْذُهَا لِكُلِّ عَامٍ خَلَا وَهَذَا إبْطَالُ قَوْلِهِمْ فِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا بِمَجِيءِ السَّاعِي، وَإِنَّمَا السَّاعِي وَكِيلٌ مَأْمُورٌ بِقَبْضِ مَا وَجَبَ؛ لَا يَقْبِضُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَلَا بِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ؟
стр. 1383
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ - وَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ - فِي أَنَّ الْمُصَدِّقَ لَوْ - جَاءَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ لَمَا جَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا شَيْئًا، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِمَجِيءِ السَّاعِي؟ وَلَا يَخْلُو السَّاعِي مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعَثَهُ الْإِمَامُ الْوَاجِبَةُ طَاعَتُهُ، أَوْ أَمِيرُهُ، أَوْ بَعَثَهُ مَنْ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ، فَإِنْ بَعَثَهُ مَنْ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فَلَيْسَ هُوَ الْمَأْمُورُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ ﵇ بِقَبْضِ الزَّكَاةِ، فَإِذْ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُ مَا قَبَضَ، وَالزَّكَاةُ بَاقِيَةٌ وَعَلَى صَاحِبِ الْمَالِ أَدَاؤُهَا وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ مَظْلِمَةٌ لَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ.
وَإِنْ كَانَ بَعَثَهُ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاعِثُهُ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، أَوْ لَا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، فَإِنْ كَانَ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَّا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ فَمَنْ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ فَقَدْ تَعَدَّى، وَالتَّعَدِّي مَرْدُودٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
[زَكَاةُ السَّائِمَةِ وَغَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ الْمَاشِيَةِ]
٦٧٨ - مَسْأَلَةٌ:
قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: تُزَكَّى السَّوَائِمُ، وَالْمَعْلُوفَةُ، وَالْمُتَّخَذَةُ لِلرُّكُوبِ، وَلِلْحَرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ؟ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَمَّا الْإِبِلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ فَلَا زَكَاةَ إلَّا فِي سَائِمَتِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا الْإِبِلُ، وَالْغَنَمُ فَتُزَكَّى سَائِمَتُهَا وَغَيْرُ سَائِمَتِهَا، وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد ﵀؟ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ سَائِمَةَ الْإِبِلِ وَغَيْرَ السَّائِمَةِ مِنْهَا تُزَكَّى سَوَاءٌ سَوَاءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا زَكَاةَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ:
стр. 1384
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُزَكَّى غَيْرُ السَّائِمَةِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الدَّهْرِ، ثُمَّ لَا تَعُودُ الزَّكَاةُ فِيهَا.
فَاحْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، بِأَنْ قَالُوا: قَوْلُنَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَغَيْرِهِمْ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيق سُفْيَان، وَمَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ: لَيْسَ عَلَى عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا قَوْلَ عُمَرَ ﵁: فِي أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةُ شَاةٍ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَعَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: لَيْسَ عَلَى عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: لَا صَدَقَةَ فِي الْمُثِيرَةِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ؟ وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: لَا صَدَقَةَ فِي الْحُمُولَةِ، وَالْمُثِيرَةِ؟ وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ وَالْحُمُولَةُ: هِيَ الْإِبِلُ الْحَمَّالَةُ، وَالْمُثِيرَةُ بَقَرُ الْحَرْثِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَيْسَ عَلَى ثَوْرٍ عَامِلٍ وَلَا عَلَى جَمَلِ ظَعِينَةٍ صَدَقَةٌ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: لَيْسَ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ صَدَقَةٌ؟ وَعَنْ مُجَاهِدٍ: مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فِي مِصْرٍ يَحْلِبُهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَا صَدَقَةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ؟ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ: لَيْسَ فِي السَّوَانِي مِنْ الْبَقَرِ، وَبَقَرِ الْحَرْثِ صَدَقَةٌ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا مِنْ الْبَقَرِ الصَّدَقَةُ كَصَدَقَةِ الْإِبِلِ، وَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي عَوَامِلِ الْإِبِلِ؟ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَيْسَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ؟ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ وَالْإِبِلِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ.
стр. 1385
وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْحَرْثِ صَدَقَةٌ؟ وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ. لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ: لَيْسَ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ، وَالْإِبِلِ صَدَقَةٌ، إلَّا فِي السَّوَائِمِ خَاصَّةً؟ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ؟ وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَالضَّحَّاكِ؟ وَعَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ: لَيْسَ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا زَكَاةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ، وَأَوْجَبَهَا فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْغَنَمِ الْمُتَّخَذَةِ لِلذَّبْحِ - وَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ، فَعَجِبَ، وَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَغَيْرِهِ وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ الْعَوَامِلِ؟ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْأَنْصَارِيِّ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ غَنَمٍ، وَبَقَرٍ، وَإِبِلٍ، سَائِمَةٍ؛ أَوْ غَيْرِ سَائِمَةٍ؟ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ﵇ كَلَامًا لَا فَائِدَة فِيهِ؛ فَدَلَّ أَنَّ غَيْرَ السَّائِمَةِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: " فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ " قَالُوا: فَقِسْنَا سَائِمَةَ الْبَقَرِ عَلَى ذَلِكَ؟ وَقَالُوا: إنَّمَا جُعِلَتْ الزَّكَاةُ فِيمَا فِيهِ النَّمَاءُ؛ وَأَمَّا فِيمَا فِيهِ الْكُلْفَةُ فَلَا، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا شَغَبُوا بِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا؟ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِي تَخْصِيصِ عَوَامِلِ الْبَقَرِ خَاصَّةً بِأَنَّ الْأَخْبَارَ فِي الْبَقَرِ لَمْ تَصِحَّ؛
стр. 1386
فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا إلَّا حَيْثُ اُجْتُمِعَ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا؛ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ؟ وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ بِأَنْ قَالَ: قَدْ صَحَّتْ الزَّكَاةُ فِيهَا بِالنَّصِّ الْمُجْمَلِ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنْ تُكَرَّرَ الزَّكَاةُ فِيهَا فِي كُلِّ عَامٍ، فَوَجَبَ تَكَرُّرُ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ؛ وَلَمْ يَجِبْ التَّكْرَارُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا بِإِجْمَاعٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا حُجَّةُ مَنْ احْتَجَّ بِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ؛ وَبِأَنَّهُ قَوْلُ أَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ -: فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ نَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ نَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، إذْ قَالُوا بِزَكَاةِ خَمْسِينَ بَقَرَةً بِبَقَرَةٍ وَرُبُعٍ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَتَقْسِيمِهِمْ فِي الْمَيْتَاتِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ فَتَمُوتُ فِيهِ، فَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَسَّمَهُ قَبْلَهُمْ، وَتَقْدِيرِهِمْ الْمَسْحَ فِي الرَّأْسِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مَرَّةً وَبِرُبُعِ الرَّأْسِ مَرَّةَ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْهَوَسُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ، وَلَوَدِدْنَا أَنْ نَعْرِفَ بِأَيِّ الْأَصَابِعِ هِيَ؟ أَمْ بِأَيِّ خَيْطٍ يُقَدَّرُ رُبُعُ الرَّأْسِ؟ وَإِجَازَتِهِمْ الِاسْتِنْجَاءَ بِالرَّوْثِ؛ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا أَجَازَهُ قَبْلَهُمْ، وَتَقْسِيمِهِمْ فِيمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْجَوْفِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ، وَقَوْلِهِمْ فِي صِفَةِ صَدَقَةِ الْخَيْلِ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا؛ وَخِلَافِهِمْ لِكُلِّ رِوَايَةٍ جَاءَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَخِلَافِهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو حَثْمَةَ، وَابْنَهُ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ فِي تَرْكِ مَا يَأْكُلُهُ الْمَخْرُوصُ عَلَيْهِ مِنْ التَّمْرِ، وَمَعَهُمْ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ بِيَقِينٍ، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ - وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا وَكَذَلِكَ نَسِيَ الشَّافِعِيُّونَ أَنْفُسَهُمْ فِي تَقْسِيمِهِمْ مَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ، وَتَحْدِيدِهِمْ مَا يَنْجَسُ مِنْ الْمَاءِ مِمَّا لَا يَنْجَسُ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ وَمَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ، وَخِلَافُهُمْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
стр. 1387
فِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ وَبِالْعَيْنِ أَنَّهُ يُزَكَّى عَلَى الْأَغْلَبِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا لَهُمْ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ مِنْ ذِكْرِ السَّائِمَةِ، فَنَعَمْ، صَحَّ هَذَا اللَّفْظُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي الْغَنَمِ خَاصَّةً؟ فَلَوْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُ هَذَا الْخَبَرِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُزَكَّى غَيْرُ السَّائِمَةِ؛ لَكِنْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلَ - إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ جُمْلَةً، فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ، وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا.
وَأَمَّا الْخَبَرُ فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي خَبَرِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ فَقَطْ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ زِيَادَةَ حُكْمٍ عَلَيْهِ وَالزِّيَادَةُ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠] فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ؟
стр. 1388
وَهَلَّا اسْتَعْمَلَ الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ هَذَا الْعَمَلَ حَيْثُ كَانَ يَلْزَمُهُمْ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَقَالُوا: وَكَذَلِكَ مَنْ قَتَلَهُ مُخْطِئًا؟ وَلَعَمْرِي إنَّ قِيَاسَ غَيْرِ السَّائِمَةِ عَلَى السَّائِمَةِ لَأَشْبَهَ مِنْ قِيَاسِ قَاتِلِ الْخَطَأِ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ وَحَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقَالُوا: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حُجُورِنَا وَمِثْل هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا، لَا يَتَثَقَّفُونَ فِيهِ إلَى أَصْلٍ فَمَرَّةٌ يَمْنَعُونَ مَنْ تَعَدَّى مَا فِي النَّصِّ حَيْثُ جَاءَ نَصٌّ آخَرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ، وَمَرَّةٌ يَتَعَدَّوْنَ النَّصَّ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ فَهُمْ أَبَدًا يَعْكِسُونَ الْحَقَائِقَ.
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِجَمِيعِ النُّصُوصِ، وَلَمْ يَتْرُكُوا بَعْضَهَا لِبَعْضِ، وَلَمْ يَتَعَدَّوْهَا إلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ -: لَكَانَ أَسْلَمَ لَهُمْ مِنْ النَّارِ وَالْعَارِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا فِيهِ النَّمَاءُ؛ فَبَاطِلٌ، وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلَا تَنْمِي أَصْلًا، وَلَيْسَتْ فِي الْحَمِيرِ، وَهِيَ تَنْمِي، وَلَا فِي الْخَضَرِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَهِيَ تَنْمِي؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَوَامِلَ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْإِبِلِ تَنْمِي أَعْمَالُهَا وَكِرَاؤُهَا، وَتَنْمِي بِالْوِلَادَةِ أَيْضًا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَهَا مُؤْنَةٌ فِي الْعَلَفِ؟ قُلْنَا: وَلِلسَّائِمَةِ مُؤْنَةُ الرَّاعِي وَأَنْتُمْ لَا تَلْتَفِتُونَ إلَى عَظِيمِ الْمُؤْنَةِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْحَرْثِ، وَإِنْ اسْتَوْعَبَتْهُ كُلَّهُ؛ بَلْ تَرَوْنَ الزَّكَاةَ فِيهِ، وَلَا تُرَاعُونَ الْخَسَارَةَ فِي التِّجَارَةِ، بَلْ تَرَوْنَ الزَّكَاةَ فِيهَا فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
стр. 1389
وَأَمَّا مَنْ خَصَّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْبَقَرَ بِأَنْ لَا تُزَكَّى إلَّا سَائِمَتُهَا فَقَطْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ زَكَاةُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ عُمُومًا، وَحَدُّ زَكَاتِهَا، وَمِنْ كَمْ تُؤْخَذْ الزَّكَاةُ مِنْهَا: فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ أَمْرُهُ ﷺ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ.
وَأَمَّا الْبَقَرُ فَلَمْ يَصِحَّ فِي صِفَةِ زَكَاتِهَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ إلَّا فِي بَقَرٍ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَلَا إجْمَاعَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ؛ فَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا، دُونَ غَيْرِهَا الَّتِي لَا إجْمَاعَ فِيهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إيجَابُ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ، بِقَوْلِهِ ﵇ الَّذِي قَدْ أَوْرَدْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ -: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا فُعِلَ بِهِ كَذَا» .
