Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَلَّ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُفْطِرًا يَوْمَ جُمُعَةٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَلَّ مَا رَأَيْتُهُ مُفْطِرًا يَوْمَ جُمُعَةٍ قَطُّ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْثٌ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَصَحِيحٌ، وَالْقَوْلُ فِيهَا كُلُّهَا سَوَاءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا - لَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -: إبَاحَةُ تَخْصِيصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ دُونَ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ يَوْمٍ بَعْدَهُ. وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ صِيَامَهُ إذَا صَامَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ نَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَلَا أَنْ نَحْمِلَ فِعْلَهُ عَلَى مُخَالِفَةِ أَمْرِهِ أَلْبَتَّةَ إلَّا بِبَيَانِ نَصٍّ صَحِيحٍ فَيَكُونَ حِينَئِذٍ نَسْخًا أَوْ تَخْصِيصًا، قَالَ تَعَالَى آمِرًا لَهُ أَنْ يَقُولَ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] فَكَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ بَيَانُ قَوْلِنَا بِأَصَحَّ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ -: نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْهَى عَنْ افْتِرَادِ الْيَوْمِ كُلَّمَا مَرَّ بِالْإِنْسَانِ - يَعْنِي عَنْ صِيَامِهِ -: فَصَحَّ نَهْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ افْتِرَادِ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فِي الصَّوْمِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَتَحَرَّى يَوْمًا يَصُومُهُ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفًا أَصْلًا فِي النَّهْيِ عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصِّيَامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يُفِيقُ فَوَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ]
٧٩٦ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ نَذَرَ الْمَرْءُ صَوْمَ يَوْمَ يُفِيقُ، أَوْ ذَلِكَ فَوَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ لَمْ يَلْزَمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَهُ، وَلَا يَوْمًا بَعْدَهُ، وَلَا وَافَقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ، وَلَا يَجُوزُ صِيَامُهُ إلَّا
стр. 1682
بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ صَوْمُ اللَّيْلِ]
٧٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ صَوْمُ اللَّيْلِ أَصْلًا، وَلَا أَنْ يَصِلَ الْمَرْءُ صَوْمَ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ آخَرَ لَا يُفْطِرُ بَيْنَهُمَا، وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا بُدَّ. نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نَا الْفَرَبْرِيُّ نَا الْبُخَارِيُّ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ نَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ الْهَادِي - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: " أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِي» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مُسْنَدًا صَحِيحًا مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، كُلِّهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذِهِ الْآثَارُ تَنْتَظِمُ كُلَّ مَا قُلْنَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِّينَا النَّهْيَ عَنْ الْوِصَالِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِّينَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ إبَاحَةَ الْوِصَالِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي؛ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ ﵇: لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ؛ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا» . وَعَنْ أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ تُوَاصِلُ، وَكَانَ أَخُوهَا يَنْهَاهَا؛ قَالَ عَلِيٌّ: هِيَ صَاحِبَةٌ بِلَا شَكٍّ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يُوَاصِلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلَةَ السَّابِعَةَ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ سَمْنٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ يُؤْتَى بِثَرِيدَةٍ فِيهَا
стр. 1683
عَرْقَانِ وَيُؤْتِي النَّاسَ بِالْجِفَانِ فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ خَالِصِ مَالِي، وَهَذَا مِنْ بَيْتِ مَالِكُمْ. وَكَانَ ابْنُ وَضَّاحٍ يُوَاصِلُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يُوَضِّحُ أَنْ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا صَاحِبٍ، وَلَا غَيْرِهِ؛ فَقَدْ وَاصَلَ قَوْمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةَ فَكَيْفَ بَعْدَهُ ﵇؟ فَكَيْفَ مَنْ دُونَهُمْ؟ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ خَالَفَ حَضَّهُ ﵇ عَلَى صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَنَهْيَهُ ﵇ عَنْ تَخْصِيصِ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَصُمْ يَوْمَ عَرَفَةَ «، وَقَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَلَّ مَا رَأَيْتُهُ ﵇ مُفْطِرًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» وَبَيْنَ مَنْ خَالَفَ نَهْيَهُ عَنْ الْوِصَالِ وَتَأَوَّلَ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُوَاصِلُ.
[مَسْأَلَةٌ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ]
٧٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ الَّذِي مِنْ آخِرِ شَعْبَانَ، وَلَا صِيَامُ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الشَّكِّ الْمَذْكُورِ إلَّا مَنْ صَادَفَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ فَيَصُومُهُمَا حِينَئِذٍ لِلْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يَصُومُهُمَا لَهُ لَا لِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَلَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْ» . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَهُ ﵇ بِأَنْ لَا يُصَامُ حَتَّى يُرَى الْهِلَالُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَمْرٍو -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ
стр. 1684
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ: لَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْخَبَرُ يُوَضِّحُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَيِّ صَاحِبٍ وَلَا غَيْرِهِ أَصْلًا - وَبِهَذَا يَقُولُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ أَقْضِيَهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَزِيدَ فِيهِ يَوْمًا لَيْسَ فِيهِ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ. وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ صِلَةَ بْنِ أَشْيَمَ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فِي يَوْمِ الشَّكِّ فِي آخِرِ شَعْبَانَ يَقُولُ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ؛ وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: النَّهْيُ عَنْ صِيَامِهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُمَا قَالَا: لَوْ صُمْت السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْت الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ خِلَافُ هَذَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ. وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ الشَّكِّ -: وَحَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا خَلَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً مِنْ شَعْبَانَ بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ الْهِلَالَ فَإِنْ حَالَ مِنْ دُونِ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ أَصْبَحَ مُفْطِرًا. وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الشَّكِّ. وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْرَهُ صِيَامَ يَوْمِ الشَّكِّ إلَّا إنْ أُغْمِيَ دُونَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ،
стр. 1685
وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ يَوْمَ الشَّكِّ صَائِمًا فَإِنْ قَدِمَ خَبَرٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ النَّهَارِ أَتَمَّ صَوْمَهُ وَإِلَّا أَفْطَرَ. وَبِالنَّهْيِ عَنْ صَوْمِهِ جُمْلَةً يَقُولُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا ابْنُ عُمَرَ هُوَ رَوَى أَنْ لَا يُصَامُ حَتَّى يَرَى الْهِلَالَ ثُمَّ كَانَ يَفْعَلُ مَا ذَكَرْنَا؛ وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى صِيَامَ يَوْمِ الشَّكِّ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: هَلْ صُمْت مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ يَعْنِي شَعْبَانَ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ مَكَانَهُ» . وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نَا شُعْبَةُ عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنْ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ الْمُغِيرَةِ بْنِ فَرْوَةَ قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي النَّاسِ فِي دَيْرِ مِسْحَلٍ الَّذِي عَلَى بَابِ حِمْصٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَأَنَّا مُتَقَدِّمٌ بِالصِّيَامِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَهُ فَلْيَفْعَلْهُ، فَقَامَ إلَيْهِ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّبَائِيُّ فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَمْ شَيْءٌ مِنْ رَأْيِكَ؟ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةٍ غَيْرُ مَشْهُورٍ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا، لِأَنَّ نَصَّهُ «صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ» وَهُوَ بِلَا شَكٍّ شَهْرُ رَمَضَانَ لَا مَا سِوَاهُ " وَسِرَّهُ " مُضَافٌ إلَيْهِ، وَلَا يَخْلُو " سِرُّهُ " مِنْ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ أَوْ وَسَطَهُ وَأَيَّ ذَلِكَ كَانَ؟ فَهُوَ مِنْ رَمَضَانَ لَا مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْسَ فِيهِ: صُومُوا سِرَّ شَعْبَانَ؛ فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِ.
стр. 1686
وَأَمَّا خَبَرُ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ صَوْمٌ مَعْهُودٌ فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ فَلْيَصُمْهُ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ صَوْمُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَفِي وَصْلِهِ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ إلَّا عَلَى أَنَّهُ صَوْمٌ مَعْهُودٌ كَانَ لَهُ؟ وَأَمَّا خَبَرُ عِمْرَانَ فَصَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي مَاذَا كَانَ يَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ لَوْ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنَّهُ صَامَ سِرَرَ شَعْبَانَ أَيَنْهَاهُ أَمْ يُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ؟ وَالشَّرَائِعُ الثَّابِتَةُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا بِالظُّنُونِ وَلَا بِمَا لَا بَيَانَ فِيهِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ بَيَانٌ جَلِيٌّ بِإِبَاحَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ شَعْبَانَ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ وَغَيْرِهِ كَانَ مُبَاحًا بِلَا شَكٍّ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ جُمْلَةً عَمَلُ بِرٍّ وَخَيْرٍ؛ فَلَمَّا صَحَّ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ قَبْلَ رَمَضَانَ إلَّا لِمَنْ كَانَ لَهُ صَوْمٌ يَصُومُهُ صَحَّ يَقِينًا لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ قَدْ نُسِخَتْ وَبَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ كَانَ مُتَقَدِّمًا لِهَذَا النَّهْيِ بِنَصِّهِ كَمَا هُوَ لِاسْتِثْنَائِهِ ﵇ مَنْ كَانَ لَهُ صَوْمٌ فَلْيَصُمْهُ، وَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِشَيْءٍ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ وَلَا يَحِلُّ خِلَافُ النَّاسِخِ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْحَالَةَ الْمَنْسُوخَةَ قَدْ عَادَتْ وَأَنَّ النَّاسِخَ قَدْ بَطَلَ فَقَدْ كَذَبَ وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ مَا لَا دَلِيلَ لَهُ بِهِ أَبَدًا، وَالظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ.
