← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

شَيْءٌ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ وَلَا فِدْيَةِ أَذًى وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْحَائِضُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، إذْ لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِهِ، وَكَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ فَإِنْ فَعَلَهُمَا أَوْ فَعَلَ بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ وَكَانَ لَهُ حَجٌّ لِلْأَثَرِ فِي ذَلِكَ لَا لِغَيْرِهِ. فَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ الثَّابِتَةَ وَقَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ وَالْقِيَاسُ: نَعَمْ، وَالْخَبَرُ الَّذِي بِهِ احْتَجُّوا؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا مَا فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْحَجِّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ يَحُجُّ مَعَهَا تَحُجُّ] ٨١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ يَحُجُّ مَعَهَا فَإِنَّهَا تَحُجُّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ فَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مَعَهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَحُجُّ هِيَ دُونَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ. وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَطَاوُسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ: لَا تَحُجَّ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ: إنْ كَانَتْ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ لَيَالٍ ثَلَاثٍ فَلَهَا أَنْ تَحُجَّ مَعَ غَيْرِ زَوْجٍ، وَغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحُجَّ إلَّا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ رِجَالِهَا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: أَنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَحُجُّ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ؟ فَقَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَحُجُّ فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا كَانَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ الْمَرْأَةُ لَا تُسَافِرُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ تَجِدُ مَحْرَمًا.

стр. 1717

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ يُسَافِرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَوْلَيَاتٌ (لَهُ) لَيْسَ مَعَهُنَّ مَحْرَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّحْدِيدِ الَّذِي ذُكِرَ فَلَا نَعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ ﵃؛ بَلْ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُمْ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا ذَكَرْنَا؛ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَحْسَنِ مُرْسَلٍ يُمْكِنُ وُجُودُ مِثْلِهِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَدْ خَالَفَهُمَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا فَوَجَدْنَا أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْتَجُّونَ لِقَوْلِهِمْ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ» .

стр. 1718

وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ أَيْضًا " لَيْلَتَيْنِ " وَرُوِيَ " يَوْمًا وَلَيْلَةً " وَرُوِيَ " يَوْمًا " وَرُوِيَ " بَرِيدًا " قَالُوا: وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَحْرِيمِ سَفَرِهَا ثَلَاثًا وَعَلَى شَكٍّ مِنْ تَحْرِيمِ سَفَرِهَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الثَّلَاثِ مُتَقَدِّمًا وَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا فَالثَّلَاثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا سَفَرُهَا إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ فَنَأْخُذُ مَا لَا شَكَّ فِيهِ وَنَدْعُ مَا فِيهِ الشَّكُّ لَا حُجَّةَ لَهُمْ غَيْرَ هَذَا أَصْلًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِوَجْهَيْنِ -:

стр. 1719

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ صَوَابُ الْعَمَلِ مَا ذَكَرُوا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خَبَرُ الثَّلَاثِ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا فَلَيْسَ فِيهِ إنْ تَقَدَّمَ إبْطَالٌ لِحُكْمِ النَّهْيِ عَنْ سَفَرِهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَكِنَّهُ بَعْضُ مَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ زَائِدَةٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ نَسْخٍ أَصْلًا؛ بَلْ كُلُّ (تِلْكَ) الْأَخْبَارِ حَقٌّ وَكُلُّهَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهَا وَلَيْسَ بَعْضُهَا مُخَالِفًا لِبَعْضٍ أَصْلًا. وَيُقَالُ لَهُمْ: خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» جَامِعٌ لِكُلِّ سَفَرٍ فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَحْرِيمِ كُلِّ سَفَرٍ عَلَيْهَا إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ، ثُمَّ لَا نَدْرِي أَبَطَلَ هَذَا الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ فَنَأْخُذُ بِالْيَقِينِ وَنُلْغِي الشَّكَّ؛ فَهَذَا مُعَارِضٌ لِاحْتِجَاجِهِمْ مَعَ مَا قَدَّمْنَا. وَيُقَالُ لَهُمْ: عَهْدُنَا بِكُمْ تَذُمُّونَ الْأَخْبَارَ بِالِاضْطِرَابِ، وَهَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمْ يَضْطَرِبْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلًا وَاضْطَرَبَ عَنْ سَائِرِهِمْ -: فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «لَا تُسَافِرْ ثَلَاثًا» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ؛ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «لَا تُسَافِرْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ «لَا تُسَافِرْ يَوْمَيْنِ» ؛ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تُسَافِرْ ثَلَاثًا» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ يَوْمًا وَلَيْلَةً» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ يَوْمًا» ؛ وَرُوِيَ عَنْهُ: «لَا تُسَافِرْ بَرِيدًا» ؛ فَعَلَى أَصْلِكُمْ دَعُوا رِوَايَةَ مَنْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ وَاضْطَرَبَ عَنْهُ إذْ لَيْسَ بَعْضُ مَا رُوِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ مَا رُوِيَ عَنْهُ؛ وَخُذُوا بِرِوَايَةِ مَنْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ وَلَا اضْطَرَبَ عَنْهُ؛ وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ؛ فَهَذَا أَشْبَهُ مِنْ اسْتِدْلَالِكُمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا لَا تُسَافِرْ (الْمَرْأَةُ) فَوْقَ ثَلَاثٍ؛ فَإِنْ صَحَّحْتُمْ اسْتِدْلَالَكُمْ (الْفَاسِدَ) بِأَخْذِ أَكْثَرَ مِمَّا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْأَخْبَارِ فَامْنَعُوهَا مِمَّا زَادَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَأَبِيحُوا لَهَا سَفَرَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ كَمَا سَفَرُ الْيَوْمَيْنِ، وَالْيَوْمِ، وَالْبَرِيدِ مَشْكُوكٌ فِيهِ عِنْدَكُمْ؛ وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ لَهُمْ مِنْهُ؛ فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا هَاهُنَا - فَمَا هَذَا يُنْكَرُ مِنْ إقْدَامِهِمْ، وَأَكْذَبَهُمْ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ - عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ؛ وَلَا سِيَّمَا وَابْنُ عُمَرَ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ.

стр. 1720

وَأَكْذَبَهُمْ أَيْضًا مَا رُوِّينَا عَنْ عِكْرِمَةَ آنِفًا مِنْ مَنْعِهِ إيَّاهَا مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَا مَا دُونَ ذَلِكَ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي امْرَأَةٍ لَا تَجِدُ مَعَاشًا أَصْلًا إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا؛ أَنَّهَا تَخْرُجُ بِلَا زَوْجٍ وَلَا ذِي مَحْرَمٍ. وَيَقُولُونَ فِيمَنْ حَفَّزَتْهَا فِتْنَةٌ - وَخَشِيَتْ عَلَى، نَفْسِهَا غَلَبَةَ الْكُفَّارِ، وَالْمُحَارِبِينَ، أَوْ الْفُسَّاقِ وَلَمْ تَجِدْ أَمْنًا إلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا - أَنَّهَا تَخْرُجُ مَعَ غَيْرِ زَوْجٍ وَمَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَطَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا كَوُجُوبِ خَلَاصِ رُوحِهَا. فَإِنْ قَالُوا: الزَّوْجُ وَالْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ؟ قُلْنَا: عَلَيْكُمْ الدَّلِيلُ وَإِلَّا فَهِيَ دَعْوَى فَاسِدَةٌ لَمْ يَعْجِزْ عَنْ مِثْلِهَا أَحَدٌ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ الْفَاسِدُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثُمَّ نَظَرَنَا فِي قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَاحْتِجَاجِهِ بِالْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ سَائِرَ الْأَخْبَارِ وَرَدَتْ بِالْمَنْعِ، مِمَّا دُونَ الثَّلَاثِ؛ فَلَيْسَ الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ نَهْيُهَا عَنْ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ بِأَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا مَنْعُهَا مِنْ سَفَرِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا، أَوْ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ فِي مَنْعِهَا جُمْلَةً أَوْ إطْلَاقِهَا جُمْلَةً؛ فَوَجَدْنَا الْمَانِعِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَهِيَ أَخْبَارٌ صِحَاحٌ لَا يَحِلُّ خِلَافُهَا إلَّا لِنَصٍّ آخَرَ يُبَيِّنُ حُكْمَهَا إنْ وُجِدَ. فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا ابْنُ نُمَيْرٍ نا أُبَيٌّ، وَابْنُ إدْرِيسَ قَالَا: نا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَلَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» . وَبِهِ إلَى ابْنِ نُمَيْرٍ نا أُبَيٌّ نا حَنْظَلَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ - قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمًا هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ إلَى الْمَسَاجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ» فَأَمَرَ ﵇ -

