Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
شَكٍّ أَنَّ أَهْلَهَا لَمْ يُوجَدُوا، فَتَرَبَّصَ ﵊ وُجُودَهُمْ. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ؟
[قَسْمُ الصَّدَقَةِ]
[مَسْأَلَةٌ مَنْ تَوَلَّى تَفْرِيقَ زَكَاةِ مَالِهِ أَوْ زَكَاةِ فِطْرِهِ أَوْ تَوَلَّاهَا الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُهُ]
قَسْمُ الصَّدَقَةِ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَوَلَّى تَفْرِيقَ زَكَاةِ مَالِهِ أَوْ زَكَاةِ فِطْرِهِ أَوْ تَوَلَّاهَا الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُهُ -: فَإِنَّ الْإِمَامَ، أَوْ أَمِيرَهُ: يُفَرِّقَانِهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ مُسْتَوِيَةٍ: لِلْمَسَاكِينِ سَهْمٌ، وَلِلْفُقَرَاءِ سَهْمٌ، وَفِي الْمُكَاتَبِينَ وَفِي عِتْقِ الرِّقَابِ سَهْمٌ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى سَهْمٌ، وَلِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ سَهْمٌ، وَلِلْعُمَّالِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَهَا سَهْمٌ، وَلِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ سَهْمٌ.
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ زَكَاةَ مَالِهِ فَفِي سِتَّةِ أَسْهُمٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَسْقُطُ: سَهْمُ الْعُمَّالِ، وَسَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَهْلِ سَهْمٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ، فَيُعْطِي مَنْ وَجَدَ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ أَهْلِ السِّهَامِ دُونَ بَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَجِدَ، فَيُعْطِيَ مَنْ وَجَدَ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهَا كَافِرًا، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَالْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ، وَلَا أَحَدًا مِنْ مَوَالِيهِمْ؟ فَإِنْ أَعْطَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا - عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا - لَمْ يُجْزِهِ، وَلَا جَازَ لِلْآخِذِ، وَعَلَى الْآخِذِ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ، وَعَلَى الْمُعْطِي أَنْ يُوفِيَ ذَلِكَ الَّذِي أَعْطَى فِي أَهْلِهِ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْزِئُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْءُ صَدَقَتَهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهَا؟ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى عُمُومِ جَمِيعِ الْفُقَرَاءِ وَجَمِيعِ الْمَسَاكِينِ. فَصَحَّ أَنَّهَا فِي الْبَعْضِ.
стр. 1507
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
فَصَحَّ أَنَّ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْمَرْءُ فَهُوَ سَاقِطٌ عَنْهُ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا اسْتَطَاعَ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إيفَائِهِ؛ فَسَقَطَ عُمُومُ كُلِّ فَقِيرٍ وَكُلِّ مِسْكِينٍ، وَبَقِيَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهَا سَقَطَ عَنْهُ أَيْضًا؛ وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُسْقِطَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ وَذَكَرُوا حَدِيثَ الذُّهَيْبَةِ الَّتِي قَسَمَهَا ﵊ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ، وَأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الذُّهَيْبَةُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا؛ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعْطَى ﵊ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَيْرِ الصَّدَقَةِ، بَلْ قَدْ أَعْطَاهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ.
وَذَكَرُوا حَدِيثَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ صَدَقَةَ بَنِي زُرَيْقٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ سَائِرَ الْأَصْنَافِ مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ؟ وَادَّعَى قَوْمٌ: أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ قَدْ سَقَطَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ هُمْ الْيَوْمَ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، وَإِنَّمَا يَسْقُطُونَ هُمْ وَالْعَامِلُونَ إذَا تَوَلَّى الْمَرْءُ قِسْمَةَ صَدَقَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَالِكَ عَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَأَمْرُ الْمُؤَلَّفَةِ إلَى الْإِمَامِ لَا إلَى غَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ أَمَرَ لِقَوْمٍ بِمَالٍ - وَسَمَّاهُمْ - أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَخُصَّ بِهِ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ، فَمِنْ الْمُصِيبَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ أَمْرَ النَّاسِ أَوْكَدُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى -: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا رِفَاعَةُ
стр. 1508
عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ اسْتَعْمَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَلَى صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ، فَأَتَاهُ لَا شَيْءَ مَعَهُ فَسَأَلَهُ؟ فَقَالَ رَافِعٌ إنَّ عَهْدِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ وَإِنِّي جَزَيْتُهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَقَسَّمْتُهَا، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ» .
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّكَاةِ: ضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي نَصِيبِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ رَدُّهُ عَلَى الْآخَرِينَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ضَعْهَا حَيْثُ أَمَرَك اللَّهُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَرَافِعٍ، كَمَا أَوْرَدْنَا، وَرُوِّينَا الْقَوْلَ الثَّانِي عَنْ حُذَيْفَةَ؛ وَعَطَاءٍ، وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ -: فَلِأَنَّ اسْمَ الْجَمْعِ: لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا، وَلَا يَقَعُ عَلَى وَاحِدٍ، وَلِلتَّثْنِيَةِ بِنِيَّةٍ فِي اللُّغَةِ، تَقُولُ: مِسْكِينٌ لِلْوَاحِدِ، وَمِسْكِينَانِ لِلِاثْنَيْنِ، وَمَسَاكِينُ لِلثَّلَاثَةِ، فَصَاعِدًا، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفُقَرَاءِ وَسَائِرُ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ؟ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا أَنْ لَا يُعْطِيَ كَافِرًا فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ وَقَالَ لَهُ فِي حَدِيثِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» . فَإِنَّمَا جَعَلَهَا ﵊ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ.
وَأَمَّا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " أَنَّ رَسُولَ
стр. 1509
اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ الْقَوْمِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي: مَنْ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَطْ، لِأَنَّهُ لَا عَقِبَ لِهَاشِمٍ مِنْ غَيْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُ لَا عَقِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ ﵊ أَهْلٌ إلَّا وَلَدُ الْعَبَّاسِ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالْحَارِثِ؛ وَأَبِي لَهَبٍ: بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَطْ؛ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَطْ وَمَوَالِيهِمْ.
وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ: آلُ مُحَمَّدٍ: جَمِيعُ قُرَيْشٍ، وَلَيْسَ الْمَوَالِي مِنْهُمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ قَالَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - ثنا شُعْبَةُ ثنا الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَرَادَ أَبُو رَافِعٍ أَنْ يَتْبَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .
فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ أَخْرَجَ الْمَوَالِيَ مِنْ حُكْمِهِمْ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ.
وَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ
стр. 1510
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَنِي «جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّهُ جَاءَ هُوَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُكَلِّمَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَسَمَ مِنْ الْخُمْسِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَسَمْتَ لِإِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا، وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ مِنْكَ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» . فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِهِمْ فِي شَيْءٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِنَصِّ كَلَامِهِ ﵊؛ فَصَحَّ أَنَّهُمْ آلُ مُحَمَّدٍ، وَإِذْ هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ؛ فَيَخْرُجُ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ، وَبَنُو نَوْفَلٍ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ، وَسَائِرُ قُرَيْشٍ عَنْ هَذَيْنِ: الْبَطْنَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَا يَحِلُّ لِهَذَيْنِ الْبَطْنَيْنِ صَدَقَةُ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ أَصْلًا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» فَسَوَّى بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَّا مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ، كَالْهِبَةِ، وَالْعَطِيَّةِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَالنُّحْلِ، وَالْحَبْسِ، وَالصِّلَةِ، وَالْبِرِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا تُجْزِئُ إنْ وُضِعَتْ فِي يَدِ مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ - فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا لِقَوْمٍ خَصَّهُمْ بِهَا؛ فَصَارَ حَقُّهُمْ فِيهَا؛ فَمَنْ أَعْطَى مِنْهَا غَيْرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَوَجَبَ عَلَى الْمُعْطِي إيصَالُ مَا عَلَيْهِ إلَى مَنْ هُوَ لَهُ، وَوَجَبَ عَلَى الْآخِذِ رَدُّ مَا أَخَذَ بِغَيْرِ حَقٍّ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
стр. 1511
[مَسْأَلَةٌ إعْتَاق الْإِمَام مِنْ الزَّكَاةِ]
مَسْأَلَةٌ: الْفُقَرَاءُ هُمْ الَّذِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ أَصْلًا. وَالْمَسَاكِينُ: هُمْ الَّذِينَ لَهُمْ شَيْءٌ لَا يَقُومُ بِهِمْ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا مُوسِرٌ، أَوْ غَنِيٌّ، أَوْ فَقِيرٌ، أَوْ مِسْكِينٌ، فِي الْأَسْمَاءِ. وَمَنْ لَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ. وَمَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ. وَمَنْ لَهُ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ مِنْهُ. وَمَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَهَذِهِ مَرَاتِبُ أَرْبَعٌ مَعْلُومَةٌ بِالْحِسِّ.
فَالْمُوسِرُ بِلَا خِلَافٍ: هُوَ الَّذِي يَفْضُلُ مَالُهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ عَلَى السَّعَةِ.
وَالْغَنِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ فِي غِنًى عَنْ غَيْرِهِ.
