← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا جَزَاءَ فِيهِ - وَهُوَ خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ اُمْتُحِنَ بِتَقْلِيدِهِمَا بِخَبَرَيْنِ -: فِي أَحَدِهِمَا: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ كَانَ يَتَصَيَّدُ بِالْعَقِيقِ - وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا [أَنْ يَكُونَ] قَبْلَ تَحْرِيمِ الْحَرَمِ بِالْمَدِينَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ صَيْدِهَا. وَالثَّانِي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهُ وَحْشٌ فَكَانَ يَلْعَبُ فَإِذَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَعَ» وَهُوَ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ الصَّيْدَ إذَا صِيدَ فِي الْحِلِّ، ثُمَّ أُدْخِلَ فِي الْحَرَمِ حَلَّ مِلْكُهُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ قَتْلَ صَيْدٍ فِي الْحِلِّ وَهُوَ فِي الْحَرَمِ] ٨٨٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ صَيْدٍ فِي الْحِلِّ وَهُوَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ قَتَلَ الصَّيْدَ وَهُوَ حَرَمٌ، فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ وَالْقَاتِلُ فِي الْحِلِّ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَلَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ؛ أَمَّا سُقُوطُ الْجَزَاءِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ حَرَمًا وَأَمَّا عِصْيَانُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ أَكْلِ الصَّيْدِ فَلِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ جَزَاءٌ إنَّمَا جَاءَ تَحْرِيمُهُ فَقَطْ؛ وَإِنَّمَا جَاءَ الْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا كَانَ حَرَمًا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا جَرِيرُ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ فَذَكَرَ كَلَامًا فِيهِ: هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ نَا أَبِي نَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ نَا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " أَنَّهُ قَالَ: «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ -

стр. 1962

عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ تَحْرِيمُ قَتْلِ صَيْدِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَحُكْمِ حَرَمِ مَكَّةَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ، فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ صَيْدٍ قُتِلَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ فَهُوَ غَيْرُ ذَكِيٍّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ: مَنْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَالرَّامِي فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْقَارِنُ وَالْمُعْتَمِرُ وَالْمُتَمَتِّعُ سَوَاءٌ فِي جَزَاءِ قَتْلَ الصَّيْد] ٨٨٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالْقَارِنُ، وَالْمُعْتَمِرُ، وَالْمُتَمَتِّعُ: سَوَاءٌ فِي الْجَزَاءِ فِيمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ فِي حِلٍّ أَصَابُوهُ، أَوْ فِي حَرَمٍ - إنَّمَا فِي كُلِّ ذَلِكَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَى الْقَارِنِ جَزَاءَانِ فَإِنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَجَزَاءٌ وَاحِدٌ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ شَدِيدٌ؛ ثُمَّ قَالَ: إنْ قَتَلَ الْمُحِلُّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا فِيهِ الْهَدْيُ، أَوْ الصَّدَقَةُ فَقَطْ، وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامٌ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ آخَرُ، وَقَوْلٌ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ قَالَ بِهِ قَبْلَهُ؛ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ وَهُوَ حَرَمٌ جَزَاءَ مِثْلِ مَا قَتَلَ، لَا جَزَاءَ مِثْلَيْ مَا قَتَلَ؛ فَخَالَفَ الْقُرْآنَ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ الصَّيْدِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ؟ فَمَا سَأَلُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَقَارِنٌ هُوَ، أَمْ مُفْرِدٌ، أَمْ مُعْتَمِرٌ؟ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ عَامِدِينَ] ٨٨٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ عَامِدِينَ لِذَلِكَ كُلُّهُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَلَيْسَ فِي الصَّيْدِ إلَّا مِثْلُهُ لَا أَمْثَالُهُ.

стр. 1963

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّ مَوَالِيَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ قَتَلُوا ضَبُعًا وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَسَأَلُوا ابْنَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: اذْبَحُوا كَبْشًا فَقَالُوا عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنَّا؟ فَقَالَ: بَلْ كَبْشٌ وَاحِدٌ جَمِيعَكُمْ - وَهَذَا فِي أَوَّلِ دَوْلَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ؛ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ. وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَمَّا الْمُحْرِمُونَ فَسَوَاءٌ أَصَابُوهُ فِي الْحَرَمِ، أَوْ الْحِلِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَأَمَّا الْحَلَالَانِ فَصَاعِدًا يُصِيبُونَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛ فَكَانَ هَذَا الْفَرْقُ طَرِيفًا جِدًّا لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ -: وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ إحْرَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحْرِمِينَ غَيْرُ إحْرَامِ صَاحِبِهِ، وَالْحَرَمُ شَيْءٌ وَاحِدٌ؟ فَقِيلَ لَهُمْ: بَلْ مَوْضِعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْحَرَمِ غَيْرُ مَوْضِعِ الْآخَرِ، وَكُلُّ مَكَان مِنْ الْحَرَمِ فَهُوَ حَرَمٌ آخَرُ، غَيْرُ الْمَكَانِ الثَّانِي، وَالْإِحْرَامُ حُكْمٌ وَاحِدٌ لَازِمٌ لِجَمِيعِ الْمُحْرِمِينَ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ رَأَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ بِأَنْ قَالَ: هِيَ كَفَّارَةٌ، فَكَمَا عَلَى كُلِّ قَاتِلِ خَطَأٍ إذَا اشْتَرَكُوا فِي دَمِ الْمُؤْمِنِ كَفَّارَةٌ، وَعَلَى كُلِّ حَانِثٍ إذَا اشْتَرَكُوا فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ فَهَذَا مِثْلُهُ - فَعَارَضَهُمْ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَذَلِكَ عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَإِطْعَامٌ وَاحِدٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَمْوَالَ النَّاسِ مَحْظُورَةٌ فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُمْ غَرَامَةً بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ، فَالْجَزَاءُ بَيْنَهُمْ وَالْإِطْعَامُ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الصِّيَامُ فَإِنْ اخْتَارُوهُ: فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الصِّيَامُ كُلُّهُ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُشْتَرَكُ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ. فَإِنْ اخْتَلَفُوا: فَمَنْ اخْتَارَ مِنْهُمْ الْجَزَاءَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا بِمِثْلٍ كَامِلٍ لَا بِبَعْضِ مِثْلٍ - وَمَنْ

стр. 1964

اخْتَارَ الْإِطْعَامَ لَمْ يُجْزِهِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ خِلَافَ النَّصِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمُحْرِم إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ] ٨٨٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ مَرَّةٍ جَزَاءٌ وَلَيْسَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] بِمُسْقِطٍ لِلْجَزَاءِ عَنْهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْقَاتِلِ لِلصَّيْدِ عَمْدًا، فَهُوَ عَلَى كُلِّ قَاتِلٍ مَعَ النِّقْمَةِ عَلَى الْعَائِدِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ مَا عَدَا الصَّيْدَ] ٨٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَحَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ مَا عَدَا الصَّيْدَ مِمَّا يَأْكُلُهُ النَّاسُ مِنْ الدَّجَاجِ، وَالْإِوَزِّ الْمُتَمَلَّكِ، وَالْبُرَكِ الْمُتَمَلَّكِ، وَالْحَمَامِ الْمُتَمَلَّكِ، وَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْخَيْلِ، وَكُلِّ مَا لَيْسَ صَيْدًا - الْحِلُّ وَالْحَرَمُ سَوَاءٌ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يُحَرِّمْهُ؛ وَكَذَلِكَ يَذْبَحُ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ بِلَا خِلَافٍ أَيْضًا مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ؟ [مَسْأَلَةٌ الْمُحْرِم إذَا قَتَلَ مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ] ٨٩٠ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلِلْمُحِلِّ فِي الْحَرَمِ وَالْحِلِّ قَتْلُ كُلِّ مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ مِنْ الْخَنَازِيرِ، وَالْأُسْدِ وَالسِّبَاعِ، وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَقِرْدَانِ بَعِيرِهِ أَوْ غَيْرِ بَعِيرِهِ، وَالْحَلَمِ كَذَلِكَ. وَنَسْتَحِبُّ لَهُمْ قَتْلَ الْحَيَّاتِ، وَالْفِئْرَانِ، وَالْحِدَأِ وَالْغِرْبَانِ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْكِلَابِ الْعَقُورَةِ، صِغَارُ كُلِّ ذَلِكَ وَكِبَارُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْوَزَغُ وَسَائِرُ الْهَوَامِّ - وَلَا جَزَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَلَا فِي الْقَمْلِ. فَإِنْ قَتَلَ مَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مِنْ هُدْهُدٍ، أَوْ صُرَدٍ، أَوْ ضُفْدَعٍ، أَوْ نَمْلٍ: فَقَدْ عَصَى وَلَا جَزَاءَ فِي ذَلِكَ. بُرْهَانُ مَا ذَكَرْنَا -: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ قَتْلَ مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ لَمْ يَنْهَ الْمُحْرِمَ إلَّا عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ فَقَطْ، وَلَا نَهَى إلَّا عَنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَطْ، وَلَا جَعَلَ الْجَزَاءَ إلَّا فِي الصَّيْدِ فَقَطْ. فَمَنْ حَرَّمَ مَا لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ، أَوْ جَعَلَ جَزَاءً فِيمَا لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِالْجَزَاءِ فِيهِ: فَقَدْ شَرَّعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ، وَالذِّئْبَ فَقَطْ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهَا.

стр. 1965

فَأَمَّا الْأَسَدُ، وَالنَّمِرُ، وَالسَّبُعُ، وَالدُّبُّ، وَالْخِنْزِيرُ، وَسَائِرُ سِبَاعِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَجَمِيعُ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَفِيهَا الْجَزَاءُ إلَّا أَنْ تَكُونَ ابْتَدَأَتْهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَجَزَاؤُهَا عِنْدَهُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ كُلِّ ذَلِكَ أَوْ شَاةٌ، وَلَا يَتَجَاوَزُ بِجَزَاءِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ شَاةً وَاحِدَةً، وَيَقْتُلُ الْقِرْدَانَ عَنْ بَعِيرِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقْتُلُ الْقُمَّلَ، فَإِنْ قَتَلَهَا أَطْعَمَ شَيْئًا، وَلَهُ قَتْلُ الْبُرْغُوثِ، وَالذَّرِّ، وَالْبَعُوضِ، وَلَا جَزَاءَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ زُفَرُ: سَوَاءٌ ابْتَدَأَتْ الْمُحْرِمَ السِّبَاعُ أَوْ لَمْ تَبْتَدِئْهُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِيمَا قَتَلَ مِنْهَا؛ وَقَالَ الطَّحَاوِيَّ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ، وَلَا الْوَزَغَ، وَلَا شَيْئًا غَيْرَ الْحِدَأَةِ، وَالْغُرَابِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالْحَيَّةَ، وَجَمِيعَ سِبَاعِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ قَتْلَ الْغُرَابِ، وَالْحِدَأَةِ، إلَّا أَنْ يُؤْذِيَاهُ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الثَّعْلَبِ، وَلَا الْهِرِّ الْوَحْشِيِّ، وَفِيهِمَا الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمَا، إلَّا إنْ ابْتَدَآهُ بِالْأَذَى. وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ صِغَارِ السِّبَاعِ أَصْلًا وَلَا قَتْلُ الْوَزَغِ، وَلَا قَتْلُ الْبَعُوضِ، وَلَا قِرْدَانِ بَعِيرِهِ خَاصَّةً، فَإِنْ قَتَلَهُ أَطْعَمَ شَيْئًا، وَلَا يَقْتُلُ شَيْئًا مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ، فَإِنْ فَعَلَ فَفِيهَا الْجَزَاءُ، وَلَهُ قَتْلُ الْقُرَادِ إذَا وَجَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ صِغَارِ الْغِرْبَانِ، وَلَا صِغَارِ الْحِدَأَةِ؛ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي صِغَارِ الْفِئْرَانِ أَيَقْتُلُهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: وَلَا يَقْتُلُ الْقُمَّلَ، فَإِنْ قَتَلَهَا أَطْعَمَ شَيْئًا. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا إلَّا فِي الثَّعْلَبِ فَإِنَّهُ رَأَى فِيهِ الْجَزَاءَ. وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ: قَتِّلْ الْحِدَأَةَ، وَارْمِ الْغُرَابَ، وَلَا تَقْتُلْهُ. وَمِنْ طَرِيق وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْفَأْرَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا ذَكَرْنَا آرَاءٌ فَاسِدَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ، وَلَئِنْ كَانَتْ السِّبَاعُ مُحَرَّمَةً عَلَى

