← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَافَرَ مَعِي تَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ فَلَمَّا ذَبَحْنَا أُضْحِيَّتَهُ فَأَخَذَ مِنْهَا بَضْعَةً فَقَالَ: آكُلُهَا؟ فَقُلْت لَهُ: وَمَا عَلَيْك أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْهَا؟ فَقَالَ تَمِيمٌ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] فَتَقُولُ أَنْتَ: وَمَا عَلَيْك أَنْ لَا تَأْكُلَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَمَلَ هَذَا الْأَمْرَ تَمِيمٌ عَلَى الْوُجُوبِ وَهَذَا الْحَقُّ الَّذِي لَا يَسَعُ أَحَدًا سِوَاهُ، وَتَمِيمٌ مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: إذَا ذَبَحْتُمْ أَضَاحِيكُمْ فَأَطْعِمُوا، وَكُلُوا، وَتَصَدَّقُوا. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا نَحْوُ هَذَا - وَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ؛ وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأُضْحِيَّةِ إلَّا رُبُعُهَا. فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي أَخِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فِي الضَّحِيَّةِ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ فَنَقْدَمُ بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذَا خَبَرٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ " لَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ " لَيْسَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا هُوَ مِنْ ظَنِّ بَعْضِ رُوَاةِ الْخَبَرِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْخَبَرِ «أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ مَذْكُورٌ عَنْهُ فِي رِوَايَتِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ حَمَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ ﵇ عَلَى الْوُجُوبِ، وَابْنُ عُمَرَ كَمَا ذَكَرْنَا.

стр. 2172

وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: ثُمَّ صَلَّيْت مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَصَلَّى لَنَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَلَا تَأْكُلُوا» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ. قَالَ عَلِيٌّ: حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ كَانَ عَامَ حَصْرِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَانَ أَهْلُ الْبَوَادِي قَدْ أَلْجَأَتْهُمْ الْفِتْنَةُ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَصَابَهُمْ جَهْدٌ فَأَمَرَ لِذَلِكَ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَهِدَ النَّاسُ وَدَفَّتْ الدَّافَّةُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَبِيعَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ] ٩٨٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمُضَحِّي أَنْ يَبِيعَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ بَعْدَ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا شَيْئًا: لَا جِلْدًا، وَلَا صُوفًا، وَلَا شَعْرًا، وَلَا وَبَرًا، وَلَا رِيشًا، وَلَا شَحْمًا، وَلَا لَحْمًا، وَلَا عَظْمًا، وَلَا غُضْرُوفًا، وَلَا رَأْسًا، وَلَا طَرَفًا، وَلَا حَشْوَةً، وَلَا أَنْ يُصْدِقَهُ، وَلَا أَنْ يُؤَاجِرَ بِهِ، وَلَا أَنْ يَبْتَاعَ بِهِ شَيْئًا أَصْلًا، لَا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ، وَلَا غِرْبَالًا، وَلَا مُنْخُلًا، وَلَا تَابِلًا وَلَا شَيْئًا أَصْلًا. وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِكُلِّ ذَلِكَ، وَيَتَوَطَّأَهُ، وَيَنْسَخَ فِي الْجِلْدِ، وَيَلْبَسَهُ، وَيَهَبَهُ وَيُهْدِيَهُ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِهِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ، فَلَهُ بَيْعُهُ حِينَئِذٍ إنْ شَاءَ. وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَزَّارَ عَلَى ذَبْحِهَا، أَوْ سَلْخِهَا شَيْئًا مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِهَا، وَكُلُّ مَا وَقَعَ مِنْ هَذَا فُسِخَ أَبَدًا. وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صَهْبَانَ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: أَبِيعُ جِلْدَ بَقَرٍ ضَحَّيْت بِهَا؟ فَرَخَّصَ لِي. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا يَتَصَدَّقُ بِإِهَابِهِ وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا بَاعَهُ إنْ شَاءَ.

стр. 2173

وَقَالَ أَيْضًا: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ إذَا كَانَ عَلَيْك دَيْنٌ. وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ جُلُودِ الْأَضَاحِيِّ؟ فَقَالَ ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧] إنْ شِئْت فَبِعْ، وَإِنْ شِئْت فَأَمْسِكْ. وَصَحَّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ جُلُودِ الْأَضَاحِيِّ، نِعْمَ الْغَنِيمَةُ تَأْكُلُ اللَّحْمَ وَتَقْضِي النُّسُكَ، وَيُرْجَعُ إلَيْك بَعْضُ الثَّمَنِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى مِثْلِ هَذَا إلَّا أَنَّهُمْ أَجَازُوا أَنْ يُبَاعَ بِهِ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ -: صَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَدِّلَ بِجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْضُ مَتَاعِ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ وَأَرْخَصَ أَنْ يُشْتَرَى بِهِ الْغِرْبَالُ وَالْمُنْخُلُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَكِنْ يَبْتَاعُ بِهِ بَعْضُ مَتَاعِ الْبَيْتِ كَالْغِرْبَالِ، وَالْمُنْخُلِ، وَالتَّابِلِ. قَالَ هِشَامُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ: أَيَبْتَاعُ بِهِ الْخَلُّ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَقُلْت لَهُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَلِّ وَالْغِرْبَالِ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ بِهِ الْخَلَّ - وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَطَرِيفٌ جِدًّا، وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَابِلِ، الْكَمُّونِ، وَالْفُلْفُلِ، وَالْكُسْبُرَةِ، وَالْكَرَاوْيَا، وَالْغِرْبَالِ، وَالْمُنْخُلِ. وَبَيْنَ الْخَلِّ، وَالزَّيْتِ وَاللَّحْمِ، وَالْفَأْسِ، وَالْمِسْحَاةِ، وَالثَّوْبِ، وَالْبُرِّ، وَالنَّبِيذِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ فِي ابْتِيَاعِ: التَّوَابِلِ، وَالْغِرْبَالِ، وَالْمَنَاخِلِ، مِنْ الرِّبَا وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ خِلَافُ كُلِّ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِإِهَابِ الْبُدْنِ؟ قَالَ: يُتَصَدَّقُ بِهِ وَيُنْتَفَعُ بِهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ سِقَاءً يُنْبَذُ فِيهِ. وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مِنْ جِلْدِ أُضْحِيَّتِهِ مُصَلًّى يُصَلِّي فِيهِ. وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: انْتَفِعُوا بِمُسُوكِ الْأَضَاحِيِّ وَلَا تَبِيعُوهَا. وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ عَمِلَ مِنْ جِلْدِ عُنُقِ بَدَنَتِهِ نَعْلَيْنِ لِغُلَامِهِ.

стр. 2174

وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَا يُعْطَى الْجَزَّارُ جِلْدَ الْبَدَنَةِ وَلَا يُبَاعُ. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ مُجَاهِدًا، وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ كَرِهَا أَنْ يُبَاعَ جِلْدُ الْبَدَنَةِ تَطَوُّعًا كَانَتْ أَوْ وَاجِبَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ إلَّا قَوْلُ مَنْ مَنَعَ جُمْلَةً أَوْ مَنْ أَبَاحَ جُمْلَةً فَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ جُمْلَةً بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا حَقٌّ إذْ لَمْ يَأْتِ مَا يَخُصُّهُ، وَقَدْ صَحَّ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَضَاحِيِّ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا» فَلَا يَحِلُّ تَعَدِّي هَذِهِ الْوُجُوهِ فَيَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى. وَالِادِّخَارُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْحَبْسِ، فَأُبِيحَ لَنَا احْتِبَاسُهَا وَالصَّدَقَةُ بِهَا، فَلَيْسَ لَنَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْأُضْحِيَّةَ إذَا قُرِّبَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَخْرَجَهَا الْمُضَحِّي مِنْ مِلْكِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا مَا أَحَلَّهُ لَهُ النَّصُّ، فَلَوْلَا الْأَمْرُ الْوَارِدُ بِالْأَكْلِ وَالِادِّخَارِ مَا حُلَّ لَنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ هَذَانِ عَنْ الْحَظْرِ بِالنَّصِّ وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْحَظْرِ. وَهُمْ يَقُولُونَ وَنَحْنُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ كَذَلِكَ أَنَّ لَهُ اسْتِخْدَامَهَا وَوَطْأَهَا وَعِتْقَهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَيْعُهَا، وَلَا إصْدَاقُهَا، وَلَا الْإِجَارَةُ بِهَا، وَلَا تَمْلِيكُهَا غَيْرَهُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمَا وَقَعَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فَيُفْسَخُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَأَمَّا مَنْ تَمَلَّكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ يَدِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَعْدُ فَلَهُ فِيهِ مَا لَهُ فِي سَائِرِ مَالِهِ وَلَا فَرْقَ. [مَسْأَلَةٌ وَجَدَ بِالْأُضْحِيَّةِ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ ضَحَّى بِهَا] ٩٨٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَجَدَ بِالْأُضْحِيَّةِ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ ضَحَّى بِهَا وَلَمْ يَكُنْ اشْتَرَطَ السَّلَامَةَ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَيَّةً صَحِيحَةً وَبَيْنَ قِيمَتِهَا مَعِيبَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ الرَّدُّ أَوْ الْإِمْسَاكُ، فَلَمَّا بَطَلَ الرَّدُّ بِخُرُوجِهَا بِالتَّضْحِيَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَكْلُ مَالِ أَخِيهِ بِالْخَدِيعَةِ وَالْبَاطِلِ فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا اسْتَزَادَ عَلَى حَقِّهَا الَّذِي يُسَاوِيهِ، لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، إلَّا أَنْ يُحَلَّ لَهُ ذَلِكَ الْمُبْتَاعُ فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ حَقُّهُ تَرَكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مُتَقَصًّى فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 2175