وَكُلُّ مُوسِرٍ غَنِيٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ غَنِيٍّ مُوسِرًا -: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْمِسْكِينِ، وَالْفَقِيرِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي شَيْئَيْنِ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا: إنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ ضَرُورَةِ حِسٍّ؛ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَسَاكِينَ وَلَهُمْ سَفِينَةٌ؛ وَلَوْ كَانَتْ تَقُومُ بِهِمْ لَكَانُوا أَغْنِيَاءَ بِلَا خِلَافٍ. فَصَحَّ اسْمُ الْمِسْكِينِ بِالنَّصِّ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ.
وَبَقِيَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ أَصْلًا؛ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ إلَّا الْفَقِيرُ، فَوَجَبَ ضَرُورَةً أَنَّهُ ذَاكَ. وَرُوِّينَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، قَالُوا: فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى، وَلَا يَفْطِنُ لِحَاجَتِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى إلَّا أَنَّ لَهُ شَيْئًا لَا يَقُومُ لَهُ،
стр. 1512
فَهُوَ يَصْبِرُ وَيَنْطَوِي، وَهُوَ مُحْتَاجٌ وَلَا يَسْأَلُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] فَصَحَّ أَنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُمْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
قُلْنَا: صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ يَلْبَسُ الْمَرْءُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ إزَارًا وَرِدَاءً خَلِقَيْنِ غَسِيلَيْنِ لَا يُسَاوِيَانِ دِرْهَمًا، فَمَنْ رَآهُ كَذَلِكَ ظَنَّهُ غَنِيًّا، وَلَا يُعَدُّ مَالًا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِمَّا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ - وَذَكَرُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ:
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبْدُ
وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ عِيَالِهِ فَهُوَ غَنِيٌّ، وَإِنَّمَا صَارَ فَقِيرًا إذَا لَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبْدٌ، وَهُوَ قَوْلُنَا؟ وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا: هُمْ الْعُمَّالُ الْخَارِجُونَ مِنْ عِنْدِ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ طَاعَتُهُ، وَهُمْ الْمُصَدِّقُونَ، السُّعَاةُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ: أَنَا عَامِلٌ عَامِلًا، وَقَدْ قَالَ ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَكُلُّ مَنْ عَمِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْإِمَامُ الْوَاجِبَةُ طَاعَتُهُ فَلَيْسَ مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا؛ وَلَا يُجْزِئُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ، وَهِيَ مَظْلِمَةٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا، فَتُجْزِئُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَصَلَتْ إلَى أَهْلِهَا. وَأَمَّا عَامِلُ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ طَاعَتُهُ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ؛ وَلَيْسَ عَلَيْنَا مَا يَفْعَلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ وَلَا فَرْقَ، وَكَوَكِيلِ الْمُوَكِّلِ سَوَاءٌ سَوَاءٌ.
وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ لَهُمْ قُوَّةٌ لَا يُوثَقُ بِنَصِيحَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَتَأَلَّفُونَ بِأَنْ
стр. 1513
يُعْطَوْا مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَمِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ
وَالرِّقَابُ: هُمْ الْمُكَاتَبُونَ، وَالْعُتَقَاءُ؛ فَجَائِزٌ أَنْ يُعْطَوْا مِنْ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْطَى مِنْهَا الْمُكَاتَبُ. وَقَوْلُ غَيْرِهِ: يُعْطَى مِنْهَا مَا يُتِمُّ بِهِ كِتَابَتَهُ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ قَوْلَانِ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِمَا؟
وَبِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ؟ وَجَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مُكَاتَبُ الْهَاشِمِيِّ، وَالْمُطَّلِبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمَا، وَلَا مَوْلًى لَهُمَا مَا لَمْ يُعْتَقْ كُلُّهُ؟ وَإِنْ أَعْتَقَ الْإِمَامُ مِنْ الزَّكَاةِ رِقَابًا فَوَلَاؤُهَا لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلَا مِنْ مَالٍ بَاقٍ فِي مِلْكِ الْمُعْطِي الزَّكَاةَ.
فَإِنْ أَعْتَقَ الْمَرْءُ مِنْ زَكَاةِ نَفْسِهِ فَوَلَاؤُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مِنْ مَالِهِ، وَعَبْدِ نَفْسِهِ؛ وَقَدْ قَالَ ﵊: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَعْتِقْ مِنْ زَكَاتِك.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ إنْ مَاتَ رَجَعَ مِيرَاثُهُ إلَى سَيِّدِهِ. قُلْنَا: نَعَمْ هَذَا حَسَنٌ، إذَا بَلَغَتْ الزَّكَاةُ مَحَلَّهَا فَرُجُوعُهَا بِالْوُجُوهِ الْمُبَاحَةِ حَسَنٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ مِنْ زَكَاتِهِ عَلَى قَرِيبٍ لَهُ ثُمَّ مَاتَ فَوَجَبَ مِيرَاثُهُ لِلْمُعْطِي: إنَّهُ لَهُ حَلَالٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عَيْنُ زَكَاتِهِ.
وَالْغَارِمُونَ: هُمْ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ لَا تَفِي أَمْوَالُهُمْ بِهَا، أَوْ مَنْ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ وَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ بِهَا؛ فَأَمَّا مَنْ لَهُ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ فَلَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ غَارِمًا؟ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ مُسَاوَرٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هَارُونِ بْنِ رِئَابٍ حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ قَالَ: «تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا؟ فَقَالَ: أَقِمْ يَا
стр. 1514
قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرُ لَكَ بِهَا يَا قَبِيصَةُ إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحَمَالَةٍ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا سَبِيلُ اللَّهِ فَهُوَ الْجِهَادُ بِحَقٍّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا ابْنُ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ غَيْرِ مَعْمَرٍ فَأَوْقَفَهُ بَعْضُهُمْ، وَنَقَصَ بَعْضُهُمْ مِمَّا ذَكَرَ فِيهِ مَعْمَرٌ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا؟ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا فِي الْحَجِّ. قُلْنَا: نَعَمْ، وَكُلُّ فِعْلِ خَيْرٍ فَهُوَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، إلَّا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ كُلَّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُوضَعَ إلَّا حَيْثُ بَيَّنَ النَّصُّ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَابْنُ السَّبِيلِ: هُوَ مَنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ فَاحْتَاجَ؟ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ حَسَّانَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ فِي الْحَجِّ وَأَنْ يُعْتِقَ مِنْهَا النَّسَمَةَ؟
стр. 1515
وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الشَّافِعِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ: صَاحِبًا، لَا يُعْرَفُ مِنْهُمْ لَهُ مُخَالِفٌ.
[مَسْأَلَةٌ إعْطَاء الْمَرْء مِنْ الزَّكَاة مُكَاتَبَهُ وَمُكَاتَبَ غَيْرِهِ]
٧٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَجَازَ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْءُ مِنْهَا مُكَاتَبَهُ وَمُكَاتَبَ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ الْبِرِّ، وَالْعَبْدُ الْمُحْتَاجُ الَّذِي يَظْلِمُهُ سَيِّدُهُ وَلَا يُعْطِيهِ حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ أَنَّهُ: أَجَازَ ذَلِكَ؟ وَمَنْ كَانَ أَبُوهُ؛ أَوْ أُمُّهُ؛ أَوْ ابْنُهُ، أَوْ إخْوَتُهُ، أَوْ امْرَأَتُهُ مِنْ الْغَارِمِينَ، أَوْ غَزَوْا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ أَوْ كَانُوا مُكَاتَبِينَ -: جَازَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِنْ صَدَقَتِهِ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَدَاءُ دُيُونِهِمْ وَلَا عَوْنُهُمْ فِي الْكِتَابَةِ وَالْغَزْوِ وَكَمَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِالْمَنْعِ مِمَّا ذَكَرْنَا.
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ أَوْصَى عُمَرَ فَقَالَ: مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ إلَى غَيْرِ أَهْلِهَا لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ زَكَاةٌ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالدُّنْيَا جَمِيعِهَا، وَعَنْ الْحَسَنِ: لَا تُجْزِئُ حَتَّى يَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ إعْطَاء الْمَرْأَة زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا]
٧٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا؛ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السِّهَامِ، صَحَّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَفْتَى زَيْنَبَ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ إذْ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فَسَأَلَتْهُ: أَيَسَعُهَا أَنْ تَضَعَ صَدَقَتَهَا فِي زَوْجِهَا، وَفِي بَنِي أَخٍ لَهَا يَتَامَى؟ فَأَخْبَرَهَا ﵊ أَنَّ لَهَا أَجْرَيْنِ: أَجْرَ الصَّدَقَةِ وَأَجْرَ الْقَرَابَةِ» ؟ .