فَصَحَّ بِالنَّصِّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ جُمْلَةً؛ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصُّ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا، وَلَا كَمْ يُؤْخَذُ مِنْهَا، فَفِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يُرَاعَى الْإِجْمَاعُ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ بَقَرٍ دُونَ بَقَرٍ فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلثَّابِتِ عَنْهُ ﵇ مِنْ إيجَابِهِ الزَّكَاةَ فِي الْبَقَرِ بِغَيْرِ نَصٍّ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ بِهَذَا الدَّلِيلِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْقَطَهَا عَنْ الذُّكُورِ بِهَذَا الدَّلِيلِ نَفْسِهِ، فَقَدْ صَحَّ الْخِلَافُ فِي زَكَاتِهَا؟ -: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ قَالَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ الْمُغِيرَةِ هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ السَّوَائِمِ صَدَقَةٌ إلَّا إنَاثَ الْإِبِلِ، وَإِنَاثَ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَلَا الْحَنَفِيُّونَ، وَلَا الْمَالِكِيُّونَ، وَلَا الشَّافِعِيُّونَ، وَلَا الْحَنْبَلِيُّونَ؛ وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ بِلَا بُرْهَانٍ فَوَجَبَتْ بِالنَّصِّ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ بَقَرٍ، أَيْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَقَرِ كَانَتْ، سَائِمَةً أَوْ غَيْرَ
стр. 1390
سَائِمَةٍ، إلَّا بَقَرًا خَصَّهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ؟ وَأَمَّا الْعَدَدُ، وَالْوَقْتُ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ إلَّا بِإِجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ أَوْ بِنَصٍّ صَحِيحٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي السَّائِمَةِ بِعَوْدَةِ الزَّكَاةِ فِيهَا كُلَّ عَامٍ، وَرَأَى الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ -: فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الْبَقَرِ بِالنَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَا؛ وَلَمْ يَأْتِ بِتَكْرَارِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ عَامٍ نَصٌّ؛ فَلَا تَجُوزُ عَوْدَةُ الزَّكَاةِ فِي مَالٍ قَدْ زُكِّيَ، إلَّا بِالْإِجْمَاعِ؛ وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ بِعَوْدَةِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ، وَالْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ كُلَّ عَامٍ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي عَوْدَتِهَا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْهَا كُلِّهَا؛ فَلَا يَجِبُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ هَذَا قَوْلًا صَحِيحًا لَوْلَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ الْمُصَدِّقِينَ فِي كُلِّ عَامٍ لِزَكَاةِ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ» هَذَا أَمْرٌ مَنْقُولٌ نَقْلَ الْكَافَّةِ؛ وَقَدْ صَحَّ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ اُرْضُوَا مُصَدِّقِيكُمْ» فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا بِيَقِينٍ؛ فَخُرُوجُ الْمُصَدِّقِينَ فِي كُلِّ عَامٍ مُوجِبٌ أَخْذَ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ عَامٍ بِيَقِينٍ؛ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، فَتَخْصِيصُ بَعْضِ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عَامًا بِأَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهُ الْمُصَدِّقُ الزَّكَاةَ عَامًا ثَانِيًا تَخْصِيصٌ لِلنَّصِّ.
وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ؛ وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِثْلُ هَذَا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ عَلَى كُلِّ ذِي إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا وَالتَّصَدُّقُ مِنْ لَبَنِهَا]
٦٧٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ ذِي إبِلٍ، وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ أَنْ يَحْلِبَهَا يَوْمَ وِرْدِهَا عَلَى الْمَاءِ، وَيَتَصَدَّقُ مِنْ لَبَنِهَا بِمَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ هُوَ أَبُو الْيَمَانِ ثنا شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ ثنا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزٍ الْأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ
стр. 1391
بِقُرُونِهَا، قَالَ: وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا حَقَّ فِي الْمَالِ غَيْرُ الزَّكَاةِ فَقَدْ قَالَ: الْبَاطِلَ، وَلَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ، وَكُلُّ مَا أَوْجَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَمْوَالِ فَهُوَ وَاجِبٌ؟ وَنَسْأَلُ مَنْ قَالَ هَذَا: هَلْ تَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْأَيْمَانِ وَدُيُونِ النَّاسِ أَمْ لَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: نَعَمْ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا إعَارَةُ الدَّلْوِ وَإِطْرَاقُ الْفَحْلِ فَدَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] .
[مَسْأَلَةٌ الْأَسْنَانُ الْمَذْكُورَاتُ فِي زَكَاة الْإِبِلِ]
٦٨٠ - مَسْأَلَةٌ:
الْأَسْنَانُ الْمَذْكُورَاتُ فِي الْإِبِلِ -: بِنْتُ الْمَخَاضِ: هِيَ الَّتِي أَتَمَّتْ سَنَةً وَدَخَلَتْ فِي سَنَتَيْنِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا مَاخِضٌ؛ أَيْ قَدْ حَمَلَتْ فَإِذَا أَتَمَّتْ سَنَتَيْنِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ فَهِيَ بِنْتُ لَبُونٍ وَابْنُ لَبُونٍ، لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ وَضَعَتْ فَلَهَا لَبَنٌ، فَإِذَا أَتَمَّتْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ فَهِيَ حِقَّةٌ، لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَقَّتْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلُ، وَالْحَمْلُ؛ فَإِذَا أَتَمَّتْ أَرْبَعَ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ فَهِيَ جَذَعَةٌ؛ فَإِذَا أَتَمَّتْ خَمْسَ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ فَهِيَ ثَنِيَّةٌ.
وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّدَقَةِ وَهُوَ مَا لَمْ يُتِمَّ سَنَةً وَهُوَ فَصِيلٌ لَا يَجُوزُ فِي الصَّدَقَةِ.