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] فَالْخَدِيعَةِ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ. ٩٨٨ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةَ فَهِيَ مَيْتَةٌ وَيَضْمَنُ مِثْلَهَا لِلْبَائِعِ وَيَسْتَرِدُّ الثَّمَنَ وَلَا تُؤْكَلُ لِأَنَّ السَّالِمَةَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ هِيَ غَيْرُ الْمَعِيبَةِ. فَمَنْ اشْتَرَى سَالِمَةً وَأَعْطَى مَعِيبَةً فَإِنَّمَا أَعْطَى غَيْرَ مَا اشْتَرَى، وَإِذَا أَعْطَى غَيْرَ مَا اشْتَرَى فَقَدْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَمَنْ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وَالتَّرَاضِي لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَعْرِفَةِ بِقَدْرِ مَا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ لَا بِالْجَهْلِ بِهِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْعَيْبَ فَلَمْ يَرْضَ بِهِ، وَالرِّضَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي عَقْدِ الصَّفْقَةِ لَا بَعْدَهُ. وَمَنْ ذَبَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ فَقَدْ تَعَدَّى، وَالتَّعَدِّي مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ وَظُلْمٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالذَّكَاةِ فَهِيَ طَاعَةٌ لَهُ تَعَالَى، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَعْصِيَةٍ، فَالذَّبْحُ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ وَذَكَاةٌ، هُوَ غَيْرُ الذَّبْحِ الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ وَعُدْوَانٌ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا بِالذَّكَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، لَا مِمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْعُدْوَانِ؛ فَلَيْسَتْ ذَكِيَّةً فَهِيَ مَيْتَةٌ، وَمَنْ تَعَدَّى بِإِتْلَافِ مَالِ أَخِيهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَالصَّفْقَةُ فَاسِدَةٌ فَالثَّمَنُ مَرْدُودٌ. وَمَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا فَقَدْ تَنَاقَضَ، إذْ حَرَّمَ أَكْلَ مَا ذُبِحَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ مَا يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدْ أَبَاحَ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ أَكْلَ الصَّيْدِ الَّذِي يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ بِالْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا أَبَاحَ هَؤُلَاءِ أَكْلَ مَا ذُبِحَ بِغَيْرِ حَقٍّ. [مَسْأَلَةٌ أَخْطَأَ فَذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ] ٩٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَخْطَأَ فَذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهِيَ مَيْتَةٌ لَا تُؤْكَلُ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا لِمَا ذَكَرْنَا. وَلِلْغَائِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِأَنْ يُضَحَّى عَنْهُ وَهُوَ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، فَإِنْ ضُحِّيَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهِيَ مَيْتَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، فَلَوْ ضَحَّى عَنْ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ وَلِيُّهُمَا مِنْ مَالِهِمَا فَهُوَ حَسَنٌ، وَلَيْسَتْ مَيْتَةً، لِأَنَّهُ النَّاظِرُ لَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَالِكُ أَمْرِ نَفْسِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2176

[كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ] [ مَسْأَلَةٌ أَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ ٩٨٩ - مُكَرَّرٌ مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ، لَا لَحْمِهِ، وَلَا شَحْمِهِ، وَلَا جِلْدِهِ، وَلَا عَصَبِهِ، وَلَا غُضْرُوفِهِ، وَلَا حَشْوَتِهِ، وَلَا مُخِّهِ، وَلَا عَظْمِهِ، وَلَا رَأْسِهِ، وَلَا أَطْرَافِهِ، وَلَا لَبَنِهِ، وَلَا شَعْرِهِ - الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ سَوَاءٌ - وَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِشَعْرِهِ لَا فِي خَرَزٍ، وَلَا فِي غَيْرِهِ. وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ الدَّمِ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ - مَسْفُوحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَسْفُوحٍ - إلَّا الْمِسْكُ وَحْدَهُ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِمَّا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَلَا مَا قُتِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، إلَّا الْجَرَادُ وَحْدَهُ، فَإِنْ خُنِقَ شَيْءٌ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ ضُرِبَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ سَقَطَ مِنْ عُلْوٍ فَمَاتَ، أَوْ نَطَحَهُ حَيَوَانٌ آخَرُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا مَا قَتَلَهُ السَّبُعُ أَوْ حَيَوَانٌ آخَرُ حَاشَا الصَّيْدِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ أُدْرِكَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا حَيًّا فَذُكِّيَ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ. وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ حَيَوَانٍ ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] فَحَرَّمَ تَعَالَى كُلَّ

стр. 2177

مَا ذَكَرْنَا وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ كُلُّ مَا ذَكَّيْنَا وَلَا تَقْتَضِي الْآيَةُ غَيْرَ هَذَا أَصْلًا وَهَهُنَا قَوْلَانِ لِبَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ، أَحَدُهُمَا قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ بِالْحَيَوَانِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا مَبْلَغًا يُوقَنُ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَإِنْ ذُكِّيَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا عَرَفَ أَنَّهُ يَمُوتُ مِمَّا أَصَابَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ الذَّكَاةِ حَرُمَ أَكْلُهُ وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ الذَّكَاةِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِمَّا أَصَابَهُ حَلَّ أَكْلُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَخِلَافٌ لِلْآيَةِ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ تَقْسِيمُ الْمُزَنِيّ أَيْضًا وَسَنَسْتَقْصِي هَذَا فِي كِتَابِ الذَّكَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّ قَوْمًا حَرَّمُوا الْمَسْفُوحَ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْجَارِي، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] قَالُوا: فَإِنَّمَا حَرَّمَ الْمَسْفُوحَ فَقَطْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْهُمْ مَوْضُوعٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لِأَنَّ الْآيَةَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ وَالْآيَةُ الَّتِي تَلَوْنَا نَحْنُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ مِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَ فَحَرَّمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ ثُمَّ حَرَّمَ بِالْمَدِينَةِ الدَّمَ كُلَّهُ جُمْلَةً عُمُومًا فَمَنْ لَمْ يُحَرِّمْ إلَّا الْمَسْفُوحَ وَحْدَهُ فَقَدْ أَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَمَنْ حَرَّمَ الدَّمَ جُمْلَةً فَقَدْ أَخَذَ بِالْآيَتَيْنِ جَمِيعًا وَقَدْ حَرَّمَ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا كَالْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا جَاءَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ وَالدَّمُ جُمْلَةً مِمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهُ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ. نَا أَبُو سَعِيدٍ الْفَتَى نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِي نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ حَدَّثَنِي يَمُوتُ بْنُ المزرع نَا أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ نَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: سَأَلْت مُجَاهِدًا عَنْ تَلْخِيصِ آيِ الْقُرْآنِ الْمَدَنِيِّ مِنْ الْمَكِّيِّ؟ فَقَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سُورَةُ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلَى تَمَامِ الثَّلَاثِ الْآيَاتِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هِيَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:

стр. 2178

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ - وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] . فَهَذِهِ الثَّلَاثُ الْآيَاتُ هِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِنْهَا فِي الْمَدِينَةِ وَسَائِرُهَا بِمَكَّةَ، وَسُورَةُ الْمَائِدَةِ أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، (فَإِنْ ذَكَرُوا) مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ الدَّمِ يَكُونُ فِي أَعْلَى الْقِدْرِ؟ فَلَمْ تَرَ بِهِ بَأْسًا وَقَرَأَتْ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] حَتَّى بَلَغَتْ (مَسْفُوحًا) فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَارَضَهُ مَا رُوِّينَاهُ عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَتْ: أَمَا إنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا حَرَامًا فَحَرِّمُوهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّمَ الَّذِي فِي أَعْلَى الْقِدْرِ إنْ كَانَ أَحْمَرَ ظَاهِرًا فَهُوَ بِلَا شَكٍّ مَسْفُوحٌ وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ صُفْرَةٌ فَلَيْسَ دَمًا لِأَنَّ الدَّمَ أَحْمَرُ أَوْ أَسْوَدُ لَا أَصْفَرُ فَإِنْ بَطَلَتْ صِفَاتُهُ الَّتِي مِنْهَا يَقُومُ حَدُّهُ فَقَطْ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الدَّمِ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ دَمًا فَهُوَ حَلَالٌ، وَكَذَلِكَ مَا فِي الْعُرُوقِ وَخِلَالَ اللَّحْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ ظَاهِرًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فَلَيْسَ هُنَالِكَ دَمٌ يُحَرَّمُ وَإِنَّمَا نَسْأَلُ خُصُومَنَا عَنْ دَمٍ أَحْمَرَ ظَاهِرٍ إلَّا أَنَّهُ جَامِدٌ لَيْسَ جَارِيًا أَيَحِلُّ أَكْلُهُ أَمْ لَا؟ فَهَذَا مَكَانُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْمِسْكُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَتَطَيَّبُ بِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَهَا وَأَقَرَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَأَبَاحَهُ لَهُ وَلَنَا وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ فِي أَصْلِهِ دَمُ قُرْحَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ فِي حَيَوَانٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَالضَّمِيرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَيْهِ فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ بِعَيْنِهِ رِجْسٌ فَهُوَ كُلُّهُ رِجْسٌ وَبَعْضُ الرِّجْسِ رِجْسٌ، وَالرِّجْسُ حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ

стр. 2179

فَالْخِنْزِيرُ كُلُّهُ حَرَامٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ شَعْرُهُ وَلَا غَيْرُهُ حَاشَا مَا أَخْرَجَهُ النَّصُّ مِنْ الْجِلْدِ إذَا دُبِغَ فَحَلَّ اسْتِعْمَالُهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا لَيْثٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا هَارُونُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ نَا حَجَّاجٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - (عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) نَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ فَيَقُولُ: أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ: لَا إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ» ، فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَوَّبَ قَتْلَ عِيسَى ﵇ لِلْخَنَازِيرِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ يَنْزِلُ وَبِهِ يَحْكُمُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ فَلَوْ كَانَتْ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ لَمَا أَبَاحَ ﵇ قَتْلَهُ فَيُضَيِّعُ، فَصَحَّ أَنَّهُ كُلَّهُ مَيْتَةٌ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي مَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ أَنَّ شَحْمَ الْخِنْزِيرِ إنَّمَا حُرِّمَ قِيَاسًا عَلَى لَحْمِهِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ هَذَا التَّخْلِيطَ الظَّاهِرَ فَسَادُهُ: أَوَّلُ بُطْلَانِ قَوْلِك أَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَثَانِيه أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا إذْ قُلْت إنَّهَا إنَّمَا أَجْمَعَتْ عَلَى الْبَاطِلِ مِنْ الْقِيَاسِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لَا عِلَّةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الشَّحْمِ وَاللَّحْمِ، فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ الشَّحْمَ بَعْضُ اللَّحْمِ وَمِنْ اللَّحْمِ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّحْمِ تُولَدُ قُلْنَا لَهُمْ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إنَّ الشَّحْمَ بَعْضُ اللَّحْمِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ الشَّحْمُ لَحْمًا وَهَذَا لَمْ تَأْتِ بِهِ لُغَةٌ قَطُّ وَلَا شَرِيعَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّحْمِ تَوَلَّدَ فَنَحْنُ تَوَلَّدْنَا مِنْ التُّرَابِ وَلَسْنَا تُرَابًا، وَالدَّجَاجَةُ تَوَلَّدَتْ مِنْ الْبَيْضَةِ وَلَيْسَتْ بَيْضَةً، وَالتَّمْرُ تَوَلَّدَ مِنْ النَّخْلِ

