← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ: «الْقُنْفُذُ خَبِيثٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» فَهُوَ عَنْ شَيْخٍ مَجْهُولٍ لَمْ يُسَمَّ وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَمَا خَالَفْنَاهُ. [مَسْأَلَة أَكْلُ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ] ١٠٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ، وَلَا شُرْبُ أَلْبَانِهَا، وَلَا مَا تَصَرُّفُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا وَبَعْضُهَا، وَلَا يَحِلُّ رُكُوبُهَا، وَهِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِ الْإِبِلِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ خَاصَّةً. وَلَا يُسَمَّى الدَّجَاجُ، وَلَا الطَّيْرُ: جَلَّالَةً، وَإِنْ كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ فَإِذَا قُطِعَ عَنْهَا أَكَلَهَا فَانْقَطَعَ عَنْهَا الِاسْمُ حَلَّ أَكْلُهَا، وَأَلْبَانُهَا، وَرُكُوبُهَا. لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ نَا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ وَلُحُومِهَا وَعَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ» وَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَا طَعَامُهُ الْجِلَّةُ، وَهِيَ الْعَذِرَةُ - هَكَذَا رُوِّينَا عَنْ الْأَصْمَعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ سُرَيْجٍ الرَّازِيّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَهْمٍ نَا عَمْرٌو يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا» فَفِي هَذَا بَعْضُ مَا فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ أَيْضًا زِيَادَةُ الرُّكُوبِ وَتَحْرِيمُهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِرَجُلٍ لَهُ إبِلٌ جَلَّالَةٌ: لَا تَحُجَّ عَلَيْهَا وَلَا تَعْتَمِرْ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ كَانَ عَطَاءٌ يَنْهَى عَنْ جَلَّالَةِ الْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ أَنْ

стр. 2207

تُؤْكَلَ فَإِنْ حَبَسْتهمَا وَعَلَفْتهمَا حَتَّى تَطِيبَ بُطُونُهُمَا فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ بِأَكْلِهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُصَاحِبُ أَحَدًا رَكِبَ جَلَّالَةً. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى] ١٠٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مَا سُمِّيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبًا بِتِلْكَ الذَّكَاةِ إلَيْهِ - سَوَاءٌ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى مَعَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ - وَكَذَلِكَ مَا ذُكِّيَ مِنْ الصَّيْدِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى -: فَلَوْ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى الْمَسِيحِ، أَوْ قَالَ: عَلَى مُحَمَّدٍ، أَوْ ذَكَرَ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُهِلَّ بِهِ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَسَوَاءٌ ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يُذْكَرْ هُوَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فَهُوَ حَرَامٌ سَوَاءٌ ذَبَحَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا أَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ - وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُونَ -: وَهَذَا لَيْسَ حُجَّةً فِي إبَاحَةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ الَّذِي أَبَاحَ لَنَا ذَبَائِحَهُمْ؛ وَعَلِمَ مَا يَقُولُونَ هُوَ اللَّهُ الْمُحَرِّمُ عَلَيْنَا مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ تَعَالَى لِأَمْرٍ آخَرَ، وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمَا جَمِيعًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَعَمِّ. وَرُوِيَتْ فِي هَذَا رِوَايَاتٌ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، كُلُّهَا عَنْ مَجَاهِيلَ، أَوْ عَنْ كَذَّابٍ، أَوْ عَنْ ضَعِيفٍ؛ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ. وَرُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهَا عَمَّا ذُبِحَ لِعِيدِ النَّصَارَى؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَّا مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ مَا ذُبِحَ لِلْكَنِيسَةِ فَلَا تَأْكُلْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا سَمِعْت النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ: بِاسْمِ الْمَسِيحِ، فَلَا تَأْكُلْ، وَإِذَا لَمْ تَسْمَعْ فَكُلْ. وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي ذَبِيحَةِ النَّصْرَانِيِّ إذَا تَوَارَى عَنْك فَكُلْ.

стр. 2208

وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: كُلُّ مَا لَمْ تَسْمَعْهُ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ الْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ: أَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ وَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا عَلَى ذَبَائِحِهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يُسَمُّوا اللَّهَ تَعَالَى. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إذَا سَمِعْتَ فِي الذَّبِيحَةِ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَأْكُلْ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا سَمِعْته يُهِلُّ بِالْمَسِيحِ، فَلَا تَأْكُلْ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَيُقَالُ لِمَنْ خَالَفَ هَذَا: قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى ذَبَائِحَهُمْ، وَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ الْخِنْزِيرَ، أَفَيَأْكُلُهُ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: وَاَللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ سَوَاءً سَوَاءً، وَلَا فَرْقَ. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ فَقَتَلَهُ] ١٠٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ فَقَتَلَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْبِلَادِ، أَوْ يَصِيدُهُ الْمُحِلُّ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، أَوْ الْمَدِينَةِ فَقَطْ، فَقَتَلَهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَكُلُّ قَتْلٍ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَحَرَامٌ أَكْلُ مَا أُمِيتَ بِهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ الذَّكَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: أَكْلُهُ حَلَالٌ، كَذَبِيحَةِ الْغَاصِبِ، وَالسَّارِقِ، وَلَا فَرْقَ. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ] ١٠٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِعَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: إنْ تَرَكَ عَمْدًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، وَإِنْ تَرَكَ نِسْيَانًا حَلَّ أَكْلُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ حَلَالٌ تَرَكَ عَمْدًا، أَوْ نِسْيَانًا. رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا خَرَجْتَ قَانِصًا لَا تُرِيدُ

