Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
عَنْ بَنِي تَغْلِبَ - بَعْد أَنْ قَطَعُوا الْفُرَاتَ وَأَرَادُوا اللُّحُوقَ بِالرُّومِ - عَلَى أَنْ لَا يَصْبُغُوا صَبِيًّا وَلَا يُكْرَهُوا عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ الْعُشْرَ مُضَاعَفًا فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ قَالَ دَاوُد بْنُ كُرْدُوسٍ: لَيْسَ لِبَنِي تَغْلِبَ ذِمَّةٌ، قَدْ صَبَغُوا فِي دِينِهِمْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ زُرْعَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَوْ النُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ: أَنَّهُ كَلَّمَ عُمَرَ فِي بَنِي تَغْلِبَ وَقَالَ لَهُ: إنَّهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنْ الْجِزْيَةِ، فَلَا تُعِنْ عَدُوَّكَ بِهِمْ؛ فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَنْ أُضَعِّفَ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ: أَنْ لَا يَنْصُرُوا أَوْلَادَهُمْ.
قَالَ مُغِيرَةُ فَحُدِّثْتُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَئِنْ تَفَرَّغْتُ لِبَنِي تَغْلِبَ لَأُقَتِّلَنَّ مُقَاتِلَتَهُمْ وَلَأَسْبِيَنَّ ذَرَارِيَّهُمْ؛ فَقَدْ نَقَضُوا، وَبَرِئَتْ مِنْهُمْ الذِّمَّةُ حِينَ نَصَرُوا أَوْلَادَهُمْ.
وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ: فِيهِ عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ لَا ذِمَّةَ لَهُمْ الْيَوْمَ.
وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: لَا نَعْلَمُ فِي مَوَاشِي أَهْلِ الْكِتَابِ صَدَقَةً إلَّا الْجِزْيَةَ غَيْرَ أَنَّ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ - الَّذِينَ جُلُّ أَمْوَالِهِمْ الْمَوَاشِي - تُضَعَّفُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَيْ الصَّدَقَةِ. هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَا حَلَّ الْأَخْذُ بِهِ لِانْقِطَاعِهِ وَضَعْفِ رُوَاتِهِ، فَكَيْفَ وَلَيْسَ هُوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَكَيْفَ وَقَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ نَفْسَهُ وَهَدَمُوا بِهِ أَكْثَرَ أُصُولِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَا
стр. 1472
يُقْبَلُ خَبَرُ الْآحَادِ الثِّقَاتِ الَّتِي لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهَا فِيمَا إذَا كَثُرَتْ بِهِ الْبَلْوَى، وَهَذَا أَمْرٌ تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ، فَقَبِلُوا فِيهِ خَبَرًا لَا خَيْرَ فِيهِ، وَهُمْ قَدْ رَدُّوا بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا خَبَرَ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، وَيَقُولُونَ: لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْآحَادِ الثِّقَاتِ إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ، وَرَدُّوا بِهَذَا حَدِيثَ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَكَذَّبُوا مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَلَا خِلَافَ لِلْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَقَالُوا هُمْ: إلَّا بَنِي تَغْلِبَ فَلَا يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ (وَلَا صَغَارَ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ يُؤَدُّونَ الصَّدَقَةَ مُضَاعَفَةً؛ فَخَالَفُوا الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ الْمَنْقُولَةَ نَقْلَ الْكَافَّةِ) بِخَبَرٍ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْآحَادِ الثِّقَاتِ إذَا خَالَفَ الْأُصُولَ، وَرَدُّوا بِذَلِكَ خَبَرَ الْقُرْعَةِ فِي الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ، وَخَبَرَ الْمُصَرَّاةِ، وَكَذَّبُوا مَا هُمَا مُخَالِفَيْنِ لِلْأُصُولِ بَلْ هُمَا أَصْلَانِ مِنْ كِبَارِ الْأُصُولِ، وَخَالَفُوا هَاهُنَا جَمِيعَ الْأُصُولِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَفِي الْجِزْيَةِ بِخَبَرٍ لَا يُسَاوِي بَعْرَةً، وَتَعَلَّلُوا بِالِاضْطِرَابِ فِي أَخْبَارِ الثِّقَاتِ، وَرَدُّوا خَبَرَ «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ» وَخَبَرَ «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَأَخَذُوا هَاهُنَا بِأَسْقَطِ خَبَرٍ وَأَشَدِّهِ اضْطِرَابًا، لِأَنَّهُ يَقُولُ رِوَايَةً مَرَّةً: عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ مَطَرٍ، وَمَرَّةً: عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ الْمُثَنَّى، وَمَرَّةً عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ أَنَّهُ صَالَحَ عُمَرَ عَنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمَرَّةً: عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، أَوْ زُرْعَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، أَوْ النُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ أَنَّهُ صَالَحَ عُمَرَ؟ وَمَعَ شِدَّةِ هَذَا الِاضْطِرَابِ الْمُفْرِطِ فَإِنَّ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَنْ هُمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَكَمْ مِنْ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ، كَكَلَامِهِ مَعَ عُثْمَانَ فِي الْخُطْبَةِ، وَنَفْيِهِ فِي الزِّنَى وَإِغْرَامِهِ فِي السَّرِقَةِ قَبْلَ الْقَطْعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ - بِأَصَحِّ طَرِيقٍ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ
стр. 1473
عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ آخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَمَا لَمْ يُسْقِطْ أَخْذُ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْجِزْيَةَ عَنْهُمْ فَكَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ أَخْذُ الْعُشْرِ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ أَيْضًا الْجِزْيَةَ عَنْهُمْ، وَهَذَا أَصَحُّ قِيَاسٍ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ صَحِيحًا، فَقَدْ خَالَفُوا الْقِيَاسَ أَيْضًا، ثُمَّ لَوْ صَحَّ وَثَبَتَ لَكَانُوا قَدْ خَالَفُوهُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَنْ رَوَوْهُ عَنْهُ - أَوَّلُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ - يَقُولُونَ كُلُّهُمْ: إنَّ بَنِي تَغْلِبَ قَدْ نَقَضُوا تِلْكَ الذِّمَّةَ؛ فَبَطَلَ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَرَوَوْا ذَلِكَ أَيْضًا - عَنْ عَلِيٍّ، فَخَالَفُوا: عُمَرَ وَعَلِيًّا، وَالْخَبَرَ الَّذِي بِهِ احْتَجُّوا وَالْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ - فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كِتَابِيٍّ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهَا، كَهَجَرَ، وَالْيَمَنِ، وَغَيْرِهِمَا - وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَالْقِيَاسَ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاةُ مِمَّا يَتَّجِرُ بِهِ]
٧٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ زَكَاةٍ وَلَا تَعْشِيرَ مِمَّا يَتَّجِرُ بِهِ تُجَّارُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مِنْ كَافِرٍ أَصْلًا - تَجَرَ فِي بِلَادِهِ أَوْ فِي غَيْرِ بِلَادِهِ - إلَّا أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْجِزْيَةِ فِي أَصْلِ عَقْدِهِمْ، فَتُؤْخَذُ حِينَئِذٍ مِنْهُمْ وَإِلَّا فَلَا، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِي الْعُرُوضِ - لِتِجَارَةٍ كَانَتْ أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ - وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ فَقَطْ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صُلْحًا مَعَ الْجِزْيَةِ فَهُوَ حَقٌّ وَعَهْدٌ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ صِحَّةِ عَقْدِ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ وَالصِّغَارِ، مَا لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا سَافَرُوا نِصْفُ الْعُشْرِ فِي الْحَوْلِ مَرَّةً فَقَطْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّ الْعُشْرُ إذَا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَإِلَّا فَلَا؛ إلَّا إنْ كَانُوا لَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا شَيْئًا فَلَا نَأْخُذُ مِنْ تُجَّارِهِمْ شَيْئًا؟
стр. 1474
قَالَ مَالِكٌ: يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعُشْرُ إذَا تَجَرُوا إلَى غَيْرِ بِلَادِهِمْ - مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - إذَا بَاعُوا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سُفْرَةٍ كَذَلِكَ، وَلَوْ مِرَرًا فِي السَّنَةِ، فَإِنْ تَجَرُوا فِي بِلَادِهِمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ كَذَلِكَ إلَّا فِيمَا حَمَلُوا إلَى الْمَدِينَةِ خَاصَّةً مِنْ الْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلَّا نِصْفُ الْعُشْرِ فَقَطْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: كُنْتُ أَعْشُرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْصَافَ عُشْرِ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا تَجَرُوا بِهِ؟ وَبِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: خُذْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمِ دِرْهَمًا.
وَمِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَمَرَنِي عُمَرُ بِأَنْ آخُذَ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ زَمَانَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ النَّبَطِ الْعُشْرَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَيْضًا - فَرُبَّ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَاهَا آنِفًا، وَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ حُكْمِ عُمَرُ حُجَّةً وَبَعْضُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَأَيْضًا - فَإِنَّ هَذِهِ الْآثَارَ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ عُمَرَ، فِي بَعْضِهَا الْعُشْرُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَفِي بَعْضِهَا نِصْفُ الْعُشْرِ، فَمَا الَّذِي جَعَلَ بَعْضَهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَقَدْ خَالَفَ الْمَالِكِيُّونَ هَذِهِ الْآثَارَ فِي تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ تِجَارَتِهِمْ فِي أَقْطَارِ بِلَادِهِمْ أَوْ غَيْرِهَا، وَخَالَفَهَا الْحَنَفِيُّونَ فِي وَضْعِهِمْ ذَلِكَ مَرَّةً فِي الْعَامِ فَقَطْ، وَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ خَبَرًا فَاسِدًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أَيُّوبَ بْنِ شُرَحْبِيلَ: خُذْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وَمِنْ
стр. 1475
أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا، إذَا كَانُوا يُدِيرُونَهَا، ثُمَّ لَا تَأْخُذُ مِنْهُمْ شَيْئًا حَتَّى رَأْسَ الْحَوْلِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ ذَلِكَ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَنْ مَجْهُولِينَ، وَلَيْسَ أَيْضًا فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ سُمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ ﵁ بَيَانَ هَذَا كُلِّهِ، كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا أَبُو عُبَيْدٍ ثنا الْأَنْصَارِيُّ هُوَ الْقَاضِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ: عَمَّارًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى الْكُوفَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ -: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ مَسَحَ الْأَرْضَ فَوَضَعَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا، وَجَعَلَ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ بِهَا مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا وَجَعَلَ عَلَى رُءُوسِهِمْ - وَعَطَّلَ مِنْ ذَلِكَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ -: أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ كَتَبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَأَجَازَهُ.
فَصَحَّ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ وَذِمَّتِهِمْ، وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْعَبْسِيِّ قَالَ: سَأَلْت زِيَادَ بْنَ حُدَيْرٍ: مَنْ كُنْتُمْ تُعْشِرُونَ؟ قَالَ مَا كُنَّا نُعْشِرُ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهِدًا، كُنَّا نُعْشِرُ تُجَّارَ أَهْلِ الْحَرْبِ كَمَا يُعَشِّرُونَنَا إذَا أَتَيْنَاهُمْ.
فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يُعَاقَدْ عَلَى ذَلِكَ. وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ: ثنا مُعَاوِيَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَخْوَفُ عِنْدِي أَنْ يُدْخِلُنِي النَّارَ مِنْ عَمَلِكُمْ هَذَا، وَمَا بِي أَنْ أَكُونَ ظَلَمْتُ فِيهِ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهِدًا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا هَذَا الْحَبَلُ الَّذِي لَمْ
стр. 1476
يَسُنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ؟ قَالُوا: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ دَخَلْتَ فِيهِ؟ قَالَ: لَمْ يَدَعْنِي زِيَادٌ، وَلَا شُرَيْحٌ، وَلَا الشَّيْطَانُ، حَتَّى دَخَلْتُ فِيهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّهُ عَمَلٌ مُحْدَثٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِعُمَرَ ﵁ أَنَّهُ تَعَدَّى مَا كَانَ فِي عَقْدِهِمْ؛ كَمَا لَا يُظَنُّ بِهِ فِي أَمْرِهِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ أَنَّهُ فِيمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الزَّكَاة فِيمَا أُصِيبَ مِنْ الْعَنْبَرِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ]
٧٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أُصِيبَ مِنْ الْعَنْبَرِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ - بِحَرِيِّهِ وَبَرِّيِّهِ -: شَيْءٌ أَصْلًا، وَهُوَ كُلُّهُ لِمَنْ وَجَدَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ فِي الْعَنْبَرِ، وَفِي كُلِّ مَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ حِلْيَةِ الْبَحْرِ: الْخُمْسُ وَبِهِ يَقُولُ أَبُو يُوسُفَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ مُطْرَحٌ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَنْبَرِ: إنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَفِيهِ الْخُمْسُ، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا شَيْءَ فِيهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إغْرَامُ مُسْلِمٍ شَيْئًا بِغَيْرِ نَصٍّ صَحِيحٍ، وَكَانَ - بِلَا خِلَافٍ - كُلُّ مَا لَا رَبَّ لَهُ فَهُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 1477
[زَكَاةُ الْفِطْرِ] [ مَسْأَلَةٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ]
ِ ٧٠٤ - مَسْأَلَةٌ: زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، وَإِنْ كَانَ مَنْ ذَكَرْنَا جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ قَبْلُ، وَلَا يُجْزِئُ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، لَا قَمْحَ، وَلَا دَقِيقَ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَلَا خُبْزَ وَلَا قِيمَةَ؛ وَلَا شَيْءَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ -: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» .
وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَتْ فَرْضًا، وَاحْتَجَّ لَهُ مَنْ قَلَّدَهُ بِأَنْ قَالَ: مَعْنَى " فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَيُّ قَدَّرَ مِقْدَارَهَا.
стр. 1478
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ دَعْوًى بِلَا بُرْهَانٍ وَإِحَالَةُ اللَّفْظِ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِلَا دَلِيلٍ. وَقَدْ أَوْرَدَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِهَا وَأَمْرُهُ فَرْضٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]
وَذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ»
وَعَنْهُ أَيْضًا «كُنَّا نَصُومُ عَاشُورَاءَ وَنُعْطِي الْفِطْرَ مَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْنَا صَوْمُ رَمَضَانَ وَالزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَا لَمْ نُؤْمَرْ وَلَمْ نُنْهَ عَنْهُ، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ»
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَهَذَا الْخَبَرُ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ لِأَنَّ فِيهِ أَمْرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، فَصَارَ أَمْرًا مُفْتَرَضًا ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ فَبَقِيَ فَرْضًا كَمَا كَانَ، وَأَمَّا يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَلَوْلَا أَنَّهُ ﵇ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» لَكَانَ فَرْضُهُ بَاقِيًا، وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]
وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ: زَكَاةً، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا، وَالدَّلَائِلُ عَلَى هَذَا تَكْثُرُ جِدًّا؟ وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَأَبِي قِلَابَةَ قَالَا جَمِيعًا: زَكَاةُ الْفِطْرِ فَرِيضَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمَا. وَأَجَازَ قَوْمٌ أَشْيَاءَ غَيْرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ فِيهَا الْقَمْحُ وَقَالَ آخَرُونَ: وَالزَّبِيبُ، وَالْأَقِطُ.
стр. 1479
وَاحْتَجُّوا بِأَشْيَاءَ مِنْهَا -: أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا يُخْرِجُ كُلُّ أَحَدٍ مِمَّا يَأْكُلُ وَمِنْ قُوتِ أَهْلِ بَلَدِهِ، فَقُلْنَا: هَذِهِ دَعْوَى بَاطِلٍ بِلَا بُرْهَانٍ، ثُمَّ قَدْ نَقَضْتُمُوهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ لَا الْحَبَّ: فَأَوْجَبُوا أَنْ يُعْطِيَ خُبْزًا لِأَنَّهُ هُوَ أَكَلَهُ، وَهُوَ قُوتُ أَهْلِ بَلَدِهِ، فَإِنْ قَالُوا: هُوَ غَيْرُ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ. قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، وَكَذَلِكَ مَا عَدَا التَّمْرَ، وَالشَّعِيرَ، وَقَالُوا: إنَّمَا خَصَّ ﵇ بِالذَّكَرِ - التَّمْرَ، وَالشَّعِيرَ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا قُوتَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ فَاحِشٌ جِدًّا؛ أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْشُوفٌ، لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَوَّلَهُ ﵇ مَا لَمْ يَقُلْ؛ وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا، وَيُقَالُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ الْقَمْحَ، وَالزَّبِيبَ؛ فَسَكَتَ عَنْهُمَا وَقَصَدَ إلَى التَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ؛ أَنَّهُمَا قُوتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَهَذَا لَا يَعْلَمْنَهُ إلَّا مَنْ أَخْبَرَهُ ﵇ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ وَحَيٌّ بِذَلِكَ، وَأَيْضًا: فَلَوْ صَحَّ لَهُمْ ذَلِكَ لَكَانَ الْفَرْضُ فِي ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ إلَّا أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَقَطْ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ وَأَنْذَرَ بِذَلِكَ رَسُولَهُ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَفْتَحُ لَهُمْ الشَّامَ، وَالْعِرَاقَ، وَمِصْرَ، وَمَا وَرَاءَ الْبِحَارِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَلْبِسَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْبِلَادِ دِينَهُمْ؟ فَيُرِيدُ مِنْهُمْ أَمْرًا وَلَا يَذْكُرُهُ لَهُمْ وَيَلْزَمُهُمْ بِكَلَامِهِ مَا لَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ التَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الظَّنِّ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَطِ، وَاحْتَجُّوا بِأَخْبَارٍ فَاسِدَةٍ لَا تَصِحُّ -: مِنْهَا خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ: صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» وَالْحَارِثُ ضَعِيفٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا الْأَقِطُ لَا سَائِرَ مَا يُجِيزُونَ؟
стр. 1480
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ «صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.» وَكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ سَاقِطٌ، لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْأَقِطُ، وَالزَّبِيبُ.