стр. 2180

وَلَيْسَ نَخْلًا، وَاللَّحْمُ تَوَلَّدَ مِنْ الدَّمِ، وَاللَّبَنُ تَوَلَّدَ مِنْ الدَّمِ وَلَيْسَ اللَّحْمُ دَمًا وَلَا اللَّبَنُ دَمًا بَلْ هُمَا حَلَالَانِ، وَالدَّمُ حَرَامٌ وَكُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ شَيْءٍ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الدِّيَانَةِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّحْمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّحْمَ بِتَحْرِيمِ الشَّحْمِ. نَعَمْ وَلَا حَرَّمَ شَحْمَ الظَّهْرِ وَلَا شَحْمَ الصَّدْرِ وَلَا شَحْمَ الْحَوَايَا لِتَحْرِيمِ شَحْمِ الْبَطْنِ، وَلَا يَدْرِي ذُو عَقْلٍ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ إذَا حُرِّمَ اللَّحْمُ أَنْ يُحَرِّمَ الشَّحْمَ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فَرْقَ مَا بَيْنَهُمَا آنِفًا. وَالرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ أَتَرَوْنَ سَفَّ عَظْمِهِ وَأَكْلَ غُضْرُوفِهِ وَشُرْبَ لَبَنِهِ حُرِّمَ قِيَاسًا عَلَى لَحْمِهِ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ جِدًّا وَكُلُّ هَذِهِ عِنْدَهُمْ أَنْوَاعٌ غَيْرُ اللَّحْمِ بِلَا خِلَافٍ مِنْهُمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا أَخْبِرُونَا أَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى شَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَغُضْرُوفَهُ وَعَظْمَهُ وَشَعْرَهُ وَلَبَنَهُ؟ أَمْ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ قَالُوا: حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ ذَلِكَ قُلْنَا لَهُمْ: وَمِنْ أَيْنَ يُعْرَفُ تَحْرِيمُ اللَّهِ تَعَالَى مَا حَرَّمَ إلَّا بِتَفْصِيلِهِ تَحْرِيمَهُ وَبِوَحْيِهِ بِذَلِكَ إلَى رَسُولِهِ ﵇، وَهَلْ يَكُونُ مَنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ أَمْرَ كَذَا بِغَيْرِ وَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ إلَّا مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَاذِبًا عَلَيْهِ جِهَارًا؟ إذْ أَخْبَرَ عَنْهُ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ وَحْيًا وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فَإِنْ قَالُوا: حَرُمَ كُلُّ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهِ اللَّحْمَ قُلْنَا: وَهَذِهِ دَعْوَى مُكَرَّرَةٌ كَاذِبَةٌ مُفْتَرَاةٌ بِلَا دَلِيلٍ عَلَى صِحَّتِهَا، وَعَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْكَاذِبَةِ سَأَلْنَاكُمْ فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَكُمْ زِيَادَةً عَلَى تَكْرِيرِهَا فَقَطْ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُحَرِّمْهَا اللَّهُ تَعَالَى بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا حَرَّمَهَا رَسُولُهُ ﵇ بِنَصٍّ مِنْهُ لَكِنْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ أَطَمُّ وَأَفْحَشُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَإِذَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَا شَكٍّ فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُخَالَفَةِ رَسُولِهِ ﵇ إذْ حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﵇ وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الْكَفَرَةِ الصَّلْعَاءِ، فَإِنْ قَالُوا: لَمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَئِذٍ قُلْنَا لَهُمْ: مَتَى حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى؟ أَقَبْلَ إجْمَاعِهِمْ أَمْ مَعَ إجْمَاعِهِمْ أَمْ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ. فَإِنْ قَالُوا: بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ جَعَلُوا حُكْمَهُ تَعَالَى تَبَعًا لِحُكْمِ عِبَادِهِ وَهَذَا كُفْرٌ مَحْضٌ، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ مَعَ إجْمَاعِهِمْ كَانُوا قَدْ أَوْجَبُوا أَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا مُخَالَفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي

стр. 2181

تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ وَقَدْ بَيَّنَّا فُحْشَ هَذَا آنِفًا. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَبْلَ إجْمَاعِهِمْ قُلْنَا: فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَهُ وَلَا يُعْرَفُ تَحْرِيمُهُ إيَّاهُ إلَّا بِتَفْصِيلٍ مِنْهُ تَعَالَى بِتَحْرِيمِهِ وَالتَّفْصِيلُ لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ إلَّا بِنَصٍّ وَهَذَا قَوْلُنَا وَإِلَّا فَهُوَ دَعْوَى كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَكَهُّنٌ. وَقَوْلٌ فِي الدِّينِ بِالظَّنِّ فَظَهَرَ يَقِينُ مَا قُلْنَاهُ وَفَسَادُ قَوْلِهِمْ وَصَحَّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِي تَحْرِيمِهِ كَمَا لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِهِ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ النَّصِّ بِتَحْرِيمِهِ وَلَا فَرْقَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ الْجَرَادِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا يَسْكُنُ جَوْفَ الْمَاءِ وَلَا يَعِيشُ إلَّا فِيهِ] ٩٩٠ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَا يَسْكُنُ جَوْفَ الْمَاءِ وَلَا يَعِيشُ إلَّا فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ كُلُّهُ كَيْفَمَا وُجِدَ، سَوَاءٌ أُخِذَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ أَوْ مَاتَ فِي الْمَاءِ، طَفَا أَوْ لَمْ يَطْفُ، أَوْ قَتَلَهُ حَيَوَانٌ بَحْرِيٌّ أَوْ بَرِّيٌّ هُوَ كُلُّهُ حَلَالٌ أَكْلُهُ. وَسَوَاءٌ خِنْزِيرُ الْمَاءِ، أَوْ إنْسَانُ الْمَاءِ، أَوْ كَلْبُ الْمَاءِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ أَكْلُهُ: قَتَلَ كُلَّ ذَلِكَ وَثَنِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ أَحَدٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فَخَالَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ هَذَا كُلَّهُ وَقَالُوا: يَحِلُّ أَكْلُ مَا مَاتَ مِنْ السَّمَكِ وَمَا جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ مَا لَمْ يَطْفُ عَلَى الْمَاءِ مِمَّا مَاتَ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ خَاصَّةً، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا طَفَا مِنْهُ عَلَى الْمَاءِ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِمَّا فِي الْمَاءِ إلَّا السَّمَكُ وَحْدَهُ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَلَا إنْسَانِ الْمَاءِ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ جُمْلَةً وَالْإِنْسَانِ وَهَذَا خِنْزِيرٌ وَإِنْسَانٌ، قَالُوا: فَإِنْ ضَرَبَهُ حُوتٌ فَقَتَلَهُ أَوْ ضَرَبَهُ طَائِرٌ فَقَتَلَهُ أَوْ ضَرَبَتْهُ صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْهُ أَوْ صَادَهُ وَثَنِيٌّ فَقَتَلَهُ فَطَفَا بَعْدَ كُلِّ هَذَا فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي سَمَكَةٍ مَيِّتَةٍ بَعْضُهَا فِي الْبَرِّ وَبَعْضُهَا فِي الْمَاءِ: إنْ كَانَ الرَّأْسُ وَحْدَهُ خَارِجَ الْمَاءِ أُكِلَتْ وَإِنْ كَانَ الرَّأْسُ فِي الْمَاءِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْبَرِّ مِنْ مُؤَخَّرِهَا النِّصْفَ فَأَقَلَّ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْبَرِّ مِنْ مُؤَخَّرِهَا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ حَلَّ أَكْلُهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ أَقْوَالٌ لَا تُعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَهُمْ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِلْقُرْآنِ وَلِلسُّنَنِ وَلِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَلِلْقِيَاسِ وَلِلْمَعْقُولِ لِأَنَّهَا تَكْلِيفٌ مَا لَا يُطَاقُ مِمَّا لَا سَبِيلَ

стр. 2182

إلَى عِلْمِهِ هَلْ مَاتَتْ وَهِيَ طَافِيَةٌ فِيهِ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَطْفُوَ أَوْ مَاتَتْ مِنْ ضَرْبَةِ حُوتٍ أَوْ مِنْ صَخْرَةٍ مُنْهَدِمَةٍ أَوْ حَتْفَ أَنْفِهَا؟ وَلَا يَعْلَمُ هَذَا إلَّا اللَّهُ أَوْ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِذَلِكَ الْحُوتِ، وَمَا نَدْرِي لَعَلَّ الْجِنَّ لَا سَبِيلَ لَهَا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَمْ يُمْكِنُهَا عِلْمُ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِمْ غَوَّاصِينَ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] ثُمَّ لَا بُدَّ لِلسَّمَكَةِ الَّتِي شَرَّعَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ السَّخِيفَةَ مِنْ مُذَرِّعٍ يُذَرِّعُ مَا مِنْهَا خَارِجَ الْمَاءِ وَمَا مِنْهَا دَاخِلَ الْمَاءِ ثُمَّ مَا يُدْرِيهِ الْبَائِسُ لَعَلَّهُ كَانَ أَكْثَرُهَا فِي الْمَاءِ، ثُمَّ أَدَارَتْهَا الْأَمْوَاجُ فَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ لِهَذِهِ الْحَمَاقَاتِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ إلَّا مَا يَتَطَايَبُ بِهِ الْمُجَّانُ لِإِضْحَاكِ سُخَفَاءِ الْمُلُوكِ، وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ فِي أَنَّهُ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ: هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ فَلَا نَأْخُذُ بِهَا إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ، ثُمَّ لَا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَزِيدُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْعُقُولِ مِثْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ. نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ فِي الدِّينِ وَالْعَقْلِ كَثِيرًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَدْ حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَالْإِنْسَانَ وَهَذَا خِنْزِيرٌ وَإِنْسَانٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِهَذَا أَيْضًا خَاصَّةً: فَلَيْسَ خِنْزِيرًا وَلَا إنْسَانًا لِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ تَسْمِيَةُ مَنْ لَيْسَ حُجَّةً فِي اللُّغَةِ وَلَيْسَتْ التَّسْمِيَةُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إلَى النَّاسِ لَكَانَ مَنْ شَاءَ أَنْ يُحِلَّ الْحَرَامَ أَحَلَّهُ بِأَنْ يُسَمِّيَهُ بِاسْمِ شَيْءٍ حَلَالٍ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُحَرِّمَ الْحَلَالَ حَرَّمَهُ بِأَنْ يُسَمِّيَهُ بِاسْمِ شَيْءٍ حَرَامٍ، فَسَقَطَ قَوْلُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ سُقُوطًا لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَبَقِيَ قَوْلٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ فِي تَحْرِيمِ الطَّافِي مِنْ السَّمَكِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا طَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ وَمَا كَانَ عَلَى حَافَتَيْهِ أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا إبْرَاهِيمُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا حَسِرَ الْمَاءُ عَنْ ضِفَّتَيْ الْبَحْرِ فَكُلْ وَمَا مَاتَ فِيهِ طَافِيًا فَلَا تَأْكُلْ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ فُضَيْلٍ أَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مَيْسَرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَا طَفَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ فَلَا تَأْكُلُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَجْلَحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي أَجِدُ الْبَحْرَ وَقَدْ جَعَلَ سَمَكًا قَالَ: لَا تَأْكُلْ مِنْهُ طَافِيًا. وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَا طَفَا مِنْ السَّمَكِ فَلَا تَأْكُلْهُ.