[مَسْأَلَةٌ التَّلَوُّم فِي يَوْمِ الشَّكِّ]
٧٩٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا مَعْنَى لِلتَّلَوُّمِ فِي يَوْمِ الشَّكِّ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَلَوُّمُهُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَرْكِ صَوْمِهِ وَوَاقَعَ النَّهْيَ، وَإِنْ كَانَ تَلَوَّمُهُ بِغَيْرِ نِيَّةِ الصَّوْمِ فَهُوَ عَنَاءٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَتَرْكُ الْمُفْطِرِ الْأَكْلَ عَمَلٌ فَارِغٌ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ تَعْجِيلَ الْفِطْرِ فِي أَوَّلِهِ.
[مَسْأَلَةٌ صَوْمُ الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ تَطَوُّعًا]
٨٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ تَطَوُّعًا أَصْلًا وَلَا لِمَنْ صَادَفَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نَا أَبُو دَاوُد نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ قَالَ: قَدِمَ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ الْمَدِينَةَ فَمَالَ إلَى مَجْلِسِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» فَقَالَ الْعَلَاءُ: اللَّهُمَّ إنَّ أَبِي حَدَّثَنِي
стр. 1687
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ الْعَلَاءِ، وَالْعَلَاءُ ثِقَةٌ رَوَى عَنْهُ: شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، وَأَبُو الْعُمَيْسِ، وَكُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فَلَا يَضُرُّهُ غَمْزُ ابْنِ مَعِينٍ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ مُخَالَفَةُ مَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ؛ فَمَنْ ادَّعَى هَاهُنَا إجْمَاعًا فَقَدْ كَذَبَ. وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ الصَّوْمَ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ جُمْلَةً، إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُتَيَقَّنَ مِنْ مُقْتَضَى لَفْظِ هَذَا الْخَبَرِ النَّهْيُ عَنْ الصِّيَامِ بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَا يَكُونُ الصِّيَامُ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ بَاقِي الشَّهْرِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بَيِّنًا، وَلَا يَخْلُو شَعْبَانُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَانْتِصَافُهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ وَإِنْ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَانْتِصَافُهُ فِي نِصْفِ الْيَوْمِ الْخَامِسِ عَشَرَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصِّيَامِ بَعْدَ النِّصْفِ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ بِلَا شَكٍّ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ فَأَمْسِكُوا عَنْ الصَّوْمِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» . قُلْنَا: نَعَمْ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ مَا بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ بَعْضِ مَا بَعْدَ النِّصْفِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ أَوْلَى بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ الْآخَرِ؛ وَقَدْ رُوِّينَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ» وَقَوْلِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّهُ ﵊: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ إلَّا قَلِيلًا» وَقَوْلُهُمَا هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُدَاوِمُ ذَلِكَ فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا وَأَلَّا يُرَدَّ مِنْهَا شَيْءٌ لِشَيْءٍ أَصْلًا؛ فَصَحَّ صِيَامُ أَكْثَرِ شَعْبَانَ مَرْغُوبًا فِيهِ، وَصَحَّ جَوَازُ صَوْمِ آخِرِهِ؛ فَلَمْ يَبْقَ يَقِينُ النَّهْيِ إلَّا عَلَى مَا لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ الْيَوْمُ
стр. 1688
السَّادِسَ عَشَرَ كَمَا قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمَنْ ادَّعَى نَسْخًا فِي خَبَرِ الْعَلَاءِ فَقَدْ كَذَبَ وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا خَلَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ مِمَّا لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَكْثَرُ ذَلِكَ مِمَّا قَالُوهُ بِرَأْيٍ لَا بِنَصٍّ؟ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ مَنْ مَسَحَ الرَّأْسَ فِي الْوُضُوءِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهُ، وَمَرَّةً قَالَ: رُبْعُ الرَّأْسِ وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ، وَيُجْزِي مَسْحُهُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَلَا يُجْزِئُ بِأُصْبُعَيْنِ وَلَا بِأُصْبُعٍ. وَأَجَازُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالرَّوْثِ. وَقَوْلُهُ: الْمِرَّةُ وَالْمَاءُ الْخَارِجَانِ، مِنْ الْجَوْفِ يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْءَ الْفَمِ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَنْقُضْ الْوُضُوءَ؛ وَكَذَلِكَ تَعَمُّدُ الْقَيْءِ وَالدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْجَوْفِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ غَلَبَ عَلَى الْبُصَاقِ وَإِنْ لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ، وَالْبَلْغَمُ الْخَارِجُ مِنْ الْجَوْفِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِنْ مَلَأَ الْفَمَ. وَقَوْلُهُ فِي صَدَقَةِ الْخَيْلِ: إنْ شَاءَ أَعْطَى عَنْ كُلِّ رَأْسٍ مِنْ الْإِنَاثِ أَوْ الذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ مَخْلُوطِينَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا قِيمَةً وَأَعْطَى عَنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةً، وَلَا يُعْطِي مِنْ الذُّكُورِ الْمُفْرَدَةِ شَيْئًا. وَقَوْلُهُ: الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا الْحَطَبَ، وَالْقَصَبَ، وَالْحَشِيشَ، وَقَصَبَ الزَّرِيرَةِ، فَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ فِي الدَّارِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَكُلُّ هَذَا لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ قَالَهُ قَبْلَهُمْ. وَكَقَوْلِ مَالِكٍ: مَنْ تَرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، أَوْ ثَلَاثَ تَسْمِيعَاتٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَإِنْ تَرَكَ تَكْبِيرَتَيْنِ فَأَقَلَّ لَمْ تَبْطُلْ وَلَا تَسْمِيعَتَيْنِ فَأَقَلَّ. وَقَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ وَمِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ الْمَرْءِ إلَّا زَكَاةَ عَامِهِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ فِيمَا تَخْرُجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ الْحُبُوبِ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُ الزَّكَاةُ مِنْ الْحُبُوبِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ الْحُبُوبِ وَمَا لَا يُجْزِئُ فِيهَا مِنْهَا.
стр. 1689
وَقَوْلُهُ فِي أَنَّ الْمَاءَ إنْ كَانَ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ لَهُ لَمْ يَقْبَلْ نَجَاسَةً إلَّا أَنْ تُغَيِّرَهُ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ - وَلَوْ بِوَزْنِ دِرْهَمٍ - فَإِنَّهُ يُنَجَّسُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَكُلُّ هَذَا لَا يُعْرَفُ لَهُ قَائِلٌ قَبْلَ مَنْ ذَكَرْنَا.