стр. 2209

إلَّا ذَلِكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ تَخْرُجُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْفِيك. وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَنْ ذَبَحَ وَهُوَ مُغْضَبٌ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَكَلَ. وَعَنْ عَطَاءٍ إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ: بِاسْمِ الشَّيْطَانِ فَكُلْ. وَرُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ إبَاحَةَ أَكْلِ مَا نُسِيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْهُمْ تَحْرِيمُهُ فِي تَعَمُّدِ تَرْكِ الذِّكْرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ أَهْلُ الْإِبَاحَةِ لِذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَخِي سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَتْ الْيَهُودُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَنَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا، وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] إلَى آخِرِ الْآيَةِ» . قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا مِنْ التَّمْوِيهِ الْقَبِيحِ، وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ ذِكْرٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، بَلْ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ كَافِيَةٌ. فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا. وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ نَا الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» . فَهَذَا مُرْسَلٌ، وَالْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ضَعِيفٌ. وَخَبَرٌ آخَرُ: مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا ثَوْرُ الشَّامِيُّ عَنْ الصَّلْتِ مَوْلَى سُوَيْد قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ - وَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ - لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى» . وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَالصَّلْتُ أَيْضًا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا ذَبَحْت بِدِينِك. قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا نَذْبَحُ إلَّا بِأَدْيَانِنَا وَبِمَا يَنْهَرُ الدَّمَ، وَمِنْ الذَّبْحِ بِالدِّينِ أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ لَمْ يُسَمِّهِ فَلَمْ يَذْبَحْ بِدِينِهِ وَلَا كَمَا أُمِرَ.

стр. 2210

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَأَنْتُمْ تُجِيزُونَ صَلَاةَ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا نَاسِيًا، وَصَوْمَ مَنْ أَكَلَ فِيهِ نَاسِيًا، فَمَا الْفَرْقُ؟ قَالُوا: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] إخْرَاجٌ لِلنَّاسِي مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَيْسَ فِسْقًا. هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. أَمَّا سُقُوطُ الْجُنَاحِ فِي الْخَطَأِ، وَسُقُوطُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ، وَرَفْعُهُمَا عَنَّا، فَنَعَمْ؟ وَهُوَ قَوْلُنَا، وَهَكَذَا نَقُولُ: إنَّهُ هَهُنَا مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْإِثْمُ وَالْحَرَجُ إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ، لَكِنَّا قُلْنَا: إنَّهُ لَمْ يُذَكِّ، لَكِنْ ظَنَّ أَنَّهُ ذَكَّى وَلَمْ يُذَكِّ، كَمَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ وَظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ، فَلَمَّا لَمْ يُذَكِّ كَانَ مَيْتَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ مَتَى وُجِدَتْ فِي مَذْبُوحٍ أَوْ مَنْحُورٍ أَوْ تَصَيُّدٍ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا جَهِلُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُ مِنْ ذَلِكَ: هُوَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَنْ نَسِيَ أَنْ يَعْمَلَهُ، أَوْ تَعَمَّدَ أَنْ لَا يَعْمَلَهُ، فَلَمْ يَعْمَلْهُ إلَّا أَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ حَرِجٍ فِي نِسْيَانِهِ وَالْعَامِدَ فِي حَرَجٍ، وَكُلُّ عَمَلٍ عَمِلَهُ الْمَرْءُ مِمَّا أُمِرَ بِهِ فَزَادَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ نَاسِيًا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا عَمِلَ نَاسِيًا، وَعَمَلُهُ لِمَا عَمِلَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ صَحِيحٌ جَائِزٌ جَازَ - فَهَذَا هُوَ حُكْمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ إلَّا مَا جَاءَ نَصٌّ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فَلَمْ نَقُلْ قَطُّ: إنَّ نِسْيَانَ النَّاسِي لِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَبِيحَتِهِ وَنَحِيرَتِهِ وَصَيْدِهِ -: فِسْقٌ؟ وَلَا قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نِسْيَانَهُ لِذَلِكَ: فِسْقًا، لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى ذَلِكَ الْعَقِيرَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فِسْقًا - هَذَا نَصُّ الْآيَةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إحَالَتُهَا عَنْهُ أَنَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِسْقٌ، وَالْفِسْقُ مُحَرَّمٌ، وَمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَهُوَ حَرَامٌ بِنَصِّ الْآيَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا سِوَاهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. نَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نَا أَحْمَدُ بْنُ مُسْلِمٍ نَا أَبُو ثَوْرٍ نَا مُعَلَّى نَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ

стр. 2211

قَالَ: إنَّ رَجُلًا نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى شَاةٍ ذَبَحَهَا فَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ غُلَامَهُ فَقَالَ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا لِأَحَدٍ؟ فَقُلْ لَهُ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إنَّ هَذَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا حِينَ ذَبَحَهَا - وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ خَالِدٍ هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: لَا تَأْكُلْ إلَّا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ أَشْعَثَ هُوَ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَمَّنْ ذَبَحَ وَنَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ؟ فَتَلَا عَبْدُ اللَّهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا هُوَ صَحِيحُ الصُّحْبَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِنِسْيَانٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إذَا وَجَدْت سَهْمًا فِي صَيْدٍ وَقَدْ مَاتَ فَلَا تَأْكُلْهُ، إنَّك لَا تَدْرِي مَنْ رَمَاهُ وَلَا تَدْرِي أَسَمَّى أَمْ لَمْ يُسَمِّ؟ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ الْمُنْقِرِيُّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِيمَا نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَرَأَيْت لَوْ قُلْتُ: كُلْ وَقَالَ اللَّهُ: لَا تَأْكُلْ - أَكُنْتَ تَأْكُلُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ مَا نَسِيَ ذَابِحُهُ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ مَا نَسِيَ ذَابِحُهُ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِ، وَبِهَذَا جَاءَتْ السُّنَنُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ نَا زَائِدَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ نَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَكُلْ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.

стр. 2212

وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ نَا الشَّعْبِيُّ سَمِعْت عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ يَقُولُ: «قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي كَلْبًا قَدْ أَخَذَ لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا أَخَذَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا تَأْكُلْ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» فَجَعَلَ ﵇ الْمَانِعَ مِنْ الْأَكْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ عَلَى الَّذِي لَا يَدْرِي أَهُوَ قَتَلَهُ أَمْ غَيْرُهُ. [مَسْأَلَة التَّسْمِيَةُ بِالْعَجَمِيَّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ] ١٠٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ سَمَّى بِالْعَجَمِيَّةِ فَقَدْ سَمَّى كَمَا أُمِرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَشْتَرِطْ لُغَةً مِنْ لُغَةٍ وَلَا تَسْمِيَةً مِنْ تَسْمِيَةٍ، فَكَيْفَمَا سَمَّى فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة ذَبَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ فَنَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى] ١٠٠٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ذَبَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ فَنَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ تَعَمَّدَ فَهُوَ ضَامِنٌ مِثْلَ الْحَيَوَانِ الَّذِي أَفْسَدَ، لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ - كَمَا قَدَّمْنَا - فَقَدْ أَفْسَدَ مَالَ أَخِيهِ، وَأَمْوَالُ النَّاسِ تُضْمَنُ بِالْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا نَحَرَهُ أَوْ ذَبَحَهُ إنْسَانٌ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ] ١٠٠٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا نَحَرَهُ أَوْ ذَبَحَهُ إنْسَانٌ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ مَالِكِهِ بِغَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ تَعَدٍّ بِغَيْرِ حَقٍّ - وَهُوَ مَيْتَةٌ - لَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَيَضْمَنُهُ قَاتِلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَظَرًا صَحِيحًا كَخَوْفِ أَنْ يَمُوتَ فَبَادَرَ بِذَكَاتِهِ، أَوْ نَظَرًا لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ غَائِبٍ، أَوْ فِي حَقٍّ وَاجِبٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] . وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . فَنَسْأَلُ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا أَبِحَقٍّ ذَبَحَ هَذَا الْحَيَوَانَ أَوْ نَحَرَ، أَمْ بِبَاطِلٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ وَلَا يَقُولُ مُسْلِمٌ: إنَّهُ ذَبَحَ بِحَقٍّ، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ نَحَرَ وَذَبَحَ بِبَاطِلٍ فَهُوَ مُحَرَّمٌ أَكْلُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْحَيَوَانَ حَرَامٌ أَكْلُهُ إلَّا مَا ذَكَّيْنَا، فَالذَّكَاةُ حَقٌّ مَأْمُورٌ بِهِ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى

стр. 2213

لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا حُرِّمَ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا بِهِ، وَذَبْحُ الْمُعْتَدِي بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِلَا خِلَافٍ وَبِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ تَنُوبَ الْمَعْصِيَةُ عَنْ الطَّاعَةِ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْفُرُوجَ الْمُحَرَّمَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا بِالْعَقْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا بِالْعَقْدِ الْمُحَرَّمِ: فَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ أَنْ يُبِيحُوا الْحَيَوَانَ الْمُحَرَّمَ بِالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَصَيُّدِ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ ذَبْحِ الْمُتَعَدِّي لِمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ؟ وَبِهَذَا جَاءَتْ السُّنَنُ الثَّابِتَةُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نَا وَكِيعٌ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع بْنِ خَدِيجٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا فَعَجَّلَ الْقَوْمُ فَأَغْلَوْا بِهَا الْقُدُورَ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ بِجَزُورٍ» . فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِهَرْقِ الْقُدُورِ الَّتِي فِيهَا اللَّحْمُ الْمَذْبُوحُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَلَالًا أَكْلُهُ مَا أَمَرَ بِهَرْقِهِ، لِأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ حَرَامٌ مَحْضٌ، وَأَنَّ ذَبْحَهُ وَنَحْرَهُ تَعَدٍّ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَلَا يُبِيحُ الْأَكْلَ. وَمَا نَعْلَمُ لِلْمُخَالِفِ حُجَّةً أَصْلًا لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ مَوَّهَ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ، فَاسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فَأَكَلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فِيهِ ثُمَّ قَالَ: أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا، فَأَرْسَلَتْ الْمَرْأَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرْسَلْتُ إلَى الْبَقِيعِ مَنْ يَشْتَرِي لِي شَاةً فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إلَى جَارٍ لِي قَدْ اشْتَرَى شَاةً أَنْ أَرْسِلْ بِهَا إلَيَّ بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ فَأَرْسَلْتُ إلَى امْرَأَتِهِ، فَأَرْسَلَتْ إلَيَّ بِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَطْعِمِيهِ الْأُسَارَى» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُوَ لَوْ صَحَّ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ -:

стр. 2214

أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ وَلَا يُدْرَى أَصَحَّتْ صُحْبَتُهُ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْتَحِلَّ أَكْلَهُ وَلَا أَبَاحَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَكْلَ شَيْءٍ مِنْهُ، بَلْ أَمَرَ بِأَنْ يُطْعِمَ الْكُفَّارَ الْمُسْتَحِلِّينَ لِلْمَيْتَةِ، وَلَعَلَّ أُولَئِكَ الْأُسَارَى كَانُوا مَرْضَى يَحِلُّ لَهُمْ التَّدَاوِي بِالْمَيْتَةِ، مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ غَصْبًا وَلَا مَسْرُوقَةً، وَإِنَّمَا أَخَذَتْهَا بِشِرَاءٍ صَحِيحٍ عِنْدَ نَفْسِهَا، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ مَالِكِهَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهَا لِمُسْلِمٍ، فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ تِلْكَ الشَّاةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ مَنْصُوصٌ فِي الْخَبَرِ مِنْ قَوْلِ الْمَرْأَةِ " ابْعَثْهَا إلَيَّ بِثَمَنِهَا " وَنَحْنُ نَأْتِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِعَيْنِهَا بِمَا هُوَ حُجَّةٌ مُبَيَّنَةٌ عَلَيْهِمْ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ هُوَ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ - عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ النَّاسَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ، فَأَصَابُوا غَنَمًا فَانْتَهَبُوهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي، إذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي عَلَى قَوْسِهِ فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا بِقَوْسِهِ ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلُ اللَّحْمَ بِالتُّرَابِ - ثُمَّ قَالَ: إنَّ النُّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنْ الْمَيْتَةِ، أَوْ إنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلَّ مِنْ النُّهْبَةِ؛ شَكَّ أَبُو الْأَحْوَصِ فِي أَيَّتِهِمَا قَالَ ﵇» . فَهَذَا ذَلِكَ الْإِسْنَادُ نَفْسُهُ بِبَيَانٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ مِنْ إفْسَادِهِ ﵌ اللَّحْمَ الْمَذْبُوحَ مُنْتَهَبًا غَيْرَ مَقْسُومٍ وَخَلَطَهُ بِالتُّرَابِ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ حَرَامٌ بَحْتٌ لَا يَحِلُّ أَصْلًا، إذْ لَوْ حَلَّ لَمَا أَفْسَدَهُ ﵇؛ فَمِنْ الْعَجَائِبِ أَنْ تَكُونَ طَرِيقٌ وَاحِدَةٌ حُجَّةً فِيمَا لَا بَيَانَ فِيهَا مِنْهُ، وَلَا تَكُونُ حُجَّةً فِيمَا فِيهَا الْبَيَانُ الْجَلِيُّ مِنْهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافَ قَوْلِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ تَابِعٍ إلَّا عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة أَكْلُ مَا ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ فَخْرًا أَوْ مُبَاهَاةً] ١٠٠٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ فَخْرًا أَوْ مُبَاهَاةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