стр. 1966

الْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ فَإِنَّ تَفْرِيقَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ جَزَاءِ الصَّيْدِ؛ فَرَأَى فِيهِ قِيمَتَهُ يَبْتَاعُ مَا بَلَغَتْ مِنْ الْإِهْدَاءِ وَلَوْ ثَلَاثَةً، أَوْ أَرْبَعَةً وَبَيْنَ جَزَاءِ السِّبَاعِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا إلَّا الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ شَاةً فَقَطْ لَا يَزِيدُ عَلَى وَاحِدَةٍ: عَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ؟ ، وَدِينٌ جَدِيدٌ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، وَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ. وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ. وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ يُعْرَفُ قَبْلَهُ. وَلَا قِيَاسٍ. وَلَا رَأْيٍ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ السَّدَادِ. وَكَذَلِكَ تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ صِغَارِ الْغِرْبَانِ، وَالْحُدَيَّا، وَبَيْنَ صِغَارِ الْعَقَارِبِ، وَالْحَيَّاتِ، وَبَيْنَ سِبَاعِ الطَّيْرِ، وَبَيْنَ سِبَاعِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا سِبَاعَ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ؟ قُلْنَا: فَهَلَّا قِسْتُمْ سِبَاعَ الطَّيْرِ عَلَى الْحِدَأَةِ؟ أَوْ هَلَّا قِسْتُمْ سِبَاعَ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى الضَّبُعِ وَعَلَى الثَّعْلَبِ عِنْدَكُمْ؟ وَاحْتَجُّوا فِي الْقِرْدَانِ بِأَنَّهَا مِنْ الْبَعِيرِ؟ . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا كَلَامٌ فَاحِشُ الْفَسَادِ لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ وَمَا كَانَتْ الْقِرْدَانُ قَطُّ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَا عُلِمَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى إحْرَامٌ عَلَى بَعِيرٍ وَلَوْ أَنَّ مُحْرِمًا أَنْزَى بَعِيرَهُ عَلَى نَاقَةٍ أَوْ أَنْزَى بَعِيرًا عَلَى نَاقَتِهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، فَكَيْفَ أَنْ يُعَذَّبَ بِأَكْلِ الْقِرْدَانِ لَهُ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ وَاحْتَجُّوا فِي الْقَمْلَةِ بِأَنَّهَا مِنْ الْإِنْسَانِ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الصُّفَارَ مِنْ الْإِنْسَانِ وَلَوْ قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَقَالُوا: هُوَ إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ فَكَانَ مَاذَا؟ وَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ فِي إمَاطَةِ الْأَذَى بِغَيْرِ حَلْقِ الرَّأْسِ بِشَيْءٍ وَأَنْتُمْ لَا تَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ تَعْصِيرَ الدُّمَّلِ وَحَكَّ الْجِلْدِ وَغَسْلَ الْقَذَى عَنْ الْعَيْنِ وَقَتْلَ الْبَرَاغِيثِ إمَاطَةُ أَذًى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَكُمْ؛ وَإِذْ قِسْتُمْ إمَاطَةَ الْأَذَى حَيْثُ اشْتَهَيْتُمْ عَلَى إمَاطَةِ الْأَذَى بِحَلْقِ الرَّأْسِ فَاجْعَلُوا فِيهَا مَا فِي إمَاطَةِ الْأَذَى بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَإِلَّا فَقَدْ خَلَطْتُمْ وَتَنَاقَضْتُمْ وَأَبْطَلْتُمْ قِيَاسَكُمْ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الْبَابُ كُلُّهُ مَرْجِعُهُ إلَى شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ - وَإِلَى مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قِيلَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقْتُلُ مِنْ الدَّوَابِّ إذَا أَحْرَمْنَا؟ قَالَ: خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»

стр. 1967

وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ: الْفَأْرَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَقَالَ قَائِلُونَ: قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِالْبَيَانِ وَسُئِلَ: مَاذَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ فَأَجَابَهُمْ ﵇ بِهَذِهِ الْخَمْسِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ، فَلَوْ كَانَ هُنَالِكَ سَادِسٌ لَبَيَّنَهُ ﵇ وَحَاشَا لَهُ مِنْ أَنْ يُغْفِلَ شَيْئًا مِنْ الدِّينِ سُئِلَ عَنْهُ، فَصَحَّ أَنَّ مَا عَدَا هَذِهِ الْخَمْسَةَ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ لَا يُمَكِّنُ الْمُقَلِّدِينَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَحْتَجُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ قَدْ زَادُوا إلَى هَذِهِ الْخَمْسِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِنَّ، فَأَضَافَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَيْهِنَّ: الذِّئْبَ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْجِعْلَانَ وَالْوَزَغَ، وَالنَّمْلَ، وَالْقُرَادَ وَالْبَعُوضَ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا زِدْنَا الذِّئْبَ لِلْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الذِّئْبَ» وَالْمُرْسَلُ وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ؟ قُلْنَا: فَقُولُوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ هُشَيْمٍ قَالَ: أَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ الْبَجَلِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: الْحَيَّةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفُوَيْسِقَةُ، وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالسَّبُعُ الْعَادِي» فَاقْتُلُوا كُلَّ سَبُعٍ عَادٍ. وَلَمْ يَقُلْ ﵇: السَّبُعُ الْعَادِي عَلَيْهِ بَلْ أَطْلَقَهُ إطْلَاقًا. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ نَأْخُذْ بِمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْغُرَابِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ - وَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ: ارْمِ بِهِ، عَلَى جُمُودِ لِسَانِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَشِدَّةِ

стр. 1968

تَوَقِّيهِ - وَتَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ، وَأَحْمَدُ - وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى: لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ - وَكَذَّبَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَقَالَ: لَوْ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا صَدَّقْته. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الضَّبُعِ الْجَزَاءَ - وَهِيَ سَبُعٌ ذُو نَابٍ -؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهِيَ حَلَالٌ مِنْ بَيْنِ السِّبَاعِ فَهِيَ صَيْدٌ فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ تَقِيسُوا سَائِرَ السِّبَاعِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الضَّبُعِ الْحَلَالِ أَكْلُهَا؟ وَلَمْ تَقِيسُوهَا عَلَى الذِّئْبِ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عِنْدَكُمْ؟ وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْأَسَدَ: هُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذِهِ الْأَقْوَالُ فَظَاهِرَةُ الْفَسَادِ، وَلَمْ يَبْقَ الْكَلَامُ إلَّا فِي تَخْصِيصِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ مِنْ [هَذِهِ] الْآيَةِ وَإِلْحَاقِ مَا عَدَا مَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِالتَّحْرِيمِ، أَوْ تَخْصِيصِ الْآيَةِ وَإِلْحَاقِ مَا عَدَا مَا ذَكَرَ فِيهَا بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، أَوْ أَنْ نَحْكُمَ بِمَا فِي الْآيَةِ وَبِمَا فِي الْخَبَرِ وَنَطْلُبَ حُكْمَ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ مُتَعَارِضَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ؛ وَأَيْضًا: فَإِنَّ إلْحَاقَ مَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ بِمَا ذَكَرَ فِيهَا، أَوْ إلْحَاقَ مَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْخَبَرِ بِمَا ذَكَرَ فِيهِ قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَشَرَّعَ فِي الدِّينِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا لَا يَحِلُّ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، فَكَانَ هُوَ الْحَقَّ لِأَنَّهُ هُوَ الِائْتِمَارُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﵇ وَتَرْكُ تَعَدٍّ لِحُدُودِهِمَا. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَجَعَلَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ وَهُوَ حَرَمٌ بِالْعَمْدِ الْجَزَاءَ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ. وَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَقْتُلُ الْخَمْسَ الْمَذْكُورَاتِ، وَأَنَّهُ لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ فِي حَرَمٍ، أَوْ إحْرَامٍ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا عَدَا الْخَمْسَ الْمَذْكُورَاتِ مِمَّا لَيْسَ صَيْدًا -: فَوَجَدْنَا الْكَلَامَ فِيهِمَا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا: قَتْلُهَا، وَالثَّانِي: هَلْ فِي قَتْلِهَا جَزَاءٌ أَمْ لَا؟ فَنَظَرْنَا فِي إيجَابِ

стр. 1969

الْجَزَاءِ فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَاهُ بَاطِلًا لَا إشْكَالَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ جَزَاءٍ فِي ذَلِكَ أَصْلًا وَلَا شَيْءٌ مِنْ النُّصُوصِ كُلِّهَا؛ فَكَانَ الْقَوْلُ بِذَلِكَ شَرْعًا فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَبَطَلَ جُمْلَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَتْلِهَا -: فَوَجَدْنَا مَنْ مَنَعَ مِنْهُ يَقُولُ: اقْتِصَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جَوَابِ السَّائِلِ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهَا بِخِلَافِهَا؟ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ كَلَامُهُ ﵇ غَيْرَ مُسْتَوْعِبٍ لِجَوَابِ السَّائِلِ وَلَا مُبَيِّنٍ لَهُ حُكْمَ مَا سَأَلَ عَنْهُ، وَحَاشَا لَهُ مِنْ هَذَا، وَوَجَدْنَا مَنْ أَبَاحَ قَتْلَهَا يَقُولُ: اقْتِصَارُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ خَاصَّةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الصَّيْدَ بِخِلَافِ الصَّيْدِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ كَلَامُهُ تَعَالَى غَيْرَ مُسْتَوْعِبٍ لِمَا يُحَرَّمُ عَلَيْنَا وَلَا مُبَيِّنٍ لَنَا حُكْمَ مَا أَلْزَمَنَا إيَّاهُ، وَحَاشَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَانَ هَذَانِ الِاسْتِدْلَالَانِ مُتَقَابِلَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِيهِمَا؟ فَأَوَّلُ مَا نَقُولُ: أَنَّ الْيَقِينَ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ قَدْ صَحَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا مَا أَلْزَمَنَا، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَيَّنَ لَنَا مَا أَلْزَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يَجُزْ لَنَا تَعَدِّي مَا نَصَّهُ عَلَيْنَا رَبُّنَا تَعَالَى وَنَبِيُّنَا ﵇، فَوَجَدْنَا الْآيَةَ فِيهَا حُكْمُ الصَّيْدِ وَلَيْسَ فِيهَا حُكْمُ غَيْرِهِ لَا بِتَحْرِيمٍ، وَلَا بِإِبَاحَةٍ، وَوَجَدْنَا الْخَبَرَ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْخَمْسِ الْمَحْضُوضِ عَلَى قَتْلِهَا فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْحِلِّ لَيْسَ فِيهِ حُكْمُ غَيْرِهَا لَا بِتَحْرِيمٍ، وَلَا بِإِبَاحَةٍ؛ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا إلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ فِيهِمَا، فَوَجَبَ النَّظَرُ فِيمَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِمَا وَطَلَبُ حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ فَوَجَدْنَا الْحَيَوَانَ قِسْمَيْنِ سِوَى مَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ -: فَقِسْمٌ مُبَاحٌ قَتْلُهُ: كَجَمِيعِ سِبَاعِ الطَّيْرِ، وَذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالْخَنَازِيرِ، وَالْهَوَامِّ، وَالْقَمْلِ، وَالْقِرْدَانِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْوَزَغِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي قَتْلِهِ. وَقِسْمٌ مُحَرَّمٌ قَتْلُهُ بِنُصُوصٍ وَارِدَةٍ فِيهِ: كَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ، وَالضَّفَادِعِ، وَالنَّحْلِ، وَالنَّمْلِ؛ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِهِ كَمَا كَانَ، وَأَنْ لَا يُنْقَلَ بِظَنٍّ قَدْ عَارَضَهُ ظَنٌّ آخَرُ، وَبِغَيْرِ نَصٍّ جَلِيٍّ؛ فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ قَدْ يَصِيدُهُ الْمَرْءُ لِيُطْعِمَهُ جَوَارِحَهُ؟