стр. 1721

الْأَزْوَاجَ وَغَيْرَهُمْ أَنْ لَا يَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْمَسَاجِدِ؛ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَجَلُّ الْمَسَاجِدِ قَدْرًا. وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ثُمَّ وَجَدْنَا الْأَسْفَارَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ سَفَرًا وَاجِبًا، وَسَفَرًا غَيْرَ وَاجِبٍ؛ فَكَانَ السَّفَرُ الْوَاجِبُ بَعْضَ الْأَسْفَارِ بِلَا شَكٍّ، وَكَانَ الْحَجُّ مِنْ السَّفَرِ الْوَاجِبِ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ بَعْضِ الْآثَارِ دُونَ بَعْضٍ وَوَجَبَتْ الطَّاعَةُ لِجَمِيعِهَا وَلَزِمَ اسْتِعْمَالُهَا كُلُّهَا وَلَا بُدَّ: فَهَذَا هُوَ الْفَرْضُ، وَكَانَ مَنْ رَفَضَ بَعْضَهَا وَأَخَذَ بَعْضَهَا عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا سَبِيلَ إلَى اسْتِعْمَالِ جَمِيعِهَا إلَّا بِأَنْ يُسْتَثْنَى الْأَخَصُّ مِنْهَا مِنْ الْأَعَمِّ، وَلَا بُدَّ؛ فَكَانَ نَهْيُ الْمَرْأَةِ عَنْ السَّفَرِ إلَّا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ عَامًّا لِكُلِّ سَفَرٍ؛ فَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ مِنْ إيجَابِ بَعْضِ الْأَسْفَارِ عَلَيْهَا مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ، وَالْحَجُّ سَفَرٌ وَاجِبٌ فَوَجَبَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ. فَإِنْ قَالُوا: بَلْ إيجَابُ الْحَجِّ عَلَى النِّسَاءِ عُمُومٌ فَيُخَصُّ ذَلِكَ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ السَّفَرِ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ؟ قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارَ إنَّمَا جَاءَتْ بِالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ سَفَرٍ جُمْلَةً لَا عَنْ الْحَجِّ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارِضُوا بِهَذَا (أَنْ) لَوْ جَاءَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ زَوْجٍ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ؛ فَكَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ اعْتِرَاضًا صَحِيحًا وَتَخْصِيصًا لِأَقَلِّ الْحُكْمَيْنِ مِنْ أَعَمِّهِمَا وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا؟ وَبُرْهَانٌ آخَرُ -: وَهُوَ أَنَّ تِلْكَ الْأَخْبَارَ كُلَّهَا إنَّمَا خُوطِبَ بِهَا ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، وَاَللَّاتِي لَهُنَّ الْمَحَارِمُ؛ لِأَنَّ فِيهَا إبَاحَةَ الْحَجِّ أَوْ إيجَابَهُ مَعَ الزَّوْجِ، أَوْ ذِي الْمَحْرَمِ بِلَا شَكٍّ؛ وَمِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَصْلًا أَنْ يُخَاطِبَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَجِّ مَعَ زَوْجٍ أَوْ ذِي مَحْرَمٍ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا ذَا مَحْرَمٍ، فَبَقِيَ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا مَحْرَمَ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهَا وَعَلَى خُرُوجِهَا عَنْ ذَلِكَ النَّهْيِ. وَبُرْهَانٌ آخَرُ -: وَهُوَ مَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَشْوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْحُذَافِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرْ

стр. 1722

امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: انْطَلِقْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ» فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ رَافِعًا لِلْإِشْكَالِ وَمُبَيِّنًا لِمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّ نَهْيَهُ ﵇ عَنْ أَنْ تُسَافِرَ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَقَعَ ثُمَّ سَأَلَهُ الرَّجُلُ عَنْ امْرَأَتِهِ الَّتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً لَا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا مَعَ زَوْجٍ فَأَمَرَهُ ﵇ بِأَنْ يَنْطَلِقَ فَيَحُجَّ مَعَهَا وَلَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّهَا وَلَا عَابَ سَفَرَهَا إلَى الْحَجِّ دُونَهُ وَدُونَ ذِي مَحْرَمٍ، وَفِي أَمْرِهِ ﵇ بِأَنْ يَنْطَلِقَ فَيَحُجَّ مَعَهَا بَيَانٌ صَحِيحٌ وَنَصٌّ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُمْكِنًا إدْرَاكُهَا بِلَا شَكٍّ فَأَقَرَّ ﵇ سَفَرَهَا كَمَا خَرَجْتُ فِيهِ، وَأَثْبَتَهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ؛ فَصَارَ الْفَرْضُ عَلَى الزَّوْجِ؛ فَإِنْ حَجَّ مَعَهَا فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ صُحْبَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهَا التَّمَادِي فِي حَجِّهَا وَالْخُرُوجُ إلَيْهِ دُونَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ دُونَ ذِي مَحْرَمٍ أَوْ مَعَهُ كَمَا أَقَرَّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهَا، فَارْتَفَعَ الشَّغَبُ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ أَنْتُمْ عَمَّا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ، أَوْ أَبُو مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيْنَ نَزَلْتَ؟ قَالَ: عَلَى فُلَانَةَ، قَالَ: أَغْلَقْتَ عَلَيْهَا بَابَكَ - مَرَّتَيْنِ - لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَأَخْبَرَنَاهُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ؟ قُلْنَا: هَذَا خَبَرٌ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ جُرَيْحٍ لِأَنَّهُ شَكَّ فِيهِ أَحَدَّثَهُ بِهِ عَمْرٌو عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا؟ أَمْ حَدَّثَهُ بِهِ عَمْرٌو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مُسْنَدًا؟ فَلَمْ يُثْبِتْهُ أَصْلًا؛ فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِ وَإِنَّمَا صَوَابُهُ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ آنِفًا لَيْسَ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةُ. وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ كَمَا حَدَّثَنَا (بِهِ) أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ - يَقُولُ لَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْهَا رَجُلٌ إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ؛ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نَذَرْتُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ؟ قَالَ: فَاخْرُجْ مَعَهَا» فَلَمْ يَقُلْ ﵇: لَا

стр. 1723

تَخْرُجْ إلَى الْحَجِّ إلَّا مَعَكَ؛ وَلَا نَهَاهَا عَنْ الْحَجِّ أَصْلًا، بَلْ أَلْزَمَ الزَّوْجَ تَرْكَ نَذْرِهِ فِي الْجِهَادِ وَأَلْزَمَهُ الْحَجَّ مَعَهَا؛ فَالْفَرْضُ فِي ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ لَا عَلَيْهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ فَمُرْسَلٌ كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ نُبَاتٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَصْرِيُّ نا عِيسَى بْنُ خَبِيبٍ قَاضِي أُشُونَةَ قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: «قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ سَفَرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَزَلْتَ عَلَى فُلَانَةَ فَأَغْلَقْتَ عَلَيْهَا بَابَكَ - مَرَّتَيْنِ» . فَهَذَا هُوَ - حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ اخْتَلَطَ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فَلَمْ يَدْرِ أَحَدَّثَهُ بِهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَمْ حَدَّثَهُ بِهِ عَمْرٌو عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَدْخَلَ فِيهِ ذِكْرَ الْحَجِّ بِالشَّكِّ؛ وَلَا تَثْبُتُ الْحُجَّةُ بِخَبَرٍ مَشْكُوكٍ فِي إسْنَادِهِ أَوْ فِي إرْسَالِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ فَلِأَنَّ طَاعَتَهُ فَرْضٌ عَلَيْهَا فِيمَا لَا مَعْصِيَةَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ مَعْصِيَةٌ؟ [مَسْأَلَةٌ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا] ٨١٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ أَحْرَمَتْ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ مَكَان يَجُوزُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَأَحْرَمَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ فَإِنْ كَانَ حَجَّ تَطَوُّعٍ - كُلُّ ذَلِكَ - فَلَهُ مَنْعُهُمَا وَإِحْلَالُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَ حَجَّ الْفَرْضِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ لَا غِنَى بِهِ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ - لِمَرَضٍ أَوْ لِضَيْعَتِهِ دُونَهُ أَوْ دُونَهَا أَوْ ضَيْعَةِ مَالِهِ - فَلَهُ إحْلَالُهُمَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» وَإِنْ كَانَ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُمَا أَصْلًا فَإِنْ مَنَعَهُمَا فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَهُمَا فِي حُكْمِ الْمُحْصَرِ؛ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الِابْنِ وَالِابْنَةِ مَعَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَلَا فَرْقَ؛ وَطَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ مُتَقَدِّمَةٌ لِطَاعَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الطَّاعَةِ» . وَقَالَ ﵇: «فَإِذَا أُمِرْتَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» وَتَرْكُ الْحَجِّ مَعْصِيَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ طَاعَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجِ فِي تَرْكِ الْحَجِّ وَبَيْنَ طَاعَتِهِمْ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي تَرْكِ الزَّكَاةِ أَوْ فِي تَرْكِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَجُّ فِي تَأْخِيرِهِ فُسْحَةٌ؟