وَمِنْ طَرِيقِ نَصْرِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ «صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ قَمْحٍ، وَيَقُولُ أَغْنُوهُمْ عَنْ تَطْوَافِ هَذَا الْيَوْمِ» . وَأَبُو مَعْشَرٍ الْمَدَنِيُّ هَذَا نَجِيحٌ مُطَّرَحٌ يُحَدِّثُ بِالْمَوْضُوعَاتِ عَنْ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ يَعْلَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَشَادٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «صَاعًا مِنْ بُرٍّ عَنْ كُلِّ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ» وَالنُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ ضَعِيفٌ كَثِيرُ الْغَلَطِ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ خَالَفَهُ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1481
لَا يُوجِبُ إلَّا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى: ثنا بَكْرُ بْنُ وَائِلِ بْنِ دَاوُد ثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ: صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ صَاعَ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ» .
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَانِ مُرْسَلَانِ: وَمِنْ طَرِيقِ مُسَدَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ: صَاعٌ مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْعَتَكِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ: صَاعٌ مِنْ بُرٍّ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ» . فَحَصَل هَذَا الْحَدِيثُ رَاجِعًا إلَى رَجُلٍ مَجْهُولِ الْحَالِ، مُضْطَرِبٍ عَنْهُ، مُخْتَلَفٍ فِي اسْمِهِ، مَرَّةً: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَمَرَّةً: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَلْقَ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ، وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ صُحْبَةٌ.
وَأَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّثَنَاهُ هَمَّامُ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ
стр. 1482
أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ خَطِيبًا فَأَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ»
وَلَمْ يَذْكُرْ: " الْبُرَّ " وَلَا شَيْئًا غَيْرَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ: وَلَكِنَّا لَا نَحْتَجُّ بِهِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ مَجْهُولٌ - ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ «أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُظَاهِرٍ شَعِيرًا وَقَالَ: أَطْعِمْ هَذَا، فَإِنَّ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ يَقْضِيَانِ مُدًّا مِنْ قَمْحٍ» وَهَذَا مُرْسَلٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا حَجَّ بَعَثَ صَارِخًا فِي بَطْنِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُدَّانِ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعٌ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ» وَهَذَا مُرْسَلٌ.
وَعَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ «كَانُوا يُخْرِجُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.» وَهَذَا مُرْسَلٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، وَعُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعُقَيْلٌ: عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ عَمْرٌو: عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ثُمَّ اتَّفَقَ يَزِيدُ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ: مُدَّيْنِ حِنْطَةً» وَهَذَا مُرْسَلٌ.
стр. 1483
وَمِثْلُهُ أَيْضًا - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كُلِّهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ مَرَاسِيلُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَهَا - يَعْنِي زَكَاةَ الْفِطْرِ - صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» وَلَا يَصِحُّ لِلْحَسَنِ سَمَاعٌ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَوْسِ بْنِ الْحَارِثِ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ إلَّا جَاهِلٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا نَقَضَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فِيهِ أَصْلَهَا -: فَأَمَّا الشَّافِعِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: بِأَنَّ مُرْسَلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ حُجَّةٌ، وَقَدْ تَرَكُوا هَاهُنَا مُرْسَلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ لَا تُجْزِئُ زَكَاةُ الْفِطْرِ إلَّا مِنْ حَبٍّ تَخْرُجُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَتُوقَفُ فِي الْأَقِطِ، وَأَجَازَهُ مَرَّةً أُخْرَى -: وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ، فَأَجَازُوا الْمُرْسَلَ وَجَعَلُوهُ كَالْمُسْنَدِ، وَخَالَفُوا هَاهُنَا مِنْ الْمَرَاسِيلِ مَا لَوْ جَازَ قَبُولُ شَيْءٍ مِنْهَا لَجَازَ هَاهُنَا، لِكَثْرَتِهَا وَشُهْرَتِهَا وَمَجِيئِهَا مِنْ طَرِيقِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ.
стр. 1484
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ - فِي أَشْهَرِ رِوَايَاتِهِمْ عَنْهُ - جَعَلَ الزَّبِيبَ كَالْبُرِّ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُ مِنْهُ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَمْ يُجِزْ الْأَقِطَ إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَلَا أَجَازَ غَيْرَ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ فَقَطْ إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَهَذَا خِلَافٌ لِبَعْضِ هَذِهِ الْآثَارِ وَخِلَافٌ لِجَمِيعِهَا فِي إجَازَةِ الْقِيمَةِ، وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ إطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ رَاوِيَ الْخَبَرِ إذَا تَرَكَهُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى سُقُوطِ الْخَبَرِ، كَمَا فَعَلُوا فِي خَبَرِ «غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا» .
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرُّقِيُّ عَنْ مَخْلَدٍ هُوَ ابْنُ الْحُسَيْنِ - عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَكَرَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَقَالَ " صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ سُلْتٍ ".
فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ خَالَفَ مَا رُوِيَ بِأَصَحَّ إسْنَادٍ يَكُونُ عَنْهُ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ رَدُّ تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَإِلَّا فَقَدْ نَقَضُوا أَصْلَهُمْ. وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا صَحِيحًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: " كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ؛ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ "
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا غَيْرُ مُسْنَدٍ، وَهُوَ أَيْضًا مُضْطَرِبٌ فِيهِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ.
فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: ثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ [حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ] عَنْ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا: الشَّعِيرَ، وَالزَّبِيبَ، وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ - وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا عَنْ
стр. 1485
كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ -: مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.»
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: ثنا ابْنُ عَجْلَانَ سَمِعْتُ عِيَاضَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «لَمْ نُخْرِجْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ ثُمَّ شَكَّ سُفْيَانُ فَقَالَ: دَقِيقٌ أَوْ سُلْتٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ عِيَاضَ بْنَ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، لَا نُخْرِجُ غَيْرَهُ» يَعْنِي فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ إبْطَالُ إخْرَاجِ " الْبُرِّ " جُمْلَةً، وَفِي بَعْضِهَا إثْبَاتُ الزَّبِيبِ، وَفِي بَعْضِهَا نَفْيُهُ، وَإِثْبَاتُ الْأَقِطِ جُمْلَةً، وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُمْ يَعِيبُونَ الْأَخْبَارَ الْمُسْنَدَةَ - الَّتِي لَا مَغْمَزَ فِيهَا - بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الِاضْطِرَابِ، كَحَدِيثِ إبْطَالِ تَحْرِيم الرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ خَبَرٌ مُسْنَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ فَأَقَرَّهُ، وَلَا عَجَبَ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَقُولُ فِي خَبَرِ جَابِرٍ الثَّابِتِ: «كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الثَّابِتُ «ذَبَحْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ» أَنَّ هَذَانِ لَيْسَا مُسْنَدَيْنِ " لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ فَأَقَرَّهُ، ثُمَّ يَجْعَلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا مُسْنَدًا عَلَى اضْطِرَابِهِ وَتَعَارُضِ رُوَاتِهِ فِيهِ
стр. 1486
فَلْيَقُلْ كُلُّ ذِي عَقْلٍ: أَيُّمَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَا يَخْفَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْعُ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ ذَبْحُ فَرَسٍ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَوْ بَيْتِ الزُّبَيْرِ، وَبَيْتَاهُمَا مُطْنِبَانِ بِبَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنَتُهُ عِنْدَهُ، عَلَى عِزَّةِ الْخَيْلِ عِنْدَهُمْ وَقِلَّتِهَا وَحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا، أَمْ صَدَقَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي بَنِي خُدْرَةَ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ بِصَاعِ أَقِطٍ، أَوْ صَاعِ زَبِيبٍ، وَلَوْ ذُبِحَ فَرَسٌ لِلْأَكْلِ فِي جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ بَغْدَادَ مَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلَوْ تَصَدَّقَتْ امْرَأَةُ أَحَدِنَا أَوْ جَارُهُ الْمُلَاصِقُ بِصَاعِ أَقِطٍ؛ أَوْ صَاعِ زَبِيبٍ وَصَاعِ قَمْحٍ، مَا كَادَ هُوَ يَعْلَمُهُ فِي الْأَغْلَبِ؛ فَاعْجَبُوا لِعَكْسِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْحَقَائِقَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ الثَّلَاثَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ.
أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَأَشْهَرُ أَقْوَالِهِ أَنَّ نِصْفَ صَاعِ زَبِيبٍ يُجْزِئُ وَأَنَّ الْأَقِطَ لَا يُجْزِئُ إلَّا بِالْقِيمَةِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَشْهَرُ أَقْوَالِهِ أَنَّ الْأَقِطَ لَا يُجْزِئُ، وَأَجَازَ إخْرَاجَ مَا مَنَعَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ إخْرَاجِهِ، مِمَّا لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مِنْ الذُّرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ فَخَالَفُوهَا جُمْلَةً؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ إخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فِي هَذَا الْخَبَرِ إلَّا لِمَنْ كَانَتْ قُوتَهُ، وَخَبَرُ أَبِي سَعِيدٍ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَكُلُّهُمْ يُجِيزُ إخْرَاجَ مَا مَنَعَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ إخْرَاجِهِ، فَمَنْ أَضَلَّ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِمَا هُوَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ مَا هَذَا مِنْ التَّقْوَى، وَلَا مِنْ الْبِرِّ، وَلَا مِنْ النُّصْحِ لِمَنْ أَغْتَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَوَاَللَّهِ لَوْ انْسَنَدَ صَحِيحًا شَيْءٌ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ لَبَادَرَنَا إلَى الْأَخْذِ بِهِ، وَمَا تَوَقَّفْنَا عِنْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا مُسْنَدٌ صَحِيحٌ وَلَا وَاحِدٌ، فَلَا يَحِلُّ الْأَخْذُ بِهَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا قُلْنَا بِجَوَازِ الْقَمْحِ لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ، وَجَمَحَ فَرَسُ بَعْضِهِمْ فَادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ جُرْأَةً وَجَهْلًا، فَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ
стр. 1487
عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالْحُرِّ، وَالْعَبْدِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَعَدَلَهُ النَّاسُ بَعْدُ: مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَعَدَلَ النَّاسُ بَعْدُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ»
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ التَّمْرَ عَامًا فَأَعْطَى الشَّعِيرَ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ كَانَ فِعْلُ النَّاسِ حُجَّةً عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ مَا اسْتَجَازَ خِلَافَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] .
