← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا لَيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ " أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَقُولُ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلَّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ؟ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ إرْعَاءِ الْمَوَاشِي: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِكَرَاهِيَةِ الرَّعْيِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ - وَهَذَا تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى - وَأَبَاحَ مَالِكٌ أَخْذَ السَّنَى وَسَائِرِ حَشِيشِ الْحَرَمِ - وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّنَى وَبَيْنَ سَائِرِ حَشِيشِ الْحَرَمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُفْيَانُ: بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَى قَاطِعِ شَجَرِ الْحَرَمِ - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغُصْنِ فَمَا فَوْقَهُ إلَى الدَّوْحَةِ: قِيمَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ بَلَغَ هَدْيًا أَهْدَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَدْيًا فَقِيمَتُهُ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ صِيَامٌ. وَقَالَ زُفَرُ: يَتَصَدَّقُ بِالْقِيمَةِ وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي الدَّوْحَةِ بَدَنَةٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ فِيهَا بَقَرَةٌ، وَفِي الْوَتَدِ مُدٌّ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فِي الدَّوْحَة: بَقَرَةٌ. وَعَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي الدَّوْحَةِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ، أَوْ خَمْسَةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا بِمَكَّةَ - وَمَا نَعْلَمُ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ فِي قَوْلِهِمَا سَلَفًا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ

стр. 1997

لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَجُوزُ شَرْعُ هَدْيٍ، وَلَا إيجَابُ صِيَامٍ، وَلَا إلْزَامُ غَرَامَةِ إطْعَامٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، إلَّا بِقُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ؛ وَهَذَا مِمَّا تَرَكَتْ فِيهِ الطَّوَائِفُ الْمَذْكُورَةُ الْقِيَاسَ. فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ قَاسَا إيجَابَ الْجَزَاءِ فِي شَجَرِ الْحَرَمِ عَلَى إيجَابِ الْجَزَاءِ فِي صَيْدِهِ وَلَمْ يَقِيسَا إيجَابَ الْجَزَاءِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى إيجَابِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَكِلَاهُمَا حَرَمٌ مُحَرَّمٌ صَيْدُهُ. وَقَاسَ مَالِكٌ إيجَابَ الْفِدْيَةِ عَلَى اللَّابِسِ وَالْمُتَطَيِّبِ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى حَالِقِ رَأْسِهِ، وَلَمْ يَقِسْ إيجَابَ الْجَزَاءِ فِي شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ، وَفِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى وُجُوبِهِ فِي صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ. وَكُلُّ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ لَا وَجْهَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ سفك الدِّمَاء فِي الْحَرَمِ] ٨٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُسْفَكَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ دَمٌ بِقِصَاصٍ أَصْلًا، وَلَا أَنْ يُقَامَ فِيهَا حَدٌّ، وَلَا يُسْجَنَ فِيهَا أَحَدٌ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أُخْرِجَ عَنْ الْحَرَمِ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَنْ يُسْفَكَ بِهَا دَمٌ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ. وَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَاصِي مِنْهُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] فَتَطْهِيرُهُ مِنْ الْعُصَاةِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَلَا يُسَمَّى ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمُتَمَلَّكِ وَلَا الْحِجَامَةُ، وَلَا فَتْحُ الْعِرْقِ: سَفْكَ دَمٍ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا - قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ أَصَابَ حَدًّا، ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ لَمْ يُجَالَسْ وَلَمْ يُبَايَعْ - وَذَكَرَ كَلَامًا - وَفِيهِ: فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

стр. 1998

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ وَجَدْتُ فِيهِ قَاتِلَ عُمَرَ مَا نَدَهْتُهُ يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا عَرَضْت لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمْ يَخُصُّوا مَنْ أَصَابَ حَدًّا فِي الْحَرَمِ مِمَّنْ أَصَابَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ - وَفَرَّقَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ بَيْنَهُمَا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ خَرَّجَ قَوْمًا مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ فَصَلَبَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِيمَنْ قَتَلَ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ؟ قَالَ: يُخْرَجُ مِنْهُ فَيُقْتَلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْحَرَمِ إلَّا الْقَتْلَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ فِيهِ حَدُّ قَتْلٍ وَلَا قَوَدٍ حَتَّى يَخْرُجَ بِاخْتِيَارِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُخْرَجُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَتْلِ. قَالَ عَلِيٌّ: تَقْسِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ فَاسِدٌ وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَبَاحَ الْقَتْلَ فِي الْحَرَمِ حَجَّةً أَصْلًا، وَلَا سَلَفًا، إلَّا الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ، وَمَنْ بَعَثَهُ، وَالْحَجَّاجَ، وَمَنْ بَعَثَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ تُعُدِّيَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ فَلْيَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُخْرَجُ شَيْءٌ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ] ٨٩٩ - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يُخْرَجُ شَيْءٌ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا حَجَّاجٌ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، أَوْ يُدْخَلَ تُرَابُ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِ. وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ مَاءِ زَمْزَمَ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ إنَّمَا هِيَ لِلْأَرْضِ وَتُرَابِهَا وَحِجَارَتِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إزَالَةُ حُرْمَتِهَا وَلَمْ يَأْتِ فِي الْمَاءِ تَحْرِيمٌ. [مَسْأَلَة مِلْكُ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا] ٩٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمِلْكُ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا جَائِزٌ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ دُورِهَا وَلَا إجَارَتُهَا.

стр. 1999

وَمَنَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ كِرَائِهَا. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ الْمَنْعَ مِنْ التَّبْوِيبِ عَلَى دُورِهَا؛ وَرُوِّينَا فِي ذَلِكَ خَبَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ لَا يَصِحَّانِ - وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ مَلَكَ الصَّحَابَةُ بِهَا دُورَهُمْ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّه ﵇ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ رَبْعًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ رَسُولُهُ ﵇ فَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِيهَا. [مَسْأَلَة احْتَطَبَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ] ٩٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ احْتَطَبَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَحَلَالٌ سَلْبُهُ كُلَّ مَا مَعَهُ فِي حَالِهِ تِلْكَ وَتَجْرِيدُهُ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ؛ فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَمِّهِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إنَّ سَعْدًا أَبَاهُ رَكِبَ إلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطَهُ فَسَلَبَهُ فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِمَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ: إنِّي اسْتَعْمَلْتُك عَلَى مَا هَاهُنَا فَمَنْ رَأَيْتَهُ يَخْبِطُ شَجَرًا أَوْ يَعْضِدُهُ: فَخُذْ حَبْلَهُ وَفَأْسَهُ؟ قُلْت: آخُذُ رِدَاءَهُ؟ قَالَ: لَا - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ هَذَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ يُعْرَفُ وَلَيْسَ هَذَا فِي الْحَشِيشِ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا جَاءَ فِي الِاحْتِطَابِ - وَسِتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِكُلِّ حَالٍ. [مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يَمْشِي إلَى مَكَّةَ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ] ٩٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى عَرَفَةَ أَوْ إلَى مِنًى أَوْ إلَى مَكَان ذَكَره مِنْ الْحَرَمِ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ أَوْ الشُّكْرِ لَهُ - تَعَالَى - لَا عَلَى سَبِيلِ الْيَمِينِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى حَيْثُ نَذَرَ لِلصَّلَاةِ هُنَالِكَ، أَوْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَقَطْ - وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ، وَلَا أَنْ يَعْتَمِرَ إلَّا أَنْ يَنْذِرُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا.

стр. 2000

فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى حَيْثُ نَذَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَرْكَبْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ رَكِبَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ لِغَيْرِ مَشَقَّةٍ فِي طَرِيقٍ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا يُعَوِّضُ مِنْهُ صِيَامًا وَلَا إطْعَامًا. فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَلْيَمْشِ مِنْ الْمِيقَاتِ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ. وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَرْكَبَ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَ وَلَا بُدَّ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] فَالْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ إلَى كُلِّ مَا ذَكَرْنَا طَاعَةٌ لِلَّهِ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَإِنَّمَا أَمَرَ - تَعَالَى - بِالْوَفَاءِ بِعُقُودِ الطَّاعَةِ لَا بِعُقُودِ الْمَعَاصِي. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَمْشِي إلَّا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ إلْزَامُ مَا لَمْ يَنْذِرْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ، أَوْ إلَى الْحَرَمِ لَزِمَهُ، فَإِنْ نَذَرَ إلَى عَرَفَةَ، أَوْ إلَى مُزْدَلِفَةَ، أَوْ مِنًى، أَوْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ - وَهَذَا تَقْسِيمٌ بِلَا بُرْهَانٍ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ نَا الْفَزَارِيّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَخْبَرَنِي ثَابِتٌ هُوَ الْبُنَانِيُّ - عَنْ أَنَسٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﵇: أَنَّهُ رَأَى شَيْخًا يُهَادِي بَيْنَ بَنِيهِ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَأَمَرَهُ

стр. 2001

أَنْ يَرْكَبَ» فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵇ شَيْئًا لِرُكُوبِهِ. وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَمَنْ لَيْسَ الْمَشْيُ فِي وُسْعِهِ فَلَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمَشْيَ، وَكَانَ نَذْرُهُ لِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ مَعْصِيَةً لَا يَجُوزُ لَهُ الْوَفَاءُ بِهَا. قَالَ عَلِيٌّ: الْفَزَارِيّ هَذَا هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - أَوْ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ إمَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى نَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﵇؟ فَقَالَ: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ فَأَمَرَهَا بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا» . وَقَدْ عَلِمْنَا ضَرُورَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْمَشْيِ إلَّا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا أَبُو الْوَلِيدِ هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - نَا قَتَادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى الْبَيْتِ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﵇ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا» . فَهَذَانِ أَمْرَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَرْكَبَ وَتَمْشِيَ دُونَ إلْزَامِ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ، وَالْآخَرُ: أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا دُونَ مَشْيٍ فِي ذَلِكَ - وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا.