стр. 1724

قُلْنَا: إلَى مَتَى؟ أَفَرَأَيْت إنْ لَمْ يُبِيحُوا الْحَجَّ لِلْأَوْلَادِ أَوْ الزَّوْجَةِ أَبَدًا؟ فَإِنْ حَدُّوا فِي ذَلِكَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كَانُوا مُتَحَكِّمِينَ فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ وَشَارِعِينَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ بِطَاعَتِهِمْ فِي تَرْكِ الْحَجِّ أَبَدًا جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي امْرَأَةٍ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، أَنَّهَا مُحْرِمَةٌ؟ قَالَ الْحَكَمُ: حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ. [مَسْأَلَةٌ اسْتِطَاعَةُ السَّبِيلِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَجُّ] ٨١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَاسْتِطَاعَةُ السَّبِيلِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَجُّ إمَّا صِحَّةُ الْجِسْمِ وَالطَّاقَةُ عَلَى الْمَشْيِ وَالتَّكَسُّبُ مِنْ عَمَلٍ أَوْ تِجَارَةٍ مَا يَبْلُغُ بِهِ إلَى الْحَجِّ وَيَرْجِعُ إلَى مَوْضِعِ عَيْشِهِ أَوْ أَهْلِهِ، وَإِمَّا مَالٌ يُمَكِّنُهُ مِنْ رُكُوبِ الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّ - وَالْعَيْشِ مِنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَّةَ وَيَرُدَّهُ - إلَى مَوْضِعِ عَيْشِهِ أَوْ أَهْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ الْجِسْمِ إلَّا أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ بَرًّا أَوْ بَحْرًا؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْ يُطِيعُهُ فَيَحُجَّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرَ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ إنْ كَانَ هُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّهُوضِ لَا رَاكِبًا وَلَا رَاجِلًا؛ فَأَيُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ أَمْكَنَتْ الْإِنْسَانَ الْمُسْلِمَ الْعَاقِلَ الْبَالِغَ؟ فَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِهَا فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَلَا عُمْرَةَ. وَقَالَ قَوْمٌ: الِاسْتِطَاعَةُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِطَاعَةُ قُوَّةُ الْجِسْمِ أَوْ الْقُوَّةُ بِالْمَالِ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَرَ وُجُودَ مَنْ يُطِيعُهُ اسْتِطَاعَةً وَلَا أَوْجَبَ بِذَلِكَ حَجًّا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُقْعَدَ مِنْ رِجْلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَاسِعٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّ وَعَلَى الْأَعْمَى. وَرَأَى الشَّافِعِيُّ: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إنَّمَا هِيَ بِمَالٍ يَحُجُّ بِهِ أَوْ مَنْ يُطِيعُهُ فَيَحُجُّ عَنْهُ فَقَطْ، وَلَمْ يَرَ قُوَّةَ الْجِسْمِ وَالْقُدْرَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ اسْتِطَاعَةً؛ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: الِاسْتِطَاعَةُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ بِآثَارٍ رُوِّينَاهَا -:

стр. 1725

مِنْهَا: عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ؟ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الْحَجُّ؟ قَالَ: الْأَشْعَثُ التَّفِلُ» . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَا قَتَادَةُ، وَحُمَيْدٌ عَنْ الْحَسَنِ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ إلَيْهِ؟ قَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ نا هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ نا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] » . وَقَالُوا: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] عَلِمْنَا أَنَّهَا اسْتِطَاعَةٌ غَيْرُ الْقُوَّةِ

стр. 1726

بِالْجِسْمِ؛ إذْ لَوْ كَانَ تَعَالَى أَرَادَ قُوَّةَ الْجِسْمِ لَمَا احْتَاجَ إلَى ذِكْرِهَا؛ لِأَنَّنَا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. وَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] فَصَحَّ أَنَّ الرِّحْلَةَ شِقُّ الْأَنْفُسِ بِالضَّرُورَةِ وَلَا يُكَلِّفُنَا اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ فِي اسْتِطَاعَةِ السَّبِيلِ إلَى الْحَجِّ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا: زَادٌ، وَبَعِيرٌ: وَمِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ: زَادٌ، وَرَاحِلَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ: مِلْءُ بَطْنِهِ، وَرَاحِلَةٌ يَرْكَبُهَا - وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَادَّعَوْا فِي هَذَا أَنَّهُ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا أَصْلًا؛ لِأَنَّنَا قَدْ رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ

стр. 1727

النَّزَّالِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " مَنْ مَلَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَحَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ". وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، فِي الْحَجِّ: سَبِيلُهُ مَنْ وَجَدَ لَهُ سِعَةً، وَلَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ - وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ: عَلَى قَدْرِ الْقُوَّةِ - وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ عَطَاءٍ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَوْ كَانَتْ عَلَى الْعُمُومِ لَمَا كَانَ لِذِكْرِهَا مَعْنًى فَكَلَامٌ فَاسِدٌ، وَاعْتِرَاضٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِخْرَاجٌ لِلْقُرْآنِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِلَا بُرْهَانٍ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى مَنْ لَا يَسْتَطِيعُهُ بِجِسْمِهِ، وَلَا بِمَالِهِ - إذَا وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ - كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَكَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي الِاسْتِطَاعَةِ بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الرِّحْلَةَ مِنْ شِقِّ الْأَنْفُسِ وَالْحَرَجِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ ذَلِكَ عِبَادَهُ، فَصَحِيحٌ وَلَمْ نَقُلْ نَحْنُ: إنَّ مَنْ كَانَتْ الرِّحْلَةُ تَشُقُّ عَلَيْهِ - وَعَلَيْهِ فِيهَا حَرَجٌ - أَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُهُ: بَلْ الْحَجُّ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ سَاقِطٌ كَمَا قَالُوا؛ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ مَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ وَهُوَ لَوْ كَانَتْ لَهُ فِي دُنْيَاهُ حَاجَةٌ لَاسْتَسْهَلَ الْمَشْيَ إلَيْهَا - فَالْحَجُّ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ؟ وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرُوا -: فَإِنَّ فِي أَحَدِهَا -: إبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ وَهُوَ سَاقِطٌ مُطْرَحٌ؛ وَفِي الثَّانِي: الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ وَالْعَجَبُ مِنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ الْمَالِكِيِّينَ يَقُولُونَ: الْمُرْسَلُ، وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ لَا سِيَّمَا مُرْسَلُ الْحَسَنِ فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا أَنَّهُ كَانَ لَا يُرْسِلُ الْحَدِيثَ إلَّا إذَا حَدَّثَهُ بِهِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَصَاعِدًا؛ ثُمَّ خَالَفُوا هَاهُنَا أَحْسَنَ مَرَاسِيلِ الْحَسَنِ؛ وَالشَّافِعِيُّونَ لَا يَقُولُونَ: إلَّا بِالْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ وَأَخَذُوا هَاهُنَا بِالسَّاقِطِ، وَالْمُرْسَلِ.

стр. 1728

وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَوَاهِيَةٌ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهَا إمَّا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مُرْسَلَةٌ، وَإِمَّا مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ، وَإِمَّا مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ، وَأَحْسَنُهَا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُوَافِقَةُ لِقَوْلِنَا، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ فِي الثَّلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، إلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ. وَالْحَنَفِيُّونَ يُبْطِلُونَ السُّنَنَ الصِّحَاحَ -: كَنَفْيِ الزَّانِي، وَحَدِيثِ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَحَدِيثِ رَضَاعِ سَالِمٍ، وَغَيْرِهَا؛ لِزَعْمِهِمْ: أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ، أَوْ مُخَالِفَةٌ لَهُ، وَأَخَذُوا هَاهُنَا بِأَخْبَارٍ سَاقِطَةٍ لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ بِهَا مُخَصِّصَةٌ لِلْقُرْآنِ مُخَالِفَةٌ لَهُ، ثُمَّ خَالَفُوهَا مَعَ ذَلِكَ فِي تَخْصِيصِهِمْ الْمُقْعَدِ. وَأَطْرَفُ شَيْءٍ احْتِجَاجُهُمْ فِي تَخْصِيصِ الْمُقْعَدِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْأَعْرَجَ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إذَا وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى؛ فَخَالَفُوا مَا فِي الْآيَةِ وَحَكَمُوا بِهَا فِيمَا لَيْسَ فِيهَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا بَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ وَجَبَ طَلَبُ الْبُرْهَانِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَكَانَ هَذَا عُمُومًا لِكُلِّ اسْتِطَاعَةٍ بِمَالٍ أَوْ جِسْمٍ هَذَا الَّذِي يُوجِبُهُ لَفْظُ الْآيَةِ ضَرُورَةً، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ مُقْعَدٌ وَلَا أَعْمَى وَلَا أَعْرَجُ إذَا كَانُوا مُسْتَطِيعِينَ الرُّكُوبَ وَمَعَهُمْ سِعَةٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْحَرَجِ الَّذِي أَسْقَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ عَلَيْهِمْ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الشَّدِّ وَالتَّحَفُّظِ وَالْجَرْيِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَجٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْأَعْرَجِ وَالْأَعْمَى؛ وَأَمَّا الْحَجُّ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا. وَبَقِيَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ جِسْمٍ إلَّا أَنَّهُ يَجِدُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِلَا أُجْرَةٍ أَوْ بِأُجْرَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا؛ فَوَجَدْنَا اللُّغَةَ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ وَبِهَا خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ مَا أَلْزَمَنَا إيَّاهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا فِي أَنَّهُ يُقَالُ: الْخَلِيفَةُ مُسْتَطِيعٌ لِفَتْحِ بَلَدِ كَذَا، وَلِنَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِ - وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا مُثْبَتًا - لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِذَلِكَ بِأَمْرِهِ وَطَاعَةِ النَّاسِ لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي نَصِّ الْآيَةِ.