стр. 1970

قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَصَّ عَلَيْنَا حُكْمَ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] . وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] فَصَحَّ أَنَّ الْمُحَلَّلَ لَنَا إذَا حَلَلْنَا هُوَ الْمُحَرَّمُ عَلَيْنَا إذَا أَحْرَمْنَا، وَأَنَّهُ تَصَيُّدُ مَا عَلَّمَنَا اللَّهُ حُكْمَهُ الَّذِي بِالْتِزَامِهِ يَتَبَيَّنُ مَنْ يَخَافُ رَبَّهُ تَعَالَى فَيَلْتَزِمُ مَا أَمَرَ بِهِ فِي صَيْدِهِ وَيَجْتَنِبُ مَا نَهَى عَنْهُ فِيهِ مِمَّنْ لَا يَخَافُ رَبَّهُ فَيَعْتَدِي مَا أَمَرَهُ تَعَالَى؛ وَلَيْسَ هَذَا بِيَقِينٍ إلَّا فِيمَا تُصُيِّدَ لِلْأَكْلِ، وَمَا عَلِمْنَا قَطُّ فِي لُغَةٍ وَلَا شَرِيعَةٍ أَنَّ الْجَرْيَ خَلْفَ الْخَنَازِيرِ، وَالْأُسْدِ، وَقَتْلَهَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ: صَيْدٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ اقْتِصَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسِ؟ قُلْنَا: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: ظَاهِرُ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَحْضُوضٌ عَلَى قَتْلِهِنَّ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَيَكُونُ غَيْرُهُنَّ مُبَاحًا قَتْلُهُ أَيْضًا وَلَيْسَ هَذَا الْخَبَرُ مِمَّا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْخَمْسِ مَأْمُورًا بِقَتْلِهِ أَيْضًا: كَالْوَزَغِ، وَالْأَفَاعِي، وَالْحَيَّاتِ، وَالرُّتَيْلَا وَالثَّعَابِينِ. وَقَدْ يَكُونُ ﵇ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي هَذِهِ فَاكْتَفَى عَنْ إعَادَتِهَا عِنْدَ ذِكْرِهِ الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ، وَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لَهُنَّ، فَلَوْلَا هَذَا الْخَبَرُ مَا عَلِمْنَا الْحَضَّ عَلَى قَتْلِ الْغُرَابِ وَلَا تَحْرِيمَ أَكْلِهِ، وَأَكْلِ الْفَأْرَةِ، وَالْعَقْرَبِ، فَلَهُ أَعْظَمُ الْفَائِدَةِ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ هَذَا الْحِجَاجَ كُلَّهُ لَا مَدْخَلَ فِي شَيْءٍ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا لِمَالِكٍ لِأَنَّهُمْ زَادُوا عَلَى الْخَمْسِ دَوَابَّ كَثِيرَةً، وَمَنَعُوا مِنْ قَتْلِ دَوَابَّ كَثِيرَةٍ بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ الْمُجَرَّدِ، فَلَا بِالْآيَةِ تَعَلَّقُوا وَلَا بِالْحَدِيثِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّهُ تَنَاقَضَ فِي الثَّعْلَبِ، لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَهُوَ حَرَامٌ لَمْ يَأْتِ تَحْلِيلُهُ فِي نَصٍّ قَطُّ وَلَيْسَ صَيْدًا.

стр. 1971

وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ احْتَجَّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ الْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ وَأَوْهَمَ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ لَهُ؛ وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا. ثُمَّ لَمْ يُبَالُوا بِأَنْ يَزِيدُوا عَلَى حَدِيثِ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ فِي الرِّبَا أَلْفَ صِنْفٍ لَا يُذْكَرُ، لَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: اُقْتُلْ مِنْ السِّبَاعِ مَا عَدَا عَلَيْك وَمَا لَمْ يَعْدُ عَلَيْك وَأَنْتَ مُحْرِمٌ - قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ: الذِّئْبَ، وَالسِّنَّوْرَ الْبَرِّيَّ، وَالنَّسْرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا النَّسْرُ فَفِيهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ حَلَالٌ أَكْلُهُ؛ إذْ لَمْ يُنَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ -: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ الثَّعْلَبَ يُفْدَى - وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ: أَنَّ الثَّعْلَبَ سَبُعٌ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَزَاءٌ، أَوْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: أَمَرَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْفَأْرِ، وَالزُّنْبُورِ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: لَيْسَ فِي الزُّنْبُورِ جَزَاءٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فَلَهُ بِهِ صَدَقَةٌ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: اُقْتُلُوا الْوَزَغَ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْتُلُ الْوَزَغَ فِي بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 1972

وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ: سَأَلْت عَطَاءً أَيُقْتَلُ الْوَزَغُ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُقَرِّدُ بَعِيرَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَخَّصَ فِي الْمُحْرِمِ أَنْ يُقَرِّدَ بَعِيرَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ نَا الْعَلَاءُ هُوَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ - قَالَ: سُئِلَ عَطَاءٌ أَيُقَرِّدُ الْمُحْرِمُ بَعِيرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُقَرِّدُ بَعِيرَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ نَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَرِّدَ الْمُحْرِمُ بَعِيرَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّدَ بَعِيرًا وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَكَرِهَ عِكْرِمَةُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْ فَانْحَرْهُ فَنَحَرَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُمَّ لَك كَمْ قَتَلْت مِنْ قُرَادٍ وَحَلَمَةٍ وَحَمْنَانَةٍ؟ - لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ إلَّا رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ أَوْرَدْنَا عَنْهُ خِلَافَهَا. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: يُقَرِّدُ الْمُحْرِمُ بَعِيرَهُ، وَيَطْلِيهِ بِالْقَطْرَانِ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ - وَقَدْ رُوِّينَا خِلَافَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ. وَأَمَّا النَّمْلُ: فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَلَا قَتْلُ الْهُدْهُدِ، وَلَا الصُّرَدِ، وَلَا النَّحْلَةِ، وَلَا الضُّفْدَعِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ

стр. 1973

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضُفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ؟ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﵇ عَنْ قَتْلِهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَا يَحِلُّ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ لَا لِمُحِلٍّ، وَلَا لِمُحْرِمٍ، فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْهَا عَامِدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ عَالِمًا بِالنَّهْيِ: فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ لِلَّهِ ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَيْدًا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ: سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَسَأَلَهُ مُحْرِمٌ عَنْ قَتْلِهِ نَمْلًا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ. وَأَمَّا الْبَعُوضُ، وَالذُّبَابُ: فَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَا أُبَالِي لَوْ قَتَلْت عِشْرِينَ ذُبَابَةً وَأَنَا مُحْرِمٌ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْبَقِّ لِلْمُحْرِمِ - يَعْنِي الْبَعُوضَ. وَعَنْ عَطَاءٍ: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الذُّبَابِ لِلْمُحْرِمِ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ لَا شَيْءَ فِي الرَّخَمِ وَالْعُقَابِ، وَالصَّقْرِ، وَالْحِدَأِ، يُصِيبُهَا الْمُحْرِمُ. وَأَمَّا الْقَمْلُ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ - هُوَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ - عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: شَهِدْت امْرَأَةً سَأَلَتْ ابْنَ عُمَرَ عَنْ قَمْلَةٍ قَتَلَتْهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ؟ فَقَالَ: مَا نَعْلَمُ الْقَمْلَةَ مِنْ الصَّيْدِ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا عِيسَى بْنُ حَفْصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَنْقُرُ رَأْسِي وَأَنَا مُحْرِمٌ فَقَالَ: هَكَذَا حَكًّا شَدِيدًا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا عُيَيْنَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ

стр. 1974

رَجُلٌ أَحُكُّ رَأْسِي وَأَنَا مُحْرِمٌ؟ فَحَكَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَأْسَهُ حَكًّا شَدِيدًا؛ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَفَرَأَيْت إنْ قَتَلْت قَمْلَةً، قَالَ: بَعُدْت مَا الْقَمْلَةُ مَانِعَتِي أَنْ أَحُكَّ رَأْسِي وَإِيَّاهَا أَرَدْت؛ وَمَا نُهِيتُمْ إلَّا عَنْ الصَّيْدِ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ كُلُّ مَا لَا يُؤْكَلُ فَإِنْ قَتَلْته وَأَنْتَ مُحْرِمٌ فَلَا غُرْمَ عَلَيْك فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ يُنْهَى عَنْ قَتْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدُوًّا أَوْ يُؤْذِيك. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِقَتْلِ الْمُحْرِمِ الْقَمْلَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ سَمِعْت أَبَا بِشْرٍ وَقَدْ سَأَلْته عَنْ الْقَمْلَةِ يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ، فَقَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] لَيْسَ لِلْقَمْلَةِ جَزَاءٌ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْهَوَامَّ كُلَّهَا إلَّا الْقَمْلَةَ فَإِنَّهَا مِنْهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهَا شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قَتَلَ قَمْلَةً أَطْعَمَ شَيْئًا؛ وَأَبَاحَ لِلْمُحْرِمِ غَسْلَ ثِيَابِهِ، وَغَسْلَ رَأْسِهِ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْبَعُوضِ، وَالْبَرَاغِيثِ، يَقْتُلُهَا الْمُحْرِمُ أَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟ فَقَالَ: إنِّي لَا أُحِبُّ ذَلِكَ - هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي مُحْرِمٍ لَدَغَتْهُ دَبْرَةٌ فَقَتَلَهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؟ فَقَالَ: يُطْعِمُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِهِ فَقَتَلَهَا فَلْيُطْعِمْ لُقْمَةً. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ احْتَجُّوا بِمَا «أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ إذْ رَآهُ يَتَنَاثَرُ الْقَمْلُ عَلَى وَجْهِهِ فَأَمَرَهُ بِحَلْقِ رَأْسِهِ، وَأَنْ يَفْتَدِيَ؟» قُلْنَا: نَعَمْ هَذَا حَقٌّ وَلَسْنَا مَعَكُمْ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ إنَّمَا نَحْنُ فِي قَتْلِ الْقَمْلِ، وَلَمْ