стр. 2215

﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَهَذَا مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ نَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: " إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ» . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا رِبْعِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَارُودِ قَالَ: سَمِعْت الْجَارُودَ بْنَ أَبِي سَبْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ وَثِيلٍ هُوَ سُحَيْمٌ - قَالَ: وَكَانَ شَاعِرًا نَافِرًا غَالِبًا أَبَا الْفَرَزْدَقِ الشَّاعِرُ بِمَاءٍ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ عَلَى أَنْ يَعْقِرَ هَذَا مِائَةً مِنْ إبِلِهِ وَهَذَا مِائَةً مِنْ إبِلِهِ إذَا وَرَدَتْ، فَلَمَّا وَرَدَتْ الْإِبِلُ الْمَاءَ قَامَا إلَيْهَا بِالسُّيُوفِ فَجَعَلَا يَكْسَعَانِ عَرَاقِيبَهَا، فَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى الْحُمُرَاتِ يُرِيدُونَ اللَّحْمَ وَعَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ فَخَرَجَ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُنَادِي: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَأْكُلُوا مِنْ لُحُومِهَا فَإِنَّهَا مِمَّا أُهِلَّ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةٌ ذَبَحَهَا الشُّعَرَاءُ فَخْرًا وَرِيَاءً، وَلَا مَا ذَبَحَهُ الْأَعْرَابُ عَلَى قُبُورِهِمْ، وَلَا يُعْلَمُ لِعَلِيٍّ ﵁ فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. وَكُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ فَهُوَ بُرْهَانٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ تَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ، وَالْغَاصِبِ، وَالْمُتَعَدِّي لِأَنَّ هَؤُلَاءِ بِلَا شَكٍّ مِمَّنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، وَذَبَائِحُهُمْ وَنَحَائِرُهُمْ مِمَّنْ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ بِيَقِينٍ، إذْ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَعْصِيَ أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى: وَهَؤُلَاءِ عُصَاةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِلَا شَكٍّ، مُخَالِفُونَ لِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ الذَّبْحِ نَفْسِهِ، وَفِي ذَلِكَ الْعَقْرِ نَفْسِهِ. [مَسْأَلَة جَوَازُ مَا كَانَ مِنْ الْأَطْعِمَة نَظَرًا وَمَصْلَحَةً] ١٠٠٩ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا جَوَازُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَمَصْلَحَةً فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؛ فَحِفْظُ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَاجِبٌ وَبِرٌّ وَتَقْوَى، وَإِضَاعَتُهُ إثْمٌ وَعُدْوَانٌ وَحَرَامٌ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - نَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ

стр. 2216

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُخْبِرُ ابْنَ عُمَرَ بِأَنَّ أَبَاهُ «كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ جَارِيَةً لَهُمْ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا مَوْتًا فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا فَقَالَ لِأَهْلِهِ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ أَوْ أُرْسِلَ إلَيْهِ مَنْ يَسْأَلُهُ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَكْلِهَا» [مَسْأَلَة خَرَجَتْ بَيْضَةٌ مِنْ دَجَاجَةٍ مَيِّتَةٍ أَوْ طَائِرٍ مَيِّتٍ] ١٠١٠ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ خَرَجَتْ بَيْضَةٌ مِنْ دَجَاجَةٍ مَيِّتَةٍ أَوْ طَائِرٍ مَيِّتٍ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَوْ ذُكِّيَ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ قِشْرٍ فَأَكْلُهَا حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ قِشْرٍ بَعْدُ فَهِيَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا صَارَتْ ذَاتَ قِشْرٍ فَقَدْ بَايَنَتْ الْمَيْتَةَ وَصَارَتْ مُنْحَازَةً عَنْهَا، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ قِشْرٍ فَهِيَ حِينَئِذٍ بَعْضُ حَشْوَتِهَا وَمُتَّصِلَةٌ بِهَا فَهِيَ حَرَامٌ. [مَسْأَلَة طُبِخَ بَيْضٌ فَوُجِدَ فِي جُمْلَتِهَا بَيْضَةٌ فَاسِدَةٌ] ١٠١١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ طُبِخَ بَيْضٌ فَوُجِدَ فِي جُمْلَتِهَا بَيْضَةٌ فَاسِدَةٌ قَدْ صَارَتْ دَمًا أَوْ فِيهَا فَرْخٌ رُمِيَتْ الْفَاسِدَةُ وَأُكِلَ سَائِرُ الْبَيْضِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَالْحَلَالُ حَلَالٌ لَا يُفْسِدُهُ مُجَاوَرَةُ الْحَرَامِ لَهُ، وَالْحَرَامُ حَرَامٌ لَا يُصْلِحُهُ مُجَاوَرَةُ الْحَلَالِ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة طَعَام طُبِخَ أَوْ شُوِيَ بِعَذِرَةٍ أَوْ بِمَيْتَةٍ] ١٠١٢ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ خُبْزٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ لَحْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ طُبِخَ أَوْ شُوِيَ بِعَذِرَةٍ أَوْ بِمَيْتَةٍ فَهُوَ حَلَالٌ كُلُّهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَيْتَةً وَلَا عَذِرَةً، وَالْعَذِرَةُ وَالْمَيْتَةُ حَرَامٌ، وَمَا أُحِلَّ فَهُوَ حَلَالٌ فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ عَيْنُ الْعَذِرَةِ أَوْ الْمَيْتَةِ فَهُوَ حَلَالٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ طَعَامٌ فِي خَمْرٍ، أَوْ فِي عَذِرَةٍ فَغُسِلَ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْحَرَامِ فِيهِ عَيْنٌ فَهُوَ حَلَالٌ، إذْ لَمْ يُوجِبْ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ. [مَسْأَلَة مَاتَ حَيَوَانٌ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ لَوْ ذُكِّيَ فَحُلِبَ مِنْهُ لَبَنٌ] ١٠١٣ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ مَاتَ حَيَوَانٌ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ لَوْ ذُكِّيَ فَحُلِبَ مِنْهُ لَبَنٌ فَاللَّبَنُ حَلَالٌ، لِأَنَّ اللَّبَنَ حَلَالٌ بِالنَّصِّ، فَلَا يُحَرِّمُهُ كَوْنُهُ فِي ضَرْعِ مَيْتَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ بَايَنَهَا بَعْدُ، وَهُوَ وَمَا حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا ثُمَّ مَاتَتْ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ لَبَنٌ حَلَالٌ فِي وِعَاءٍ حَرَامٍ فَقَطْ، فَهُوَ وَاَلَّذِي فِي وِعَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ سَوَاءٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة أَكْلُ السُّمِّ الْقَاتِلِ بِبُطْءٍ] ١٠١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ السُّمِّ الْقَاتِلِ بِبُطْءٍ أَوْ تَعْجِيلٍ وَلَا مَا يُؤْذِي مِنْ