стр. 2002

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زُحَرَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ " أَنَّهُ ﵇ أَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ". وَرُوِيَ أَيْضًا مِثْلُ هَذَا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا حَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - وَمِثْلُهُ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا شَرِيكٌ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - نَبَّهْنَا عَلَيْهَا لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهَا. وَقَدْ اعْتَرَضَ قَوْمٌ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْرَدْنَا بِأَنْ قَالُوا: قَدْ رَوَاهُ مَطَرُ الْوَرَّاقُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عُقْبَةَ، وَعِكْرِمَةُ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ؛ وَأَوْقَفَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا مِمَّا يَمْقُتُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُفْتَرَضَ بِهَذَا مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ كَالْمُسْنَدِ ثُمَّ يَعِيبُ هُنَا مُسْنَدًا صَحِيحًا بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ مُنْقَطِعًا أَوْ مَوْقُوفًا إنْ خَالَفَ تَقْلِيدَهُ، وَهَذَا فِعْلُ مَنْ لَا وَرَعَ لَهُ وَلَا صِدْقَ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى الْمُسْنَدِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ بِمِثْلِ هَذَا إلَّا جَاهِلٌ؛ لِأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ وَدَعْوَى فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْنَدَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَالْمُرْسَلُ مُطَّرَحٌ، وَأَيُّ نَقِيصَةٍ عَلَى الْحَقِّ مِنْ رِوَايَةِ آخَرَ مِمَّا لَا حُجَّةَ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ اخْتَلَفَتْ -: فَرُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: امْشِ مَا اسْتَطَعْت وَارْكَبْ وَاذْبَحْ، أَوْ تَصَدَّقْ - وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا رُوِيَ إلَّا ذِكْرُ الصَّدَقَةِ فَقَطْ. وَرُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ - أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً بِأَنْ تَشْتَرِيَ رَقَبَةً وَلْتَمْشِ فَإِذَا عَجَزَتْ فَلْتَرْكَبْ وَلْتَمْشِ الرَّقَبَةُ فَإِذَا أَعْيَتْ الرَّقَبَةُ فَلْتَرْكَبْ وَلْتَمْشِ النَّاذِرَةُ فَإِذَا قَضَتْ حَجَّهَا فَلْتُعْتِقْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أُمِّ مَحَبَّةَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى الْكَعْبَةِ فَمَشَتْ حَتَّى أَعْيَتْ فَرَكِبَتْ، ثُمَّ أَتَتْ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَتْهُ؟ فَقَالَ: أَتَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَحُجِّي قَابِلًا وَتَرْكَبِي حَتَّى تَنْتَهِي إلَى الْمَكَانِ الَّذِي رَكِبْت فِيهِ فَتَمْشِي مَا

стр. 2003

رَكِبْتِ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: أَلَكِ ابْنَةٌ تَمْشِي عَنْك؟ قَالَتْ: لِي ابْنَتَانِ هُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَالَ: فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ أُمُّ مَحَبَّةَ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَى رِوَايَتِهَا فِي بَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ إلَى أَجَلٍ بِثَمَانِمِائَةٍ وَابْتِيَاعِهَا إيَّاهُ مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَرَّةً يُقَلِّدُونَ رِوَايَتَهَا حَيْثُ اشْتَهَوْا، وَمَرَّةً يَطْرَحُونَهَا؛ وَالْحُجَّةُ إنَّمَا هِيَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا فِي رَأْيِهِ وَقَدْ يَهِمُ وَيَنْسَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا أَخَذُوا بِهِ مِمَّا رَوَاهُ الصَّاحِبُ وَخَالَفَهُ كَرِوَايَةِ عَائِشَةَ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ بِلَبَنِ الْفَحْلِ، ثُمَّ كَانَتْ لَا تُدْخِلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَهُ نِسَاءُ إخْوَتِهَا. وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلْيَرْكَبْ وَلِيُهْدِ هَدْيًا -. وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا يُهْدِي بَدَنَةً. وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عُمَرَ: يَمْشِي فَإِذَا أَعْيَا يَرْكَبُ وَيَعُودُ مِنْ قَابِلٍ فَيَرْكَبُ مَا مَشَى وَيَمْشِي مَا رَكِبَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَمْشِي فَإِنْ رَكِبَ فَلْيُهْدِ شَاةً فَمَا فَوْقَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ: يَمْشِي، فَإِنْ عَجَزَ رَكِبَ وَأَهْدَى شَاةً فَمَا فَوْقَهَا - وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمُ أَنَّهُ يَمْشِي فَإِذَا أَعْيَا رَكِبَ وَيَعْرِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي رَكِبَ مِنْهُ فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ رَجَعَ فَمَشَى مَا رَكِبَ وَرَكِبَ مَا مَشَى فَإِنْ كَانَ رُكُوبُهُ يَوْمًا فَأَقَلَّ لَمْ يَرْجِعْ لِذَلِكَ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، فَإِنْ رَكِبَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى إلَى عَرَفَةَ إلَى مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى إلَى مَكَّةَ رَجَعَ مِنْ قَابِلٍ فَمَشَى كُلَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ الرُّكُوبِ يَوْمًا فِي الطَّرِيقِ وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ هَدْيٌ - فَإِنْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا مَشَى وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ؛ ثُمَّ رَكِبَ وَيُهْدِي وَلَا يَرْجِعُ ثَانِيَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْشِي فَإِنْ أَعْيَا رَكِبَ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَكِنْ احْتِيَاطًا. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ كَقَوْلِنَا: إنْ عَجَزَ رَكِبَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَتَقْسِيمٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ قَبْلَهُ، وَخِلَافٌ لِكُلِّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَقَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ. وَرُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إلَى الْبَيْتِ قَالَ: يَمْشِي مِنْ حَيْثُ نَوَى فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلْيَرْكَبْ فَإِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ مَشَى إلَى الْبَيْتِ

стр. 2004

٩٠٣ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا فَكَمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَّا مُذْ يُحْرِمُ إلَى أَنْ يُتِمَّ مَنَاسِكَ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْحَجُّ، فَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ فَكَمَا قَالَ عَطَاءٌ: مِنْ حَيْثُ نَوَى، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَلْيَمْشِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَشْيٍ وَلْيَرْكَبْ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْفَى بِمَا نَذَرَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ دُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ] ٩٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَدُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إنَّمَا جَعَلَ الْمَوَاقِيتَ لِمَنْ مَرَّ بِهِنَّ يُرِيدُ حَجًّا، أَوْ عُمْرَةً، وَلَمْ يَجْعَلْهَا لِمَنْ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً، فَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﵇ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ فَهُوَ إلْزَامُ مَا لَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ إلْزَامُهُ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَجَعَ مِنْ بَعْضِ الطَّرِيقِ فَدَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ. وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ: لَا بَأْسَ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمِيقَاتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيقَاتِ فَلَهُ دُخُولُ مَكَّةَ وَلَا إحْرَامَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ إلَّا مَنْ اخْتَلَفَ مِنْ الطَّائِفِ وَعُسْفَانَ، بِالْحَطَبِ، وَالْفَاكِهَةِ: فَلَهُ دُخُولُهَا بِلَا إحْرَامٍ، وَإِلَّا الْعَبِيدَ فَلَهُمْ دُخُولُهَا بِلَا إحْرَامٍ، وَإِلَّا مَنْ خَرَجَ مِنْهَا، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ قُرْبٍ فَلَهُ دُخُولُهَا بِلَا إحْرَامٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِحْرَامٍ. فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ تَقْسِيمٌ لَا يُعْقَلُ وَلَا لَهُ وَجْهٌ، وَفِيهِ إيجَابُ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولُهُ ﵇؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي الدِّينِ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ إلَّا مَنْ نَذَرَ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ بِالنَّصِّ، وَقَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا: كَذَلِكَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ - وَمَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ سَلَفًا أَصْلًا. وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِ مَنْ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ «بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَكَّةَ إنَّهَا حَرَامٌ

стр. 2005

بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» . فَلَيْتَ شِعْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَلُّوا أَنْ يُوهِمُوا فِي هَذَا الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا دَلِيلٌ؟ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ ﵇ أَنَّ سَفْكَ الدِّمَاءِ وَالْقِتَالَ حَرَامٌ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلْإِحْرَامِ مَعْنًى. وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵇ دَخَلَهَا وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ أَوْ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - وَحَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ هَذَا لَكَانَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِ الْإِحْرَامِ عَلَى مَنْ قَصَدَهَا لِغَيْرِ حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ كِفَايَةٌ. وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. . [مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ وَلَا اعْتَمَرَ قَطُّ] ٩٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ، أَوْ يَعْتَمِرَ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ وَلَا اعْتَمَرَ قَطُّ فَلْيَبْدَأْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ، وَلَا يُجْزِيهِ إلَّا ذَلِكَ، وَلَا يُجْزِيه أَنْ يَحُجَّ نَاوِيًا لِلْفَرْضِ وَلِنَذْرِهِ، وَلَا لِحَجَّةِ فَرْضٍ وَعُمْرَةِ نَذْرٍ، وَلَا لِحَجَّةِ نَذْرٍ وَعُمْرَةِ فَرْضٍ؛ لِأَنَّ عَقْدَ اللَّهِ ثَابِتٌ عَلَيْهِ قَبْلَ نَذْرِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَهُوَ عَاصٍ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَنُوبُ عَنْ الطَّاعَةِ وَلَا يُجْزِي عَمَلٌ وَاحِدٌ عَنْ عَمَلَيْنِ مُفْتَرَضَيْنِ إلَّا حَيْثُ أَجَازَهُ النَّصُّ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرِنَ فَالْعُمْرَةُ الْمُوجَبَةُ عَلَيْهِ لَسَوْقِ الْهَدْيِ هِيَ غَيْرُ الَّتِي نَذَرَ؛ فَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَا يُجْزِئُهُ عَمَلٌ عَنْ عَمَلَيْنِ إلَّا حَيْثُ أَجَازَهُ النَّصُّ، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ عَنْ صَلَاتَيْنِ، وَوَافَقُونَا - نَعْنِي الْحَاضِرِينَ مِنْ خُصُومِنَا - عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ صَوْمُ يَوْمٍ عَنْ يَوْمَيْنِ، وَلَا رَقَبَةٌ عَنْ رَقَبَتَيْنِ وَلَا زَكَاةٌ عَنْ زَكَاتَيْنِ، فَتَنَاقَضُوا، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ بَعْدُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَفِي بِنَذْرِك. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: يَبْدَأُ بِالْفَرِيضَةِ فِيمَنْ نَذَرَ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ بَعْدُ. وَفِي هَذَا خِلَافٌ.