حَدَّثَنَا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَتَفْسِيرِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ: ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد بِذَلِكَ كُلِّهِ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ الْفَرَجِ الرِّيَاشِيِّ، وَعَنْ أَبِي دَاوُد الْمُصَاحِفِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى
стр. 1392
[مَسْأَلَةٌ الْخُلْطَةُ فِي الْمَاشِيَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَا تُحِيلُ حُكْمَ الزَّكَاةِ]
مَسْأَلَةٌ:
وَالْخُلْطَةُ فِي الْمَاشِيَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَا تُحِيلُ حُكْمَ الزَّكَاةِ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ حُكْمُهُ فِي مَالِهِ، خَالَطَ أَوْ لَمْ يُخَالِطْ لَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ أَنَا سُرَيْجٌ بْنُ النُّعْمَانِ ثني حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَتَبَ لَهُ " أَنَّ هَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْخَبَرِ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إذَا تَخَالَطَ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ فِي إبِلٍ، أَوْ فِي بَقَرٍ، أَوْ فِي غَنَمٍ، فَإِنَّهُمْ تُؤْخَذُ مِنْ مَاشِيَتِهِمْ، الزَّكَاةُ كَمَا كَانَتْ تُؤْخَذُ لَوْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ، وَالْخُلْطَةُ عِنْدَهُمْ أَنْ تَجْتَمِعَ الْمَاشِيَةُ فِي: الرَّاعِي، وَالْمَرَاحِ، وَالْمَسْرَحِ، وَالْمَسْقَى، وَمَوَاضِعِ الْحَلْبِ: عَامًا كَامِلًا مُتَّصِلًا وَإِلَّا فَلَيْسَتْ خُلْطَةً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَاشِيَتُهُمْ مُشَاعَةً لَا تَتَمَيَّزُ، أَوْ مُتَمَيِّزَةً، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: الدَّلْوُ، وَالْفَحْلُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَمْلُوءٌ مِنْ الْخَطَأِ؟ أَوَّلَ ذَلِكَ: أَنَّ ذِكْرَهُمْ الرَّاعِي كَانَ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْمَسْرَحِ، وَالْمَسْقَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكُونَ الرَّاعِي وَاحِدًا وَتَخْتَلِفُ مَسَارِحُهَا وَمَسَاقِيهَا؛ فَصَارَ ذِكْرُ الْمَسْرَحِ وَالْمَسْقَى فُضُولًا وَأَيْضًا - فَإِنَّ ذِكْرَ الْفَحْلِ خَطَأٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ فَحْلَانِ وَأَكْثَرُ؛ لِكَثْرَةِ مَاشِيَتِهِ، وَرَاعِيَانِ وَأَكْثَرُ لِكَثْرَةِ مَاشِيَتِهِ؛ فَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِهِمْ - إذَا أَوْجَبَ اخْتِلَاطُهُمَا فِي الرَّاعِي، وَالْعَمَلِ -: أَنْ يُزَكِّيَهَا، زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ، وَأَنْ لَا تُجْمَعُ مَاشِيَةُ إنْسَانٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ
стр. 1393
لَهُ فِيهَا رَاعِيَانِ فَحْلَانِ، وَهَذَا لَا تَخَلُّصَ مِنْهُ؟ وَنَسْأَلُهُمْ إذَا اخْتَلَطَا فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ: أَلَهُمَا حُكْمُ الْخُلْطَةِ أَمْ لَا؟ فَأَيُّ ذَلِكَ قَالُوا فَلَا سَبِيلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ إلَّا تَحَكُّمًا فَاسِدًا بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ زَادُوا فِي التَّحَكُّمِ فَرَأَوْا فِي جَمَاعَةٍ لَهُمْ خَمْسَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ، أَوْ ثَلَاثُونَ مِنْ الْبَقَرِ - بَيْنَهُمْ كُلِّهِمْ -: أَنَّ الزَّكَاةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْهَا، وَأَنَّ ثَلَاثَةً لَوْ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ شَاةً - وَهُمْ خُلَطَاءُ فِيهَا -: فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ، وَقَالُوا: إنَّ خَمْسَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ مِنْ الْإِبِلِ - تَخَالَطُوا بِهَا عَامًا - فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا بِنْتُ مَخَاضٍ وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ صَدَقَاتِ الْمَوَاشِي. وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد فِيمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا. حَتَّى أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَأَى حُكْمَ الْخُلْطَةِ جَارِيًا كَذَلِكَ فِي الثِّمَارِ، وَالزَّرْعِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ - فَرَأَى فِي جَمَاعَةٍ بَيْنَهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَقَطْ أَنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا، وَأَنَّ جَمَاعَةً يَمْلِكُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَقَطْ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَقَطْ - وَهُمْ خُلَطَاءُ فِيهَا - أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَلْفٌ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ كَانَ يَقَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُلَطَاءِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّوْا حِينَئِذٍ زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَقَعُ لَهُ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَمَنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ لَا يَقَعُ لَهُ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.
فَرَأْيُ هَؤُلَاءِ فِي اثْنَيْنِ - فَصَاعِدًا - يَمْلِكَانِ أَرْبَعِينَ شَاةً، أَوْ سِتِّينَ أَوْ مَا دُونَ الثَّمَانِينَ، أَوْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ أَوْ مَا دُونَ السِّتِّينَ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِبِلِ -: فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةٌ يَمْلِكُونَ مِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْمَوَاشِي
стр. 1394
وَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ حُكْمَ الْخُلْطَةِ إلَّا فِي الْمَوَاشِي فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ مِنْ أَصْحَابِنَا؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تُحِيلُ الْخُلْطَةُ حُكْمَ الزَّكَاةِ أَصْلًا، لَا فِي الْمَاشِيَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا؛ وَكُلُّ خَلِيطٍ لِيُزَكِّيَ مَا مَعَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا، وَلَا فَرْقَ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةُ خُلَطَاءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ شَاةً فَعَلَيْهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ، وَإِنْ كَانَ خَمْسَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَهُمْ خُلَطَاءُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَشَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ نَجِدْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَةً لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَوَجَدْنَا أَقْوَالًا عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ، وَابْنِ هُرْمُزٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، فَقَطْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا كَانَ الْخَلِيطَانِ يَعْلَمَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلَا تُجْمَعُ أَمْوَالُهُمَا فِي الصَّدَقَةِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا لِعَطَاءٍ مِنْ قَوْلِ طَاوُوسٍ فَقَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا حَقًّا، وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إذَا كَانَ رَاعِيهِمَا وَاحِدًا، وَكَانَتْ تَرِدُ جَمِيعًا - وَتَرُوحُ جَمِيعًا - صُدِّقَتْ جَمِيعًا؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْإِبِلَ إذَا جَمَعَهَا الرَّاعِي وَالْفَحْلُ وَالْحَوْضُ تُصَدَّقُ جَمِيعًا ثُمَّ يَتَحَاصُّ أَصْحَابُهَا عَلَى عِدَّةِ الْإِبِلِ فِي قِيمَةِ الْفَرِيضَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنْ كَانَ اسْتَوْدَعَهُ إيَّاهَا لَا يُرِيدُ مُخَالَطَتَهُ وَلَا وَضْعَهَا عِنْدَهُ يُرِيدُ نِتَاجَهَا - فَإِنَّ تِلْكَ تُصَدَّقُ وَحْدَهَا؟ وَعَنْ ابْنِ هُرْمُزَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّتْ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ -: فَقَالَ مَنْ رَأَى أَنَّ الْخُلْطَةَ تُحِيلُ الصَّدَقَةَ وَتَجْعَلُ مَالَ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا بِمَنْزِلَةِ