وَلَا حُجَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، لَكِنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى النَّاسِ وَعَلَى الْجِنِّ مَعَهُمْ، وَنَحْنُ نَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ النَّاسِ الَّذِينَ تَقَرَّبَ ابْنُ عُمَرَ إلَيْهِ بِخِلَافِهِمْ، وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ عَنْ زَائِدَةَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رُوَادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ سُلْتٍ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا يَنْسَنِدُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ، ثُمَّ خِلَافُهُمْ لَهُ - لَوْ أُسْنِدَ وَصَحَّ - كَخِلَافِهِمْ لِسَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَإِبْطَالُ تَهْوِيلِهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ " كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ " بِخِلَافِ ابْنِ عُمَرَ الْمُخْبِرِ عَنْهُمْ كَمَا فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، وَأَيْضًا - فَإِنَّ رَاوِيَ هَذَا الْخَبَرِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رُوَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
стр. 1488
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ - يَعْنِي فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ - فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ كَانَ لَا يُخْرِجُ إلَّا التَّمْرَ، أَوْ الشَّعِيرَ، وَلَا يُخْرِجُ الْبُرَّ، وَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ أَصْحَابِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمْ النَّاسُ الَّذِينَ يُسْتَوْحَشُ مِنْ خِلَافِهِمْ وَهُمْ الصَّحَابَةُ ﵃، بِأَصَحِّ طَرِيقٍ، وَإِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ الْإِجْمَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا إذَا وَجَدُوهُ.
وَعَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ إذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَرْسَلَ صَدَقَةَ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ قَالَ: كَانَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا يُخْرِجُ إلَّا تَمْرًا " يَعْنِي فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
فَهَؤُلَاءِ: ابْنُ عُمَرَ، وَالْقَاسِمُ، وَسَالِمٌ، وَعُرْوَةُ: لَا يُخْرِجُونَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَّا التَّمْرَ، وَهُمْ يَقْتَاتُونَ الْبُرَّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّ أَمْوَالَهُمْ لَتَسَعُ إلَى إخْرَاجِ صَاعِ دَرَاهِمَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِهِمْ. ﵃ فَإِنْ قِيلَ: هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ قُلْنَا: مَا خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحُكْمِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الصِّينِ، وَلَا بَعَثَ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ إجَازَةِ مَالِكٍ إخْرَاجَ الذُّرَةِ، وَالدَّخَنِ، وَالْأُرْزِ لِمَنْ كَانَ ذَلِكَ قُوتَهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَصْلًا، وَمَنَعَ مِنْ إخْرَاجِ الدَّقِيقِ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَخْبَارِ؛ وَمَنَعَ مِنْ إخْرَاجِ الْقَطَانِيِّ وَإِنْ كَانَتْ قُوتَ الْمُخْرِجِ، وَمَنَعَ مِنْ التِّينِ، وَالزَّيْتُونِ، وَإِنْ كَانَا قُوتَ الْمُخْرِجِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ، وَخِلَافٌ لِلْأَخْبَارِ، وَتَخَاذُلٌ فِي الْقِيَاسِ، وَإِبْطَالُهُمْ لِتَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ الْبُرَّ أَفْضَلُ مِنْ الشَّعِيرِ، وَلَا شَكَّ
стр. 1489
فِي أَنَّ الدَّقِيقَ وَالْخُبْزَ مِنْ الْبُرِّ وَالسُّكَّرُ أَفْضَلُ مِنْ الْبُرِّ وَأَقَلُّ مُؤْنَةٍ وَأَعْجَلُ نَفْعًا، فَمَرَّةً يُجِيزُونَ مَا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ، وَمَرَّةً يَمْنَعُونَ مِمَّا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ؛ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشَّافِعِيِّينَ وَلَا فَرْقَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَشَغِبَ الْحَنَفِيُّونَ بِأَخْبَارٍ نَذْكُرُ مِنْهَا طَرَفًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -:
مِنْهَا خَبَرٌ - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ سَمِعَ أَبَا قِلَابَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَدَّى إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نِصْفَ صَاعٍ بُرٍّ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ سُلْتٍ، أَوْ زَبِيبٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَكَثُرَتْ الْحِنْطَةُ جَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثَ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ: صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ " كَانَ النَّاسُ يُعْطُونَ زَكَاةَ رَمَضَانَ نِصْفَ صَاعٍ، فَأَمَّا إذْ أَوْسَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّاسِ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ ".
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ: كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ
стр. 1490
تُعْطِي زَكَاةَ الْفِطْرِ - عَمَّنْ تَمَوَّنَ - صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ فَقِيرٍ وَغَنِيٍّ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: زَكَاةُ الْفِطْرِ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ.
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: وَبَلَغَنِي هَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِنْ طَرِيق عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ. وَالْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ - يَعْنِي فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبَ ثنا دَاوُد يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ - إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا؛ فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءَ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ» .
стр. 1491
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ مَرْوَانَ بَعَثَ إلَى أَبِي سَعِيدٍ: أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِزَكَاةِ رَقِيقِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إنَّ مَرْوَانَ لَا يَعْلَمُ، إنَّمَا عَلَيْنَا أَنَّ نُطْعِمَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: " ذَكَرْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ لَا أُخْرِجُ إلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعَ زَبِيبٍ أَوْ صَاعَ أَقِطٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ؟ فَقَالَ: لَا، تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ، لَا أَقْبَلُهَا، وَلَا أَعْمَلُ بِهَا ".
فَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ يَمْنَعُ مِنْ " الْبُرِّ " جُمْلَةً؛ وَمِمَّا عَدَا مَا ذُكِرَ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إيجَابُ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَيْنَا بِذَلِكَ، وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَنَاقَضَ هَاهُنَا الْمَالِكِيُّونَ الْمُهَوِّلُونَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَخَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، (وَعُثْمَانَ) وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، وَهُوَ عَنْهُمْ كُلُّهُمْ صَحِيحٌ إلَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ يَحْتَجُّونَ بِأَضْعَفَ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ إذَا وَافَقَتْهُمْ. ثُمَّ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ: ابْنَ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرَهُمْ أَفَلَا يَتَّقِي اللَّهَ مَنْ يَزِيدُ فِي الشَّرَائِعِ مَا لَمْ يَصِحَّ قَطُّ، مِنْ جَلْدِ الشَّارِبِ لِلْخَمْرِ ثَمَانِينَ، بِرِوَايَةٍ لَمْ تَصِحَّ قَطُّ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ قَدْ صَحَّ خِلَافُهَا عَنْهُ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ قَبْلَهُ، وَعَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ بَعْدَهُ، وَالْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُخَالِفُهُمْ
стр. 1492
مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَمَعَهُمْ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ -: ثُمَّ لَا يَلْتَفِتُ هَاهُنَا إلَى هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ - الْمُتَزَيِّنُونَ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِاتِّبَاعِهِمْ - فَقَدْ خَالَفُوا أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ؛ وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَأُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَخَالَفُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبَا مَسْعُودٍ، وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَبِلَالًا وَأَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَابْنَ عُمَرَ، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ كُلِّ مَنْ يُجِيزُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ جِدًّا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ لَيْسَ عَلَى الْأَعْرَابِ، أَهْلِ الْبَادِيَةِ زَكَاةُ الْفِطْرِ - وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهَا عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ فِي ذَلِكَ اللَّبَنِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَخُصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْرَابِيًّا وَلَا بَدَوِيًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَمْ يُجِزْ تَخْصِيصَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُجْزِئُ لَبَنٌ وَلَا غَيْرُهُ، إلَّا الشَّعِيرَ، أَوْ التَّمْرَ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْحَمْلُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَهَا عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَالْجَنِينُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ: صَغِيرٍ، فَإِذَا أَكْمَلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَبْلَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ وَجَبَ أَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ حَفْصُ: ثنا شُعْبَةُ، وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثُمَّ اتَّفَقَ سُفْيَانُ، وَشُعْبَةُ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ: ثنا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ثنا عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ ثنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، رِزْقُهُ، وَعَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، ثُمَّ يُكْتَبُ: شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هُوَ قَبْلَ مَا ذَكَرْنَا مَوَاتَ، فَلَا حُكْمَ عَلَى مَيِّتٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَ حَيًّا كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكُلُّ حُكْمٍ وَجَبَ عَلَى الصَّغِيرِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: ثنا أَبِي ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ وَقَتَادَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يُعْطِي
стр. 1493
صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، وَالْحَمْلِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَأَبُو قِلَابَةَ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ وَصَحِبَهُمْ وَرَوَى عَنْهُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْحَمْلِ أَيُزَكَّى عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَلَا يُعْرَفُ لِعُثْمَانَ فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ بِمِثْلِ هَذَا إذَا وَافَقَهُمْ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ]
٧٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَيُؤَدِّيهَا الْمُسْلِمُ عَنْ رَقِيقِهِ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي الْكُفَّارِ؟ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا تُؤَدَّى إلَّا عَنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ رَقِيقِ التِّجَارَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: تُؤَدَّى عَنْهُمْ زَكَاةُ الْفِطْرِ. وَقَالُوا كُلُّهُمْ - حَاشَا أَبَا سُلَيْمَانَ -: يُخْرِجُهَا السَّيِّدُ عَنْهُمْ، وَبِهِ نَقُولُ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانُ: يُخْرِجُهَا الرَّقِيقُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ إخْرَاجَهَا عَنْ الرَّقِيقِ الْكُفَّارِ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَبِهِ نَأْخُذُ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْقَاطُهَا عَنْ الْمُسْلِمِ فِي الْكُفَّارِ مِنْ رَقِيقِهِ وَلَا إيجَابُهَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا الْخَبَرُ وَحْدَهُ لَمَا وَجَبَتْ عَلَيْنَا زَكَاةُ الْفِطْرِ إلَّا عَنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَقِيقِنَا فَقَطْ. وَلَكِنْ وَجَدْنَا حَدَّثَنَاهُ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ قَالَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ الْقَاضِي ثنا يَحْيَى بْنُ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الشَّرِيفِ ثنا
стр. 1494
مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ الْخَوْلَانِيِّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْغَافِقِيُّ قَالَا جَمِيعًا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَعَبْدِهِ صَدَقَةٌ، إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَوْجَبَ ﵊ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي رَقِيقِهِ عُمُومًا، فَكَانَ هَذَا زَائِدًا عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَكَانَ بَاقِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَعْضَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، لَا مُعَارِضًا لَهُ أَصْلًا، فَلَمْ يَجُزْ خِلَافُ هَذَا الْخَبَرِ.
