← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

بِمِثْلِهَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى؟ يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ بِالْإِهْذَارِ وَيَخُصُّ مَا يَشَاءُ، وَيُبْطِلُ بِالتَّخَالِيطِ، أَوْ مِمَّنْ قَلَّدَ قَائِلَهَا، وَأَفْنَى عُمُرَهُ فِي دَرْسِهَا وَنَصْرِهَا مُتَدَيِّنًا بِهَا وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ؛ وَنَسْأَلُهُ إدَامَةَ السَّلَامَةِ وَالْعِصْمَةِ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ بِذَلِكَ عَلَيْنَا كَثِيرًا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ: إنْ شَاءَ صَامَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَأَجْزَأَ عَنْهُ - يَعْنِي مَنْ فَرَضَهُ وَنَذَرَهُ؛ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَصَامَ تَطَوُّعًا فَهُوَ قَضَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ.؟ [مَسْأَلَةٌ نَوَى وَهُوَ صَائِمٌ إبْطَالَ صَوْمِهِ] ٧٣٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَوَى وَهُوَ صَائِمٌ إبْطَالَ صَوْمِهِ بَطَلَ، إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا لِأَنَّهُ فِي صَوْمٍ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَا شَرِبَ وَلَا وَطِئَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَنْ نَوَى إبْطَالَ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الصَّوْمِ فَلَهُ مَا نَوَى بِقَوْلِهِ ﵊ الَّذِي لَا تَحِلُّ مُعَارَضَتُهُ، وَهُوَ قَدْ نَوَى بُطْلَانَ الصَّوْمِ، فَلَهُ بُطْلَانُهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِأَنَّهُ فِي صَوْمٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْئًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ نَوَى إبْطَالَ صَلَاةٍ هُوَ فِيهَا، أَوْ حَجٍّ هُوَ فِيهِ، وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا كَذَلِكَ، فَلَوْ نَوَى ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ صَوْمِهِ أَوْ أَعْمَالِهِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ آثِمًا، وَلَمْ يُبْطِلْ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا قَدْ صَحَّتْ وَتَمَّتْ كَمَا أُمِرَ، وَمَا صَحَّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْطِلَ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي بُطْلَانِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَمْ يُتِمَّ عَمَلَهُ فِيهَا كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ الْأَكْل أَوْ الشُّرْب أَوْ الْوَطْء أَوْ الْقَيْء وَهُوَ صَائِم] ٧٣٣ - مَسْأَلَةٌ: وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ: تَعَمُّدُ الْأَكْلِ، أَوْ تَعَمُّدُ الشُّرْبِ، أَوْ تَعَمُّدُ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ؛ أَوْ تَعَمُّدُ الْقَيْءِ؛ وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، وَسَوَاءٌ قَلَّ مَا أَكَلَ أَوْ كَثُرَ، أَخْرَجَهُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ خَارِجِ فَمِهِ فَأَكَلَهُ. وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا، إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ، مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] . وَمَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا حَبِيبُ بْنُ خَلَفٍ الْبُخَارِيُّ ثنا أَبُو ثَوْرٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ثنا مُعَلَّى ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ذَرَعَهُ

стр. 1542

الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ» . وَرُوِّينَا هَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ وَعَلْقَمَةَ. قَالَ عَلِيٌّ: عِيسَى بْنُ يُونُسَ: ثِقَةٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ مَنْ تَعَمَّدَ أَنْ يَتَقَيَّأَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ صَوْمُهُ، فَإِنْ كَانَ مِلْءَ فِيهِ فَأَكْثَرَ، بَطَلَ صَوْمُهُ، وَهَذَا خِلَافٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ سَخَافَةِ التَّحْدِيدِ؟ وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ: مَنْ خَرَجَ - وَهُوَ صَائِمٌ - مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ سَحُورِهِ كَالْجَذِيذَةِ وَشَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَبَلَعَهُ عَامِدًا لِبَلْعِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَصَوْمُهُ تَامٌّ، وَمَا نَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمَا؟ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ أُكِلَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا حَرُمَ مَا لَمْ يُؤْكَلْ؟ فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ أَسْقَطَ وَأَوْحَشَ مِنْ الْقَوْلِ الْمُحْتَجِّ لَهُ وَمَا عَلِمْنَا شَيْئًا أُكِلَ فَيُمْكِنُ وُجُودُهُ بَعْدَ الْأَكْلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَيْئًا أَوْ عَذِرَةً وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ؟ وَحَدَّ بَعْضُ الْحَنَفِيِّينَ الْمِقْدَارَ الَّذِي لَا يَضُرُّ تَعَمُّدُ أَكْلِهِ فِي الصَّوْمِ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ دُونَ مِقْدَارِ الْحِمَّصَةِ. فَكَانَ هَذَا التَّحْدِيدُ طَرِيفًا جِدًّا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَيُّ الْحِمَّصِ هُوَ؟ الْإِمْلِيسِيُّ الْفَاخِرُ، أَمْ الصَّغِيرُ؟ فَإِنْ قَالُوا قِسْنَاهُ عَلَى الرِّيقِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَمِنْ أَيْنَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ بِخِلَافِ الرِّيقِ؟ وَنَسْأَلُهُمْ عَمَّنْ لَهُ مِطْحَنَةٌ كَبِيرَةٌ مَثْقُوبَةٌ فَدَخَلَتْ فِيهَا مِنْ سَحُورِهِ زَبِيبَةٌ، أَوْ بَاقِلَاءُ

стр. 1543

فَأَخْرَجَهَا يَوْمًا آخَرَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ صَائِمٌ: أَلَهُ تَعَمُّدُ بَلْعِهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ تَنَاقَضُوا، وَإِنْ أَبَاحُوا سَأَلْنَاهُمْ عَنْ جَمِيعِ طَوَاحِينِهِ وَهِيَ ثِنْتَا عَشْرَةَ مِطْحَنَةً - مَثْقُوبَةٌ كُلُّهَا فَامْتَلَأَتْ سِمْسِمًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ قُنَّبًا أَوْ حِمَّصًا أَوْ بَاقِلًا أَوْ خُبْزًا أَوْ زَرِيعَةَ كَتَّانٍ؟ فَإِنْ أَبَاحُوا تَعَمُّدَ أَكْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ حَصَّلُوا أُعْجُوبَةً وَإِنْ مَنَعُوا مِنْهُ تَنَاقَضُوا وَتَحَكَّمُوا فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ. وَإِنَّمَا الْحَقُّ الْوَاضِحُ فَإِنَّ كُلَّ مَا سُمِّيَ أَكْلًا - أَيُّ شَيْءٍ كَانَ - فَتَعَمُّدُهُ يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَأَمَّا الرِّيقُ - فَقَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا خِلَافَ فِي أَنْ تَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ قَلَّدَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَمَالِكًا فِي هَذَا، وَلَمْ يُقَلِّدْ مِنْ سَاعَةٍ مَنْ سَاعَاتِهِ خَيْرٌ مِنْ دَهْرِهِمَا كُلِّهِ وَهُوَ أَبُو طَلْحَةَ، الَّذِي رُوِّينَا بِأَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَعِمْرَانَ الْقَطَّانِ كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَأْكُلُ الْبَرْدَ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ عِمْرَانُ فِي حَدِيثِهِ: وَيَقُولُ: لَيْسَ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا وَقَدْ سَمِعَهُ شُعْبَةُ مِنْ قَتَادَةَ، وَسَمِعَهُ قَتَادَةُ مِنْ أَنَسٍ؛ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُحَصِّلُونَ؟ [مَسْأَلَةٌ تَعَمُّدُ الْمَعْصِيَة أَثْنَاء الصَّوْم] ٧٣٤ - مَسْأَلَةٌ: وَيُبْطِلُ الصَّوْمَ أَيْضًا تَعَمُّدُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ - أَيِّ مَعْصِيَةٍ كَانَتْ، لَا نُحَاشِ شَيْئًا - إذَا فَعَلَهَا عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، كَمُبَاشَرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ، أَوْ تَقْبِيلِ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَتَيْنِ لَهُ مِنْ أُنْثَى أَوْ ذَكَرٍ، أَوْ إتْيَانٍ فِي دُبُرِ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ كَذِبٍ، أَوْ غِيبَةٍ، أَوْ نَمِيمَةٍ، أَوْ تَعَمُّدِ تَرْكِ صَلَاةٍ، أَوْ ظُلْمٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا حَرُمَ عَلَى الْمَرْءِ فِعْلُهُ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ هُوَ السَّمَّانُ - أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ؟ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» .

стр. 1544

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ؟ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَتَيْنِ صَائِمَتَيْنِ تَغْتَابَانِ النَّاسَ فَقَالَ لَهُمَا: قِيئَا، فَقَاءَتَا قَيْحًا وَدَمًا وَلَحْمًا عَبِيطًا، ثُمَّ قَالَ ﵇: هَا إنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَنْ الْحَلَالِ وَأَفْطَرَتَا عَلَى الْحَرَامِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَهَى ﵇ عَنْ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ فِي الصَّوْمِ، فَكَانَ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ - عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ - لَمْ يَصُمْ كَمَا أُمِرَ، وَمَنْ لَمْ يَصُمْ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَصُمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالصِّيَامِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَهُوَ السَّالِمُ مِنْ الرَّفَثِ وَالْجَهْلِ، وَهُمَا اسْمَانِ يَعُمَّانِ كُلَّ مَعْصِيَةٍ؛ وَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدَعْ الْقَوْلَ بِالْبَاطِلِ - وَهُوَ الزُّورُ - وَلَمْ يَدَعْ الْعَمَلَ بِهِ فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي تَرْكِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ. فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرْضَى صَوْمَهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَقَبَّلُهُ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَهُ وَلَا قَبِلَهُ فَهُوَ

стр. 1545

بَاطِلٌ سَاقِطٌ؛ وَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّ الْمُغْتَابَةَ مُفْطِرَةٌ وَهَذَا مَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ؟ وَقَدْ كَابَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إنَّمَا يَبْطُلُ أَجْرُهُ لَا صَوْمُهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ هَذَا فِي غَايَةِ السَّخَافَةِ وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَحْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَ عَامِلِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَحْتَسِبْ لَهُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ وَلَا قَبِلَهُ، وَهَذَا هُوَ الْبُطْلَانُ بِعَيْنِهِ بِلَا مِرْيَةٍ؟ وَبِهَذَا يَقُولُ السَّلَفُ الطَّيِّبُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَهُشَيْمٌ كِلَاهُمَا عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ هُشَيْمٌ: عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْسَ الصِّيَامُ مِنْ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَحْدَهُ؛ وَلَكِنَّهُ مِنْ الْكَذِبِ، وَالْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ؟ وَعَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ نَصًّا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ قَالَ جَابِرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ -: إذَا صُمْت فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وَبَصَرُكَ، وَلِسَانُكَ عَنْ الْكَذِبِ وَالْمَأْثَمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ، وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَيَوْمَ صَوْمِكَ سَوَاءً. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ أَخِيهِ طَلِيقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: إذَا صُمْت فَتَحَفَّظْ مَا اسْتَطَعْت، فَكَانَ طَلِيقٌ إذَا كَانَ يَوْمُ صِيَامِهِ دَخَلَ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا إلَى صَلَاةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ حَمَّادٍ الْبَكَّاءِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمِ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي قَالَ:

стр. 1546

كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ إذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسْجِدِ وَقَالُوا: نُطَهِّرُ صِيَامَنَا؟ فَهَؤُلَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃: عُمَرُ، وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٌ، وَجَابِرٌ، وَعَلِيٌّ: يَرَوْنَ بُطْلَانَ الصَّوْمِ بِالْمَعَاصِي، لِأَنَّهُمْ خَصُّوا الصَّوْمَ بِاجْتِنَابِهَا وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا عَلَى الْمُفْطِرِ، فَلَوْ كَانَ الصِّيَامُ تَامًّا بِهَا مَا كَانَ لِتَخْصِيصِهِمْ الصَّوْمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا مَعْنًى، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَمِنْ التَّابِعِينَ: مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَا أَصَابَ الصَّائِمُ شَوًى إلَّا الْغِيبَةَ، وَالْكَذِبَ. وَعَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ؛ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا صَاحِبُهَا، وَخَرْقُهَا: الْغِيبَةُ؟ وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: إنَّ أَهْوَنَ الصَّوْمِ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؟ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: الْكَذِبُ يُفْطِرُ الصَّائِمَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَسْأَلُ مَنْ خَالَفَ هَذَا عَنْ الْأَكْلِ لِلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالشُّرْبِ لِلْخَمْرِ عَمْدًا: أَيُفْطِرُ الصَّائِمَ أَمْ لَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: نَعَمْ؟ فَنَقُولُ لَهُمْ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا فِيهِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَكَذَلِكَ الْمَعَاصِي؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي الصَّوْمِ أَيْضًا بِالنَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا. فَإِنْ قَالُوا: وَغَيْرُ الصَّائِمِ أَيْضًا مَنْهِيٌّ عَنْ الْمَعَاصِي؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَغَيْرُ الصَّائِمِ أَيْضًا مَنْهِيٌّ عَنْ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَلَا فَرْقَ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَا نُبَالِي أَيَّ شَيْءٍ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ؟ قُلْنَا: وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْمَعَاصِي فِي صَوْمِهِ وَلَا نُبَالِي بِمَا عَصَى، أَبِأَكْلٍ وَشُرْبٍ، أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ مُفْطِرٌ بِهِمَا؟ قُلْنَا: فَلَا تُبْطِلُوا الصَّوْمَ إلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَى بُطْلَانِهِ بِهِ وَهَذَا يُوجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُبْطِلُوهُ بِأَكْلِ الْبَرَدِ وَلَا بِكَثِيرٍ مِمَّا أَبْطَلْتُمُوهُ بِهِ كَالسَّعُوطِ وَالْحُقْنَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؟

стр. 1547

قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا فَاسِدًا مِنْ الْقِيَاسِ وَكَانَ أَصَحُّ أُصُولِكُمْ أَنْ تَقِيسُوا بُطْلَانَ الصَّوْمِ بِجَمِيعِ الْمَعَاصِي عَلَى بُطْلَانِهِ بِالْمَعْصِيَةِ بِالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ. فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ اجْتِنَابُ الْمَعَاصِي مِنْ شُرُوطِ الصَّوْمِ؟ قُلْنَا: كَذَبْتُمْ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ صَحَّ بِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الصَّوْمِ كَمَا أَوْرَدْنَا. فَإِنْ قَالُوا: تِلْكَ الْأَخْبَارُ زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْنَا: وَإِبْطَالُكُمْ الصَّوْمَ بِالسَّعُوطِ وَالْحُقْنَةِ، وَالْإِمْنَاءِ مَعَ التَّقْبِيلِ زِيَادَةٌ فَاسِدَةٌ بَاطِلَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ فَتَرَكْتُمْ زِيَادَةَ الْحَقِّ، وَأَثْبَتُّمْ زِيَادَةَ الْبَاطِلِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ٧٣٥ - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ تَعَمَّدَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَقَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ إنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ، إلَّا فِي تَعَمُّدِ الْقَيْءِ خَاصَّةً فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فِي تَعَمُّدِ الْقَيْءِ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسْأَلَتَيْنِ؛ وَلَمْ يَأْتِ فِي فَسَادِ الصَّوْمِ بِالتَّعَمُّدِ لِلْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ أَوْ الْوَطْءِ: نَصٌّ بِإِيجَابِ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا افْتَرَضَ تَعَالَى رَمَضَانَ - لَا غَيْرَهُ - عَلَى الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ، فَإِيجَابُ صِيَامِ غَيْرِهِ بَدَلًا مِنْهُ إيجَابُ شَرْعٍ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوجِبَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْمَ شَهْرٍ مُسَمًّى فَيَقُولُ قَائِلٌ: إنَّ صَوْمَ غَيْرِهِ يَنُوبُ عَنْهُ، بِغَيْرِ نَصٍّ وَارِدٍ فِي ذَلِكَ -: وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْحَجَّ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ يَنُوبُ عَنْ الْحَجِّ إلَى مَكَّةَ، وَالصَّلَاةَ إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ تَنُوبُ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] . فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا كُلَّ مُفْطِرٍ بِعَمْدٍ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَّقِي عَمْدًا قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ نَقَضَ هَذَا الْقِيَاسَ؟ فَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَقِسْ الْمُفْطِرَ عَمْدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْقَيْءِ عَمْدًا فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُمْ كَسُقُوطِهَا عَنْ الْمُتَّقِي عَمْدًا، وَهُمْ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: قَاسُوهُمْ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْقَيْءِ عَمْدًا، وَلَمْ يَقِيسُوهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى الْمُجَامِعِ عَمْدًا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ؛ فَقَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ الَّذِي يَدَّعُونَ فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْكُلِّ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ كُلِّمَ فِي إبْطَالِ الْقِيَاسِ فَقَطْ.

стр. 1548

فَإِنْ ذَكَرُوا أَخْبَارًا وَرَدَتْ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِلْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؟ قِيلَ: تِلْكَ آثَارٌ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ -: لِأَنَّ أَحَدَهَا: مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الَّذِي أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِالْكَفَّارَةِ وَأَنْ يَصُومَ يَوْمًا» وَأَبُو أُوَيْسٍ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِأَنْ يَصُومَ يَوْمًا» وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَلَمْ يَسْتَجِزْ الرِّوَايَةَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. وَالثَّالِثُ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ اقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» ؟ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ: ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَالرَّابِعُ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ الْوَاطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مَكَانَهُ» وَهَذَا أَسْقَطَهَا كُلَّهَا لِأَنَّ الْحَجَّاجَ لَا شَيْءَ، ثُمَّ هِيَ صَحِيفَةٌ وَرُوِّينَاهُ مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ الْمَدَنِيِّ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ؛ كُلِّهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 1549

أَمَرَهُ بِقَضَاءِ يَوْمٍ» . وَهَذَا كُلُّهُ مُرْسَلٌ ، وَلَا تَقُومُ بِالْمُرْسَلِ حُجَّةٌ؟ وَتَاللَّهِ لَوْ صَحَّ مِنْهَا خَبَرٌ وَاحِدٌ - مُسْنَدٌ مِنْ طَرِيقِ الثِّقَاتِ - لَسَارَعْنَا إلَى الْقَوْلِ بِهِ فَإِنْ لَجُّوا وَقَالُوا: الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ، وَلَا نُضَعِّفُ الْمُحَدِّثِينَ؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَلَا عَلَيْكُمْ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُطَرِّفُ بْنُ قَيْسٍ ثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ثنا مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضْرِبُ نَحْرَهُ وَيَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تَسْتَطِيعُ أَنْ تُهْدِيَ بَدَنَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاجْلِسْ فَأُتِيَ بِعَرَقِ تَمْرٍ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ» . وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ -: فَلْيَأْخُذُوا بِالْبَدَنَةِ فِي الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ؛ وَإِلَّا فَالْقَوْمُ مُتَلَاعِبُونَ؟ وَقُلْنَا لَهُمْ: لَوْ أَرَدْنَا التَّعَلُّقَ بِمَا لَا يَصِحُّ لَوَجَدْنَا خَيْرًا مِنْ كُلِّ خَبَرٍ تَعَلَّقْتُمْ بِهِ هَاهُنَا، كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثنا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا جَمِيعًا: ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ حَدَّثَنِي أَبُو الْمُطَوِّسِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ - مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ - لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ» .

стр. 1550

قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: وَأَنْبَأَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ ثنا إسْمَاعِيلُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي الْمُطَوِّسِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ - مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ» . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: أَنْبَأَنَا مَحْمُودُ بْنُ غِيلَانَ ثنا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْت عُمَارَةَ بْنَ عُمَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الْمُطَوِّسِ، قَالَ حَبِيبٌ: وَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْمُطَوِّسِ، فَصَحَّ لِقَاؤُهُ إيَّاهُ فَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ كُلِّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَا الْمُطَوِّسِ غَيْرُ مَشْهُورٍ بِالْعَدَالَةِ، وَيُعِيذُنَا اللَّهُ مِنْ أَنَّ نَحْتَجَّ بِضَعِيفٍ إذَا وَافَقْنَا، وَنَرُدُّهُ إذَا خَالَفَنَا؟ وَقَالَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا أَفَاضِلُ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ فِيمَا أَوْصَاهُ بِهِ: مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ أَجْمَعَ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أُتِيَ بِشَيْخٍ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لِلْمَنْخَرَيْنِ لِلْمَنْخَرَيْنِ وِلْدَانُنَا صِيَامٌ ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَمَانِينَ وَصَيَّرَهُ إلَى الشَّامِ.