стр. 2183

وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَرِهُوا الطَّافِيَ مِنْ السَّمَكِ، وَبِتَحْرِيمِهِ يَقُولُ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِيمَا فِي الْبَحْرِ مِمَّا عَدَا السَّمَكِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُؤْكَلُ، وَالْآخَرُ لَا يُؤْكَلُ حَتَّى يُذْبَحَ، وَهَهُنَا قَوْلٌ آخَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ قَالَ: نَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَرِهَ صَيْدَ الْمَجُوسِ لِلسَّمَكِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ذَكَاةُ الْحُوتِ فَكُّ لَحْيَيْهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ وَتَقْسِيمُ أَحَدِ قَوْلَيْ الثَّوْرِيِّ فَيُبْطِلُهَا كُلَّهَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى نَا أَبُو خَيْثَمَةَ هُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ لَمْ يَجِدْ لَنَا غَيْرَهُ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تَمْرَةً تَمْرَةً، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَقُلْت لِجَابِرٍ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ قَالَ: نَمُصُّهَا كَمَا يَمُصُّ الصَّبِيُّ ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إلَى اللَّيْلِ وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الْخَبَطَ فَنَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَنَأْكُلُهُ قَالَ: وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ اُضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثُمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنَيْهِ بِالْقِلَالِ الدُّهْنَ وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْرِ وَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهَا وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ فَأَرْسَلْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا لَيْسَ مِنْ السَّمَكِ بَلْ هُوَ مِمَّا حَرَّمَهُ مَنْ ذَكَرْنَا وَلَيْسَ مِمَّا فُكَّتْ لَحْيَاه بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ جَابِرٍ لِسَمَاعِ أَبِي الزُّبَيْرِ إيَّاهُ مِنْهُ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِيهِ لِقَوْلِهِ لِجَابِرٍ فِي التَّمْرَةِ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بِهَا؟ وَإِذْ مَيْتَةُ الْبَحْرِ حَلَالٌ فَصَيْدُ الْوَثَنِيِّ وَغَيْرِهِ لَهُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ إنَّمَا ذَكَاتُهُ مَوْتُهُ فَقَطْ، وَأَمَّا مَنْ حَرَّمَ الطَّافِيَ جُمْلَةً فَالرِّوَايَةُ فِي

стр. 2184

ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ وَهُوَ مَا لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فَمُدَلَّسٌ عَنْهُ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ عَنْ عَلِيٍّ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ ابْنَ فُضَيْلٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ إلَّا بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، وَهِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ أَجْلَحَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ نَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ» وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ وَنُعَيْمِ بْنِ الْمُجْمِرِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُوا مَا حَسِرَ عَنْهُ الْبَحْرُ وَمَا أَلْقَى وَمَا وَجَدْتُمُوهُ طَافِيًا مِنْ السَّمَكِ فَلَا تَأْكُلُوهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَلَوْ صَحَّ لَمَا تَرَدَّدْنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي الْقَوْلِ بِهِ إلَّا أَنَّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَهُوَ لَوْ صَحَّ حُجَّةٌ عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَا فِيهِ وَلِكُلِّ مَا رُوِّينَا فِي ذَلِكَ عَنْ صَاحِبٍ أَوْ تَابِعٍ لِأَنَّهُمْ يُبِيحُونَ بَعْضَ الطَّافِي إذَا مَاتَ مِنْ عَارِضٍ عَرَضَ لَهُ لَا حَتْفَ أَنْفِهِ وَيُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِمَّا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ حَسِرَ عَنْهُ فَخَالَفُوا الْخَبَرَ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا شَيْءٌ، وَأَمَّا ضَعْفُ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، فَأَحَدُهُمَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْآخَرُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سَمَاعًا. نَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ الْقَاضِي نَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّخِيلُ نَا أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَزَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ زَكَرِيَّا: نَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: نَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ قَالَا جَمِيعًا: نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ نَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: جِئْت أَبَا الزُّبَيْرِ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَابَيْنِ فَقُلْت لَهُ: هَذَا كُلُّهُ سَمِعْته مِنْ جَابِرٍ فَقَالَ: مِنْهُ مَا سَمِعْت مِنْهُ، وَمِنْهُ مَا حَدَّثْت عَنْهُ فَقُلْت: أَعْلِمْ لِي عَلَى مَا سَمِعْت فَأَعْلَمَ لِي عَلَى هَذَا الَّذِي عِنْدِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَلَا قَالَ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ

стр. 2185

أَخْبَرَهُ بِهِ جَابِرٌ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ بِإِقْرَارِهِ وَلَا نَدْرِي عَمَّنْ أَخَذَهُ فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ فَسَقَطَ وَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى بَيَانِهِ لَنَا. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلنَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: السَّمَكَةُ الطَّافِيَةُ حَلَالٌ لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهَا. نَا حُمَامُ نَا الْبَاجِيَّ نَا ابْنُ أَيْمَنَ نَا أَحْمَدُ بْنُ مُسْلِمٍ نَا أَبُو ثَوْرٍ نَا مُعَلَّى نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: السَّمَكُ كُلُّهُ ذَكِيٌّ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: طَعَامُ الْبَحْرِ كُلْ مَا فِيهِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْحِيتَانُ وَالْجَرَادُ ذَكِيٌّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] فَسَمَّى مَا يَلْتَقِمُ الْإِنْسَانَ فِي بَلْعَةٍ وَاحِدَةٍ حُوتًا. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الصِّفَةِ الَّتِي أَحَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بِإِبَاحَتِهِ وَلَا يُعْلَمُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا صَالِحُ بْنُ مُوسَى الطَّلْحِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الْحِيتَانِ وَالْجَرَادِ؟ فَقَالَ: الْحِيتَانُ وَالْجَرَادُ ذَكِيٌّ ذَكَاتُهُمَا صَيْدُهُمَا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَكَلَ سَمَكَةً طَافِيَةً. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي ثَوْرٍ نَا مُعَلَّى نَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ نَا أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ سَأَلَ عَنْ سَمَكَةٍ طَافِيَةٍ؟ فَقَالَ: كُلْ وَأَطْعِمْنِي. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ الْكَلَاعِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: أَدْرَكْت سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُونَ صَيْدَ الْمَجُوسِ مِنْ الْحِيتَانِ لَا يَخْتَلِجُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي صُدُورِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ صَيْدَهُ ذَكَاتَهُ، وَبِأَكْلِ الطَّافِي مِنْ السَّمَكِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ.

стр. 2186

قَالَ عَلِيٌّ: لَا يَطْفُو الْحُوتُ أَصْلًا إلَّا حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقَارِبَ الْمَوْتَ فَإِذَا مَاتَ طَفَا ضَرُورَةً وَلَا بُدَّ، فَتَخْصِيصُهُمْ الطَّافِيَ بِالْمَنْعِ وَإِبَاحَتُهُمْ مَا مَاتَ فِي الْمَاءِ تَنَاقُضٌ. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْبَرِّ] ٩٩١ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْبَرِّ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ كَالسُّلَحْفَاةِ والباليمرين وَكَلْبِ الْمَاءِ وَالسَّمُّورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَدَوَابِّهِ وَإِنْ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ جَزَاهُ، وَأَمَّا الضِّفْدَعُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ أَصْلًا لِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَبْحِهَا فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ. [مَسْأَلَة أَكْل مَا لَمْ يُذَكَّ] ٩٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ حَيَوَانٍ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ مَا دَامَ حَيًّا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَحَرَّمَ عَلَيْنَا أَكْلَ مَا لَمْ نُذَكِّ، وَالْحَيُّ لَمْ يُذَكَّ بَعْدُ. وَكَذَلِكَ لَوْ ذُبِحَ حَيَوَانٌ أَوْ نُحِرَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى يَمُوتَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] . وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ حُكْمَ الْبَدَنِ وَغَيْرِهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ، فَلَا يَحِلُّ بَلْعُ جَرَادَةٍ حَيَّةٍ، وَلَا بَلْعُ سَمَكَةٍ حَيَّةٍ، مَعَ أَنَّهُ تَعْذِيبٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ الْفُرَافِصَةِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إنَّ الذَّكَاةَ: الْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ لِمَنْ قَدَرَ، وَذَرُوا الْأَنْفُسَ حَتَّى تُزْهَقَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ بِفَتْلِ عُنُقٍ] ٩٩٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ بِفَتْلِ عُنُقٍ، وَلَا بِشَدْخٍ، وَلَا بِغَمٍّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَلَيْسَ هَذَا ذَكَاةً. [مَسْأَلَة أَكْلُ الْعَذِرَةِ وَالرَّجِيعِ] ٩٩٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ الْعَذِرَةِ، وَلَا الرَّجِيعِ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ أَبْوَالِ الْخُيُولِ، وَلَا الْقَيْءِ، وَلَا لُحُومِ النَّاسِ - وَلَوْ ذُبِحُوا - وَلَا أَكْلُ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْ الْإِنْسَانِ إلَّا اللَّبَنَ وَحْدَهُ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ السِّبَاعِ ذَوَاتِ الْأَنْيَابِ، وَلَا أَكْلُ الْكَلْبِ، وَالْهِرِّ - الْإِنْسِيُّ وَالْبَرِّيُّ سَوَاءٌ - وَلَا الثَّعْلَبِ، حَاشَا الضَّبُعِ وَحْدَهَا، فَهِيَ حَلَالٌ أَكْلُهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتْ ذَكَاةُ الْفِيلِ لَحَلَّ أَكْلُهُ؟ أَمَّا الْعَذِرَةُ وَالْبَوْلُ فَلِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .

стр. 2187

وَذَكَرْنَا هُنَالِكَ قَوْلَهُ ﵇: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَوْلِ» فَعَمَّ ﵇ كُلَّ بَوْلٍ. وَبَيَّنَّا هُنَالِكَ أَنَّ سَقْيَ النَّبِيِّ ﷺ الْعُرَنِيِّينَ أَبْوَالَ الْإِبِلِ، إنَّمَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاوِي لِلْعِلَلِ الَّتِي كَانَتْ أَصَابَتْهُمْ وَأَوْرَدْنَا الْأَسَانِيدَ الثَّابِتَةَ بِكُلِّ هَذَا. وَبَيَّنَّا فَسَادَ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ سَوَّارِ بْنِ مُصْعَبٍ - وَهُوَ سَاقِطٌ - لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَهَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقِيَاسَ؛ إذْ قَاسُوا بَوْلَ الْحَيَوَانِ وَرَجِيعَهُ عَلَى لَحْمِهِ؛ فَهَلَّا قَاسُوهُ عَلَى دَمِهِ؟ فَهُوَ أَوْلَى بِالْقِيَاسِ، أَوْ عَلَى بَوْلِ الْآدَمِيِّينَ وَرَجِيعِهِمْ. وَأَمَّا الْقَيْءُ -: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نَا هِشَامُ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - وَشُعْبَةُ قَالَا جَمِيعًا: نَا قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» وَالْقَيْءُ هُوَ مَا تَغَيَّرَ، فَإِنْ خَرَجَ الطَّعَامُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَلَيْسَ قَيْئًا، فَلَيْسَ حَرَامًا؟ وَأَمَّا لُحُومُ النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] . وَلِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ بِأَنْ يُوَارَى كُلُّ مَيِّتٍ مِنْ مُؤْمِنٍ أَوْ كَافِرٍ؛ فَمَنْ أَكَلَهُ فَلَمْ يُوَارِهِ؛ وَمَنْ لَمْ يُوَارِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى. وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَحَرَّمَ تَعَالَى أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَأَكْلَ مَا لَمْ يُذَكَّ، وَالْإِنْسَانُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ حَرَامٌ قَتْلُهُ، وَقِسْمٌ مُبَاحٌ قَتْلُهُ.