[مَسْأَلَةٌ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ]
٧٢٣ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ، كَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ أَرْبَعِينَ مِثْقَالًا أَوْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ أَرْبَعِينَ شَاةً أَوْ خَمْسِينَ بَقَرَةً، أَوْ أَصَابَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ تَمْرٍ وَهُوَ لَا يَقُومُ مَا مَعَهُ بِعَوْلَتِهِ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ أَوْ لِغَلَاءِ السِّعْرِ -: فَهُوَ مِسْكِينٌ، يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ مِنْ مَالِهِ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَ مَنْ حَدَّ الْغِنَى بِقُوتِ الْيَوْمِ، أَوْ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، أَوْ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أَوْ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ؟
стр. 1516
وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى الْغِنَى بِقُوتِ الْيَوْمِ بِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ النَّارِ، فَقِيلَ: وَمَا حَدُّ الْغِنَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: شِبَعُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» . وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: «إنْ يَكُنْ عِنْدَ أَهْلِكَ مَا يُغَدِّيهِمْ أَوْ مَا يُعَشِّيهِمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي كُلَيْبٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً يَتَكَثَّرُ بِهَا عَنْ غِنًى فَقَدْ اسْتَكْثَرَ مِنْ النَّارِ، فَقِيلَ: مَا الْغِنَى؟ قَالَ: غَدَاءٌ أَوْ عَشَاءٌ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ، لِأَنَّ أَبَا كَبْشَةَ السَّلُولِيَّ مَجْهُولٌ وَابْنَ لَهِيعَةَ سَاقِطٌ.
وَاحْتَجَّ مَنْ حَدَّ الْغِنَى بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا» . وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ» . قَالَ: " وَكَانَتْ الْأُوقِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ".
стр. 1517
وَمِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ لَهَا: إنْ كَانَتْ لَكِ أُوقِيَّةٌ فَلَا تَحِلُّ لَكِ الصَّدَقَةُ، قَالَ مَيْمُونُ: وَالْأُوقِيَّةُ حِينَئِذٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَوَّلُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ، وَلَا يُدْرَى صِحَّةُ صُحْبَتِهِ، وَالثَّانِي عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ - الْمُقَلَّدِينَ عُمَرَ ﵁ فِي تَحْرِيمِ الْمَنْكُوحَةِ فِي الْعِدَّةِ عَلَى ذَلِكَ النَّاكِحِ فِي الْأَبَدِ، وَقَدْ رَجَعَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي سَائِرِ مَا يَدَّعُونَ أَنَّ خِلَافَهُ فِيهِ لَا يَحِلُّ كَحَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَتَأْجِيلِ الْعِنِّينِ سَنَةً -: أَنْ يُقَلِّدُوهُ هَاهُنَا، وَكَذَلِكَ الْحَنَفِيُّونَ، وَلَكِنْ لَا يُبَالُونَ بِالتَّنَاقُضِ وَاحْتَجَّ مَنْ حَدَّ الْغِنَى بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ خُمُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ. قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنْ الذَّهَبِ» قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ، وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ مَنْ حَدَّثَهُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَالَ الْحَكِيمُ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ؛ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَوْ عِدْلُهَا مِنْ الذَّهَبِ؟ وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ - وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ سَاقِطٌ، وَلَمْ يُسْنِدْهُ زُبَيْدٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ - الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ وَالْمُعَظِّمِينَ خِلَافَ الصَّاحِبِ، وَالْمُحْتَجِّينَ بِشَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ عَنْ عُمَرَ فِي رَدِّ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ مِنْ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ
стр. 1518
لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفْتَرِقَا -: أَنْ لَا يَخْرُجُوا عَنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْبَابِ خِلَافٌ لِمَا ذُكِرَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعْدٍ، وَعَلِيٍّ ﵃، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمُرْسَلِ.
وَأَمَّا مَنْ حَدَّ الْغِنَى بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَسْقَطُ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ إلَّا أَنْ قَالُوا: إنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَهَذَا غَنِيٌّ: فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذِهِ لِوُجُوهٍ. أَوَّلُهَا: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالزَّكَاةِ عَلَى مَنْ أَصَابَ سُنْبُلَةً فَمَا فَوْقَهَا، أَوْ مَنْ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ؛ أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا حَدَّ الْغِنَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، دُونَ السُّنْبُلَةِ؛ أَوْ دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ دُونَ أَرْبَعِينَ شَاةً، وَكُلُّ ذَلِكَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَهَذَا هَوَسٌ مُفْرِطٌ. وَهَكَذَا رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ تَبْلُغُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَخَذَ مِنْ الزَّكَاةِ؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ أَنَّ مَنْ لَهُ الدُّورُ الْعَظِيمَةُ، وَالْجَوْهَرُ وَلَا يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﵇: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ بِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ غَنِيٍّ وَلَا تُرَدُّ إلَّا عَلَى فَقِيرٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدُّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَقَطْ، وَهَذَا حَقٌّ، وَتُؤْخَذُ أَيْضًا - بِنُصُوصٍ أُخَرَ - مِنْ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَيْسُوا أَغْنِيَاءَ، وَتُرَدُّ بِتِلْكَ النُّصُوصِ عَلَى أَغْنِيَاءَ كَثِيرٍ، كَالْعَامِلِينَ؛ وَالْغَارِمِينَ؛ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ.
فَهَذِهِ خَمْسُ طَبَقَاتٍ أَغْنِيَاءَ، لَهُمْ حَقٌّ فِي الصَّدَقَةِ؟ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَهُمْ إذْ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] إلَى آخِرِ الْآيَةِ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهِمْ مَنْ لَيْسَ فَقِيرًا، وَلَا مِسْكِينًا؟
стр. 1519
وَتُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَلَهُ عَشَرَةٌ مِنْ الْعِيَالِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَلَهُ عَشَرَةٌ مِنْ الْعِيَالِ، وَمِمَّنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ - لَعَلَّهَا لَا تُسَاوِي خَمْسِينَ دِرْهَمًا - وَلَهُ عَشَرَةٌ مِنْ الْعِيَالِ فِي عَامٍ سُنَّةً.
فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالَهُ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصٍ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إذَا أَعْطَيْتُمْ فَأَغْنُوا - يَعْنِي مِنْ الصَّدَقَةِ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا الْقَوْلِ خِلَافًا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ مَنْ لَهُ الدَّارُ، وَالْخَادِمُ، إذَا كَانَ مُحْتَاجًا؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ نَحْوُ ذَلِكَ؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يُعْطَى مِنْهَا مَنْ لَهُ الْفَرَسُ، وَالدَّارُ؛ وَالْخَادِمُ؟ وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حِبَّانَ: يُعْطَى مَنْ لَهُ الْعَطَاءُ مِنْ الدِّيوَانِ وَلَهُ فَرَسٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ الْكَثِيرُ جِدًّا وَالْقَلِيلُ، لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، إذْ لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ؟
[مَسْأَلَةٌ إظْهَارُ الصَّدَقَةِ]
٧٢٤ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إظْهَارُ الصَّدَقَةِ - الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ - مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْوِيَ بِذَلِكَ رِيَاءً: حَسَنٌ، وَإِخْفَاءُ كُلِّ ذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إعْلَانُ الْفَرْضِ أَفْضَلُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فَرْقٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ. قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] .
стр. 1520
فَإِنْ قَالُوا: نَقِيسُ ذَلِكَ عَلَى صَلَاةِ الْفَرْضِ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ فَإِنْ قُلْتُمْ: هُوَ حَقٌّ، فَأَذِّنُوا لِلزَّكَاةِ كَمَا يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ وَمِنْ الصَّلَاةِ غَيْرِ الْفَرْضِ مَا يُعْلَنُ بِهَا كَالْعِيدَيْنِ، وَالْكُسُوفِ، وَرَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، فَقِيسُوا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ عَلَى ذَلِكَ؟
[مَسْأَلَةٌ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يَقُومُوا بِفُقَرَائِهِمْ]
٧٢٥ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفُرِضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يَقُومُوا بِفُقَرَائِهِمْ، وَيُجْبِرُهُمْ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ، إنْ لَمْ تَقُمْ الزَّكَوَاتُ بِهِمْ، وَلَا فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُقَامُ لَهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ مِنْ الْقُوتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمِنْ اللِّبَاسِ لِلشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَبِمَسْكَنٍ يَكُنُّهُمْ مِنْ الْمَطَرِ، وَالصَّيْفِ وَالشَّمْسِ، وَعُيُونِ الْمَارَّةِ.
وَبُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] . فَأَوْجَبَ تَعَالَى حَقَّ الْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ مَعَ حَقِّ ذِي الْقُرْبَى وَافْتَرَضَ الْإِحْسَانَ إلَى الْأَبَوَيْنِ، وَذِي الْقُرْبَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ، وَمَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ، وَالْإِحْسَانُ يَقْتَضِي كُلَّ مَا ذَكَرْنَا، وَمَنْعُهُ إسَاءَةٌ بِلَا شَكٍّ؟ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] . فَقَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى إطْعَامَ الْمِسْكِينِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ.
وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ» .
стр. 1521
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ كَانَ عَلَى فَضْلَةٍ وَرَأَى الْمُسْلِمَ أَخَاهُ جَائِعًا عُرْيَانَ ضَائِعًا فَلَمْ يُغِثْهُ -: فَمَا رَحِمَهُ بِلَا شَكٍّ. وَهَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبِي ظَبْيَانَ وَزَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، وَكُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَى أَيْضًا مَعْنَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ هُوَ التَّبُوذَكِيُّ - ثنا الْمُعْتَمِرُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ - عَنْ أَبِيهِ ثنا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حَدَّثَهُ «أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةَ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ» أَوْ كَمَا قَالَ فَهَذَا هُوَ نَفْسُ قَوْلِنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ تَرَكَهُ يَجُوعُ وَيَعْرَى - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إطْعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ - فَقَدْ أَسْلَمَهُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ثنا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ، حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ يُخْبِرُ بِذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ، وَبِكُلِّ مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ نَقُولُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ» .