стр. 1551

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً وَلَا كَفَّارَةً؟ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ، فَضَرَبَهُ ثَمَانِينَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ مِنْ الْغَدِ عِشْرِينَ، وَقَالَ: ضَرَبْنَاكَ الْعِشْرِينَ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللَّهِ وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً، وَلَا كَفَّارَةً وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيِّ. عَنْ عَرْفَجَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولُ الدَّهْرِ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ. وَبِأَصَحّ طَرِيقٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَوْمُ سَنَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ لَمْ يَقْضِهِ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ أَصْلِ الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ يُجَاحِشُونَ عَنْهُ - وَيَتْرُكُونَ لَهُ السُّنَنَ -: أَنَّ الْخَبَرَ إذَا خَالَفَهُ رَاوِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ الْخَبَرِ أَوْ نَسْخِهِ، قَالُوا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مُغَفَّلٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، فَتَرَكُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ خَالَفَهُ؛ وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ؛ بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ الْقَوْلُ بِهِ، وَهَذَا مَكَانٌ قَدْ خَالَفَ فِيهِ - أَبُو هُرَيْرَةَ مَا رُوِيَ مِنْ هَذَا الْقَضَاءِ. وَخَالَفَهُ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَرَأَى عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ شَهْرٍ؛ فَيَنْبَغِي لَهُمْ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْخَبَرِ

стр. 1552

بِهَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُ سَعِيدٍ؟ قُلْنَا: وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنْ قَالُوا مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْخَبَرُ وَيُفْتِي بِخِلَافِهِ؟ قُلْنَا: فَقُولُوا هَذَا فِي خَبَرِ غَسْلِ الْإِنَاءِ: مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْخَبَرُ وَيُخَالِفُهُ وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ؟ [مَسْأَلَةٌ الْمَرِيض وَالْمُسَافِر إذَا أَفْطَرَا] ٧٣٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا قَضَاءَ إلَّا عَلَى خَمْسَةٍ فَقَطْ: وَهُمْ الْحَائِضُ، وَالنُّفَسَاءُ فَإِنَّهُمَا يَقْضِيَانِ أَيَّامَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ، وَالْمَرِيضُ، وَالْمُسَافِرُ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وَالْمُتَقَيِّئُ عَمْدًا، بِالْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَهَذَا كُلُّهُ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ إذَا أَفْطَرَا، وَكُلُّهُمْ مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى، لَا إثْمَ عَلَيْهِمْ، إلَّا الْمُتَقَيِّئَ، وَهُوَ ذَاكِرٌ؛ فَإِنَّهُ آثِمٌ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ فِطْرًا فِي رَمَضَانَ بِمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ] ؟ ٧٣٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ فِطْرًا فِي رَمَضَانَ بِمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ، إلَّا مَنْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الْمُبَاحِ لَهُ وَطْؤُهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَقَطْ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، عَلَى مَا نَصِفُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يُقَدَّرُ الْقَضَاءُ، لِمَا ذَكَرْنَا؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ إلَّا عَلَى وَاطِئِ امْرَأَتِهِ عَامِدًا، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ يَقَعُ عَلَى الْأَمَةِ الْمُبَاحِ وَطْؤُهَا، كَمَا يَقَعُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَلَا جَمْعَ لِلْمَرْأَةِ مِنْ لَفْظِهَا؛ لَكِنْ جَمْعُ الْمَرْأَةِ عَلَى نِسَاءٍ، وَلَا وَاحِدَ لِلنِّسَاءِ مِنْ لَفْظِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ - بِلَا خِلَافٍ -: الْأَمَةُ الْمُبَاحَةُ، وَالزَّوْجَةُ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ

стр. 1553

ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ لَا ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا؟ فَقَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَكَذَا رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَعْمَرٌ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَخَالَفَ أَشْهَبُ فِي هَذَا اللَّفْظِ سَائِرَ أَصْحَابِ اللَّيْثِ؟ فَلَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَقَدْ قَالَ ﵇: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَحِلُّ مَالُ أَحَدِ بِغَيْرِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ. وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إيجَابُ غَرَامَةٍ لَمْ يُوجِبْهَا الْقُرْآنُ وَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَتَعَدَّى بِذَلِكَ حُدُودَ اللَّهِ، وَيُبِيحُ الْمَالَ الْمُحَرَّمَ، وَيُشَرِّعُ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى؟

стр. 1554

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ تُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فِطْرًا لَمْ يُبَحْ لَهُ، بِأَيِّ شَيْءٍ أَفْطَرَ؟ بِمَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَمِنْ طَرِيقِ أَشْهَبَ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقُوا: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ فَقَالَ: لَا أَجِدُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَرَقِ تَمْرٍ، فَقَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَجِدُ

стр. 1555

أَحْوَجَ إلَيْهِ مِنِّي فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، وَقَالَ: كُلْهُ» . قُلْنَا: لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ، بِلَا شَكٍّ، فَرَوَاهُ مَنْ ذَكَرْنَا

стр. 1556

عَنْ الزُّهْرِيِّ مُجْمَلًا مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ الْآخَرُونَ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ وَأَتَوْا بِلَفْظِ الْخَبَرِ كَمَا وَقَعَ، كَمَا سُئِلَ ﵇، وَكَمَا أَفْتَى، وَبَيَّنُوا فِيهِ أَنَّ تِلْكَ الْقَضِيَّةَ إنَّمَا كَانَتْ وَطْئًا لِامْرَأَتِهِ، وَرَتَّبُوا الْكَفَّارَةَ كَمَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَحَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى: صِفَةَ التَّرْتِيبِ، وَأَجْمَلُوا الْأَمْرَ، وَأَتَوْا بِغَيْرِ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِمَا رَوَوْهُ مِنْ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ لَفْظٌ مِنْ دُونِ النَّبِيِّ ﵇ مِمَّنْ اخْتَصَرَ الْخَبَرَ وَأَجْمَلَهُ، وَكَانَ الْفَرْضُ أَخْذُ فُتْيَا النَّبِيِّ ﵇ كَمَا أَفْتَى بِهَا، بِنَصِّ كَلَامِهِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّا نَقِيسُ كُلَّ مُفْطِرٍ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ فِطْرٌ مُحَرَّمٌ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَاهُنَا هَذَا الْقِيَاسُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ خَبَرُ الْمُتَقَيِّئِ عَمْدًا، وَفِيهِ الْقَضَاءُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ كَفَّارَةً. فَمَا الَّذِي جَعَلَ قِيَاسَ سَائِرِ الْمُفْطِرِينَ عَلَى حُكْمِ الْوَاطِئِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حُكْمِ الْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ؟ وَالْآكِلُ، وَالشَّارِبُ أَشَبَهُ بِالْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ مِنْهُمَا بِالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّ فِطْرَهُمْ كُلَّهُمْ مِنْ حُلُوقِهِمْ لَا مِنْ فُرُوجِهِمْ، بِخِلَافِ الْوَاطِئِ؛ وَلِأَنَّ فِطْرَهُمْ كُلَّهُمْ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، بِخِلَافِ فِطْرِ الْوَاطِئِ؛ فَهَذَا أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ، لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؟ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِقَطْعِ صَلَاتِهِ؛ وَالصَّلَاةُ أَعْظَمُ حُرْمَةً وَآكَدُ مِنْ الصِّيَامِ، فَصَارَتْ الْكَفَّارَةُ خَارِجَةً عَنْ الْأَصْلِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى خَبَرِهَا؟ فَإِنْ قَالَ: إنِّي أُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ؛ لِأَنِّي أُدْخِلُهُ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَفْطَرَ فَأُمِرَ بِالْكَفَّارَةِ، وَأَجْعَلُ هَذَا الْخَبَرَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى عَنْ الزُّهْرِيِّ -: زَائِدًا عَلَى مَا فِي خَبَرِ الْمُتَعَمِّدِ الْقَيْءَ؟ قُلْنَا: هَذَا لَازِمٌ لِكُلِّ مَنْ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ خَبَرِ مَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَازِمٌ لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، إلَّا أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا لَمْ يُكَلِّمْ إلَّا فِي تَغْلِيبِ رِوَايَةِ سَائِرِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي قَدَّمْنَا عَلَى مَا اخْتَصَرَهُ هَؤُلَاءِ فَقَطْ.

стр. 1557

وَلَيْسَ إلَّا قَوْلُنَا أَوْ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَالْقَضَاءَ عَلَى كُلِّ مُفْطِرٍ، بِأَيِّ وَجْهٍ أَفْطَرَ، بِعُمُومِ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَيَحْيَى، وَبِالْقِيَاسِ جُمْلَةً عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْوَطْءِ وَبِالْقَيْءِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: فَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَصْلًا، وَلَا بِالْقِيَاسِ، وَلَا بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ لِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ فَتَعَدَّوْا مَا رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَأَسْقَطُوا الْكَفَّارَةَ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ، مِمَّا قَدْ أَوْجَبَهَا فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَخَالَفُوا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَيَحْيَى، وَابْنُ جُرَيْجٍ؛ فَخَالَفُوا كُلَّ لَفْظِ خَبَرٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً وَخَالَفُوا الْقِيَاسَ؛ إذْ لَمْ يُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَبِالْوَطْءِ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا ظَاهِرَ الْآثَارِ؛ إذْ أَوْجَبُوهَا عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ عَلَى مَا نَذْكُرُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بَعْدَ هَذَا؛ فَلَا يَجُوزُ إيهَامُهُمْ بِأَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِشَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْقِيَاسِ -: عَلَى مَنْ نَبَّهْنَاهُ عَلَى تَخَاذُلِ أَقْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا، فَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَسَّرَ اللَّهُ لِذِكْرِهِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، ثُمَّ نُعْقِبُ بِأَقْوَالِ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، الَّتِي لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا بِالْقُرْآنِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، وَالسُّنَنِ، لَا صَحِيحِهَا وَلَا سَقِيمِهَا، وَلَا بِإِجْمَاعٍ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا بِقِيَاسٍ، وَلَا بِرَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، وَلَا بِاحْتِيَاطٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا كَفَّارَةَ عَلَى مُفْطِرٍ فِي رَمَضَانَ بِوَطْءٍ وَلَا بِغَيْرِهِ -: رُوِّينَا بِأَصَحِّ إسْنَادٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ؟ وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَحَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ حَمَّادُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، وَقَالَ أَيُّوبُ، وَحَبِيبٌ وَهِشَامٌ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. ثُمَّ اتَّفَقَ إبْرَاهِيمُ، وَابْنُ سِيرِينَ، فِيمَنْ وَطِئَ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ: أَنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ

стр. 1558

تَعَالَى، وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ مَا اسْتَطَاعَ، وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ أَكَلَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ عَامِدًا، قَالَ: يَقْضِي يَوْمًا وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ: مَا يُكَفِّرُهُ؟ فَقَالَ: مَا نَدْرِي مَا يُكَفِّرُهُ ذَنْبٌ أَوْ خَطِيئَةٌ، يَصْنَعُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِرِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ: لَوْ كُنْت أَنَا لَصُمْت يَوْمًا مَكَانَهُ؟ فَهَؤُلَاءِ: ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَرَوْنَ عَلَى الْوَاطِئِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا كَفَّارَةً وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِالْكَفَّارَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْكِلَابِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابُ: صَوْمُ يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ يَعْدِلُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَعَهِدْنَاهُمْ يُقَلِّدُونَ عُمَرَ فِي أَجَلِ الْعِنِّينِ، وَفِي حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. وَلَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ عُمَرَ، فَلْيُقَلِّدُوهُ هَاهُنَا؛ فَهُوَ أَثْبَتُ عَنْهُ مِمَّا قَلَّدُوهُ وَلَكِنَّهُمْ مُتَحَكِّمُونَ بِالْبَاطِلِ فِي الدِّينِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا رُوِّينَا عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ: قَرَأْت عَلَى فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَيْفَعُ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ، أَوْ إطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ، وَسَمِعَ أَذَانَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَجْمَعْ، وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ -: كَذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ؟

стр. 1559

قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَصَّ فِيهِ، وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا - إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ -: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ تَوْقِيفٌ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوهُ هَاهُنَا، وَإِلَّا فَهُمْ مُتَلَاعِبُونَ بِالدِّينِ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ، فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ آلَافِ يَوْمٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَا حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَنْكِحُ؟ فَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْتِقُ أَرْبَعَةَ رِقَابٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَأَرْبَعٌ مِنْ الْبُدْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ لِكُلِّ يَوْمٍ يَوْمَيْنِ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا مُرْسَلًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ: رَقَبَةٌ، ثُمَّ بَدَنَةٌ» ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ فِي الْعَرَقِ مِنْ التَّمْرِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ الْحَسَنِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ وَاقَعَ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ لَهُ ﵇: أَعْتِقْ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: أَهْدِ بَدَنَةً؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: صُمْ شَهْرَيْنِ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بَيْنَهُمَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ: كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ» ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَا عُمَارَةُ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ «أَنَّ

стр. 1560

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الَّذِي وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: أَهْدِ هَدْيًا؟ قَالَ: لَا أَجِدُهُ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ» ؟ فَإِنْ تَعَلَّلُوا فِي مُرْسَلِ سَعِيدٍ بِأَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ مَا رَوَاهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: كَذَبَ، إنَّمَا قُلْت لَهُ: تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ -: فَإِنَّ الْحَسَنَ وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءً رَوَوْهُ أَيْضًا مُرْسَلًا وَفِيهِ الْهَدْيُ بِالْبَدَنَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَهِدْنَا بِالْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ يَقُولُونَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، وَهَذَا مُرْسَلٌ مِنْ طُرُقٍ، فَيَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى سَائِرِ الْأَحَادِيثِ ذِكْرَ الْهَدْيِ. وَأَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ: فَإِنَّ الْبَدَنَةَ، وَالْهَدْيَ يُجْبَرُ بِهِمَا نَقْصُ الْحَجِّ؛ وَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ يُجْبَرُ نَقْصُهُ بِكَفَّارَةٍ إلَّا الْحَجَّ، وَالصَّوْمَ؛ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْهَدْيِ فِي الصَّوْمِ مَدْخَلٌ كَمَا لَهُ فِي الْحَجِّ؛ وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لَا يَثْبُتُونَ عَلَى شَيْءٍ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ عِنْدَنَا أَصْلًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ رَجُلٍ أَكَلَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا؟ فَقَالَ: عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، قُلْت: يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: صِيَامُ شَهْرٍ، قَالَ: فَعَدَدْت أَيَّامًا فَقَالَ: صِيَامُ شَهْرٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الَّذِي يُفْطِرُ مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا: عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ: ثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَ شَهْرٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: يَحْتَمِلُ هَذَا الْقَوْلُ أَنَّهُ أَرَادَ شَهْرًا شَهْرًا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَيَحْتَمِلُ مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَ شَهْرًا وَاحِدًا، وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَوْلَى، لِتَيَقُّنِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ؟ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارِ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ الْكُوفِيُّ ثنا أَبُو غَسَّانَ ثنا مِنْدَلٌ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ

стр. 1561

أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: مِنْدَلٌ ضَعِيفٌ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ مَجْهُولٌ. وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَيَلْزَمُ الْقَوْلُ بِهِ مَنْ لَمْ يُبَالِ بِالضُّعَفَاءِ؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الْأَخْبَارِ، وَيَلْزَمُ أَيْضًا الْمَالِكِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ نِيَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ تُجْزِئُ لِجَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلُّهُ كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَيَوْمٍ وَاحِدٍ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَخَيَّرَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنْ يَقْضِيَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] . وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ أَقْوَالٌ لَا تُؤَثِّرُ كَمَا هِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ -: فَأَمَّا الشَّافِعِيُّونَ: فَهُمْ أَقَلُّ الثَّلَاثِ الطِّبَاقِ تَنَاقُضًا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مُفْطِرٍ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ إلَّا عَلَى مَنْ جَامَعَ إنْسَانًا، أَوْ بَهِيمَةً فِي فَرْجٍ أَوْ دُبُرٍ، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالْإِيلَاجِ، أَمْنَى أَمْ لَمْ يُمْنِ؛ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَهُ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ رِوَايَةِ الْجُمْهُورِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ كَفَّارَةً فِي أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ عَنْهُ، وَلَا عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ الْأَكْلَ، وَالشُّرْبَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا الْقَضَاءَ فَقَطْ فَقَاسَ الْوَاطِئَ لِامْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى وَاطِئِ امْرَأَتِهِ، وَقَاسَ مَنْ أَتَى ذَكَرًا عَلَى مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ، وَقَاسَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً عَلَى مَنْ أَتَى أَهْلَهُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ. وَلَمْ يَقِسْ الْآكِلَ، وَالشَّارِبَ، وَالْمُجَامِعَ دُونَ الْفَرْجِ فَيُمْنِي وَالْمَرْأَةَ الْمَوْطُوءَةَ -: عَلَى الْوَاطِئِ امْرَأَتَهُ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ؟ فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُهُ: قِسْنَا الْجِمَاعَ عَلَى الْجِمَاعِ، وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِلْقَيْءِ؟ قُلْنَا: فَهَلَّا قِسْتُمْ مُجَامِعَ الْبَهِيمَةِ عَلَى مُجَامِعِ الْمَرْأَةِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ؟ كَمَا قِسْتُمُوهُ

стр. 1562

عَلَيْهِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ؟ وَهَلَّا قِسْتُمْ الْمَرْأَةَ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى الرَّجُلِ الْوَاطِئِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ؟ فَهُوَ وَطْءٌ وَاحِدٌ، هُمَا فِيهِ مَعًا؟ وَهَلَّا قِسْتُمْ الْمُجَامِعَ دُونَ الْفَرْجِ عَامِدًا فَيُمْنِي عَلَى الْمُجَامِعِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ؟ فَهَذَا أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْهُ إلَى الْآكِلِ؟ وَهَذَا تَنَاقُضٌ قَبِيحٌ فِي الْقِيَاسِ جِدًّا؟ وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ: فَتَنَاقُضُهُمْ أَشَدُّ، وَهُوَ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ، وَالْقَضَاءَ: عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ، وَعَلَى مَنْ قَبَّلَ فَأَمْنَى؛ أَوْ بَاشَرَ فَأَمْنَى؛ أَوْ تَابَعَ النَّظَرَ فَأَمْنَى؛ وَعَلَى مَنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ جَامَعَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ؛ وَعَلَى مَنْ نَوَى الْفِطْرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَا شَرِبَ، وَلَا جَامَعَ، إذَا نَوَى ذَلِكَ أَكْثَرَ النَّهَارِ؛ وَعَلَى الْمَرْأَةِ تَمَسُّ فَرْجَهَا عَامِدَةً فَتُنْزِلُ؟ وَرَأَى عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ الْقَضَاءَ، وَأَوْجَبَ عَلَى الْوَاطِئِ لَهَا الْكَفَّارَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَكَفَّارَةً أُخْرَى عَنْهَا. وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهَا إنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَفَّارَةً؛ وَلَا عَلَى الَّتِي جُومِعَتْ نَائِمَةً، وَلَا عَلَيْهَا وَلَا عَلَيْهِ عَنْهَا وَهَذَا تَنَاقُضٌ نَاهِيكَ بِهِ وَلَئِنْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا فَمَا يُجْزِئُ أَنْ تُوجَبَ الْكَفَّارَةُ عَلَى غَيْرِهَا؟ وَلَئِنْ لَمْ تَكُنْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا فَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَجِبَ عَلَى غَيْرِهَا عَنْهَا؟ وَأَبْطَلُوا صِيَامَ مَنْ قَبَّلَ فَأَنْعَظَ، أَوْ أَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ أَوْ بَاشَرَ أَوْ لَمَسَ فَأَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ. وَمَنْ - نَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ - غَيْرِ عَامِدٍ لِذَلِكَ - وَتَابَعَ النَّظَرَ فَأَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ، أَوْ نَظَرَ نَظْرَةً وَلَمْ يُتَابِعْ النَّظَرَ فَأَمْنَى، وَمَنْ تَمَضْمَضَ فِي صِيَامِ نَهَارِ رَمَضَانَ فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَمَنْ أَكَلَ نَاسِيًا أَوْ وَطِئَ نَاسِيًا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يُوقِنُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِذَا بِالْفَجْرِ قَدْ طَلَعَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ لَمْ يُوقِنْ بِأَنَّهُ طَلَعَ وَلَا أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ، وَمَنْ أَقَامَ مَجْنُونًا يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَيَّامًا، أَوْ رَمَضَانَ كُلَّهُ، أَوْ عِدَّةَ شُهُورِ رَمَضَانَ مِنْ عِدَّةِ سِنِينَ، وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ النَّهَارِ، وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ، وَالْمُرْضِعُ تَخَافُ عَلَى رَضِيعِهَا؛ وَالْمَرْأَةُ تُجَامَعُ نَائِمَةً، وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمَنْ صُبَّ فِي - حَلْقِهِ مَاءُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَمَنْ احْتَقَنَ، وَمَنْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ فِيهِ عَقَاقِيرُ، وَمَنْ بَلَعَ حَصَاةً. وَأَوْجَبُوا عَلَى كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا الْقَضَاءَ، وَلَمْ يَرَوْا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً.