стр. 1729

وَوَجَدْنَا مِنْ السُّنَنِ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : حُجِّي عَنْهُ» . وَرُوِّينَاهُ (أَيْضًا) مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (*) أَنَّ الْخَثْعَمِيَّةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ «إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» . ونا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ إنْ حَزَمَهَا خَشِيَ أَنْ يَقْتُلَهَا وَإِنْ لَمْ يَحْزِمْهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ؟ فَأَمَرَهُ ﵇ أَنْ يَحُجَّ عَنْهَا» : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ نا شُعْبَةُ عَنْ النُّعْمَانِ هُوَ ابْنُ سَالِمٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ

стр. 1730

أَوْسٍ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَالظَّعْنَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» . رُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذِهِ أَخْبَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃: الْفَضْلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ. وَيَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ التُّسْتَرِيُّ بَصْرِيٌّ - كَانَ يَنْزِلُ بِأَهْلِهِ عِنْدَ مَقْبَرَةِ بَنِي سَهْمٍ مَاتَ سَنَةَ (١٦١ هـ) إحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ١٦٢ هـ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، وَثَّقَهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ،

стр. 1731

وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَالنَّسَائِيُّ وَلَيْسَ هُوَ يَزِيدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ الَّذِي يَرْوِي عَنْ قَتَادَةَ، ذَلِكَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. فَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَطُّ صَحِيحًا فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ لَازِمَةٌ لَهُ إذَا وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ﵇ سَمِعَ قَوْلَ الْمَرْأَةِ عَنْ أَبِيهَا: «إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَدْرَكَتْهُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الثَّبَاتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ» ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى أَبِي رَزِينٍ مِثْلَ ذَلِكَ فِي أَبِيهِ؛ فَصَحَّ أَنَّ الْفَرْضَ بَاقٍ عَلَى هَذَيْنِ إذَا وَجَدَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ - وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ رَاحِلَةٌ، وَلَا فِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَيْضًا؛ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ فَاسِدَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي شَيْخٍ كَبِيرٍ، وَعَجُوزٍ كَبِيرَةٍ، فَمِنْ أَيْنَ تَعَدَّيْتُمْ مَا فِيهَا إلَى كُلِّ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَرَكَةَ بِزَمَانَةٍ، أَوْ مَرَضٍ وَلَمْ يَكُنْ شَيْخًا كَبِيرًا؟ قُلْنَا: لَيْسَ كُلُّ شَيْخٍ كَبِيرٍ تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَنْ غَلَبَهُ الضَّعْفُ، فَإِنَّمَا أَمَرَ ﵇ بِذَلِكَ فِيمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ ثَبَاتًا عَلَى الدَّابَّةِ وَلَيْسَ لِلشَّيْخِ هُنَالِكَ مَعْنًى أَصْلًا. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْخِ حَدٌّ مَحْدُودٌ إذَا بَلَغَهُ الْمَرْءُ سُمِّيَ: شَيْخًا، وَلَمْ يُسَمَّ: شَيْخًا، حَتَّى يَبْلُغَهُ؛ وَدِينُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُتَسَامَحُ فِيهِ وَلَا يُؤْخَذُ بِالظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ الْمُفْتَرَاةِ الْمَشْرُوعِ بِهَا مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ لِلشَّيْخِ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ لَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدَّهُ الَّذِي بِهِ يَنْتَقِلُ حُكْمُهُ إلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ كَمَا أَثْبَتَ ذَلِكَ فِيمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الثَّبَاتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَلَا الْمَشْيَ إلَى الْحَجِّ؛ فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْخِ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَكَانَ هَذَا اسْتِطَاعَةً لِلسَّبِيلِ مُضَافَةً إلَى الْقُوَّةِ بِالْجِسْمِ وَبِالْمَالِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَتَعَلَّلَ قَوْمٌ فِي هَذِهِ الْآثَارِ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ

стр. 1732

سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَأَحُجُّ عَنْ أَبِي؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا» . قَالُوا: فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ لَا فَرْضٌ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَيِّتًا، وَلَا أَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ وَلَا أَنَّهُ كَانَ حَجَّ الْفَرِيضَةِ؛ بَلْ إنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ مُطْلَقٌ عَنْ الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ؛ فَأَجَابَهُ ﵇ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ؛ وَإِنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ جَوَازُ الْحَجِّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا مَزِيدَ، وَهُوَ قَوْلُنَا. وَأَمَّا تِلْكَ الْأَحَادِيثُ فَفِيهَا بَيَانٌ أَنَّهَا فِي الْحَجِّ الْفَرْضِ؛ وَأَيْضًا: فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﵇: «إنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا» بِمُخْرِجٍ لِذَلِكَ عَنْ الْفَرْضِ إلَى التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ كُلِّ عَمَلٍ مُفْتَرَضٍ أَوْ تَطَوُّعٍ إنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْمَرْءِ فَإِنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُكْتَبُ لَهُ بِهِ سَيِّئَةٌ؛ فَبَطَلَ اعْتِرَاضُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ؟ وَقَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] . قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى تَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ وَجَعَلَ لَهُمْ مَا سَعَى فِيهِ غَيْرُهُمْ عَنْهُمْ بِهَذِهِ النُّصُوصِ الثَّابِتَةِ.

стр. 1733

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . قَالَ عَلِيٌّ: إذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَزِرَ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى لَزِمَ ذَلِكَ، وَكَانَ مَخْصُوصًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ؛ وَقَدْ أَجْمَعُوا مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَمْ تَقْتُلْ وَأَنَّهَا تَغْرَمُ عَنْ الْقَاتِلِ، وَلَمْ يَعْتَرِضُوا عَلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ هُوَ إجْمَاعًا؛ فَإِنَّ عُثْمَانَ الْبَتِّيَّ لَا يَرَى حُكْمَ الْعَاقِلَةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الَّذِي أَتَانَا بِهَذَا هُوَ الَّذِي افْتَرَضَ أَنْ يُحَجَّ عَنْ الْعَاجِزِ، وَالْمَيِّتِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وَهُمْ يُجِيزُونَ الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ، وَالصَّدَقَةَ عَنْ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ، وَالْعِتْقَ عَنْهُمَا أَوْصَيَا بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوصِيَا، وَلَا يَعْتَرِضُونَ فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ. فَإِنْ قَالُوا: لَمَّا أَوْصَى بِالْحَجِّ كَانَ مِمَّا سَعَى؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَأَوْجِبُوا بِذَلِكَ أَنْ يُصَامَ عَنْهُ إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا سَعَى. فَإِنْ قَالُوا: عَمَلُ الْأَبَدَانِ لَا يَعْمَلُهُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ وَدَعْوَى كَاذِبَةٌ، وَمِنْ أَيْنَ قُلْتُمْ هَذَا؟ بَلْ كُلُّ عَمَلٍ إذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ الْمُعَانِدِ فَإِنْ قَالُوا: قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ؟

стр. 1734

قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا عَلَيْكُمْ لَا لَكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ لَا تَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَرْءُ الَّذِي يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ، فَقَدْ جَوَّزْتُمْ أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فَقِيسُوا عَلَى ذَلِكَ سَائِرَ أَعْمَالِ الْأَبَدَانِ؟ وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ الْحَجُّ فِيهِ مَدْخَلٌ لِلْمَالِ فِي جَبْرِهِ بِالْهَدْيِ، وَالْإِطْعَامِ -: جَازَ أَنْ يَعْمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ؟ قُلْنَا: وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ كَذِبٌ مُفْتَرًى وَشَرْعٌ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ؟ ثُمَّ قَدْ تَنَاقَضْتُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ فِيهِ مَدْخَلٌ لِلْمَالِ فِي جَبْرِهِ بِالْعِتْقِ، وَالْإِطْعَامِ وَلَا فَرْقَ، وَفِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ صَوْمِهِ، فَأَجِيزُوا لِذَلِكَ أَنْ يَعْمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ يُجِيزُونَ أَنْ يُجَاهِدَ الرَّجُلُ عَنْ غَيْرِهِ بِجُعْلٍ، وَيُجِيزُونَ الْكَفَّارَةَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِهَا عَنْهَا، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَهَهَا، فَأَجَازُوا كُلَّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يُجِزْهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا رَسُولُهُ ﵇ وَمَنَعُوا مِنْ جَوَازِهِ حَيْثُ افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ . قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ مَوَّهُوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَدَوِيِّ النَّجَّارِيِّ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِتَحُجِّي عَنْهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ» . وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْكَرِيرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ الْأَنْصَارِيِّ: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَقْوَى عَلَى الْحَجِّ فَقَالَ ﵇: فَلْتَحُجِّي عَنْهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ صَالِحٍ الطَّلْحِيُّ عَنْ عَبْدِ

стр. 1735

الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَدٌ عَنْ وَالِدٍ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذِهِ تَكَاذِيبُ، أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ: وَالْأَوَّلُ: فِيهِ مَجْهُولَانِ لَا يُدْرَى مَنْ هُمَا؟ وَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدَوِيُّ؟ وَالْآخَرَانِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ وَكَفَى؛ فَكَيْف وَفِيهِ: الطَّلْحِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْكَرِيرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ، وَلَا يُدْرَى مَنْ هُمْ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا خَبَرٌ حَرَّفَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ؛ لِأَنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَك مِثْلُ أَجْرِهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَدَعَوْتَ غُرَمَاءَهُ لِتَقْضِيَهُمْ؟ أَكَانُوا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَحُجَّ عَنْهُ فَإِنَّ اللَّهَ قَابِلٌ مِنْ أَبِيكَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ الْفَضَائِحِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ لَهَا؛ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا أَوْصَى بِهِ، وَأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ غَيْرُ وَلَدِهِ؛ وَهُوَ خِلَافٌ لِمَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ فَهِيَ عَلَيْهِمْ [لَا لَهُمْ] وَتَخْصِيصُهُمْ جَوَازَ الْحَجِّ إذَا أَوْصَى بِهِ لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُوجِبُهَا قِيَاسٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ إلَّا فِيمَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا يَصُومَنَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَحُجَّنَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَفْلَحَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا صَحِيحٌ عَنْهُمَا، وَأَنْتُمْ مُخَالِفُونَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّكُمْ تُجِيزُونَ