стр. 1975

يَقُلْ ﵇: إنَّ هَذِهِ الْفِدْيَةَ إنَّمَا هِيَ لِقَتْلِ الْقَمْلِ؛ وَمَنْ قَوَّلَهُ هَذَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ، وَلَئِنْ كَانَتْ الْقَمْلَةُ لَيْسَتْ مِنْ الصَّيْدِ فَمَا لَهَا جَزَاءٌ، وَلَئِنْ كَانَتْ مِنْ الصَّيْدِ فَمَا مِثْلُهَا لُقْمَةً، وَلَا قَبْضَةَ طَعَامٍ؛ وَإِنَّمَا مِثْلُهَا حَبَّةَ سِمْسِمَة. فَمَا نَدْرِي بِمَاذَا تَعَلَّقُوا؟ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْحَمَّامِ لِلْمُحْرِمِ] ٨٩١ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ دُخُولُ الْحَمَّامِ، وَالتَّدَلُّكُ، وَغَسْلُ رَأْسِهِ بِالطِّينِ، وَالْخِطْمِيِّ، وَالِاكْتِحَالُ، وَالتَّسْوِيكُ، وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ، وَشَمُّ الرَّيْحَانِ، وَغَسْلُ ثِيَابِهِ، وَقَصُّ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ، وَنَتْفُ إبْطِهِ، وَالتَّنَوُّرُ، وَلَا حَرَجَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي مَنْعِهِ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَمُدَّعِي الْإِجْمَاعِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: كَاذِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، قَائِلٌ مَا لَا عِلْمَ بِهِ - وَمَنْ أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ غَرَامَةً فَقَدْ أَوْجَبَ شَرْعًا فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِوَسَخِ الْمُحْرِمِ شَيْئًا. وَأَنَّهُ قَالَ: الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ، إنْ انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ، أَمِيطُوا عَنْكُمْ الْأَذَى إنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا. وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِشَمِّ الرَّيْحَانِ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا، وَأَنْ يَقْطَعَ ظُفْرَهُ إذَا انْكَسَرَ، وَيَقْلَعَ ضِرْسَهُ إذَا آذَاهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَعْضَ بَنِيهِ - أَحْسَبُهُ قَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى ضِفَّةِ الْبَحْرِ، وَهُمَا يَتَمَاقَلَانِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ: يُغَيِّبُ هَذَا رَأْسَ هَذَا وَيُغَيِّبُ هَذَا رَأْسَ هَذَا: فَلَمْ يَعِبْ عَلَيْهِمَا. وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْت أُطَاوِلُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ النَّفَسَ وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فِي الْحِيَاضِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ نَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتنِي أُمَاقِلُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالْجُحْفَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ -

стр. 1976

الْمُمَاقَلَةُ: التَّغْطِيسُ فِي الْمَاءِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَابْنُ عُمَرَ بِإِخَاذِ بِالْجُحْفَةِ يَتَرَامَسَانِ وَهُمَا مُحْرِمَانِ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْإِخَاذُ الْغَدِيرُ - وَالتَّرَامُسُ التَّغَاطُسُ. وَرَأَى مَالِكٌ عَلَى مَنْ غَيَّبَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ: الْفِدْيَةَ، وَخَالَفَ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا؛ وَاخْتَلَفَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ فَاحْتَكَمَا إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَوَجَّهَا إلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُنَيْنٍ فَوَجَدَهُ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَقَدْ ذَكَرْنَا «أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ تَنْقُضَ رَأْسَهَا وَتَمْتَشِطَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا الْعُمْرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ؟ - يَعْنِي عَنْ غَسْلِ الْمُحْرِمِ ثِيَابَهُ - فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِدَرَنِك شَيْئًا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُمَشِّطَ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ الْمَرْأَةَ الْحَرَامَ وَتَقْتُلَ قَمْلَ غَيْرِهَا. وَعَنْ عَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَا: لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْمُحْرِمِ الْحَمَّامَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ؟ قُلْنَا: رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: التَّفَثُ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَجِّ، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِنْ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَقَصُّ الشَّارِبِ» ، وَالْفِطْرَةُ سُنَّةٌ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهَا، وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ مُحْرِمًا مِنْ غَيْرِهِ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يَجْعَلُ فِيمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أُبِيحَ لَهُ وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ: كَفَّارَةً أَوْ غَرَامَةً، ثُمَّ لَا يَجْعَلُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي فُسُوقِهِ وَمَعَاصِيهِ، وَارْتِكَابِهِ الْكَبَائِرَ شَيْئًا، لَا فِدْيَةً، وَلَا غَرَامَةً، بَلْ يَرَى حَجَّهُ ذَلِكَ تَامًّا مَبْرُورًا؟ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

стр. 1977

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الْمُحْرِمُ فِي الْمِرْآةِ - وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْرَهُ ذَلِكَ - وَقَدْ رُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَالْإِبَاحَةُ عَنْهُ أَصَحُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قَلَّمَ الْمُحْرِمُ أَظْفَارَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، أَرْبَعَ أَصَابِعَ مِنْ كُلِّ يَدٍ مِنْ يَدَيْهِ، وَمِنْ كُلِّ رِجْلٍ مِنْ رِجْلَيْهِ: فَعَلَيْهِ إطْعَامٌ مَا شَاءَ، فَإِنْ قَلَّمَ أَظْفَارَ كَفٍّ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، أَوْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ: فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ قَلَّمَ خَمْسَةَ أَظْفَارٍ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِنْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِنْ يَدَيْنِ، أَوْ مِنْ رِجْلَيْنِ، أَوْ مِنْ يَدَيْهِ، وَرِجْلَيْهِ مَعًا: فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ قَلَّمَ أَرْبَعَةَ أَظْفَارٍ كَذَلِكَ: فَعَلَيْهِ إطْعَامٌ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُطْعِمُ عَنْ كُلِّ ظُفْرٍ نِصْفَ صَاعٍ. وَقَالَ زُفَرُ، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: إنْ قَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِنْ رِجْلٍ وَاحِدَةٍ؛ أَوْ مِنْ يَدَيْنِ وَرِجْلٍ، أَوْ مِنْ رِجْلَيْنِ وَيَدٍ: فَعَلَيْهِ دَمٌ - فَإِنْ قَلَّمَ أَقَلَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ أُصْبُعٍ نِصْفَ صَاعٍ. وَقَالَ الطَّحَاوِيَّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَلِّمَ جَمِيعَ أَظْفَارِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ: فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَلَّمَ مِنْ أَظْفَارِهِ مَا يُمِيطُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَذًى فَالْفِدْيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ قَلَّمَ ظُفْرًا وَاحِدًا فَلْيُطْعِمْ مُدًّا، فَإِنْ قَلَّمَ ظُفْرَيْنِ فَمُدَّيْنِ، فَإِنْ قَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ؟ فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي لَا حَظَّ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ الصَّوَابِ وَلَا نَعْلَمُ

стр. 1978

أَحَدًا قَالَهَا قَبْلَهُمْ - وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ آنِفًا: لَا بَأْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ أَنْ يَطْرَحَهُ عَنْهُ وَأَنْ يُمِيطَ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى. وَهُوَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، لَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ جَعَلَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا. وَعَنْ عَطَاءٍ: إنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ لِأَذًى بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَصَّهَا لِغَيْرِ أَذًى فَعَلَيْهِ دَمٌ - وَعَنْهُ، وَعَنْ الْحَسَنِ: إنْ قَلَّمَ ظُفْرَهُ الْمُنْكَسِرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْكَسِرَ: فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: إنْ نَزَعَ الْمُحْرِمُ ضِرْسَهُ: فَعَلَيْهِ دَمٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا مُخَالِفَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَيَلْزَمُ مَنْ رَأَى فِي إمَاطَةِ الْأَذَى الدَّمَ أَنْ يَقُولَ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ فِي إيجَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى بِقَلْعِ الضِّرْسِ، وَنَعِمَ، وَفِي الْبَوْلِ، وَفِي الْغَائِطِ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إمَاطَةُ أَذًى. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ. وَمِنْ طُرُقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي غَسْلِ الْمُحْرِمِ ثِيَابَهُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِدَرَنِك شَيْئًا. - وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَا بَأْسَ بِغَسْلِ الْمُحْرِمِ ثِيَابَهُ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. [مَسْأَلَةٌ مَا صَادَهُ الْمُحِلُّ فِي الْحِلِّ فَأَدْخَلَهُ الْحَرَمَ] ٨٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا صَادَهُ الْمُحِلُّ فِي الْحِلِّ فَأَدْخَلَهُ الْحَرَمَ، أَوْ وَهَبَهُ لِمُحْرِمٍ، أَوْ اشْتَرَاهُ مُحْرِمٌ: فَحَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ، وَلِمَنْ فِي الْحَرَمِ مِلْكُهُ، وَذَبْحُهُ، وَأَكْلُهُ - وَكَذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ قَدْ مَلَكَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ فِي مَنْزِلِهِ قَرِيبًا، أَوْ بَعِيدًا، أَوْ فِي قَفَصٍ مَعَهُ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُ - كَمَا كَانَ - أَكْلُهُ، وَذَبْحُهُ وَمِلْكُهُ، وَبَيْعُهُ، وَإِنَّمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً التَّصَيُّدُ لِلصَّيْدِ وَتَمَلُّكُهُ وَذَبْحُهُ حِينَئِذٍ فَقَطْ، فَلَوْ ذَبَحَهُ لَكَانَ مَيْتَةً، وَلَوْ انْتَزَعَهُ حَلَالٌ مِنْ يَدِهِ لَكَانَ لِلَّذِي انْتَزَعَهُ، وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُحْرِمُ وَإِنْ أَحَلَّ، إلَّا بِأَنْ يَحْدُثَ لَهُ تَمَلُّكًا بَعْدَ إحْلَالِهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] .

стр. 1979

وَقَالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى عُمُومِهِمَا، وَالشَّيْءُ الْمُتَصَيَّدُ هُوَ الْمُحَرَّمُ مِلْكُهُ وَذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ كَيْفَ كَانَ؟ فَحَرَّمُوا عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ جُمْلَةً وَإِنْ صَادَهُ لِنَفْسِهِ حَلَالٌ وَإِنْ ذَبَحَهُ الْحَلَالُ. وَحَرَّمُوا عَلَيْهِ ذَبْحَ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَأَوْجَبُوا عَلَى مَنْ أَحْرَمَ وَفِي دَارِهِ صَيْدٌ أَوْ فِي يَدِهِ، أَوْ مَعَهُ فِي قَفَصٍ أَنْ يُطْلِقَهُ، وَأَسْقَطُوا عَنْهُ مِلْكَهُ أَلْبَتَّةَ، وَلَمْ يُبِيحُوا لِأَحَدٍ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ، أَوْ تَمَلُّكَهُ، أَوْ ذَبْحَهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] إنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ التَّصَيُّدُ لَا الشَّيْءَ الْمُتَصَيَّدَ - وَهُوَ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ صَيْدًا - فَإِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ صَيْدُهُ لِمَا يَتَصَيَّدُ فَقَطْ. وَقَالُوا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] هُوَ التَّصَيُّدُ أَيْضًا نَفْسُهُ الْمُحَرَّمُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى. وَاسْتَدَلَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ عَلَى مَا قَالَتْهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] قَالُوا: فَاَلَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا بِالْإِحْلَالِ هُوَ بِلَا شَكٍّ الْمُحَرَّمُ عَلَيْنَا بِالْإِحْرَامِ لَا غَيْرُهُ. وَقَالُوا: لَا يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ الصَّيْدِ إلَّا عَلَى مَا كَانَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَحْشِيًّا غَيْرَ مُتَمَلَّكٍ فَإِذَا تُمُلِّكَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ صَيْدٍ بَعْدُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ هُمَا اللَّذَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ الْآيَةِ غَيْرُهُمَا وَكُلُّ مَا عَدَاهُمَا فَقَوْلٌ فَاسِدٌ مُتَنَاقِضٌ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ دَلِيلٌ أَصْلًا فَوَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي أَيِّ الْقَوْلَيْنِ يَقُومُ عَلَى صِحَّتِهِ الْبُرْهَانُ -: فَوَجَدْنَا أَهْلَ الْمَقَالَةِ الْأُولَى يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنَّا حُرُمٌ لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ» .