стр. 1395
كَمَا] لَوْ أَنَّهُ لِوَاحِدٍ -: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَكُونَ لِثَلَاثَةٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُهَا: وَهُمْ خُلَطَاءُ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَنَهَى الْمُصَدِّقَ أَنْ يُفَرِّقَهَا لِيَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَاةً فَيَأْخُذُ ثَلَاثَ شِيَاهٍ، وَالرَّجُلَانِ يَكُونُ لَهُمَا مِائَتَا شَاةٍ وَشَاتَانِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَيُفَرِّقَانِهَا خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ؛ فَيَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةً، فَلَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ إلَّا شَاتَيْنِ؟ وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «كُلُّ خَلِيطَيْنِ يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» هُوَ أَنْ يَعْرِفَا أَخْذَ السَّاعِي فَيَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ حِصَّتُهُ عَلَى حَسْبِ عَدَدِ مَاشِيَتِهِ كَاثْنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِلْآخِرِ ثَمَانُونَ وَهُمَا خَلِيطَانِ، فَعَلَيْهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ، عَلَى صَاحِبِ الثَّمَانِينَ ثُلُثَاهَا وَعَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ ثُلُثُهَا وَقَالَ مَنْ رَأَى أَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُحِيلُ حُكْمَ الصَّدَقَةِ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» هُوَ أَنْ يَكُونَ لِثَلَاثَةٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهَا، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ، فَنُهُوا عَنْ جَمْعِهَا وَهِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي مِلْكِهِمْ تَلْبِيسًا عَلَى السَّاعِي أَنَّهَا لِوَاحِدٍ فَلَا يَأْخُذُ إلَّا وَاحِدَةً، وَالْمُسْلِمُ يَكُونُ لَهُ مِائَتَا شَاةٍ وَشَاتَانِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَيُفَرِّقُهَا قِسْمَيْنِ وَيُلْبِسُ عَلَى السَّاعِي أَنَّهَا لِاثْنَيْنِ، لِئَلَّا يُعْطِيَ مِنْهَا إلَّا شَاتَيْنِ، وَكَذَلِكَ نَهَى الْمُصَدِّقَ أَيْضًا عَنْ أَنْ يَجْمَعَ عَلَى الِاثْنَيْنِ - فَصَاعِدًا - مَا لَهُمْ لِيُكْثِرَ مَا يَأْخُذُ، وَعَنْ أَنْ يُفَرِّقَ مَالَ الْوَاحِدِ فِي الصَّدَقَةِ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ لِيُكْثِرَ مَا يَأْخُذُ وَقَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: «كُلُّ خَلِيطَيْنِ يَتَرَادَّانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» هُوَ أَنَّ
стр. 1396
الْخَلِيطَيْنِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا ﵇ هُمَا مَا اخْتَلَطَ مَعَ غَيْرِهِ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْخَلِيطَانِ مِنْ النَّبِيذِ بِهَذَا الِاسْمِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَخْتَلِطْ غَيْرُهُ فَلَيْسَا خَلِيطَيْنِ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، قَالُوا: فَلَيْسَ الْخَلِيطَانِ فِي الْمَالِ إلَّا الشِّرْكَيْنِ فِيهِ اللَّذَيْنِ لَا يَتَمَيَّزُ مَالُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ تَمَيَّزَ فَلَيْسَا خَلِيطَيْنِ، قَالُوا: فَإِذَا كَانَ خَلِيطَانِ كَمَا ذَكَرْنَا وَجَاءَ الْمُصَدِّقُ فَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَظِرَ قِسْمَتَهَا لِمَالِهِمَا، وَلَعَلَّهُمَا لَا يُرِيدَانِ الْقِسْمَةَ، وَإِنْ كَانَا حَاضِرَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ، فَإِذَا أَخَذَ زَكَاتَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بِالسَّوِيَّةِ؛ كَائِنَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ثَمَانُونَ شَاةً وَلِلْآخَرِ أَرْبَعُونَ، وَهُمَا شَرِيكَانِ فِي جَمِيعِهَا، فَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ شَاتَيْنِ؛ وَقَدْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَا كُلِّ شَاةٍ مِنْهُمَا وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا، فَيَتَرَادَّانِ بِالسَّوِيَّةِ فَيَبْقَى لِصَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ، وَلِصَاحِبِ الثَّمَانِينَ تِسْعٌ وَسَبْعُونَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاسْتَوَتْ دَعْوَى الطَّائِفَتَيْنِ فِي ظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَلَمْ تَكُنْ لِإِحْدَاهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْأُخْرَى فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا تَأْوِيلَ الطَّائِفَةِ الَّتِي رَأَتْ أَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُحِيلُ حُكْمَ الزَّكَاةِ أَصَحَّ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ تَفْسِيرِهِمْ الْمَذْكُورِ مُتَّفَقٌ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ تَفْسِيرِ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ فَبَطَلَ تَأْوِيلُهُمْ لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ؛ وَصَحَّ تَأْوِيلُ الْأُخْرَى لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلٌ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ؛ فَهَذِهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ؟ وَوَجَدْنَا أَيْضًا الثَّابِتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةً شَيْءٌ» وَسَائِرُ مَا نَصَّهُ ﵇ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ، وَالْإِبِلِ، مِنْ أَنَّ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً، وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ [مِنْ الْإِبِلِ] بِنْتُ مَخَاضٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَوَجَدْنَا مَنْ لَمْ يُحِلْ بِالْخُلْطَةِ حُكْمَ الزَّكَاةِ قَدْ أَخَذَ بِجَمِيعِ هَذِهِ النُّصُوصِ وَلَمْ يُخَالِفْ شَيْئًا مِنْهَا، وَوَجَدْنَا
стр. 1397
مَنْ أَحَالَ بِالْخُلْطَةِ حُكْمَ الزَّكَاةِ يَرَى هَذِهِ النُّصُوصَ وَلَمْ يُخَالِفْ شَيْئًا مِنْهَا وَوَجَدْنَا مَنْ أَحَالَ بِالْخُلْطَةِ حُكْمَ الزَّكَاةِ يَرَى فِي خَمْسَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خُمُسُ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَأَنَّ ثَلَاثَةً لَهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً عَلَى السَّوَاءِ بَيْنَهُمْ أَنَّ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ شَاةٍ، وَأَنَّ عَشْرَةَ رِجَالٍ لَهُمْ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرَ شَاةٍ وَهَذِهِ زَكَاةٌ مَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ؛ وَخِلَافٌ لِحُكْمِهِ تَعَالَى وَحُكْمِ رَسُولِهِ ﷺ .