وَلَوْ تَتْبَعْنَا مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا لَبَلَغَ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ: أُلُوفًا مِنْ الْمَسَائِلِ، وَلَبَلَغَ لِلشَّافِعِيِّ مِائَتَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
[مَسْأَلَةٌ صَوْمُ يَوْمِ الْفِطْرِ]
٨٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ صَوْمُ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمِ الْأَضْحَى - لَا فِي فَرْضٍ وَلَا فِي تَطَوُّعٍ - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عَمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحَى، أَوْ يَوْمَ فِطْرٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ» . وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَوَّالٍ: أَنَّهُ يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ ثُمَّ يَصُومُ يَوْمًا مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ مَكَانَهُ وَيُطْعِمُ مَعَ ذَلِكَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا أَمَرَ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ إذَا كَانَ طَاعَةً لَا إذَا كَانَ مَعْصِيَةً، وَإِذْ صَحَّ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، أَوْ أَيِّ يَوْمٍ نَهَى عَنْهُ فَصَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مَعْصِيَةٌ؛ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى - قَطُّ - بِالْوَفَاءِ بِنَذْرٍ مَعْصِيَةٍ، وَقَدْ صَحَّ فِي ذَلِكَ آثَارٌ -: مِنْهَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: «شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الْآخَرُ يَوْمَ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ» . وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ مُسْنَدًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْهُ: " مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الدَّهْرَ وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْيَمِينَ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَهُ وَيُفْطِرَ: يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ؛
стр. 1690
وَلَا يُطْعِمُ شَيْئًا، لَكِنْ يُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفُ صَاعٍ ". وَهَذَا تَخْلِيطٌ لَا نَظِيرَ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ]
٨٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى، لَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا فِي نَذْرٍ، وَلَا فِي كَفَّارَةٍ، وَلَا لِمُتَمَتِّعٍ بِالْحَجِّ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْهَدْيِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ الْمَذْكُورُ كُلَّهَا، وَلَا يَصُومُ النَّاذِرُ مِنْهَا إلَّا الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَقَطْ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ شَيْءٌ مِنْهَا تَطَوُّعًا، وَلَا فِي كَفَّارَةٍ -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نَا أَبُو دَاوُد نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ نَا مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَرَّبَ إلَيْهِمَا طَعَامًا فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ فَقَالَ لَهُ: كُلْ فَهَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِإِفْطَارِهَا وَيَنْهَانَا عَنْ صِيَامِهَا» قَالَ مَالِكٌ: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. نَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نَا بَكْرٌ هُوَ ابْنُ حَمَّادٍ - نَا مُسَدَّدٌ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ وَبَيْنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا؛ فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى هُوَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ عُرْوَةُ: عَنْ عَائِشَةَ، وَقَالَ سَالِمٌ: عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقَا، قَالَا: لَمْ يُرَخِّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. وَقَدْ أَسْنَدَهُ عَنْ شُعْبَةَ: يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ
стр. 1691
اللَّهِ ﷺ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْنَدَ هَذَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظَّنِّ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى. وَعَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَلَوْ كَانَ مُسْنَدًا لَكَانَ حُجَّةً عَلَى الْمَالِكِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَنْ يَصُومَهُ النَّاذِرُ، وَهُوَ خِلَافُ هَذَا الْخَبَرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ يَقُولُونَ فِيمَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ: هَذَا لَا يُقَالَ بِالرَّأْيِ، قَالُوا ذَلِكَ فِي تَيَمُّمِ جَابِرٍ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ. وَفِي قَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ لِأُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ إذْ بَاعَتْ مِنْهُ عَبْدًا إلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِ مِائَةٍ ثُمَّ اشْتَرَتْهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةٍ: أَبْلِغْ زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أُبْطِلَ جِهَادُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ إنْ لَمْ يَتُبْ - وَهُوَ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، وَخَالَفُوا بِذَلِكَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ. وَفِي التَّيَمُّمِ إلَى الْكُوعَيْنِ، فَهَلَّا قَالُوا هُنَا فِي قَوْلِ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ؟ وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ فِيمَا خَالَفَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ السُّنَنِ مَا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى: لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَرَدُّوا بِذَلِكَ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، فَهَلَّا قَالُوا هَاهُنَا: هَذَا مِمَّا تَعْظُمُ بِهِ الْبَلْوَى؟ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ، إذْ لَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَحِيحًا مَا خَفِيَ عَلَى عَائِشَةَ، وَأَبِي طَلْحَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأَسْوَدِ. وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْخَبَرَ الْمُضْطَرَبَ فِيهِ مَرْدُودٌ، وَادَّعُوا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» فَهَذَا الْخَبَرُ أَشَدُّ اضْطِرَابًا، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ بِشْرٍ بْنِ سُحَيْمٍ، وَمَرَّةً عَنْهُ عَنْ عَلِيٍّ.
стр. 1692
وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ فِيمَا وَافَقَهُمْ: هَذَا نَدْبٌ؟ فَهَلَّا قَالُوهُ هَاهُنَا؟ وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ: إذَا رَوَى الصَّاحِبُ خَبَرًا وَتَرَكَهُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِهِ، وَعَائِشَةُ قَدْ رَوَتْ كَمَا ذَكَرْنَا النَّهْيَ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَتَرَكَتْ ذَلِكَ فَكَانَتْ تَصُومُهَا تَطَوُّعًا؛ فَهَلَّا تَرَكُوا هَاهُنَا رِوَايَتَهَا لِرَأْيِهَا؟ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَقُولَ إنَّهُمَا وَابْنَ عَبَّاسٍ صَامَاهَا فِي تَمَتُّعِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ يَسَارَهُمَا وَيَسَارَ الْأَسْوَدِ وَسَعَةَ أَمْوَالِهِمْ لِأَلْفِ هَدْيٍ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَجْهَلَهُ إلَّا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ أَصْلًا.
[مَسْأَلَةٌ صَوْمٌ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ]
٨٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ صَوْمٌ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ كَأَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: أَنَا لَا أَدْخُلُ دَارَكَ فَإِنْ دَخَلْتُهَا فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، أَوْ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى -: نَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ نَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: نَا أَبِي نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَا أَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنُ سَلَّامٍ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَارَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةً، وَخِلَافًا لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وَالنَّذْرُ اللَّازِمُ: هُوَ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَة أَنْ تَصُومَ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْن]
٨٠٤ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِذَاتِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ أَنْ تَصُومَ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ وَأَمَّا الْفُرُوضُ كُلُّهَا فَتَصُومُهَا أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ؛ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا تَقْدِرُ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ أَوْ تَقْدِرُ فَلْتَصُمْ التَّطَوُّعَ إنْ شَاءَتْ -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نَا أَبُو دَاوُد نَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْحُلْوَانِيُّ - نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ» .
قَالَ عَلِيٌّ: الْبَعْلُ اسْمٌ لِلسَّيِّدِ، فِي اللُّغَةِ، وَصِيَامُ قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالْكَفَّارَاتُ، وَكُلُّ نَذْرٍ تَقَدَّمَ لَهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا إيَّاهُ مَضْمُومٌ إلَى رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ كُلَّ ذَلِكَ كَمَا افْتَرَضَ رَمَضَانَ.
стр. 1693
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَأَسْقَطَ اللَّهَ الِاخْتِيَارَ فِيمَا قَضَى بِهِ؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِذْنَ وَالِاسْتِئْذَانَ فِيمَا فِيهِ الْخِيَارُ، وَأَمَّا مَا لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَا إذْنَ لِأَحَدٍ فِيهِ وَلَا فِي تَرْكِهِ وَلَا فِي تَغْيِيرِهِ فَلَا مَدْخَلَ لِلِاسْتِئْذَانِ فِيهِ: هَذَا مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي تَخْصِيصُهُ ﵇ إذْنَ الْبَعْلِ فِيهِ؛ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَدْرِيب الصِّبْيَانِ عَلَى الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ]
٨٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ تَدْرِيبَ الصِّبْيَانِ عَلَى الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ إذَا أَطَاقُوهُ وَلَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ فِيهِمْ الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وُجُوبَ الْأَحْكَامِ بِالْإِنْبَاتِ، وَالْحَيْضِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَتَدْرِيبُهُمْ عَلَى الصَّوْمِ خَيْرٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا (قَبْلُ) قَوْلَ عُمَرَ ﵁ لِلشَّيْخِ الَّذِي وَجَدَهُ سَكْرَانَ فِي رَمَضَانَ: وِلْدَانُنَا صِيَامٌ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ لَبِيبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَامَ الْغُلَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ لَبِيبَةَ لَا شَيْءَ إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، أَخَذُوا بِرِوَايَتِهِ فِي (إبَاحَةِ) كِرَاءِ الْأَرْضِ وَأَبْطَلُوا بِهَا الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةَ فِي تَحْرِيمِ كِرَاءِ الْأَرْضِ، فَهُوَ حُجَّةٌ إذَا اشْتَهَوْا وَلَيْسَ هُوَ حُجَّةً إذَا اشْتَهَوْا -: وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ: يُؤْمَرُ الْغُلَامُ بِالصَّلَاةِ إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ، وَبِالصَّوْمِ إذَا أَطَاقَهُ.
وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: يُؤْمَرُونَ بِالصَّلَاةِ إذَا عَقَلُوهَا، وَبِالصَّوْمِ إذَا أَطَاقُوهُ قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ.
стр. 1694
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجَارِيَةِ إذَا حَاضَتْ، وَعَلَى الْغُلَامِ إذَا احْتَلَمَ.
[مَسْأَلَةٌ أَفْطَرَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ أَوْ زَنَى]
٨٠٦ - مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَدَ التَّمْرَ أَنْ يُفْطِرَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ وَإِلَّا فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى إنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَعَنَدَ وَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ قَدْ تَمَّ وَصَارَ فِي غَيْرِ صِيَامٍ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْطَرَ عَلَى خَمْرٍ، أَوْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ، أَوْ زَنَى؛ فَصَوْمُهُ تَامٌّ وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى. نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالْمَاءُ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» : نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نَا أَبُو دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيِّ نَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ : يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» . وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ هَذَا فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَدْ أَفْطَرَ فِي طَرِيقِ خَيْبَرٍ عَلَى السَّوِيقِ؟ فَقُلْنَا وَمَا دَلِيلُكُمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَفْطَرَ بَعْدُ عَلَى تَمْرٍ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ تَمْرٌ؟ وَالسَّوِيقُ الْمَجْدُوحُ بِالْمَاءِ، فَالْمَاءُ فِيهِ ظَاهِرٌ، فَهُوَ فِطْرٌ عَلَى الْمَاءِ.