стр. 1980

وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا بِلَفْظِ: «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ» . رُوِّينَا اللَّفْظَ الْأَوَّلَ: مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ. وَاللَّفْظَ الثَّانِيَ: مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ وَقَالَ: إنَّا لَا نَأْكُلُهُ إنَّا حُرُمٌ» . وَهَذَانِ خَبَرَانِ رُوِّينَاهُمَا مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا صِحَاحٌ - وَهَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاذٍ، وَابْنِ عُمَرَ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ دَاوُد -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أُهْدِيَ إلَى ابْنِ عُمَرَ ظَبْيٌ مَذْبُوحَةٌ بِمَكَّةَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ -: فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى -: فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - نَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ فَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ إذْ بَصُرْت بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْتُ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي ثُمَّ رَكِبْتُ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: نَاوِلُونِي سَوْطِي وَكَانُوا مُحْرِمِينَ فَقَالُوا: لَا وَاَللَّهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ

стр. 1981

بِشَيْءٍ فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ؛ ثُمَّ رَكِبْتُ فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحٍ فَعَقَرْتُهُ فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﵇ أَمَامَنَا فَحَرَّكْتُ فَرَسِي فَأَدْرَكْتُهُ فَقَالَ: هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ» . أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ثِقَةٌ اسْمُهُ نَافِعٌ رَوَى عَنْهُ أَبُو النَّضْرِ وَغَيْرُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ نَا فُضَيْلٍ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ نَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَأَبُو قَتَادَةَ مُحِلٌّ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فَأَكَلَهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَنَحْنُ حُرُمٌ فَأُهْدِيَ لَنَا طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، وَمِنَّا مَنْ أَكَلَ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَفَّقَ مَنْ أَكَلَهُ، وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمِ التَّيْمِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالرَّوْحَاءِ وَهُمْ حُرُمٌ إذَا حِمَارٌ مَعْقُورٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ دَعُوهُ فَيُوشِكُ صَاحِبُهُ أَنْ يَأْتِيَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْزٍ هُوَ الَّذِي عَقَرَ الْحِمَارَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ ﵇ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ النَّاسِ» . وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَطَلْحَةَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَبِي هُرَيْرَةَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَنِي قَوْمٌ مُحْرِمُونَ عَنْ مُحَلِّينَ أَهْدَوْا لَهُمْ صَيْدًا؟ قَالَ: فَأَمَرْتهمْ بِأَكْلِهِ، ثُمَّ لَقِيت عُمَرَ فَأَخْبَرْته، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَفْتَيْتهمْ بِغَيْرِ هَذَا لَأَوْجَعْتُك.

стр. 1982

وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَمِيرُنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَأَتَى رَجُلٌ بِحِمَارِ وَحْشٍ قَدْ عَقَرَهُ فَابْتَاعَهُ كَعْبُ بْنُ مُسْلِمٍ فَجَاءَ مُعَاذٌ وَالْقُدُورُ تَغْلِي بِهِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: لَا يُطِيعُنِي أَحَدٌ إلَّا أَكْفَأَ قِدْرَهُ فَأَكْفَأَ الْقَوْمُ قُدُورَهُمْ فَلَمَّا وَافَوْا عُمَرَ قَصَّ عَلَيْهِ كَعْبٌ قِصَّةَ الْحِمَارِ، قَالَ عُمَرُ: مَا بَأْسُ ذَلِكَ؟ وَمَنْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ؟ لَعَلَّك أَفْتَيْت بِذَلِكَ يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: نَعَمْ - فَلَامَهُ عُمَرُ. وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَمُجَاهِدٍ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا صِحَاحًا كُلُّهَا، فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهَا وَاسْتِعْمَالُهَا كَمَا هِيَ دُونَ أَنْ يُزَادَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَيَقَعُ فَاعِلُ ذَلِكَ فِي الْكَذِبِ، فَنَظَرْنَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ فَوَجَدْنَا فِيهَا إبَاحَةَ أَكْلِ مَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِلْمُحْرِمِ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا فَوَجَدْنَاهَا لَيْسَ فِيهَا نَهْيُ الْمُحْرِمِ عَنْ أَكْلِ مَا صَادَهُ الْمُحِلُّ أَصْلًا وَإِنَّمَا فِيهَا قَوْلُهُ ﵇: «إنَّا لَا نَأْكُلُهُ إنَّا حُرُمٌ، وَلَوْلَا أَنَّنَا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ» فَإِنَّمَا فِيهِ رَدُّ الصَّيْدِ عَلَى مُهْدِيهِ، لِأَنَّهُمْ حُرُمٌ وَتَرْكُ أَكْلِهِ لِأَنَّهُمْ حُرُمٌ؛ وَهَذَا فِعْلٌ مِنْهُ ﵇ وَلَيْسَ أَمْرًا، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ أَمْرُهُ وَإِنَّمَا فِي فِعْلِهِ الِائْتِسَاءُ بِهِ فَقَطْ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇: «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» . وَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ - فَلَمْ يُحَرِّمْ بِذَلِكَ الْأَكْلَ مُتَّكِئًا لَكِنْ هُوَ الْأَفْضَلُ. وَلَمْ يُحَرَّمْ أَيْضًا أَكْلُ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ يَصِيدُهُ الْمُحِلُّ بِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّا لَا نَأْكُلُهُ إنَّا حُرُمٌ» لَكِنْ كَانَ تَرْكُ أَكْلِهِ أَفْضَلَ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَا حَرَجَ فِي أَكْلِهِ أَصْلًا وَلَا كَرَاهَةَ لِأَنَّهُ ﵇ قَدْ أَبَاحَهُ وَأَكَلَهُ أَيْضًا، فَمَرَّةً أَكَلَهُ، وَمَرَّةً لَمْ يَأْكُلْهُ، وَمَرَّةً قَبِلَهُ، وَمَرَّةً لَمْ يَقْبَلْهُ - فَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ مُبَاحٌ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ «أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْضُ نَعَامٍ وَتَتْمِيرُ وَحْشٍ فَقَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ فَإِنَّا حُرُمٌ» لَوْ صَحَّ فَكَيْفَ وَلَا يَصِحُّ؟ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَقَدْ

стр. 1983

صَحَّ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] إنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّصَيُّدَ فِي الْبَرِّ فَقَطْ. وَصَحَّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] نَهْيٌ عَنْ قَتْلِهِ فِي حَالِ كَوْنِ الْمَرْءِ حَرَمًا، وَالذَّكَاةُ لَيْسَتْ قَتْلًا بِلَا خِلَافٍ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْقَتْلُ لَيْسَ ذَكَاةً، فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ تَذْكِيَتِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِنَهْيٍ عَنْ تَمَلُّكِ الصَّيْدِ بِغَيْرِ التَّصَيُّدِ فَهُوَ حَلَالٌ. وَبُرْهَانٌ قَاطِعٌ -: وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ سَكَنَ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ مَاتَ، وَهِيَ حَرَمٌ كَمَكَّةَ سَوَاءٌ سَوَاءٌ وَأَصْحَابُهُ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَزَلْ ﵇ يُهْدَى لَهُ الصَّيْدُ وَلِأَصْحَابِهِ وَيَدْخُلُ بِهِ الْمَدِينَةَ حَيًّا فَيُبْتَاعُ وَيُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ وَيُتَمَلَّكُ، وَمُذَكًّى فَيُبَاعُ وَيُؤْكَلُ، هَذَا أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إنْكَارِهِ أَحَدٌ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَكَذَلِكَ بِمَكَّةَ وَهِيَ حَرَمٌ -: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ نَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ هُوَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ - نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُد بْنَ أَبِي هِنْدٍ يُحَدِّث هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ أَنَّ عَطَاءً يَكْرَهُ مَا أُدْخِلَ مِنْ الصَّيْدِ مِنْ الْحِلِّ أَنْ يُذْبَحَ فِي الْحَرَامِ، فَقَالَ هِشَامٌ: وَمَا عِلْمُ عَطَاءٍ، وَمَنْ يَأْخُذُ عَنْ ابْنِ رَبَاحٍ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ - يَعْنِي عَمَّهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ - تِسْعَ سِنِينَ يَرَاهَا فِي الْأَقْفَاصِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ يُقَدِّمُونَ بِهَا الْقَمَارِيَّ وَالْيَعَاقِيبَ لَا يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ الْحَرَمُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ الْإِحْرَامُ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ذَلِكَ النَّصُّ أَصْلًا فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: مَنْ أَحْرَمَ وَفِي مَنْزِلِهِ صَيْدٌ أَوْ مَعَهُ فِي قَفَصٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إرْسَالُهُ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ إحْلَالِهِ فِي يَدِ إنْسَانٍ قَدْ أَخَذَهُ كَانَ لَهُ ارْتِجَاعُهُ وَانْتِزَاعُهُ مِنْ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيكَ بِهِ، وَلَئِنْ كَانَ يَسْقُطُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِإِحْرَامِهِ فَمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِمَّنْ مَلَكَهُ وَلَا سَبِيلَ إلَى عَوْدَةِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ سُقُوطِهِ إلَّا بِبُرْهَانٍ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بِإِحْرَامِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ. وَقَالَ أَيْضًا: إنْ صَادَ مُحِلٌّ صَيْدًا فَأَدْخَلَهُ حَرَمَ مَكَّةَ حَيًّا فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ فَإِنْ بَاعَهُ

стр. 1984

فُسِخَ بَيْعُهُ، فَإِنْ بَاعَهُ مِمَّنْ يَذْبَحُهُ أَوْ ذَبَحَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ وَتَنَاقُضٌ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ. وَرُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُدْخَلَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ حَيًّا - ثُمَّ يُذْبَحَ. وَعَنْ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا مِثْلُ هَذَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: رَأَيْت الصَّيْدَ يُبَاعُ بِمَكَّةَ حَيًّا فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ، وَبَيْنَ الْمُحْرِمِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ حَرَمٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا فَالْوَاجِبُ فِيمَنْ قَتَلَ صَيْدًا مُتَمَلَّكًا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ فِي الْحَرَمِ أَنْ يُؤَدِّيَ لِصَاحِبِهِ صَيْدًا مِثْلَهُ يَبْتَاعُهُ لَهُ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ وَلَا يُؤْكَلُ الَّذِي قُتِلَ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ، إذْ قَتْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَا هُنَا قَوْلَانِ آخَرَانِ، أَحَدُهُمَا: قَوْمٌ قَالُوا: لَحْمُ الصَّيْدِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مَا لَمْ يَصِدْهُ هُوَ أَوْ يُصَدْ لَهُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ فَرَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَاصْطَدْتُهُ فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِلنَّبِيِّ ﵇ وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ» . وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلَّا مَا اصْطَدْتُمْ وَصِيدَ لَكُمْ» . فَرُوِّينَا هَذَا عَنْ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ أُتِيَ بِصَيْدٍ وَهُوَ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَأْكُلْهُ هُوَ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا عَجَبًا لَك تَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ مِمَّا لَسْت آكِلًا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: إنِّي أَظُنُّ إنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي، فَأَكَلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا خَبَرُ جَابِرٍ فَسَاقِطٌ، لِأَنَّهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي قَتَادَةَ فَإِنَّ مَعْمَرًا رَوَاهُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ كِلَاهُمَا يَقُولُ