وَبِهَذَا الْخَبَرِ تَأْدِيَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى السَّيِّدِ عَنْ رَقِيقِهِ، لَا عَلَى الرَّقِيقِ؟ وَبِهِ أَيْضًا يَسْقُطُ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ فِي الرَّقِيقِ، لِأَنَّهُ ﵇ أَبْطَلَ كُلَّ زَكَاةٍ فِي الرَّقِيقِ إلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ أَتَوْا إلَى زَكَاتَيْنِ مَفْرُوضَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا فِي الْمَوَاشِي، وَالْأُخْرَى زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ -: فَأَسْقَطُوا بِإِحْدَاهُمَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ فِي الْمَوَاشِي الْمُتَّخَذَةِ لِلتِّجَارَةِ، وَأَسْقَطُوا الْأُخْرَى بِزَكَاةِ التِّجَارَةِ فِي الرَّقِيقِ وَحَسْبُكَ بِهَذَا تَلَاعُبًا؟
стр. 1495
وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ غَلَّبُوا مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» وَلَمْ يُغَلِّبُوا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ فِي أَنَّ «صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» عَلَى مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ «إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» وَهَذَا تَحَكُّمٌ فَاسِدٌ وَتَنَاقُضٌ وَلَا بُدَّ مِنْ تَغْلِيبِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بَيَانُ نَصٍّ فِي الْأَخَصِّ بِنَفْيِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي الْأَعَمِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَعَلَى مِنْ زَكَاة فِطْره]
٧٠٦ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَعَلَى سَيِّدَيْهِمَا إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، يُخْرِجُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَالِكَيْهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّقِيقُ كَثِيرًا بَيْنَ سَيِّدَيْنِ فَصَاعِدًا؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ عَلَى سَيِّدَيْهِ وَلَا عَلَيْهِ أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَثُرَ الرَّقِيقُ الْمُشْتَرَكُ؟ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُخْرِجُ عَنْهُ سَيِّدَاهُ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَثُرَ الرَّقِيقُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لِمَنْ أُسْقِطَ عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَعَنْ سَيِّدِهِ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ سَيِّدَيْهِ يَمْلِكُ عَبْدًا، وَلَا أَمَةً - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ مَلَكَ بَعْضَ الصَّاعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ، فَكَذَلِكَ مَنْ مَلَكَ بَعْضَ عَبْدٍ، أَوْ بَعْضَ كُلِّ عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ مِنْ رَقِيقٍ كَثِيرٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَمْلِكُ عَبْدًا، وَلَا أَمَةً فَصَدَقُوا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقُلْ: يُخْرِجُهَا كُلُّ أَحَدٍ عَنْ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» فَهَؤُلَاءِ رَقِيقٌ، وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ رَقِيقٌ، فَالصَّدَقَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ بِنَصِّ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَهَذَا اسْمٌ يَعُمُّ النَّوْعَ كُلَّهُ وَبَعْضَهُ، وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، وَبِهَذَا النَّصِّ لَمْ يَجُزْ فِي الرَّقَبَةِ الْوَاجِبَةِ نِصْفَا رَقَبَتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ " رَقَبَةٌ " وَالنَّصُّ جَاءَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ؟ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: مَنْ أَعْطَى نِصْفَيْ شَاتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ أَجْزَأَتْهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ رَقَبَتَيْنِ فِي رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُجْزِهِ؟
стр. 1496
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَنْ كَانَ مِنْ مَمْلُوكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَعَلَى سَادَاتِهِ فِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ؛ فَإِنْ كَانَ عَبْدَانِ فَصَاعِدًا عَنْ اثْنَيْنِ فَلَا صَدَقَةَ فِطْرٍ عَلَى الرَّقِيقِ وَلَا عَلَى مَنْ يَمْلِكُهُمْ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا بَعْضَ الصَّاعِ فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ لِلْخَطَأِ عَلَى الْخَطَأِ، بَلْ مَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ صَاعٍ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، عَلَى مَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَيْسَ زَكَاةُ الْفِطْرِ إلَّا عَنْ مَمْلُوكٍ تَمْلِكُهُ، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إيجَابِهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ، وَكَبِيرٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، وَخَالَفُوا فِيهِ الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الزَّكَاةَ فِي الْغَنَمِ الْمُشْتَرَكَةِ وَأَسْقَطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ الْمُشْتَرَكِ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاة الْفِطْر عَنْ الْمُكَاتَب الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ]
٧٠٧ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ فَهُوَ عَبْدٌ، يُؤَدِّي سَيِّدُهُ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ. فَإِنْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، أَوْ كَانَ عَبْدٌ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، أَوْ أَمَةٌ كَذَلِكَ -: فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ: عَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ إخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْهُ بِمِقْدَارِ مَا يَمْلِكُ مِنْهُ؛ وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ بِمِقْدَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَلَمْ يَرِدْ عَلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْطِيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ مُكَاتَبِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَدِّي السَّيِّدُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ مُكَاتَبِهِ وَعَنْ مِقْدَارِ مَا يَمْلِكُ عَنْ الَّذِي بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي بَعْضُهُ رَقِيقٌ وَبَعْضُهُ حُرٌّ أَنْ يُخْرِجَ بَاقِيَ الصَّاعِ عَنْ بَعْضِهِ الْحُرِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لَا عَلَى الْمُكَاتَبِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى السَّيِّدِ أَدَاءَ الزَّكَاةِ عَنْ مُكَاتَبِهِ بِرِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ
стр. 1497
عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ رَقِيقِهِ وَرَقِيقِ امْرَأَتِهِ، وَكَانَ لَهُ مُكَاتَبٌ فَكَانَ لَا يُؤَدِّي عَنْهُ، وَكَانَ لَا يَرَى عَلَى الْمُكَاتَبِ زَكَاةً.
قَالُوا: وَهَذَا صَاحِبٌ لَا مُخَالِفَ لَهُ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ فِيمَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا الْأَثَرِ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى الْمَرْءِ إخْرَاجَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ رَقِيقِ امْرَأَتِهِ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ بَعْضُهُ حُجَّةً وَبَعْضُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَإِنْ قَالُوا: لَعَلَّهُ كَانَ يَتَطَوَّعُ بِإِخْرَاجِهَا عَنْ رَقِيقِ الْمَرْأَةِ؟ قِيلَ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ الْمُكَاتَبَ كَلَّفَهُ إخْرَاجَهَا مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا لِلْمَرْءِ أَنْ يُكَلِّفَ ذَلِكَ عَبْدَهُ، كَمَا يُكَلِّفُهُ الضَّرِيبَةَ؛ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ يُخْرِجَهَا الْمُكَاتَبُ عَنْ نَفْسِهِ؛ وَلَعَلَّهُ قَدْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ " لَعَلَّ ".