стр. 1736

الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ وَمَا وَجَدْنَا قَوْلَهُمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃؛ وَصَحَّ قَوْلُنَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُسْلِمٍ الْقَرِّيِّ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ أُمِّي حَجَّتْ وَلَمْ تَعْتَمِرْ، أَفَأَعْتَمِرُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَهَذَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ لِمَيِّتٍ دُونَ حَيٍّ. وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ، قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، لِأَيِّهِمَا الْأَجْرُ أَلِلْحَاجِّ أَمْ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاسِعٌ لَهُمَا جَمِيعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَدَقَ سَعِيدٌ ﵀. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أُمِّ مُحِبَّةَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى الْكَعْبَةِ فَمَشَتْ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ عَقَبَةَ الْبَطْنِ عَجَزَتْ فَرَكِبَتْ ثُمَّ أَتَتْ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: أَتَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَحُجِّي قَابِلًا؟ فَإِذَا انْتَهَيْت إلَى الْمَكَانِ الَّذِي رَكِبَتْ فِيهِ فَتَمْشِي مَا رَكِبْت؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ لَهَا: فَهَلْ لَك ابْنَةٌ تَمْشِي عَنْك؟ قَالَتْ: لِي ابْنَتَانِ وَلَكِنَّهُمَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ: فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ.

стр. 1737

وَرُوِّينَا أَيْضًا مِثْلَهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أُمِّهِ الْعَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ هِيَ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَى رِوَايَتِهَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي أَمْرِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ إلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ ابْتَاعَتْهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ، وَتَرَكُوا فِيهِ فِعْلَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَكَانَتْ حُجَّةً هُنَالِكَ إذْ لَمْ تُوَافِقْ النُّصُوصَ، وَلَمْ تَكُنْ حُجَّةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ وَافَقَتْ النُّصُوصَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ: أَنَّهُ يُجَهِّزُ رَجُلًا بِنَفَقَتِهِ فَيَحُجُّ عَنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ الْجِمَارَ، وَطَافَ عَنْهُ طَوَافَ يَوْمِ النَّحْرِ وَكَانَ أَبُوهُ مَرِيضًا. وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ عَنْ أَبِيهِ بِأَمْرِ أَبِيهِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ مَنْ حَجَّ عَنْ رَجُلٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ. وَعَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ فَعَجَزَ؟ قَالَ: يَمْشِي عَنْهُ بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَنَّهُ رَأَى الرَّمْيَ عَنْ الْمَرِيضِ لِلْجِمَارِ. فَهَؤُلَاءِ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلِيٌّ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ: وَرُوِيَ أَيْضًا: عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ خَالَفَنَا هَاهُنَا - فَلَمْ يُوجِبْ الْحَجَّ عَلَى مَنْ وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ، وَلَا عَنْ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يُوصِيَ -: سَلَفًا أَصْلًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْجُمْهُورَ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ وَبِمِثْلِ قَوْلِنَا يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. [مَسْأَلَةٌ حَجَّ عَمَّنْ لَمْ يُطِقْ الرُّكُوبَ وَالْمَشْيَ ثُمَّ أَفَاقَ] ٨١٦ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ حَجَّ عَمَّنْ لَمْ يُطِقْ الرُّكُوبَ وَالْمَشْيَ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَفَاقَ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ وَلَا بُدَّ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بَعْدُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْحَجِّ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ رَاكِبًا وَلَا مَاشِيًا، وَأَخْبَرَ: أَنَّهُ دَيْنُ اللَّهِ يُقْضَى عَنْهُ؛ فَقَدْ تَأَدَّى الدَّيْنُ بِلَا شَكٍّ وَأَجْزَأَ عَنْهُ، وَبِلَا شَكٍّ أَنَّ مَا

стр. 1738

سَقَطَ وَتَأَدَّى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ فَرْضُهُ بِذَلِكَ؛ إلَّا بِنَصٍّ وَلَا نَصَّ هَاهُنَا أَصْلًا بِعَوْدَتِهِ - وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَائِدًا لَبَيَّنَ ﵇ ذَلِكَ؛ إذْ قَدْ يَقْوَى الشَّيْخُ فَيُطِيقُ الرُّكُوبَ؛ فَإِذْ لَمْ يُخْبِرْ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ عَوْدَةُ الْفَرْضِ عَلَيْهِ بَعْدَ صِحَّةِ تَأَدِّيهِ عَنْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٨١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ مَنْ بَلَغَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، أَوْ مَنْ بَلَغَ مُطِيقًا ثُمَّ عَجَزَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إلَّا عَمَّنْ قَدَرَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْحَجِّ - وَلَوْ عَامًا وَاحِدًا - ثُمَّ عَجَزَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي قَدَّمْنَا فِيهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَصَحَّ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ فَرْضُ الْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ بَعْدَ لُزُومِهِ لَهُ قَادِرًا عَلَيْهِ بِجِسْمِهِ؛ فَصَحَّ قَوْلُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلْحَجِّ] ٨١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْنَا حُجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَاعْتُمِرَ وَلَا بُدَّ مُقَدَّمًا عَلَى دُيُونِ النَّاسِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ تَطَوُّعًا سَوَاءً أَوْصَى بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُحَجُّ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ. بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَوَارِيثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فَعَمَّ الدُّيُونَ كُلَّهَا -: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَّا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْمَصْرِيُّ نا عَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ - نا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حَمِيدٍ الْبَصْرِيُّ نا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ الْهُذَلِيُّ: " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرْتُ «امْرَأَةَ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ الْجُهَنِيِّ أَنْ تَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ أَفَيُجْزِئُ عَنْ أُمِّهَا أَنْ تَحُجَّ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّهَا دَيْنٌ فَقَضَتْهُ عَنْهَا أَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُ عَنْهَا؟ فَلْتَحُجَّ عَنْ أُمِّهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ

стр. 1739

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِيهَا مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ؟ قَالَ: حُجِّي عَنْ أَبِيكِ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُسْنَدًا. نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ فَأَتَى أَخُوهَا النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاقْضُوا اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ [بِنَصِّهِ] فِي امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ نَذَرَتْ أُمُّهَا أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ ". وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ؛ وَفِيهِ قَوْلُهُ ﵇: «فَحُجِّي عَنْ أُمِّكِ، اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ عَلَيْكُمْ، فَاَللَّهُ ﵎ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» . فَهَذِهِ آثَارٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ لَا يَسَعُ أَحَدٌ الْخُرُوجَ عَنْهَا -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا احْتِجَاجُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ فِي تَحْرِيمِ التِّينِ بِالتِّينِ مُتَفَاضِلًا ثُمَّ يُخَالِفُونَهُ فِيمَا جَاءَ فِيهِ أَقْبَحُ خِلَافٍ فَيَقُولُونَ: لَا يُحَجُّ

стр. 1740

عَنْ مَيِّتٍ، وَدَيْنُ اللَّهِ لَا يُقْضَى، وَدُيُونُ النَّاسِ أَحَقُّ مِنْهُ، فَأَيُّ قَوْلٍ أَقْبَحُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَنْ أَهْرَقَ خَمْرَ الْيَهُودِيِّ، أَوْ النَّصْرَانِيِّ وَمَاتَ قُضِيَ دَيْنُ الْخَمْرِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يُوصِ، وَلَا يُقْضَى دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إلَّا أَنْ يُوصَى بِهِ فَيَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ؟ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ -: رُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ أَوْ حَجٌّ فَلْيَقْضِ عَنْهُ وَلِيُّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْهُ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا حَجَّةٌ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَمَا صَنَعْتِ؟ قَالَتْ قَضَيْته عَنْهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاَللَّهُ خَيْرُ غُرَمَائِك، حُجِّي عَنْ أُمِّك ". وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُسْلِمٍ الْقَرِّيِّ قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ أُمِّي حَجَّتْ وَمَاتَتْ وَلَمْ تَعْتَمِرْ أَفَأَعْتَمِرُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنَّ أَبِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ رَخَّصَ لِرَجُلٍ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ وَهَلْ هُوَ إلَّا دَيْنٌ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ الْفَزَارِيّ - عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّؤَاسِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ أَخِي فَقُلْتُ: مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: هَلْ تَرَكَ مِنْ وَلَدٍ؟ قُلْت: تَرَكَ صَبِيًّا صَغِيرًا، فَقَالَ: حُجَّ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَدَ رَسُولًا لَأَرْسَلَ إلَيْك أَنْ عَجِّلْ بِهَا؟ فَقُلْت: أَحُجُّ عَنْهُ مِنْ مَالِي أَوْ مِنْ مَالِهِ: قَالَ: بَلْ مِنْ مَالِهِ. قَالَ: وَسَأَلْتُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ؟ فَقَالَ: حُجَّ عَنْهُ. قَالَ: وَسَأَلْتُ الضَّحَّاكَ فَقَالَ: حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ؟ فَإِنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ، وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ عَمْرٍو وَقَالَ: نَذَرَتْ امْرَأَةٌ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ مُقْتَرِنَةً مَعَ ابْنَتِهَا فَمَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ فَسَأَلَ ابْنُهَا إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: طُفْ أَنْتَ وَأُخْتُك عَنْ أُمِّك وَلَا تَقْتَرِنَا.