وَسَأَلْنَاهُمْ عَنْ إنْسَانٍ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، خَالَطَ بِهَا صَاحِبَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فِي بَلَدٍ، وَلَهُ أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ خَالَطَ بِهَا صَاحِبَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَلَهُ ثَلَاثٌ مِنْ الْإِبِلِ، خَالَطَ بِهَا صَاحِبَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فِي بَلَدٍ ثَالِثٍ؟ فَمَا عَلِمْنَاهُمْ أَتَوْا فِي ذَلِكَ بِحُكْمٍ يُعْقَلُ أَوْ يُفْهَمُ وَسُؤَالُنَا إيَّاهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ يَتَّسِعُ جِدًّا؛ فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى جَوَابٍ يَفْهَمُهُ أَحَدٌ أَلْبَتَّةَ، فَنَبَّهْنَا بِهَذَا السُّؤَالِ عَلَى مَا زَادَ عَلَيْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَمَنْ رَأَى حُكْمَ الْخُلْطَةِ يُحِيلُ الزَّكَاةَ فَقَدْ جَعَلَ زَيْدًا كَاسِبًا عَلَى عَمْرٍو، وَجَعَلَ لِمَالِ أَحَدِهِمَا حُكْمًا فِي مَالِ الْآخَرِ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ وَخِلَافٌ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ. وَمَا عَجَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ - وَهُوَ الْمُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لَنَا - عَنْ أَنْ يَقُولَ: الْمُخْتَلِطَانِ فِي وَجْهِ كَذَا وَوَجْهِ كَذَا [يُزَكِّيَانِ] زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ، فَإِذْ لَمْ يَقُلْهُ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ قَوْلَهُمْ بِهَذَا الْحُكْمِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا اخْتَلَطَ فِي الدَّلْوِ، وَالرَّاعِي، وَالْمَرَاحِ، وَالْمُحْتَلَبِ -: تَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا، لَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ وَجْهٍ يُعْقَلُ، وَبَعْضُهُمْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ بِلَا دَلِيلٍ وَلَيْتَ
стр. 1398
شِعْرِي: أَمِنْ قَوْلِهِ ﵇ مَقْصُورًا عَلَى الْخُلْطَةِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ دُونَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْخُلْطَةَ فِي الْمَنْزِلِ، أَوْ فِي الصِّنَاعَةِ، أَوْ فِي الشَّرِكَةِ فِي الْغَنَمِ كَمَا قَالَ طَاوُسٍ وَعَطَاءٌ؟ وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ فَإِنْ ذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ ثنا أَبُو الْأَسْوَدِ هُوَ النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ مِصْرِيٌّ - ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ: أَنَّهُ سَمِعَ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: إنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَ عَلَى الْفَحْلِ، وَالْمَرْعَى، وَالْحَوْضِ» . قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَمَا خَالَفْنَاكُمْ فِي أَنَّ مَا اجْتَمَعَ عَلَى فَحْلٍ، وَمَرْعًى، وَحَوْضٍ: أَنَّهُمَا خَلِيطَانِ فِي ذَلِكَ؛ وَهَذَا حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ إحَالَةُ حُكْمِ الزَّكَاةِ
стр. 1399
الْمُفْتَرَضَةِ بِذَلِكَ وَلَوْ وَجَبَ بِالِاخْتِلَاطِ فِي الْمَرْعَى إحَالَةُ حُكْمِ الزَّكَاةِ لَوَجَبَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَاشِيَةٍ فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ الْمَرَاعِيَ مُتَّصِلَةٌ فِي أَكْثَرِ الدُّنْيَا، إلَّا أَنْ يَقْطَعَ بَيْنَهُمَا بَحْرٌ، أَوْ نَهْرٌ، أَوْ عِمَارَةٌ وَأَيْضًا - فَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ذِكْرٌ لِتَخَالُطِهِمَا بِالرَّاعِي، وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ؛ وَإِلَّا فَقَدْ يَخْتَلِطُ فِي الْمَسْقَى، وَالْمَرْعَى، وَالْفَحْلِ: أَهْلُ الْحِلَّةِ كُلُّهُمْ، وَهُمَا لَا يَرَيَانِ ذَلِكَ خُلْطَةً تُحِيلُ حُكْمَ الصَّدَقَةِ؟ وَزَادَ ابْنُ حَنْبَلٍ: وَالْمُحْتَلَبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ اخْتَلَطَا أَكْثَرَ الْحَوْلِ كَانَ لَهُمَا حُكْمُ الْخُلْطَةِ
وَهَذَا تَحَكُّمٌ بَارِدٌ وَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ خَالَطَ آخَرَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟ فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَجَابُوا فَقَدْ زَادُوا فِي التَّحَكُّمِ بِلَا دَلِيلٍ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَحَقَّ بِالدَّعْوَى مِنْ غَيْرِهِمْ؟ وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ الْحَوَالَةِ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ خَصَّ بِالْخُلْطَةِ الْمَوَاشِيَ، فَقَطْ، دُونَ الْخُلْطَةِ فِي الثِّمَارِ، وَالزَّرْعِ وَالنَّاضِّ، وَلَيْسَ هَذَا التَّخْصِيصُ مَوْجُودًا فِي الْخَبَرِ فَإِنْ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِعَقِبِ ذِكْرِهِ حُكْمَ الْمَاشِيَةِ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ فَإِنْ كَانَ هَذَا حُجَّةً لَكُمْ فَاقْتَصِرُوا بِحُكْمِ الْخُلْطَةِ عَلَى الْغَنَمِ فَقَطْ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلَّا بِعَقِبِ ذِكْرِ زَكَاةِ الْغَنَمِ؛ وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا الْإِبِلَ، وَالْبَقَرَ، عَلَى الْغَنَمِ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَهَلَّا قِسْتُمْ الْخُلْطَةَ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ عَلَى الْخُلْطَةِ فِي الْغَنَمِ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَالِكًا اسْتَعْمَلَ إحَالَةَ الزَّكَاةِ بِالْخُلْطَةِ فِي النِّصَابِ [فَزَائِدًا] وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِي عُمُومِ الْخُلْطَةِ كَمَا فَعَلَ الشَّافِعِيُّ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ؛ وَإِنْ كَانَ فَرَّ عَنْ إحَالَةِ النَّصِّ فِي أَنْ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ -: فَقَدْ وَقَعَ فِيهِ فِيمَا فَوْقَ النِّصَابِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِحَالَتَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 1400