стр. 2188

فَالْحَرَامُ قَتْلُهُ إنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ فَلَمْ يُذَكَّ فَهُوَ حَرَامٌ. وَأَمَّا الْحَلَالُ قَتْلُهُ فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ -: إمَّا لِكُفْرِهِ مَا لَمْ يُسْلِمْ، وَإِمَّا قَوَدًا، وَإِمَّا لِحَدٍّ أَوْجَبَ قَتْلَهُ، وَأَيُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ كَانَ فَلَيْسَ مُذَكًّى؟ لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ إلَّا بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَالتَّذْكِيَةُ غَيْرُ تِلْكَ الْوُجُوهِ بِلَا شَكٍّ؛ فَالْقَصْدُ إلَيْهَا مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ لَيْسَتْ ذَكَاةً فَهُوَ غَيْرُ مُذَكًّى، فَحَرَامٌ أَكْلُهُ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَإِذْ هُوَ كُلُّهُ حَرَامٌ فَأَكْلُ بَعْضِهِ حَرَامٌ، لِأَنَّ بَعْضَ الْحَرَامِ حَرَامٌ بِالضَّرُورَةِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْمُخَاطُ، وَالنُّخَاعَةُ، وَالدَّمْعُ، وَالْعَرَقُ، وَالْمَذْيُ، وَالْمَنِيُّ، وَالظُّفْرُ، وَالْجِلْدُ، وَالشَّعْرُ، وَالْقَيْحُ، وَالسِّنُّ إلَّا اللَّبَنَ الْمُبَاحَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَقَدْ أَبَاحَ ﵇ لِسَالِمٍ وَهُوَ رَجُلٌ الرَّضَاعَ مِنْ لَبَنِ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ. وَالرِّيقَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَنَّكَ الصِّبْيَانَ بِتَمْرٍ مَضَغَهُ، فَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ الْمَمْضُوغِ، فَالرِّيقُ حَلَالٌ بِالنَّصِّ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا السِّبَاعُ -: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» . وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ تَرَكْنَاهَا اخْتِصَارًا.

стр. 2189

وَالْكَلْبُ ذُو نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكَذَلِكَ الْهِرُّ، وَالثَّعْلَبُ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ. وَقَدْ أَمَرَ ﵇ بِقَتْلِ الْكَلْبِ، وَنَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، فَلَوْ جَازَ أَكْلُهَا مَا حَلَّ قَتْلُهَا، كَمَا لَا يَحِلُّ قَتْلُ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ مِنْ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا مُبَارَكٌ هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: اُقْتُلُوا الْكِلَابَ وَاذْبَحُوا الْحَمَامَ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَأَمَرَ بِذَبْحِ مَا يُؤْكَلُ، وَقَتْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ -: وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنُ شِهَابٍ يَسْأَلُ عَنْ مَرَارَةِ السَّبُعِ، وَأَلْبَانِ الْأُتُنِ؟ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» ، وَلَا خَيْرَ فِيمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، فَلَا نَرَى أَلْبَانَهَا الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ لَحْمِهَا وَدَمِهَا إلَّا بِمَنْزِلَةِ لَحْمِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الثَّعْلَبُ سَبُعٌ لَا يُؤْكَلُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ وَثَمَنِهِ» . أَقَلُّ مَا فِي هَذَا الْأَثَرِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى جَابِرٍ. وَبِتَحْرِيمِ السِّبَاعِ وَبِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَبَاحَ الثَّعْلَبَ، وَأَنْكَرَ الْمَالِكِيُّونَ تَحْرِيمَ السِّبَاعِ وَمَوَّهُوا بِأَنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ السِّبَاعِ؟ فَقَرَأَتْ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ.

стр. 2190

وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحَّاكِ قَالَ: تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قَالَ: مَا خَلَا هَذَا فَهُوَ حَلَالٌ. وَقَالُوا: رَوَى الزُّهْرِيُّ خَبَرَ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ عُلَمَائِنَا بِالْحِجَازِ حَتَّى حَدَّثَنِي أَبُو إدْرِيسَ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا مِنْ أَجْلِ ضَرَرِ لَحْمِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ وَكُلُّهُ لَا شَيْءَ -: أَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا مَكِّيَّةٌ كَمَا قَدَّمْنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبْطُلَ بِهَا أَحْكَامٌ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ؛ وَهُمْ يُحَرِّمُونَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ وَلَيْسَتْ فِي الْآيَةِ.

стр. 2191

وَيُحَرِّمُونَ الْخَمْرَ وَلَيْسَتْ فِي الْآيَةِ، وَالْخَلِيطَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرَا وَلَمْ يُذْكَرَا فِي الْآيَةِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ عَظِيمٌ. وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ بَلَغَهَا نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لَمَا خَالَفَتْهُ كَمَا فَعَلَتْ فِي تَحْرِيمِ الْغُرَابِ إذْ بَلَغَهَا وَلَيْسَ مَذْكُورًا فِي الْآيَةِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهَا عَنْ جُوَيْبِرٍ - وَهُوَ هَالِكٌ - عَنْ الضَّحَّاكِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُلَمَائِهِ بِالْحِجَازِ فَكَانَ مَاذَا؟ وَهَبْك أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ قَطُّ، أَتُرَى السُّنَنَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يَعْرِفَهَا الزُّهْرِيُّ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ مَا سُمِعَ بِمِثْلِهِ فَكَيْفَ وَالزُّهْرِيُّ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُلَمَائِهِ بِالْحِجَازِ، بَلْ أَفْتَى بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا؟ وَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عَائِشَةَ، وَالزُّهْرِيَّ إذَا خَالَفَهُمَا مَالِكٌ [إذْ] لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهُ وَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَفْسُهَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ فُتْيَا عَائِشَةَ فِي الْغُرَابِ وَفُتْيَا الزُّهْرِيِّ كَمَا أَوْرَدْنَا وَإِنَّمَا هُمْ كَالْغَرِيقِ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَجِدُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِضَرَرِ لَحْمِهَا - فَكَلَامُ جَمْعِ الْغَثَاثَةِ وَالْكَذِبِ، أَمَّا الْكَذِبُ مِمَّا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَمَنْ أَخْبَرَهُمْ بِهَذَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا كَذِبٌ عَلَيْهِ ﷺ إذْ قَوَّلُوهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَإِذْ أَخْبَرُوا عَنْهُ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ قَطُّ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذِهِ قِصَّةٌ مُهْلِكَةٌ مُؤَدِّيَةٌ إلَى النَّارِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا. وَأَمَّا الْغَثَاثَةُ فَإِنَّ عِلْمَهُمْ بِالطِّبِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَمَا يَشُكُّ مَنْ لَهُ أَقَلُّ بَصَرٍ بِالْأَغْذِيَةِ فِي أَنَّ لَحْمَ الْجَمَلِ الشَّارِفِ وَالتَّيْسِ الْهَرِمِ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ لَحْمِ الْكَلْبِ، وَالْهِرِّ، وَالْفَهْدِ. ثُمَّ هَبْكَ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا فَهَلْ فِي ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ النَّهْيَ عَنْهَا؟ مَا هُوَ إلَّا تَأْكِيدٌ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا، ثُمَّ قَدْ شَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي ذَلِكَ؛ إذْ تَرَكُوا الْكِلَابَ،

стр. 2192

وَالسَّنَانِيرَ تَمُوتُ عَلَى الْمَزَابِلِ، وَفِي الدُّورِ، وَلَا يَذْبَحُونَهَا فَيَأْكُلُونَهَا، إذْ هِيَ حَلَالٌ؟ وَلَوْ أَنَّ امْرَءًا فَعَلَ هَذَا بِغَنَمِهِ وَبَقَرِهِ لَكَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى بِإِضَاعَةِ مَالِهِ. وَأَمَّا الضِّبَاعُ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا سُلَيْمَانَ، أَبَاحَا أَكْلَهَا -: وَالْحُجَّةُ لِذَلِكَ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: «سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الضَّبُعِ أَآكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ» ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَا نَافِعُ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَأْكُلُ الضِّبَاعَ؟ قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يُنْكِرْ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَا يَرَى بِأَكْلِ الضِّبَاعِ بَأْسًا. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ: سَمِعْت عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ؟ فَقَالَ: رَأَيْتهَا عَلَى مَائِدَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ الطَّائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَمِّهِ قَالَ: سَأَلْت أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ الضَّبُعِ؟ فَقَالَ: نَعْجَةٌ مِنْ الْغَنَمِ. وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: ضَبُعٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَبْشٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَاجِبٌ أَنْ تُسْتَثْنَى الضِّبَاعُ مِنْ جُمْلَةِ السِّبَاعِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا يُخَالَفُ شَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِ ﵇. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِتَحْرِيمِ الضِّبَاعِ - وَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً إلَّا تَعَلَّقَهُ بِعُمُومِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَكْلِ السِّبَاعِ؟ قَالُوا: وَهِيَ سَبُعٌ. وَذَكَرُوا خَبَرًا فَاسِدًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ نَا أَبُو زُهَيْرٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ

стр. 2193

عَنْ حِبَّانَ بْنِ جُزْءٍ عَنْ أَخِيهِ خُزَيْمَةَ بْنِ جُزْءٍ قَالَ «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا تَقُولُ فِي الضَّبُعِ؟ فَقَالَ لِي: وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ» ؟ وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمَّلِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الضَّبُعِ؟ فَكَرِهَهُ فَقُلْت لَهُ: إنَّ قَوْمَك يَأْكُلُونَهُ؟ فَقَالَ: إنَّ قَوْمِي لَا يَعْلَمُونَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا -: فَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ السِّبَاعِ فَإِنَّهُ حَقٌّ وَلَكِنَّ الَّذِي نَهَى عَنْ السِّبَاعِ هُوَ الَّذِي أَحَلَّ الضِّبَاعَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ إبَاحَةِ مَا حُرِّمَ مِنْ السِّبَاعِ وَبَيْنَ تَحْرِيمِ مَا حُلِّلَ مِنْ الضِّبَاعِ، وَكِلَاهُمَا لَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ. وَأَمَّا الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فَلَا شَيْءَ، لِأَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ مُسْلِمٍ ضَعِيفٌ وَابْنَ أَبِي الْمُخَارِقِ سَاقِطٌ، وَحِبَّانَ بْنَ جُزْءٍ مَجْهُولٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعَجُّبُ مِمَّنْ يَأْكُلُهَا فَقَطْ. وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ عِظَامَ الضَّأْنِ حَلَالٌ، ثُمَّ لَوْ رَأَيْنَا أَحَدًا يَأْكُلُهَا " أَوْ يَأْكُلُ جُلُودَهَا لَعَجِبْنَا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَجَبِ. وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ جُمْلَةً ثُمَّ حَرَّمَ النَّبِيَّ ﷺ بُيُوعًا كَثِيرَةً فَلَمْ يُغَلِّبُوا عُمُومَ الْإِبَاحَةِ عَلَى تَخْصِيصِ النَّهْيِ وَهَذَا خِلَافُ فِعْلِهِمْ هَهُنَا، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْفِيلُ فَلَيْسَ سَبُعًا وَلَا جَاءَ فِي تَحْرِيمِهِ نَصٌّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]