وَأَيْضًا فَالْفِطْرُ عَلَى كُلِّ مُبَاحٍ مُوَافِقٌ لِلْحَالَةِ الْمَعْهُودَةِ، وَالْأَمْرُ بِالْفِطْرِ عَلَى التَّمْرِ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمَاءِ - أَمْرٌ وَارِدٌ يَجِبُ فَرْضًا؛ وَهُوَ رَافِعٌ لِلْحَالَةِ الْأُولَى بِلَا شَكٍّ، وَادَّعَى قَوْمٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى غَيْرِ هَذَا - وَقَدْ كَذَبَ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُحْصِيَ فِي هَذَا أَقْوَالَ عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃؛ وَذَكَرُوا إفْطَارَ عُمَرَ ﵁ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ عَلَى اللَّبَنِ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ هَذَا إجْمَاعًا أَوْ حُجَّةً فَقَدْ خَالَفُوهُ وَأَوْجَبُوا الْقَضَاءَ بِخِلَافِ قَوْلِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ اعْتَرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَيْسَ هَذَا
стр. 1695
عِنْدَنَا إجْمَاعًا، وَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا إلَّا مَا لَا شَكَّ فِي أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَقُولُ بِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ فَهُوَ كَافِرٌ: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْحَجِّ إلَى مَكَّةَ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي رَمَضَانَ]
٨٠٧ - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي رَمَضَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد هُوَ الْمَهْرِيُّ - عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسَ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]
[مَسْأَلَةٌ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ]
٨٠٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ - وَهُوَ صَائِمٌ - فَلْيُجِبْ؛ فَإِذَا أَتَاهُمْ فَلْيَدْعُ لَهُمْ وَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نَا أَبُو دَاوُد نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ نَا أَبُو خَالِدٍ هُوَ الْأَحْمَرُ - عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» .
قَالَ هِشَامٌ: وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ. وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد نَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. وَرُوِّينَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دُعِيَ إلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ أَتَاهُمْ فَدَعَا لَهُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: دَعَانِي أَنَسٌ إلَى طَعَامٍ فَقُلْت: إنِّي لَا أَطْعَمُ؟ فَقَالَ: قُلْ: إنِّي صَائِمٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَاهُ أَوْلَمَ بِالْمَدِينَةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَدْعُو النَّاسَ فَدَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَجَابَهُ وَدَعَا لَهُمْ وَرَجَعَ.
стр. 1696
[لَيْلَةُ الْقَدْرِ]
مَسْأَلَةٌ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَاحِدَةٌ فِي الْعَامِ فِي كُلِّ عَامٍ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ خَاصَّةً، فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَنْتَقِلُ أَبَدًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ أَيَّ لَيْلَةٍ هِيَ مِنْ الْعَشْرِ الْمَذْكُورِ؟ إلَّا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنْهُ وَلَا بُدَّ. فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَأَوَّلُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِلَا شَكٍّ: لَيْلَةُ عِشْرِينَ مِنْهُ؛ فَهِيَ إمَّا لَيْلَةُ عِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ الْأَوْتَارُ مِنْ الْعَشْرِ (الْأَوَاخِرِ) .
إنْ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ فَأَوَّلُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِلَا شَكٍّ: لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ، فَهِيَ إمَّا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِمَّا لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ أَوْتَارُ الْعَشْرِ بِلَا شَكٍّ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ يَقُمْ الْعَامَ يُدْرِكْهَا. وَبُرْهَانُ قَوْلِنَا: أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْعَامِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وَقَالَ : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَصَحَّ أَنَّهُ أُنْزِلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ فَصَحَّ ضَرُورَةً أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ؛ وَإِذْ لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِهِ لَكَانَ كَلَامُهُ تَعَالَى يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا بِالْمُحَالِ، وَهَذَا مَا لَا يَظُنُّهُ مُسْلِمٌ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهَا فِي لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ وَلَا بُدَّ مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابُ بْنُ عِيسَى نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الْأَعْلَى نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ قَالَ فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ
стр. 1697
فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ» . ثُمَّ فَسَّرَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: إذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَى ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ كَوْنِ رَمَضَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: نَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رِجَالًا رَأَوْا أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَاطْلُبُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ تُصَحِّحُ مَا قُلْنَا: إذْ لَوْ كَانَتْ تَنْتَقِلُ لَمَا كَانَ لِإِعْلَامِ النَّبِيِّ ﷺ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَثْبُتُ؛ وَلَوَجَبَ إذْ خَرَجَ لِيُخْبِرَهُمْ بِهَا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِهَا عَامًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا مُحَالٌ؛ وَإِذَا نُسِّيهَا ﵇ فَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ أَنْ يَعْلَمَهَا أَحَدٌ بَعْدَهُ؛ وَإِذْ لَمْ يَقْطَعْ ﵇ بِرُؤْيَا مَنْ رَأَى مِنْ أَصْحَابِهِ فَرُؤْيَا مَنْ بَعْدَهُمْ أَبْعَدُ مِنْ الْقَطْعِ بِهَا؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ بِأَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ أَنَّ عَلَامَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ حِينَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَمْ يَقُلْ ﵇: إنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ إلَيْنَا فَنَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ هُوَ ﵇؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلَ طُلُوعِهَا بِحَيْثُ لَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِيهَا أَحَدٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ ﵇: «إنَّهُ أُرِيَ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ» فَكَانَ ذَلِكَ صَبَاحَ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ؟
стр. 1698
قُلْنَا: نَعَمْ، وَقَدْ وَكَفَ الْمَسْجِدُ أَيْضًا فِي صَبِيحَةِ لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَسَجَدَ ﵇ فِي مَاءٍ وَطِينٍ -: رُوِّينَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ الْكِنْدِيِّ أَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَأَرَانِي صَبِيحَتَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، قَالَ: ٨ فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ» .
(قَالَ) وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُفَّ السَّمَاءُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ كُلِّهَا فَبَقِيَ الْأَمْرُ بِحَبْسِهِ.
وَمِنْ طَرَائِفِ الْوَسْوَاسِ: احْتِجَاجُ ابْنِ بُكَيْرٍ الْمَالِكِيِّ فِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥] قَالَ: فَلَفْظَةُ " هِيَ " هِيَ السَّابِعَةُ وَعِشْرُونَ مِنْ السُّورَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَقُّ مَنْ قَامَ هَذَا فِي دِمَاغِهِ أَنْ يُعَانِيَ بِمَا يُعَانِي بِهِ سُكَّانُ الْمَارَسْتَانِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ دَعْوَاهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى مَا غَابَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَنْسَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ مَا أَنْسَاهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﵇، وَمَنْ بَلَغَ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَجَزَاؤُهُ أَنْ يَخْذُلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَ هَذَا الْخِذْلَانِ الْعَاجِلِ ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ تَنْكِيلًا.
[مَسْأَلَةٌ الِاجْتِهَادُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ]
٨١٠ - مَسْأَلَةٌ: وَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِهَادُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» وَإِنَّمَا تُلْتَمَسُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا بِأَنَّ لَهَا صُورَةً وَهَيْئَةً يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ سَائِرِ اللَّيَالِي كَمَا يَظُنُّ أَهْلُ الْجَهْلِ، إنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]
стр. 1699
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] فَبِهَذَا بَانَتْ عَنْ سَائِرِ اللَّيَالِي فَقَطْ وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالْهُدَى وَالْعِصْمَةَ آمِينَ
стр. 1700
[كِتَابُ الْحَجِّ]
ِّ ٨١١ - مَسْأَلَةٌ:
[قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ] : الْحَجُّ إلَى مَكَّةَ، وَالْعُمْرَةُ [إلَيْهَا] فَرْضَانِ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، عَاقِلٍ، بَالِغٍ، ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، بِكْرٍ، أَوْ ذَاتِ زَوْجٍ. الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، مَرَّةً فِي الْعُمْرِ إذَا وَجَدَ مَنْ ذَكَرْنَا إلَيْهَا سَبِيلًا، وَهُمَا أَيْضًا عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا بَعْدَ - الْإِسْلَامِ، وَلَا يُتْرَكُونَ وَدُخُولَ الْحَرَمِ حَتَّى يُؤْمِنُوا.
أَمَّا قَوْلُنَا بِوُجُوبِ الْحَجِّ - عَلَى الْمُؤْمِنِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةِ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ يَحُجُّ مَعَهَا مَرَّةً فِي الْعُمْرِ - فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ، لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ، وَفِي الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ، وَفِي الْعُمْرَةِ -: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ.
وَقَالَ : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَقَالَ قَوْمٌ: الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ فَرْضًا وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْعُمْرَةِ أَفَرِيضَةٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» .
