← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قَالَ التَّمِيمِيُّ: ثنا مُعَاوِيَةُ الْقُرَشِيُّ الْمَرْوَانِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَقَالَ الْعُذْرِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ الْأَسَدِيُّ الْقُرَشِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ وَحُمَيْدٌ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» زَادَ حُمَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ " وَالْقُبْلَةِ ". قَالَ عَلِيٌّ: إنَّ أَبَا نَضْرَةَ، وَقَتَادَةَ أَوْقَفَاهُ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، وَإِنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ أَوْقَفَهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ؛ وَلَكِنْ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ إذْ أَسْنَدَهُ الثِّقَةُ، وَالْمُسْنَدَانِ لَهُ عَنْ خَالِدٍ وَحُمَيْدٍ: ثِقَتَانِ؛ فَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَفْظَةُ " أَرْخَصَ " لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَهْيٍ؛ فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ نَسْخُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَمْ يَرَهَا تُفْطِرُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُقْبَلُ فِيمَا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، وَهَذَا مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى، وَقَدْ قَبِلُوا فِيهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُضْطَرِبًا؟ وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ: فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ؛ إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَأَمَّا الِاسْتِمْنَاءُ: فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنَّهُ يَنْقُضُ الصَّوْمَ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ وَقَتْلِ الْأَنْفُسِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَتَقْبِيلِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَمْدًا إذَا لَمْ يُمْنِ وَلَا أَمْذَى -: ثُمَّ يَنْقُضُهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إمْنَاءٌ وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ: أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ لَا

стр. 1577

يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَأَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ دُونَ عَمَلٍ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ، ثُمَّ يُنْقَضُ الصَّوْمُ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يُنْقِضُ الصَّوْمَ بِالْإِنْزَالِ لِلْمَنِيِّ إذَا تَعَمَّدَ اللَّذَّةَ، وَلَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ -: ثُمَّ لَا يُوجِبُ بِهِ الْغُسْلَ إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَالنَّصُّ جَاءَ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْهُ جُمْلَةً؟ . وَأَمَّا الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ لِلرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ لَهُ فَهُمَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، نَسْتَحِبُّهَا لِلصَّائِمِ، شَابًّا كَانَ أَوْ كَهْلًا أَوْ شَيْخًا، وَلَا نُبَالِي أَكَانَ مَعَهَا إنْزَالٌ مَقْصُودٌ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ «عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ

стр. 1578

عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] لَا سِيَّمَا مَنْ كَابَرَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ فَرْضٌ. وَقَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْأَسْوَدِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ بِأَسَانِيدَ كَالذَّهَبِ؟ وَرُوِّينَاهُ بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَفْصَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ كُلُّهُمْ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . فَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ الْقُبْلَةَ تُبْطِلُ الصَّوْمَ؟ وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَكْرُوهَةٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مُبَاحَةٌ لِلشَّيْخِ، مَكْرُوهَةٌ لِلشَّابِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَأَمَّا مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا خُصُوصٌ لَهُ ﵇ فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ، وَمَا يَعْجَزُ عَنْ الدَّعْوَى مَنْ لَا تَقْوَى لَهُ؟ فَإِنْ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» . قُلْنَا: لَا حُجَّةَ لَكَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ هَذَا؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا قَالَ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرَهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ» ؟ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا ذَلِكَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ يُوجِبُ أَنَّهُ لَهُ خُصُوصٌ فَقَوْلُهَا هَذَا فِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ يُوجِبُ أَنَّهَا لَهُ أَيْضًا خُصُوصٌ، أَوْ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، أَوْ أَنَّهَا لِلشَّيْخِ دُونَ

стр. 1579

الشَّابِّ وَلَا يُمْكِنُهُمْ هَاهُنَا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ كَرِهُوا مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ؛ جُمْلَةً وَلَعَمْرِي إنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ لَأَشَدُّ غَرَرًا؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَنْ جِمَاعِهَا أَيَّامًا وَلَيَالِيَ فَتَشْتَدُّ حَاجَتُهُ، وَأَمَّا الصَّائِمُ فَالْبَارِحَةُ وَطِئَهَا، وَاللَّيْلَةَ يَطَؤُهَا، فَهُوَ بِشَمٍّ مِنْ الْوَطْءِ؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَنَّهُ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ لَهَا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُخِّصَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ، فَارْجِعِي إلَيْهِ، فَرَجَعَتْ إلَيْهِ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللَّهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمٌ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ «عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلْ هَذِهِ، يَعْنِي أُمَّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ» . فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يُكَذِّبَانِ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى فِي ذَلِكَ الْخُصُوصَ لَهُ ﵇؛ لِأَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ ﵇ مَنْ اسْتَفْتَاهُ، وَيُكَذِّبُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لِلشَّابِّ مُبَاحَةٌ لِلشَّيْخِ؟ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ شَابًّا جِدًّا فِي قُوَّةِ شَبَابِهِ إذْ مَاتَ ﵇، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنْتَ حَمْزَةَ عَمِّهِ ﵁. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ

стр. 1580

ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ أَهْوَى النَّبِيُّ ﷺ لِيُقَبِّلَنِي، فَقُلْتُ: إنِّي صَائِمَةٌ فَقَالَ: وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَبَّلَنِي» . وَكَانَتْ عَائِشَةُ إذْ مَاتَ ﵇ بِنْتَ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ، وَبُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ؛ وَصَحَّ أَنَّهَا حَسَنَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، سُنَّةٌ مِنْ السُّنَنِ، وَقُرْبَةٌ مِنْ الْقُرْبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ وَوُقُوفًا عِنْدَ فُتْيَاهُ بِذَلِكَ؟ وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ كَرِهَهَا لِلشَّابِّ فَإِنَّمَا هُمَا حَدِيثَا سَوْءٍ، رُوِّينَا أَحَدَهُمَا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ، وَهُوَ لَا شَيْءَ، وَفِيهَا قَيْسٌ مَوْلَى تَجِيبٍ؛ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ وَالْآخَرَ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ عَنْ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي كِلَيْهِمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ لِلشَّيْخِ وَنَهَى عَنْهَا الشَّابَّ» ، فَسَقَطَا جَمِيعًا؟ وَأَمَّا مَنْ أَبْطَلَ الصَّوْمَ بِهَا فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ؟ قُلْنَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إبَاحَةُ الْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادُهُ مِنَّا، فَصَحَّ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا هِيَ الْجِمَاعُ فَقَطْ؛

стр. 1581

وَلَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِحَنَفِيٍّ وَلَا لِمَالِكِيٍّ، فَإِنَّهُمْ يُبِيحُونَ الْمُبَاشَرَةَ، وَلَا يُبْطِلُونَ الصَّوْمَ بِهَا أَصْلًا وَإِنَّمَا يُبْطِلُونَهُ بِشَيْءٍ يَكُونُ مَعَهَا، مِنْ الْمَنِيِّ أَوْ الْمَذْيِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هِيَ حُجَّةٌ لِمَنْ مَنَعَ الْمُبَاشَرَةَ وَأَبْطَلَ الصَّوْمَ بِهَا. وَهَؤُلَاءِ أَيْضًا قَدْ احْتَجُّوا بِخَبَرَيْنِ: رُوِّينَا أَحَدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَرَأَيْتُهُ لَا يَنْظُرنِي، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنِي؟ فَقَالَ: أَلَسْتَ الَّذِي تُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْت: فَوَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أُقَبِّلُ بَعْدَهَا وَأَنَا صَائِمٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الشَّرَائِعُ لَا تُؤْخَذُ بِالْمَنَامَاتِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَفْتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ فِي الْيَقِظَةِ حَيًّا بِإِبَاحَةِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ؛ فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُنْسَخَ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ مَيِّتًا نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا. وَيَكْفِي مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ حَمْزَةَ لَا شَيْءَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ هُوَ زُغْبَةٌ - عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنْ الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْت: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: فَمَهْ» ؟ ". وَالْخَبَرُ الثَّانِي الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الضَّبِّيِّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ «عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا صَائِمَانِ؟ فَقَالَ: قَدْ أَفْطَرَ» .