стр. 1741

وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَسْلَمَ الْمُنْقِرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يُحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي نَهِيكٍ قَالَ: سَأَلْتُ طَاوُسًا عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ نُسُكِهَا؟ فَقَالَ: يَقْضِي عَنْهَا وَلِيُّهَا - أَبُو نَهِيكٍ هُوَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ - رُوِيَ عَنْهُ سُفْيَانُ، وَمَنْصُورٌ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنْ الْحَسَنِ: قَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ لَمْ يَحُجَّ الْفَرِيضَةَ: أَنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَالزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، أَوْصَى أَوْ لَمْ يُوصِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَخِلَافَهُمْ لَهُمَا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَيُّوبُ عَنْ الْوَصَايَا فِي الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ الْوَصَايَا فِي الْحَجِّ إنَّمَا الْوَصِيَّةُ فِي الْأَقْرَبِينَ. قُلْنَا: إذَا فَرَّطَ فِي الْحَجِّ أَيُوصِي بِهِ؟ قَالَ: لَا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ: لَا يُقْضَى حَجٌّ عَنْ مَيِّتٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ: فِيمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، قَالَ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُوصِي أَنْ يُنْحَرَ عَنْهُ بَدَنَةً. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْهُ: لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ: إنْ أَوْصَى بِالْحَجِّ، حُجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: إذَا

стр. 1742

أَوْصَى بِالْحَجِّ فَمِنْ الثُّلُثِ؛ وَبِهَذَا يَقُولُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَحُمَيْدُ الطَّوِيلُ، وَدَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لِمَنْ قَالَ؟ بِهَذَا حُجَّةً إلَّا مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَبَيَّنَّا أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ، وَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقْضَى دَيْنُ آدَمِيٍّ حَتَّى تَتِمَّ دُيُونُ اللَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَلِلْمَالِكِيَّيْنِ، وَالْحَنِيفِيِّينَ فِيمَا يَبْدَأُ بِهِ فِي الْوَصَايَا أَقْوَالٌ لَا يُعْرَفُ لَهَا وَجْهٌ أَصْلًا. [مَسْأَلَةٌ الْحَجُّ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ إلَّا فِي أَوْقَاتِهِ] ٨١٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالْحَجُّ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ إلَّا فِي أَوْقَاتِهِ الْمَنْصُوصَةِ وَلَا يَحِلُّ الْإِحْرَامُ بِهِ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَبْلَ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَهِيَ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ السَّنَةِ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيِهَا لَا تُحَاشِ شَيْئًا -: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا: - قَوْلُ اللَّهِ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . الْآيَةَ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ﴾ [الطلاق: ١] . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ أَيُهِلُّ أَحَدٌ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ قَالَ: لَا. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ قَالَ:

стр. 1743

رَأَى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَدْرَكُوهُ رَجَمُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ أَنَّ عِكْرِمَةَ قَالَ لِأَبِي الْحَكَمِ: أَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ؛ لِأَنَّك خَالَفْتَ كِتَابَ اللَّهِ وَتَرَكْتَ سُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ . قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ، وَجَعَلَ الْقَرْيَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ أَهَلَّ وَإِنَّك تُهِلُّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ؟ وَعَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَعَنْ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَا: فَإِنَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يُحِلُّ. وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ يُحِلُّ وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً وَأَنَّهُ لَيْسَ حَجًّا، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ الْمُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَقْضِيَ حِجَّهُ. . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: تَصِيرُ عُمْرَةً وَلَا بُدَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يُكْرَهُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُهُ إنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَا نَعْلَمُ فِي هَذَا الْقَوْلِ سَلَفًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ

стр. 1744

خِلَافُ الْقُرْآنِ وَخِلَافُ الْقِيَاسِ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ كَمَنْ أَحْرَمَ بِصَلَاةِ فَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهَا أَنَّهَا تَكُونُ تَطَوُّعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَشْبِيهُ الْخَطَأِ بِالْخَطَأِ بَلْ هُوَ لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالصَّلَاةِ كَمَا أُمِرَ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . فَصَحَّ أَنْ عَمَلَ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عَمَلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا أَمْرُ رَسُولِهِ ﷺ فَصَحَّ أَنَّهُ رَدٌّ، وَلَا يَصِيرُ عُمْرَةً وَلَا هُوَ حَجٌّ. وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَحْتَجُّ مِنْ الْحَنِيفِيِّينَ بِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مَا، فَإِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمْرَةً فَهُوَ الْحَجُّ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُنَاظِرُ مَنْ يُسَاعِدُهُ عَلَى هَذَا الْخَطَأِ فَهُوَ لَعَمْرِي لَازِمٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَصَدَ الْإِيهَامَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ [تَامٌّ] فَقَدْ اسْتَسْهَلَ الْكَذِبَ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ: أَنَّهُ يَحِلُّ، وَعَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ [جُمْلَةً] . وَنَقُولُ لِلْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ: أَنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَتُجِيزُونَهُ فَأَخْبِرُونَا عَنْكُمْ أَهُوَ عَمَلُ بِرٍّ وَفِيهِ أَجْرٌ زَائِدٌ؟ فَلِمَ تَكْرَهُونَ الْبِرَّ وَعَمَلًا فِيهِ - أَجْرٌ؟ هَذَا عَظِيمٌ جِدًّا وَمَا فِي الدِّينِ كَرَاهِيَةُ الْبِرِّ وَعَمَلُ الْخَيْرِ، أَمْ هُوَ عَمَلٌ لَيْسَ فِيهِ أَجْرٌ زَائِدٌ وَلَا هُوَ مِنْ الْبِرِّ؟ فَكَيْف أَجَزْتُمُوهُ فِي الدِّينِ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إذْ هُوَ عَمَلٌ زَائِدٌ لَا أَجْرَ فِيهِ فَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] وَيُقَالُ لِلشَّافِعِيِّ: كَيْف تُبْطِلُ عَمَلَهُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْحَقَّ، ثُمَّ تُلْزِمُهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ عُمْرَةً لَمْ يُرِدْهَا قَطُّ وَلَا قَصَدَهَا وَلَا نَوَاهَا؟ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَهَذَا بَيِّنٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؛ فَبَطَلَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

стр. 1745

وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْكُورُونَ فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ وَمَنْ نَوَى صِيَامًا قَبْلَ وَقْتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَمَنْ قَدَّمَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ وَقْتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ فَهَلَّا قَاسُوا الْحَجَّ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلَّا قَاسُوا بَعْضَ عَمَلِ الْحَجِّ عَلَى بَعْضٍ؟ فَهَذَا أَصَحُّ قِيَاسٍ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْقُرْآنَ، وَعَمَلَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَالْقِيَاسُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَنِيفِيِّينَ قَالُوا فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فِي الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» : حَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَلَامٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَهَلَّا قَالُوا: هَاهُنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] حَاشَا لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ هَذَا وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ جُمْلَةً دُونَ ذِكْرِ سَائِمَةٍ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ فِي قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ جَوَازُ فَرْضِ الْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ الْمَعْلُومَاتِ؟ . فَإِنْ قَالُوا: أَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فَلِمَ جَعَلْتُمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] حُجَّةً فِي أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِأَعْمَالِ الْحَجِّ إلَى غَيْرِهَا؟ قُلْنَا: إنَّمَا نَمْنَعُ مِنْ دَعْوَاكُمْ فِي دَلِيلِ الْخِطَابِ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تُبْطِلُوا بِهِ سُنَّةً أُخْرَى عَامَّةً، وَأَمَّا إذَا وَرَدَ نَصٌّ بِحُكْمٍ وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ آخَرُ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى بِذَلِكَ الْحُكْمِ النَّصَّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ. وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنَّ الْخِلَافَ قَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ لَيْسَ فِيهِنَّ عُمْرَةٌ؟ وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: اجْعَلُوا الْعُمْرَةَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَتَمَّ لِحَجِّكُمْ وَلِعُمْرَتِكُمْ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ

стр. 1746

اسْتَأْذَنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: حَلَّتْ الْعُمْرَةُ الدَّهْرَ إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: يَوْمَ النَّحْرِ؛ وَيَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْهَا. وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْهَا: تَمَّتْ الْعُمْرَةُ السَّنَةَ كُلَّهَا إلَّا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ: يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهَا إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْعُمْرَةُ كُلُّهَا جَائِزَةٌ إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْعُمْرَةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ السَّنَةِ إلَّا لِلْحَاجِّ خَاصَّةً فِي أَيَّامِ النَّحْرِ خَاصَّةً. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَمَا قُلْنَا. قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي أَنْ يَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ فَأَذِنَ لَهُ فَاعْتَمَرَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَتْ أُخْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَعْدَ مَا قَضَتْ حَجَّهَا أَتَعْتَمِرُ فِي ذِي الْحِجَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: تَعَجَّلْتُ فِي يَوْمَيْنِ أَفَأَعْتَمِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضِ، وَلَا بَعْضُ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - نا سُمَيٌّ هُوَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ وَالْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ تَكْفِيرٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» .