стр. 2217

الْأَطْعِمَةِ، وَلَا الْإِكْثَارُ مِنْ طَعَامٍ يُمْرِضُ الْإِكْثَارُ مِنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْت أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ قَالَ " شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ بِهِ دَوَاءً إلَّا الْهَرَمَ» قَالَ عَلِيٌّ: زِيَادٌ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَسُفْيَانُ، وَسُفْيَانُ وَمِسْعَرٌ، وَأَبُو عَوَانَةَ - وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ الثَّابِتِ «هُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» حُمِدَ لِتَرْكِ الدَّوَاءِ أَصْلًا، وَلَا ذِكْرَ لِلْمَنْعِ مِنْهُ، وَأَمْرُهُ ﵇ بِالتَّدَاوِي: نَهْيٌ عَنْ تَرْكِهِ، وَأَكْلُ الْمُضِرِّ: تَرْكٌ لِلتَّدَاوِي، فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ ذَكَاةُ الْجَنِينِ] ١٠١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ حَيَوَانٍ ذَكِيٍّ فَوُجِدَ فِي بَطْنِهِ جَنِينٌ مَيِّتٌ، وَقَدْ كَانَ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدُ فَهُوَ مَيِّتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، فَلَوْ أُدْرِكَ حَيًّا فَذُكِّيَ حَلَّ أَكْلُهُ، فَلَوْ كَانَ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدُ فَهُوَ حَلَالٌ إلَّا إنْ كَانَ بَعْدُ دَمًا لَا لَحْمَ فِيهِ، وَلَا مَعْنَى لِإِشْعَارِهِ وَلَا لِعَدَمِ إشْعَارِهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] . وَبِالْعِيَانِ نَدْرِي أَنَّ ذَكَاةَ الْأُمِّ لَيْسَتْ ذَكَاةً لِلْجَنِينِ الْحَيِّ، لِأَنَّهُ غَيْرُهَا وَقَدْ يَكُونُ ذَكَرًا وَهِيَ أُنْثَى، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَحْمًا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدُ فَهُوَ بَعْضُهَا وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ حَيًّا فَيَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ. وَقَدْ احْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِأَخْبَارٍ وَاهِيَةٍ -: مِنْهَا: مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَابْنُ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ وَعَطِيَّةُ هَالِكٌ.