стр. 1563

وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ. وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، أَوْ تَابِعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ؛ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّقْسِيمُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ؟ وَقَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ مُقَلِّدِيهِ يُوجِبُونَ عَلَى طَحَّانِي الدَّقِيقِ، وَالْحِنَّاءِ وَمُغَرْبِلِي الْكَتَّانِ وَالْحُبُوبِ -: الْقَضَاءَ، وَيُبْطِلُونَ صَوْمَهُمْ، وَلَا يُوجِبُونَ عَلَيْهِمْ فِي تَعَمُّدِ ذَلِكَ كَفَّارَةً وَيَدَّعُونَ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ وَهَذَا تَخْلِيطٌ لَا نَظِيرَ لَهُ وَيَلْزَمُهُمْ إبْطَالُ صَوْمِ كُلِّ مَنْ سَافَرَ فَمَشَى فِي غَبَرَةٍ عَلَى هَذَا؟ وَلَمْ يُبْطِلْ صَوْمَ مَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَلَمْ يُنْعِظْ وَلَا أَمْذَى وَلَا أَمْنَى، وَلَا صَوْمَ مَنْ أَمْنَى مِنْ نَظَرٍ وَلَا لَمَسَ، وَلَا صَوْمَ تَطَوُّعٍ بِدُخُولِ الْمَاءِ فِي حَلْقِ فَاعِلِهِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ، وَلَا صَوْمَ مُتَطَوِّعٍ صُبَّ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ نَائِمٌ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ وَاحِدٌ يُبْطِلُ صَوْمَ الْفَرْضِ وَلَا يُبْطِلُ صَوْمَ التَّطَوُّعِ؟ وَلَمْ يُبْطِلْ صَوْمَ مَنْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَقَلَّ النَّهَارِ، وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ؟ وَلَمْ يُبْطِلْ صَوْمَ مَنْ نَامَ النَّهَارَ كُلَّهُ، وَهَذَا عَجَبٌ زَائِدٌ؟ وَلَا نَدْرِي قَوْلَهُ فِيمَنْ نَوَى الْفِطْرَ أَقَلَّ النَّهَارِ: أَيَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَيَبْطُلُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ؟ أَمْ يَرَى صَوْمَهُ تَامًّا؟ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى فِيهِ كَفَّارَةً بِلَا شَكٍّ؟ وَلَمْ يُبْطِلْ الصَّوْمَ بِالْفَتَائِلِ تَتَدَخَّلُ لِدَوَاءٍ، وَلَا نَقِفُ الْآنَ عَلَى قَوْلِهِ فِي السَّعُوطِ وَالتَّقْطِيرِ فِي الْأُذُنِ؟ وَلَمْ يُبْطِلْ الصَّوْمَ بِكُحْلٍ فِي الْعَيْنِ لَا عَقَاقِيرَ فِيهِ، وَلَا بِمَنْ تَعَمَّدَ بَلْعَ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَضْرَاسِهِ مِنْ الْجَذِيذَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَا بِمَضْغِ الْعِلْكِ، وَإِنْ اسْتَدْعَى الرِّيقَ، وَكَرِهَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ فَلِمَ كَرِهَهُ؟ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ لَا نَحْتَاجُ مِنْ إبْطَالِهَا إلَى أَكْثَرَ مِنْ إيرَادِهَا؟ وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَأَفْسَدُ الطِّبَاقِ أَقْوَالًا، وَأَسْمَجُهَا تَنَاقُضًا وَأَبْعَدُهَا عَنْ الْمَعْقُولِ؟

стр. 1564

وَهُوَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَالْقَضَاءَ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ - خَاصَّةً - امْرَأَةً، حَلَالًا لَهُ أَوْ حَرَامًا وَعَلَى الْمَرْأَةِ عَنْ نَفْسِهَا، وَعَلَى مَنْ أَكَلَ مَا يَغْتَذِي بِهِ، أَوْ شَرِبَ مَا يَتَغَذَّى بِهِ، أَوْ بَلَعَ لَوْزَةً خَضْرَاءَ، أَوْ أَكَلَ طِينًا إرْمِينِيًّا خَاصَّةً. وَأَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ لَاطَ بِإِنْسَانٍ فِي دُبُرِهِ فَأَمْنَى، أَوْ بِبَهِيمَةٍ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ فَأَمْنَى، وَمَنْ بَقِيَ إلَى بَعْدَ الزَّوَالِ لَا يَنْوِي صَوْمًا، وَمَنْ قَبَّلَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَأَمْنَى، وَمَنْ لَمَسَ كَذَلِكَ فَأَمْنَى، أَوْ جَامَعَ كَذَلِكَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَمْنَى، وَمَنْ تَمَضْمَضَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، وَمَنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، [أَوْ جَامَعَ] بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِطُلُوعِهِ ثُمَّ عَلِمَ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ، وَمَنْ جُنَّ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ أَيَّامًا، أَوْ الشَّهْرَ كُلَّهُ إلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْهُ، وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا دَخَلَ رَمَضَانُ، حَاشَا يَوْمِ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَالْمُرْضِعُ تَخَافُ عَلَى رَضِيعِهَا، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ ثُمَّ جَامَعَ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ عَامِدًا ذَاكِرًا، وَمَنْ جَامَعَ، أَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ عَمْدًا ثُمَّ مَرِضَ مِنْ نَهَارِهِ ذَلِكَ، أَوْ حَاضَتْ إنْ كَانَتْ امْرَأَةً، وَمَنْ أَصْبَحَ فِي رَمَضَانَ لَا يَنْوِي صَوْمًا ثُمَّ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ جَامَعَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، وَالْمَرْأَةُ تُجَامَعُ وَهِيَ نَائِمَةٌ، أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ مُكْرَهَةٌ وَمَنْ احْتَقَنَ أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ قَطَّرَ فِي أُذُنِهِ قُطُورًا؟ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ قُطُورًا، فَمَرَّةً أَبْطَلَ صَوْمَهُ، وَمَرَّةً لَمْ يُبْطِلْهُ؟ وَأَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ دَاوَى جَائِفَةً بِهِ أَوْ مَأْمُومَةً بِدَوَاءٍ رَطْبٍ، وَإِلَّا فَلَا؟ وَأَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ بَلَعَ حَصَاةً عَامِدًا، أَوْ بَلَعَ جَوْزَةً رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً، أَوْ لَوْزَةً يَابِسَةً، وَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَوَقَعَ نُقَطٌ مِنْ الْمَطَرِ فِي حَلْقِهِ؟ وَأَوْجَبُوا فِي كُلِّ ذَلِكَ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَرَوْا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً. وَلَمْ يُبْطِلُوا صَوْمَ مَنْ لَاطَ بِذَكَرٍ فَأَوْلَجَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ وَلَا صَوْمَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ وَلَا صَوْمَ مَنْ أَوْلَجَ فِي دُبُرِ امْرَأَةٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ وَرَأَوْا صَوْمَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَامًّا صَحِيحًا لَا قَضَاءَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ

стр. 1565

وَلَمْ يُبْطِلُوا صَوْمَ مَنْ اكْتَحَلَ بِعَقَاقِيرَ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَصَلَ إلَى الْحَلْقِ أَوْ لَمْ يَصِلْ، وَلَا صَوْمَ مَنْ تَابَعَ النَّظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ فَأَمْنَى؛ وَلَا صَوْمَ مَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَأَمْذَى وَلَمْ يُمْنِ، وَلَا صَوْمَ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا، أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا، وَلَا صَوْمَ مَنْ جَامَعَ أَوْ شَرِبَ، أَوْ أَكَلَ شَاكًّا فِي الْفَجْرِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ، أَوْ جَامَعَ بَعْدَهُ، أَوْ شَرِبَ بَعْدَهُ. وَمَنَعَ لِلْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا أَنْ يُجَامِعَهَا " فَلَيْتَ شِعْرِي: إنْ كَانَا صَائِمَيْنِ، فَهَلَّا أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةَ؟ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ صَائِمَيْنِ، فَلِمَ مَنَعَهُمَا؟ وَلَا أَبْطَلَ صَوْمَ مَنْ أَخْرَجَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ طَعَامًا - أَقَلَّ مِنْ حِمَّصَةٍ - فَبَلَعَهُ عَامِدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا، أَوْ أَقْبَحُ قَوْلًا مِمَّنْ يَرَى اللِّيَاطَةَ. وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَا يُنْقِضُ الصَّوْمَ؟ وَيَرَى أَنَّ مَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ تَقْبِيلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ فَأَمْنَى فَقَدْ بَطَلَ صَوْمُهُ أَوْ مِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَكْلِ مَا يُغَذِّي وَمَا لَا يُغَذِّي؟ وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ هَذَا؟ وَمِمَّنْ رَأَى أَنَّ مَنْ قَبَّلَ زَانِيَةً أَوْ ذَكَرًا أَوْ بَاشَرَهُمَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَلَمْ يُنْعِظْ، وَلَا أَمْذَى: أَنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ تَامٌّ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ؟ وَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ تَقْبِيلَهَا وَهُوَ صَائِمٌ فَأَنْعَظَ: أَنَّ صَوْمَهُ قَدْ بَطَلَ؛ وَمَنْ يَرَى عَلَى مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا الْقَضَاءَ وَيُبْطِلُ صَوْمَهُ؟ وَيَرَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ مُتَعَمِّدًا مَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ أَضْرَاسِهِ مِنْ طَعَامِهِ أَنَّ صَوْمَهُ تَامٌّ؟ فَهَلْ فِي الْعَجَبِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ فِي إيجَابِهِمْ الْكَفَّارَةَ عَلَى بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ الْمُجَامِعِ قِيَاسًا عَلَى الْمُجَامِعِ، ثُمَّ إسْقَاطُهُمْ الْكَفَّارَةَ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ الْمُجَامِعِ وَكِلَاهُمَا مُفْطِرٌ،