стр. 1522
وَالنُّصُوصُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ فِي هَذَا تَكْثُرُ جِدًّا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَأَخَذْت فُضُولَ أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ فَقَسَّمْتُهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ هَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالْجَلَالَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِي فُقَرَاءَهُمْ، فَإِنْ جَاعُوا أَوْ عَرُوا وَجَهَدُوا فَمَنَعَ الْأَغْنِيَاءُ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُحَاسِبَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُعَذِّبَهُمْ عَلَيْهِ؟ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فِي مَالِكَ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا كُلُّهُمْ لِمَنْ سَأَلَهُمْ: إنْ كُنْت تَسْأَلُ فِي دَمٍ مُوجِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ فَقَدْ وَجَبَ حَقُّكَ. وَصَحَّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّ زَادَهُمْ فَنِيَ فَأَمَرَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فَجَمَعُوا أَزْوَادَهُمْ فِي مِزْوَدَيْنِ، وَجَعَلَ يَقُوتُهُمْ إيَّاهَا عَلَى السَّوَاءِ؟ فَهَذَا إجْمَاعٌ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ.
وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَغَيْرِهِمْ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافَ هَذَا، إلَّا عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: نَسَخَتْ الزَّكَاةُ كُلَّ حَقٍّ فِي الْمَالِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَا رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ حُجَّةٌ فَكَيْفَ رَأْيُهُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُحْتَجَّ بِهَذَا أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ فَيَرَى فِي الْمَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ، مِنْهَا النَّفَقَاتُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ، وَعَلَى الزَّوْجَةِ، وَعَلَى الرَّقِيقِ، وَعَلَى الْحَيَوَانِ، وَالدُّيُونِ، وَالْأُرُوشِ، فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 1523
قَالَ: مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] نَسَخَتْهَا: الْعُشْرُ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ. فَإِنَّ رِوَايَةَ مِقْسَمٍ سَاقِطَةٌ لِضَعْفِهِ
؛ وَلَيْسَ فِيهَا وَلَوْ صَحَّتْ خِلَافٌ لِقَوْلِنَا؟ وَأَمَّا رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ فَإِنَّمَا هِيَ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ تَطَوُّعًا؛ وَهَذَا صَحِيحٌ؟ وَأَمَّا الْقِيَامُ بِالْمَجْهُودِ فَفَرْضٌ وَدَيْنٌ، وَلَيْسَ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ.
وَيَقُولُونَ: مَنْ عَطِشَ فَخَافَ الْمَوْتَ فَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ حَيْثُ وَجَدَهُ وَأَنْ يُقَاتِلَ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَا أَبَاحُوا لَهُ مِنْ الْقِتَالِ عَلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْمَوْتَ مِنْ الْعَطَشِ، وَبَيْنَ مَا مَنَعُوهُ مِنْ الْقِتَالِ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْهَا الْمَوْتَ مِنْ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ. وَهَذَا خِلَافٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَلِلْقُرْآنِ، وَلِلسُّنَنِ، وَلِلْقِيَاسِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ اُضْطُرَّ أَنْ يَأْكُلَ مَيْتَةً، أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ وَهُوَ يَجِدُ طَعَامًا فِيهِ فَضْلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّ فَرْضًا عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ إطْعَامُ الْجَائِعِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُضْطَرٍّ إلَى الْمَيْتَةِ وَلَا إلَى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَى قَاتِلِهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ قَتَلَ الْمَانِعَ فَإِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ حَقًّا، وَهُوَ طَائِفَةٌ بَاغِيَةٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وَمَانِعُ الْحَقِّ بَاغٍ عَلَى أَخِيهِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ؛ وَبِهَذَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ مَانِعَ الزَّكَاةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. تَمَّ كِتَابُ الزَّكَاةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُسْنِ عَوْنِهِ.
стр. 1524
[كِتَابُ الصِّيَامِ] [ مَسْأَلَةٌ الصِّيَامُ قِسْمَانِ فَرْضٌ وَتَطَوُّعٌ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
كِتَابُ الصِّيَامِ ٧٢٦ - مَسْأَلَةٌ: الصِّيَامُ قِسْمَانِ فَرْضٌ، وَتَطَوُّعٌ، وَهَذَا إجْمَاعُ حَقٍّ مُتَيَقَّنٍ، وَلَا سَبِيلَ فِي بِنْيَةِ الْعَقْلِ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ؟
[مَسْأَلَةٌ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ]
٧٢٧ - مَسْأَلَةٌ: فَمِنْ الْفَرْضِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ، الَّذِي بَيْنَ شَعْبَانَ، وَشَوَّالٍ، فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ صَحِيحٍ مُقِيمٍ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلَا يَصُومَانِ أَيَّامَ حَيْضِهِمَا أَلْبَتَّةَ، وَلَا أَيَّامَ نَفَسِهِمَا، وَيَقْضِيَانِ صِيَامَ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَهَذَا كُلُّهُ فَرْضٌ مُتَيَقَّنٌ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا صِيَام إلَّا بِنِيَّةٍ]
٧٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئُ صِيَامٌ أَصْلًا - رَمَضَانَ كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - إلَّا بِنِيَّةٍ مُجَدَّدَةٍ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِصَوْمِ الْيَوْمِ الْمُقْبِلِ، فَمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ النِّيَّةِ بَطَلَ صَوْمُهُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَصَحَّ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَيْءٍ فِي الدِّينِ إلَّا بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ فِيهَا بِأَنَّهَا دِينُهُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
стр. 1525
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا عَمَلَ إلَّا بِنِيَّةٍ لَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ إلَّا مَا نَوَى. فَصَحَّ أَنَّ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فَلَهُ صَوْمٌ، وَمَنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلَيْسَ لَهُ صَوْمٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ: أَنَّ الصَّوْمَ إمْسَاكٌ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ وَتَعَمُّدِ الْقَيْءِ، وَعَنْ الْجِمَاعِ، وَعَنْ الْمَعَاصِي، فَكُلُّ مَنْ أَمْسَكَ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ - لَوْ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ بِلَا نِيَّةٍ لِلصَّوْمِ - لَكَانَ فِي كُلِّ وَقْتٍ صَائِمًا، وَهَذَا مَا لَا يَقُولُ أَحَدٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَامَ وَنَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ مَنْ لَمْ يَنْوِهِ مِنْ اللَّيْلِ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَهُوَ لَا يَنْوِي صَوْمًا أَصْلًا، بَلْ نَوَى أَنَّهُ مُفْطِرٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهُ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَا جَامَعَ -: فَإِنَّهُ صَائِمٌ وَيُجْزِئُهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِنْ نِيَّةٍ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النِّيَّةُ فَرْضٌ لِلصَّوْمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ التَّطَوُّعِ، أَوْ النَّذْرِ إلَّا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يُحْدِثَهَا فِي النَّهَارِ، مَا لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ أَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا جَامَعَ، فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْهَا - لَا مِنْ اللَّيْلِ وَلَا مِنْ النَّهَارِ مَا لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ - لَمْ يَنْتَفِعْ بِإِحْدَاثِ النِّيَّةِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ لِكُلِّ يَوْمٍ، وَإِلَّا فَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُحْدِثَ النِّيَّةَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ فِي الصَّوْمِ وَأَمَّا فِي رَمَضَانَ فَتُجْزِئُهُ نِيَّتُهُ لِصَوْمِهِ كُلِّهِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ، ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ نِيَّةَ كُلِّ لَيْلَةٍ، إلَّا أَنْ يَمْرَضَ فَيُفْطِرَ، أَوْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ - حِينَئِذٍ - مُجَدَّدَةٍ قَالَ: وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ لِكُلِّ لَيْلَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَدَاوُد: مِثْلَ قَوْلِنَا، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَأَى فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً إحْدَاثَ النِّيَّةِ لَهُ مَا لَمْ تَزُلْ الشَّمْسُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ أَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ جَامَعَ -: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَصُومُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ
стр. 1526
قَبْلَ الْفَجْرِ.
وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَا يَصُومُ إلَّا مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ () -: وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَجْمَعْ قَبْلَ الْفَجْرِ؟ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ أَصْلًا، وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ: يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا خَالَفَ أَهْوَاءَهُمْ وَقَدْ خَالَفُوهُمْ هَاهُنَا، مَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ قَالَ بِقَوْلِهِمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ هُمْ يُشَنِّعُونَ أَيْضًا بِمِثْلِ هَذَا عَلَى مَنْ قَالَهُ مُتَّبِعًا لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَهُمْ هَاهُنَا خَالَفُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ الثَّابِتَةَ بِرَأْيٍ فَاسِدٍ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» .