стр. 2006

رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، قَالَا جَمِيعًا: تُجْزِئُهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو يُوسُفَ: مَنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَنَوَى بِعَمَلِهِ فَرْضَهُ، وَالتَّطَوُّعَ مَعًا: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَتَبْطُلُ نِيَّةُ التَّطَوُّعِ. فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فَحَجَّ يَنْوِي نَذْرَهُ وَالتَّطَوُّعَ مَعًا؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُجْزِئُهُ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هِيَ تَطَوُّعٌ وَلَا تُجْزِي عَنْ النَّذْرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْعَمَلُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِمَا لَزِمَهُ كَمَا أُمِرَ. [مَسْأَلَةٌ أَهْدَى هَدْيَ تَطَوُّعٍ فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ] ٩٠٦ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَهْدَى هَدْيَ تَطَوُّعٍ فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَكَّةَ، أَوْ مِنًى فَلْيَنْحَرْهُ، وَلْيُلْقِ قَلَائِدَهُ فِي دَمِهِ وَلِيُخْلِ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ؛ وَإِنْ قَسَّمَهُ بَيْنَ النَّاسِ ضَمِنَ مِثْلَ مَا قَسَّمَ. فَلَوْ قَالَ: شَأْنُكُمْ بِهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا فَلَا بَأْسَ؛ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ هُوَ وَلَا رُفَقَاؤُهُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَنْ أَكَلَ مِنْهُمْ مِنْهُ أَدَّى إلَى الْمَسَاكِينِ لَحْمًا مِثْلَ مَا أَكَلَ فَقَطْ - الْغَنَمُ، وَالْبَقَرُ، وَالْإِبِلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ. فَإِنْ بَلَغَ مَحَلَّهُ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَلَا بُدَّ، وَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ وَلَا بُدَّ - وَهَكَذَا رُوِّينَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ، وَمَعْمَرٍ، كُلِيهِمَا عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ يَعْطَبُ: لِيَنْحَرْهُ، ثُمَّ لِيَغْمِسْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ لِيَضْرِبْ بِالنَّعْلِ صَفْحَتَهُ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، أَوْ أَمَرَ بِأَكْلِهِ غُرِّمَ. فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَعَطِبَ فَلْيَنْحَرْهُ، ثُمَّ لِيَغْمِسْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ لِيَضْرِبْ بِالنَّعْلِ صَفْحَتَهُ فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَهْدَى؛ وَإِنْ شَاءَ تَقَوَّى بِهِ فِي ثَمَنِ أُخْرَى - وَعَنْ عَطَاءٍ مِثْلُ هَذَا كُلِّهِ - وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي التَّطَوُّعِ مِثْلُهُ. وَرُوِّينَا خِلَافَ هَذَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: أَخْبَرَنِي حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِي الْهَدْيِ

стр. 2007

يَعْطَبُ فِي الطَّرِيقِ: كُلُوهُ وَلَا تَدَعُوهُ لِلْكِلَابِ، وَالسِّبَاعِ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَأَهْدُوا مَكَانَهُ هَدْيًا، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تُهْدُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَهْدُوا. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَطِبَتْ لَهُ بَدَنَةُ تَطَوُّعٍ فَنَحَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَأَكَلَهَا وَلَمْ يُهْدِ مَكَانَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا أَهْدَيْت هَدْيًا - وَهُوَ تَطَوُّعٌ - فَعَطِبَ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اغْمِسْ النَّعْلَ فِي دَمِهِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهُ، ثُمَّ كُلْهُ إنْ شِئْت، وَاهْدِهِ إنْ شِئْت وَتَقَوَّ بِهِ فِي هَدْيٍ آخَرَ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ تَطَوُّعًا فَعَطِبَ: كُلْ وَأَطْعِمْ وَلَيْسَ عَلَيْك الْبَدَلُ - وَهُوَ قَوْلُ نَافِعٍ أَيْضًا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إذَا عَطِبَ الْهَدْيُ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَكُلْ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْوَاجِبِ. وَرُوِّينَا قَوْلًا آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: يَدْعُهَا تَمُوتُ فَرَجَعْنَا إلَى السُّنَّةِ فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُسَدَّدٌ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ فُلَانٍ الْأَسْلَمِيِّ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَدَنَةً فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ أُزْحِفَ عَلَيَّ مِنْهَا شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: تَنْحَرُهَا ثُمَّ تَصْبِغُ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا عَلَى صَفْحَتِهَا وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نَا سُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ فَقَالَ: إنْ عَطِبَ

стр. 2008

مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ هَدْيٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا - وَهَذَا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَلَّى تَوْزِيعَهَا -: فَلَمْ يُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَكَلَ مِنْهَا شَيْئًا ضَمِنَ الْهَدْيَ كُلَّهُ. وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ أَنْ يَأْكُلَ لُقْمَةً فَيَغْرَمُ عَنْهَا نَاقَةً مِنْ أَصْلِهَا، وَهَذَا عُدْوَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يَغْرَمُ إلَّا مِثْلَ مَا أَكَلَ. وَهَذَا مِمَّا يَتَنَاقَضُ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، فَأَخَذَا فِيهِ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَرَكَا رَأْيَهُ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ مَا رُوِيَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. ٩٠٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ عَنْ وَاجِبٍ - وَهِيَ سِتَّةُ أَهْدَاءٍ فَقَطْ لَا سَابِعَ لَهَا -: إمَّا جَزَاءُ صَيْدٍ، وَإِمَّا هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ، وَإِمَّا هَدْيُ الْإِحْصَارِ، وَإِمَّا نُسُكُ فِدْيَةِ الْأَذَى، وَإِمَّا هَدْيُ مَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى الْكَعْبَةِ فَرَكِبَ، وَإِمَّا نَذْرُ هَدْيٍ. وَهَذَا الْهَدْيُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ -: قِسْمٌ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَقِسْمٌ مَنْذُورٌ بِعَيْنِهِ - فَإِنْ عَطِبَ الْوَاجِبُ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ فَعَلَ بِهِ صَاحِبُهُ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ أَكْلٍ أَوْ هَدِيَّةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَيُهْدِي مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ حَاشَا الْمَنْذُورَ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَنْحَرُهُ وَيَتْرُكُهُ وَلَا يُبَدِّلُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا هَدْيٌ وَاجِبٌ فِي مَالِهِ وَذِمَّتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ أَبَدًا وَمَا لَمْ يُؤَدِّهِ عَمَّا عَلَيْهِ فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ عَطِبَ أَوْ لَمْ يَعْطَبْ. وَأَمَّا الْمَنْذُورُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَالِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ فَيُهْلِكَهُ فَيَضْمَنَهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي نَذَرَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَدَى عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ.

стр. 2009

وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْ تَحَكُّمِ الْمَرْءِ فِي هَدْيِهِ مَا لَمْ يُبْلِغْهُ مَحِلَّهُ فَمُبْطِلٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ التَّطَوُّعُ يَعْطَبُ قَبْلَ مَحِلِّهِ بِالنَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَا. وَالتَّطَوُّعُ ثَلَاثَةُ أَهْدَاءٍ لَا رَابِعَ لَهَا -: مَنْ سَاقَ هَدْيًا فِي قِرَانٍ أَوْ فِي عُمْرَةٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ، أَوْ أَهْدَى وَهُوَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً. [مَسْأَلَةٌ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ] ٩٠٨ - مَسْأَلَةٌ: وَيَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ وَلَا بُدَّ كَمَا قُلْنَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَهْدَاءِ الْوَاجِبَةِ إذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا فَإِنْ أَكَلَ ضَمِنَ مِثْلَ مَا أَكَلَ فَقَطْ، وَلَا يُعْطَى فِي جِزَارَةِ الْهَدْيِ شَيْءٌ مِنْهُ أَصْلًا وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهِ وَجُلُودِهِ وَلَا بُدَّ. أَمَّا التَّطَوُّعُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] ، وَأَمْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - فَرْضٌ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ حَجَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ جَابِرٌ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ فِي كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» فَهَذَا أَمْرٌ مِنْهُ ﵇ بِأَخْذِ الْبِضْعَةِ وَطَبْخِهَا وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْأَكْلِ مِنْ بَعْضِ الْهَدْيِ دُونَ بَعْضٍ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ نَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ نَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ نَا ابْنُ جُرَيْجٍ نَا الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُقَسِّمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلَا يُعْطِي فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا» .

стр. 2010

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ جَعَلَ بَعْضَ أَوَامِرِهِ ﵇ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا فَرْضًا وَبَعْضَهَا نَدْبًا فَقَدْ تَحَكَّمَ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْقَوْلِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بَعَثَ بِهَدْيٍ وَقَالَ: كُلْ أَنْتَ وَأَصْحَابَك ثُلُثًا وَتَصَدَّقْ بِثُلُثٍ وَابْعَثْ إلَى آلِ عُتْبَةَ ثُلُثًا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا: ثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَ أَنْ يُدْفَعَ لَهُ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ بِضْعَةٌ وَيُتَصَدَّقَ بِسَائِرِهَا. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ وَنَذْرٍ. وَعَنْ عَلِيٍّ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَلَا مِنْ النَّذْرِ وَلَا مِمَّا جُعِلَ لِلْمَسَاكِينِ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ: يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ كُلِّهِ إلَّا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ خَمْسَةٌ: النَّذْرُ، وَالْمُتْعَةُ، وَالتَّطَوُّعُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْمُحْصَرُ، إلَّا الْكَفَّارَاتِ كُلَّهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْهَدْيِ إلَّا الْمُتْعَةُ، وَالْقِرَانُ، وَالتَّطَوُّعُ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ - وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْهَدْيِ إلَّا التَّطَوُّعَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ، وَجَزَاءَ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةَ الْأَذَى، وَنَذْرَ الْمَسَاكِينِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ آرَاءٌ مُجَرَّدَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يُؤْكَلَ مِنْ كُلِّ هَدْيٍ إلَّا مَا جُعِلَ لِلْمَسَاكِينِ. فَقُلْنَا: وَأَيْنَ وَجَدْتُمْ أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ لِلْمَسَاكِينِ، وَأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ وَالْإِحْصَارِ لَيْسَ لِلْمَسَاكِينِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِسْنَا هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى هَدْيِ الْقِرَانِ.

стр. 2011

فَقُلْنَا: أَيْنَ وَجَدْتُمْ أَنَّ عَلَى الْقَارِنِ هَدْيًا يَلْزَمُهُ بَعْدَ قِرَانِهِ؟ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ هَدْيٍ أَوْجَبَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَرْضًا فَقَدْ أَلْزَمَ صَاحِبَهُ إخْرَاجَهُ مِنْ مَالِهِ وَقَطْعَهُ مِنْهُ؛ فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَا قَدْ سَقَطَ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا بِنَصٍّ؛ لَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ إنْ شَاءُوا؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُهُ إلَّا مَا سُمِّيَ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَأْكُلُوا مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُونُوا مَسَاكِينَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْأُضْحِيَّةُ لِلْحَاجِّ] ٩٠٩ - مَسْأَلَةٌ: وَالْأُضْحِيَّةُ لِلْحَاجِّ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا هِيَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُضَحِّي الْحَاجُّ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا عَمْرُو النَّاقِدُ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ فَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُسَدَّدٌ نَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ دَخَلَ عَلَيْهَا وَقَدْ حَاضَتْ بِسَرِفَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ مَكَّةَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا حَاضَتْ، فَقَالَ لَهَا ﵇: فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ قَالَتْ: فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ كَثِيرٍ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَإِلَّا فَإِنَّمَا هِيَ ضَحَايَا. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ أَنَّ الْحَسَنَ أَبَاهُ تَمَتَّعَ فَذَبَحَ شَاتَيْنِ شَاةً لِمُتْعَتِهِ وَشَاةً لِأُضْحِيَّتِهِ.