стр. 1985

فِيهِ: عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، وَلَا يَذْكُرَانِ مَا ذَكَرَ مَعْمَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَعْمَرٌ سَمَاعَ يَحْيَى لَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ. وَرَوَاهُ أَيْضًا: شُعْبَةُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَا ذَكَرَ مَعْمَرٌ. وَرَوَاهُ أَيْضًا: أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَا ذَكَرَ مَعْمَرٌ، وَرَوَاهُ أَبُو حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فَذَكَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ أَكَلَ مِنْهُ. فَلَا يَخْلُو الْعَمَلُ فِي هَذَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ -: إمَّا أَنْ تُغَلَّبَ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى رِوَايَةِ مَعْمَرٍ لَا سِيَّمَا وَفِيهِمْ مَنْ يَذْكُرُ سَمَاعَ يَحْيَى مِنْ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْمَرًا. وَتَسْقُطَ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ جُمْلَةً لِأَنَّهُ اضْطَرَبَ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذَ بِرِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ، وَابْنِ مَوْهَبٍ، الَّذِينَ لَمْ يَضْطَرِبْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ ذُو حِسٍّ أَنَّ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهْمٌ. إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ ﵇ أَكَلَ مِنْهُ، وَتَصِحَّ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَهِيَ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فِي مَكَان وَاحِدٍ فِي صَيْدٍ وَاحِدٍ، وَيُؤْخَذُ بِالزَّائِدِ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَا مَنْ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ مِنْهُ» قَدْ أَثْبَتَ خَبَرًا وَزَادَ عِلْمًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ وَلَا بُدَّ وَتَرْكُ رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ مَا أَثْبَتَهُ غَيْرُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا فِعْلُ عُثْمَانَ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يُصَادُ لَهُ الْوَحْشُ عَلَى الْمَنَازِلِ ثُمَّ يُذْبَحُ فَيَأْكُلُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ سَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إنَّ الزُّبَيْرَ كَلَّمَهُ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا يُصَادُ لَنَا وَمِنْ أَجْلِنَا؟ لَوْ تَرَكْنَاهُ؟ فَتَرَكَهُ. فَصَحَّ أَنَّهُ رَأْيٌ مِنْ عُثْمَانَ، وَالزُّبَيْرِ، وَاسْتِحْسَانٌ، لَا مَنْعٌ، وَلَا عَنْ أَثَرٍ عِنْدَهُمَا،

стр. 1986

وَمِثْلُ هَذَا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يَصِدْ الْحِمَارَ إلَّا لِنَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَكْلِهِ فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ. وَقَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ مَا صَادَهُ الْحَلَالُ مَا لَمْ يُشِرْ لَهُ إلَيْهِ أَوْ يَأْمُرْهُ بِصَيْدِهِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: سَمِعْتُ «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لَهُمْ بَعْضُهُمْ مُحْرِمٌ وَبَعْضُهُمْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ فَرَأَيْتُ حِمَارَ وَحْشٍ فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي فَاخْتَلَسْتُ سَوْطًا مِنْ بَعْضِهِمْ وَشَدَدْتُ عَلَى الْحِمَارِ فَأَصَبْتُهُ فَأَكَلُوا مِنْهُ فَأَشْفَقُوا مِنْهُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇؟ فَقَالَ: هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ بِمِثْلِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي مَاذَا كَانَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ قَالَ لَهُ: نَعَمْ؟ إلَّا أَنَّ الْيَقِينَ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَقُلْهُ ﵇ وَلَا حَكَمَ بِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا تُؤْخَذُ الدِّيَانَةُ بِالتَّكَهُّنِ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَ بِإِشَارَتِهِمْ إلَيْهِ، أَوْ أَمْرِهِمْ إيَّاهُ، أَوْ عَوْنِهِمْ لَهُ حُكْمُ تَحْرِيمٍ لَبَيَّنَهُ ﵇، فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حُكْمَ لِذَلِكَ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ فِي مُحْرِمٍ كَانَ بِمَكَّةَ فَاشْتَرَى حَجَلَةً فَأَمَرَ مُحِلًّا بِذَبْحِهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَمَرَ مُحْرِمٌ حَلَالًا بِالتَّصَيُّدِ] ٨٩٣ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ أَمَرَ مُحْرِمٌ حَلَالًا بِالتَّصَيُّدِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُطِيعُهُ وَيَأْتَمِرُ لَهُ فَالْمُحْرِمُ هُوَ الْقَاتِلُ لِلصَّيْدِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَأْتَمِرُ لَهُ وَلَا يُطِيعُهُ فَلَيْسَ الْمُحْرِمُ هَاهُنَا قَاتِلًا، بَلْ أَمَرَ بِمُبَاحٍ حَلَالٍ لِلْمَأْمُورِ. وَلَوْ اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ كَانَ مَيْتَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ الذَّكَاةُ خَالِصَةً، وَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ كُلُّهُ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ وَلَا جَزَاءَ عَلَى الْمُحِلِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُقَبِّلَ امْرَأَتَهُ وَيُبَاشِرَهَا مَا لَمْ يُولِجْ] ٨٩٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُقَبِّلَ امْرَأَتَهُ وَيُبَاشِرَهَا مَا لَمْ يُولِجْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْهَ إلَّا عَنْ الرَّفَثِ، وَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ، فَقَطْ.

стр. 1987

وَلَا عَجَبَ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَنْهَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﵇ قَطُّ عَنْ ذَلِكَ، وَيُبْطِلُ الْحَجَّ بِالْإِمْنَاءِ فِي مُبَاشَرَتِهَا الَّتِي لَمْ يَنْهَهُ قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ عَنْهَا، ثُمَّ لَا يُبْطِلُ حَجَّهُ بِالْفُسُوقِ الَّذِي صَحَّ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ عَنْهُ فِي الْحَجِّ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِ الْحَقِّ وَسَائِرِ الْفُسُوقِ، إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحُذَافِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو هَرِمٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ مِنْ امْرَأَتِهِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا هَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ - يَعْنِي الْجِمَاعَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ؟ فَقَالَ: مَا نَعْلَمُ فِيهَا شَيْئًا فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَسَمِعْت عَطَاءً يَقُولُ: مِثْلَ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ إلَّا الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ فَإِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَسَدَ الْحَجُّ وَوَجَبَ الْغُرْمُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَأَلَنِي وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَلِيمُ بْنُ الدُّرَيْمِ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ: وَضَعْت يَدِي مِنْ امْرَأَتِي مَوْضِعًا فَلَمْ أَرْفَعْهَا حَتَّى أَجْنَبْت؟ ؟ فَقُلْنَا كُلُّنَا: مَا لَنَا بِهَذَا عِلْمٌ؟ فَمَضَى إلَى أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فَسَأَلَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْنَا يُعْرَفُ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ؟ فَسَأَلْنَاهُ مَاذَا أَفْتَاك؟ فَقَالَ: إنَّهُ اسْتَكْتَمَنِي - فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ فَإِنْ ذَكَرُوا الرِّوَايَةَ عَنْ عَائِشَةَ: يُحَرَّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مِنْ امْرَأَتِهِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْكَلَامَ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا الرَّفَثُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عِنْدَ النِّسَاءِ - فَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا لِأَنَّهُمْ يُبِيحُونَ لَهُ النَّظَرَ، ثُمَّ إنَّهَا وَابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَجْعَلَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَالشَّافِعِيُّ: مَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمٌ وَتُجْزِئُهُ شَاةٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَصِحَّ فِيمَنْ نَظَرَ فَأَمْذَى، أَوْ أَمْنَى: عَلَيْهِ دَمٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ: مَنْ قَبَّلَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. أَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعَنْ شَرِيكٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ.

стр. 1988

وَأَمَّا رِوَايَةُ عَلِيٍّ فَعَنْ شَرِيكٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ - وَكُلُّهُمْ لَا شَيْءُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إيجَابُ الدَّمِ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمُحْرِم إذَا تَطَيَّبَ نَاسِيًا أَوْ تَدَاوَى بِطِيبٍ] ٨٩٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا، أَوْ تَدَاوَى بِطِيبٍ، أَوْ مَسَّهُ طِيبُ الْكَعْبَةِ، أَوْ مَسَّ طِيبًا لِبَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ لَبِسَ مَا يُحَرَّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لِبَاسُهُ نَاسِيًا، أَوْ لِضَرُورَةٍ طَالَ كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ قَصُرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكْدَحُ ذَلِكَ فِي حَجِّهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ كُلَّ ذَلِكَ سَاعَةَ يَذْكُرُهُ أَوْ سَاعَةَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ وَيَحْلِقَ مَوَاضِعَ الْمَحَاجِمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَدْهُنَ بِمَا شَاءَ، فَلَوْ تَعَمَّدَ لِبَاسَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ أَوْ فِعْلَ مَا حُرِّمَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ: بَطَلَ حَجُّهُ وَإِحْرَامُهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَالْمُسْتَكْرَهُ عَلَى كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَالْمَرْأَةُ الْمُكْرَهَةُ عَلَى الْجِمَاعِ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَحَجُّهُمْ تَامٌّ، وَإِحْرَامُهُمْ تَامٌّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ غَطَّى رَأْسَهُ، أَوْ وَجْهَهُ، أَوْ لَبِسَ مَا نُهِيَ عَامِدًا، أَوْ نَاسِيًا، أَوْ مُكْرَهًا يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَإِنْ حَلَقَ قَفَاهُ لِلْحِجَامَةِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِنْ حَلَقَ بَعْضَ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَمَاطَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَذًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الَّتِي عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَلَا يَحْتَجِمُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ حَلَقَ مَوَاضِعَ الْمَحَاجِمِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ فِي النِّسْيَانِ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فَقَطْ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ - قَالَ: وَلَا يَحْلِقُ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي ذَلِكَ فِدْيَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا أَقْوَالُ أَبِي حَنِيفَةَ فَظَاهِرَةُ الْفَسَادِ وَالتَّنَاقُضِ وَلَا نَعْلَمُهَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ؛ لِأَنَّ تَفْرِيقَهُ بَيْنَ ذَلِكَ يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ: دَعْوَى فَاسِدَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا هُوَ الْمَعْهُودُ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ. قَالَ عَلِيٌّ: كَذَبَ فِي ذَلِكَ بَلْ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]