стр. 1527
وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَلَا يَضُرُّ إسْنَادُ ابْنِ جُرَيْجٍ لَهُ أَنْ أَوْقَفَهُ مَعْمَرٌ، وَمَالِكٌ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَيُونُسُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، فَابْنُ جُرَيْجٍ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الثِّقَةِ وَالْحِفْظِ، وَالزُّهْرِيُّ وَاسِعُ الرِّوَايَةِ، فَمَرَّةً يَرْوِيهِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَمَرَّةً عَنْ حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ، وَابْنُ عُمَرَ كَذَلِكَ، مَرَّةً رَوَاهُ مُسْنَدًا، وَمَرَّةً رَوَى أَنَّ حَفْصَةَ أَفْتَتْ بِهِ، وَمَرَّةً أَفْتَى هُوَ بِهِ، وَكُلُّ هَذَا قُوَّةٌ لِلْخَبَرِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُعْتَرِضِينَ بِهَذَا مِنْ مَذْهَبِهِمْ: أَنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَحِلُّ تَخْصِيصُهُ، وَلَا تَبْدِيلُهُ، وَلَا الزِّيَادَةُ فِيهِ، وَلَا النَّقْصُ مِنْهُ، إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ صَحِيحٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ النِّيَّةَ مُتَّصِلَةً بِتَبَيُّنِ الْفَجْرِ، كَمَا تَقُولُونَ: فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ.؟ قُلْنَا: لِوَجْهَيْنِ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا النَّصُّ الْوَارِدُ الَّذِي لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ وَلَسْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِمَّنْ يَضْرِبُ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَيُؤْمِنُ بِبَعْضِهِ، وَيَكْفُرُ بِبَعْضِهِ، وَلَا مِمَّنْ يُعَارِضُ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَظَرِهِ الْفَاسِدِ؛ بَلْ نَأْخُذُ جَمِيعَ السُّنَنِ كَمَا وَرَدَتْ؛ وَنَسْمَعُ وَنُطِيعُ لِجَمِيعِهَا كَمَا أَتَتْ؟ وَالثَّانِي: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَلَمْ يُكَلِّفْنَا السَّهَرَ مُرَاعَاةً لِتَبَيُّنِ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا أَلْزَمْنَا النِّيَّةَ مِنْ اللَّيْلِ؛ ثُمَّ نَحْنُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَجْرُ وَإِنْ نِمْنَا وَإِنْ غَفَلْنَا، مَا لَمْ نَتَعَمَّدْ إبْطَالَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ لِمَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ مِنْ اللَّيْلِ إحْدَاثَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي؟ .
стр. 1528
قُلْنَا: نَعَمْ، بِنَصٍّ صَحِيحٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا فَعَلْنَاهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَا نَعْلَمُ لِزُفَرَ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُ قَالَ: رَمَضَانُ مَوْضِعٌ لِلصِّيَامِ وَلَيْسَ. مَوْضِعًا لِلْفِطْرِ أَصْلًا، فَلَا مَعْنَى لِنِيَّةِ الصَّوْمِ فِيهِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضِعًا لِلصَّوْمِ لَا لِلْفِطْرِ أَصْلًا وَجَبَ أَنْ يَنْوِيَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَةِ بِذَلِكَ الصَّوْمِ، وَأَنْ يُخْلِصَ النِّيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا، وَلَا يُخْرِجُهَا مَخْرَجَ الْهَزْلِ وَاللَّعِبِ.
وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ أُمِرْنَا بِأَنْ نَجْعَلَهُ لِلصَّوْمِ، وَنُهِينَا فِيهِ عَنْ الْفِطْرِ، إلَّا حَيْثُ جَاءَنَا النَّصُّ بِالْفِطْرِ فِيهِ، فَهُوَ وَقْتٌ لِلطَّاعَةِ مِمَّنْ أَطَاعَ بِأَدَاءِ مَا أُمِرَ بِهِ وَوَقْتٌ - وَاَللَّهِ - لِلْمَعْصِيَةِ الْعَظِيمَةِ فَمَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ فَلَمْ يَصُمْهُ كَمَا أُمِرَ؛ فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ - يَقِينًا بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ - فَلَا بُدَّ ضَرُورَةً مِنْ قَصْدٍ إلَى الطَّاعَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِنِيَّةٍ لِذَلِكَ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَّا مِقْدَارُ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا أَوْ عَابِثًا -: أَنْ يُجْزِئَهُ ذَلِكَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتٌ لَهَا، لَا لِغَيْرِهَا أَصْلًا، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ: إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا. وَمَا عَلِمْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ حُجَّةً أَصْلًا فِي تِلْكَ التَّقَاسِيمِ الْفَاسِدَةِ السَّخِيفَةِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ مَنْ ابْتَلَاهُ بِتَقْلِيدِهِ مَوَّهَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ نَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّالِيَةِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مُتَعَلِّقٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَصْلًا، بَلْ قَدْ نَقَضَ أَصْلَهُ، فَأَوْجَبَ فِيهِ نِيَّةً؛ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ، ثُمَّ أَوْجَبَهَا فِي النَّهَارِ بِلَا دَلِيلٍ، وَمَا نَعْرِفُ لِمَالِكٍ حُجَّةً أَصْلًا؛ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: رَمَضَانُ كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ لَا يَحُولُ بَيْنَ أَعْمَالِهَا - بِعَمْدٍ - مَا لَيْسَ مِنْهَا أَصْلًا، وَصِيَامُ رَمَضَانَ يَحُولُ بَيْنَ كُلِّ يَوْمَيْنِ مِنْهُ لَيْلٌ يَبْطُلُ فِيهِ الصَّوْمُ جُمْلَةً وَيَحِلُّ فِيهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ، فَكُلُّ يَوْمٍ لَهُ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ وَقَدْ يَمْرَضُ فِيهِ أَوْ يُسَافِرُ، أَوْ تَحِيضُ، فَيَبْطُلُ الصَّوْمُ، وَكَانَ بِالْأَمْسِ صَائِمًا، وَيَكُونُ غَدًا صَائِمًا.
стр. 1529
وَإِنَّمَا شَهْرُ رَمَضَانَ كَصَلَوَاتِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، يَحُولُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ مَا لَيْسَ صَلَاةً، فَلَا بُدَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ نِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ لَا بُدَّ لِكُلِّ يَوْمٍ فِي صَوْمِهِ مِنْ نِيَّةٍ. وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَبْطَلَ هَذَا الْقِيَاسَ، فَرَأَوْا مَنْ أَفْطَرَ عَامِدًا فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ وَأَنَّ سَائِرَ صِيَامِهِ كَسَائِرِ أَيَّامِ الشَّهْرِ صَحِيحٌ، فَقَدْ أَقَرُّوا بِأَنَّ حُكْمَ الشَّهْرِ كَصَلَاةِ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَإِنَّمَا يَخْرُجُ هَذَا عَلَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الَّذِي يَرَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ عَامِدًا أَوْ أَفْطَرَهُ كُلَّهُ - سَوَاءٌ، وَأَنَّ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ قَضَاءُ شَهْرٍ، كَمَا عَلَيْهِ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَلَا فَرْقَ. وَهَذَا مِمَّا أَخْطَئُوا فِيهِ الْقِيَاسَ - لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا - فَلَا النَّصَّ اتَّبَعُوا، وَلَا الصَّحَابَةَ قَلَّدُوا، وَلَا قِيَاسَ صَحِبُوا، وَلَا الِاحْتِيَاطَ الْتَزَمُوا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ نَسِيَ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ]
٧٢٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ نَسِيَ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ فَأَيُّ وَقْتٍ ذَكَرَ مِنْ النَّهَارِ التَّالِي لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ - سَوَاءٌ أَكَلَ وَشَرِبَ وَوَطِئَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ يَنْوِي الصَّوْمَ مِنْ وَقْتِهِ إذَا ذَكَرَ، وَيُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصَّائِمُ، وَيُجْزِئُهُ صَوْمُهُ ذَلِكَ تَامًّا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ النَّهَارِ، إلَّا مِقْدَارُ النِّيَّةِ فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَذَلِكَ فَلَا صَوْمَ لَهُ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى مُتَعَمِّدٌ لِإِبْطَالِ صَوْمِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَضَاءِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِأَنَّ هِلَالَ رَمَضَانَ رُئِيَ الْبَارِحَةَ - فَسَوَاءٌ أَكَلَ وَشَرِبَ وَوَطِئَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ - فِي أَيِّ وَقْتٍ جَاءَ الْخَبَرُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَوْ فِي آخِرِهِ كَمَا ذَكَرْنَا -: فَإِنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ سَاعَةً صَحَّ الْخَبَرُ عِنْدَهُ، وَيُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصَّائِمُ، وَيُجْزِئُهُ صَوْمُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَوْمُهُ بَاطِلٌ، كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءٌ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا: مَنْ عَلَيْهِ صَوْمُ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَنَسِيَ النِّيَّةَ وَذَكَرَ بِالنَّهَارِ فَكَمَا قُلْنَا وَلَا فَرْقَ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ فِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ الْوَاجِبَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ بِالنَّهَارِ وَلَا فَرْقَ
стр. 1530
وَكَذَلِكَ مَنْ نَامَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي رَمَضَانَ، أَوْ فِي الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ فِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَنْتَبِهْ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ نَهَارِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوْ فِي آخِرِهِ - كَمَا قُلْنَا - فَكَمَا قُلْنَا أَيْضًا آنِفًا سَوَاءٌ سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ فِي شَيْءٍ أَصْلًا، فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَلَا اسْتَيْقَظَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ -: فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
بُرْهَانُ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَكَذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا نَاسٍ، أَوْ مُخْطِئٌ غَيْرُ عَامِدٍ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ثنا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ: مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ: ثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إلَى» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيُّ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا الْمَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ: إنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ» .