стр. 1582

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَتَّى لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - الَّذِي ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ - أَنَّهُ ﵇ أَرْخَصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ -: نَاسِخًا لَهُ؟ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ إبْطَالُ الصِّيَامِ بِالْقُبْلَةِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَقِيلَ لَهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» ؟ فَقَالَ: وَمَنْ ذَا لَهُ مِنْ الْحِفْظِ وَالْعِصْمَةِ مَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زَاذَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي الَّذِي يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَالَ: أَلَا يُقَبِّلُ جَمْرَةً؟ وَعَنْ مُوَرِّقٍ عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ مَا تُرِيدُ إلَى خُلُوفٍ فِيهَا؟ دَعْهَا حَتَّى تُفْطِرَ؟ وَعَنْ الْهَزْهَازِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَمَّنْ قَبَّلَ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ: أَفْطَرَ، وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: مَنْ تَأَمَّلَ خَلْقَ امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَائِمٌ بَطَلَ صَوْمُهُ؟ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ: رَأَيْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْهَوْنَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ؟ فَقَالَ: يَتَّقِي اللَّهَ وَلَا يَعُدْ. وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا؟ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّمَا الصَّوْمُ مِنْ الشَّهْوَةِ، وَالْقُبْلَةُ مِنْ الشَّهْوَةِ؟ وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: لَا يُقَبِّلُ الصَّائِمُ. وَعَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا؟ فَقَالَ: اللَّيْلُ قَرِيبٌ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: إنْ قَبَّلَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ وَقَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ؟ وَمَنْ كَرِهَهَا -: رُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الْقُبْلَةُ تُنْقِضُ الصَّوْمَ وَلَا تُفْطِرُ

стр. 1583

وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ: أَنَّهُ كَرِهَهَا؟ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ كَرِهَهَا؟ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا، وَإِنَّهَا لَبَرِيدُ سُوءٍ؟ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ تَدْعُو إلَى خَيْرٍ - يَعْنِي لِلصَّائِمِ؟ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ: هِيَ دَلِيلٌ إلَى غَيْرِهَا وَالِاعْتِزَالُ أَكْيَسُ؟ وَكَرِهَهَا مَالِكٌ؟ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ عَنْ مَكْحُولٍ، وَمِنْ طَرِيقِ حُرَيْثٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ رَخَّصُوا فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ لِلشَّيْخِ وَكَرِهُوهَا لِلشَّابِّ؟ وَمَنْ كَرِهَ الْمُبَاشَرَةَ لِلصَّائِمِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا، وَسُئِلَ أَيَقْبِضُ عَلَى سَاقِهَا؟ قَالَ لَا يَقْبِضُ عَلَى سَاقِهَا، أَعِفُّوا الصِّيَامَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ لَمْسِ الصَّائِمِ وَتَجْرِيدِهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الصَّائِمِ يُبَاشِرُ قَالَ: يَتُوبُ عَشْرَ مِرَارٍ، إنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ صَوْمِهِ الَّذِي يُجَرِّدُ أَوْ يَلْمِسُ، لَكَ أَنْ تَأْخُذَ بِيَدِهَا وَبِأَدْنَى جَسَدِهَا وَتَدَعَ أَقْصَاهُ؟ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي الصَّائِمِ يُبَاشِرُ بِالنَّهَارِ؟ قَالَ: لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ؛ وَلَكِنْ يُبَدِّلُ يَوْمًا مَكَانَهُ. وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ: لَا يُبَاشِرُ الصَّائِمُ. وَكَرِهَهَا مَالِكٌ. وَمَنْ أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ لِلشَّيْخِ وَنَهَى عَنْهَا لِلشَّابِّ -: رُوِّينَا هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ. وَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ كُلَّ ذَلِكَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 1584

فَدَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ فَتُقَبِّلَهَا وَتُلَاعِبَهَا؟ فَقَالَ: أُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْت عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ صَائِمًا؟ فَقَالَتْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ كَانَتْ أَجْمَلَ نِسَاءِ أَهْلِ زَمَانِهَا، وَكَانَتْ أَيَّامَ عَائِشَةَ وَهِيَ وَزَوْجُهَا فَتِيَّيْنِ فِي عُنْفُوَانِ الْحَدَاثَةِ؟ وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يُكَذِّبَانِ قَوْلَ مَنْ لَا يُبَالِي بِالْكَذِبِ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا «وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » النَّهْيَ مِنْ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ: ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَتْ تُقَبِّلُهُ امْرَأَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ صَائِمٌ؛ فَلَا يَنْهَاهَا وَمِنْ طَرِيقِ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنِّي تَزَوَّجْت ابْنَةَ عَمٍّ لِي جَمِيلَةً، فَبَنَيْتُ بِهَا فِي رَمَضَانَ: فَهَلْ لِي - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إلَى قُبْلَتِهَا مِنْ سَبِيلٍ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ تَمْلِكُ نَفْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قَبِّلْ، قَالَ: فَبِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي: هَلْ إلَى مُبَاشَرَتِهَا مِنْ سَبِيلٍ؟ قَالَ: هَلْ تَمْلِكُ نَفْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبَاشِرْهَا، قَالَ: فَهَلْ لِي إلَى أَنْ أَضْرِبَ بِيَدِي عَلَى فَرْجِهَا مِنْ سَبِيلٍ؟ قَالَ: وَهَلْ تَمْلِكُ نَفْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اضْرِبْ - وَهَذِهِ أَصَحُّ طَرِيقٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْت أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ دُنُوِّ الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَائِمٌ؟ فَقَالَ: إنِّي لَأَرُفُّ شَفَتَيْهَا وَأَنَا صَائِمٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَتُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ قَالَ: نَعَمْ وَأَكْفَحُهَا -

стр. 1585

مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَفْتَحُ فَاهُ إلَى فِيهَا وَسُئِلَ عَنْ تَقْبِيلِ غَيْرِ امْرَأَتِهِ؟ فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ. وَمِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ سُئِلَ: أَتُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَقْبِضُ عَلَى مَتَاعِهَا. وَعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُبَاشِرُ امْرَأَتَهُ نِصْفَ النَّهَارِ وَهُوَ صَائِمٌ - وَهَذِهِ أَصَحُّ طَرِيقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَمِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ بْنِ سَبْرَةَ (عَنْ) الْمُسَيِّبِ بْنِ نُجْبَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ عَمَّتِهِ - وَكَانَتْ تَحْتَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ - قَالَتْ: كَانَ حُذَيْفَةُ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ فِي رَمَضَانَ جَاءَ فَدَخَلَ مَعِي فِي لِحَافِي ثُمَّ يُبَاشِرُنِي. وَعَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْدَانَ بِهِ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ لَهُ وَقَدْ تَزَوَّجَ فِي رَمَضَانَ: لَوْ دَنَوْت، لَوْ قَبَّلْت؟ وَمِنْ التَّابِعِينَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ: لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، إنَّمَا هِيَ كَالْكِسْرَةِ يَشْتَمُّهَا. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: يُقَبِّلُ الصَّائِمُ، وَيُبَاشِرُ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا وَيُفْتِي بِذَلِكَ.

стр. 1586

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إبَاحَةُ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ، وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ. وَعَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَقْبِيلِ الصَّائِمِ امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: مَا أُبَالِي أَقَبَّلْتهَا، أَوْ قَبَّلْت يَدِي؟ فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ عَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٌّ، وَعَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَحُذَيْفَةُ، وَمَا نَعْلَمُ مِنْهُمْ أَحَدًا رُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا إلَّا وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ إبَاحَتُهَا بِأَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ؛ إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَحْدَهُ، وَرُوِيَتْ الْإِبَاحَةُ جُمْلَةً عَنْ سَعْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَاتِكَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَقَدْ كَانَ يَجِبُ لِمَنْ غَلَّبَ الْقِيَاسَ عَلَى الْأَثَرِ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي الصِّيَامِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْحَجِّ؛ وَيَجْعَلَ فِيهَا صَدَقَةً كَمَا جَعَلَ فِيهَا هُنَالِكَ؛ وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقِيَاسَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. وَإِذْ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ: مُسْتَحَبَّتَانِ فِي الصَّوْمِ وَأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ الصَّائِمُ فِي امْرَأَتِهِ عَنْ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ -: فَسَوَاءٌ تَعَمَّدَ الْإِمْنَاءَ فِي الْمُبَاشَرَةِ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَا كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يَأْتِ بِكَرَاهِيَتِهِ نَصٌّ وَلَا وَإِجْمَاعٌ، فَكَيْف إبْطَالُ الصَّوْمِ بِهِ، فَكَيْف أَنْ تُشْرَعَ فِيهِ كَفَّارَةٌ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعَ ذَلِكَ - مِنْ أَنَّهُ خِلَافٌ لِلسُّنَّةِ - فَسَادَ قَوْلِ مَنْ رَأَى الصَّوْمَ يُنْتَقَضُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ، يَقُولُونَ: خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ؛ وَأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَعَهَا مَذْيٌ، وَلَا مَنِيٌّ، لَا تَنْقُضُ الصَّوْمَ؛ وَأَنَّ الْإِنْعَاظَ دُونَ مُبَاشَرَةٍ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ عَلَى انْفِرَادِهِ لَا يَكْدَحُ فِي الصَّوْمِ أَصْلًا؛ فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ إذَا اجْتَمَعَتْ أَنْ تَنْقُضَ الصَّوْمَ؟ هَذَا بَاطِلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِ أَبَدًا، لَا مِنْ رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَأَمَّا تَوْلِيدُ الْكَذِبِ وَالدَّعَاوَى بِالْمُكَابَرَةِ، فَمَا يَعْجِزُ عَنْهَا مَنْ لَا دِينَ لَهُ. وَمَا رُئِيَ قَطُّ حَلَالٌ وَحَلَالٌ يَجْتَمِعَانِ فَيَحْرُمَانِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَبِهَذَا الدَّلِيلِ نَفْسِهِ خَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ فِي تَحْرِيمِ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ يُجْمَعَانِ، ثُمَّ حَكَمُوا بِهِ هَاهُنَا حَيْثُ لَا يَحِلُّ الْحُكْمُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 1587

وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ حَتَّى يُمْنِيَ لَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِمَاعِ فِي إبْطَالِ الصَّوْمِ بِهِ، مَعَ أَنَّ نَقْضَ الصَّوْمِ بِتَعَمُّدِ الْإِمْنَاءِ خَاصَّةً لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ؟ وَأَمَّا الْقَيْءُ الَّذِي لَا يُتَعَمَّدُ فَقَدْ جَاءَ الْأَثَرُ بِذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَلَا نَعْلَمُ فِي الْقَلْسِ، وَالدَّمِ: الْخَارِجَيْنِ مِنْ الْأَسْنَانِ لَا يَرْجِعَانِ إلَى - الْحَلْقِ، خِلَافًا فِي أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَبْطُلُ بِهِمَا، وَحَتَّى لَوْ جَاءَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ لَمَا اُلْتُفِتَ إلَيْهِ؛ إذْ لَمْ يُوجِبْ بُطْلَانَ الصَّوْمِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَأَمَّا الْحُقْنَةُ، وَالتَّقْطِيرُ فِي الْإِحْلِيلِ، وَالتَّقْطِيرُ فِي الْأُذُنِ، وَالسَّعُوطُ، وَالْكُحْلُ، وَمُدَاوَاةُ الْجَائِفَةِ، وَالْمَأْمُومَةُ -: فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ مَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ وَإِلَى بَاطِنِ الرَّأْسِ - لِأَنَّهُ جَوْفٌ - فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الصَّوْمَ، قِيَاسًا عَلَى الْأَكْلِ؟ ثُمَّ تَنَاقَضُوا، فَلَمْ يَرَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ فِي الْكُحْلِ قَضَاءً، وَإِنْ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ، وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بِالْفَتَائِلِ تُسْتَدْخَلُ لِدَوَاءٍ بَأْسًا لِلصَّائِمِ، وَلَمْ يَرَ الْكُحْلَ يُفْطِرُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَقَاقِيرُ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: لَا تُفْطِرُ الْحُقْنَةُ إنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ لَا بَأْسَ بِالسَّعُوطِ لِلصَّائِمِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. أَنَّ أَبَاهُ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى، وَابْنَ شُبْرُمَةَ كَانُوا يَقُولُونَ: إنْ اكْتَحَلَ الصَّائِمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا نَهَانَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّوْمِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وَتَعَمُّدِ الْقَيْءِ، وَالْمَعَاصِي، وَمَا عَلِمْنَا أَكْلًا، وَلَا شُرْبًا، يَكُونُ عَلَى دُبُرٍ، أَوْ إحْلِيلٍ، أَوْ أُذُنٍ، أَوْ عَيْنٍ، أَوْ أَنْفٍ، أَوْ مِنْ جُرْحٍ فِي الْبَطْنِ، أَوْ الرَّأْسِ وَمَا نُهِينَا قَطُّ عَنْ أَنَّ نُوَصِّلُ إلَى الْجَوْفِ - بِغَيْرِ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ - مَا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْنَا إيصَالُهُ وَالْعَجَبُ أَنَّ مَنْ رَأَى مِنْهُمْ الْفِطْرَ بِكُلِّ ذَلِكَ لَا يَرَى عَلَى مَنْ احْتَقَنَ بِالْخَمْرِ، أَوْ صَبَّهَا فِي أُذُنِهِ حَدًّا فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ شُرْبًا، وَلَا أَكْلًا؟ ثُمَّ تَنَاقُضُهُمْ فِي الْكُحْلِ عَجَبٌ جِدًّا وَهُوَ أَشَدُّ وُصُولًا إلَى الْحَلْقِ، وَمَجْرَى

стр. 1588

الطَّعَامِ مِنْ الْقُطُورِ فِي الْأُذُنِ؟ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ، وَالطَّحِينِ؟ فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ غُبَارَ الطَّرِيقِ، وَالطَّحِينِ: لَمْ يَتَعَمَّدْ إيصَالَهُ إلَى الْحَلْقِ، وَالْكُحْلُ تَعَمَّدَ إيصَالَهُ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ قِيَاسَ السَّعُوطِ عَلَى غُبَارِ الطَّرِيقِ، وَالطَّحِينِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَسْلَكُهُ الْأَنْفُ؛ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ قِيَاسًا وَلَا يَلْتَزِمُونَ نَصًّا، وَلَا يَطْرُدُونَ أَصْلًا وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ فَيَغْلِبُهُ الْمَاءُ فَيَدْخُلُ حَلْقَهُ عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ. فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَقَدْ أَفْطَرَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ. وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي كُلِّ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، ذَاكِرًا كَانَ أَوَغَيْرَ ذَاكِرٍ. وَرُوِّينَا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ - وَهُوَ الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادٌ - وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وُضُوءٍ لِصَلَاةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ وُضُوءٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَرُوِّينَا قَوْلَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَفْطَرَ بِذَلِكَ بِالْأَثَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «وَإِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَبَالِغْ، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ؛ وَإِنَّمَا فِيهِ إيجَابُ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ، وَسُقُوطُ وُجُوبِ ذَلِكَ عَنْ الصَّائِمِ فَقَطْ؛ لَا نَهْيُهُ عَنْ الْمُبَالَغَةِ؛ فَالصَّائِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُبَالِغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يُبَالِغَ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الصَّائِمِ فَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَإِلَّا كَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِهِ ﵇: بِالْمُبَالَغَةِ؛ وَلَوْ أَنَّ امْرَأً يَقُولُ: إنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ تُفْطِرُ الصَّائِمَ لَكَانَ أَدْخَلَ فِي التَّمْوِيهِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى

стр. 1589

الْحَلْقِ أَثَرٌ وَلَا عِثْيَرٌ وَلَا إشَارَةٌ وَلَا دَلِيلٌ؛ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَتَكَهَّنُونَ فِي السُّنَنِ مَا يُوَافِقُ آرَاءَهُمْ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَأَمَّا الذُّبَابُ يَدْخُلُ فِي الْحَلْقِ غَلَبَةً، وَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَتَثَاءَبَ فَوَقَعَ فِي حَلْقِهِ نُقْطَةٌ مِنْ الْمَطَرِ -: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يُفْطِرُ؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْطِرُ بِالذُّبَابِ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الذُّبَابِ يَدْخُلُ حَلْقَ الصَّائِمِ قَالَ: لَا يُفْطِرُ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ فِي الذُّبَابِ يَدْخُلُ حَلْقَ الصَّائِمِ قَالَ: لَا يُفْطِرُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ: وَمَا نَعْلَمُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إلَّا تِلْكَ الرِّوَايَةَ الضَّعِيفَةَ عَنْهُ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ؛ وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ؟ وَكُلُّهُمْ قَدْ خَالَفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْفِطْرَ بِتَعَمُّدِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَهُوَ خَارِجٌ لَا دَاخِلٌ، وَيُبْطِلُونَ الْوُضُوءَ بِالْإِيلَاجِ، وَهُوَ دَاخِلٌ لَا خَارِجٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ قُلْنَا: إنَّ مَا لَيْسَ أَكْلًا، وَلَا شُرْبًا، وَلَا جِمَاعًا، وَلَا مَعْصِيَةً، فَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَأَمَّا السِّوَاكُ بِالرَّطْبِ، وَالْيَابِسِ، وَمَضْغُ الطَّعَامِ أَوْ ذَوْقُهُ مَا لَمْ يَصِلْ مِنْهُ إلَى الْحَلْقِ أَيُّ شَيْءٍ بِتَعَمُّدٍ -: فَكُلُّهُمْ لَا يَرَوْنَ الصِّيَامَ بِذَلِكَ مُنْتَقَضًا، وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَلَمْ يُبْطِلْ بِذَلِكَ الصَّوْمَ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ مَضْغَ الطَّعَامِ وَذَوْقَهُ، وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ مَا لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا

стр. 1590

سُنَّةٌ بِكَرَاهَتِهِ خَطَأٌ، وَهُمْ لَا يَكْرَهُونَ الْمَضْمَضَةَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَضْغِ الطَّعَامِ؛ بَلْ الْمَاءُ أَخْفَى وُلُوجًا وَأَشَدُّ امْتِزَاجًا بِالرِّيقِ مِنْ الطَّعَامِ؛ وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقِيَاسَ؟ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ: «إنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْخُلُوفُ خَارِجٌ مِنْ الْحَلْقِ، وَلَيْسَ فِي الْأَسْنَانِ، وَالْمَضْمَضَةُ تَعْمَلُ فِي ذَلِكَ عَمَلَ السِّوَاكِ، وَهُوَ لَا يَكْرَهُهَا، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَوَكِيعٍ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ حَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَلَمْ يَخُصَّ صَائِمًا مِنْ غَيْرِهِ فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ - لِلْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ؟ وَقَدْ كَرِهَ أَبُو مَيْسَرَةَ الرَّطْبَ مِنْ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَحَمَّادٍ، وَإِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَكْرَهُونَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَمْضُغَ الطَّعَامَ لِلصَّبِيِّ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَفْعَلُهُ وَأَمَّا مَضْغُ الْعِلْكِ، وَالزِّفْتِ، وَالْمَصْطَكَى: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقٍ لَا يَصِحُّ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا كَرِهَتْ الْعِلْكَ لِلصَّائِمِ؟ وَرُوِّينَا عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا؟ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْلًا، وَلَا شُرْبًا، وَلَا جِمَاعًا، وَلَا مَعْصِيَةً: فَهُوَ مُبَاحٌ فِي الصَّوْمِ؛ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ بِنَهْيِ الصَّائِمِ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ أَكْلًا، وَلَا شُرْبًا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ بِطُولِ الْمَضْغِ لَوْ وُزِنَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَأَمَّا غُبَارُ مَا يُغَرْبَلُ فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ عَنْ سَحْنُونَ وَهُوَ لَا يُسَمَّى أَكْلًا، وَلَا شُرْبًا، فَلَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ وَأَمَّا طَعَامٌ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْأَسْنَانِ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ النَّهَارِ خَرَجَ فَرَمَى بِهِ -: فَهَذَا لَمْ يَأْكُلْ، وَلَا شَرِبَ؛ فَلَا حَرَج، وَلَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ -: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؛ وَهُوَ قَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ. وَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا - مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ التَّمَادِي ضُحًى كَذَلِكَ حَتَّى يَتْرُكَ