стр. 2012

وَقَدْ حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ عَلَى الْأُضْحِيَّةَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ الْحَاجُّ مِنْ الْفَضْلِ وَالْقُرْبَةِ إلَى اللَّه - تَعَالَى - بِغَيْرِ نَصٍّ فِي ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ وَافَقَ الْإِمَامُ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ] ٩١٠ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ وَافَقَ الْإِمَامُ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ: جَهَرَ، وَهِيَ صَلَاةُ جُمُعَةٍ، وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَيْضًا بِمِنًى وَبِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَأْتِ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ - تَعَالَى - بِذَلِكَ غَيْرَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَمِنًى مِنْ عَرَفَةَ وَمِنًى. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: إذَا وَافَقَ يَوْمُ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ: جَهَرَ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ. فَإِنْ ذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: «وَافَقَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحَجَّةَ النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ: مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى فَلْيَفْعَلْ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى وَلَمْ يَخْطُبْ» قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزُ: وَفَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَبِهِ إلَى إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ الظُّهْرَ وَلَمْ يَجْهَرْ بِالْقِرَاءَةِ -: فَهَذَا خَبَرٌ مَوْضُوعٌ فِيهِ كُلُّ بَلِيَّةٍ. إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ مَتْرُوكٌ مِنْ الْكُلِّ، ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ، وَفِيهِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ ابْنِ أَبِي يَحْيَى الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ سَاقِطٌ؛ ثُمَّ الْكَذِبُ فِيهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﵇ إنَّمَا كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَكَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ -: رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْفٍ نَا أَبُو الْعَمِيسِ نَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ ".

стр. 2013

فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْآثَارَ كُلَّهَا إنَّمَا فِيهَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ هِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ نَفْسُهَا وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَجْهَرْ فِيهَا، وَالْجَهْرُ أَيْضًا لَيْسَ فَرْضًا وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِي أَنَّ ظُهْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ لِلْجَمَاعَةِ رَكْعَتَانِ. [مَسْأَلَةٌ تَأْخِيرُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ] ٩١١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنْ أَوَّلِ أَوْقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ لَهُمَا؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ عَصَى وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَحُجَّ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ فِي سَعَةٍ إلَى آخِرِ عُمْرِهِ. بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا مُتَوَجَّهٌ إلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ؛ فَلَا يَخْلُو الْمُسْتَطِيعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ الْحَجُّ أَوْ لَا يَكُونُ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ الْحَجُّ؛ فَإِنْ كَانَ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي عَامِهِ - وَهُوَ قَوْلُنَا، وَهُوَ إنْ لَمْ يَحُجَّ مُعَطِّلُ فَرْضٍ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مُفْتَرَضًا عَلَيْهِ الْحَجُّ فَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ. وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ مَفْسُوحًا لَهُ إلَى آخِرِ عُمْرِهِ فَإِنَّمَا تَلْحَقُهُ الْمَلَامَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمَلَامَةُ لَا تَلْحَقُ أَحَدًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَصَحَّ أَنَّهُ مَلُومٌ فِي حَيَاتِهِ. فَإِنْ احْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ إلَّا فِي آخِرِهَا؟ قُلْنَا: لَا بَيَانَ عِنْدَكُمْ مَتَى افْتَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْحَجَّ، وَمُمْكِنٌ أَنْ لَا يَكُونَ اُفْتُرِضَ إلَّا عَامَ حَجَّ ﵇، وَمَا لَا نَصَّ بَيِّنًا فِيهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، إلَّا أَنَّنَا مُوقِنُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَدَعُ الْأَفْضَلَ إلَّا لِعُذْرٍ مَانِعٍ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ مَعَنَا فِي أَنَّ التَّعْجِيلَ أَفْضَلُ. فَإِنْ ذَكَرُوا تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا. قُلْنَا: هَذَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ فَأَوْجِدُونَا نَصًّا بَيِّنًا فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُكُمْ حِينَئِذٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى هَذَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. ٩١٢ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّمَا تُرَاعَى الِاسْتِطَاعَةُ بِحَيْثُ لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي حَدَثَتْ لَهُ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةُ فَيُدْرِكُ الْحَجَّ فِي وَقْتِهِ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ قَبْلَ ذَلِكَ الْعَامِ كُلِّهِ وَبَطَلَتْ

стр. 2014

اسْتِطَاعَتُهُ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا وَلَا لَزِمَهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ إلَّا فِي وَقْتِ الْحَجِّ فَيَكُونُ قَارِنًا، أَوْ مُتَمَتِّعًا. [مَسْأَلَةٌ لَمْ يُوجَدْ مِنْ يَحُجُّ عَنْهُ إلَّا بِأُجْرَةٍ] ٩١٣ - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ اسْتَطَاعَ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ بَطَلَتْ اسْتِطَاعَتُهُ أَوْ لَمْ تَبْطُلْ فَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ أَدَاؤُهُمَا عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ قَبْلَ دُيُونِ النَّاسِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ يَحُجُّ عَنْهُ إلَّا بِأُجْرَةٍ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ " دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ مِنْ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ لَا يَلْزَمُ غَيْرُ هَذَا، إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى الْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِ مَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَلْزَمُ. وَلَوْ خَرَجَ الْمَرْءُ مِنْ مَنْزِلِهِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ لَا يَنْوِي حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً فَأَتَى الْمِيقَاتَ فَحِينَئِذٍ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ وَالدُّخُولُ فِي عَمَلِ الْحَجِّ لَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَجَائِزٌ أَنْ تَحُجَّ الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﵇ الْخَثْعَمِيَّةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا، وَأَمْرِهِ ﵇ الرَّجُلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أُمِّهِ؛ وَالرَّجُلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وَهَذَا خَيْرٌ، فَجَائِزٌ أَنْ يَفْعَلَهُ كُلُّ أَحَدٍ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ. وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحَجِّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ بِهِ فَقَطْ، وَاحْتَجَّ فِي مَنْعِ الْإِجَارَةِ فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ قَائِلُهُمْ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَنَعَمْ، وَأَمَّا عَلَى الطَّاعَةِ فَقَوْلُهُمْ فِيهِ بَاطِلٌ، بَلْ الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَقَدْ أَمَرَ ﵇ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَأَبَاحَهَا وَحَضَّ عَلَى إعْطَاءِ الْأَجِيرِ أَجْرَهُ، فَكَانَ هَذَا جَائِزًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا مَنَعَ مِنْهُ نَصٌّ فَقَطْ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ فِي بُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ، وَعَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ لِلْإِبِلِ لِلْحَجِّ

стр. 2015

عَلَيْهَا، وَعَلَى جَلَاءِ سِلَاحِ الْمُجَاهِدِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ طَاعَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى -، فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ. وَتُعْقَدُ الْإِجَارَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِأَنْ تُعْطَى دَرَاهِمُ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ، أَوْ فِي هَدْيٍ يَسُوقُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِيَكُونَ قَارِنًا، ثُمَّ يُوصَفُ لَهُ عَمَلُ الْحَجِّ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ كُلُّهُ مِنْ تَحْدِيدِ الْمِيقَاتِ وَعَدَدِ التَّلْبِيَةِ، وَوَقْتِ الْمِيقَاتِ بِعَرَفَةَ، وَصِفَةِ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ وَالتَّعْجِيلِ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ التَّأْخِيرِ، فَإِنْ حَجَّ الْعَامَ فَحَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْإِجَارَةِ شَيْءٌ وَبَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ فَحَسَنٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِ إمْكَانِ الْحَجِّ لَهُ وَيُجْزِي مَتَى حَجَّ عَنْهُ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمَوْصُوفَةِ مِنْ الْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا. وَكُلُّ مَا أَصَابَ الْأَجِيرَ مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى فَهُوَ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَإِنْ تَعَمَّدَ إبْطَالَ الْحَجِّ، أَوْ عُمْرَتِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ. فَلَوْ عَمِلَ بَعْضَ عَمَلِ الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ مَاتَ، أَوْ صُدَّ كَانَ لَهُ بِمِقْدَارِ مَا عَمِلَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ كَمَا أُمِرَ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ تَرْكَ الْبَاقِي، وَيَكُونُ هَدْيُ الْإِحْصَارِ فِي مَالِ الْمُحْصَرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُعْمَلُ عَنْ الْمَيِّتِ فَيَسْتَأْجِرُ عَنْهُ مَنْ يَرْمِي الْجِمَارَ، أَوْ يَطُوفُ عَنْهُ، وَيَسْعَى مِمَّنْ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ، وَطَافَ عَنْ نَفْسِهِ، وَمِمَّنْ يُحْرِمُ عَنْهُ وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَيُوَفِّي عَنْهُ بَاقِيَ عَمَلِ الْحَجِّ إنْ كَانَ لَمْ يَعْمَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. وَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ مَالٍ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ يَضِيعُ فَلَا يَلْزَمُ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ ضَمَانُ مَالٍ وَلَا عَمَلُ حَجٍّ، فَهُوَ تَضْيِيعٌ لِمَالِ الْمَيِّتِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ. فَلَوْ أَعْطَاهُ حَيٌّ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ كَانَ عَقْدًا غَيْرَ لَازِمٍ حَتَّى يُتِمَّ الْحَجَّ، فَإِذَا تَمَّ حِينَئِذٍ اسْتَحَقَّ مَا أُعْطِيَ وَأَجْزَأَ عَنْ الْمُعْطِي - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ وَلَا اعْتَمَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ حِينَ اُسْتُؤْجِرَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّا يَأْخُذُ مِنْ الْأُجْرَةِ فَاسْتِئْجَارُهُ لِمَا يَسْتَطِيعُ عَلَيْهِ جَائِزٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ وَالْمَعْلُومَاتُ] ٩١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ وَالْمَعْلُومَاتُ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلَاثَةٌ أَيَّامٍ بَعْدَهُ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]