стр. 1566

وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَلْتَزِمُوا النَّصَّ وَأَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُكْرَهَةِ عَلَى الْوَطْءِ، وَهِيَ غَيْرُ عَاصِيَةٍ بِذَلِكَ، وَأَسْقَطُوهَا عَنْ الْمُتَعَمِّدِ لِلْقُبُلِ فَيُمْذِي وَهُوَ عَاصٍ؟ فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ عَاصِيًا؟ قُلْنَا: فَاَلَّذِي قَبَّلَ فَأَمْنَى إذَنْ لَيْسَ عَاصِيًا، فَلِمَ أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَيْهِ؟ وَهَذِهِ تَخَالِيطُ لَا نَظِيرَ لَهَا وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ أَصْلًا بِشَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ؛ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُفَرِّطِينَ فِي الْحُكْمِ فَلَمْ يَأْخُذُوا بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵇ بِالْكَفَّارَةِ» وَلَا بِرِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵇ بِالْكَفَّارَةِ» ، فَيَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا قَاسُوا عَلَيْهِ كُلَّ مُفْطِرٍ؟ وَأَسْقَطُوا الْكَفَّارَةَ عَمَّنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَفِي صَوْمِ نَذْرٍ، وَفِي شَهْرَيْ الْكَفَّارَةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ قَتَادَةَ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ عَامِدًا، وَتَرَكُوا هَاهُنَا الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ، وَصَوْمُ فَرْضٍ، وَتَعَمُّدُ فِطْرٍ، وَتَعَمُّدُ فِطْرٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ أَسْقَطْتُمْ الْكَفَّارَةَ عَمَّنْ وَطِئَ امْرَأَةً مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فِي الْفَرْجِ؟ وَعَنْ الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ بِإِكْرَاهٍ أَوْ بِمُطَاوَعَةٍ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِيمَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى مَنْ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ اسْمُ وَاطِئٍ، وَلَا اسْمُ مُوَاقِعٍ، وَلَا اسْمُ مُجَامِعٍ، وَلَا أَنَّهُ وَطِئَهَا؛ وَلَا أَنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهَا، وَلَا أَنَّهُ جَامَعَهَا، إلَّا حَتَّى يُضَافَ إلَى ذَلِكَ صِلَةُ الْبَيَانِ، فَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَى غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَتَعَدِّي لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، وَإِيجَابُ مَا لَمْ يُوجِبْهُ؟ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَوْطُوءَةٌ، وَالْمَوْطُوءَةُ غَيْرُ الْوَاطِئِ، فَالْأَمْرُ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَوْضَحُ مِنْ كُلِّ وَاضِحٍ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّ وَاطِئَ الْحَرَامِ لَا يَصِلُ إلَى الْوَطْءِ إلَّا بَعْدَ قَصْدٍ إلَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ أَوْ بَطْشٍ وَلَا بُدَّ؛ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَعْصِيَةٌ تُبْطِلُ الصَّوْمَ فَلَمْ يُجَامِعْ إلَّا وَصَوْمُهُ قَدْ بَطَلَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّكُمْ تُوجِبُونَهَا عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَهُمَا حَائِضَانِ؟

стр. 1567

قُلْنَا: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَهَا عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ جُمْلَةً، وَلَمْ يَسْأَلْهُ: أَحَائِضًا هِيَ أَمْ غَيْرَ حَائِضٍ؟ [مَسْأَلَةٌ وَطِئَ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ] ٧٣٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ [عَمْدًا] فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ أَوْ جُنَّ، أَوْ مَرِضَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهِ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا نَصَّ فِي سُقُوطِهَا لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: تَسْقُطُ بِالْمَرَضِ وَلَا تَسْقُطُ بِالسَّفَرِ [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ كَفَّارَة الْفِطْر فِي رَمَضَان] ٧٣٩ - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ هِيَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي رِوَايَةِ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ: مِنْ عِتْقِ رَقَبَةٍ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا لَزِمَهُ - حِينَئِذٍ - إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا قُلْتُمْ بِمَا رَوَاهُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَمَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِنْ تَخْيِيرِهِ بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ هَؤُلَاءِ اخْتَصَرُوا الْحَدِيثَ، وَأَتَوْا بِأَلْفَاظِهِمْ، أَوْ بِلَفْظٍ مِنْ دُونِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فَأَتَوْا بِلَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الَّذِي لَا يَحِلُّ تَعَدِّيهِ أَصْلًا، وَبِزِيَادَةِ حُكْمِ التَّرْتِيبِ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ الزِّيَادَةِ وَبِقَوْلِنَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَحْمَدُ، وَجُمْهُورُ النَّاسِ؟ وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ بِمَا رُوِيَ؛ إلَّا أَنَّهُ اسْتَحَبَّ الْإِطْعَامَ، وَلَيْسَ لِهَذَا الِاسْتِحْبَابِ وَجْهٌ أَصْلًا. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ أَجَازَ فِي الْإِطْعَامِ الْمَذْكُورِ: أَنْ تُطْعِمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا، وَهَذَا خِلَافٌ مُجَرِّدٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَقَعُ اسْمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَصْلًا [مَسْأَلَةٌ مَا يُجْزِئ فِي كَفَّارَة الْفِطْر] ٧٤٠ - مَسْأَلَةٌ: وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ، صَغِيرَةٌ، أَوْ كَبِيرَةٌ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، مَعِيبٌ أَوْ سَلِيمٌ؛ لِعُمُومِ «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْتِقْ رَقَبَةً» فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الرِّقَابِ الَّتِي تُعْتَقُ لَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ ﵇، وَلَمَا أَهْمَلَهُ حَتَّى يُبَيِّنَهُ لَهُ غَيْرُهُ.

стр. 1568

وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ: أُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُعْتَقُ بِصِفَةٍ، وَإِلَى أَجَلٍ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ نِصْفَانِ مِنْ رَقَبَتَيْنِ، وَلَا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِنَا فِي الْكَافِرِ وَالصَّغِيرِ: وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُ إلَّا مُؤْمِنَةٌ، قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى - الرَّقَبَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ مَالِكًا لَا يَقِيسُ حُكْمَ قَاتِلِ الْعَمْدِ عَلَى حُكْمِ قَاتِلِ الْخَطَأِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقِسْ قَاتِلًا عَلَى قَاتِلٍ فَقِيَاسُ الْوَاطِئِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؟ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَقِيسُ الْمُفْطِرَ بِالْأَكْلِ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْوَطْءِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يَقِسْ مُفْطِرًا عَلَى مُفْطِرٍ فَقِيَاسُ الْمُفْطِرِ عَلَى الْقَاتِلِ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ، إنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ يُعَوَّضُ فِيهَا الْإِطْعَامُ مِنْ الصِّيَامِ، وَلَا يُعَوَّضُ الْإِطْعَامُ مِنْ الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ فَقَدْ صَحَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَ كَفَّارَةِ الْوَاطِئِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ كَفَّارَةِ الْقَاتِلِ؛ فَبَطَلَ بِهَذَا قِيَاسُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ بِالتَّعْوِيضِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَوَرَدَ بِهِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ؟ قُلْنَا: وَالنَّصُّ لَمْ يَرِدْ بِاشْتِرَاطِ مُؤْمِنَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ وَوَرَدَ بِهِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. فَإِنْ قَالُوا: الْمُؤْمِنَةُ أَفْضَلُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ وَالْعَالِمُ الْفَاضِلُ أَفْضَلُ مِنْ الْجَاهِلِ الْفَاسِقِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] وَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ فِيهَا الْجَاهِلَ الْفَاسِقَ. وَأَمَّا الْمَعِيبُ فَكُلُّهُمْ مُتَّفِقٌ عَلَى إجَازَةِ الْعَيْبِ الْخَفِيفِ فِيهَا، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعُيُوبِ فِي ذَلِكَ؟

стр. 1569

وَأَيْضًا: فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى تَحْدِيدِ الْخَفِيفِ - الَّذِي أَجَازُوهُ مِنْ الْكَثِيرِ - الَّذِي لَا يُجِيزُونَهُ - فَصَحَّ أَنَّهُ رَأْيٌ فَاسِدٌ مِنْ آرَائِهِمْ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ الْأَعْوَرُ، وَالْمَقْطُوعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ أَوْ كِلَيْهِمَا مِنْ خِلَافٍ، وَالْمَقْطُوعُ إصْبَعَيْنِ مِنْ كُلِّ يَدٍ سِوَى الْإِبْهَامَيْنِ. وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْمَى، وَلَا الْمُقْعَدُ، وَلَا الْمَقْطُوعُ يَدًا وَرِجْلًا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَلَا مَقْطُوعُ الْإِبْهَامَيْنِ فَقَطْ مِنْ كِلْتَا يَدَيْهِ وَلَا مَقْطُوعُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ يَدٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ تَخَالِيطُ قَوِيَّةٌ بِمَرَّةٍ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا لَا يُجْزِئُ لَبَيَّنَهُ ﵇. وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعِتْقَ جَائِزٌ فِيهِمَا وَحُكْمُهُ وَاقِعٌ عَلَيْهِمَا إذَا عَتَقَا، فَمُعْتِقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَمَّى مُعْتِقَ رَقَبَةٍ، وَعِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِتْقَ رَقَبَةٍ بِلَا خِلَافٍ؛ فَوَجَبَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِي ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُجْزِئَانِ؟ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُجْزِئُ أُمُّ الْوَلَدِ، لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ مَاذَا؟ وَهَلْ اشْتَرَطَ ﵇ إذْ أَمَرَ فِي الْكَفَّارَةِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ - أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ بَيْعُهَا؟ حَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، فَإِذْ لَمْ يَشْتَرِطْ ﵇ هَذِهِ الصِّفَةَ فَاشْتِرَاطُهَا بَاطِلٌ، وَشَرْعٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَأَجَازَ فِي ذَلِكَ عِتْقَ الْمُدَبَّرِ؟ وَمِمَّنْ أَجَازَ عِتْقَ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرِ فِي ذَلِكَ: عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ؟ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَبْدٌ، وَمِمَّنْ أَجَازَهُ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَ مَنْ أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ -: أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ الَّذِي أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ شُرُوعُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، فَمَنْ أَعْتَقَ بَاقِيَهُمَا فَإِنَّمَا أَعْتَقَ بَعْضَ رَقَبَةٍ؛ لَا رَقَبَةً؛ فَلَمْ يُؤَدِّ مَا أُمِرَ بِهِ.

стр. 1570

وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي أَنَّهُمَا لَا يُجْزِئَانِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَأَمَّا مَنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ رَقَبَتَيْنِ فَلَا يُسَمَّى مُعْتِقَ رَقَبَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا؛ وَلِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ سَائِرُهُمَا بِحُكْمٍ آخَرَ وَلَا بُدَّ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتِقَ - رَقَبَةٍ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يُؤَدِّ مَا أُمِرَ بِهِ؟ وَأَمَّا الْمُعْتِقُ إلَى أَجَلٍ - وَإِنْ قَرُبَ - أَوْ بِصِفَةٍ فَعِتْقُهُمَا وَبَيْعُهُمَا جَائِزٌ؛ أَمَّا الْمُعْتَقُ فَلَا خِلَافُ مِنْهُمْ نَعْلَمُهُ فِيهِ. وَمِمَّنْ أَجَازَهُمَا فِي الْكَفَّارَةِ: الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَمُعْتَقُهُمَا يُسَمَّى: مُعْتِقَ رَقَبَةٍ. ٧٤١ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا قُلْنَا: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ فَإِنَّهُ عِتْقٌ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ لَا يَنْفُذُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ إلَّا بِصِفَةٍ لَمْ تَصِحَّ، فَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ صام فِي كَفَّارَة الْفِطْر فَقَطَعَ صَوْمَهُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ أَوْ مَا لَا يَحِلُّ صِيَامُهُ] ٧٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فَرْضَهُ الصَّوْمُ، فَقَطَعَ صَوْمَهُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، أَوْ أَيَّامُ الْأَضْحَى، أَوْ مَا لَا يَحِلُّ صِيَامُهُ فَلَيْسَا مُتَتَابِعِينَ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهِمَا مُتَتَابِعِينَ؟ وَقَالَ قَائِلٌ: يُجْزِئُهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خِلَافُ أَمْرِهِ ﷺ وَلَيْسَ كَوْنُهُ مَعْذُورًا فِي إفْطَارِهِ غَيْرَ آثِمٍ وَلَا مَلُومٍ بِمُجِيزٍ لَهُ مَا لَمْ يُجَوِّزْهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عَدَمِ التَّتَابُعِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ: مَنْ لَزِمَهُ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ فَمَرِضَ فَأَفْطَرَ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ صَوْمَهُمَا؟ ٧٤٣ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ اعْتَرَضَهُ فِيهِمَا يَوْمُ نَذْرٍ نَذَرَهُ: بَطَلَ النَّذْرُ وَسَقَطَ عَنْهُ، وَتَمَادَى فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَكَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ» . فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَلْتَزِمَ غَيْرَ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ نَذَرَ مَا يَبْطُلُ بِهِ فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى: فَنَذْرُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ ؟ ٧٤٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ بَدَأَ بِصَوْمِهِمَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ صَامَ إلَى أَنْ يَرَى الْهِلَالَ الثَّالِثَ وَلَا بُدَّ، كَامِلَيْنِ كَانَا أَوْ نَاقِصَيْنِ، أَوْ كَامِلًا وَنَاقِصًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] فَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ

стр. 1571

يَأْتِيَ بِهِمَا مِنْ جُمْلَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا الْمَذْكُورَةِ؟ ٧٤٥ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ بَدَأَ بِهِمَا فِي بَعْضِ الشَّهْرِ - وَلَوْ لَمْ يَمْضِ مِنْهُ إلَّا يَوْمٌ، أَوْ لَمْ يَبْقَ إلَّا يَوْمٌ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ -: لَزِمَهُ صَوْمُ ثَمَانِيَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا لَا أَكْثَرَ. لِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتُ شَهْرًا، فَقَالَ: إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ» . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ جِدًّا كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو، وَجَبَلَةِ بْنِ سُحَيْمٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ؛ فَإِذَا الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ، فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْيَقِينُ، وَهُوَ الْأَقَلُّ؟ وَقَالَ قَائِلُونَ: عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَ سِتِّينَ يَوْمًا لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إتْمَامِ الشَّهْرَيْنِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَلْزَمَهُ شَهْرَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ كَامِلَيْنِ، كُلُّ شَهْرٍ مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَهْرَيْنِ، وَاسْمُ شَهْرَيْنِ يَقَعُ بِنَصِّ كَلَامِهِ ﵇ عَلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ؟ وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْ الْحَنَفِيِّينَ أَنْ يَقُولَ: لَا تُجْزِئُ - الرَّقَبَةُ إلَّا مُؤْمِنَةً؛ لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْفَرْضَ فِي الرَّقَبَةِ؟

стр. 1572

وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا مِنْ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ أَنْ يَقُولَ: لَا تُجْزِئُ إلَّا غَدَاءً وَعَشَاءً، أَوْ غَدَاءً وَغَدَاءً، أَوْ عَشَاءً وَعَشَاءً، كَمَا يَقُولُ الْحَنَفِيُّونَ، وَلَا يُجْزِئُ إلَّا صَاعٌ مِنْ شَعِيرِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوْ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ -: لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَدَاءِ فَرْضِ الْإِطْعَامِ؟ [مَسْأَلَةٌ مَنْ كَانَ فَرْضُهُ الْإِطْعَامَ فِي كَفَّارَة الْفِطْر فِي رَمَضَان] ٧٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فَرْضُهُ الْإِطْعَامَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُطْعِمَهُمْ شِبَعَهُمْ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطْعَمَهُمْ، وَإِنْ اخْتَلَفَ، مِثْلُ: أَنْ يُطْعِمَ بَعْضَهُمْ خُبْزًا، وَبَعْضَهُمْ تَمْرًا، وَبَعْضَهُمْ ثَرِيدًا، وَبَعْضَهُمْ زَبِيبًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيُجْزِئُ فِي ذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ إنْ أَعْطَاهُمْ حَبًّا أَوْ دَقِيقًا أَوْ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُكَالُ؛ فَإِنْ أَطْعَمَهُمْ طَعَامًا مَعْمُولًا فَيُجْزِئُهُ مَا أَشْبَعَهُمْ أَكْلَةً وَاحِدَةً، أَقَلَّ كَانَ أَوْ أَكْثَرَ؟ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ ثنا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ ثنا مُؤَمَّلٌ هُوَ ابْنُ إسْمَاعِيلَ الْحِمْيَرِيُّ ثنا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ مَنْصُورٍ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ خَبَرَ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ، قَالَ قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِكْتَلٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ - يَعْنِي صَاعًا - فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ عَنْكَ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَأَجْزَأَ هَذَا فِي الْإِطْعَامِ. وَكَانَ إشْبَاعُهُمْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَشْبَعَهُمْ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ -: يُسَمَّى إطْعَامًا، وَالْبُرُّ: يُؤْكَلُ مَقْلُوًّا؛ فَكُلُّ ذَلِكَ إطْعَامٌ. وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ إطْعَامٍ دُونَ إطْعَامٍ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيمَا دُونَ الشِّبَعِ فِي الْأَكْلِ، وَفِيمَا دُونَ الْمُدِّ فِي الْإِعْطَاءِ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُجْزِئُ إلَّا نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ، أَوْ مِثْلُهُ مِنْ سَوِيقِهِ أَوْ دَقِيقِهِ، أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ تَمْرٍ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

стр. 1573

وَلَا بُدَّ مِنْ غَدَاءٍ وَعَشَاءٍ أَوْ غَدَاءٍ وَغَدَاءٍ، أَوْ عَشَاءٍ وَعَشَاءٍ، أَوْ سُحُورٍ وَغَدَاءٍ، أَوْ سُحُورٍ وَعَشَاءٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَحَكُّمٌ وَشَرْعٌ لَمْ يُوجِبْهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ؟ ٧٤٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُ رَضِيعٍ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلَا إعْطَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى إطْعَامًا، فَإِنْ كَانَ يَأْكُلُ كَمَا تَأْكُلُ الصِّبْيَانُ أَجْزَأَ إطْعَامُهُ وَإِشْبَاعُهُ، وَإِنْ أَكَلَ قَلِيلًا، لِأَنَّهُ أَطْعَمَ كَمَا أُمِرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ؟ ٧٤٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُ أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ، وَلَا صِيَامُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا أُمِرَ بِهِ؟ [مَسْأَلَةٌ كَانَ قَادِرًا حِينَ وَطْئِهِ فِي نَهَار رَمَضَان عَلَى الرَّقَبَةِ] ٧٤٩ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ قَادِرًا حِينَ وَطْئِهِ عَلَى الرَّقَبَةِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهَا، افْتَقَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ، وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا حِينَئِذٍ قَادِرًا عَلَى صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ شَيْءٌ غَيْرُ الصِّيَامِ، أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَوَجَدَ رَقَبَةً أَوْ لَمْ يُوسِرْ؟ وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا حِينَ ذَلِكَ عَنْ - الرَّقَبَةِ وَعَنْ الصِّيَامِ قَادِرًا عَلَى الْإِطْعَامِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُ الْإِطْعَامِ، قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ أَوْ الصَّوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا هُوَ فَرْضُهُ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ؛ فَلَا يَجُوزُ سُقُوطُ فَرْضِهِ وَإِيجَابُ فَرْضٍ آخَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ. وَقَالَ قَائِلُونَ: إنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ فَأَيْسَرَ انْتَقَلَ حُكْمُهُ إلَى الرَّقَبَةِ؟ وَهَذَا خَطَأٌ، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ؟ [مَسْأَلَةٌ لَمْ يَجِدْ المكفر عَنْ الْفِطْر فِي رَمَضَان إلَّا رَقَبَةً لَا غِنَى بِهِ عَنْهَا] ٧٥٠ - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا رَقَبَةً لَا غِنَى بِهِ عَنْهَا، لِأَنَّهُ يَضِيعُ بَعْدَهَا أَوْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حُبِّهَا -: لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُهَا؟ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا حَرَجٌ وَعُسْرٌ لَمْ يَجْعَلْهُ تَعَالَى عَلَيْنَا، وَلَا أَرَادَهُ مِنَّا، وَفَرْضُهُ حِينَئِذٍ

стр. 1574

الصِّيَامُ، فَإِنْ كَانَ فِي غِنًى عَنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَا مَالَ لَهُ فَعَلَيْهِ عِتْقُهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِدُ رَقَبَةٍ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي عِتْقِهَا؟ ٧٥١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَفَرْضُهُ الْإِطْعَامُ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا وَهُوَ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ أَكَلَهُ هُوَ وَأَهْلُهُ وَبَقِيَ الْإِطْعَامُ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِالْإِطْعَامِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ بِالتَّمْرِ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُطْعِمَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ؟ فَصَحَّ أَنَّ الْإِطْعَامَ بَاقٍ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ ﵇ بِأَكْلِهِ إذْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى أَكْلِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ مَا قَدْ أَلْزَمَهُ إيَّاهُ مِنْ الْإِطْعَامِ، وَلَا يَجُوزُ سُقُوطُ مَا افْتَرَضَهُ ﵇ إلَّا بِإِخْبَارٍ مِنْهُ ﵇ بِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٧٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ وَيُطْعِمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ، لِأَنَّ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَاءَ عُمُومًا، لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ حُرٌّ مِنْ عَبْدٍ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مِسْكِينًا فَهُوَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإِطْعَامِهِ وَلَا تَجُوزُ مُعَارَضَةُ أَمْرِهِ ﵇ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ؟ [مَسْأَلَةٌ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ حِجَامَةٌ وَلَا احْتِلَامٌ وَلَا اسْتِمْنَاءٌ] ٧٥٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ حِجَامَةٌ وَلَا احْتِلَامٌ، وَلَا اسْتِمْنَاءٌ، وَلَا مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، تَعَمَّدَ الْإِمْنَاءَ أَمْ لَمْ يُمْنِ، أَمْذَى أَمْ لَمْ يُمْذِ وَلَا قُبْلَةٌ كَذَلِكَ فِيهِمَا، وَلَا قَيْءٌ غَالِبٌ، وَلَا قَلْسٌ خَارِجٌ مِنْ الْحَلْقِ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ رَدَّهُ بَعْدَ حُصُولِهِ فِي فَمِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى رَمْيِهِ، وَلَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْأَسْنَانِ أَوْ الْجَوْفِ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ بَلْعَهُ، وَلَا حُقْنَةٌ وَلَا سَعُوطٌ وَلَا تَقْطِيرٌ فِي أُذُنٍ، أَوْ فِي إحْلِيلٍ، أَوْ فِي أَنْفٍ وَلَا اسْتِنْشَاقٌ وَإِنْ بَلَغَ الْحَلْقَ، وَلَا مَضْمَضَةٌ دَخَلَتْ الْحَلْقَ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَلَا كُحْلٌ - أَوْ إنْ بَلَغَ إلَى الْحَلْقِ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا - بِعَقَاقِيرَ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَلَا غُبَارُ طَحْنٍ، أَوْ غَرْبَلَةُ دَقِيقٍ، أَوْ حِنَّاءٍ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، أَوْ عِطْرٌ، أَوْ حَنْظَلٌ، أَوْ أَيُّ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا ذُبَابٌ دَخَلَ الْحَلْقَ بِغَلَبَةٍ، وَلَا مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَوَقَعَ فِي حَلْقِهِ نُقْطَةُ مَاءٍ بِغَيْرِ تَعَمُّدٍ لِذَلِكَ مِنْهُ؛ وَلَا مَضْغُ زِفْتٍ أَوْ مُصْطَكَى أَوْ عِلْكٍ؛ وَلَا مَنْ تَعَمَّدَ أَنْ يُصْبِحَ جُنُبًا، مَا لَمْ يَتْرُكْ الصَّلَاةَ، وَلَا مَنْ تَسَحَّرَ أَوْ وَطِئَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْلٌ فَإِذَا بِالْفَجْرِ كَانَ قَدْ طَلَعَ وَلَا مَنْ أَفْطَرَ بِأَكْلٍ أَوْ وَطْءٍ، وَيَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَغْرُبْ، وَلَا مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ وَطِئَ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ صَائِمٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَصَى نَاسِيًا