стр. 1591

الصَّلَاةَ عَامِدًا ذَاكِرًا لَهَا: - فَإِنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا؟ فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِتَرْكِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ؟ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ؛ وَالشَّافِعِيُّونَ: صَوْمُهُ تَامٌّ وَإِنْ تَعَمَّدَ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَظَاهِرُ الْفَسَادِ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ تَعَمُّدَ الْمَعْصِيَةِ يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَلَا مَعْصِيَةَ أَعْظَمُ مِنْ تَعَمُّدِ تَرْكِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا؟ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: " أَنَّهُ احْتَلَمَ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ ثُمَّ نَامَ فَلَمْ يَنْتَبِهْ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: فَلَقِيت أَبَا هُرَيْرَةَ فَاسْتَفْتَيْتُهُ؟ فَقَالَ: أَفْطِرْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ إذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا قَالَ: فَجِئْت إلَى أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا أَفْتَانِي بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَئِنْ أَفْطَرْتَ لَأُوجِعَنَّ مَتْنَكَ، صُمْ، فَإِنْ بَدَا لَكَ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا آخَرَ فَافْعَلْ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْقَارِئَ قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ، مَا أَنَا قُلْتُ: مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ، مُحَمَّدٌ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - قَالَهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ عَابَ مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا عِلْمَ لَهُ هَذَا الْخَبَرَ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: إنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حَدَّثَهُ بِهِ، وَإِنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ بِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ قُوَّةٌ زَائِدَةٌ لِلْخَبَرِ، أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ وَالْفَضْلُ رَوَيَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا نَدْرِي إلَى مَا أَشَارَ بِهِ هَذَا الْجَاهِلُ؟ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ إلَّا نِسْبَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْكَذِبِ، وَالْمُعْتَرِضُ بِذَلِكَ أَحَقُّ بِالْكَذِبِ مِنْهُ؟ وَكَذَلِكَ عَارَضَ قَوْمٌ - لَا يُحَصِّلُونَ مَا يَقُولُونَ - هَذَا الْخَبَرَ بِأَنَّ أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ رَوَتَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ ذَلِكَ النَّهَارَ» .

стр. 1592

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ يُعَارِضُ هَذَا الْخَبَرَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ لِأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ هِيَ الزَّائِدَةُ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَرُدُّ رِوَايَتَهُمَا ﵄ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ بِرَأْيِهِ -: ثُمَّ يَجْعَلُ رِوَايَتَهُمَا هَاهُنَا حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ لَا سِيَّمَا مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا قَالَتْ: مَا أَدْرَكَ الْفَجْرُ قَطُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَّا

стр. 1593

وَهُوَ نَائِمٌ» فَهَلَّا حَمَلُوا هَذَا عَلَى غَلَبَةِ النَّوْمِ، لَا عَلَى تَعَمُّدِ تَرْكِ الْغُسْلِ؟ وَاحْتَجَّ أَيْضًا قَوْمٌ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ فِي الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ فِي رُجُوعِهِ، لِأَنَّهُ رَأْي مِنْهُ؛ إنَّمَا الْحُجَّةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ اُفْتُرِضَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُ رِوَايَتِهِمْ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِاتِّبَاعِ الرَّأْيِ مِمَّنْ رَآهُ مِنْهُمْ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِهَذَا مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَهُمْ قَدْ ثَبَتُوا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُتَزَوِّجَةِ فِي الْعِدَّةِ عَلَى الَّذِي دَخَلَ بِهَا فِي الْأَبَدِ. وَقَدْ صَحَّ رُجُوعُ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ ابْتِدَاءُ زَوَاجِهَا؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةُ فِي هَذَا قَالَ عَطَاءٌ: يُبَدِّلُ يَوْمًا وَيُتِمُّ يَوْمَهُ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ جُنُبًا وَهُوَ مُتَعَمِّدٌ أَبْدَلَ الصِّيَامَ؛ وَمَنْ أَتَاهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ فَلَا يُبَدِّلُهُ؟ فَهَذَا عُرْوَةُ ابْنُ أُخْتِ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ تَرَكَ قَوْلَهَا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ: سَأَلْت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا؟ فَقَالَ: أَمَّا رَمَضَانُ فَيُتِمُّ صَوْمَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ؛ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْت سَالِمًا عَنْ رَجُلٍ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: يُتِمُّ يَوْمَهُ وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ.

стр. 1594

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى يُصْبِحَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ ذَلِكَ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَسْتَيْقِظْ فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ: يَقْضِيهِ فِي الْفَرْضِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِذِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي الَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ قَالَ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَا ذَكَرْنَا لَكَانَ الْوَاجِبُ الْقَوْلَ بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ نَسْخِهِ؟ وَبُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] كَانَ أَحَدُهُمْ إذَا نَامَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا إلَى الْقَابِلَةَ، وَرَخَّصَ اللَّهُ لَكُمْ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ الرَّقِّيُّ ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ - ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ بَاجَدَّا -: ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنْ الْغَدِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِكُلِّ حَالٍ تَقَدَّمَتْ الصَّوْمَ، وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ الْأَحْوَالِ الْمَنْسُوخَةِ، وَإِذْ صَحَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ فَحُكْمُهَا

стр. 1595

بَاقٍ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وَفِيهَا إبَاحَةُ الْوَطْءِ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ؛ فَإِذْ هُوَ مُبَاحٌ بِيَقِينٍ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْفَجْرَ يُدْرِكُهُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَبِهَذَا وَجَبَ تَرْكُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا بِمَا سِوَاهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ أَنَّهُ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ، أَوْ فِي صَوْمِ فَرْضٍ، أَوْ تَطَوُّعٍ: فَأَكَلَ، وَشَرِبَ، وَوَطِئَ، وَعَصَى؛ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَيْلٌ فَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا بِهِ قَدْ أَصْبَحَ؛ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ غَابَتْ الشَّمْسُ فَفَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ -: فَإِنَّ صَوْمَ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا تَامٌّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيُّ قَالَ ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الشِّيرَازِيُّ أَخَبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ الرَّيَّانِ الْمَخْزُومِيِّ وَرَّاقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ قُتَيْبَةَ ثنا الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنِ الْمَرَادِيِّ ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدَانُ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - ثنا ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السُّلَيْمِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا

стр. 1596

رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَكَلْتُ وَشَرِبْتُ نَاسِيًا وَأَنَا صَائِمٌ؟ فَقَالَ: اللَّهُ أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي رَافِعٍ، وَخِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا، وَأَمَرَهُ بِإِتْمَامِ صَوْمِهِ ذَلِكَ فَصَحَّ أَنَّهُ صَحِيحُ الصَّوْمِ - وَبِهِ يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: اسْتَسْقَى ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقُلْت: أَلَسْتَ صَائِمًا؟ فَقَالَ: أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْقِيَنِي فَمَنَعْتَنِي؟ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ شَرِبَ نَاسِيًا أَوْ أَكَلَ نَاسِيًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ، إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ؟ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُ هَذَا. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَسَوَّيَا فِي ذَلِكَ بَيْن الْمُجَامِعِ، وَالْآكِلِ، وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ مِثْلُهُ، وَعَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَعَلْقَمَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ؛ إلَّا أَنَّ بَعْضَ مَنْ ذَكَرْنَا رَأَى الْجِمَاعَ بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَرَأَى فِيهِ الْقَضَاءَ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَسُفْيَانَ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْقَضَاءُ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِي؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: الْأَكْلُ، وَالْجِمَاعُ، وَالشُّرْبُ يُنَافِي الصَّوْمَ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: وَعَلَى هَذَا فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ يُنَافِي الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ بِنِسْيَانٍ فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ فَكَيْفَ وَقَوْلُهُمْ هَذَا خَطَأٌ؟ وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنَّ تَعَمُّدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالْقَيْءِ يُنَافِي الصَّوْمَ لَا الْأَكْلُ كَيْفَ كَانَ، وَلَا الشُّرْبُ كَيْفَ كَانَ، وَلَا الْجِمَاعُ كَيْفَ كَانَ، وَلَا الْقَيْءُ كَيْفَ كَانَ، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ.