стр. 2016

وَالتَّعْجِيلُ الْمَذْكُورُ وَالتَّأْخِيرُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ بِلَا خَوْفٍ مِنْ أَحَدٍ فِي أَيَّامِ رَمْيِ الْجِمَارِ. وَأَيَّامُ رَمْيِ الْجِمَارِ بِلَا خِلَافٍ هُوَ يَوْمُ النَّحْرُ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] فَهَذِهِ بِلَا شَكٍّ أَيَّامُ النَّحْرِ الَّتِي تُنْحَرُ فِيهَا بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى نَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ: أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وقَوْله تَعَالَى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ - وَهَذَا قَوْلُنَا. وَقَدْ رُوِيَ غَيْرُ هَذَا، وَقَبْلُ وَبَعْدُ، فَذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَاجِبٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ إلَّا بِنَصٍّ، وَأَمَّا بِالدَّعْوَى وَقَوْلِ قَائِلٍ قَدْ خُولِفَ فَلَا. صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، آخِرُهَا يَوْمُ النَّحْرِ، وَأَنَّ الْمَعْدُودَاتِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ. رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ هُشَيْمٍ نَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ زِرٍّ، وَنَافِعٍ، قَالَ زِرٌّ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ نَافِعٌ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، قَالَا جَمِيعًا: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، اذْبَحْ فِي أَيُّهَا شِئْت، وَأَفْضَلُهَا أَوَّلُهَا

стр. 2017

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نَا حَمَّادٌ بْن عِيسَى الْجُهَنِيُّ نَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ نَا ابْنُ عَجْلَانَ نَا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَالْمَعْدُودَاتُ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ النَّحْرِ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ - وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً إلَّا تَعَلَّقَهُ بِابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ خِلَافَ هَذَا، وَخَالَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلِيٌّ، فَلَيْسَ التَّعَلُّقُ بِبَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ. وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنْ قَالُوا: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ - تَعَالَى - بَيْنَ اسْمَيْهِمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ وَجَمَعَ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا فِي أَنَّهُ أَمَرَ بِذَكَرِهِ فَقَطْ وَذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ يَوْمٌ دُونَ يَوْمٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِالنَّحْرِ لِلَّهِ - تَعَالَى - يَوْمٌ دُونَ يَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ وَبِرٍّ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا نَصَّ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَجّ الصَّبِيِّ] ٩١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَنَسْتَحِبُّ الْحَجَّ بِالصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا أَوْ كَبِيرًا وَلَهُ حَجٌّ وَأَجْرٌ، وَهُوَ تَطَوُّعٌ، وَلِلَّذِي يَحُجُّ بِهِ أَجْرٌ، وَيَجْتَنِبُ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ وَاقَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، وَيُطَافُ بِهِ، وَيُرْمَى عَنْهُ الْجِمَارُ إنْ لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ. وَيُجْزِي الطَّائِفَ بِهِ طَوَافُهُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُدَرَّبُوا وَيُعَلَّمُوا الشَّرَائِعَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ إذَا أَطَاقُوا ذَلِكَ وَيُجَنَّبُوا الْحَرَامَ كُلَّهُ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - يَتَفَضَّلُ بِأَنْ يَأْجُرَهُمْ، وَلَا يَكْتُبُ عَلَيْهِمْ إثْمًا حَتَّى يَبْلُغُوا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا سُفْيَانُ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَجُّ عَمَلٌ حَسَنٌ، وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠] . فَإِنْ قِيلَ: لَا نِيَّةَ لِلصَّبِيِّ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَا تَلْزَمُهُ إنَّمَا تَلْزَمُ النِّيَّةُ الْمُخَاطَبَ الْمَأْمُورَ

стр. 2018

الْمُكَلَّفَ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مُخَاطَبًا وَلَا مُكَلَّفًا وَلَا مَأْمُورًا وَإِنَّمَا أَجْرُهُ تَفَضُّلٌ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - مُجَرَّدٌ عَلَيْهِ كَمَا يَتَفَضَّلُ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَلَا عَمَلَ بِأَنْ يَأْجُرَهُ بِدُعَاءِ ابْنِهِ لَهُ بَعْدَهُ وَبِمَا يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ عَنْهُ مِنْ حَجٍّ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، وَلَا فَرْقَ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. وَإِذَا الصَّبِيُّ قَدْ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي صَيْدٍ إنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي إحْرَامِهِ، وَلَا فِي حَلْقِ رَأْسِهِ لِأَذًى بِهِ، وَلَا عَنْ تَمَتُّعِهِ، وَلَا لِإِحْصَارِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ لَزِمَهُ هَدْيٌ لَلَزِمَهُ أَنْ يُعَوِّضَ مِنْهُ الصِّيَامَ وَهُوَ فِي الْمُتْعَةِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا وَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ بِشَيْءِ مِمَّا ذَكَرْنَا، إنَّمَا هُوَ مَا عَمِلَ، أَوْ عُمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَا لَمْ يَعْمَلْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ الصِّبْيَانُ يَحْضُرُونَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، صَحَّتْ بِذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ: كَصَلَاتِهِ بِأُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَحُضُورِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَهُ الصَّلَاةَ، وَسَمَاعِهِ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيُجْزِي الطَّائِفَ بِهِ طَوَافُهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ طَائِفٌ وَحَامِلٌ، فَهُمَا عَمَلَانِ مُتَغَايِرَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ، كَمَا هُوَ طَائِفٌ وَرَاكِبٌ، وَلَا فَرْقَ. ٩١٦ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي حَالِ إحْرَامِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا وَيَشْرَعَ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، فَإِنْ فَاتَتْهُ عَرَفَةُ، أَوْ مُزْدَلِفَةُ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ. أَمَّا تَجْدِيدُهُ الْإِحْرَامَ فَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَأْمُورًا بِالْحَجِّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ الْأَوَّلَ كَانَ تَطَوُّعَا وَالْفَرْضُ أَوْلَى مِنْ التَّطَوُّعِ. [مَسْأَلَةٌ حَجَّ وَاعْتَمَرَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ] ٩١٧ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ هَدَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَاسْتَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ فَأَسْلَمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ اللَّيْثِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: يُعِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَهَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَقُلْ فِيهَا: لَئِنْ أَشْرَكَتْ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك الَّذِي عَمِلْت قَبْلَ أَنْ تُشْرِكَ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لَا تَجُوزُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ - تَعَالَى - أَنَّهُ يَحْبَطُ عَمَلُهُ بَعْدَ الشِّرْكِ إذَا مَاتَ أَيْضًا عَلَى شِرْكِهِ لَا إذَا أَسْلَمَ وَهَذَا حَقٌّ بِلَا شَكٍّ. وَلَوْ حَجَّ مُشْرِكٌ أَوْ اعْتَمَرَ، أَوْ صَلَّى، أَوْ صَامَ، أَوْ زَكَّى، لَمْ يُجْزِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ

стр. 2019

الْوَاجِبِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ - قَوْله تَعَالَى - فِيهَا: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] بَيَانُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَحْبَطْ مَا عَمِلَ قَبْلُ فِي إسْلَامِهِ أَصْلًا بَلْ هُوَ مَكْتُوبٌ لَهُ وَمُجَازًى عَلَيْهِ بِالْجَنَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ - لَا هُمْ وَلَا نَحْنُ - فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا رَاجَعَ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مِنْ الْخَاسِرِينَ، بَلْ مِنْ الْمُرْبِحِينَ الْمُفْلِحِينَ الْفَائِزِينَ. فَصَحَّ أَنَّ الَّذِي يَحْبَطُ عَمَلُهُ هُوَ الْمَيِّتُ عَلَى كُفْرِهِ مُرْتَدًّا أَوْ غَيْرَ مُرْتَدٍّ، وَهَذَا هُوَ مِنْ الْخَاسِرِينَ بِلَا شَكٍّ، لَا مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كُفْرِهِ أَوْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ رِدَّتِهِ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] فَصَحَّ نَصُّ قَوْلِنَا: مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْبَطُ عَمَلُهُ إنْ ارْتَدَّ إلَّا بِأَنْ يَمُوتَ وَهُوَ كَافِرٌ. وَوَجَدْنَا اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥] . وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] . وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ. فَصَحَّ أَنَّ حَجَّهُ وَعُمْرَتَهُ إذَا رَاجَعَ الْإِسْلَامَ سَيَرَاهُمَا وَلَا يَضِيعَانِ لَهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طُرُقٍ كَالشَّمْسِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَيُونُسَ، وَمَعْمَرٍ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَرُوِّينَا أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْمَعْنَى، ثُمَّ اتَّفَقَ الزُّهْرِيُّ، وَهِشَامٌ كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ، قَالَ: نَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵇: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ» ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ، وَالْكَافِرُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَطُّ، إذَا أَسْلَمَا فَقَدْ أَسْلَمَا عَلَى مَا أَسَلَفَا مِنْ الْخَيْرِ، وَقَدْ كَانَ الْمُرْتَدُّ إذَا حَجَّ وَهُوَ مُسْلِمٌ قَدْ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ، وَمَا كُلِّفَ كَمَا أُمِرَ بِهِ فَقَدْ أَسْلَمَ الْآنَ عَلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ كَمَا كَانَ. وَأَمَّا الْكَافِرُ يَحُجُّ كَالصَّابِئِينَ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْحَجَّ إلَى مَكَّةَ فِي دِينِهِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ

стр. 2020

ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ كُلِّهَا أَنْ لَا تُؤَدَّى إلَّا كَمَا أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵇ فِي الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ - تَعَالَى - دِينًا غَيْرَهُ، وَقَالَ ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمَرْنَا فَهُوَ رَدٌّ» . وَالصَّابِئُ إنَّمَا حَجَّ كَمَا أَمَرَهُ يوراسف، أَوْ هُرْمُسُ فَلَا يُجْزِئُهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. وَيَلْزَمُ مَنْ أَسْقَطَ حَجَّهُ بِرِدَّتِهِ أَنْ يُسْقِطَ إحْصَانَهُ، وَطَلَاقَهُ الثَّلَاثَ، وَبَيْعَهُ، وَابْتِيَاعَهُ، وَعَطَايَاهُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا؛ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَةٌ لُقَطَة الْحَرَمِ] ٩١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ لُقَطَةٌ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، وَلَا لُقَطَةُ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، مُذْ يُحْرِمُ إلَى أَنْ يُتِمَّ جَمِيعَ عَمَلِ حَجِّهِ. إلَّا لِمَنْ يَنْشُدُهَا أَبَدًا لَا يُحَدُّ تَعْرِيفُهَا بِعَامٍ وَلَا بِأَكْثَرَ وَلَا بِأَقَلَّ، فَإِنْ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا قَطْعًا مُتَيَقِّنًا حَلَّتْ حِينَئِذٍ لِوَاجِدِهَا، بِخِلَافِ سَائِرِ اللُّقَطَاتِ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ الْعَامِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٌ نَا الْأَوْزَاعِيُّ نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَتْ هَذِهِ إلَّا صِفَةَ الْحَرَمِ لَا الْحِلِّ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا وَفِيهِ «فَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَأَحَلَّهَا ﵇ لِلْمُنْشِدِ وَأَوْجَبَ تَعْرِيفَهَا بِغَيْرِ تَحْدِيدٍ.