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ زَكَاةَ الْفِطْرِ نِصْفَ صَاعٍ؛ أَوْ عُشْرَ صَاعٍ، أَوْ تِسْعَةَ أَعْشَارٍ صَاعٍ فَقَطْ، وَهَذَا خِلَافُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَأَوْجَبَهَا عَلَى بَعْضِ إنْسَانٍ دُونَ سَائِرِهِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا؟ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْفِطْرِ فِيمَنْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ رَقِيقٍ مِمَّنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ عَبْدٌ، وَهَذَا مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَقُّ مِنْ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَهَا عَلَى الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ عَبْدٌ فَلَيْسَ حُرًّا، وَلَا هُوَ أَيْضًا عَبْدٌ، وَلَا هُوَ رَقِيقٌ، فَسَقَطَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَجِبَ عَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا بُدَّ بِهَذَا النَّصِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي الْمُكَاتَبِ يُؤَدِّي بَعْضَ كِتَابَتِهِ إنَّهُ يُؤَدِّيهَا عَنْ نَفْسِهِ -: فَهُوَ لِأَنَّ بَعْضَهُ حُرٌّ وَبَعْضَهُ مَمْلُوكٌ كَمَا ذَكَرْنَا؛ فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهِ لِمَا ذَكَرْنَا؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدِّمَشْقِيُّ
стр. 1498
ثنا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ - أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِمِقْدَارِ مَا أَدَّى وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِمِقْدَارِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؟ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ.
وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ. وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَعَطَاءٍ: يُؤَدِّيهَا عَنْهُ سَيِّدُهُ.
[مَسْأَلَةٌ إخْرَاجُ بَعْضِ الصَّاعِ شَعِيرًا وَبَعْضِهِ تَمْرًا فِي زَكَاة الْفِطْر]
٧٠٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ بَعْضِ الصَّاعِ شَعِيرًا وَبَعْضِهِ تَمْرًا، وَلَا تُجْزِئُ قِيمَةٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْقِيمَةُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ لِلزَّكَاةِ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ فَيَجُوزُ رِضَاهُ، أَوْ إبْرَاؤُهُ.
[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِج زَكَاة الْفِطْر إلَّا عَنْ نَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ]
٧٠٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَا عَنْ أُمِّهِ، وَلَا عَنْ زَوْجَتِهِ، وَلَا عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا أَحَدٍ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَلَا تَلْزَمُهُ إلَّا عَنْ نَفْسِهِ، وَرَقِيقِهِ فَقَطْ.
وَيَدْخُلُ فِي: الرَّقِيقِ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، وَالْمُدَبَّرُونَ، غَائِبُهُمْ وَحَاضِرُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُخْرِجُهَا عَنْ زَوْجَتِهِ، وَعَنْ خَادِمِهَا الَّتِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهَا وَلَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَجِيرِهِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: يُخْرِجُهَا عَنْ زَوْجَتِهِ، وَعَنْ أَجِيرِهِ الَّذِي لَيْسَتْ أُجْرَتُهُ مَعْلُومَةً، فَإِنْ كَانَتْ أُجْرَتُهُ مَعْلُومَةً فَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا عَنْهُ، وَلَا عَنْ رَقِيقِ امْرَأَتِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَوْجَبَهَا عَلَى الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ وَخَادِمِهَا إلَّا خَبَرًا رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ
стр. 1499
الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، مِمَّنْ تَمُونُونَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفِي هَذَا الْمَكَانِ عَجَبٌ عَجِيبٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِالْمُرْسَلِ، ثُمَّ أَخَذَ هَاهُنَا بِأَنْتَنِ مُرْسَلٍ فِي الْعَالِمِ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى. وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، وَيَحْتَجُّونَ بِرِوَايَةِ كُلِّ كَذَّابٍ، وَسَاقِطٍ؛ ثُمَّ تَرَكُوا هَذَا الْخَبَرَ وَعَابُوهُ بِالْإِرْسَالِ وَبِضَعْفِ رَاوِيهِ وَتَنَاقَضُوا فَقَالُوا: لَا يُزَكِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَعَلَيْهِ - فُرِضَ - أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهَا فَحَسْبُكُمْ بِهَذَا تَخْلِيطًا.
وَأَمَّا تَقْسِيمُ اللَّيْثِ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْخَبَرِ ثُمَّ خَالَفُوهُ؛ فَلَمْ يَرَوْا أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْأَجِيرِ، وَهُوَ مِمَّنْ يُمَوَّنُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إيجَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، وَالْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى: هُوَ إيجَابٌ لَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ فِيهِ إلَّا مَنْ أَوْجَبَهُ النَّصُّ، وَهُوَ الرَّقِيقُ فَقَطْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَوَاجِبٌ عَلَى ذَاتِ الزَّوْجِ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ رَقِيقِهَا، بِالنَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟
[مَسْأَلَةٌ مِنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ لَهُ رَقِيقٌ فَمنْ يَخْرَج زَكَاة الْفِطْر عَنْهُمْ]
٧١٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ مِنْ الْعَبِيدِ لَهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا عَنْهُمْ لَا عَلَى سَيِّدِهِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ، وَلَا عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» . فَالْعَبْدُ مُسْلِمٌ وَهُوَ رَقِيقٌ لِغَيْرِهِ، وَلَهُ رَقِيقٌ، فَعَلَى مَنْ هُوَ لَهُ رَقِيقٌ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهُ؛ وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ رَقِيقِهِ بِالنَّصِّ الْمَذْكُورِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَا يَلْزَمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَتَلْزَمُهُ عَنْ غَيْرِهِ؟ قُلْنَا: كَمَا حَكَمَ فِي ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ . ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِهَذَا حَيْثُ تُخْطِئُونَ، فَتَقُولُونَ:
стр. 1500
إنَّ الزَّوْجَةَ لَا تُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهَا، وَعَلَيْهَا أَنْ تُخْرِجَهَا عَنْ رَقِيقِهَا حَاشَا مَنْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ لِخِدْمَتِهَا؟
وَلَوَدِدْنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا يَقُولُ الْحَنَفِيُّونَ فِي نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ أَوْ عَبْدُهُ فَحُبِسَ لِيُبَاعَ فَجَاءَ الْفِطْرُ، عَلَى مَنْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَنْهُمَا؟ وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ لَا تَقَعَانِ فِي قَوْلِنَا أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ سَاعَةَ تَسَلُّمِ أُمِّ وَلَدِهِ أَوْ عَبْدِهِ: عَتَقَا فِي الْوَقْتِ.
[مَسْأَلَةٌ لَهُ عَبْدَانِ فَأَكْثَرُ فَهَلْ يَخْرَج صَدَقَة الْفِطْر عَنْهُمَا]
٧١١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَهُ عَبْدَانِ فَأَكْثَرُ فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ أَحَدِهِمَا تَمْرًا وَعَنْ الْآخَرِ شَعِيرًا، صَاعًا صَاعًا. وَإِنْ شَاءَ التَّمْرَ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ شَاءَ الشَّعِيرَ عَنْ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ؟
[مَسْأَلَةٌ الصِّغَارُ مِنْ يدفع زَكَاة الْفِطْر عَنْهُمْ]
٧١٢ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الصِّغَارُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُخْرِجَهَا الْأَبُ، وَالْوَلِيُّ عَنْهُمْ مِنْ مَالٍ إنْ كَانَ لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ فَلَا زَكَاةَ فِطْرٍ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤَدِّيهَا الْأَبُ عَنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ، فَإِنْ أَدَّاهَا مِنْ مَالِهِمْ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَهُ؟ قَالَ: وَيُؤَدِّيهَا عَنْ الْيَتِيمِ وَصِيُّهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ، وَعَنْ رَقِيقِ الْيَتِيمِ أَيْضًا؟ وَقَالَ زُفَرُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَيْسَ عَلَى الْيَتِيمِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، كَانَ لَهُ مَالٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ فَإِنْ أَدَّاهَا وَصِيُّهُ ضَمِنَهَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَى الْأَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ فَهِيَ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ وَهِيَ عَلَى الْيَتِيمِ فِي مَالِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْأَبَ لَا يُؤَدِّيهَا عَنْ وَلَدِهِ الْكِبَارِ، كَانَ لَهُمْ مَالٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا الدَّعْوَى: فِي أَنَّ الْقَصْدَ بِذِكْرِ الصِّغَارِ إنَّمَا هُوَ إلَى آبَائِهِمْ لَا إلَيْهِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِالْخِطَابِ إلَيْهِمْ فِي إيجَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى غَيْرِهِمْ -: فَمَنْ جَعَلَ الْآبَاءَ مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ دُونَ
стр. 1501
سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالْأَقَارِبِ، وَالْجِيرَانِ، وَالسُّلْطَانِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ الْأَبَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ رَجَعَ الْحَنِيفِيُّونَ إلَى مَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ؟ وَيَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ فِي هَذَا أَنْ يُؤَدِّيَهَا الْأَبُ - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - عَنْهُمْ، كَانَ لَهُمْ مَالٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ دُونَهُمْ. فَوَضَحَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ بِيَقِينٍ.