стр. 2218

وَمِنْ طَرِيق إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ - إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ «كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ» ، مُجَالِدٌ ضَعِيفٌ، وَأَبُو الْوَدَّاكِ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» [حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ] مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اللَّيْثِ عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ؛ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ - وَهَذَا مِنْ هَذَا النَّمَطِ لَا يُدْرَى مِمَّنْ أَخَذَهُ عَنْ جَابِرٍ فَهُوَ عَنْ مَجْهُولٍ عَلَى مَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ. ثُمَّ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ شُعَيْبٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ بِشْرٍ، وَعَتَّابِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْقَدَّاحِ - وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حُذَيْفَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى قَالَ: ذُكِرَ لِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي «الْجَنِينِ إذَا أَشْعَرَ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» أَبُو حُذَيْفَةَ ضَعِيفٌ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَسْقَطُ مِنْهُ - ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَخِيهِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ إذَا أَشْعَرَ» ابْنُ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ، ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ. وَقَالُوا: هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي جَنِينِ النَّاقَةِ إذَا تَمَّ وَأَشْعَرَ: فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَيُنْحَرُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ إذَا أَشْعَرَ جَنِينُ النَّاقَةِ فَكُلْهُ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ - وَعَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى جَنِينِ نَاقَةٍ وَأَخَذَ بِذَنَبِهِ وَقَالَ: هَذَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ نَحْرُ جَنِينِ النَّاقَةِ نَحْرُ أُمِّهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَطَاوُسٍ، وَأَبِي ظَبْيَانَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ

стр. 2219

وَنَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي جَنِينِ الْمَذْبُوحَةِ؟ قَالَ: لَا تَكُونُ ذَكَاةُ نَفْسٍ عَنْ نَفْسَيْنِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ -: نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى غُنْدَرٌ نا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ نا أَبُو الْمَيْمُونِ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ الْبَجَلِيُّ نا أَبُو زُرْعَةَ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ عُمَرَ النَّصْرِيُّ - نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَيَّانَ قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ النَّاقَةُ تُذْبَحُ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ يَرْتَكِضُ فَيُشَقُّ بَطْنُهَا فَيَخْرُجُ جَنِينُهَا أَيُؤْكَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: إنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ: لَا يُؤْكَلُ، قَالَ: أَصَابَ الْأَوْزَاعِيُّ - فَهَذَا قَوْلٌ لِمَالِكٍ أَيْضًا. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهِ -: فَرُوِّينَا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. قَالَ: إذَا عَلِمَ أَنَّ مَوْتَ الْجَنِينِ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ أُكِلَ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ، قِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ ذَلِكَ؟ قَالَ: إذَا خَرَجَ لَمْ يَنْتَفِخْ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ مَوْتُهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَشْعَرَ وَتَمَّ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَنَافِعٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ إلَّا أَنْ يُذَكَّى - وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنْ خَرَجَ حَيًّا كُرِهَ أَكْلُهُ، وَلَيْسَ حَرَامًا. وَقَالَ آخَرُونَ: أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ هُوَ حَلَالٌ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَسُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَقُلْنَا بِهِ مُسَارِعِينَ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ الْقُرْآنِ لِقَوْلِ قَائِلٍ أَوْ قَائِلِينَ -: فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ يُشَنِّعُ، بِخِلَافِ الصَّاحِبِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ، وَخِلَافِ جُمْهُورِ

стр. 2220

الْعُلَمَاءِ، وَيَرَى ذَلِكَ خِلَافًا لِلْإِجْمَاعِ، هَذَا مَكَانٌ خَالَفَ فِيهِ الصَّحَابَةَ وَجُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْآثَارُ الَّتِي يَحْتَجُّ هُوَ بِأَسْقَطَ مِنْهَا - وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ. وَأَمَّا مَالِكٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ الْجَنِينَ إذَا خَرَجَ بَعْدَ ذَبْحِ أُمِّهِ حَيًّا، وَمَا نَعْلَمُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ. وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَكِيًّا بِذَكَاةِ أُمِّهِ أَنَّهُ إنْ عَاشَ وَكَبُرَ وَأَلْقَحَ وَنَتَجَ أَنَّهُ حَلَالٌ أَكْلُهُ مَتَى مَاتَ، لِأَنَّهُ ذُكِّيَ بَعْدُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ - وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا، فَكِلَاهُمَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، أَوْ مَا يَرَاهُ إجْمَاعًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ [وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ] . [مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ] ١٠١٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ وَلَا الشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ لَا لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ، فَإِنْ كَانَ مُضَبَّبًا بِالْفِضَّةِ جَازَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إنَاءَ فِضَّةٍ، فَإِنْ كَانَ مُضَبَّبًا بِالذَّهَبِ، أَوْ مُزَيَّنًا بِهِ حَرُمَ عَلَى الرِّجَالِ، لِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْمَالَ ذَهَبٍ - وَحَلَّ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ إنَاءُ ذَهَبٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ - هُوَ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ - عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» فَهَذَا عُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّ الذَّهَبَ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِهِ حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» . وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ أُتِيَ بفالوذج فِي إنَاءِ فِضَّةٍ فَأَخْرَجَهُ وَجَعَلَهُ عَلَى رَغِيفٍ وَأَكَلَهُ إلَّا أَنْ يَصِحَّ مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْعُذْرِيُّ قَاضِي سَرَقُسْطَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُطَّوِّعِيُّ نا الْحَاكِمُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ بِنَيْسَابُورَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيُّ بِمَكَّةَ، قَالَا جَمِيعًا: نا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَارِي نا زَكَرِيَّا بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» .