стр. 2021

وَقَالَ ﵇: " إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ". وَاللُّقَطَةُ هِيَ غَيْرُ مَالِ الْمُلْتَقِطِ فَهِيَ عَلَيْهِ حَرَامٌ. وَالتَّعْرِيفُ إنَّمَا هُوَ لِيُوجَدَ مَنْ يَعْرِفُهَا أَوْ صَاحِبُهَا فَهَذَا الْحُكْمُ لَازِمٌ، فَإِذَا يَئِسَ بِيَقِينٍ عَنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا سَقَطَ التَّعْرِيفُ، إذْ مِنْ الْبَاطِلِ تَعْرِيفُ مَا يُوقَنُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَإِذَا سَقَطَ التَّعْرِيفُ حَلَّتْ حِينَئِذٍ بِالنَّصِّ لِمُنْشِدِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَا ابْنُ وَهْبٍ نَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ - عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ «نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَاجُّ هُوَ مَنْ هُوَ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، وَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْعَمَلِ فَهُوَ مُرِيدٌ لِلْحَجِّ وَلَيْسَ حَاجًّا بَعْدُ، وَأَمَّا بَعْدَ إتْمَامِهِ عَمَلَ الْحَجِّ فَقَدْ حَجّ وَلَيْسَ حَاجًّا الْآنَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ حَاجًّا مَجَازًا، كَمَا أَنَّ الصَّائِمَ، أَوْ الْمُصَلِّيَ، أَوْ الْمُجَاهِدَ، إنَّمَا هُوَ صَائِمٌ، وَمُصَلٍّ، وَمُجَاهِدٍ، مَا دَامَ فِي عَمَلِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ. وَنَهْيُهُ ﵇ عَنْ لُقَطَةٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهَى ﵇ عَنْ أَخْذِهَا، أَوْ نَهَى عَنْ تَمَلُّكِهَا، فَأَمَّا أَخْذُهَا فَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَنَهَى ﵇ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَتَرْكُهَا إضَاعَةٌ لَهَا بِلَا شَكٍّ، وَحِفْظُهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى ﵇ عَنْ تَمَلُّكِهَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ﵇ لَمْ يَنْهَ عَنْ حِفْظِهَا وَلَا عَنْ تَعْرِيفِهَا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا بِعَيْنِهَا، هَذَا نَصُّ الْحَدِيثِ. فَصَحَّ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ تَمَلُّكِهَا فَإِذَا يَئِسَ عَنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا بِيَقِينٍ فَكُلُّ مَالٍ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ فَهُوَ لِلَّهِ - تَعَالَى -، ثُمَّ فِي مَصَالِحِ عِبَادِهِ، وَالْمُلْتَقِطُ أَحَدُهُمْ وَهِيَ فِي يَدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَلَا يَتَعَدَّى بِهِ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِبُرْهَانٍ، وَحُكْمُ الْمُعْتَمِرِ كَحُكْمِ الْحَاجِّ لِقَوْلِهِ ﵇ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.

стр. 2022

[مَسْأَلَةٌ مَكَّةُ أَفْضَلُ بِلَادِ اللَّهِ] مَسْأَلَةٌ: وَمَكَّةُ أَفْضَلُ بِلَادِ اللَّهِ - تَعَالَى -، نَعْنِي الْحَرَمَ وَحْدَهُ وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ عَرَفَاتٍ فَقَطْ. وَبَعْدَهَا مَدِينَةُ النَّبِيِّ ﵇ نَعْنِي حَرَمَهَا وَحْدَهُ. ثُمَّ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، نَعْنِي الْمَسْجِدَ وَحْدَهُ - هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، وَاحْتَجَّ مُقَلِّدُوهُ بِأَخْبَارٍ ثَابِتَةٍ. مِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ أَصْلًا، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُ ﵇ حَرَّمَهَا كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا كَمَا دَعَا إبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ فَقَطْ، وَهَذَا حَقٌّ، وَقَدْ دَعَا ﵇ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ كَمَا دَعَا لِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَلِأَصْحَابِهِ ﵃ فَهَلْ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِنَا عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى مُسَاوَاتِنَا فِي الْفَضْلِ؟ هَذَا مَا لَا يَقُولُهُ ذُو عَقْلٍ. وَقَدْ حَرَّمَ ﵇: الدِّمَاءَ، وَالْأَعْرَاضَ، وَالْأَمْوَالَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلٍ؛ وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ آخَرَ صَحِيحٍ: أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي تَمْرِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنَّهُ دَعَا لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ» . وَبِخَبَرٍ صَحِيحٍ فِيهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ وَإِنَّمَا فِيهِ الدُّعَاءُ لِلْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ، وَنَعَمْ، هِيَ وَاَللَّهِ مُبَارَكَةٌ، وَإِنَّمَا دَعَا إبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ - تَعَالَى - إذْ يَقُولُ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الثِّمَارَ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرُ مِمَّا بِمَكَّةَ.

стр. 2023

وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يَدْعُ لِلْمَدِينَةِ بِأَنْ تَهْوِي أَفْئِدَةُ النَّاسِ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ هَوِيِّهَا إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ إلَى مَكَّةَ لَا إلَى الْمَدِينَةِ. فَصَحَّ أَنَّ دُعَاءَهُ ﵇ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الرِّزْقِ مِنْ الثَّمَرَاتِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْفَضْلِ فِي شَيْءٍ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: «الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا، وَإِنَّمَا تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي فَضْلِهَا عَلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنَّمَا هُوَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَفِي قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَفِي خَاصٍّ لَا فِي عَامٍّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ، وَمَنْ أَجَازَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ الْكَذِبَ فَهُوَ كَافِرٌ؛ وَقَالَ اللَّه - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] . وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] . فَصَحَّ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَخْبَثُ الْخَلْقِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ قَدْ خَرَجَ: عَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ الْمَدِينَةِ، وَهُمْ مِنْ أَطْيَبِ الْخَلْقِ ﵃ بِلَا خِلَافٍ مِنْ مُسْلِمٍ حَاشَا الْخَوَارِجَ فِي بُغْضِهِمْ. فَصَحَّ يَقِينًا لَا يَمْتَرِي فِيهِ إلَّا مُسْتَخِفٌّ بِالنَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَعْنِ بِالْمَدِينَةِ تَنْفِي الْخُبْثَ إلَّا فِي خَاصٍّ مِنْ النَّاسِ، وَفِي خَاصٍّ مِنْ الزَّمَانِ لَا عَامٍّ. وَقَدْ جَاءَ كَلَامُنَا هَذَا نَصًّا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا عَبْدُ الْعَزِيزُ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثٍ «أَلَا إنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ يُخْرِجُ الْخَبَثَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» . وَمِنْ طَرِيق أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ

стр. 2024

رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ: «لَيْسَ بَلَدٌ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا الْمَدِينَةَ، وَمَكَّةَ، عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا فَيَنْزِلُ بِالسَّبْخَةِ فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ يَخْرُجُ إلَيْهِ مِنْهَا كُلُّ مُنَافِقٍ وَكَافِرٍ» وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِدَلِيلٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: «مَا مِنْ بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ» إنَّمَا هُوَ سَيَطَؤُهُ أَمْرُهُ وَبُعُوثُهُ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا، وَسَكَّانُ الْمَدِينَةِ الْيَوْمَ أَخْبَثُ الْخُبْثِ، وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى مُصِيبَتِنَا فِي ذَلِكَ؛ فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» وَذَكَرَ مِثْلُ هَذَا حَرْفًا حَرْفًا فِي فَتْحِ الشَّامَ، وَفَتْحِ الْعِرَاقِ. وَقَوْلُهُ ﵇: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ رَغْبَةً عَنْهَا إلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَخْبَرَ ﵇ بِأَنَّ الْمَدِينَةَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ الْيَمَنِ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَبِلَادِ الرَّخَاءِ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ فَضْلُهَا عَلَى مَكَّةَ، وَلَا ذِكْرَ لِمَكَّةَ أَصْلًا. وَأَمَّا إخْبَارُهُ ﵇ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَدِينَةَ خَيْرٌ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ لَهُمْ فَإِنَّمَا هُوَ أَيْضًا فِي خَاصٍّ لَا عَامٍّ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ عَنْهَا طَلَبَ رَخَاءٍ، أَوْ لِعَرَضِ دُنْيَا؛ وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْهَا لِجِهَادٍ، أَوْ لِحُكْمٍ بِالْعَدْلِ، أَوْ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ دِينَهُمْ فَلَا، بَلْ الَّذِي خَرَجُوا لَهُ أَفْضَلُ مِنْ مُقَامِهِمْ بِالْمَدِينَةِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ خُرُوجُهُ ﵇ عَنْهَا لِلْجِهَادِ وَأَمْرُهُ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ وَالْوَعِيدُ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ بَعْثَتُهُ ﵇ -

стр. 2025

أَصْحَابَهُ إلَى الْيَمَنِ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانَ لِلدُّعَاءِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَهُوَ ﵇ يَقُولُ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» فَبِلَا شَكٍّ أَنَّهُ قَدْ نَصَحَهُمْ فِي إخْرَاجِهِمْ لِذَلِكَ، فَصَحَّ قَوْلُنَا: وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ فِي هَذَا فِي دَعْوَاهُمْ فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: «لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ رَغْبَةً عَنْهَا» فَهَذَا الْحَقُّ وَعَلَى مَنْ يَرْغَبُ عَنْ الْمَدِينَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ فَمَا هُوَ بِمُسْلِمٍ، وَكَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ مَنْ رَغِبَ عَنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ فِي هَذَا فَضْلٌ لَهَا عَلَى مَكَّةَ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» وَهَذَا إنَّمَا فِيهِ: أَنَّ مِنْ الْمَدِينَةِ تُفْتَحُ الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِي هَذَا فَضْلٌ لَهَا عَلَى مَكَّةَ وَقَدْ فُتِحَتْ خُرَاسَانُ، وَسِجِسْتَانُ، وَفَارِسُ، وَكَرْمَانُ، مِنْ الْبَصْرَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى فَضْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى مَكَّةَ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «إنَّ الْإِيمَانَ يَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ فَضْلُهَا عَلَى مَكَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ بِلَا شَكٍّ. وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ وَهُوَ الْيَوْمَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَوَا حُزْنَاهُ وَوَا أَسَفَاهُ وَمَا الْإِسْلَامُ ظَاهِرًا إلَّا فِي غَيْرِهَا وَنَسْأَلُ اللَّهُ إعَادَتَهَا إلَى أَفْضَلِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَعْدَهُ ﵇. وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ بِزِيَادَةٍ كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ نَا عَاصِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» فَفِي هَذَا أَنَّ الْإِيمَانَ يَأْرِزُ بَيْنَ مَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. وَمِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَع رَاحِلَتَهُ مِنْ حُبِّهَا» وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُحِبُّهَا.