стр. 2194

؛ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَكُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ إلَّا مَا جَاءَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ بِهَذَا جَاءَ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَلَمْ يَأْتِ فِي الْفِيلِ نَصُّ تَحْرِيمٍ فَهُوَ حَلَالٌ. [مَسْأَلَة حُكْمُ أَكْلِ الْحَيَّاتِ] ٩٩٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَّاتِ وَلَا أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَوَاتِ الْمَخَالِبِ مِنْ الطَّيْرِ وَهِيَ الَّتِي تَصِيدُ الصَّيْدَ بِمَخَالِبِهَا، وَلَا الْعَقَارِبِ، وَلَا الْفِئْرَانِ وَلَا الْحِدَاءِ، وَلَا الْغُرَابِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ " قَالَ ابْنُ عُمَرَ حَدَّثَتْنِي إحْدَى نِسْوَةِ «النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ ﵇ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابِ، وَالْحَيَّةِ، قَالَ: وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ نَا إسْمَاعِيلُ وَهُوَ عِنْدَنَا ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَوْمًا [عِنْدَ هَدْمٍ لَهُ] رَأَى وَبِيصَ جَانٍّ فَقَالَ: اُقْتُلُوا؟ فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ: سَمِعْت «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ إلَّا الْأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَتْبَعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ» . وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ صَيْفِي هُوَ ابْنُ أَفْلَحَ - أَخْبَرَنِي أَبُو السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْبَرَهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ» . فَكُلُّ مَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ فَلَا ذَكَاةَ لَهُ، لِأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ

стр. 2195

الْمَالِ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ شَيْءٍ يُؤْكَلُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ قَوْلَهُ ﵇: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» فَذَكَرَ الْعَقْرَبَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْحِدَأَةَ، وَالْغُرَابَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ. فَصَحَّ أَنَّ فِيهَا فِسْقًا، وَالْفِسْقُ مُحَرَّمٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . فَلَوْ ذُبِحَ مَا فِيهِ فِسْقٌ لَكَانَ مِمَّا أُهِّلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَبْحَ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ قَصْدٌ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ -: رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اُقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ قَتَلَ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا قَتَلَ كَافِرًا. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ نَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ نَا أَبِي نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: إنِّي لَأَعْجَبُ مِمَّنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ، وَقَدْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلِهِ وَسَمَّاهُ فَاسِقًا، وَاَللَّهِ مَا هُوَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ. وَمِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ؟ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسِقًا، وَاَللَّهِ مَا هُوَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسِقًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَرِهَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَكْلَ الْحِدَاءِ وَالْغُرَابِ حَيْثُ سَمَّاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ فَوَاسِقِ الدَّوَابِّ الَّتِي تُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ «وَتَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا تَقْتُلْهُ» ؟ قُلْنَا: رَوَاهُ مَنْ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَضْعِيفَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَحَرَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ، وَلَمْ يُحَرِّمْ الْأَسْوَدَ؛ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ ذَكَرَ الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ.

стр. 2196

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَخْبَارُ الَّتِي فِيهَا عُمُومُ ذِكْرِ الْغُرَابِ هُوَ الزَّائِدُ حُكْمًا لَيْسَ فِي الَّذِي فِيهِ تَخْصِيصُ الْأَبْقَعِ، وَمَنْ قَالَ: إنَّمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ " الْغُرَابُ " الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ فِي خَبَرٍ آخَرَ -: فَقَدْ كَذَبَ، إذْ قَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ ﵇ بِقَتْلِ الْأَبْقَعِ فِي خَبَرٍ، وَبِقَتْلِ الْغُرَابِ جُمْلَةً فِي خَبَرٍ آخَرَ، وَكِلَاهُمَا حَقٌّ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ. وَتَرَدَّدَ الْمَالِكِيُّونَ فِي هَذِهِ الدَّوَابِّ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَأَمَّا الْعَقَارِبُ وَالْحَيَّاتُ فَمَا يَمْتَرِي ذُو فَهْمٍ فِي أَنَّهُنَّ مِنْ أَخْبَثِ الْخَبَائِثِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وَأَمَّا الْفِئْرَانُ فَمَا زَالَ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَتَّخِذُونَ لَهَا الْقِطَاطَ، وَالْمَصَائِدَ الْقَتَّالَةَ، وَيَرْمُونَهَا مَقْتُولَةً عَلَى الْمَزَابِلِ، فَلَوْ كَانَ أَكْلُهَا حَلَالًا لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي، وَمِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَبَاحُوا أَكْلَ الْحَيَّاتِ الْمُذَكَّاةِ، وَهُمْ يُحَرِّمُونَ أَكْلَ مَا ذُكِّيَ مِنْ قَفَاهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَذْكِيَةِ الْحَيَّاتِ إلَّا مِنْ أَقْفَائِهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهِيَ وَالْخَمْرُ تَقَعُ فِي التِّرْيَاقِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاوِي، لِأَنَّ الْمُتَدَاوِيَ مُضْطَرٌّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . وَأَمَّا ذَوَاتُ الْمَخَالِبِ مِنْ الطَّيْرِ -: فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ أَحْمَدُ: نَا هُشَيْمٌ أَنَّ أَبَا بِشْرٍ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي وَحْشِيَّةَ أَخْبَرَهُ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: نَا أَبِي نَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَكَمُ، وَأَبُو بِشْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .

стр. 2197

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حَلَالٍ -: وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَأَبَاحَ الْمَالِكِيُّونَ أَكْلَ سِبَاعِ الطَّيْرِ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَقْلِيدِهِ بِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَمْ يَسْمَعْهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَشَارَ إلَى خَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبَ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَرَادَ هَذَا النَّاقِضُ أَنْ يَحْتَجَّ لِنَفْسِهِ فَدَفَنَهَا، وَأَرَادَ أَنْ يُوهِنَ الْخَبَرَ فَزَادَهُ قُوَّةً، لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ هُوَ النَّجْمُ الطَّالِعُ ثِقَةً وَإِمَامَةً وَأَمَانَةً، فَكَيْفَ وَشُعْبَةُ، وَهُشَيْمٌ، وَالْحَكَمُ، وَأَبُو بِشْرٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَعْدِلُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ؟ وَأَسْلَمُ الْوُجُوهِ لِعَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ أَنْ لَمْ يُوصَفْ بِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ سَمِعَهُ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ عَلِيٌّ: لَا يُسَمَّى ذَا مِخْلَبٍ عِنْدَ الْعَرَبِ إلَّا الصَّائِدَ بِمِخْلَبِهِ وَحْدَهُ. وَأَمَّا الدِّيكُ، وَالْعَصَافِيرُ، وَالزُّرْزُورُ، وَالْحَمَامُ، وَمَا لَمْ يَصِدْ، فَلَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهَا ذَا مِخْلَبٍ فِي اللُّغَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة أَكْلُ الْحَلَزُونِ الْبَرِّيِّ وَالْحَشَرَاتِ] ٩٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ الْحَلَزُونِ الْبَرِّيِّ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْحَشَرَاتِ كُلِّهَا كَالْوَزَغِ وَالْخَنَافِسِ، وَالنَّمْلِ، وَالنَّحْلِ، وَالذُّبَابِ، وَالدُّبْرِ، وَالدُّودِ كُلِّهِ - طَيَّارَةٍ وَغَيْرِ طَيَّارَةٍ - وَالْقَمْلِ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَالْبَقِّ، وَالْبَعُوضِ وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . وقَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] . وَقَدْ صَحَّ الْبُرْهَانُ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْحَلْقِ أَوْ

стр. 2198

الصَّدْرِ، فَمَا لَمْ يُقْدَرْ فِيهِ عَلَى ذَكَاةٍ فَلَا سَبِيلَ إلَى أَكْلِهِ -: فَهُوَ حَرَامٌ، لِامْتِنَاعِ أَكْلِهِ إلَّا مَيْتَةً غَيْرَ مُذَكًّى. وَبُرْهَانٌ آخَرُ -: فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا قِسْمَانِ -: قِسْمٌ مُبَاحٌ قَتْلُهُ: كَالْوَزَغِ، وَالْخَنَافِسِ، وَالْبَرَاغِيثِ، وَالْبَقِّ، وَالدُّبْرِ؛ وَقِسْمٌ مُحَرَّمٌ قَتْلُهُ: كَالنَّمْلِ، وَالنَّحْلِ، فَالْمُبَاحُ قَتْلُهُ لَا ذَكَاةَ فِيهِ، لِأَنَّ قَتْلَ مَا تَجُوزُ فِيهِ الذَّكَاةُ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ، وَمَا لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ لَا تَجُوزُ فِيهِ الذَّكَاةُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ: «كُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَلَا ذَكَاةَ فِيهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا» مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَخْبَثِ الْخَبَائِثِ عِنْدَ كُلِّ ذِي نَفْسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا قُتَيْبَةُ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ نَا عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنِ مَوْلَى بَنِي زُرَيْقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَمَرَ ﵇ بِطَرْحِهِ وَلَوْ كَانَ حَلَالًا أَكْلُهُ مَا أَمَرَ بِطَرْحِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّحْلَةُ، وَالنَّمْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ» .