стр. 1597

وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ فَبَاطِلٌ، عَارِيَّةٌ مِنْ الدَّلِيلِ جُمْلَةً، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، بَلْ هَذَا مِمَّا نَقَضُوا فِيهِ وَتَنَاقَضُوا فِيهِ، لِأَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ قَوْلِ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَهُمْ. وَخَالَفُوا هَاهُنَا طَائِفَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَقَالُوا: الْكَلَامُ، أَوْ الْأَكْلُ، أَوْ الشُّرْبُ فِي الصَّلَاةِ بِنِسْيَانٍ لَا يُبْطِلُهَا، وَأَبْطَلُوا الصَّوْمَ بِكُلِّ ذَلِكَ بِالنِّسْيَانِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؟ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَتَنَاقَضَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْكَلَامَ، أَوْ الْأَكْلَ نَاسِيًا، أَوْ الشُّرْبَ نَاسِيًا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكُلِّ ذَلِكَ وَيَبْتَدِئُهَا، وَخَالَفَ السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، وَرَأَى الْجِمَاعَ يُبْطِلُ الْحَجَّ نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَامِدًا وَرَأَى أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَاتَّبَعَ الْخَبَرَ فِي ذَلِكَ، وَرَأَى الْجِمَاعَ نَاسِيًا لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ، قِيَاسًا عَلَى الْأَكْلِ، وَلَمْ يَقِسْ الْآكِلَ نَائِمًا عَلَى الْآكِلِ نَاسِيًا؛ بَلْ رَأَى الْأَكْلَ نَائِمًا يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَهُوَ نَاسٍ بِلَا شَكٍّ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ لَا نَظِيرَ لَهُ؟ وَادَّعَى مُقَلِّدُوهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ وَالْأَكْلَ نَاسِيًا سَوَاءٌ؛ وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ أَصَابَ امْرَأَتَهُ نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يَنْسَى هَذَا كُلَّهُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ عُذْرًا، وَإِنْ طَعِمَ نَاسِيًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ وَلَا يَقْضِيهِ، اللَّهُ أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَرَأَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا الْقَضَاءَ وَعَلَى مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ وَتَفَارِيقُ لَا تَصِحُّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ أَكَلَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ أَوْ جَامَعَ كَذَلِكَ أَوْ شَرِبَ كَذَلِكَ فَإِذَا بِهِ نَهَارٌ إمَّا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِمَّا بِأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ -: كِلَاهُمَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إبْطَالَ صَوْمِهِ، وَكِلَاهُمَا ظَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ صِيَامٍ، وَالنَّاسِي ظَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ صِيَامٍ وَلَا فَرْقَ، فَهُمَا وَالنَّاسِي سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ.

стр. 1598

وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَإِنَّمَا يَكُونُ قِيَاسًا لَوْ جَعَلْنَا النَّاسِيَ أَصْلًا ثُمَّ شَبَّهْنَا بِهِ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ وَجَامَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ فِي لَيْلٍ فَإِذَا بِهِ فِي نَهَارٍ، وَلَمْ نَفْعَلْ هَذَا بَلْ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: ثنا مَعْمَرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَفْطَرَ النَّاسُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَرَأَيْت عِسَاسًا أُخْرِجَتْ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ فَشَرِبُوا، ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ مِنْ سَحَابٍ، فَكَأَنَّ ذَلِكَ شَقَّ عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: نَقْضِي هَذَا الْيَوْمَ فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ؟ وَاَللَّهِ مَا تَجَانَفْنَا لِإِثْمٍ وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ الْمُسَيِّبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا الْقَضَاءُ، وَهَذَا تَخَالُفٌ مِنْ قَوْلِهِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَوَجَدْنَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ أَوْلَى لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ لَهُ صُحْبَةٌ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ الْقَضَاءُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أَبِيهِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَمَّنْ تَسَحَّرَ نَهَارًا وَهُوَ يَرَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا؟ فَقَالَ: يُتِمُّ صَوْمَهُ.

стр. 1599

وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَنْ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِيمَنْ تَسَحَّرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ، قَالَ: يُتِمُّ صَوْمَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا أَبُو دَاوُد - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِيمَنْ أَكَلَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ فَإِذَا بِهِ نَهَارٌ، قَالَ: يُتِمُّ صَوْمَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ عُرْوَةُ وَعَطَاءٌ فِيمَنْ أَكَلَ فِي الصُّبْحِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ: لَمْ يَقْضِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَمُجَاهِدٌ؛ وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَرُوِّينَا عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَعَطَاءٍ، وَزِيَادِ بْنِ النَّضْرِ، وَإِنَّمَا قَالَ هَؤُلَاءِ: بِالْقَضَاءِ فِي الَّذِي يُفْطِرُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ ثُمَّ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَأَمَّا فِي الْفَجْرِ فَلَا، مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا. فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «أَفْطَرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ» . قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: قُلْت لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: وَمِنْ ذَلِكَ بُدٌّ؟

стр. 1600

فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ إلَّا مِنْ كَلَامِ هِشَامٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْت هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ يَقُولُ: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا؟ فَصَحَّ مَا قُلْنَا. وَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ، أَوْ وُطِئَتْ امْرَأَةٌ نَائِمَةً، أَوْ مُكْرَهَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا، أَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مَاءٌ وَهُوَ نَائِمٌ -: فَصَوْمُ النَّائِمِ، وَالنَّائِمَةِ، وَالْمُكْرَهِ، وَالْمُكْرَهَةِ: تَامٌّ صَحِيحٌ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَجْنُونَةِ. وَالْمُغْمَى عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِهِ عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وَالنَّائِمُ وَالنَّائِمَةُ مُكْرَهَانِ بِلَا شَكٍّ غَيْرُ مُخْتَارَيْنِ لِمَا فُعِلَ بِهِمَا؟ وَقَالَ زُفَرُ: لَا شَيْءَ عَلَى النَّائِمِ، وَالنَّائِمَةِ وَلَا قَضَاءَ كَمَا قُلْنَا، سَوَاءٌ سَوَاءٌ، وَصَوْمُهُمَا تَامٌّ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّائِمِ مِثْلُ قَوْلِ زُفَرَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ: إذَا جُومِعَتْ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَصَوْمُهَا تَامٌّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا. وَالْمَجْنُونُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَالصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» . وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّائِمَةِ، وَالْمُكْرَهِ وَالْمُكْرَهَةِ، وَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِمَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الْحَدَثِ أَنَّهُ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قِيَاسٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ - لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا - فَكَيْفَ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؟ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُنْتَقَضُ مِنْ الْأَحْدَاثِ بِقِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِنَقْضِهَا كَيْفَ مَا كَانَ، بِنِسْيَانٍ أَوْ عَمْدٍ أَوْ إكْرَاهٍ: وَالْآخَرُ لَا يَنْقُضُهَا إلَّا بِالْعَمْدِ عَلَى حَسَبِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي

стр. 1601

ذَلِكَ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ - الرِّيحَ، وَالْبَوْلَ، وَالْغَائِطَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ -: أَنْ يَقِيسُوا النَّاسِيَ فِي الصَّوْمِ عَلَى النَّاسِي فِي الطَّهَارَةِ، وَالْمَغْلُوبَ بِالْقَيْءِ عَلَى الْمَغْلُوبِ بِالْحَدَثِ، وَكُلُّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا أَصْلًا، فَبَطَلَ قِيَاسُهُمْ الْفَاسِدُ وَكَانَ أَدْخَلَ فِي الْقِيَاسِ لَوْ قَاسُوا الْمُكْرَهَ، وَالْمَغْلُوبَ فِي الصَّوْمِ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَالْمَغْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ، أَوْ تَرْكِ السُّجُودِ، أَوْ الرُّكُوعِ، فَهَؤُلَاءِ صَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْهُمْ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَوْمُ الْمُكْرَهِ وَالْمَغْلُوبِ وَلَا فَرْقَ؛ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ الْقِيَاسَ وَلَا يَتَّبِعُونَ النُّصُوصَ وَلَا يَطْرُدُونَ أُصُولَهُمْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَأَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ، وَالتَّغْطِيسُ فِي الْمَاءِ، وَدَهْنُ الشَّارِبِ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: لَا يَدْخُلُ الصَّائِمُ الْحَمَّامَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ الْإِفْطَارُ بِدَهْنِ الشَّارِبِ، وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي التَّغْطِيسِ فِي الْمَاءِ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ لِلصَّائِمِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَا يَكْدَحُ فِي الصَّوْمِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمَجْنُون وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي شَهْر رَمَضَانَ] ٧٥٤ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ جُنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَفَاقَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ - قَضَى الشَّهْرَ كُلَّهُ. قَالَ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كُلِّهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ - قَضَى الشَّهْرَ كُلَّهُ إلَّا يَوْمَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى صِيَامَهُ مِنْ اللَّيْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَلَغَ وَهُوَ مَجْنُونٌ مُطْبَقٌ فَأَقَامَ وَهُوَ كَذَلِكَ سِنِينَ ثُمَّ أَفَاقَ -: فَإِنَّهُ يَقْضِي كُلَّ رَمَضَانَ كَانَ فِي تِلْكَ السِّنِينَ، وَلَا يَقْضِي شَيْئًا مِنْ الصَّلَوَاتِ. قَالَ: فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ النَّهَارِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَقَلَّ النَّهَارِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ جُمْلَةً دُونَ تَقْسِيمٍ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: لَا قَضَاءَ عَلَى الْمَجْنُونِ إلَّا عَلَى الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ، وَلَا