стр. 1701
وَبِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَاهَانَ الْحَنَفِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ كَالْحَجِّ؟ قَالَ: لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْن غَيْلَانَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ مَشَى إلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَهِيَ كَحَجَّةٍ، وَمَنْ مَشَى إلَى صَلَاةِ تَطَوُّعٍ فَهِيَ كَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ» .
стр. 1702
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ مَشَى إلَى مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ، وَمَنْ مَشَى إلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَاضِرِ بْن الْمُوَرِّعِ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَابِرٍ الْأَلْهَانِيِّ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً ثُمَّ ثَبَتَ فِيهِ سُبْحَةَ الضُّحَى كَانَ كَأَجْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ حَدِيثًا فِيهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمِّهِ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ قَانِعٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْن بَحِيرٍ الْعَطَّارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ نا جَرِيرٌ وَأَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» .
стр. 1703
وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: نا زَيْدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ أَمْ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا زَادَ فَتَطَوُّعٌ» قَالُوا: فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ لِدُخُولِهَا فِي الْحَجِّ، وَقَالُوا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: ١٩٦] لَا يُوجِبُ كَوْنَهَا فَرْضًا، وَإِنَّمَا يُوجِبُ إتْمَامَهَا عَلَى مَنْ دَخَلَ فِيهَا لَا ابْتِدَاءَهَا؛ لَكِنْ كَمَا تَقُولُ: أَتِمَّ الصَّلَاةَ التَّطَوُّعَ، وَالصَّوْمَ التَّطَوُّعَ.
وَقَالُوا: لَمَّا كَانَتْ الْعُمْرَةُ غَيْرَ مُرْتَبِطَةٍ بِوَقْتٍ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ فَرْضًا -: وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ: أَنَّهَا تَطَوُّعٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ وَكُلُّهُ بَاطِلٌ، أَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرُوا فَمَكْذُوبَةٌ كُلُّهَا؛ أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ سَاقِطٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَالطَّرِيقُ الْأُخْرَى أَسْقَطُ وَأَوْهَنُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الْعُمَرِيِّ الصَّغِيرِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ مَاهَانَ الْحَنَفِيِّ فَهُوَ مُرْسَلٌ - وَمَاهَانُ هَذَا ضَعِيفٌ كُوفِيٌّ.
стр. 1704
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَحَدُ طُرُقِهِ عَنْ حَفْصِ بْنِ غَيْلَانَ - وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَمْ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ مِنْ أَبِي أُمَامَةَ شَيْئًا.
وَالْأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالثَّالِثَةُ - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُوَرِّعِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ وَهُوَ سَاقِطٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَابِرٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ظَاهِرُ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَجْرُ الْعُمْرَةِ كَأَجْرِ مَنْ مَشَى إلَى صَلَاةِ تَطَوُّعٍ لَمَا كَانَ - لِمَا تَكَلَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْقَصْدِ إلَى الْعُمْرَةِ إلَى مَكَّةَ مِنْ الْمَدِينَةِ - مَعْنًى، وَلَكَانَ فَارِغًا - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ فَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ، وَقَدْ أَصْفَقَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِهِ، وَهُوَ رَاوِي كُلِّ بَلِيَّةٍ وَكَذِبَةٍ؛ ثُمَّ فِيهِ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ سندل وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ وَيَكْفِي؛ ثُمَّ هُوَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مَجْهُولِينَ فِي نَسَقٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَذِبٌ بَحْتٌ مِنْ بَلَايَا عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا وَالنَّاسُ رَوَوْهُ مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ مَاهَانَ كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ فَزَادَ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَوْهَمَ أَنَّهُ صَالِحٌ السَّمَّانُ - فَسَقَطَتْ كُلُّهَا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَلَوْ شِئْنَا لَعَارَضْنَاهُمْ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ: فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ» وَلَكِنْ يُعِيذُنَا اللَّهُ ، وَمَعَاذَ اللَّهِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ مِنْ أَنْ نَحْتَجَّ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً؛ وَلَكِنَّ ابْنَ لَهِيعَةَ إذَا رَوَى مَا يُوَافِقُهُمْ صَارَ ثِقَةً وَإِذَا رَوَى مَا يُخَالِفُهُمْ صَارَ ضَعِيفًا؛ وَاَللَّهِ مَا هَذَا فِعْلُ مَنْ يُوقِنُ أَنَّهُ مُحَاسَبٌ بِكَلَامِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّاحِبَ إذَا رَوَى خَبَرًا وَتَرَكَهُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ ذَلِكَ الْخَبَرِ.
стр. 1705
وَقَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَاجِبَتَانِ» .
وَبِهِ نَصًّا إلَى سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: إنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّه وَهَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طُرُقٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ كَوُجُوبِ الْحَجِّ.
ونا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ نا أَبُو قِلَابَةَ نا الْأَنْصَارِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي - أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَيْسَ مُسْلِمٌ إلَّا عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَوْ صَحَّ مَا رَوَوْا مِنْ الْكَذِبِ الْمُلَفَّقِ لَوَجَبَ عَلَى أُصُولِهِمْ الْخَبِيثَةِ الْمُفْتَرَاةِ إسْقَاطُ كُلِّ ذَلِكَ إذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَوَيَا تِلْكَ الْأَخْبَارَ بِزَعْمِهِمْ قَدْ صَحَّ عَنْهُمَا خِلَافُهَا، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ مُتَلَاعِبُونَ كَمَا تَرَوْنَ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ كُلُّهَا - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَصِحَّ الْبَاطِلُ وَالْكَذِبُ - لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ -.
لِمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ نا خَالِدُ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - نا شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ يُحَدِّثُ عَنْ «أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: فَحِجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» .
فَهَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَدَاءِ فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَمَّنْ لَا يُطِيقُهُمَا؛ فَهَذَا حُكْمٌ
стр. 1706
زَائِدٌ وَشَرْعٌ وَارِدٌ؛ وَكَانَتْ تَكُونُ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ مُوَافِقَةً لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ قَدْ كَانَا بِلَا شَكٍّ تَطَوُّعًا لَا فَرْضًا فَإِذَا أَمَرَ بِهِمَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ فَقَدْ بَطَلَ كَوْنُهُمَا تَطَوُّعًا بِلَا شَكٍّ وَصَارَا فَرْضَيْنِ، فَمَنْ ادَّعَى بُطْلَانَ هَذَا الْحُكْمِ وَعَوْدَةَ الْمَنْسُوخِ فَقَدْ كَذَبَ وَأَفِكَ وَافْتَرَى؛ وَقَفَا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ؛ فَبَطَلَ كُلُّ خَبَرٍ مَكْذُوبٍ مَوَّهُوا بِهِ لَوْ صَحَّ فَكَيْف وَكُلُّهَا بَاطِلٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ إخْبَارَ النَّبِيِّ ﷺ بِدُخُولِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ، وَبِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا فَهَذَيَانٌ لَا يُعْقَلُ؛ بَلْ هَذَا بُرْهَانٌ وَاضِحٌ فِي كَوْنِ الْعُمْرَةِ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ؛ وَلَا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ فِي أَنَّهَا لَمْ تَصِرْ حَجَّةً؛ فَوَجَبَ أَنَّ دُخُولَهَا فِي الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ فَقَطْ -: أَحَدُهُمَا:
أَنَّهُ يُجْزَى لَهُمَا عَمَلٌ وَاحِدٌ فِي الْقِرَانِ.
وَالثَّانِي: دُخُولُهَا فِي أَنَّهَا فَرْضٌ كَالْحَجِّ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَاءَ أَنَّهَا الْحَجُّ الْأَصْغَرُ؟ قُلْنَا لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ [قَدْ] جَاءَ بِإِيجَابِ الْحَجِّ فَكَانَتْ حِينَئِذٍ تَكُونُ فَرْضًا بِنَصِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَكِنَّا لَا نَسْتَحِلُّ التَّمْوِيهَ بِمَا لَا يَصِحُّ، مَعَ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرُوا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَقَدْ قَالَ فِيهِ عُقَيْلٌ: سِنَانٌ هُوَ مَجْهُولٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَأَيْضًا: فَإِنَّهُمْ كَذَبُوا فِيهِ وَحَرَّفُوهُ وَأَوْهَمُوا أَنَّ فِيهِ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ» لَيْسَ هَذَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ أَصْلًا وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ: إمَّا مَعَ الْحَجِّ مَقْرُونَةٌ، وَإِمَّا مَعَهُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ؛ فَصَارَ حُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ.
стр. 1707
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا مَنْ دَخَلَ فِيهَا لَا بِابْتِدَائِهَا، وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَرَأَ: ﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بِالرَّفْعِ فَقَوْلٌ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] لَا يَقْتَضِي مَا قَالُوا وَإِنَّمَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمَجِيءِ بِهِمَا تَامَّيْنِ وَحَتَّى لَوْ صَحَّ مَا قَالُوهُ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الدَّاخِلُ فِيهَا مَأْمُورًا بِإِتْمَامِهَا فَقَدْ صَارَتْ فَرْضًا مَأْمُورًا بِهِ؛ وَهَذَا قَوْلُنَا لَا قَوْلُهُمْ الْفَاسِدُ الْمُتَخَاذِلُ - وَابْنُ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَاَللَّهِ إنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى هَذَا النَّصَّ مُوجِبًا لِكَوْنِهَا فَرْضًا كَالْحَجِّ بِخِلَافِ كَيْسِ هَؤُلَاءِ الْحُذَّاقِ بِاللُّغَةِ بِالضِّدِّ، وَبِهَذَا احْتَجَّ مَسْرُوقٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَنَافِعٌ فِي إيجَابِهَا؛ وَمَسْرُوقٌ؛ وَسَعِيدٌ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ.