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ يُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الْجُمْهُورِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ؛ وَهُمْ هُنَا قَدْ خَالَفُوا خَمْسَةً مِنْ التَّابِعِينَ، لَا يُعْلَمُ لَهُمْ - مِنْ طَبَقَتِهِمْ وَلَا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ - مُخَالِفٌ وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ مُنْكَرٍ؛ لَكِنْ أَوْرَدْنَاهُ لِنُرِيَهُمْ تَنَاقُضَهُمْ، وَاحْتِجَاجَهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً إذَا خَالَفَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ حَكِيمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا؛ لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إبِلِهِ»
قَالُوا: فَمَنْ أَخَذَ الْغَنَمَ مِنْ أَرْبَعِينَ نَاقَةً لِثَمَانِيَةِ شُرَكَاءَ؛ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسٌ، فَقَدْ فَرَّقَهَا عَنْ حِسَابِهَا، وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ مِلْكَ وَاحِدٍ مِنْ مِلْكِ جَمَاعَةٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَقُولُ لَهُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ: إنَّ كُلَّ هَذَا الْخَبَرِ عِنْدَكُمْ حُجَّةٌ فَخُذُوا بِمَا فِيهِ، مِنْ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ تُؤْخَذُ مِنْهُ وَشَطْرُ إبِلِهِ زِيَادَةٌ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: هَذَا مَنْسُوخٌ؟ قُلْنَا لَكُمْ: هَذِهِ دَعْوَى بِلَا حُجَّةٍ، لَا يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهَا خُصُومُكُمْ، فَيَقُولُوا لَكُمْ وَاَلَّذِي تَعَلَّقْتُمْ بِهِ مِنْهُ مَنْسُوخٌ وَإِنْ كَانَ الْمِشْغَبُ بِهِ مَالِكِيًّا؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَإِنْ كَانَ شَرِيكُهُ مُكَاتِبًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَإِنْ قَالُوا: هَذَا قَدْ خَصَّتْهُ أَخْبَارٌ أُخَرُ؟ قُلْنَا: وَهَذَا نَصٌّ قَدْ خَصَّتْهُ أَخْبَارٌ أُخَرُ، وَهِيَ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي أَرْبَعٍ مِنْ الْإِبِلِ فَأَقَلَّ،
стр. 1401
وَأَنَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةً إلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ.
ثُمَّ نَقُولُ؛ هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ. لِأَنَّ بَهْزَ بْنَ حَكِيمٍ غَيْرُ مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ، وَوَالِدُهُ حَكِيمٌ كَذَلِكَ. فَكَيْفَ وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْمُخْتَلِطَيْنِ حُكْمُ الْوَاحِدِ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ مَالُ إنْسَانٍ إلَى مَالِ غَيْرِهِ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا أَنْ يُزَكَّى مَالُ زَيْدٍ بِحُكْمِ مَالِ عَمْرٍو؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ بِلَا شَكٍّ فِيمَا جَاوَزَ الْعِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ الْإِبِلِ؛ لِمُخَالَفَةِ جَمِيعِ الْأَخْبَارِ أَوَّلِهَا عَنْ آخِرِهَا؛ لِمَا خَالَفَ هَذَا الْعَمَلَ لِإِجْمَاعِهِمْ وَإِجْمَاعِ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْإِبِلِ حِقَّةً لَا بِنْتَ لَبُونٍ؛ وَلِسَائِرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَأَيْضًا: أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ إلَّا الْإِبِلُ فَقَطْ؛ نَقَلَهُمْ حُكْمُ الْخُلْطَةِ إلَى الْغَنَمِ، وَالْبَقَرِ: قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَقْلُ هَذَا الْحُكْمِ عَنْ الْإِبِلِ إلَى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِأَوْلَى مِنْ نَقْلِهِ إلَى الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَالْعَيْنِ. وَكُلُّ ذَلِكَ دَعْوَى فِي غَايَةِ الْفَسَادِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا تَنَاقُضٌ طَرِيفٌ؛ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ فِي شَرِيكَيْنِ فِي ثَمَانِينَ شَاةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا: إنَّ عَلَيْهِمَا شَاتَيْنِ بَيْنَهُمَا؛ وَأَصَابَ فِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ فِي ثَمَانِينَ شَاةً لِرَجُلٍ وَاحِدٍ نِصْفُهَا وَنِصْفُهَا الثَّانِي لِأَرْبَعَيْنِ رَجُلًا: إنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا أَصْلًا، لَا عَلَى الَّذِي يَمْلِكُ نِصْفَهَا، وَلَا عَلَى الْآخَرِينَ؛ وَاحْتَجَّ فِي إسْقَاطِهِ الزَّكَاةَ عَنْ صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ بِأَنَّ تِلْكَ الَّتِي بَيْنَ اثْنَيْنِ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا؟ فَجَمَعَ كَلَامُهُ هَذَا: أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ مِنْ فَاحِشِ الْخَطَأِ؟ أَحَدُهَا - إسْقَاطُهُ الزَّكَاةَ عَنْ مَالِكِ أَرْبَعِينَ شَاةً هَاهُنَا؟ وَالثَّانِي - إيجَابُهُ الزَّكَاةَ عَلَى مَالِكِ أَرْبَعِينَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى؛ فَفَرَّقَ بِلَا دَلِيلٍ
стр. 1402
وَالثَّالِثُ - احْتِجَاجُهُ فِي إسْقَاطِهِ الزَّكَاةَ هُنَا بِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُمْكِنُ هُنَالِكَ: وَلَا تُمْكِنُ هَاهُنَا؛ فَكَانَ هَذَا عَجَبًا؟ وَمَا نَدْرِي لِلْقِسْمَةِ وَإِمْكَانِهَا. أَوْ تَعَذُّرِ إمْكَانِهَا مَدْخَلًا فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الزَّكَاةِ؟ وَالرَّابِعُ - أَنَّهُ قَدْ قَالَ الْبَاطِلَ؛ بَلْ إنْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ هُنَالِكَ مُمْكِنَةً فَهِيَ هَاهُنَا مُمْكِنَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ هَاهُنَا مُتَعَذِّرَةً فَهِيَ هُنَالِكَ مُتَعَذِّرَةٌ؛ فَاعْجَبُوا لِقَوْمٍ هَذَا مِقْدَارُ فَهْمِهِمْ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: فَأَنْتُمْ تُوجِبُونَ الزَّكَاةَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي الْمَاشِيَةِ إذَا مَلَكَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ فِي حِصَّتِهِ، وَتُوجِبُونَهَا عَلَى الشَّرِيكَيْنِ فِي الرَّقِيقِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَتَقُولُونَ فِيمَنْ لَهُ نِصْفُ عَبْدٍ مَعَ آخَرَ وَنِصْفُ عَبْدٍ آخَرَ مَعَ آخَرَ، فَأَعْتَقَ النِّصْفَيْنِ -: إنَّهُ لَا يُجْزِئَانِهِ عَنْ رَقَبَةٍ وَاجِبَةٍ؛ وَمَنْ لَهُ نِصْفُ شَاةٍ مَعَ إنْسَانٍ، وَنِصْفُ شَاةٍ أُخْرَى مَعَ آخَرَ فَذَبَحَهُمَا -: إنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ فَكَيْفَ هَذَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَعَبْدِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» فَقُلْنَا بِعُمُومِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ. وَقَالَ ﵇: «كُلُّ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» فَقُلْنَا بِذَلِكَ، وَأَوْجَبَ رَقَبَةً وَهَدْيَ شَاةٍ وَلَا يُسَمَّى نِصْفَا عَبْدَيْنِ: رَقَبَةً؛ وَلَا نِصْفَا شَاةٍ: شَاةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[زَكَاةُ الْفِضَّةِ]