стр. 2199

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ «أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ؟ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يَقْضِي عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَدِيمًا فَأَحْرَقَ قَرْيَةَ النَّمْلِ لِأَنَّ شَرِيعَةَ نَبِيِّنَا ﷺ نَاسِخَةٌ لِكُلِّ دِينٍ سَلَفَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَتْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لِلْقِرْدَانِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَتْلُ الْأَوْزَاغِ؛ وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَخِيفُوا الْهَوَامَّ قَبْلَ أَنْ تُخِيفَكُمْ. فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ حَدِيثَ غَالِبِ بْنِ حُجْرَةَ عَنْ الْمِلْقَامِ بْنِ التَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ «صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَسْمَعْ لِلْحَشَرَاتِ تَحْرِيمًا» - فَغَالِبُ بْنُ حُجْرَةَ، وَالْمِلْقَامُ مَجْهُولَانِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ حُجَّةً عَلَى مَا قَامَ بِهِ بُرْهَانُ النَّصِّ. [مَسْأَلَة أَكْلُ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ] ٩٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ تَوَحَّشَتْ أَوْ لَمْ تَتَوَحَّشْ، وَحَلَالٌ أَكْلُ حُمُرِ الْوَحْشِ تَأَنَّسَتْ أَوْ لَمْ تَتَأَنَّسْ، وَحَلَالٌ أَكْلُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ أَنَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ سِيرِينَ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فَأُكْفِئَتْ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْمِ» . فَصَحَّ أَنَّهَا كُلَّهَا رِجْسٌ، وَإِهْرَاقُ الصَّحَابَةِ ﵃ الْقُدُورَ بِهَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَيَانُ أَنَّ وَدَكَهَا وَشَحْمَهَا وَعَظْمَهَا وَكُلَّ شَيْءٍ مِنْهَا حَرَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 2200

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ» . وَرُوِّينَا تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طَرِيقِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ: وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَابْنِ عُمَرَ بِأَسَانِيدَ كَالشَّمْسِ. وَعَنْ أَنَسٍ وَجَابِرٍ كَمَا ذَكَرْنَا، فَهُوَ نَقْلُ تَوَاتُرٍ لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَيَأْمُرُ بِلُحُومِ الْخَيْلِ. وَقَدْ رُوِّينَا النَّهْيَ عَنْهَا عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ أَحَدِ الْمُبَايِعِينَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي لُحُومِ الْحُمُرِ قَالَ: هِيَ حَرَامٌ أَلْبَتَّةَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَنَحَا نَحْوَهُ مَالِكٌ، فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَبَاحَهَا؟ قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ وَابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ فِيهَا؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ نَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نَا أُبَيٌّ نَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ عَنْ عَامِرِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَدْرِي

стр. 2201

أَنَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ حَمُولَةَ النَّاسِ فَكَرِهَ أَنْ تَذْهَبَ حَمُولَتُهُمْ، أَوْ حَرَّمَهُ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ لَحْمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ " فَهَذَا ظَنٌّ مِنْهُ، وَوَهْلَةٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحَرِّمْهَا ﵇ جُمْلَةً لَبَيَّنَ وَجْهَ نَهْيِهِ عَنْهَا، وَلَمْ يَدَعْ النَّاسَ إلَى الْحِيرَةِ؛ فَكَيْفَ «وَقَوْلُهُ ﵇ فَإِنَّهَا رِجْسٌ» وَيَبْطُلُ كُلُّ ظَنٍّ؟ وَلَقَدْ كَانُوا إلَى الْخَيْلِ بِلَا شَكٍّ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إلَى الْحُمُرِ، فَمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى نَهْيٍ عَنْهَا؛ بَلْ أَبَاحَ أَكْلَهَا وَذَكَاتَهَا، إذْ كَانَتْ حَلَالًا، وَبِذَلِكَ أَيْضًا يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّمَا حُرِّمَتْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ - فَظَنٌّ كَاذِبٌ أَيْضًا بِلَا بُرْهَانٍ، وَالدَّجَاجُ آكَلُ مِنْهَا لِلْعَذِرَةِ وَهِيَ حَلَالٌ. فَإِنْ ذَكَرُوا: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ احْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ؟ قُلْنَا: لَمْ يَبْلُغْهَا التَّحْرِيمُ وَلَوْ بَلَغَهَا لَقَالَتْ بِهِ، كَمَا فَعَلَتْ فِي الْغُرَابِ، وَلَيْسَ مَذْكُورًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ فِي لُحُومِ الْحُمُرِ «أَطْعِمْ أَهْلَكَ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ، فَإِنَّمَا كَرِهْتُ لَكُمْ جَوَّالَ الْقَرْيَةِ، أَلَيْسَ تَأْكُلُ الشَّجَرَ وَتَرْعَى الْفَلَاةَ؟ فَأَصِدْ مِنْهَا» . فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُوَيْمٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - أَوْ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ. ثُمَّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ - وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - عَنْ غَالِبِ بْنِ ديج وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ -

стр. 2202

وَمِنْ طَرِيقِ سَلْمَى بِنْتِ النَّضْرِ الْخِضْرِيَّةِ وَلَا يُدْرَى مَنْ هِيَ. وَأَمَّا حُمُرُ الْوَحْشِ: فَكَمَا ذَكَرْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَحْلِيلَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ دَجَنَ لَمْ يُؤْكَلْ - وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ؛ فَهُوَ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَا يَصِيرُ الْوَحْشِيُّ مِنْ جِنْسِ الْأَهْلِيِّ حَرَامًا بِالدُّجُونِ، وَلَا يَصِيرُ الْأَهْلِيُّ مِنْ جِنْسِ الْوَحْشِيِّ حَلَالًا بِالتَّوَحُّشِ. وَأَمَّا الْبِغَالُ، وَالْخَيْلُ: فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ كَرِبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَحَرَّمَ الْمُجَثَّمَةَ» . وَخَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ الْخَيْلِ» . وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] . قَالُوا: فَذَكَرَ فِي الْأَنْعَامِ الْأَكْلَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ. وَقَالُوا: الْبَغْلُ وَلَدُ الْحِمَارِ فَهُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الْحَرَامِ حَرَامٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ - فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَلَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْهَا -: أَمَّا حَدِيثُ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ فَهَالِكٌ لِأَنَّهُمْ مَجْهُولُونَ

стр. 2203

كُلُّهُمْ، ثُمَّ فِيهِ دَلِيلُ الْوَضْعِ، لِأَنَّ فِيهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: غَزَوْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَيْبَرَ - وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ خَالِدٌ إلَّا بَعْدَ خَيْبَرَ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، فَعِكْرِمَةَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِهِ خَبَرًا مَوْضُوعًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ يُتَّهَمُ غَيْرَهُ -: فَإِمَّا أُدْخِلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْبَهُ لَهُ، وَإِمَّا الْبَلِيَّةُ مِنْ قَبَلِهِ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مُبَيَّنًا فِي كِتَابِ الْإِيصَالِ. وَأَمَّا حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ جَابِرٍ، وَلَا ذَكَرَ فِيهِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ فَصَحَّ مُنْقَطِعًا. وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَابِرٍ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْبِغَالَ - وَقَدْ صَحَّ قَبْلُ عَنْ جَابِرٍ إبَاحَةُ الْخَيْلِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا الْآيَةُ: فَلَا ذِكْرَ فِيهَا لِلْأَكْلِ لَا بِإِبَاحَةٍ وَلَا بِتَحْرِيمٍ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، وَلَا ذَكَرَ فِيهَا أَيْضًا الْبَيْعَ - فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّمُوهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ، وَإِبَاحَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا حَاكِمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَقَدْ صَحَّ مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ» . رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَسْمَاءَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَسُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَمَعْمَرٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَأَبِي أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ لَحْمِ الْفَرَسِ؟ فَقَالَ: لَمْ يَزَلْ سَلَفُك يَأْكُلُونَهُ؟ قُلْتُ: أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَدْ أَدْرَكَ عَطَاءٌ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ مِنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ دُونَهَا.

стр. 2204

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: ذَبَحَ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَرَسًا، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: فَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ؛ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقُ: فَأَكَلُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: أُهْدِيَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ لَحْمُ فَرَسٍ فَأَكَلَ مِنْهُ - وَبِهِ إلَى هُشَيْمٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مَا أَكَلْتُ لَحْمًا أَطْيَبَ مِنْ مَعْرَفَةِ بِرْذَوْنٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ لَحْمِ الْفَرَسِ، وَالْبَغْلِ، وَالْبِرْذَوْنِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ حَرَامًا وَلَا يُفْتِي أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَكْلِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يُحَرِّمْ الزُّهْرِيُّ الْبَغْلَ، وَأَمَّا فُتْيَا الْعُلَمَاءِ بِأَكْلِ الْفَرَسِ فَتَكَادُ أَنْ تَكُونَ إجْمَاعًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَمَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ كَرَاهَةَ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَنْ مَوْلَى نَافِعِ بْنِ عَلْقَمَةَ - وَهُوَ مَجْهُولٌ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُهُ فَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَلَوْ صَحَّ عِنْدَنَا فِي الْبَغْلِ نَهْيٌ لَقُلْنَا بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْبَغْلَ وَلَدُ الْحِمَارِ، وَمُتَوَلِّدٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الْبَغْلَ مُذْ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَهُوَ غَيْرُ الْحِمَارِ، وَلَا يُسَمَّى حِمَارًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْحِمَارِ، لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا جَاءَ بِتَحْرِيمِ الْحِمَارِ، وَالْبَغْلُ لَيْسَ حِمَارًا وَلَا جُزْءًا مِنْ الْحِمَارِ. وَقَالَ بَعْضُ الْجُهَّالِ: الْحِمَارُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ، وَالْفَرَسُ، وَالْبَغْلُ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُمَا ذَوَا حَافِرٍ مِثْلُهُ فَكَانَ هَذَا مِنْ أَسْخَفِ قِيَاسٍ فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَك وَبَيْنَ مَنْ عَارَضَك؟ فَقَالَ: قَدْ صَحَّ تَحْلِيلُ الْفَرَسِ بِالنَّصِّ الثَّابِتِ، وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ ذَوَا حَافِرٍ مِثْلُهُ، فَهُمَا حَلَالٌ؛ فَهَلْ أَنْتُمَا فِي مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا فَرَسَا رِهَانٍ؟ أَوْ مَنْ قَالَ لَك: حِمَارٌ وَحْشٌ حَلَالٌ بِإِجْمَاعٍ وَهُوَ ذُو حَافِرٍ، فَالْفَرَسُ، وَالْبَغْلُ مِثْلُهُ - وَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ، بَلْ حِمَارُ الْوَحْشِ، وَالْفَرَسِ مَنْصُوصٌ عَلَى تَحْلِيلِهِمَا، وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ مَنْصُوصٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ النُّصُوصِ.