فَإِنْ قَالُوا: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: بِهَذَا فِي الْحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَالْعُمْرَةِ التَّطَوُّعِ؟ قُلْنَا: لَا بَلْ هُمَا تَطَوُّعٌ غَيْرُ لَازِمٍ جُمْلَةً إنْ تَمَادَى فِيهِمَا أُجِرَ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ هَذَا لَكَانَ الْحَجُّ يَتَكَرَّرُ فَرْضُهُ مَرَّاتٍ، وَهَذَا خِلَافُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الدَّهْرِ.
فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: بِإِتْمَامِ النَّذْرِ، وَإِتْمَامِ قَضَاءِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِيهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ صَارَ فَرْضًا زَائِدًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ وَأَمْرِ رَسُولِهِ ﷺ فَإِنَّمَا الْحَجُّ فَرْضٌ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى مَنْ لَمْ يَنْذِرْهُ لَا عَلَى مَنْ نَذَرَهُ؛ بَلْ هُوَ عَلَى مَنْ نَذَرَهُ فَرْضٌ آخَرُ لَا نَضْرِبُ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْضَهَا بِبَعْضٍ بَلْ نَضُمُّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَنَأْخُذُ بِجَمِيعِهَا.
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ ﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بِالرَّفْعِ فَقِرَاءَةٌ مُنْكَرَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ بِهَا، وَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَهُمْ يَلْجَئُونَ إلَى تَبْدِيلِ الْقُرْآنِ فَيَحْتَجُّونَ بِهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ فَرْضًا لَكَانَتْ مُرْتَبِطَةً بِوَقْتٍ؟ فَكَلَامٌ سَخِيفٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ يُعْقَلُ، وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْضٌ وَلَوْ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ وَلَيْسَتْ مُرْتَبِطَةً
стр. 1708
بِوَقْتٍ، وَأَنَّ النَّذْرَ فَرْضٌ وَلَيْسَ مُرْتَبِطًا بِوَقْتٍ، وَأَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ فَرْضٌ وَلَيْسَ مُرْتَبِطًا بِوَقْتٍ، وَالْإِحْرَامُ لِلْحَجِّ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مُرْتَبِطًا بِوَقْتٍ، فَظَهَرَ هَوَسُ مَا يَأْتُونَ بِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ فِيمَنْ يَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ: نُسُكَانِ لِلَّهِ عَلَيْك لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِمَا بَدَأَتْ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ إلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَمَنْ زَادَ بَعْدَهُمَا شَيْئًا فَهُوَ خَيْرٌ وَتَطَوُّعٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أُمِرْتُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَالْعُمْرَةِ إلَى الْبَيْتِ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَتْ عَلَيْكُمْ الْعُمْرَةَ.
وَعَنْ أَشْعَثَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانُوا لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فَرِيضَةٌ، وَابْنُ سِيرِينَ أَدْرَكَ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرَ التَّابِعِينَ.
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَعْمَرٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: الْعُمْرَةُ عَلَيْنَا فَرِيضَةٌ كَالْحَجِّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ جَمِيعًا الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ - وَعَنْ طَاوُسٍ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ؛ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ فُلَانًا يَقُولُ: لَيْسَتْ وَاجِبَةً، فَقَالَ: كَذَبَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 1709
مَسْرُوقًا يَقُولُ أُمِرْتُمْ فِي الْقُرْآنِ بِإِقَامَةِ أَرْبَعٍ: الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ - قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ: الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا كُتِبَتْ عَلَيَّ عُمْرَةٌ، وَحَجَّةٌ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ؛ وَعَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ الْعُمْرَةُ الْحَجَّةُ الصُّغْرَى، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعُمْرَةِ؟ فَقَالَ: مَا نَعْلَمُهَا إلَّا وَاجِبَةً ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّرَّاجِ قَالَ: سَأَلْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ - فَقَرَأَ جَمِيعًا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا مُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ مَقْسَمٍ - عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعُمْرَةِ: هِيَ وَاجِبَةٌ - وَعَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ قَالَ: الْعُمْرَةُ وَاجِبَةٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَيْسَتْ فَرْضًا، وَالْقَوْمُ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَاهُنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ لَهُمْ فِي هَذَا إلَّا رِوَايَةً سَاقِطَةً مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ خِلَافُ هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَعَهْدُنَا بِهِمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ خَالَفُوا [هَاهُنَا] عَطَاءً، وَطَاوُسًا، وَمُجَاهِدًا، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَمَسْرُوقًا، وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَهُشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَالْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيَّ، وَقَتَادَةَ وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ: لَيْسَتْ وَاجِبَةً سَلَفًا، مِنْ التَّابِعِينَ إلَّا إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ
стр. 1710
وَحْدَهُ؛ وَرِوَايَةٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُهَا كَمَا ذَكَرْنَا - وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثَيْنِ هُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ -: أَحَدُهُمَا: الْخَبَرُ الثَّابِتُ فِي الَّذِي سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْإِسْلَامِ؟ فَأَخْبَرَهُ بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ؛ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. وَالثَّانِي:
خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» فَذَكَرَ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ، وَالصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُمَا - أَقْوَى، حُجَجِنَا عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَصَحَّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِوُجُوبِ الْحَجِّ، وَأَنَّ فَرْضَهَا دَخَلَ فِي فَرْضِ الْحَجِّ.
وَأَيْضًا: فَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ هَذَا الْخَبَرُ لَكَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَوُرُودُ الْقُرْآنِ بِهَا شَرْعًا زَائِدًا وَفَرْضًا وَارِدًا مُضَافًا إلَى سَائِرِ الشَّرَائِعِ الْمَذْكُورَةِ؛ وَكُلُّهُمْ يَرَى النَّذْرَ فَرْضًا، وَالْجِهَادَ إذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ فَرْضًا؛ وَغُسْلَ الْجَنَابَةِ فَرْضًا، وَالْوُضُوءَ فَرْضًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلَمْ يَرَوْا الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ حُجَّةً فِي سُقُوطِ فَرْضِ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، فَوَضَحَ تَنَاقُضُهُمْ وَفَسَادُ مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَةٌ حَجُّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ]
٨١٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا حَجُّ الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَمَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ قَالُوا: لَا حَجَّ عَلَيْهِ فَإِنْ حَجَّ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنِ حَنْبَلٍ: إذَا عَتَقَ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْهُ تِلْكَ الْحَجَّةُ؛ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: عَلَيْهِ الْحَجُّ كَالْحُرِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ قَالَ أَحَدُهُمَا: مَا مِنْ مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ؛ فَقَطَعَا وَعَمَّا وَلَمْ يَخُصَّا إنْسِيًّا مِنْ جِنِّيٍّ، وَلَا حُرًّا مِنْ عَبْدٍ، وَلَا حُرَّةً مِنْ أَمَةٍ، وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِمَا تَخْصِيصَ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةِ؛ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمَا؛ وَلَا أَقَلَّ حَيَاءً مِمَّنْ يَجْعَلُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» حُجَّةٌ فِي إسْقَاطِ فَرْضِ الْعُمْرَةِ - وَهُوَ حُجَّةٌ فِي وُجُوبِ فَرْضِهَا كَمَا ذَكَرْنَا - وَلَا يَجْعَلُ قَوْلَهُ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا عَلَيْهِ: حَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ -: حُجَّةٌ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْعَبْدِ.
стр. 1711
فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُمَا أَرَادَا إلَّا الْعَبْدَ؟ قِيلَ: هَذَا هُوَ الْكَذِبُ بِعَيْنِهِ أَنْ يُرِيدَا إلَّا الْعَبْدَ ثُمَّ لَا يُبَيِّنَانِهِ؛ وَأَيْضًا: فَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا إلَّا الْمُقْعَدَ، وَإِلَّا الْأَعْمَى، وَإِلَّا الْأَعْوَرَ، وَإِلَّا بَنِي تَمِيمٍ، وَإِلَّا أَهْلَ إفْرِيقِيَةَ، وَهَذَا حَقٌّ لَا خَفَاءَ بِهِ؛ وَلَا يَصِحُّ مَعَ هَذِهِ الدَّعْوَى قَوْلَةٌ لِأَحَدٍ أَبَدًا.