وَالْحَقُّ فِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلَى: الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ، فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ، وَادَّعَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْهُ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَوَجَدْنَا مَنْ لَا مَالَ لَهُ - مِنْ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ - لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ؛ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْهَا قَطُّ، وَلَمَّا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُهَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهَا، بِنَصِّ كَلَامِهِ ﵊ وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْيَتِيمِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مَحْدُودَةٌ بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَقْتُهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجِبَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا وَفِي غَيْرِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجِدُ مِنْ أَيْنَ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ]
٧١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَاَلَّذِي لَا يَجِدُ مِنْ أَيْنَ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْفِطْرِ فَلَيْسَتْ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَلَا تَلْزَمُهُ وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذُكِرَ أَيْضًا؟ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّمْرِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الشَّعِيرِ لِغَلَائِهِ، أَوْ قَدَرَ عَلَى الشَّعِيرِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّمْرِ لِغَلَائِهِ -: أَخْرَجَ صَاعًا وَلَا بُدَّ مِنْ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى بَعْضِ صَاعٍ أَدَّاهُ وَلَا بُدَّ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَهُوَ وَاسِعٌ لِبَعْضِ الصَّاعِ، فَهُوَ مُكَلَّفٌ إيَّاهُ، وَلَيْسَ وَاسِعًا لِبَعْضِهِ، فَلَمْ يُكَلَّفْهُ.
стр. 1502
وَهَذَا مِثْلُ الصَّلَاةِ، يَعْجِزُ عَنْ بَعْضِهَا وَيَقْدِرُ عَلَى بَعْضِهَا، وَمِثْلُ الدِّينِ، يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى سَائِرِهِ؟ وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ الصَّوْمِ، يَعْجِزُ فِيهِ عَنْ تَمَامِ الْيَوْمِ، أَوْ تَمَامِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ؛ وَلَا مِثْلُ الرَّقَبَةِ الْوَاجِبَةِ، وَالْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ، يَقْدِرُ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى سَائِرِهِ؛ فَلَا يُجْزِئُهُ شَيْءٌ مِنْهُ. لِأَنَّ مَنْ اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ صَاعٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بَعْضَهُ ثُمَّ بَعْضَهُ ثُمَّ بَعْضَهُ. وَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الْيَوْمِ، وَلَا يُسَمَّى مَنْ لَمْ يُتِمَّ صَوْمَ الْيَوْمِ صَائِمَ يَوْمٍ، إلَّا حَيْثُ جَاءَ بِهِ النَّصُّ فَيُجْزِئُهُ حِينَئِذٍ؟ وَأَمَّا بَعْضُ الرَّقَبَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ بِتَعْوِيضِ الصِّيَامِ مِنْ الرَّقَبَةِ إذَا لَمْ تُوجَدْ فَلَمْ يَجُزْ تَعَدِّي النَّصِّ، وَكَانَ مُعْتِقُ بَعْضِ رَقَبَةٍ مُخَالِفًا لِمَا أُمِرَ بِهِ وَافْتُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّقَبَةِ التَّامَّةِ، أَوْ مِنْ الْإِطْعَامِ الْمُعَوِّضِ مِنْهَا، أَوْ الصِّيَامِ الْمُعَوِّضِ مِنْهَا. وَأَمَّا بَعْضُ الشَّهْرَيْنِ فَمِنْ بَعْضِهَا، أَوْ فَرَّقَهُمَا فَلَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ مُتَتَابِعًا، فَهُوَ عَلَيْهِ أَوْ عَوَّضَهُ حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِالتَّعْوِيضِ مِنْهُ. وَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنَّ بَعْضَ الْهَدْيِ مَعَ بَعْضِ هَدْيٍ آخَرَ لَا يُسَمَّى هَدْيًا، فَلَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ؛ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِ؟ وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَيُجْزِئُهُ مَا وَجَدَ مِنْهُ حَتَّى يَجِدَ بَاقِيَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ مُرْتَبِطًا بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الْآخِرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ وَالْآبِقِ وَالْغَائِبِ وَالْمَغْصُوبِ]
٧١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ، وَالْآبِقِ، وَالْغَائِبِ، وَالْمَغْصُوبِ، لِأَنَّهُمْ رَقِيقُهُ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ. وَلِلسَّيِّدِ إنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مَالٌ أَوْ كَسْبٌ أَنْ يُكَلِّفَهُ إخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ كَسْبِهِ أَوْ مَالِهِ، لِأَنَّ لَهُ انْتِزَاعَ مَالٍ مَتَى شَاءَ، وَلَهُ أَنْ يُكَلِّفَهُ الْخَرَاجَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَصْرِفَ مَا كُلِّفَهُ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا شَاءَ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمَجْنُونِ]
٧١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَالزَّكَاةُ لِلْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَجْنُونِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ
стр. 1503
أُنْثَى، حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ فَقِيرًا فَأَخَذَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَفَضَلَ لَهُ مَا يُعْطِي فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ]
٧١٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَخَذَ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَوْ غَيْرِهَا مِقْدَارَ مَا يَقُومُ بِقُوتِ يَوْمِهِ وَفَضَلَ لَهُ مِنْهُ مَا يُعْطِي فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ -: لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ لَهُ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَلَهُ أَخْذُهَا، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا. وَقَالَ سُفْيَانُ: مَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَهُوَ غَنِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَهُوَ فَقِيرٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُمَا: مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَهُوَ غَنِيٌّ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَقَلُّ فَهُوَ فَقِيرٌ؟ وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سَنَتَكَلَّمُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْفَقِيرِ بِإِسْقَاطِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْهُ - إذَا كَانَ وَاجِدًا لِمِقْدَارِهَا أَوْ لِبَعْضِهِ - قَوْلٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ، نَعْنِي بِإِسْقَاطِهَا عَنْ الْفَقِيرِ، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّصُّ بِإِسْقَاطِ تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ فَقَطْ؛ فَإِذَا كَانَتْ فِي وُسْعِ الْفَقِيرِ فَهُوَ مُكَلَّفٌ إيَّاهَا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: «عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ فِي الْفَقِيرِ: أَنَّهُ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَيُعْطِيهَا؟
[مَسْأَلَةٌ أَرَادَ إخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ]
٧١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَرَادَ إخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ أَوْ الْكِبَارِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ -: لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَهَبَهَا لَهُمْ، ثُمَّ يُخْرِجَهَا عَنْ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يُخْرِجَهَا عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنْ الْبَالِغِينَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهُمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا فَرَضَهَا عَلَيْهِ فِيمَا يَجِدُ مِمَّا هُوَ قَادِرٌ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْهُ، أَوْ يَكُونُ وَلِيُّهُ قَادِرًا عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ مَالُ غَيْرِهِ مَكَانًا لِأَدَاءِ الْفَرْضِ عَنْهُ؛ إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ؛ فَإِذَا وَهَبَهَا لَهُ فَقَدْ صَارَ مَالِكًا لِمِقْدَارِهَا، فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْ؛ وَلَا يَعْقِلُ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] .
стр. 1504
وَأَمَّا الْبَالِغُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ وَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
٧١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَوَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ - الَّذِي لَا تَجِبُ قَبْلَهُ، إنَّمَا تَجِبُ بِدُخُولِهِ، ثُمَّ لَا تَجِبُ بِخُرُوجِهِ -: فَهُوَ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، مُمْتَدًّا إلَى أَنْ تَبْيَضَّ الشَّمْسُ وَتَحِلَّ الصَّلَاةُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ نَفْسِهِ؛ فَمَنْ مَاتَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَمَنْ وُلِدَ حِينَ ابْيِضَاضِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ أَسْلَمَ كَذَلِكَ -: فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَمَنْ مَاتَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ أَوْ وُلِدَ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ تَمَادَتْ حَيَاتُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ -: فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا وَلَهُ مِنْ ابْنٍ يُؤَدِّيهَا فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا مَتَى أَدَّاهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقْتُهَا مَغِيبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَنْ وُلِدَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ أَوْ أَسْلَمَ فَلَا زَكَاةَ فِطْرٍ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ فِيهَا فَهِيَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَقْتُهَا انْشِقَاقُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، فَمَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِطْرٍ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ، وَمَرَّةً قَالَ: إنَّ مَنْ وُلِدَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَمَّا مَنْ رَأَى وَقْتَهَا غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ قَالَ: هِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفِطْرُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْخُرُوجُ عَنْهُ جُمْلَةً.
وَقَالَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ رَأَوْا وَقْتَهَا طُلُوعَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ: إنَّ هَذَا هُوَ وَقْتُ الْفِطْرِ، لَا مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَانَ يُفْطِرُ كَذَلِكَ ثُمَّ يُصْبِحُ صَائِمًا فَإِنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ صَوْمِهِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْفِطْرِ، لَا قَبْلَهُ، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ وَقْتُهَا بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .
стр. 1505
فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الْمُصَلَّى» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا وَقْتُ أَدَائِهَا بِالنَّصِّ، وَخُرُوجُهُمْ إلَيْهَا إنَّمَا هُوَ لِإِدْرَاكِهَا، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْفِطْرِ هُوَ جَوَازُ الصَّلَاةِ بِابْيِضَاضِ الشَّمْسِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَمَّ الْخُرُوجُ إلَى صَلَاةِ الْفِطْرِ بِدُخُولِهِمْ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا؟ وَبَقِيَ الْقَوْلُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا: فَوَجَدْنَا الْفِطْرَ الْمُتَيَقَّنَ إنَّمَا هُوَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ؛ وَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ وَقْتَهَا غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَقْتِ الَّذِي أُمِرَ ﵇ بِأَدَائِهَا فِيهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَنْ لَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَقَدْ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ وَمَالِهِ لِمَنْ هِيَ لَهُ، فَهِيَ دَيْنٌ لَهُمْ، وَحَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَقَدْ وَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالٍ وَحَرُمَ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا فِي مَالِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا أَبَدًا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَيَسْقُطُ بِذَلِكَ حَقُّهُمْ، وَيَبْقَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَضْيِيعِهِ الْوَقْتَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى جَبْرِهِ إلَّا بِالِاسْتِغْفَارِ وَالنَّدَامَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا أَصْلًا. فَإِنْ ذَكَرُوا خَبَرَ «أَبِي هُرَيْرَةَ إذْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَبِيتِ عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ لَيْلَةً، وَثَانِيَةً، وَثَالِثَةً» -: فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا تَخْلُو تِلْكَ اللَّيَالِي أَنْ تَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ شَوَّالٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ، وَلَا يُظَنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ حَبَسَ صَدَقَةً وَجَبَ أَدَاؤُهَا عَنْ أَهْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ شَوَّالٍ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يُكْمِلْ وَحَبَسَ وُجُودَ أَهْلِهَا؛ وَفِي تَأْخِيرِهِ ﵊ إعْطَاءَهَا بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ إخْرَاجِهَا لَمْ يَحِنْ بَعْدُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ فَلَمْ يُخْرِجْهَا ﵇.
فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَلَا يُجْزِئُ؛ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ لَيَالِي شَوَّالٍ فَبِلَا
стр. 1506
شَكٍّ أَنَّ أَهْلَهَا لَمْ يُوجَدُوا، فَتَرَبَّصَ ﵊ وُجُودَهُمْ. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ؟
[قَسْمُ الصَّدَقَةِ]
[مَسْأَلَةٌ مَنْ تَوَلَّى تَفْرِيقَ زَكَاةِ مَالِهِ أَوْ زَكَاةِ فِطْرِهِ أَوْ تَوَلَّاهَا الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُهُ]
قَسْمُ الصَّدَقَةِ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَوَلَّى تَفْرِيقَ زَكَاةِ مَالِهِ أَوْ زَكَاةِ فِطْرِهِ أَوْ تَوَلَّاهَا الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُهُ -: فَإِنَّ الْإِمَامَ، أَوْ أَمِيرَهُ: يُفَرِّقَانِهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ مُسْتَوِيَةٍ: لِلْمَسَاكِينِ سَهْمٌ، وَلِلْفُقَرَاءِ سَهْمٌ، وَفِي الْمُكَاتَبِينَ وَفِي عِتْقِ الرِّقَابِ سَهْمٌ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى سَهْمٌ، وَلِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ سَهْمٌ، وَلِلْعُمَّالِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَهَا سَهْمٌ، وَلِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ سَهْمٌ.
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ زَكَاةَ مَالِهِ فَفِي سِتَّةِ أَسْهُمٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَسْقُطُ: سَهْمُ الْعُمَّالِ، وَسَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَهْلِ سَهْمٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ، فَيُعْطِي مَنْ وَجَدَ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ أَهْلِ السِّهَامِ دُونَ بَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَجِدَ، فَيُعْطِيَ مَنْ وَجَدَ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهَا كَافِرًا، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَالْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَا أَحَدًا مِنْ مَوَالِيهِمْ؟ فَإِنْ أَعْطَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا - عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا - لَمْ يُجْزِهِ، وَلَا جَازَ لِلْآخِذِ، وَعَلَى الْآخِذِ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ، وَعَلَى الْمُعْطِي أَنْ يُوفِيَ ذَلِكَ الَّذِي أَعْطَى فِي أَهْلِهِ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْزِئُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْءُ صَدَقَتَهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهَا؟ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى عُمُومِ جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ وَجَمِيعِ الْمَسَاكِينِ. فَصَحَّ أَنَّهَا فِي الْبَعْضِ.
стр. 1507
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
فَصَحَّ أَنَّ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْمَرْءُ فَهُوَ سَاقِطٌ عَنْهُ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا اسْتَطَاعَ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إيفَائِهِ؛ فَسَقَطَ عُمُومُ كُلِّ فَقِيرٍ وَكُلِّ مِسْكِينٍ، وَبَقِيَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهَا سَقَطَ عَنْهُ أَيْضًا؛ وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُسْقِطَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ وَذَكَرُوا حَدِيثَ الذُّهَيْبَةِ الَّتِي قَسَمَهَا ﵊ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ، وَأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الذُّهَيْبَةُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا؛ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْطَى ﵊ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَيْرِ الصَّدَقَةِ، بَلْ قَدْ أَعْطَاهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ.
وَذَكَرُوا حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ صَدَقَةَ بَنِي زُرَيْقٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ سَائِرَ الْأَصْنَافِ مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ؟ وَادَّعَى قَوْمٌ: أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ قَدْ سَقَطَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ هُمْ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، وَإِنَّمَا يَسْقُطُونَ هُمْ وَالْعَامِلُونَ إذَا تَوَلَّى الْمَرْءُ قِسْمَةَ صَدَقَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ عَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَأَمْرُ الْمُؤَلَّفَةِ إلَى الْإِمَامِ لَا إلَى غَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ أَمَرَ لِقَوْمٍ بِمَالٍ - وَسَمَّاهُمْ - أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَخُصَّ بِهِ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَمِنْ الْمُصِيبَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ أَمْرَ النَّاسِ أَوْكَدُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى -: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا رِفَاعَةُ
стр. 1508
عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ اسْتَعْمَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَلَى صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ، فَأَتَاهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ رَافِعٌ إنَّ عَهْدِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ وَإِنِّي جَزَيْتُهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَقَسَّمْتُهَا، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ» .
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّكَاةِ: ضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي نَصِيبِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ رَدُّهُ عَلَى الْآخَرِينَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ضَعْهَا حَيْثُ أَمَرَك اللَّهُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَرَافِعٍ، كَمَا أَوْرَدْنَا، وَرُوِّينَا الْقَوْلَ الثَّانِي عَنْ حُذَيْفَةَ؛ وَعَطَاءٍ، وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ -: فَلِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ: لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا، وَلَا يَقَعُ عَلَى وَاحِدٍ، وَلِلتَّثْنِيَةِ بِنِيَّةٍ فِي اللُّغَةِ، تَقُولُ: مِسْكِينٌ لِلْوَاحِدِ، وَمِسْكِينَانِ لِلِاثْنَيْنِ، وَمَسَاكِينُ لِلثَّلَاثَةِ، فَصَاعِدًا، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفُقَرَاءِ وَسَائِرُ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا أَنْ لَا يُعْطِيَ كَافِرًا فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ فِي حَدِيثِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» . فَإِنَّمَا جَعَلَهَا ﵊ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ.
وَأَمَّا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " أَنَّ رَسُولَ
стр. 1509
اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ الْقَوْمِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي: مَنْ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَا عَقِبَ لِهَاشِمٍ مِنْ غَيْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُ لَا عَقِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ ﵊ أَهْلٌ إلَّا وَلَدُ الْعَبَّاسِ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالْحَارِثِ؛ وَأَبِي لَهَبٍ: بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَطْ؛ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَطْ وَمَوَالِيهِمْ.
وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ: آلُ مُحَمَّدٍ: جَمِيعُ قُرَيْشٍ، وَلَيْسَ الْمَوَالِي مِنْهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - ثنا شُعْبَةُ ثنا الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَرَادَ أَبُو رَافِعٍ أَنْ يَتْبَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .
فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ أَخْرَجَ الْمَوَالِيَ مِنْ حُكْمِهِمْ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ.
وَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ
стр. 1510
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَنِي «جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّهُ جَاءَ هُوَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُكَلِّمَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَسَمَ مِنْ الْخُمْسِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَسَمْتَ لِإِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا، وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ مِنْكَ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» . فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِهِمْ فِي شَيْءٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِنَصِّ كَلَامِهِ ﵊؛ فَصَحَّ أَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ، وَإِذْ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ؛ فَيَخْرُجُ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ، وَبَنُو نَوْفَلٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ، وَسَائِرُ قُرَيْشٍ عَنْ هَذَيْنِ: الْبَطْنَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَا يَحِلُّ لِهَذَيْنِ الْبَطْنَيْنِ صَدَقَةُ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ أَصْلًا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» فَسَوَّى بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَّا مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ، كَالْهِبَةِ، وَالْعَطِيَّةِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَالنُّحْلِ، وَالْحَبْسِ، وَالصِّلَةِ، وَالْبِرِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا تُجْزِئُ إنْ وُضِعَتْ فِي يَدِ مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ - فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا لِقَوْمٍ خَصَّهُمْ بِهَا؛ فَصَارَ حَقُّهُمْ فِيهَا؛ فَمَنْ أَعْطَى مِنْهَا غَيْرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَوَجَبَ عَلَى الْمُعْطِي إيصَالُ مَا عَلَيْهِ إلَى مَنْ هُوَ لَهُ، وَوَجَبَ عَلَى الْآخِذِ رَدُّ مَا أَخَذَ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
следующие страницы →