стр. 1747

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَحَضَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَحُدَّ لَهَا وَقْتًا مِنْ وَقْتٍ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ وَأَمَّا اخْتِيَارُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفَاسِدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ عَلَى صِحَّتِهِ دُونَ سَائِرِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْحَجُّ لَا يَجُوزُ إلَّا مَرَّةً فِي السَّنَةِ] ٨٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَالْحَجُّ لَا يَجُوزُ إلَّا مَرَّةً فِي السَّنَةِ؛ وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَنُحِبُّ الْإِكْثَارَ مِنْهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ فَضْلِهَا؛ فَأَمَّا الْحَجُّ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: فِي كُلِّ شَهْرٍ عُمْرَةٌ. وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَرِهَ عُمْرَتَيْنِ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ. وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي عَامٍ وَاحِدٍ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: كَرَاهَةُ الْعُمْرَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ: إذَا مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَاعْتَمِرْ مَتَى شِئْت. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: اعْتَمِرْ مَتَى أَمْكَنَك الْمُوسَى. وَعَنْ عَطَاءٍ إجَازَةُ الْعُمْرَةِ مَرَّتَيْنِ فِي الشَّهْرِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ اعْتَمَرَ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَرَّةً فِي رَجَبٍ، وَمَرَّةً فِي شَوَّالٍ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَقَامَ مُدَّةً بِمَكَّةَ فَكُلَّمَا جَمَّ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَبِهِ نَأْخُذُ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَعْمَرَ عَائِشَةَ

стр. 1748

مَرَّتَيْنِ فِي الشَّهْرِ الْوَاحِدِ» وَلَمْ يَكْرَهْ ﵇ ذَلِكَ بَلْ حَضَّ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَ أَنَّهَا تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهَا، وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَالْإِكْثَارُ مِنْهَا أَفْضَلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَاحْتَجَّ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ: بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي عَامٍ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ مَا حَضَّ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ ﵇ لَمْ يَحُجَّ مُذْ هَاجَرَ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً وَلَا اعْتَمَرَ مُذْ هَاجَرَ إلَّا ثَلَاثَ عُمَرَ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَكْرَهُوا الْحَجَّ إلَّا مَرَّةً فِي الْعُمْرِ، وَأَنْ تَكْرَهُوا الْعُمْرَةَ إلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الدَّهْرِ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِكُمْ؛ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ ﵇ يَتْرُكُ الْعَمَلَ هُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ أَوْ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَصُومَ الْمَرْءُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدَّهْرِ، وَأَنْ يَقُومَ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ؛ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَصُمْ قَطُّ - شَهْرًا كَامِلًا، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدَّهْرِ، وَلَا قَامَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَلَمْ يَرَوْا فِعْلَهُ ﵇ هَاهُنَا حُجَّةً فِي كَرَاهَةِ مَا زَادَ عَلَى صِحَّةِ نَهْيِهِ عَنْ الزِّيَادَةِ فِي الصَّوْمِ وَمِقْدَارِ مَا يُقَامُ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ. وَجَعَلُوا فِعْلَهُ ﵇ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةَ مَعَ حَضِّهِ عَلَى الْعُمْرَةِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا حُجَّةً فِي كَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى عُمْرَةٍ مِنْ الْعَامِ وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا. [مَسْأَلَةٌ أَشْهُرُ الْحَجِّ] ٨٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَعَشَرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. رُوِّينَا قَوْلَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ. وَرُوِّينَا الْقَوْلَ الْآخَرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَرُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَصَدْرُ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَلَا يُطْلَقُ عَلَى شَهْرَيْنِ، وَبَعْضٍ آخَرَ: أَشْهُرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ - وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ - يُعْمَلُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ - وَهُوَ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ - يُعْمَلُ فِي ذِي الْحِجَّةِ كُلِّهِ بِلَا خِلَافٍ مِنْهُمْ؛ فَصَحَّ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ

стр. 1749

[مَسْأَلَةٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَوَاقِيت] مَسْأَلَةٌ: وَلِلْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ مَوَاضِعُ تُسَمَّى: الْمَوَاقِيتَ، وَاحِدُهَا: مِيقَاتٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَلَا بِالْعُمْرَةِ قَبْلَهَا. وَهِيَ لِمَنْ جَاءَ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ - وَهُوَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ - وَهُوَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مِائَتَيْ مِيلٍ - غَيْرَ مِيلَيْنِ. وَلِمَنْ جَاءَ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ، أَوْ مِنْ الشَّامِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ عَلَى طَرِيقِ مِصْرَ، أَوْ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ: الْجُحْفَةُ - وَهِيَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشِّمَالِ - مِنْ مَكَّةَ وَمِنْهَا إلَى مَكَّةَ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ مِيلًا. وَلِمَنْ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ مِنْهَا، وَمِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ: ذَاتُ عِرْقٍ - وَهُوَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالشِّمَالِ - مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْهَا إلَى مَكَّةَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا. وَلِمَنْ جَاءَ عَلَى طَرِيقِ نَجْدٍ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ كُلِّهَا: قَرْنٌ - وَهُوَ شَرْقِيٌّ مِنْ مَكَّةَ - وَمِنْهُ إلَى مَكَّةَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا. وَلِمَنْ جَاءَ عَلَى طَرِيقِ الْيَمَنِ مِنْهَا، أَوْ مِنْ جَمِيعِ الْبِلَادِ: يَلَمْلَمُ - وَهُوَ جَنُوبٌ مِنْ مَكَّةَ - وَمِنْهُ إلَى مَكَّةَ ثَلَاثُونَ مِيلًا. فَكُلُّ مَنْ خَطَرَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، أَوْ الْعُمْرَةَ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ إلَّا مُحْرِمًا فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ: فَلَا إحْرَامَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا عُمْرَةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ فَيَنْوِيَ الْإِحْرَامَ مِنْهُ، فَيَصِحَّ حِينَئِذٍ إحْرَامُهُ، وَحَجُّهُ، وَعُمْرَتُهُ. فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ يَمُرُّ عَلَيْهَا: فَلَا إحْرَامَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا عُمْرَةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إذَا صَارَ فِي الْمِيقَاتِ تَجْدِيدَ إحْرَامٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِحْرَامُهُ حِينَئِذٍ تَامٌّ، وَحَجُّهُ تَامٌّ، وَعُمْرَتُهُ تَامَّةٌ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، أَوْ مِصْرَ فَمَا خَلْفَهُمَا فَأَخَذَ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ - وَهُوَ يُرِيدُ حَجًّا، أَوْ عُمْرَةً - فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ لِيُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا إحْرَامَ لَهُ، وَلَا عُمْرَةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَيُجَدِّدَ مِنْهَا إحْرَامًا: فَيَصِحَّ حِينَئِذٍ إحْرَامُهُ، وَحَجُّهُ، وَعُمْرَتُهُ. فَمَنْ مَرَّ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ

стр. 1750

يُحْرِمَ، فَإِنْ تَجَاوَزَهُ بِقَلِيلٍ؛ أَوْ بِكَثِيرٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ؛ أَوْ فِي الْعُمْرَةِ فَلْيُحْرِمْ مِنْ حَيْثُ بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَمِيقَاتُهُ حِينَئِذٍ الْمَوْضِعُ الَّذِي بَدَا لَهُ فِي الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ إلَّا مُحْرِمًا - فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ: فَلَا إحْرَامَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا عُمْرَةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيُجَدِّدَ مِنْهُ إحْرَامًا. فَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءً سَوَاءً، أَوْ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَا لَهُ أَنْ يَحُجَّ مِنْهُ أَوْ يَعْتَمِرَ كَمَا قَدَّمْنَا. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَأَرَادَ الْحَجَّ فَمِيقَاتُهُ مَنَازِلُ مَكَّةَ، وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَلْيَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ فَلْيُحْرِمْ مِنْهُ وَأَدْنَى ذَلِكَ: التَّنْعِيمُ. وَمَنْ كَانَ طَرِيقُهُ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ فَلْيُحْرِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ بَرًّا أَوْ بَحْرًا؛ فَإِنْ أَخْرَجَهُ قَدَرٌ بَعْدَ إحْرَامِهِ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ مِنْهَا نِيَّةَ إحْرَامٍ وَلَا بُدَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عُمَرُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامُ نَا الْمَعَافِرِيُّ هُوَ ابْنُ عِمْرَانَ الْمَوْصِلِيُّ - نَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ، وَمِصْرَ: الْجُحْفَةَ؛ وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ: ذَاتَ عِرْقٍ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هِشَامُ بْنُ بَهْرَامُ ثِقَةٌ، وَالْمُعَافِيُّ ثِقَةٌ، كَانَ سُفْيَانُ يُسَمِّيهِ: الْيَاقُوتَةَ الْحَمْرَاءَ؛ وَبَاقِيهِمْ أَشْهَرُ مِنْ ذَلِكَ -: نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ نَا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ؛ وَلِأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ. وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ

стр. 1751

كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» . نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيّ نَا الْفَرَبْرِيُّ نَا الْبُخَارِيُّ نَا مُسَدَّدٌ نَا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ؛ وَلِأَهْلِ الشَّامِ: الْجُحْفَةَ؛ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ: قَرْنَ الْمَنَازِلِ؛ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، فَهُنَّ لِأَهْلِهِنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهِلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ أَتَمُّ مِنْ كُلِّ خَبَرٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَأَصَحُّ وَهِيَ مُنْتَظِمَةٌ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَصْلًا فَصْلًا -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفِي بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ -: فَمِنْهُ أَنَّ قَوْمًا ادَّعَوْا أَنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ الْعِرَاقِ: الْعَقِيقُ وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ رَاوِيَهُ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ عَبَّاسٍ. وَمِنْهُ أَنَّ الْمَالِكِيِّينَ قَالُوا: مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ خَاصَّةً فَلَهُمْ أَنْ يَدَعُوا الْإِحْرَامَ إلَى الْجُحْفَةِ؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتُهُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ؛ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الْحَقُّ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» . فَقَدْ صَارَ ذُو الْحُلَيْفَةِ مِيقَاتًا لِلشَّامِيِّ، وَالْمِصْرِيِّ إذَا أَتَى عَلَيْهِ وَكَانَ إنْ تَجَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ عَاصِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا الْمِيقَاتُ لِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِ بِنَصِّ كَلَامِهِ ﵇ لَا لِمَنْ لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِ فَقَطْ. وَلَوْ أَنَّ مَدَنِيًّا يَمُرُّ عَلَى الْجُحْفَةِ يُرِيدُ الْحَجَّ وَعُرِضَتْ لَهُ مَعَ ذَلِكَ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِحْرَامَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ -:

стр. 1752

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ - أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَا جَمِيعًا: مَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ بِالْمَدِينَةِ أَهَلَّ مِنْ مُهِلِّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ؛ وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَهْلُ مِصْرَ، وَمَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي الْمِيقَاتِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَأْخِيرَ الْإِحْرَامِ إلَى الْجُحْفَةِ؛ وَمِنْهُ مَنْ كَانَتْ طَرِيقُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ - وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ شَكَوْا إلَى عُمَرَ فِي حَجِّهِمْ أَنَّ " قَرْنَ الْمَنَازِلِ " جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِهِمْ؛ فَقَالَ لَهُمْ: اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ؟ فَحَدَّ لَهُمْ " ذَاتَ عِرْقٍ ". قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُسْنَدَ فِي تَوْقِيتِ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَإِنَّمَا حَدَّ لَهُمْ عُمَرُ مَا حَدَّ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ لَوْ لَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ لَمَا كَانَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّةٌ وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا " وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ ". وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَوْقِيتَ النَّبِيِّ ﷺ يَلَمْلَمُ؛ فَرِوَايَةُ مَنْ سَمِعَ، وَعَلِمَ: أَتَمُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ سَمِعَ بَعْضًا وَلَمْ يَسْمَعْ بَعْضًا؟ وَبُرْهَانٌ آخَرُ -: وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ مُجْمِعُونَ إجْمَاعًا مُتَيَقَّنًا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ طَرِيقُهُ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَ مُحَاذَاةِ مَوْضِعِ الْمِيقَاتِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذَا حَاذَى مَوْضِعَ الْمِيقَاتِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَلْزَمُهُ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ فَرْضٌ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ. وَمِنْهُ مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَلَمْ يُحْرِمْ وَأَحْرَمَ بَعْدَهُ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَة قَالَ: هُوَ مُسِيءٌ وَيَرْجِعُ إلَى مِيقَاتِهِ فَيُلَبِّي مِنْهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ؛ فَإِنْ رَجَعَ إلَى

стр. 1753

الْمِيقَاتِ وَلَمْ يُلَبِّ مِنْهُ فَعَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ، وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ دَمٌ إنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ، وَحَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ تَامَّانِ فِي كُلِّ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ قَسَّمَ هَذَا التَّقْسِيمَ [الطَّرِيفَ] مِنْ إسْقَاطِهِ الدَّمَ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ وَتَلْبِيَتِهِ مِنْهُ وَإِثْبَاتِهِ الدَّمَ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، أَوْ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ وَلَمْ يُلَبِّ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ يُعْقَلُ؟ وَقَالَ مَالِكٌ؛ وَسُفْيَانُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو يُوسُفَ: إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا دَمَ وَلَا غَيْرَهُ لَبَّى أَوْ لَمْ يُلَبِّ؛ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَحَجُّهُ، وَعُمْرَتُهُ: صَحِيحَانِ. وَقَالَ زُفَرُ: عَلَيْهِ دَمُ شَاةٍ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نَا وَكِيعٌ وَابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ وَكِيعٌ: عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ؛ وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ثُمَّ اتَّفَقَ حَبِيبٌ، وَجَابِرٌ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَرِدُ إلَى الْمِيقَاتِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، قَالَ جَابِرٌ: رَأَيْته يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا زَلَّ الرَّجُلُ عَنْ الْوَقْتِ - وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمِيقَاتِ فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ تَقَدَّمَ وَأَهْرَاقَ دَمًا. وَعَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا لَمْ يُهِلَّ مِنْ مِيقَاتِهِ أَجْزَأَهُ وَأَرَاقَ دَمًا - وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا وَكِيعٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ وَبَرَةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ مَكَّةَ - وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ وَقَدْ حَضَرَ الْحَجَّ وَخَافَ إنْ رَجَعَ فَوْتَهُ - فَأَمَرَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يُهِلَّ مِنْ مَكَانِهِ فَإِذَا قَضَى الْحَجَّ خَرَجَ إلَى الْوَقْتِ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَآهُمْ بِذَاتِ الشُّقُوقِ فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ أَتُجَّارٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَمَا يَحْبِسُهُمْ عَمَّا خَرَجُوا لَهُ؟ فَمَالُوا إلَى أَدْنَى مَاءٍ فَاغْتَسَلُوا وَأَحْرَمُوا.

стр. 1754

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا إلَّا مَا أَوْرَدْنَا. وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِتَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوُ هَذَا لِمَنْ تَوَقَّعَ شَيْئًا - وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لَا حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا وَخَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ، قَالَ: يُهِلُّ مِنْ مَكَانِهِ. قَالَ حَبِيبٌ: وَلَمْ يَذْكُرْ دَمًا. وَعَنْ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمِيقَاتِ. وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ مَرَّةً: عَلَيْهِ دَمٌ، وَمَرَّةً قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ شَيْءٌ. قَالَ سُفْيَانُ: لَا يُعْجِبُنَا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَا خُصَيْفٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَنْ جَاوَزَ الْوَقْتَ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَلَنْ يُغْنِي عَنْهُ إنْ أَحْرَمَ شَيْئًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ فَيُحْرِمُ مِنْهُ إلَّا إنْسَانٌ أَهْلُهُ مِنْ وَرَاءِ الْوَقْتِ فَيُحْرِمُ مِنْ أَهْلِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا؛ وَأَضْعَفُ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ الْحَاضِرِينَ مِنْ مُخَالِفِينَا وَلَيْسَ بَعْضُ أَقْوَالِهِمْ ﵃ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، الْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذْ يَقُولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] فَفَعَلْنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَقَّتَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مَوَاقِيتَ وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا يَحِلُّ تَعَدِّيهَا ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَقَالَ ﵇: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَحِّحَ عَمَلًا عُمِلَ عَلَى خِلَافِ أَمْرِ

стр. 1755

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَنْ يُشَرِّعَ وُجُوبَ دَمٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فَيُبِيحُ مِنْ مَالِهِ الْمُحْرِمُ مَا لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ بِإِبَاحَتِهِ، وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَوْجَبَ الدَّمَ وَأَجَازَ الْإِحْرَامَ حُجَّةً أَصْلًا. فَإِنَّ قَالُوا: إنَّ أَشْيَاءَ جَاءَ النَّصُّ فِيهَا بِوُجُوبِ دَمٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَلَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ أَوْجَبَ الدَّمَ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ صَاحِبُهُ؛ وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمِنْهُ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَإِنَّ قَوْمًا اسْتَحَبُّوهُ، وَقَوْمًا كَرِهُوهُ وَأَلْزَمُوهُ إذَا وَقَعَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ بْنِ مَسْلَمَةَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنِّي رَكِبْت السُّفُنَ، وَالْخَيْلَ، وَالْإِبِلَ فَمِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ، فَقَالَ: ائْتِ عَلِيًّا فَاسْأَلْهُ؟ فَسَأَلَ عَلِيًّا؟ فَقَالَ لَهُ: مِنْ حَيْثُ أَبْدَأْت أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بِلَادِك، فَرَجَعَ إلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هُوَ كَمَا قَالَ لَك عَلِيٌّ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَقَالَ: أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك. وَبِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَلَّامٍ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: الْعُمْرَةُ تَامَّةٌ مِنْ أَهْلِك. وَمِنْ طَرِيقِ الْحِمَّانِيُّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَحْرَمَ مِنْ المنجشانية بِقُرْبِ الْبَصْرَةِ. وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ الْبَصْرَةِ.
следующие страницы →