وَلَعَلَّ كُلَّ مَا أَخَذُوا بِهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ؛ وَلَكِنَّهُمْ أَرَادُوا تَخْصِيصًا لَمْ يُبَيِّنُوهُ وَهَذِهِ طَرِيقُ السُّوفُسْطَائِيَّة نَفْسِهَا؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ مَا لَمْ يَقُلْ إلَّا بِبَيَانٍ وَارِدٍ مُتَيَقَّنٍ يُنْبِئُ بِأَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا هَاهُنَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] .
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] .
وَ ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] .
وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا دَمَّرَتْ بِنَصِّ الْآيَةِ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَدَمَّرَتْ مَا أَمَرَهَا رَبُّهَا بِتَدْمِيرِهِ لَا مَا لَمْ يَأْمُرْهَا.
وَمَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّمَا جَعَلَتْ كَالرَّمِيمِ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ لَا مَا لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْآيَةِ.
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: لَا يَقْتَضِي إلَّا بَعْضَ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَدْ آتَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ الْعَالَمُ كُلُّهُ؛ فَمَنْ أُوتِيَ شَيْئًا فَقَدْ أُوتِيَ مِنْ الْعَالَمِ كُلِّهِ - وَهَذَا بَيِّنٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَكَتَبَ إلَيَّ أَبُو الْمَرْجِيِّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِرٍّ الْمَصْرِيُّ قَالَ: نا أَبُو الْحَسَنِ الرَّحَبِيُّ -: نا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ نا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ المغلس نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيُّ نا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ الْعَبْدِ إذَا حَجَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: تُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا حَجَّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ تُجْزِهِ؛ وَبِهِ إلَى زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إذَا حَجَّ الْعَبْدُ وَهُوَ مُخَلًّى فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ لِلْعَبْدِ حَجًّا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا
стр. 1712
وَكِيعٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا يُحَدِّثُ أَبَا إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ عَتَقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَعَنْ شَيْخٍ لَا يُدْرَى اسْمُهُ وَلَا مَنْ هُوَ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ خِرْزَادٍ الْأَنْطَاكِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرِ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ لَمْ يَبْلُغْ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ خَرَّزَاذٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَمَنْ هُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ لَمْ يَكُنْ دُونَهُ عَنْ شُعْبَةَ فَأَوْقَفَهُ أَحَدُهُمَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَسْنَدَهُ الْآخَرُ بِزِيَادَةٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ ابْنُ الْمِنْهَالِ: نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا شُعْبَةُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ: نا شُعْبَةُ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أُمِّ ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا حَجَّ الصَّبِيُّ لَهُ فَهِيَ حَجَّةُ صَبِيٍّ حَتَّى يَعْقِلَ، فَإِذَا عَقَلَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَإِذَا حَجَّ الْأَعْرَابِيُّ فَهِيَ لَهُ حَجَّةُ أَعْرَابِيٍّ، فَإِذَا هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» .
وَأَوْقَفَهُ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ - وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ.
وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا: أَبُو السَّفَرِ، وَعُبَيْدٌ صَاحِبُ الْحُلَى، وَقَتَادَةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ حُجَّةً فِي أَنْ لَا يُجْزِئَ الْعَبْدَ حَجُّهُ فَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَنْ لَا يُجْزِئَ الْأَعْرَابِيَّ حَجُّهُ وَلَا فَرْقَ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتُ عَنْهُ كَمَا أَوْرَدْنَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ
стр. 1713
أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ فِي إعَادَةِ الْحَجِّ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا احْتَلَمَ، وَعَلَى الْعَبْدِ إذَا عَتَقَ، وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ إذَا هَاجَرَ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ.
كَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: الصَّبِيُّ إنْ حَجَّ، وَالْمَمْلُوكُ إنْ حَجَّ، وَالْأَعْرَابِيُّ إنْ حَجَّ، ثُمَّ هَاجَرَ الْأَعْرَابِيُّ، وَاحْتَلَمَ الصَّبِيُّ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ فَعَلَيْهِمْ الْحَجُّ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: أَمَّا الْأَعْرَابِيُّ فَيُجْزِئُهُ حَجُّهُ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ، وَالْمَمْلُوكُ فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ حَجُّهُ إذَا أُعْتِقَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ فَيُجْزِئْهُ حَجُّهُ.
وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا مِثْلَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ التَّابِعِينَ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ غَيْرَ مَا أَوْرَدْنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا وَلَيْسَ مَعَهُ فِيهِ إلَّا خَمْسَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ، أَحَدُهُمْ مُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِنَا عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَعَنْ اثْنَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلَّ قَوْلٍ جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ فَلَمْ يَجْعَلُوا مَا رُوِيَ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ التَّابِعِينَ فِي أَنَّ الْعُمْرَةَ فَرْضٌ؛ وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ بِاخْتِلَافٍ فَلَمْ يَجْعَلُوهُ إجْمَاعًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا تَخْلُو رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ خَرَّزَاذٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ مِنْ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً أَوْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَقَدْ كُفِينَا الْمُؤْنَةُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِيهَا -؛ لِأَنَّ رُوَاتَهَا ثِقَاتٌ - فَإِنَّهُ خَبَرٌ مَنْسُوخٌ بِلَا. شَكٍّ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ بِلَا شَكٍّ كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَادَةُ الْحَجِّ عَلَى مَنْ حَجَّ مِنْ الْأَعْرَابِ قَبْلَ هِجْرَتِهِ، وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا
стр. 1714
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا أُبَيٌّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ فَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ نا يَحْيَى وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - قَالَا جَمِيعًا أَنَا جَرِيرُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتَةٍ عَنْ مُجَاشِعٍ، وَمُجَالِدٍ: ابْنَيْ مَسْعُودٍ السِّلْمِيَّيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذْ قَدْ صَحَّ بِلَا شَكٍّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ فَقَدْ نَسَخَهُ مَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى مُسْلِمٍ -: نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ ﵇: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ هَذَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَصَارَ عُمُومًا لِكُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ، وَأَعْرَابِيٍّ، وَعَجَمِيٍّ [وَبِلَا شَكٍّ وَلَا مِرْيَةٍ] أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ كَانَ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِالْحَجِّ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَلَا الْحُرُّ أَيْضًا؛ فَكَانَ خَبَرُ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ فِي أَنَّ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ، وَهَاجَرَ الْأَعْرَابِيُّ، مُوَافِقًا لِلْحَالَةِ الْأُولَى وَبَقِيَا عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ كَمَا
стр. 1715
كَانَا، وَجَاءَ هَذَا الْخَبَرُ فَدَخَلَ فِي نَصِّهِ فِي الْخِطَابِ بِالْحَجِّ: الْعَبْدُ، وَالْأَعْرَابِيُّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ النَّاسِ فَكَانَ بِلَا شَكٍّ نَاسِخًا لِلْحَالَةِ الْأُولَى وَمُدْخِلًا لَهُمَا فِي الْخِطَابِ بِالْحَجِّ ضَرُورَةً وَلَا بُدَّ.
وَرَأَيْت بَعْضَهُمْ قَدْ احْتَجَّ فَقَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَزْوَاجِهِ، وَلَمْ يَحُجَّ بِأُمِّ وَلَدِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذِهِ كِذْبَةٌ شَنِيعَةٌ لَا نَجِدُهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ أَبَدًا وَإِنَّ التَّسَهُّلَ فِي مِثْلِ هَذَا لَعَظِيمٌ جِدًّا -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَهْدُنَا بِهِمْ يَقُولُونَ فِي النَّفْيِ فِي الزِّنَا، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ السُّنَنِ مِثْلَ: لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ، وَفِي خَبَرِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَبُوا فِي كُلِّ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَقُولُوا فِي هَذَا الْخَبَرِ: هَذَا تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ، وَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ، وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي الْقُرْآنِ.
وَعَهْدُنَا بِهِمْ يَرُدُّونَ السُّنَنَ الثَّابِتَةَ بِدَعْوَى الِاضْطِرَابِ: كَخَبَرِ الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، وَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ؛ ثُمَّ احْتَجُّوا (فِي ذَلِكَ) بِهَذَا الْخَبَرِ الَّذِي لَا نَعْلَمُ خَبَرًا أَشَدَّ اضْطِرَابًا مِنْهُ.