стр. 1531
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ مُسْنَدًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ هُوَ كَانَ الْفَرْضُ حِينَئِذٍ صِيَامَهُ. كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا أَبُو مَعْمَرٍ ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - ثنا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ» .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ، حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ» . قَالَ عِرَاكٌ: فَقَالَ ﵇: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ» .
стр. 1532
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ هَذَا حُكْمَ صَوْمِ الْفَرْضِ، وَمَا نُبَالِي بِنَسْخِ فَرْضِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَدْ أُحِيلَ صِيَامُ رَمَضَانَ أَحْوَالًا، فَقَدْ كَانَ مَرَّةً: مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، إلَّا أَنَّ حُكْمَ مَا كَانَ فَرْضًا حُكْمٌ وَاحِدٌ؛ وَإِنَّمَا نَزَلَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ؛ وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا - مِنْ نَاسٍ، أَوْ جَاهِلٍ، أَوْ نَائِمٍ - فَلَمْ يَعْلَمُوا وُجُوبَ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ، فَحُكْمُهُمْ كُلِّهِمْ هُوَ الْحُكْمُ الَّذِي جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ اسْتِدْرَاكِ النِّيَّةِ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ مَتَى مَا عَلِمُوا بِوُجُوبِ صَوْمِهِ عَلَيْهِمْ، وَسُمِّيَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ صَائِمًا، وَجَعَلَ فِعْلَهُ صَوْمًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ: أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى الْهِلَالِ بَعْدَمَا أَصْبَحُوا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَنْ أَكَلَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ الطَّعَامِ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ؟ وَعَنْ عَطَاءٍ: إذَا أَصْبَحَ رَجُلٌ مُفْطِرًا وَلَمْ يَذُقْ شَيْئًا ثُمَّ عَلِمَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوَّلَ النَّهَارِ أَوْ آخِرَهُ فَلْيَصُمْ مَا بَقِيَ وَلَا يُبَدِّلْهُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَبِي بَشِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: مَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْهِلَالَ رُئِيَ الْبَارِحَةَ عَلَى أَقْوَالٍ -: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْوِي صَوْمَ يَوْمِهِ وَيُجْزِئُهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَبِهِ جَاءَ النَّصُّ الَّذِي قَدَّمْنَا -: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَصُومُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهِ قَضَاءً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِهِ يَقُولُ دَاوُد وَأَصْحَابُنَا: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَأْكُلُ بَقِيَّتَهُ وَيَقْضِيهِ، وَهُوَ قَوْلٌ رُوِّينَاهُ عَنْ عَطَاءٍ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ:
стр. 1533
يُمْسِكُ فِيهِ عَمَّا يُمْسِكُ الصَّائِمُ، وَلَا يُجْزِئُهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَكَلَ خَاصَّةً، دُونَ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ؛ وَفِيمَنْ عَلِمَ الْخَبَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَقَطْ، أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ، وَهَذَا أَسْقَطُ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا قِيَاسَ، وَلَا نَعْلَمُهُ مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا يَخْلُو هَذَا الْإِمْسَاكُ - الَّذِي أَمَرُوهُ بِهِ - مِنْ أَنْ يَكُونَ صَوْمًا يُجْزِئُهُ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا، أَوْ لَا يَكُونُ صَوْمًا وَلَا يُجْزِئُهُ، فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِعَمَلٍ يَتْعَبُ فِيهِ وَيَتَكَلَّفُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ، وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا أَوْ صَائِمًا؛ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلِمَ يَقْضِيهِ إذَنْ؟ فَيَصُومُ يَوْمَيْنِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا وَاحِدٌ. وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلِمَ أَمَرُوهُ بِعَمَلِ الصَّوْمِ؟ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَصْحِيحِ تَخْلِيطِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ - فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ - بِخَبَرِ الرُّبَيِّعِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ خَالَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ، فَقَالُوا: مَنْ أَكَلَ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ بَاقِي يَوْمِهِ، وَفِي تَخْصِيصِهِمْ بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَيْسَ هَذَا فِي الْخَبَرِ، ثُمَّ احْتَجُّوا بِهِ فِيمَا لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ وَمِنْ عَادَتِهِمْ هَذَا الْخُلُقُ الذَّمِيمُ، وَهَذَا قَبِيحٌ جِدًّا، وَتَمْوِيهٌ لَا يَسْتَجِيزُهُ مُحَقِّقٌ نَاصِحٌ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَعْنِي فِي عَاشُورَاءَ - فَقَالَ: صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأَتِمُّوا يَوْمَكُمْ هَذَا وَاقْضُوا» .
стр. 1534
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَفْظَةُ " وَاقْضُوا " مَوْضُوعَةٌ بِلَا شَكٍّ، وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ مَوْلَى بَنِي أَبِي الشَّوَارِبِ يُكَنَّى أَبَا الْحُسَيْنِ، مَاتَ سَنَةَ ٥١ هـ - إحْدَى وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَدْ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ، وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَتَرَكَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ جُمْلَةً وَأَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ مَجْهُولٌ.
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَلَيْسَتْ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ. كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ ثنا قَتَادَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِنْهَالِ بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ عَنْ عَمِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَسْلَمَ: «صُومُوا الْيَوْمَ قَالُوا: إنَّا قَدْ أَكَلْنَا، قَالَ: صُومُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ - يَعْنِي عَاشُورَاءَ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ التَّمِيمِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقُرَشِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ هُوَ الْبُرْسَانِيُّ - ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ
стр. 1535
عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: «غَدَوْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَبِيحَةَ عَاشُورَاءَ؛ فَقَالَ لَنَا: أَصْبَحْتُمْ صِيَامًا؟ قُلْنَا: قَدْ تَغَدَّيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: فَصُومُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِنْ الْغَرَائِبِ تَمْوِيهُ الْحَنَفِيِّينَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ قَانِعٍ مِنْ قَوْلِهِ: «وَاقْضُوا» ثُمَّ خَالَفُوهَا فَلَمْ يَرَوْا الْقَضَاءَ إلَّا عَلَى مَنْ أَكَلَ دُونَ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ، وَعَلَى مَنْ نَوَى بَعْدَ الزَّوَالِ. وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ الْكِذْبَةِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا الْمَقْتَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَيْثُمَا تَوَجَّهُوا عَثَرُوا، وَبِكُلِّ مَا احْتَجُّوا فَقَدْ خَالَفُوهُ، وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ الْخِذْلَانُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُوبِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ كَمَا أُمِرَ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ صَوْمًا، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ تَرْكَ النِّيَّةِ، فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَتَعَمَّدْ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا يَجِبُ فِي الدِّينِ حُكْمٌ إلَّا بِأَحَدِهِمَا؛ وَإِنَّمَا أُمِرَ بِصِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَا بِصَوْمِ غَيْرِهِ مَكَانَهُ، فَلَا يُجْزِئُ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ مَكَانَ مَا أُمِرَ بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُجْزِئُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ]
٧٣٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَا صَوْمُ قَضَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ الْكَفَّارَاتِ إلَّا كَذَلِكَ، لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِأَنْ لَا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَمْ يَخُصَّ النَّصُّ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا كَانَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، وَبَقِيَ سَائِرُ ذَلِكَ عَلَى النَّصِّ الْعَامِّ.