стр. 2026

وَنَعَمْ هَذَا حَقٌّ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ مِنْ حُبِّهِ مَكَّةَ، وَلَا أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «لَا يَكِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ» . وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «لَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ، وَمَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخَافَهُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» . وَقَوْلُهُ ﵇ مَثَلُ هَذَا فِيمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا وَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْوَعِيدُ عَلَى مَنْ كَادَ أَهْلَهَا وَلَا يَحِلُّ كَيْدُ مُسْلِمٍ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ. وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - عَنْ مَكَّةَ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فَصَحَّ الْوَعِيدُ عَلَى مَنْ ظَلَمَ بِمَكَّةَ كَالْوَعِيدِ عَلَى مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «لَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشَدَّتِهَا إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَإِنَّمَا فِي هَذَا الْحَضِّ عَلَى الثَّبَاتِ عَلَى شِدَّتِهَا وَأَنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ شَفِيعًا وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهَا عَلَى مَكَّةَ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵇ يَشْفَعُ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ. وَقَدْ قَالَ ﵇: " الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ " وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الشَّفَاعَةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ» فَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهَا عَلَى مَكَّةَ وَإِنَّمَا دَعَا ﵇ بِهَذَا كَمَا تَرَى فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُحَبِّبَهَا إلَيْهِمْ كَحُبِّهِمْ مَكَّةَ، وَإِمَّا أَشَدُّ مِنْ حُبِّهِمْ مَكَّةَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أُجِيبَ بِهِ دُعَاؤُهُ ﵇، وَحُبُّ الْبَلَدِ يَكُونُ لِلْمُوَافَقَةِ وَالْأُلْفَةِ وَلَيْسَ فِي هَذَا فَضْلٌ عَلَى مَكَّةَ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قَيْدٍ - يَعْنِي سُقُوطَهُ - خَيْرٌ مِنْ الْأَنْبَاطِ وَمَا فِيهَا» . وَقَوْلُهُ ﵇: «بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» وَأَرَادُوا أَنْ يُثْبِتُوا مِنْ هَذَا أَنَّ مَكَّةَ مِنْ الدُّنْيَا فَمَوْضِعُ قَابِ قَوْسٍ مِنْ تِلْكَ الرَّوْضَةِ

стр. 2027

خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ هَذَا كَمَا ظَنُّوهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ مِصْرُ، وَالْكُوفَةُ، وِرَاؤُنَا: خَيْرًا مِنْ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ. وَرُوِّينَا عَنْ مُسْلِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «سَيْحَانُ، وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ، وَالنِّيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» وَهَذَا مَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ: أَنَّ هَذِهِ الْبِلَادَ مِنْ أَجْلِ مَا فِيهَا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَيْسَ عَلَى مَا يَظُنُّهُ أَهْلُ الْجَهْلِ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الرَّوْضَةَ قِطْعَةٌ مُنْقَطِعَةٌ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ مُهْبَطَةٌ مِنْ الْجَنَّةِ، هَذَا بَاطِلٌ وَكَذِبٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ فِي الْجَنَّةِ ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى - وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] فَهَذِهِ صِفَةُ الْجَنَّةِ بِلَا شَكٍّ وَلَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةَ الْأَنْهَارِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا تِلْكَ الرَّوْضَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﵇ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ. فَصَحَّ أَنَّ كَوْنَ تِلْكَ الرَّوْضَةِ مِنْ الْجَنَّةِ إنَّمَا هُوَ لَفْظُهَا، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا تُؤَدِّي إلَى الْجَنَّةِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَنْهَارَ لِبَرَكَتِهَا أُضِيفَتْ إلَى الْجَنَّةِ، كَمَا تَقُولُ فِي الْيَوْمِ الطَّيِّبِ: هَذَا مِنْ أَيَّامِ الْجَنَّةِ؛ وَكَمَا قِيلَ فِي الضَّأْنِ: إنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ، وَكَمَا قَالَ ﵇: «إنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» فَهَذَا فِي أَرْضِ الْكُفْرِ بِلَا شَكٍّ وَلَيْسَ فِي هَذَا فَضْلٌ لَهَا عَلَى مَكَّةَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ مَا ادَّعُوهُ وَظَنُّوهُ لَمَا كَانَ الْفَضْلُ إلَّا لِتِلْكَ الرَّوْضَةِ خَاصَّةً لَا لِسَائِرِ الْمَدِينَةِ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ. فَإِنْ قَالُوا: مَا قَرُبَ مِنْهَا أَفْضَلُ مِمَّا بَعُدَ. قُلْنَا: يَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنَّ الْجُحْفَةَ، وَخَيْبَرَ، وَوَادِيَ الْقُرَى أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى تِلْكَ الرَّوْضَةِ مِنْ مَكَّةَ، وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ، وَلَا يَقُولُهُ ذُو عَقْلٍ، فَبَطَلَ تَظَنُّنُهُمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَتَأَوَّلُونَ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ بِلَا بُرْهَانٍ مِثْلُ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا» وَمِثْلُ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» وَغَيْرُ

стр. 2028

ذَلِكَ، ثُمَّ يَأْتُونَ إلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي قَدْ صَحَّ الْبُرْهَانُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحِسِّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا فَيُرِيدُونَ حَمْلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ نَا مُوسَى بْنُ دَاوُد عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ: «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ» فَهَذَا بِمَكَّةَ فَاَلَّذِي بِمَكَّةَ مِنْ هَذَا كَاَلَّذِي لِلْمَدِينَةِ، إذْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْجَنَّةِ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَأَوَّلُوا هُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ بِدُونِ الْأَلْفِ، وَقُلْنَا نَحْنُ: بَلْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَكِلَا التَّأْوِيلَيْنِ مُحْتَمَلٌ. نَعَمْ، تَأْوِيلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي كِلَيْهِمَا سَوَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى أَحَدِ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ دُونَ الْآخَرِ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانٌ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ فَضْلُهَا عَلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ مَكَّةَ لَا يَدْخُلُهَا الدَّجَّالُ أَيْضًا؛ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - يَصْرِفُهُ عَنْهَا كَمَا يَصْرِفُهُ عَنْ الْمَدِينَةِ وَالْمَلَائِكَةُ تَنْزِلُ عَلَى الْمُصَلِّينَ فِي كُلِّ بَلَدٍ كَمَا أَخْبَرَ ﵇: " أَنَّهُ يَتَعَاقَبُ فِينَا مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ". وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇ «هِيَ طَيِّبَةٌ» وَنَعَمْ، هِيَ وَاَللَّهِ طَيِّبَةٌ، وَلَيْسَ فِي هَذَا فَضْلٌ لَهَا عَلَى مَكَّةَ أَصْلًا. فَهَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ الصِّحَاحِ مَا لَهُمْ خَبَرٌ صَحِيحٌ سِوَى هَذِهِ، وَكُلُّهَا لَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى فَضْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ أَصْلًا عَلَى مَا بَيَّنَّا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 2029

وَاحْتَجُّوا عَمَّنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنْتَ الْقَائِلُ: لَمَكَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ، وَفِيهَا بَيْتُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَأَمْنِهِ شَيْئًا، أَنْتَ الْقَائِلُ: لَمَكَّةَ خَيْرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: هِيَ حَرَمُ اللَّهِ وَأَمْنُهُ، وَفِيهَا بَيْتُهُ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا أَقُولُ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَأَمْنِهِ شَيْئًا؛ ثُمَّ انْصَرَفَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ لَمْ يُنْكِرْ لِعُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَا قَرَّرَهُ عَلَيْهِ بَلْ احْتَجَّ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِمَا لَمْ يَعْتَرِضْ فِيهِ عُمَرُ، فَصَحَّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ - وَهُوَ صَاحِبٌ - كَانَ يَقُولُ: مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَنْ عُمَرَ: لَا أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَلَا أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ؛ وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْرِيرُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَطْ، وَنَحْنُ نُوجِدُهُمْ عَنْ عُمَرَ تَصْرِيحًا بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ. حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ نَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ نَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيّ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُول: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُول: " صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ " وَهَذَا سَنَدٌ كَالشَّمْسِ فِي الصِّحَّةِ، فَهَذَانِ صَاحِبَانِ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَمِثْلُ هَذَا حُجَّةٌ عِنْدَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: مِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ إِيلِيَا فَاعْتَكَفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ بِالْمَدِينَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَمِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵇ فَاعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَجْزَأَ عَنْهُ. فَهَذَا سَعِيدٌ فَقِيهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُصَرِّحُ بِفَضْلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجُّوا بِأَخْبَارٍ مَوْضُوعَةٍ يَجِبُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا وَالتَّحْذِيرُ مِنْهَا. مِنْهَا: خَبَرٌ رُوِّينَاهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ فِي مَيِّتٍ رَآهُ: دُفِنَ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا» ، قَالُوا: وَالنَّبِيُّ ﵇ دُفِنَ بِالْمَدِينَةِ فَمِنْ تُرْبَتِهَا خُلِقَ وَهُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فَهِيَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ. وَهَذَا خَبَرٌ مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِ طَرِيقَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ وَهُوَ سَاقِطٌ