وَهُمْ يَتْرُكُونَ السُّنَنَ لِلْقِيَاسِ: كَخَبَرِ الْمُصَرَّاةِ، وَخَبَرِ الْقُرْعَةِ فِي السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ، وَهُمْ هَاهُنَا قَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْعَبْدَ مُخَاطَبٌ بِالْإِسْلَامِ وَبِالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، فَمَا الَّذِي مَنَعَ (مِنْ) أَنْ يُخَاطَبَ بِالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ؛ ثُمَّ يَقُولُونَ: الْعَبْدُ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ فَإِذَا حَضَرَهَا صَارَ مِنْ أَهْلِهَا وَأَجْزَأَتْهُ، فَهُمْ قَالُوا هَاهُنَا: إنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ إذَا حَضَرَهُ صَارَ مِنْ أَهْلِهِ وَأَجْزَأَهُ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: مَنْ نَوَى تَطَوُّعًا بِحَجِّهِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْفَرْضِ، وَأَقَلُّ حَالِ حَجِّ الْعَبْدِ: أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا فَهَلَّا أَجْزَأَهُ عِنْدَهُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: هُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ؟ قُلْنَا: قَدْ جَمَعْتُمْ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْكَذِبَ وَخِلَافَ الْقُرْآنِ إذْ لَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ حُرٍّ، وَالتَّنَاقُضَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّفَ وَلَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ وَلَا
стр. 1716
شَيْءٌ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ وَلَا فِدْيَةِ أَذًى وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْحَائِضُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، إذْ لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِهِ، وَكَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ فَإِنْ فَعَلَهُمَا أَوْ فَعَلَ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ وَكَانَ لَهُ حَجٌّ لِلْأَثَرِ فِي ذَلِكَ لَا لِغَيْرِهِ.
فَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ الثَّابِتَةَ وَقَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ وَالْقِيَاسُ: نَعَمْ، وَالْخَبَرُ الَّذِي بِهِ احْتَجُّوا؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْحَجِّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ يَحُجُّ مَعَهَا تَحُجُّ]
٨١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ يَحُجُّ مَعَهَا فَإِنَّهَا تَحُجُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ فَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مَعَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَحُجُّ هِيَ دُونَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ.
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَطَاوُسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ: لَا تَحُجَّ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ.
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ: إنْ كَانَتْ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَلَهَا أَنْ تَحُجَّ مَعَ غَيْرِ زَوْجٍ، وَغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحُجَّ إلَّا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ رِجَالِهَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: أَنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَحُجُّ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ؟ فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَحُجُّ فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا كَانَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ الْمَرْأَةُ لَا تُسَافِرُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ تَجِدُ مَحْرَمًا.
стр. 1717
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ يُسَافِرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْلَيَاتٌ (لَهُ) لَيْسَ مَعَهُنَّ مَحْرَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّحْدِيدِ الَّذِي ذُكِرَ فَلَا نَعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ ﵃؛ بَلْ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُمْ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا ذَكَرْنَا؛ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَحْسَنِ مُرْسَلٍ يُمْكِنُ وُجُودُ مِثْلِهِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَدْ خَالَفَهُمَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا فَوَجَدْنَا أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ» .
стр. 1718
وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ أَيْضًا " لَيْلَتَيْنِ " وَرُوِيَ " يَوْمًا وَلَيْلَةً " وَرُوِيَ " يَوْمًا " وَرُوِيَ " بَرِيدًا " قَالُوا: وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَحْرِيمِ سَفَرِهَا ثَلَاثًا وَعَلَى شَكٍّ مِنْ تَحْرِيمِ سَفَرِهَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الثَّلَاثِ مُتَقَدِّمًا وَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا فَالثَّلَاثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا سَفَرُهَا إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ فَنَأْخُذُ مَا لَا شَكَّ فِيهِ وَنَدْعُ مَا فِيهِ الشَّكُّ لَا حُجَّةَ لَهُمْ غَيْرَ هَذَا أَصْلًا.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِوَجْهَيْنِ -:
стр. 1719
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ صَوَابُ الْعَمَلِ مَا ذَكَرُوا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خَبَرُ الثَّلَاثِ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا فَلَيْسَ فِيهِ إنْ تَقَدَّمَ إبْطَالٌ لِحُكْمِ النَّهْيِ عَنْ سَفَرِهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَكِنَّهُ بَعْضُ مَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ زَائِدَةٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ نَسْخٍ أَصْلًا؛ بَلْ كُلُّ (تِلْكَ) الْأَخْبَارِ حَقٌّ وَكُلُّهَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا وَلَيْسَ بَعْضُهَا مُخَالِفًا لِبَعْضٍ أَصْلًا.
وَيُقَالُ لَهُمْ: خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» جَامِعٌ لِكُلِّ سَفَرٍ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَحْرِيمِ كُلِّ سَفَرٍ عَلَيْهَا إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ، ثُمَّ لَا نَدْرِي أَبَطَلَ هَذَا الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ فَنَأْخُذُ بِالْيَقِينِ وَنُلْغِي الشَّكَّ؛ فَهَذَا مُعَارِضٌ لِاحْتِجَاجِهِمْ مَعَ مَا قَدَّمْنَا.
وَيُقَالُ لَهُمْ: عَهْدُنَا بِكُمْ تَذُمُّونَ الْأَخْبَارَ بِالِاضْطِرَابِ، وَهَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمْ يَضْطَرِبْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلًا وَاضْطَرَبَ عَنْ سَائِرِهِمْ -: فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تُسَافِرْ ثَلَاثًا» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ؛ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا تُسَافِرْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ «لَا تُسَافِرْ يَوْمَيْنِ» ؛ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تُسَافِرْ ثَلَاثًا» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ يَوْمًا وَلَيْلَةً» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ يَوْمًا» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ بَرِيدًا» ؛ فَعَلَى أَصْلِكُمْ دَعُوا رِوَايَةَ مَنْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ وَاضْطَرَبَ عَنْهُ إذْ لَيْسَ بَعْضُ مَا رُوِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ مَا رُوِيَ عَنْهُ؛ وَخُذُوا بِرِوَايَةِ مَنْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ وَلَا اضْطَرَبَ عَنْهُ؛ وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ فَهَذَا أَشْبَهُ مِنْ اسْتِدْلَالِكُمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي:
أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا لَا تُسَافِرْ (الْمَرْأَةُ) فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ فَإِنْ صَحَّحْتُمْ اسْتِدْلَالَكُمْ (الْفَاسِدَ) بِأَخْذِ أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْأَخْبَارِ فَامْنَعُوهَا مِمَّا زَادَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَأَبِيحُوا لَهَا سَفَرَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ كَمَا سَفَرُ الْيَوْمَيْنِ، وَالْيَوْمِ، وَالْبَرِيدِ مَشْكُوكٌ فِيهِ عِنْدَكُمْ؛ وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ؛ فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا هَاهُنَا - فَمَا هَذَا يُنْكَرُ مِنْ إقْدَامِهِمْ، وَأَكْذَبَهُمْ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ - عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ؛ وَلَا سِيَّمَا وَابْنُ عُمَرَ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ.
стр. 1720
وَأَكْذَبَهُمْ أَيْضًا مَا رُوِّينَا عَنْ عِكْرِمَةَ آنِفًا مِنْ مَنْعِهِ إيَّاهَا مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَا مَا دُونَ ذَلِكَ.
وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي امْرَأَةٍ لَا تَجِدُ مَعَاشًا أَصْلًا إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا؛ أَنَّهَا تَخْرُجُ بِلَا زَوْجٍ وَلَا ذِي مَحْرَمٍ.
وَيَقُولُونَ فِيمَنْ حَفَّزَتْهَا فِتْنَةٌ - وَخَشِيَتْ عَلَى، نَفْسِهَا غَلَبَةَ الْكُفَّارِ، وَالْمُحَارِبِينَ، أَوْ الْفُسَّاقِ وَلَمْ تَجِدْ أَمْنًا إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا - أَنَّهَا تَخْرُجُ مَعَ غَيْرِ زَوْجٍ وَمَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَطَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا كَوُجُوبِ خَلَاصِ رُوحِهَا.
فَإِنْ قَالُوا: الزَّوْجُ وَالْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ؟ قُلْنَا: عَلَيْكُمْ الدَّلِيلُ وَإِلَّا فَهِيَ دَعْوَى فَاسِدَةٌ لَمْ يَعْجِزْ عَنْ مِثْلِهَا أَحَدٌ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ الْفَاسِدُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ نَظَرَنَا فِي قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَاحْتِجَاجِهِ بِالْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ سَائِرَ الْأَخْبَارِ وَرَدَتْ بِالْمَنْعِ، مِمَّا دُونَ الثَّلَاثِ؛ فَلَيْسَ الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ نَهْيُهَا عَنْ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ بِأَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا مَنْعُهَا مِنْ سَفَرِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا، أَوْ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ فِي مَنْعِهَا جُمْلَةً أَوْ إطْلَاقِهَا جُمْلَةً؛ فَوَجَدْنَا الْمَانِعِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَهِيَ أَخْبَارٌ صِحَاحٌ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا إلَّا لِنَصٍّ آخَرَ يُبَيِّنُ حُكْمَهَا إنْ وُجِدَ.
فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا ابْنُ نُمَيْرٍ نا أُبَيٌّ، وَابْنُ إدْرِيسَ قَالَا: نا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَلَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» .
وَبِهِ إلَى ابْنِ نُمَيْرٍ نا أُبَيٌّ نا حَنْظَلَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ - قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ إلَى الْمَسَاجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» فَأَمَرَ ﵇ -
следующие страницы →