وَقَوْلُنَا بِهَذَا فِي التَّطَوُّعِ، وَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالْكَفَّارَاتِ: هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ اسْتَجَزْتُمْ خِلَافَ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ وَقَالَ مَرَّةً: مِنْ غَدَاءٍ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي إذَنْ صَائِمٌ» . وَقَالَ لَهَا مَرَّةً أُخْرَى: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، قَالَ:
стр. 1536
أَمَا إنِّي أَصْبَحْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ فَأَكَلَ» . وَقَالَ بِهَذَا جُمْهُورُ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، قَالَ ثَابِتٌ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: إنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ مِنْ الضُّحَى، فَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَأَنَا صَائِمٌ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ بِمِثْلِ فِعْلِ أَبِي طَلْحَةَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ شَبِيبٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: إنِّي لَأُصْبِحُ يَوْمَ طُهْرِي حَائِضًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، فَأَسْتَبِينُ طُهْرِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ فَأَغْتَسِلُ ثُمَّ أَصُومُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ؛ وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَطَاءٌ، وَأَبُو إدْرِيسَ، وَأَبُو قِلَابَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ إذَا أَصْبَحَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْغَدَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ؛ قَالَ: إنَّا صَائِمُونَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ فِي حَدِيثِهِ: إنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارُ، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ غِذَاءٍ؟ فَيَجِدُهُ، أَوْ لَا يَجِدُهُ، فَيَقُولُ: لَأُتِمَّنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ. قَالَ عَطَاءٌ: وَأَنَا أَفْعَلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يَسْأَلُ الْغَدَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَامَ يَوْمَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: إنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
стр. 1537
كَانَ يُصْبِحُ مُفْطِرًا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ فَيَجِدُهُ، أَوْ لَا يَجِدُهُ؛ فَيُتِمُّ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا أَصْبَحْتَ وَأَنْتَ تُرِيدُ الصَّوْمَ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ: إنْ شِئْتَ صُمْتَ وَإِنْ شِئْتَ أَفْطَرْتَ؛ إلَّا أَنْ تَفْرِضَ عَلَى نَفْسِكَ الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أَصْبَحْتُ وَلَا أُرِيدُ الصَّوْمَ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ، فَإِنْ انْتَصَفَ النَّهَارُ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُفْطِرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَا جَمِيعًا: الصَّائِمُ بِالْخِيَارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ؛ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا لَمْ يُطْعِمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطْعِمَ طَعِمَ، وَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ صَوْمًا كَانَ صَوْمًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالصِّيَامِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، حَتَّى يَمْتَدَّ النَّهَارُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ أَحَدَكُمْ بِأَحَدِ النَّظَرَيْنِ مَا لَمْ يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ السُّلَمِيُّ - عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ بَدَا لَهُ فِي الصَّوْمِ بَعْدَ أَنْ زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَامَ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: مَنْ بَدَا لَهُ فِي الصِّيَامِ بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ فَلْيَصُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ: كُنْتُ فِي سَفَرٍ وَكَانَ يَوْمَ فِطْرٍ؛ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ: لَأَصُومَنَّ هَذَا الْيَوْمَ؛ فَصُمْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: أَصَبْتَ، قَالَ عَطَاءٌ: وَكُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَجَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ عِنْدَ الْعَصْرِ
стр. 1538
فَقَالَ: إنِّي لَمْ آكُلْ الْيَوْمَ شَيْئًا أَفَأَصُومُ.؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ عَلَيَّ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، أَفَأَجْعَلُهُ مَكَانَهُ؟ قَالَ نَعَمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا عَزَمَ عَلَى الصَّوْمِ مِنْ الضُّحَى فَلَهُ النَّهَارُ أَجْمَعُ؛ فَإِنْ عَزَمَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ فَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ؛ وَإِنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يَعْزِمْ فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَصْبَحَ وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَصُومَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَمَا أَصْبَحَ أَنْ يَصُومَ وَأَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ. فَقَالَ عَطَاءٌ: لَهُ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: الصَّائِمُ بِالْخِيَارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ، فَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا لَهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ: مَنْ أَرَادَ الصَّوْمَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ.
وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إذَا تَسَحَّرَ الرَّجُلُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَإِنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ هَمَّ بِالصَّوْمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ؛ فَإِنْ سَأَلَهُ إنْسَانٌ فَقَالَ: أَصَائِمٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: إنْ شَاءَ، فَإِنْ قَالَهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ؛ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ: عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ: ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ أَصْبَحَ وَهُوَ يَنْوِي الْفِطْرَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ وَلَا شَرِبَ وَلَا وَطِئَ -: فَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ مَا لَمْ تَغِبْ الشَّمْسُ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ بِذَلِكَ.
стр. 1539
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَقُولُ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نُخَالِفَ شَيْئًا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ أَنْ نَصْرِفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ آخَرَ، وَهَذَا الْخَبَرُ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ نَوَى الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَا أَنَّهُ ﵇ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ لَقُلْنَا بِهِ، لَكِنْ فِيهِ: أَنَّهُ ﵇، كَانَ يُصْبِحُ مُتَطَوِّعًا صَائِمًا ثُمَّ يُفْطِرُ، وَهَذَا مُبَاحٌ عِنْدَنَا لَا نَكْرَهُهُ، كَمَا فِي الْخَبَرِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْخَبَرِ مَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵇ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ مِنْ اللَّيْلِ» لَمْ يَجُزْ أَنْ نَتْرُكَ هَذَا الْيَقِينَ لِظَنٍّ كَاذِبٍ. وَلَوْ أَنَّهُ ﵊ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ نَهَارًا لَبَيَّنَهُ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ إذْ كَانَ فَرْضًا، وَالتَّسَمُّحُ فِي الدِّينِ لَا يَحِلُّ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجِيءُ فَيَدْعُو بِالطَّعَامِ فَلَا يَجِدُهُ فَيَفْرِضُ الصَّوْمَ» .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ قَانِعٍ - رَاوِي كُلِّ بَلِيَّةٍ - عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ الْبَلْخِيّ عَنْ عُمَرَ بْنِ هَارُونَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ وَلَمْ يَجْمَعْ الصَّوْمَ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَصُومُ» قُلْنَا: لَيْثٌ ضَعِيفٌ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءٍ: هَالِكٌ، وَمِنْ دُونِهِ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَاَللَّهِ لَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَيُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الْجُمْهُورِ، وَخَالَفُوا هَاهُنَا الْجُمْهُورَ بِلَا رِقْبَةٍ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُمْ أَجَازَ أَنْ يُصْبِحَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا لِإِرَادَةِ الْفِطْرِ، ثُمَّ يَبْقَى كَذَلِكَ إلَى قَبْلِ زَوَالِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَنْوِي الصِّيَامَ حِينَئِذٍ وَيُجْزِئُهُ، وَادَّعَوْا
стр. 1540
الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ النِّيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ فِي ذَلِكَ قَدْ كَذَبُوا، وَلَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْكَذِبِ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا عَنْ حُذَيْفَةَ نَصًّا، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِطْلَاقٍ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَصًّا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ نَصًّا، وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ كَذَلِكَ، وَعَنْ الْحَسَنِ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَزَجَ نِيَّةَ صَوْم فرض بِفَرْضٍ آخَرَ]
٧٣١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَزَجَ نِيَّةَ صَوْمٍ فُرِضَ بِفَرْضٍ آخَرَ أَوْ بِتَطَوُّعٍ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ أَوْ زَكَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ عِتْقٍ -: لَمْ يُجْزِهِ لِشَيْءٍ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ وَبَطَلَ ذَلِكَ الْعَمَلُ كُلُّهُ، صَوْمًا كَانَ أَوْ صَلَاةً، أَوْ زَكَاةً، أَوْ حَجًّا، أَوْ عُمْرَةً أَوْ عِتْقًا، إلَّا مَزْجُ الْعُمْرَةِ بِالْحَجِّ لِمَنْ أَحْرَمَ وَمَعَهُ الْهَدْيُ فَقَطْ، فَهُوَ حُكْمُهُ اللَّازِمُ لَهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وَالْإِخْلَاصُ هُوَ أَنْ يَخْلُصَ الْعَمَلُ الْمَأْمُورُ بِهِ لِلْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ فَقَطْ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَمَنْ مَزَجَ عَمَلًا بِآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا أَمْرُ رَسُولِهِ ﷺ فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَنْ صَلَّى، وَهُوَ مُسَافِرٌ رَكْعَتَيْنِ نَوَى بِهِمَا الظُّهْرَ وَالتَّطَوُّعَ مَعًا أَوْ صَامَ يَوْمًا مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ يَنْوِي بِهِ قَضَاءَ مَا عَلَيْهِ وَالتَّطَوُّعَ مَعًا وَأَعْطَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي زَكَاةِ مَالِهِ وَنَوَى بِهِ الزَّكَاةَ وَالتَّطَوُّعَ مَعًا، أَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَنَوَى بِهَا الْفَرِيضَةَ وَالتَّطَوُّعَ مَعًا -: فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَصَوْمِ الْفَرْضِ، وَزَكَاةِ الْفَرْضِ، وَحَجَّةِ الْفَرْضِ، وَيَبْطُلُ التَّطَوُّعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَمَّا الصَّلَاةُ فَتَبْطُلُ وَلَا تُجْزِئُهُ، لَا عَنْ فَرْضٍ وَلَا عَنْ تَطَوُّعٍ - وَأَمَّا الزَّكَاةُ، وَالصَّوْمُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ ذَلِكَ تَطَوُّعًا فِيهِمَا جَمِيعًا، وَيَبْطُلُ الْفَرْضُ - وَأَمَّا الْحَجُّ فَيُجْزِئُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَيَبْطُلُ التَّطَوُّعُ. فَهَلْ سُمِعَ بِأَسْقَطَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ؟ وَمَا نَدْرِي مِمَّنْ الْعَجَبُ أَمِمَّنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ
стр. 1541
بِمِثْلِهَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى؟ يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ بِالْإِهْذَارِ وَيَخُصُّ مَا يَشَاءُ، وَيُبْطِلُ بِالتَّخَالِيطِ، أَوْ مِمَّنْ قَلَّدَ قَائِلَهَا، وَأَفْنَى عُمُرَهُ فِي دَرْسِهَا وَنَصْرِهَا مُتَدَيِّنًا بِهَا وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ؛ وَنَسْأَلُهُ إدَامَةَ السَّلَامَةِ وَالْعِصْمَةِ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ بِذَلِكَ عَلَيْنَا كَثِيرًا.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ: إنْ شَاءَ صَامَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَأَجْزَأَ عَنْهُ - يَعْنِي مَنْ فَرَضَهُ وَنَذَرَهُ؛ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَصَامَ تَطَوُّعًا فَهُوَ قَضَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ.؟
[مَسْأَلَةٌ نَوَى وَهُوَ صَائِمٌ إبْطَالَ صَوْمِهِ]
٧٣٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَوَى وَهُوَ صَائِمٌ إبْطَالَ صَوْمِهِ بَطَلَ، إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا لِأَنَّهُ فِي صَوْمٍ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَا شَرِبَ وَلَا وَطِئَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَنْ نَوَى إبْطَالَ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الصَّوْمِ فَلَهُ مَا نَوَى بِقَوْلِهِ ﵊ الَّذِي لَا تَحِلُّ مُعَارَضَتُهُ، وَهُوَ قَدْ نَوَى بُطْلَانَ الصَّوْمِ، فَلَهُ بُطْلَانُهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِأَنَّهُ فِي صَوْمٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ نَوَى إبْطَالَ صَلَاةٍ هُوَ فِيهَا، أَوْ حَجٍّ هُوَ فِيهِ، وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا كَذَلِكَ، فَلَوْ نَوَى ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ صَوْمِهِ أَوْ أَعْمَالِهِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ آثِمًا، وَلَمْ يُبْطِلْ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا قَدْ صَحَّتْ وَتَمَّتْ كَمَا أُمِرَ، وَمَا صَحَّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْطِلَ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي بُطْلَانِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَمْ يُتِمَّ عَمَلَهُ فِيهَا كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ الْأَكْل أَوْ الشُّرْب أَوْ الْوَطْء أَوْ الْقَيْء وَهُوَ صَائِم]
٧٣٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ: تَعَمُّدُ الْأَكْلِ، أَوْ تَعَمُّدُ الشُّرْبِ، أَوْ تَعَمُّدُ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ؛ أَوْ تَعَمُّدُ الْقَيْءِ؛ وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، وَسَوَاءٌ قَلَّ مَا أَكَلَ أَوْ كَثُرَ، أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ خَارِجِ فَمِهِ فَأَكَلَهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا، إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ، مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وَمَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا حَبِيبُ بْنُ خَلَفٍ الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو ثَوْرٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُعَلَّى ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ذَرَعَهُ
стр. 1542
الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ» .