стр. 1575

لِصَوْمِهِ، وَلَا سِوَاكٌ بِرَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، وَلَا مَضْغُ طَعَامٍ أَوْ ذَوْقُهُ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ بَلْعَهُ، وَلَا مُدَاوَاةُ جَائِفَةٍ أَوْ مَأْمُومَةٍ بِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا طَعَامٌ وُجِدَ بَيْنَ الْأَسْنَانِ -: أَيَّ وَقْتٍ مِنْ النَّهَارِ وُجِدَ، إذَا رُمِيَ، وَلَا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى مَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ، وَلَا دُخُولُ حَمَّامٍ، وَلَا تَغْطِيسٌ فِي مَاءٍ، وَلَا دَهْنُ شَارِبٍ؟ أَمَّا الْحِجَامَةُ - قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّهُ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَصِحَّ نَسْخُهُ. وَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاسِخَةٌ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَظَنُّهُمْ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَجِمُ ﵇ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَيُفْطِرُ، وَذَلِكَ مُبَاحٌ، أَوْ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَيُفْطِرُ، وَذَلِكَ مُبَاحٌ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يَقُولُ فِي الْخَبَرِ الثَّابِتِ أَنَّهُ ﵇ " مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ " -: لَعَلَّهُ كَانَ مَرِيضًا ثُمَّ لَا يَقُولُ هَاهُنَا: لَعَلَّهُ كَانَ مَرِيضًا؟ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ إخْبَارِهِ ﵇ أَنَّهُ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» وَلَا يُتْرَكُ حُكْمٌ مُتَيَقَّنٌ لِظَنٍّ كَاذِبٍ؟ وَأَيْضًا: فَلَوْ صَحَّ أَنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ خَبَرِ مَنْ ذَكَرْنَا لَمَا كَانَ فِيهِ إلَّا نَسْخُ إفْطَارِ الْمَحْجُومِ لَا الْحَاجِمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْجُمُهُ ﵇ غُلَامٌ لَمْ يَحْتَلِمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَكِنْ وَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ التَّمِيمِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ

стр. 1576

قَالَ التَّمِيمِيُّ: ثنا مُعَاوِيَةُ الْقُرَشِيُّ الْمَرْوَانِيُّ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَقَالَ الْعُذْرِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ الْأَسَدِيُّ الْقُرَشِيُّ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ ثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ثنا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ وَحُمَيْدٌ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» زَادَ حُمَيْدٍ فِي رِوَايَتِهِ " وَالْقُبْلَةِ ". قَالَ عَلِيٌّ: إنَّ أَبَا نَضْرَةَ، وَقَتَادَةَ أَوْقَفَاهُ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، وَإِنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ أَوْقَفَهُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ؛ وَلَكِنْ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ إذْ أَسْنَدَهُ الثِّقَةُ، وَالْمُسْنَدَانِ لَهُ عَنْ خَالِدٍ وَحُمَيْدٍ: ثِقَتَانِ؛ فَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَفْظَةُ " أَرْخَصَ " لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَهْيٍ؛ فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ نَسْخُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَمْ يَرَهَا تُفْطِرُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَغَيْرُهُمَا. وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُقْبَلُ فِيمَا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى، وَهَذَا مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى، وَقَدْ قَبِلُوا فِيهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُضْطَرِبًا؟ وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ: فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ؛ إلَّا مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَأَمَّا الِاسْتِمْنَاءُ: فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنَّهُ يَنْقُضُ الصَّوْمَ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ، وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ وَقَتْلِ الْأَنْفُسِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَتَقْبِيلِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَمْدًا إذَا لَمْ يُمْنِ وَلَا أَمْذَى -: ثُمَّ يَنْقُضُهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إمْنَاءٌ وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ: أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ لَا

стр. 1577

يُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَأَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ دُونَ عَمَلٍ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ، ثُمَّ يُنْقَضُ الصَّوْمُ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؟ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يُنْقِضُ الصَّوْمَ بِالْإِنْزَالِ لِلْمَنِيِّ إذَا تَعَمَّدَ اللَّذَّةَ، وَلَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ -: ثُمَّ لَا يُوجِبُ بِهِ الْغُسْلَ إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَالنَّصُّ جَاءَ بِإِيجَابِ الْغُسْلِ مِنْهُ جُمْلَةً؟ . وَأَمَّا الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ لِلرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ لَهُ فَهُمَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ، نَسْتَحِبُّهَا لِلصَّائِمِ، شَابًّا كَانَ أَوْ كَهْلًا أَوْ شَيْخًا، وَلَا نُبَالِي أَكَانَ مَعَهَا إنْزَالٌ مَقْصُودٌ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ «عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ» . وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ

стр. 1578

عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ» . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] لَا سِيَّمَا مَنْ كَابَرَ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ فَرْضٌ. وَقَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْأَسْوَدِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كُلُّهُمْ عَنْ عَائِشَةَ بِأَسَانِيدَ كَالذَّهَبِ؟ وَرُوِّينَاهُ بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَحَفْصَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ كُلُّهُمْ: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . فَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ الْقُبْلَةَ تُبْطِلُ الصَّوْمَ؟ وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَكْرُوهَةٌ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مُبَاحَةٌ لِلشَّيْخِ، مَكْرُوهَةٌ لِلشَّابِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَأَمَّا مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا خُصُوصٌ لَهُ ﵇ فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ، وَمَا يَعْجَزُ عَنْ الدَّعْوَى مَنْ لَا تَقْوَى لَهُ؟ فَإِنْ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» . قُلْنَا: لَا حُجَّةَ لَكَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ هَذَا؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ ثنا قَالَ: ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ ثنا الْفَرَبْرِيُّ ثنا الْبُخَارِيُّ ثنا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ثنا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرَهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ» ؟ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا ذَلِكَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ يُوجِبُ أَنَّهُ لَهُ خُصُوصٌ فَقَوْلُهَا هَذَا فِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ يُوجِبُ أَنَّهَا لَهُ أَيْضًا خُصُوصٌ، أَوْ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، أَوْ أَنَّهَا لِلشَّيْخِ دُونَ

стр. 1579

الشَّابِّ وَلَا يُمْكِنُهُمْ هَاهُنَا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ كَرِهُوا مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ؛ جُمْلَةً وَلَعَمْرِي إنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ لَأَشَدُّ غَرَرًا؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَنْ جِمَاعِهَا أَيَّامًا وَلَيَالِيَ فَتَشْتَدُّ حَاجَتُهُ، وَأَمَّا الصَّائِمُ فَالْبَارِحَةُ وَطِئَهَا، وَاللَّيْلَةَ يَطَؤُهَا، فَهُوَ بِشَمٍّ مِنْ الْوَطْءِ؟ حَدَّثَنَا حُمَامٌ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا الدَّبَرِيُّ ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَنَّهُ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَقَالَ لَهَا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُخِّصَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ، فَارْجِعِي إلَيْهِ، فَرَجَعَتْ إلَيْهِ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِ اللَّهِ» . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمٌ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيِّ «عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلْ هَذِهِ، يَعْنِي أُمَّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ» . فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ يُكَذِّبَانِ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى فِي ذَلِكَ الْخُصُوصَ لَهُ ﵇؛ لِأَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ ﵇ مَنْ اسْتَفْتَاهُ، وَيُكَذِّبُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ لِلشَّابِّ مُبَاحَةٌ لِلشَّيْخِ؟ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ شَابًّا جِدًّا فِي قُوَّةِ شَبَابِهِ إذْ مَاتَ ﵇، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنْتَ حَمْزَةَ عَمِّهِ ﵁. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ

стр. 1580

ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ أَهْوَى النَّبِيُّ ﷺ لِيُقَبِّلَنِي، فَقُلْتُ: إنِّي صَائِمَةٌ فَقَالَ: وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَبَّلَنِي» . وَكَانَتْ عَائِشَةُ إذْ مَاتَ ﵇ بِنْتَ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً فَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ، وَبُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ؛ وَصَحَّ أَنَّهَا حَسَنَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، سُنَّةٌ مِنْ السُّنَنِ، وَقُرْبَةٌ مِنْ الْقُرْبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ وَوُقُوفًا عِنْدَ فُتْيَاهُ بِذَلِكَ؟ وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ كَرِهَهَا لِلشَّابِّ فَإِنَّمَا هُمَا حَدِيثَا سَوْءٍ، رُوِّينَا أَحَدَهُمَا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ، وَهُوَ لَا شَيْءَ، وَفِيهَا قَيْسٌ مَوْلَى تَجِيبٍ؛ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ وَالْآخَرَ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ عَنْ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي كِلَيْهِمَا، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ لِلشَّيْخِ وَنَهَى عَنْهَا الشَّابَّ» ، فَسَقَطَا جَمِيعًا؟ وَأَمَّا مَنْ أَبْطَلَ الصَّوْمَ بِهَا فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ؟ قُلْنَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إبَاحَةُ الْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى مُرَادُهُ مِنَّا، فَصَحَّ أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا هِيَ الْجِمَاعُ فَقَطْ؛
следующие страницы →