стр. 1602

قَضَاءَ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْضِي الْمَجْنُونُ، وَيَقْضِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُنَّا نَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَبْطُلُ صَوْمُهُمَا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ. وَنَقُولُ: إنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ خَالِدٍ هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» وَكُنَّا نَقُولُ: إذَا رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِصَوْمٍ وَلَا بِصَلَاةٍ. ثُمَّ تَأَمَّلْنَا هَذَا الْخَبَرَ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى - فَوَجَدْنَاهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ فِي حَالِ جُنُونِهِ حَتَّى يَعْقِلَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ بُطْلَانُ صَوْمِهِ الَّذِي لَزِمَهُ قَبْلَ جُنُونِهِ، وَلَا عَوْدَتُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى، فَوَجَبَ أَنَّ مَنْ جُنَّ بَعْدَ أَنْ نَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا يَكُونُ مُفْطِرًا بِجُنُونِهِ؛ لَكِنَّهُ فِيهِ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، وَقَدْ كَانَ مُخَاطَبًا بِهِ؛ فَإِنْ أَفَاقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ فِي يَوْمٍ بَعْدَهُ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَنْوِي الصَّوْمَ مِنْ حِينِهِ وَيَكُونُ صَائِمًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ عَلِمَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ. وَهَكَذَا مَنْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، أَوْ مَنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ يَوْمُ نَذْرِهِ أَوْ فَرْضِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ مَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَوْ مَنْ نَامَ، أَوْ سَكِرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ وَلَا صَحَا إلَّا مِنْ الْغَدِ وَقَدْ مَضَى أَكْثَرُ النَّهَارِ، أَوْ أَقَلُّهُ. وَوَجَدْنَا الْمَجْنُونَ لَا يُبْطِلُ جُنُونُهُ إيمَانَهُ، وَلَا أَيْمَانَهُ وَلَا نِكَاحَهُ وَلَا طَلَاقَهُ، وَلَا ظِهَارَهُ وَلَا إيلَاءَهُ، وَلَا حَجَّهُ، وَلَا إحْرَامَهُ وَلَا بَيْعَهُ، وَلَا هِبَتَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ قَبْلَ جُنُونِهِ، وَلَا خِلَافَتَهُ إنْ كَانَ خَلِيفَةً، وَلَا إمَارَتَهُ إنْ كَانَ أَمِيرًا وَلَا وِلَايَتَهُ وَلَا وَكَالَتَهُ، وَلَا تَوْكِيلَهُ، وَلَا كُفْرَهُ، وَلَا فِسْقَهُ، وَلَا عَدَالَتَهُ، وَلَا وَصَايَاهُ، وَلَا اعْتِكَافَهُ، وَلَا سَفَرَهُ، وَلَا إقَامَتَهُ، وَلَا مِلْكَهُ، وَلَا نَذْرَهُ، وَلَا حِنْثَهُ، وَلَا حُكْمَ الْعَامِّ فِي الزَّكَاةِ عَلَيْهِ.

стр. 1603

وَوَجَدْنَا ذُهُولَهُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ يَذْهَلُ الْإِنْسَانُ عَنْ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ لَيْسَ مُصَلِّيًا وَلَا صَائِمًا؛ فَيَأْكُلَ، وَيَشْرَبَ، وَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ صَوْمُهُ وَلَا صَلَاتُهُ، بِهَذَا جَاءَتْ السُّنَنُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَلَا يُبْطِلُ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ إلَّا مَا يُبْطِلُ النَّوْمُ مِنْ الطَّهَارَةِ بِالْوُضُوءِ وَحْدَهُ فَقَطْ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَغْلُوبَ الْمُكْرَهَ عَلَى الْفِطْرِ لَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمُكْرَهُ مَغْلُوبَانِ مُكْرَهَانِ مُضْطَرَّانِ بِقَدَرٍ غَالِبٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى مَا أَصَابَهُمَا، فَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ صَوْمَهُمَا. وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ثُمَّ جُنَّ؛ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ صَحَّ صَوْمُهُ بِيَقِينٍ مِنْ نَصٍّ وَإِجْمَاعٍ؛ فَلَا يَجُوزُ بُطْلَانُهُ بَعْدَ صِحَّتِهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ؛ وَلَا إجْمَاعَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَهَذَا لَمْ يَكُنْ - قَطُّ - مُخَاطَبًا، وَلَا لَزِمَتْهُ الشَّرَائِعُ، وَلَا الْأَحْكَامُ وَلَمْ يَزَلْ مَرْفُوعًا عَنْهُ الْقَلَمُ؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَوْمٍ - أَصْلًا؛ بِخِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ: فَإِذَا عَقَلَ فَحِينَئِذٍ ابْتَدَأَ الْخِطَابُ بِلُزُومِهِ إيَّاهُ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ شَرِبَ حَتَّى سَكِرَ فِي لَيْلَةِ رَمَضَانَ وَكَانَ نَوَى الصَّوْمَ فَصَحَا بَعْدَ صَدْرٍ مِنْ النَّهَارِ أَقَلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ - أَوْ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ -: فَصَوْمُهُ تَامٌّ، وَلَيْسَ السُّكْرُ مَعْصِيَةً، إنَّمَا الْمَعْصِيَةُ شُرْبُ مَا يُسْكِرُ سَوَاءٌ سَكِرَ أَمْ لَمْ يَسْكَرْ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ فُتِحَ فَمُهُ أَوْ أُمْسِكَتْ يَدُهُ وَجَسَدُهُ وَصُبَّ الْخَمْرُ فِي حَلْقِهِ حَتَّى سَكِرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَاصِيًا بِسُكْرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ مَا يُسْكِرُهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَالسُّكْرُ لَيْسَ هُوَ فِعْلُهُ، إنَّمَا هُوَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَإِنَّمَا يُنْهَى الْمَرْءُ عَنْ فِعْلِهِ، لَا عَنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ الَّذِي لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ نَامَ وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إلَّا فِي النَّهَارِ وَلَا فَرْقَ؛ أَوْ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ ثُمَّ لَمْ يَسْتَيْقِظْ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَصَوْمُهُ تَامٌّ. وَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَكِرَ، أَوْ نَامَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَمْ يُفِقْ وَلَا صَحَا وَلَا انْتَبَهَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا وَالْغَدَ كُلَّهُ إلَى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ -: أَيَقْضِيهِ أَمْ لَا؟ . فَوَجَدْنَا الْقَضَاءَ إيجَابَ شَرْعٍ؛ وَالشَّرْعُ لَا يَجِبُ إلَّا بِنَصٍّ، فَلَا نَجِدُ إيجَابَ الْقَضَاءِ

стр. 1604

فِي النَّصِّ إلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ: الْمُسَافِرُ، وَالْمَرِيضُ - بِالْقُرْآنِ - وَالْحَائِضُ، وَالنُّفَسَاءُ، وَالْمُتَعَمِّدُ لِلْقَيْءِ - بِالسُّنَّةِ - وَلَا مَزِيدَ. وَوَجَدْنَا النَّائِمَ، وَالسَّكْرَانَ، وَالْمَجْنُونَ الْمُطْبَقَ عَلَيْهِ لَيْسُوا مُسَافِرِينَ وَلَا مُتَعَمِّدِينَ لِلْقَيْءِ، وَلَا حُيَّضًا، وَلَا مِنْ ذَوَاتِ النِّفَاسِ، وَلَا مَرْضَى؛ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ أَصْلًا، وَلَا خُوطِبُوا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ؛ بَلْ الْقَلَمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُمْ - بِالسُّنَّةِ. وَوَجَدْنَا الْمَصْرُوعَ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مَرِيضَيْنِ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ الْمَرَضَ هِيَ حَالٌ مُخْرِجَةٌ لِلْمَرْءِ عَنْ حَالِ الِاعْتِدَالِ وَصِحَّةِ الْجَوَارِحِ وَالْقُوَّةِ إلَى الِاضْطِرَابِ وَضَعْفِ الْجَوَارِحِ وَاعْتِلَالِهَا، وَهَذِهِ صِفَةُ الْمَصْرُوعِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ، وَيَبْقَى وَهْنُ ذَلِكَ وَضَعْفُهُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْإِفَاقَةِ مُدَّةً؛ فَإِذْ هُمَا مَرِيضَانِ فَالْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَيْسَ قَوْلُنَا بِسُقُوطِ الصَّلَاةِ عَنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إلَّا مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ مِنْهَا وَبِقَضَاءِ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ -: مُخَالِفًا لِقَوْلِنَا هَاهُنَا؛ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ، لِأَنَّ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالصَّلَاةِ فِيهِ، وَلَا كَانَ أَيْضًا مُخَاطَبًا بِالصَّوْمِ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَلَمْ يُوجِبْ تَعَالَى - عَلَى الْمَرِيضِ: قَضَاءَ صَلَاةٍ، وَأَوْجَبَ قَضَاءَ الصَّلَاةِ: عَلَى النَّائِمِ، وَالنَّاسِي، وَلَمْ يُوجِبْ قَضَاءَ صِيَامٍ عَلَى النَّائِمِ، وَالنَّاسِي بَلْ أَسْقَطَهُ تَعَالَى عَنْ النَّاسِي، وَالنَّائِمِ؛ إذْ لَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْهِ. فَصَحَّ قَوْلُنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَمْ يَتَّبِعْ نَصًّا، وَلَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ رَأَى عَلَى مَنْ أَفَاقَ فِي شَيْءٍ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ جُنُونِهِ: قَضَاءَ الشَّهْرِ كُلِّهِ، وَهُوَ لَا يَرَاهُ عَلَى مَنْ بَلَغَ، أَوْ - أَسْلَمَ حِينَئِذٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيِّينَ: الْمَجْنُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَائِضِ وَهَذَا كَلَامٌ يُغْنِي ذِكْرُهُ عَنْ تَكَلُّفِ إبْطَالِهِ، وَمَا نَدْرِي فِيمَا يُشْبِهُ الْمَجْنُونُ الْحَائِضَ [مَسْأَلَةٌ الصَّائِم الَّذِي جَهَدَهُ الْجُوعُ أَوْ الْعَطَشُ حَتَّى غَلَبَهُ الْأَمْرُ] ؟ ٧٥٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ جَهَدَهُ الْجُوعُ، أَوْ الْعَطَشُ حَتَّى غَلَبَهُ الْأَمْرُ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .

стр. 1605

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَإِنْ كَانَ خَرَجَ بِذَلِكَ إلَى حَدِّ الْمَرَضِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْمَرَضِ فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ مُكْرَهٌ مُضْطَرٌّ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . وَلَمْ يَأْتِ الْقُرْآنُ وَلَا السُّنَّةُ بِإِيجَابِ قَضَاءٍ عَلَى مُكْرَهٍ، أَوْ مَغْلُوبٍ؛ بَلْ قَدْ أَسْقَطَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءَ عَمَّنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَأَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَهُ [مَسْأَلَةٌ لَا يَلْزَمُ صَوْمٌ إلَّا بِتَبَيُّنِ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي] ٧٥٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُ صَوْمٌ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ إلَّا بِتَبَيُّنِ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَأَمَّا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ مُبَاحٌ كُلُّ ذَلِكَ، كَانَ عَلَى شَكٍّ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ. فَمَنْ رَأَى الْفَجْرَ وَهُوَ يَأْكُلُ فَلْيَقْذِفْ مَا فِي فَمِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلْيَصُمْ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ وَمَنْ رَأَى الْفَجْرَ وَهُوَ يُجَامِعُ فَلْيَتْرُكْ مِنْ وَقْتِهِ، وَلْيَصُمْ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَانَ طُلُوعُ الْفَجْرِ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ أَوْ قَرِيبَةٍ، فَلَوْ تَوَقَّفَ بَاهِتًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَصَوْمُهُ تَامٌّ؛ وَلَوْ أَقَامَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ شَرِبَ فَهُوَ عَاصٍ لَهُ تَعَالَى، مُفْسِدٌ لِصَوْمِهِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى - الْقَضَاءِ؛ فَإِنْ جَامَعَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ -: بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْوَطْءَ وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَنَا الْفَجْرُ، وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى: حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَلَا قَالَ: حَتَّى تَشُكُّوا فِي الْفَجْرِ؛ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ، وَلَا أَنْ يُوجِبَ صَوْمًا بِطُلُوعِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْمَرْءِ، ثُمَّ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْتِزَامَ الصَّوْمِ إلَى اللَّيْلِ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ الْقَاسِمُ: عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ نَافِعٌ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ،

стр. 1606

قَالَتْ عَائِشَةُ، وَابْنُ عُمَرَ: «كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» . وَبِهِ إلَى الْبُخَارِيِّ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ هُوَ الْقَعْنَبِيُّ - عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ [ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ الْقُشَيْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ يَقُولُ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌] : «لَا يَغُرَّنَّ أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ مِنْ السُّحُورِ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ حَتَّى يَسْتَطِيرَ» .

стр. 1607

وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْخَيْطَيْنِ الْأَسْوَدِ، وَالْأَبْيَضِ فَقَالَ ﵇ «إنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَصَّ ﵇ عَلَى أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَأَبَاحَ الْأَكْلَ إلَى أَذَانِهِ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْأَكْلَ مُبَاحٌ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لِمُرِيدِ الصَّوْمِ طُلُوعُهُ. وَقَدْ ادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَحَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُقَارِبَةِ، مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] إنَّمَا مَعْنَاهُ فَإِذَا قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَائِلُ هَذَا مُسْتَسْهِلٌ لِلْكَذِبِ عَلَى الْقُرْآنِ وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌. أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَإِحَالَةٌ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلِكَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَقَوْلٌ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَقُلْ؛ وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوا لَكَانَ بِلَالُ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعًا لَا يُؤَذِّنَانِ إلَّا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهَذَا بَاطِلٌ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، لَا هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإِقْحَامُهُمْ فِيهِ: أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ فَإِذَا قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ -: بَاطِلٌ وَكَذِبٌ، وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ لَكَانَ يَجُوزُ لَهُ الرَّجْعَةُ إلَّا عِنْدَ مُقَارَبَةِ انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ؛ وَلَا يَقُولُ هَذَا أَحَدٌ، لَا هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ؛ بَلْ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَبُلُوغُ أَجَلِهِنَّ هُوَ بُلُوغُهُنَّ أَجَلَ الْعِدَّةِ، لَيْسَ هُوَ انْقِضَاءَهَا، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُنَّ إذَا كُنَّ فِي أَجَلِ الْعِدَّةِ كُلِّهِ فَلِلزَّوْجِ الرَّجْعَةُ، وَلَهُ الطَّلَاقُ؛ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «قَوْلُ النَّبِيِّ ﵌ لِبِلَالٍ: اكْلَأْ لَنَا الْفَجْرَ» مُوجِبٌ لِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ إلَّا لِلصَّلَاةِ، لَا لِلصَّوْمِ.

стр. 1608

وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَتَّى لَوْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِلصَّوْمِ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ، وَالْجِمَاعَ: مُبَاحَانِ إلَى أَنْ يُنْذِرَهُمْ بِلَالٌ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِنْذَارُهُ إيَّاهُمْ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِلَا شَكٍّ؛ فَالْأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِمَاعُ: مُبَاحٌ كُلُّ ذَلِكَ، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ كُلُّ ذَلِكَ بِإِنْذَارِ بِلَالٍ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ هَذَا مَا لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَوْلُهُمْ هُنَا خِلَافٌ لِلْقُرْآنِ وَلِجَمِيعِ السُّنَنِ -: حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا حَبِيبُ بْنُ خَلَفٍ الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو ثَوْرِ إبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ «زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ تَسَحَّرْتُ ثُمَّ انْطَلَقْتُ إلَى الْمَسْجِدِ، فَدَخَلْتُ عَلَى حُذَيْفَةَ، فَأَمَرَ بِلِقْحَةٍ فَحُلِبَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِدْرٍ فَسُخِّنَتْ، ثُمَّ قَالَ: كُلْ. قُلْتُ: إنِّي أُرِيدُ الصَّوْمَ، قَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، فَأَكَلْنَا ثُمَّ شَرِبْنَا ثُمَّ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: هَكَذَا فَعَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَقُلْتُ: بَعْدَ الصُّبْحِ؟ قَالَ: بَعْدَ الصُّبْحِ؛ إلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ ثنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ ثنا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ «عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قُلْتُ لِحُذَيْفَةَ: أَيُّ وَقْتٍ تَسَحَّرْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﵌؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ، إلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ» قَالَ عَمَّارٌ: وَكَانُوا يُؤَذِّنُونَ إذَا بَزَغَ الْفَجْرُ.

стр. 1609

قَالَ حَمَّادٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: كَانَ أَبِي يُفْتِي بِهَذَا؟ وَحَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنِ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ «عَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَدْ تَسَحَّرَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ ﵇ يُرِيدُ الصَّوْمَ، ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ الْفَجْرُ بَعْدُ؛ فَبِهَذَا تَتَّفِقُ السُّنَنُ مَعَ الْقُرْآنِ؟ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا نَظَرَ الرَّجُلَانِ إلَى الْفَجْرِ فَشَكَّ أَحَدُهُمَا فَلْيَأْكُلَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ يَقُولُ لِي: قُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْفَجْرِ حَتَّى تَسَحَّرَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُمْ فَاسْتُرْنِي مِنْ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَكَلَ. سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ هَذَا أَشْجَعِيٌّ كُوفِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَهَذِهِ أَصَحُّ طَرِيقٍ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ؟ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ وَكِيعٌ: عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ

стр. 1610

عَنْ أَبِي السَّفَرِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَا جَمِيعًا: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ يَقُولُ: أَجِيفُوا الْبَابَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ الْإِيجَافُ: الْغَلْقُ وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: إذَا شَكَّ الرَّجُلَانِ فِي الْفَجْرِ فَلْيَأْكُلَا حَتَّى يَسْتَيْقِنَا. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: ثنا حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَقَالَ: أَحْرَزْتُهَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَحَلَّ اللَّهُ الشَّرَابَ مَا شَكَكْتَ؛ يَعْنِي فِي الْفَجْرِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْقِنِي يَا غُلَامُ، قَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، فَقُلْت: كَلًّا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَكٌّ لَعَمْرُ اللَّهِ، اسْقِنِي؟ فَشَرِبَ. وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ عَنْ مَكْحُولٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَخَذَ دَلْوًا مِنْ زَمْزَمَ وَقَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَطَلَعَ الْفَجْرُ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَدْ طَلَعَ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا؛ فَشَرِبَ ابْنُ عُمَرَ. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ تَسَحَّرَ فِي رَمَضَانَ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ حِبَّانَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَسَحَّرَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُمَا يُرِيدَانِ الصِّيَامَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِلْمُؤَذِّنِ: أَقِمْ الصَّلَاةَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ أَبِي عَقِيلٍ قَالَ: تَسَحَّرْت مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ

стр. 1611

جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ مَطَرٍ قَالَ: أَتَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَأَخْرَجَ لَنَا فَضْلَ سُحُورٍ، فَتَسَحَّرْنَا مَعَهُ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ؛ فَخَرَجْنَا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ حُذَيْفَةَ نَحْوُ هَذَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ ثنا شُعْبَةُ «عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي - وَكَانَتْ قَدْ حَجَّتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ: إنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ بِلَالٌ، وَإِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، قَالَتْ: وَكَانَ يَصْعَدُ هَذَا وَيَنْزِلُ هَذَا قَالَتْ: فَكُنَّا نَتَعَلَّقُ بِهِ فَنَقُولُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ» . فَحَصَلَ لَنَا مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُمَا كَانَا مُؤَذِّنَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ بِيَسِيرٍ، أَيَّهُمَا كَانَا -: حِينًا هَذَا وَحِينًا هَذَا - وَالْآخَرُ وَلَا بُدَّ بَعْدَ الْفَجْرِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: كُلْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الْفَجْرُ. وَعَنْ الْحَسَنِ: كُلْ مَا امْتَرَيْت. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: السَّاطِعُ: ذَلِكَ الصُّبْحُ الْكَاذِبُ، وَلَكِنْ إذَا انْفَضَحَ الصُّبْحُ فِي الْأُفُقِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: الْمُعْتَرِضُ الْأَحْمَرُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَتَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ وَأَنَا فِي الْبَيْتِ لَا أَدْرِي لِعَلَيَّ قَدْ أَصْبَحْت؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، هُوَ شَكٌّ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا

стр. 1612

يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ، إنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَ. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ: أَنَّهُ تَسَحَّرَ وَخَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعَنْ مَعْمَرٍ: أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ السُّحُورَ جِدًّا، حَتَّى يَقُولَ الْجَاهِلُ: لَا صَوْمَ لَهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ " مَنْ تَسَحَّرَ فَإِذَا بِهِ نَهَارٌ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ " مَنْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ قَضَاءً. فَهَؤُلَاءِ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ، وَعَمُّهُ خُبَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ، لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. إلَّا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَلَمْ يُدْرِكْهُ؛ وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْجَزَّارِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. وَمِنْ التَّابِعِينَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَمُجَاهِدٌ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَجَابِرُ بْنِ زَيْدٍ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ: مَعْمَرٌ، وَالْأَعْمَشُ. فَإِنْ ذَكَرُوا رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ قَطَنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ فِيمَنْ أَفْطَرَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَيْلٌ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَبِالرِّوَايَةِ عَنْ عُمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ -: فَإِنَّمَا هَذَا فِي الْإِفْطَارِ عِنْدَ اللَّيْلِ، لَا فِي الْأَكْلِ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ، وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ، وَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ إلَّا بَعْدَ يَقِينِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي مَجِيءِ اللَّيْلِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَصِيَامُهُ بَاطِلٌ، فَإِنْ جَامَعَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ فِي فَرْضِ الصِّيَامِ، مَا لَمْ يُوقِنْ اللَّيْلَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] لِأَنَّ هَذَا فِي فَرْضِ الْإِفْطَارِ حَتَّى يُوقِنَ بِالنَّهَارِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ رُئِيَ الْبَارِحَةَ فِي آخِرِ شَعْبَانَ] ٧٥٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ بِخَبَرِ مَنْ يُصَدِّقُهُ - مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ: عَبْدٍ، أَوْ حُرٍّ، أَوْ أَمَةٍ، أَوْ حُرَّةٍ، فَصَاعِدًا - أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ رُئِيَ الْبَارِحَةَ فِي آخِرِ شَعْبَانَ فَفُرِضَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، صَامَ النَّاسُ أَوْ لَمْ يَصُومُوا، وَكَذَلِكَ لَوْ رَآهُ هُوَ وَحْدَهُ، وَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ أَيْضًا - كَمَا ذَكَرْنَا - فَصَاعِدًا: أَنَّ هِلَالَ شَوَّالٍ قَدْ رُئِيَ فَلْيُفْطِرْ،

стр. 1613

أَفْطَرَ النَّاسُ أَوْ صَامُوا؛ وَكَذَلِكَ لَوْ رَآهُ هُوَ وَحْدَهُ؛ فَإِنْ خَشِيَ فِي ذَلِكَ أَذًى فَلْيَسْتَتِرْ بِذَلِكَ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: قَرَأْت عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ ﵌: أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا ابْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْت أَبَا الْبَخْتَرِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ -: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ بِمِثْلِ قَوْلِنَا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يُجِيزُوا فِي هِلَالِ شَوَّالٍ إلَّا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَقْبَلُ فِي كِلَيْهِمَا إلَّا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَخْتَلِفُ -: فَمِنْهَا عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ مَا يُقْبَلُ فِيهَا شَاهِدٌ وَيَمِينٌ، وَمِنْهَا مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَمِنْهَا مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ فَقَطْ. وَمِنْهَا مَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةٌ.

стр. 1614

وَمِنْهَا مَا يُسْمَحُ فِيهِ حَتَّى يُجِيزُوا فِيهِ النَّصْرَانِيَّ وَالْفَاسِقَ، كَالْعُيُوبِ فِي الطِّبِّ، فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنْ يَخُصُّوا بَعْضَ هَذِهِ الْحُقُوقِ دُونَ بَعْضٍ بِقِيَاسِ الشَّهَادَةِ فِي الْهِلَالِ عَلَيْهِ. وَنَسْأَلُهُمْ عَنْ قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا فُسَّاقٌ، أَوْ نَصَارَى، أَوْ نِسَاءٌ وَفِيهِمْ عَدْلٌ يَضْعُفُ بَصَرُهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَمَّا نَحْنُ فَخَبَرُ الْكَافَّةِ مَقْبُولٌ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُسَّاقًا؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى قَبُولِ عَدْلَيْنِ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: لَا، بَلْ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي يَقُولُ: إنْ كَانَ الْجَوُّ صَافِيًا لَمْ أَقْبَلْ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ. فَإِنْ قَالُوا: كَلَامُهُ سَاقِطٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَقِيَاسُكُمْ أَسْقَطُ. فَإِنْ قَالُوا: فَمِنْ أَيْنَ أَجَزْتُمْ فِيهِمَا خَبَرَ الْوَاحِدِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ مِنْ الدِّينِ؛ وَقَدْ صَحَّ فِي الدِّينِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَهُوَ مَقْبُولٌ فِي كُلِّ مَكَان، إلَّا حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ لَا يُقْبَلَ إلَّا عَدَدٌ سَمَّاهُ لَنَا. وَأَيْضًا: فَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي أَذَانِ بِلَالٍ «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» فَأَمَرَ ﵇ بِالْتِزَامِ الصِّيَامِ بِأَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِالصُّبْحِ، وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ تَبَيَّنَ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعِ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» . وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا حُسَيْنٌ هُوَ الْجُعْفِيُّ - عَنْ

стр. 1615

زَائِدَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ؛ إنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ - يَعْنِي رَمَضَانَ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ؛ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُمْ يَا بِلَالُ فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رِوَايَةُ سِمَاكٍ لَا نَحْتَجُّ بِهَا وَلَا نَقْبَلُهَا مِنْهُمْ، وَهُمْ قَدْ احْتَجُّوا بِهَا فِي أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهَا هَاهُنَا، وَإِلَّا فَهُمْ مُتَلَاعِبُونَ فِي الدِّينِ؟ فَإِنْ تَعَلَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هِلَالِ رَمَضَانَ وَهِلَالِ شَوَّالٍ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، وَقَالَ: لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ؟ قُلْنَا: وَلَا جَاءَ نَصٌّ قَطُّ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَأَنْتُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، فَهَلَّا قِسْتُمْ هِلَالَ شَوَّالٍ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الشَّاهِدَ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ، وَالشَّاهِدُ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ؟ قُلْنَا: فَرَدُّوا بِهَذَا الظَّنِّ بِعَيْنِهِ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ فِي شَوَّالٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا، كَمَا تَفْعَلُونَ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ يَكْذِبُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُبَالِي قُبِلَ أَوْ رُدَّ؟ وَنَقُولُ لَهُمْ: إذَا صُمْتُمْ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ؛ فَغُمَّ الْهِلَالُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، أَتَصُومُونَ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ؟ فَهَذِهِ طَامَّةٌ، وَشَرِيعَةٌ لَيْسَتْ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ تُفْطِرُونَ عِنْدَ تَمَامِ الثَّلَاثِينَ وَإِنْ لَمْ تَرَوْا الْهِلَالَ؟ فَقَدْ أَفْطَرْتُمْ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَتَنَاقَضْتُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ شَغَبُوا بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ: ثنا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ ثنا حُسَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ الْجَدَلِيُّ - جَدِيلَةُ قَيْسٍ: «أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ خَطَبَ فَقَالَ: عَهِدَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ نَنْسُكَ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا» .
следующие страницы →