[مَسْأَلَةٌ لَا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ أَوَاقِيَ]
[زَكَاةُ الْفِضَّةِ]
٦٨٢ - مَسْأَلَةٌ: لَا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ مَضْرُوبَةً كَانَتْ أَوْ مَصُوغَةً أَوْ نِقَارًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ - حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ أَوَاقِيَ فِضَّةٍ مَحْضَةٍ؛ لَا يُعَدُّ فِي هَذَا الْوَزْنِ شَيْءٌ يُخَالِطُهَا مِنْ غَيْرِهَا فَإِذَا أَتَمَّتْ كَذَلِكَ سَنَةً قَمَرِيَّةً مُتَّصِلَةً فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَالْخَمْسُ أَوَاقِي هِيَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ مَكَّةَ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ زَكَاةِ الْبُرِّ وَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى
стр. 1403
مَا ذَكَرْنَا وَأَتَمَّتْ بِزِيَادَتِهَا سَنَةً قَمَرِيَّةً فَفِيمَا زَادَ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - رُبْعُ عُشْرِهَا، وَهَكَذَا كُلُّ سَنَةٍ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ وَزْنِ الْأَوَاقِي الْمَذْكُورَةِ وَلَوْ فَلْسٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؟ وَإِنْ كَانَ فِيهَا خَلْطٌ؛ فَإِنْ غَيَّرَ الْخَلْطُ شَيْئًا مِنْ لَوْنِ الْفِضَّةِ أَوْ مَحَكِّهَا أَوْ رَزَانَتِهَا أُسْقِطَ ذَلِكَ الْخَلْطُ فَلَمْ يُعَدَّ؛ فَإِنْ بَقِيَ فِي الْفِضَّةِ الْمَحْضَةِ خَمْسُ أَوَاقِيَ زُكِّيَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ الْخَلْطُ لَمْ يُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْفِضَّةِ زُكِّيَتْ بِوَزْنِهَا؟ وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا ثَلَاثَةَ مَوَاضِعَ؛ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ قَالَ مَالِكٌ: إنْ نَقَصَتْ الْمِائَتَا دِرْهَمٍ نُقْصَانًا تَجُوزُ بِهِ جَوَازَ الْوَزْنَةِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ؟ وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: إنْ نَقَصَتْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَفِيهَا الزَّكَاةُ؟ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ نَقَصَ مِنْ الْمِائَتَيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَالشَّافِعِيِّ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي نُقْصَانِ الْوَزْنِ كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا، وَاضْطَرَبَ فِي الْخَلْطِ يَكُونُ فِيهَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ فِي الدَّرَاهِمِ خَلْطٌ زُكِّيَتْ بِوَزْنِهَا كُلِّهَا؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، كَمَا قُلْنَا؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُسَدَّدُ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا مَالِكٌ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ
стр. 1404
مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامُ ثنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ ثنا بَقِيٌّ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَيْءٌ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَنَعَ ﵇ مِنْ أَنْ يَجِبَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، فَإِذَا نَقَصَتْ - مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا خَلْطٌ يَبْلُغُ أَزْيَدَ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَقَطَ كُلُّ قَوْلٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ.
وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ؟ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُغَيِّرْ الْخَلْطُ شَيْئًا مِنْ حُدُودِ الْفِضَّةِ وَصِفَاتِهَا فَهُوَ فِضَّةٌ، كَالْخَلْطِ يَكُونُ فِي الْمَاءِ لَا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِهِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُغَيِّرْ مَا صَارَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى: فِيمَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالزُّهْرِيِّ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ؟ وَحَدَّثَنَا حُمَامُ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ؛ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.
стр. 1405
وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَبِالْحِسَابِ؟ وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَوَكِيعٍ. وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ بْنِ الْجَرَّاحِ - وَهُوَ كَذَّابٌ - عَنْ حَبِيبِ بْنِ نَجِيحٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ - حِينَ وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ - أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الْكُسُورِ شَيْئًا، إذَا بَلَغَ الْوَرِقُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَلَا يَأْخُذُ مِمَّا زَادَ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا» .
وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْجَزَرِيِّ - وَهُوَ سَاقِطٌ مُطْرَحٌ بِإِجْمَاعٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فِي كُلِّ خَمْسِ أَوَاقٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ» .
وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ - وَهُوَ سَاقِطٌ مَطْرُوحٌ بِإِجْمَاعٍ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: «يَا عَلِيُّ، أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي عَفَوْتُ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ، وَالرَّقِيقِ، فَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْإِبِلُ وَالشَّاءُ فَلَا، وَلَكِنْ هَاتُوا رُبْعَ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا
следующие страницы →