стр. 1989

فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ اللِّبَاسَ لَا يَقِلُّ فِي النَّهَارِ بَلْ قَدْ يُوضَعُ لِلْقَائِلَةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللِّبَاسَ يَقِلُّ إلَى بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ يَكُونُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَلْيُرِقْ دَمًا؟ قُلْنَا: أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ لِأَنَّكُمْ تَجْعَلُونَ فِي أَكْثَرِ ذَلِكَ صَدَقَةً لَا دَمًا؛ وَلَا عَجَبَ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِشَيْءٍ يَرَاهُ حَقًّا، ثُمَّ هُوَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَتْ إمَاطَتُهُ الْأَذَى بِغَيْرِ حَلْقِ الرَّأْسِ تُوجِبُ الْفِدْيَةَ لَأَوْجَبَ الْفِدْيَةَ: الْبَوْلُ، وَالْغَائِطُ، وَالْأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَالْغُسْلُ لِلْحَرِّ وَالتَّرَوُّحِ، وَالتَّدَفُّؤُ لِلْبَرْدِ، وَقَلْعُ الضِّرْسِ لِلْوَجَعِ، فَكُلُّ هَذَا إمَاطَةُ أَذًى. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى إسْقَاطِهِ الْفِدْيَةَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: حَسْبُنَا وَإِيَّاكُمْ إقْرَارُكُمْ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى إبْطَالِ عِلَّتِكُمْ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ إمَاطَةِ أَذًى تَجِبُ فِيهِ فِدْيَةٌ، وَإِلْزَامُ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدْيِ شَرْعٌ لَا يُجَوِّزُ إلْزَامَهُ أَحَدٌ حَيْثُ لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﵇. فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا كَذَبُوا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُورِدُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ عَشَرَةٍ مِنْ صَاحِبٍ، وَتَابِعٍ فِي ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ احْتَجَّ لَهُ مُقَلِّدُهُ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا يَقْدِرُ النَّاسُ عَلَى إزَالَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا حَلْقَ الشَّعْرِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إنْبَاتِهِ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مِمَّا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ؟ وَهَلْ زِدْتُمْ إلَّا دَعْوَى لَا بُرْهَانَ لَهَا؟

стр. 1990

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْكُلُ الْخَبِيصَ الْأَصْفَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ - يَعْنِي الْمُزَعْفَرَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ بِأَيِّ كُحْلٍ شَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ شُمَيْسَةَ الْأَزْدِيَّةِ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ لَهَا: اكْتَحِلِي بِأَيِّ كُحْلٍ شِئْت غَيْرَ الْإِثْمِدِ أَمَا إنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ زِينَةٌ، وَنَحْنُ نَكْرَهُهُ. وَمِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَمَرَ امْرَأَةً مُحْرِمَةً اكْتَحَلَتْ بِإِثْمِدٍ أَنْ تُهْرِقَ دَمًا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا مَرْوَانُ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ - نَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ قَالَ: رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَصَابَ ثَوْبَهُ خَلُوقُ الْكَعْبَةِ فَلَمْ يَغْسِلْهُ - وَكَانَ مُحْرِمًا - وَعَنْ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ سَوَاءٌ سَوَاءٌ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: إنْ شَمَّ الْمُحْرِمُ رَيْحَانًا، أَوْ مَسَّ طِيبًا: أَهْرَقَ دَمًا. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ نَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَسَطَ رَأْسِهِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يُخْبِرْ ﵇ أَنَّ فِي ذَلِكَ غَرَامَةً وَلَا فِدْيَةً وَلَوْ وَجَبَتْ لَمَا

стр. 1991

أَغْفَلَ ذَلِكَ، «وَكَانَ ﵇ كَثِيرَ الشَّعْرِ أَفْرَعَ وَإِنَّمَا نُهِينَا عَنْ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَامِ» وَالْقَفَا لَيْسَ رَأْسًا وَلَا هُوَ مِنْ الرَّأْسِ. فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ مُحْرِمًا احْتَجَمَ أَنْ يَفْتَدِيَ بِصِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ؛ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ فَهَذَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوهُ فِي مَوْضِعَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَوْجَبَ الدَّمَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ إنْ حَلَقَ لَهَا شَعْرًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ شَيْئًا عَلَى مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا. وَرُوِّينَا عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يَحْتَجِمُ الصَّائِمُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ تَرْكَ حَلْقِ الْقَفَا. وَعَنْ طَاوُسٍ يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إذَا كَانَ وَجِعًا وَمَا نَعْلَمُ مَنْ أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ حُكْمًا مِنْ التَّابِعِينَ إلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَرَاقَ دَمًا. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ: إنْ حَلَقَ مَوَاضِعَ الْمَحَاجِمِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. وَأَمَّا الِادِّهَانُ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ - عَنْ مُرَّةِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: رَآنَا أَبُو ذَرٍّ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَقَالَ: اُدْهُنُوا أَيْدِيَكُمْ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُعَالِجَ الْمُحْرِمُ يَدَيْهِ بِالدَّسَمِ، وَأَنْ يَدْهُنَ بِالسَّمْنِ رَأْسَهُ لِصُدَاعٍ أَصَابَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا. وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ: مَنْ تَدَاوَى بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا بَأْسَ بِالْأَدْهَانِ الْفَارِسِيَّةِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ: فِي الطِّيبِ الْفِدْيَةُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: إذَا تَدَاوَى الْمُحْرِمُ بِالسَّمْنِ، أَوْ الزَّيْتِ، أَوْ الْبَنَفْسَجِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَعَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ: كَانَ الْحَكَمُ، وَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ فِي الْمُحْرِمِ يُدَاوِي قُرُوحًا بِرَأْسِهِ وَجَسَدِهِ: إنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَتَيْنِ. وَأَمَّا اللِّبَاسُ نَاسِيًا -: فَعَنْ عَطَاءٍ فِي الْمُحْرِمِ يُغَطِّي رَأْسَهُ نَاسِيًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنْ

стр. 1992

لَبِسَ قَمِيصًا نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى؛ فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَالْكَفَّارَةُ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِمِثْلِهِ لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّاسِي. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُمَا أَجَازَا لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ الطَّعَامِ، وَفِيهِ الزَّعْفَرَانُ - وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَأْثُرُ قَوْلَهُ عَنْ أَحَدٍ. وَعَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ: إبَاحَةُ الْخَبِيصِ الْمُزَعْفَرِ لِلْمُحْرِمِ. وَمِثْلُهُ عَنْ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، فِي لِبَاسِ الْقَمِيصِ، وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَالْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ أَنَّهُ يُهْرِقُ دَمًا -: وَهَذِهِ كُلُّهَا أَقْوَالٌ مُخَالِفَةٌ لِأَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَقَدْ فَسَقَ، وَالْفُسُوقُ يُبْطِلُ الْحَجَّ كَمَا قَدَّمْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَعْصِبُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بِسَيْرٍ وَلَا بِخِرْقَةٍ] ٨٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشُدَّ الْمِنْطَقَةَ عَلَى إزَارِهِ إنْ شَاءَ أَوْ عَلَى جِلْدِهِ وَيَحْتَزِمَ بِمَا شَاءَ، وَيَحْمِلَ خُرْجَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَعْقِدَ إزَارَهُ عَلَيْهِ وَرِدَاءَهُ إنْ شَاءَ، وَيَحْمِلَ مَا شَاءَ مِنْ الْحُمُولَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَعْصِبَ عَلَى رَأْسِهِ لِصُدَاعٍ، أَوْ لِجَرْحٍ، وَيَجْبُرَ كَسْرَ ذِرَاعِهِ، أَوْ سَاقِهِ، وَيَعْصِبَ عَلَى جِرَاحِهِ، وَخُرَّاجِهِ، وَقَرْحِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَيُحْرِمُ فِي أَيِّ لَوْنٍ شَاءَ حَاشَا مَا صُبِغَ بِوَرْسٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] إلَّا أَنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ أَبِي حَسَّانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مُحْرِمًا مُحْتَزِمًا بِحَبْلٍ فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْحَبْلِ أَلْقِهِ» . وَبِهِ إلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَا تَعْقِدْ عَلَيْكَ شَيْئًا وَأَنْتَ مُحْرِمٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْهِمْيَانَ لِلْمُحْرِمِ - فَأَمَّا الْأَثَرُ فَمُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ.

стр. 1993

وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْأَسْلَمِيِّ عَمَّنْ سَمِعَ صَالِحًا مَوْلَى التَّوْأَمَةِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فِي الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كِلَاهُمَا وَتَمْرَةٌ - وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ خِلَافُ هَذَا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ قَالَا جَمِيعًا: رَأَيْنَا ابْنَ عُمَرَ قَدْ شَدَّ حَقْوَيْهِ بِعِمَامَةٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ: أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا كَانَتْ تُرَخِّصُ فِي الْهِمْيَانِ يَشُدُّهُ الْمُحْرِمُ عَلَى حَقْوَيْهِ، وَفِي الْمِنْطَقَةِ أَيْضًا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ جَاءَ حَاجًّا فَرَمَلَ حَتَّى رَأَيْت مِنْطَقَتَهُ قَدْ انْقَطَعَتْ عَلَى بَطْنِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا شَكَّ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إلَى إحْرَازِ نَفَقَتِهِ، وَابْنُ عُمَرَ لَمْ يَجْعَلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا - وَرَأَى مَالِكٌ عَلَى مَنْ عَصَبَ رَأْسَهُ فِدْيَةً. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَعْصِبُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بِسَيْرٍ وَلَا بِخِرْقَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ شَدَّ شَعْرَهُ بِسَيْرٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَكِلَاهُمَا لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ شَيْئًا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قُلْت لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءَ: يَنْحَلُّ إزَارِي يَوْمَ عَرَفَةَ؟ قَالَ: اعْقِدْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَوَشَّحَ الْمُحْرِمُ بِثَوْبِهِ وَيَعْقِدَهُ عَلَى قَفَاهُ.

стр. 1994

وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَعْقِدَ الْمُحْرِمُ ثَوْبَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَأَبَاحَ لِبَاسَ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ: مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ - وَكَرِهَهُ آخَرُونَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَبَاحَ لِلْمُحْرِمِ يَنْكَسِرُ ظُفْرُهُ: أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ مُرَارَةً وَلَمْ يَأْمُرْ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو الْأَحْوَصِ نَا مَنْصُورٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ قَالَا جَمِيعًا: يَجْبُرُ الْمُحْرِمُ عَظْمَهُ إذَا انْكَسَرَ، قَالَا: وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إذَا انْكَسَرَتْ يَدُ الْمُحْرِمِ، أَوْ شُجَّ عَصَبَ عَلَى الشَّجِّ وَالْكَسْرِ وَعَقَدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْقِدَ الْمُحْرِمُ -: قَالَ مُحَمَّدٌ: عَلَى الْقَرْحَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: عَلَى الْجَرْحِ. وَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ لِلْمُحْرِمِ: الْهِمْيَانَ وَالْمِنْطَقَةَ، وَأَنْ يَحْمِلَ الْخُرْجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهِ بَأْسًا. وَأَبَاحَ مَالِكٌ لِبَاسَ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ إذَا كَانَتْ فِيهَا نَفَقَتُهُ، وَمَنَعَهُ لِبَاسَهَا إذَا كَانَتْ فِيهَا نَفَقَةُ غَيْرِهِ. وَجَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَهُ فِي ذَلِكَ الْفِدْيَةَ. وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ شَدِّ الْمِنْطَقَةِ عَلَى الْعَضُدِ لِلْمُحْرِمِ، وَأَبَاحَ شَدَّهَا عَلَى جِلْدِهِ، وَمَنَعَ مِنْ شَدِّهَا فَوْقَ الْإِزَارِ. وَجَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَهُ فِي ذَلِكَ فِدْيَةً - فَأَقْوَالٌ مُتَنَاقِضَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَا قَبْلَهُمَا. وَمَنَعَ مَالِكٌ الْمُحْرِمَ مِنْ حَمْلِ خُرْجٍ لِغَيْرِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَرَأَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِدْيَةً، وَأَبَاحَ لَهُ حَمْلَهُ عَلَى رَأْسِهِ إذَا كَانَ لَهُ - وَهَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ لَا نَعْلَمُهُ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.