وَرُوِّينَا هَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ وَعَلْقَمَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: عِيسَى بْنُ يُونُسَ: ثِقَةٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ مَنْ تَعَمَّدَ أَنْ يَتَقَيَّأَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ صَوْمُهُ، فَإِنْ كَانَ مِلْءَ فِيهِ فَأَكْثَرَ، بَطَلَ صَوْمُهُ، وَهَذَا خِلَافٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ سَخَافَةِ التَّحْدِيدِ؟ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ: مَنْ خَرَجَ - وَهُوَ صَائِمٌ - مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ سَحُورِهِ كَالْجَذِيذَةِ وَشَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَبَلَعَهُ عَامِدًا لِبَلْعِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَصَوْمُهُ تَامٌّ، وَمَا نَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمَا؟ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ أُكِلَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا حَرُمَ مَا لَمْ يُؤْكَلْ؟ فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ أَسْقَطَ وَأَوْحَشَ مِنْ الْقَوْلِ الْمُحْتَجِّ لَهُ وَمَا عَلِمْنَا شَيْئًا أُكِلَ فَيُمْكِنُ وُجُودُهُ بَعْدَ الْأَكْلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَيْئًا أَوْ عَذِرَةً وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ؟ وَحَدَّ بَعْضُ الْحَنَفِيِّينَ الْمِقْدَارَ الَّذِي لَا يَضُرُّ تَعَمُّدُ أَكْلِهِ فِي الصَّوْمِ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ دُونَ مِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ. فَكَانَ هَذَا التَّحْدِيدُ طَرِيفًا جِدًّا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَيُّ الْحِمَّصِ هُوَ؟ الْإِمْلِيسِيُّ الْفَاخِرُ، أَمْ الصَّغِيرُ؟ فَإِنْ قَالُوا قِسْنَاهُ عَلَى الرِّيقِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَمِنْ أَيْنَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ بِخِلَافِ الرِّيقِ؟ وَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ لَهُ مِطْحَنَةٌ كَبِيرَةٌ مَثْقُوبَةٌ فَدَخَلَتْ فِيهَا مِنْ سَحُورِهِ زَبِيبَةٌ، أَوْ بَاقِلَاءُ
стр. 1543
فَأَخْرَجَهَا يَوْمًا آخَرَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ صَائِمٌ: أَلَهُ تَعَمُّدُ بَلْعِهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ تَنَاقَضُوا، وَإِنْ أَبَاحُوا سَأَلْنَاهُمْ عَنْ جَمِيعِ طَوَاحِينِهِ وَهِيَ ثِنْتَا عَشْرَةَ مِطْحَنَةً - مَثْقُوبَةٌ كُلُّهَا فَامْتَلَأَتْ سِمْسِمًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ قُنَّبًا أَوْ حِمَّصًا أَوْ بَاقِلًا أَوْ خُبْزًا أَوْ زَرِيعَةَ كَتَّانٍ؟ فَإِنْ أَبَاحُوا تَعَمُّدَ أَكْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ حَصَّلُوا أُعْجُوبَةً وَإِنْ مَنَعُوا مِنْهُ تَنَاقَضُوا وَتَحَكَّمُوا فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ.
وَإِنَّمَا الْحَقُّ الْوَاضِحُ فَإِنَّ كُلَّ مَا سُمِّيَ أَكْلًا - أَيُّ شَيْءٍ كَانَ - فَتَعَمُّدُهُ يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَأَمَّا الرِّيقُ - فَقَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا خِلَافَ فِي أَنْ تَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَمَالِكًا فِي هَذَا، وَلَمْ يُقَلِّدْ مِنْ سَاعَةٍ مَنْ سَاعَاتِهِ خَيْرٌ مِنْ دَهْرِهِمَا كُلِّهِ وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ، الَّذِي رُوِّينَا بِأَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَعِمْرَانَ الْقَطَّانِ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَأْكُلُ الْبَرْدَ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ عِمْرَانُ فِي حَدِيثِهِ: وَيَقُولُ: لَيْسَ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا
وَقَدْ سَمِعَهُ شُعْبَةُ مِنْ قَتَادَةَ، وَسَمِعَهُ قَتَادَةُ مِنْ أَنَسٍ؛ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُحَصِّلُونَ؟
[مَسْأَلَةٌ تَعَمُّدُ الْمَعْصِيَة أَثْنَاء الصَّوْم]
٧٣٤ - مَسْأَلَةٌ: وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ أَيْضًا تَعَمُّدُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ - أَيِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ، لَا نُحَاشِ شَيْئًا - إذَا فَعَلَهَا عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، كَمُبَاشَرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ، أَوْ تَقْبِيلِ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَتَيْنِ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ، أَوْ إتْيَانٍ فِي دُبُرِ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ كَذِبٍ، أَوْ غِيبَةٍ، أَوْ نَمِيمَةٍ، أَوْ تَعَمُّدِ تَرْكِ صَلَاةٍ، أَوْ ظُلْمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا حَرُمَ عَلَى الْمَرْءِ فِعْلُهُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ هُوَ السَّمَّانُ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ؟ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» .
стр. 1544
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ؟ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَتَيْنِ صَائِمَتَيْنِ تَغْتَابَانِ النَّاسَ فَقَالَ لَهُمَا: قِيئَا، فَقَاءَتَا قَيْحًا وَدَمًا وَلَحْمًا عَبِيطًا، ثُمَّ قَالَ ﵇: هَا إنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَنْ الْحَلَالِ وَأَفْطَرَتَا عَلَى الْحَرَامِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَهَى ﵇ عَنْ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ فِي الصَّوْمِ، فَكَانَ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ - عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ - لَمْ يَصُمْ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يَصُمْ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَصُمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالصِّيَامِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَهُوَ السَّالِمُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ، وَهُمَا اسْمَانِ يَعُمَّانِ كُلَّ مَعْصِيَةٍ؛ وَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدَعْ الْقَوْلَ بِالْبَاطِلِ - وَهُوَ الزُّورُ - وَلَمْ يَدَعْ الْعَمَلَ بِهِ فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي تَرْكِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ.
فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرْضَى صَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَقَبَّلُهُ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَهُ وَلَا قَبِلَهُ فَهُوَ
стр. 1545
بَاطِلٌ سَاقِطٌ؛ وَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّ الْمُغْتَابَةَ مُفْطِرَةٌ وَهَذَا مَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ؟ وَقَدْ كَابَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إنَّمَا يَبْطُلُ أَجْرُهُ لَا صَوْمُهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ هَذَا فِي غَايَةِ السَّخَافَةِ وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَحْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَ عَامِلِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَحْتَسِبْ لَهُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ وَلَا قَبِلَهُ، وَهَذَا هُوَ الْبُطْلَانُ بِعَيْنِهِ بِلَا مِرْيَةٍ؟ وَبِهَذَا يَقُولُ السَّلَفُ الطَّيِّبُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَهُشَيْمٌ كِلَاهُمَا عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ هُشَيْمٌ: عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَحْدَهُ؛ وَلَكِنَّهُ مِنْ الْكَذِبِ، وَالْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ؟ وَعَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ نَصًّا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ قَالَ جَابِرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ -: إذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وَبَصَرُكَ، وَلِسَانُكَ عَنْ الْكَذِبِ وَالْمَأْثَمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ، وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ أَخِيهِ طَلِيقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: إذَا صُمْت فَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْت، فَكَانَ طَلِيقٌ إذَا كَانَ يَوْمُ صِيَامِهِ دَخَلَ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا إلَى صَلَاةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ حَمَّادٍ الْبَكَّاءِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمِ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي قَالَ:
следующие страницы →