стр. 2205

وَأَمَّا الْبَغْلُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فَالْبَغْلُ حَلَالٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ وَلَا يَحِلُّ مِنْ الْحِمَارِ إلَّا مَا أَحَلَّهُ النَّصُّ مِنْ مِلْكِهِ، وَبَيْعِهِ، وَابْتِيَاعِهِ، وَرُكُوبِهِ، فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَة مَا حَرُمَ أَكْلُ لَحْمِهِ فَحَرَامٌ بَيْعُهُ وَلَبَنُهُ] ٩٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا حَرُمَ أَكْلُ لَحْمِهِ فَحَرَامٌ بَيْعُهُ وَلَبَنُهُ، لِأَنَّهُ بَعْضُهُ وَمَنْسُوبٌ إلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إلَّا أَلْبَانَ النِّسَاءِ فَهِيَ حَلَالٌ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَيُقَالُ: لَبَنُ الْأَتَانِ، وَلَبَنُ الْخِنْزِيرِ، وَبَيْضُ الْغُرَابِ، وَبَيْضُ الْحَيَّةِ، وَبَيْضُ الْحِدَأَةِ - كَمَا يُقَالُ يَدُ الْخِنْزِيرِ، وَرَأْسُ الْحِمَارِ، وَجَنَاحُ الْغُرَابِ، وَزِمِكَّى الْحِدَأَةِ وَلَا فَرْقَ. [مَسْأَلَة أَكْلُ الْهُدْهُدِ] ٩٩٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ الْهُدْهُدِ، وَلَا الصُّرَدِ، وَلَا الضِّفْدَعِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ. [مَسْأَلَة مَا أَمْكَنَ أَنْ يُذَكَّى مِمَّا لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ] ١٠٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَالسُّلَحْفَاةُ الْبَرِّيَّةُ وَالْبَحْرِيَّةُ حَلَالٌ أَكْلُهَا، وَأَكْلُ بَيْضِهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَلَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَ السُّلَحْفَاةِ، فَهِيَ حَلَالٌ كُلُّهَا وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ النُّسُورُ، وَالرَّخَمُ، والبلزج، وَالْقَنَافِذُ، وَالْيَرْبُوعُ، وَأُمُّ حَبِينٍ وَالْوَبْرُ، وَالسَّرَطَانُ، وَالْجَرَاذِينُ، وَالْوَرَلُ، وَالطَّيْرُ كُلُّهُ، وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ أَنْ يُذَكَّى مِمَّا لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ. وَكَذَلِكَ الْخُفَّاشُ، وَالْوَطْوَاطُ، وَالْخَطَّافُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. رُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ إبَاحَةَ أَكْلِ السُّلَحْفَاةِ، وَالسَّرَطَانِ. وَعَنْ طَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ: إبَاحَةُ أَكْلِ السُّلَحْفَاةِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ نَهَى الْمُحْرِمَ عَنْ قَتْلِ الرَّخَمَةِ وَجَعَلَ فِيهَا الْجَزَاءَ، فَإِنْ ذُكِرَ

стр. 2206

الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ: «الْقُنْفُذُ خَبِيثٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» فَهُوَ عَنْ شَيْخٍ مَجْهُولٍ لَمْ يُسَمَّ وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَمَا خَالَفْنَاهُ. [مَسْأَلَة أَكْلُ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ] ١٠٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ، وَلَا شُرْبُ أَلْبَانِهَا، وَلَا مَا تَصَرُّفُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا وَبَعْضُهَا، وَلَا يَحِلُّ رُكُوبُهَا، وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِ الْإِبِلِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ خَاصَّةً. وَلَا يُسَمَّى الدَّجَاجُ، وَلَا الطَّيْرُ: جَلَّالَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ فَإِذَا قُطِعَ عَنْهَا أَكَلَهَا فَانْقَطَعَ عَنْهَا الِاسْمُ حَلَّ أَكْلُهَا، وَأَلْبَانُهَا، وَرُكُوبُهَا. لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ نَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ وَلُحُومِهَا وَعَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ» وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَا طَعَامُهُ الْجِلَّةُ، وَهِيَ الْعَذِرَةُ - هَكَذَا رُوِّينَا عَنْ الْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ سُرَيْجٍ الرَّازِيّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَهْمٍ نَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا» فَفِي هَذَا بَعْضُ مَا فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ أَيْضًا زِيَادَةُ الرُّكُوبِ وَتَحْرِيمُهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِرَجُلٍ لَهُ إبِلٌ جَلَّالَةٌ: لَا تَحُجَّ عَلَيْهَا وَلَا تَعْتَمِرْ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنْ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ أَنْ

стр. 2207

تُؤْكَلَ فَإِنْ حَبَسْتهمَا وَعَلَفْتهمَا حَتَّى تَطِيبَ بُطُونُهُمَا فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ بِأَكْلِهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُصَاحِبُ أَحَدًا رَكِبَ جَلَّالَةً. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى] ١٠٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مَا سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبًا بِتِلْكَ الذَّكَاةِ إلَيْهِ - سَوَاءٌ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى مَعَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ - وَكَذَلِكَ مَا ذُكِّيَ مِنْ الصَّيْدِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى -: فَلَوْ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى الْمَسِيحِ، أَوْ قَالَ: عَلَى مُحَمَّدٍ، أَوْ ذَكَرَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُهِلَّ بِهِ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَسَوَاءٌ ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُذْكَرْ هُوَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فَهُوَ حَرَامٌ سَوَاءٌ ذَبَحَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا أَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ - وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُونَ -: وَهَذَا لَيْسَ حُجَّةً فِي إبَاحَةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ الَّذِي أَبَاحَ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ؛ وَعَلِمَ مَا يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ الْمُحَرِّمُ عَلَيْنَا مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ تَعَالَى لِأَمْرٍ آخَرَ، وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمَا جَمِيعًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَعَمِّ. وَرُوِيَتْ فِي هَذَا رِوَايَاتٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، كُلُّهَا عَنْ مَجَاهِيلَ، أَوْ عَنْ كَذَّابٍ، أَوْ عَنْ ضَعِيفٍ؛ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ. وَرُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا عَمَّا ذُبِحَ لِعِيدِ النَّصَارَى؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَّا مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ مَا ذُبِحَ لِلْكَنِيسَةِ فَلَا تَأْكُلْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا سَمِعْت النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَلَا تَأْكُلْ، وَإِذَا لَمْ تَسْمَعْ فَكُلْ. وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي ذَبِيحَةِ النَّصْرَانِيِّ إذَا تَوَارَى عَنْك فَكُلْ.

стр. 2208

وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: كُلُّ مَا لَمْ تَسْمَعْهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ الْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ: أَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ وَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا عَلَى ذَبَائِحِهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يُسَمُّوا اللَّهَ تَعَالَى. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إذَا سَمِعْتَ فِي الذَّبِيحَةِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَأْكُلْ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا سَمِعْته يُهِلُّ بِالْمَسِيحِ، فَلَا تَأْكُلْ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَيُقَالُ لِمَنْ خَالَفَ هَذَا: قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى ذَبَائِحَهُمْ، وَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ الْخِنْزِيرَ، أَفَيَأْكُلُهُ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: وَاَللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ سَوَاءً سَوَاءً، وَلَا فَرْقَ. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ فَقَتَلَهُ] ١٠٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ فَقَتَلَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْبِلَادِ، أَوْ يَصِيدُهُ الْمُحِلُّ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، أَوْ الْمَدِينَةِ فَقَطْ، فَقَتَلَهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَكُلُّ قَتْلٍ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَحَرَامٌ أَكْلُ مَا أُمِيتَ بِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ الذَّكَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: أَكْلُهُ حَلَالٌ، كَذَبِيحَةِ الْغَاصِبِ، وَالسَّارِقِ، وَلَا فَرْقَ. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ] ١٠٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِعَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: إنْ تَرَكَ عَمْدًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، وَإِنْ تَرَكَ نِسْيَانًا حَلَّ أَكْلُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ حَلَالٌ تَرَكَ عَمْدًا، أَوْ نِسْيَانًا. رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا خَرَجْتَ قَانِصًا لَا تُرِيدُ

стр. 2209

إلَّا ذَلِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ تَخْرُجُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْفِيك. وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ ذَبَحَ وَهُوَ مُغْضَبٌ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَكَلَ. وَعَنْ عَطَاءٍ إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: بِاسْمِ الشَّيْطَانِ فَكُلْ. وَرُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ إبَاحَةَ أَكْلِ مَا نُسِيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْهُمْ تَحْرِيمُهُ فِي تَعَمُّدِ تَرْكِ الذِّكْرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ أَهْلُ الْإِبَاحَةِ لِذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَخِي سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَتْ الْيَهُودُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَنَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا، وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] إلَى آخِرِ الْآيَةِ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا مِنْ التَّمْوِيهِ الْقَبِيحِ، وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ ذِكْرٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، بَلْ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ كَافِيَةٌ. فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا. وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» . فَهَذَا مُرْسَلٌ، وَالْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ضَعِيفٌ. وَخَبَرٌ آخَرُ: مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا ثَوْرُ الشَّامِيُّ عَنْ الصَّلْتِ مَوْلَى سُوَيْد قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ - وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ - لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى» . وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَالصَّلْتُ أَيْضًا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا ذَبَحْت بِدِينِك. قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا نَذْبَحُ إلَّا بِأَدْيَانِنَا وَبِمَا يَنْهَرُ الدَّمَ، وَمِنْ الذَّبْحِ بِالدِّينِ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَلَمْ يَذْبَحْ بِدِينِهِ وَلَا كَمَا أُمِرَ.

стр. 2210

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ صَلَاةَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا نَاسِيًا، وَصَوْمَ مَنْ أَكَلَ فِيهِ نَاسِيًا، فَمَا الْفَرْقُ؟ قَالُوا: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] إخْرَاجٌ لِلنَّاسِي مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَيْسَ فِسْقًا. هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. أَمَّا سُقُوطُ الْجُنَاحِ فِي الْخَطَأِ، وَسُقُوطُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ، وَرَفْعُهُمَا عَنَّا، فَنَعَمْ؟ وَهُوَ قَوْلُنَا، وَهَكَذَا نَقُولُ: إنَّهُ هَهُنَا مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْإِثْمُ وَالْحَرَجُ إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ، لَكِنَّا قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يُذَكِّ، لَكِنْ ظَنَّ أَنَّهُ ذَكَّى وَلَمْ يُذَكِّ، كَمَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ وَظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ، فَلَمَّا لَمْ يُذَكِّ كَانَ مَيْتَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ مَتَى وُجِدَتْ فِي مَذْبُوحٍ أَوْ مَنْحُورٍ أَوْ تَصَيُّدٍ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا جَهِلُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُ مِنْ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَنْ نَسِيَ أَنْ يَعْمَلَهُ، أَوْ تَعَمَّدَ أَنْ لَا يَعْمَلَهُ، فَلَمْ يَعْمَلْهُ إلَّا أَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ حَرِجٍ فِي نِسْيَانِهِ وَالْعَامِدَ فِي حَرَجٍ، وَكُلُّ عَمَلٍ عَمِلَهُ الْمَرْءُ مِمَّا أُمِرَ بِهِ فَزَادَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ نَاسِيًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا عَمِلَ نَاسِيًا، وَعَمَلُهُ لِمَا عَمِلَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ صَحِيحٌ جَائِزٌ جَازَ - فَهَذَا هُوَ حُكْمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ إلَّا مَا جَاءَ نَصٌّ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَلَمْ نَقُلْ قَطُّ: إنَّ نِسْيَانَ النَّاسِي لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَبِيحَتِهِ وَنَحِيرَتِهِ وَصَيْدِهِ -: فِسْقٌ؟ وَلَا قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نِسْيَانَهُ لِذَلِكَ: فِسْقًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى ذَلِكَ الْعَقِيرَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فِسْقًا - هَذَا نَصُّ الْآيَةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إحَالَتُهَا عَنْهُ أَنَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِسْقٌ، وَالْفِسْقُ مُحَرَّمٌ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَهُوَ حَرَامٌ بِنَصِّ الْآيَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا سِوَاهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. نَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نَا أَحْمَدُ بْنُ مُسْلِمٍ نَا أَبُو ثَوْرٍ نَا مُعَلَّى نَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ
следующие страницы →