стр. 1995

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ إبَاحَةُ حَمْلِ الْمُحْرِمِ الْمِكْتَلَ عَلَى رَأْسِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: رَأَى عُمَرُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ثَوْبَيْنِ مُضَرَّجَيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا أَخَالُ أَحَدًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ؟ فَسَكَتَ عُمَرُ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَبِسَ ثَوْبًا مُوَرَّدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى طَلْحَةَ لِبَاسَ ثَوْبٍ مَصْبُوغٍ لِلْمُحْرِمِ؟ قُلْنَا: أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تُنْكِرُوهُ؟ وَلَا رَأَيْتُمْ فِيهِ شَيْئًا - وَهَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقِيَاسَ فَأَبَاحُوا الْمُصَبَّغَاتِ وَلَمْ يَقِيسُوهَا عَلَى الْوَرْسِ وَالْمُعَصْفَرِ، كَمَا قَاسُوا كُلَّ مَنْ أَمَاطَ بِهِ أَذًى عَلَى حَالِقٍ رَأْسَهُ، وَكَمَا قَاسُوا جَارِحَ الصَّيْدِ عَلَى قَاتِلِهِ؛ وَكَمَا أَوْجَبُوهَا عَلَى مَنْ لَبِسَ قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً. [مَسْأَلَةٌ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ] ٨٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ بِمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ وَلَا شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَلَا مِنْ حَشِيشِهِ حَاشَا الْإِذْخِرَ فَإِنَّ جَمْعَهُ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ - وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَرْعَى إبِلَهُ أَوْ بَعِيرَهُ أَوْ مَوَاشِيَهُ فِي الْحَرَمِ - فَإِنْ وَجَدَ غُصْنًا قَدْ قَطَعَهُ غَيْرُهُ أَوْ وَقَعَ فَفَارَقَ جِذْمَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ حِينَئِذٍ. فَإِنْ احْتَطَبَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً فَإِنَّ سَلْبَهُ حَلَالٌ لِمَنْ وَجَدَهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةٍ اللَّهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةٍ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ فَقَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» .

стр. 1996

وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا لَيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ " أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵇ يَقُولُ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلَّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ؟ وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ إرْعَاءِ الْمَوَاشِي: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِكَرَاهِيَةِ الرَّعْيِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ - وَهَذَا تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى - وَأَبَاحَ مَالِكٌ أَخْذَ السَّنَى وَسَائِرِ حَشِيشِ الْحَرَمِ - وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّنَى وَبَيْنَ سَائِرِ حَشِيشِ الْحَرَمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسُفْيَانُ: بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَى قَاطِعِ شَجَرِ الْحَرَمِ - قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغُصْنِ فَمَا فَوْقَهُ إلَى الدَّوْحَةِ: قِيمَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ بَلَغَ هَدْيًا أَهْدَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَدْيًا فَقِيمَتُهُ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ صِيَامٌ. وَقَالَ زُفَرُ: يَتَصَدَّقُ بِالْقِيمَةِ وَلَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي الدَّوْحَةِ بَدَنَةٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ فِيهَا بَقَرَةٌ، وَفِي الْوَتَدِ مُدٌّ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فِي الدَّوْحَة: بَقَرَةٌ. وَعَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ فِي الدَّوْحَةِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ، أَوْ خَمْسَةٌ، أَوْ سَبْعَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا بِمَكَّةَ - وَمَا نَعْلَمُ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ فِي قَوْلِهِمَا سَلَفًا. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ

стр. 1997

لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَجُوزُ شَرْعُ هَدْيٍ، وَلَا إيجَابُ صِيَامٍ، وَلَا إلْزَامُ غَرَامَةِ إطْعَامٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، إلَّا بِقُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ؛ وَهَذَا مِمَّا تَرَكَتْ فِيهِ الطَّوَائِفُ الْمَذْكُورَةُ الْقِيَاسَ. فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ قَاسَا إيجَابَ الْجَزَاءِ فِي شَجَرِ الْحَرَمِ عَلَى إيجَابِ الْجَزَاءِ فِي صَيْدِهِ وَلَمْ يَقِيسَا إيجَابَ الْجَزَاءِ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى إيجَابِهِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَكِلَاهُمَا حَرَمٌ مُحَرَّمٌ صَيْدُهُ. وَقَاسَ مَالِكٌ إيجَابَ الْفِدْيَةِ عَلَى اللَّابِسِ وَالْمُتَطَيِّبِ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى حَالِقِ رَأْسِهِ، وَلَمْ يَقِسْ إيجَابَ الْجَزَاءِ فِي شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ، وَفِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى وُجُوبِهِ فِي صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ. وَكُلُّ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ لَا وَجْهَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ سفك الدِّمَاء فِي الْحَرَمِ] ٨٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُسْفَكَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ دَمٌ بِقِصَاصٍ أَصْلًا، وَلَا أَنْ يُقَامَ فِيهَا حَدٌّ، وَلَا يُسْجَنَ فِيهَا أَحَدٌ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أُخْرِجَ عَنْ الْحَرَمِ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ أَنْ يُسْفَكَ بِهَا دَمٌ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ. وَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَاصِي مِنْهُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] فَتَطْهِيرُهُ مِنْ الْعُصَاةِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ هَذَا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَلَا يُسَمَّى ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الْمُتَمَلَّكِ وَلَا الْحِجَامَةُ، وَلَا فَتْحُ الْعِرْقِ: سَفْكَ دَمٍ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ - وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا - قَالَ: سَمِعْت طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: مَنْ أَصَابَ حَدًّا، ثُمَّ دَخَلَ الْحَرَمَ لَمْ يُجَالَسْ وَلَمْ يُبَايَعْ - وَذَكَرَ كَلَامًا - وَفِيهِ: فَإِذَا خَرَجَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

стр. 1998

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ وَجَدْتُ فِيهِ قَاتِلَ عُمَرَ مَا نَدَهْتُهُ يَعْنِي حَرَمَ مَكَّةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ وَجَدْت قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا عَرَضْت لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمْ يَخُصُّوا مَنْ أَصَابَ حَدًّا فِي الْحَرَمِ مِمَّنْ أَصَابَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ؛ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ - وَفَرَّقَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ بَيْنَهُمَا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ خَرَّجَ قَوْمًا مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ فَصَلَبَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِيمَنْ قَتَلَ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ؟ قَالَ: يُخْرَجُ مِنْهُ فَيُقْتَلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْحَرَمِ إلَّا الْقَتْلَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ فِيهِ حَدُّ قَتْلٍ وَلَا قَوَدٍ حَتَّى يَخْرُجَ بِاخْتِيَارِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُخْرَجُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَتْلِ. قَالَ عَلِيٌّ: تَقْسِيمُ أَبِي حَنِيفَةَ فَاسِدٌ وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَبَاحَ الْقَتْلَ فِي الْحَرَمِ حَجَّةً أَصْلًا، وَلَا سَلَفًا، إلَّا الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ، وَمَنْ بَعَثَهُ، وَالْحَجَّاجَ، وَمَنْ بَعَثَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ تُعُدِّيَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ فَلْيَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُخْرَجُ شَيْءٌ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ] ٨٩٩ - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يُخْرَجُ شَيْءٌ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا حِجَارَتِهِ إلَى الْحِلِّ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا حَجَّاجٌ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ، أَوْ يُدْخَلَ تُرَابُ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِ. وَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ مَاءِ زَمْزَمَ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ إنَّمَا هِيَ لِلْأَرْضِ وَتُرَابِهَا وَحِجَارَتِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إزَالَةُ حُرْمَتِهَا وَلَمْ يَأْتِ فِي الْمَاءِ تَحْرِيمٌ. [مَسْأَلَة مِلْكُ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا] ٩٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمِلْكُ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا جَائِزٌ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ دُورِهَا وَلَا إجَارَتُهَا.

стр. 1999

وَمَنَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ كِرَائِهَا. وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ الْمَنْعَ مِنْ التَّبْوِيبِ عَلَى دُورِهَا؛ وَرُوِّينَا فِي ذَلِكَ خَبَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ لَا يَصِحَّانِ - وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ مَلَكَ الصَّحَابَةُ بِهَا دُورَهُمْ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّه ﵇ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ رَبْعًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ رَسُولُهُ ﵇ فَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِيهَا. [مَسْأَلَة احْتَطَبَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ] ٩٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ احْتَطَبَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَحَلَالٌ سَلْبُهُ كُلَّ مَا مَعَهُ فِي حَالِهِ تِلْكَ وَتَجْرِيدُهُ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ؛ فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَمِّهِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إنَّ سَعْدًا أَبَاهُ رَكِبَ إلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطَهُ فَسَلَبَهُ فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لِمَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ: إنِّي اسْتَعْمَلْتُك عَلَى مَا هَاهُنَا فَمَنْ رَأَيْتَهُ يَخْبِطُ شَجَرًا أَوْ يَعْضِدُهُ: فَخُذْ حَبْلَهُ وَفَأْسَهُ؟ قُلْت: آخُذُ رِدَاءَهُ؟ قَالَ: لَا - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ هَذَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ يُعْرَفُ وَلَيْسَ هَذَا فِي الْحَشِيشِ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا جَاءَ فِي الِاحْتِطَابِ - وَسِتْرُ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِكُلِّ حَالٍ. [مَسْأَلَةٌ نَذَرَ أَنْ يَمْشِي إلَى مَكَّةَ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ] ٩٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى عَرَفَةَ أَوْ إلَى مِنًى أَوْ إلَى مَكَان ذَكَره مِنْ الْحَرَمِ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ أَوْ الشُّكْرِ لَهُ - تَعَالَى - لَا عَلَى سَبِيلِ الْيَمِينِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى حَيْثُ نَذَرَ لِلصَّلَاةِ هُنَالِكَ، أَوْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَقَطْ - وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ، وَلَا أَنْ يَعْتَمِرَ إلَّا أَنْ يَنْذِرُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا.

стр. 2000

فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى حَيْثُ نَذَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَرْكَبْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ رَكِبَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ لِغَيْرِ مَشَقَّةٍ فِي طَرِيقٍ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا يُعَوِّضُ مِنْهُ صِيَامًا وَلَا إطْعَامًا. فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَلْيَمْشِ مِنْ الْمِيقَاتِ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ. وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَرْكَبَ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَ وَلَا بُدَّ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] فَالْمَشْيُ وَالرُّكُوبُ إلَى كُلِّ مَا ذَكَرْنَا طَاعَةٌ لِلَّهِ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَإِنَّمَا أَمَرَ - تَعَالَى - بِالْوَفَاءِ بِعُقُودِ الطَّاعَةِ لَا بِعُقُودِ الْمَعَاصِي. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَمْشِي إلَّا فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ إلْزَامُ مَا لَمْ يَنْذِرْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ، أَوْ إلَى الْحَرَمِ لَزِمَهُ، فَإِنْ نَذَرَ إلَى عَرَفَةَ، أَوْ إلَى مُزْدَلِفَةَ، أَوْ مِنًى، أَوْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ - وَهَذَا تَقْسِيمٌ بِلَا بُرْهَانٍ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ نَا الْفَزَارِيّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَخْبَرَنِي ثَابِتٌ هُوَ الْبُنَانِيُّ - عَنْ أَنَسٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﵇: أَنَّهُ رَأَى شَيْخًا يُهَادِي بَيْنَ بَنِيهِ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَأَمَرَهُ
следующие страницы →