стр. 2030

بِالْجُمْلَةِ، قَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ مُتَّفَقٌ عَلَى اطِّرَاحِهِ - ثُمَّ هُوَ أَيْضًا عَنْ أُنَيْسِ بْنِ يَحْيَى مُرْسَلٌ وَلَا يُدْرَى مَنْ أُنَيْسُ بْنُ يَحْيَى وَالطَّرِيقُ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ يَحْيَى الْبَكَّاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَكُونُ الْفَضْلُ لِقَبْرِهِ ﵇ فَقَطْ، وَإِلَّا فَقَدْ دُفِنَ فِيهَا الْمُنَافِقُونَ، وَقَدْ دُفِنَ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ مِنْ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، وَمُوسَى، وَهَارُونَ، وَسُلَيْمَانَ، وَدَاوُد ﵈، وَغَيْرِهِمْ بِالشَّامِ، وَلَا يَقُولُ مُسْلِمٌ: إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ. وَمِنْهَا «اُفْتُتِحَتْ الْمَدَائِنُ بِالسَّيْفِ وَفُتِحَتْ الْمَدِينَةُ بِالْقُرْآنِ» وَهَذَا أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ الْمَذْكُورِ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِنْ وَضْعِهِ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، وَمِثْلُ هَذَا الشَّارِعِ الْعَجِيبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْلُكَ إلَيْهِ إلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْمَزْبَلَةِ، وَهَذَا إسْنَادٌ لَا يَنْفَرِدُ بِمِثْلِهِ إلَّا ابْنُ زُبَالَةَ دُونَ سَائِرِ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ مِنْ الثِّقَاتِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ فِي فَضْلِهَا عَلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَيْنِ وَأَكْثَرَ مَدَائِنِ الْيَمَنِ كَصَنْعَاءَ وَالْجُنْدِ وَغَيْرِهَا لَمْ تُفْتَحْ بِسَيْفٍ إلَّا بِالْقُرْآنِ فَقَطْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ فَضْلَهَا عَلَى مَكَّةَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهَا «مَا عَلَى الْأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي فِيهَا مِنْهَا» وَهَذَا مِنْ رِوَايَة الْكَذَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مُرْسَلٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ فِي فَضْلِهَا عَلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ كَرِهَ لِلْمُهَاجِرِينَ وَهُوَ سَيِّدُهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى مَكَّةَ لِيُحْشَرُوا غُرَبَاءَ مَطْرُودِينَ عَنْ وَطَنِهِمْ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى إنَّهُ ﵇ رَثَا لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ تَمَامِ نُسُكِهِ أَنْ يَبْقَى بِمَكَّةَ إلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ فَقَطْ؛ فَإِذَا خَرَجَتْ مَكَّةَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ عَنْ أَنْ يُدْفَنَ فِيهَا النَّبِيُّ ﵇ فَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ بَعْدَهَا بِلَا شَكٍّ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيق الْبَزَّارِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ نَا الْفُضَيْلُ بْنُ دُكَيْنٍ أَبُو نُعَيْمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى قَالَ: «مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﵇ يَعُودُهُ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ تَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا؟ قَالَ: بَلَى» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ، فَهَذَا نَصُّ مَا قُلْنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَمِنْهَا: «اللَّهُمَّ إنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ بِلَادِكَ إلَيَّ فَأَسْكِنِي أَحَبَّ الْبِلَادِ إلَيْكَ»

стр. 2031

وَهَذَا مَوْضُوعٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ الْمَذْكُورِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مُرْسَلٌ. وَمِنْهَا: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ - هَكَذَا تَصْرِيحٌ رُوِّينَا مِنْ طُرُقٍ. أَحَدُهَا: مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ صَاحِبِ هَذِهِ الْفَضَائِحِ كُلِّهَا الْمُنْفَرِدِ بِوَضْعِهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ الرَّدَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ مَالِكٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ النَّبِيّ ﵇، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا مَجْهُولٌ لَا يَدْرِيه أَحَدٌ. وَالثَّالِثُ: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ الصَّائِغِ صَاحِبِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الرَّدَّادِ الْمَذْكُورِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ قَالَ رَافِعٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ هَذَا ضَعِيفٌ بِلَا خِلَافٍ، وَابْنُ الرَّدَّادِ مَجْهُولٌ - وَمِثْلُ هَذَا الشَّارِعِ الْعَجِيبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَكَ عَلَيْهِ إلَّا عَلَى هَذِهِ الزَّوَايِغِ الْوَحْشَةِ. وَهَذَا الْخَبَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ بِإِسْنَادٍ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، قَالَ مُسْلِمٌ " نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: خَطَبَ مَرْوَانُ فَذَكَرَ مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا [وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَدِينَةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا] فَنَادَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ [فَقَالَ] أَسْمَعُك ذَكَرْت مَكَّةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا وَلَمْ تَذْكُرْ الْمَدِينَةَ وَأَهْلَهَا وَحُرْمَتَهَا، وَقَدْ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا وَذَلِكَ عِنْدَنَا فِي أَدِيمٍ خُولَانِيٍّ إنْ شِئْتُمْ أَقْرَأْتُكُمْ فَقَالَ مَرْوَانُ: قَدْ سَمِعْت بَعْضَ ذَلِكَ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَكَذَا كَانَ الْحَدِيثُ فَبَدَّلَهُ أَهْلُ الزَّيْغِ عَصَبِيَّةً عَجَّلَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُمْ بِهَا الْفَضِيحَةَ فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَصِفَةِ الْحَمَاقَةِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ قَدْ أَوْضَحْنَاهُ؛ وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.

стр. 2032

ثُمَّ نُورِدُ الْآثَارَ الصَّحِيحَةَ وَالْبَرَاهِينَ الْوَاضِحَةَ فِي فَضْلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، أَوَّلُ ذَلِكَ: حَبْسُ اللَّهِ - تَعَالَى - الْفِيلَ عَنْهَا وَإِهْلَاكُهُ جَيْشَ رَاكِبِهِ إذْ أَرَادَ غَزْوَ مَكَّةَ. ثُمَّ «قَوْلُ رَسُولِ اللَّه ﵇ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ إذْ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ: خَلَأَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇: مَا خَلَأَتْ وَلَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ» ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ، وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] ، ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا تَمَامَ الصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، فَهِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ إلَّا بِالْقَصْدِ نَحْوَهَا، وَإِلَيْهَا الْحَجُّ الْمُفْتَرَضُ، وَالْعُمْرَةُ الْمُفْتَرَضَةُ، وَإِنَّمَا فُرِضَتْ الْهِجْرَةُ إلَى الْمَدِينَةِ مَا لَمْ تُفْتَحْ مَكَّةُ فَلَمَّا فُتِحَتْ بَطَلَتْ الْهِجْرَةُ، فَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ لِمَكَّةَ ثُمَّ لِلْمَدِينَةِ، وَأَمَرَ ﵇ أَنْ لَا يُسْفَكَ فِيهَا دَمٌ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَرَّمَهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ وَنَهَى ﵇ أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا أَحَدٌ أَوْ يَسْتَدْبِرَهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيق الْبُخَارِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ نَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ - هُوَ أَخُوهُ - قَالَ: سَمِعْت أَبِي - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ - قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمَ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا. قَالَ: أَلَا أَيُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمَ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا بَلَدُنَا هَذَا. قَالَ: أَلَا أَيُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمَ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا يَوْمُنَا هَذَا. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، إلَّا بِحَقِّهَا كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا مِنْ شَهْرِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ

стр. 2033

بَلَّغْتُ؟ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَهُ: أَلَا نَعَمْ» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ - عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فِي حَجَّتِهِ: أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ فَقُلْنَا: يَوْمُنَا هَذَا قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ فَقُلْنَا: بَلَدُنَا هَذَا» ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. فَهَذَانِ: جَابِرٌ، وَابْنُ عُمَرَ يَشْهَدَانِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَرَّرَ النَّاسَ عَلَى أَيِّ بَلَدٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً فَأَجَابُوهُ بِأَنَّهُ مَكَّةُ وَصَدَّقَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ فِي إجَابَتِهِمْ إيَّاهُ ﵇ بِأَنَّ بَلَدَهُمْ ذَلِكَ، وَهُمْ بِمَكَّةَ، فَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ. فَصَحَّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ مَكَّةَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا كَانَتْ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ الْمَدِينَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّ أَعْظَمَ الْحُرْمَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْأَفْضَلِ وَلَا بُدَّ، لَا لِلْأَقَلِّ فَضْلًا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ كَانَ بِالْحَجُونِ فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيَّ وَلَوْ لَمْ أُخْرَجْ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ وَقَفَ بِالْحَجُونِ فَقَالَ: إنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْ تُرِكْتُ فِيكِ مَا خَرَجْتُ مِنْكِ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ سَلَمَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْت مَعْمَرًا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ وَهُوَ فِي سُوقِ

стр. 2034

الْجَزُورَةِ بِمَكَّةَ: وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» . وَقَالَ قُتَيْبَةُ: نَا اللَّيْثُ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عَقِيلِ بْنِ خَالِدٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: نَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ نَا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ؛ ثُمَّ اتَّفَقَ عُقَيْلٌ، وَصَالِحٌ، وَكِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْجَزُورَةِ مِنْ مَكَّةَ يَقُولُ لِمَكَّةَ: وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» . لَمْ يَخْتَلِفْ عُقَيْلٌ، وَصَالِحٌ، فِي شَيْءٍ مِنْ لَفْظِهِ ﵇، إلَّا أَنَّ عَقِيلًا قَالَ: عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ - وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا مَشْهُورٌ مِنْ الصَّحَابَةِ زُهْرِيُّ النَّسَبِ. نَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نَا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْرَوَيْهِ نَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى نَا أَبُو الْيَمَانِ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - أَخْبَرَنِي شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَقُولُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْجَزُورَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ: «وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَهَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ - وَرَوَاهُ عَنْهُمَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ. وَرَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، والدراوردي - وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَصْحَابُهُ الثِّقَاتُ: مَعْمَرٌ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَعُقَيْلٌ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ - وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْهُ يُونُسُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ.

стр. 2035

وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْجَمْعِ الْغَفِيرِ، وَلَا مَقَالَ لِأَحَدٍ بَعْدَ هَذَا. حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ جَبْرُونَ نَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَأَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مُرَّةَ قَالَا جَمِيعًا: نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ نَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ فَقَالَ: ثِقَةٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ثِقَةٌ مَا أَصَحَّ حَدِيثَهُ، هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُرَّةَ فِي رِوَايَتِهِ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَة صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِهِ وَإِسْنَادِهِ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇. حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ صَحِيحٌ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. فَرُوِيَ الْقَطْعُ بِفَضْلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ كَمَا أَوْرَدَنَا عَنْ النَّبِيِّ ﵇: جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ. خَمْسَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ مَدَنِيُّونَ بِأَسَانِيدَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ. وَرَوَاهَا عَنْ هَؤُلَاءِ: أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ مَدَنِيُّونَ. وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ: عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَبِيبُ الْمُعَلَّمُ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ مَدَنِيُّونَ. وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ: وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ الضَّرِيرُ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَمَعْمَرٌ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ
следующие страницы →