стр. 2221

فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ قُلْنَا بِهِ عَلَى نَصِّهِ، وَلَمْ يَحِلَّ الشُّرْبُ فِي إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفْنَا عَنْهُ لِأَنَّ زَكَرِيَّا بْنَ إبْرَاهِيمَ لَا نَعْرِفُهُ بِعَدْلٍ وَلَا جِرَاحَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ يَعْلَى بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: مَنْ شَرِبَ فِي قَدَحٍ مُفَضَّضٍ سَقَاهُ اللَّهُ جَمْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَشْرَبُ بِقَدَحٍ فِيهِ ضَبَّةُ فِضَّةٍ وَلَا حَلَقَةُ فِضَّةٍ -: وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِثْلُ هَذَا - وَعَنْ آخَرِينَ إبَاحَتُهُ [مَسْأَلَةٌ الْقِرَانُ فِي الْأَكْلِ] ١٠١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْقِرَانُ فِي الْأَكْلِ إلَّا بِإِذْنِ الْمُؤَاكَلِ، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ أَنْتَ شَيْئَيْنِ شَيْئَيْنِ وَيَأْخُذَ هُوَ وَاحِدًا وَاحِدًا كَتَمْرَتَيْنِ وَتَمْرَةٍ، أَوْ تِينَتَيْنِ وَتِينَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ كُلُّهُ لَك فَافْعَلْ فِيهِ مَا شِئْت. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا آدَم نا شُعْبَةُ نا «جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ - وَهُوَ يَمُرُّ بِهِمْ وَهُمْ يَأْكُلُونَ - لَا تُقَارِنُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْقِرَانِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ» قَالَ شُعْبَةُ: الْإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَعَمُّ مِمَّا رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، فَإِذَا أَذِنَ الْمُؤَاكِلُ فَهُوَ حَقُّهُ تَرَكَهُ. [مَسْأَلَةٌ أَكْلُ مَا عُجِنَ بِالْخَمْرِ] ١٠١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا عُجِنَ بِالْخَمْرِ، أَوْ بِمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ أَوْ شُرْبُهُ، وَلَا قِدْرٌ طُبِخَتْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا عُجِنَ بِهِ الدَّقِيقُ وَطُبِخَ بِهِ الطَّعَامُ شَيْئًا حَلَالًا وَكَانَ مَا رَمَى فِيهِ مِنْ الْحَرَامِ قَلِيلًا لَا رِيحَ لَهُ فِيهِ وَلَا طَعْمَ وَلَا لَوْنَ، وَلَا يَظْهَرُ لِلْحَرَامِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ أَصْلًا فَهُوَ حَلَالٌ حِينَئِذٍ، وَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى مَنْ رَمَى فِيهِ شَيْئًا مِنْهُ، لِأَنَّ الْحَرَام إذَا بَطَلَتْ صِفَاتُهُ الَّتِي بِهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ الِاسْمِ الَّذِي بِهِ نَصٌّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَقَدْ بَطَلَ ذَلِكَ الِاسْمُ عَنْهُ وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ الِاسْمُ سَقَطَ التَّحْرِيمُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَ مَا يُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ كَالْخَمْرِ، وَالدَّمِ، وَالْمَيْتَةِ، فَإِذَا اسْتَحَالَ الدَّمُ لَحْمًا، أَوْ الْخَمْرُ خَلًّا، أَوْ الْمَيْتَةُ بِالتَّغَذِّي أَجْزَأَ فِي الْحَيَوَانِ الْأَكْلُ لَهَا مِنْ

стр. 2222

الدَّجَاجِ، وَغَيْرِهِ فَقَدْ سَقَطَ التَّحْرِيمُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَمَنْ خَالَفَ هَذَا لَزِمَهُ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّبَنَ، لِأَنَّهُ دَمٌ اسْتَحَالَ لَبَنًا، وَأَنْ يُحَرِّمَ التَّمْرَ وَالزَّرْعَ الْمَسْقِيَّ بِالْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُبِيحَ الْعَذِرَةَ وَالْبَوْلَ، لِأَنَّهُمَا طَعَامٌ، وَمَاءٌ حَلَالَانِ اسْتَحَالَا إلَى اسْمٍ مَنْصُوصٍ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُسَمَّى بِهِ. وَأَمَّا تَحْرِيمُ مَا عُجِنَ أَوْ طُبِخَ بِهِ، فَلِظُهُورِ أَثَرِهِ فِي جَمِيعِ الشَّيْءِ الْمَعْجُونِ وَالْمَطْبُوخِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَثَرُ لِشَيْءٍ حَلَالٍ، وَكَانَ الْحَرَامُ لَا أَثَرَ لَهُ، فَقَدْ قُلْنَا الْآنَ مَا يَكْفِي -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ دَاوُد بْنِ عَمْرٍو عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: فِي الْمُرِّيِّ يُجْعَلُ فِيهِ الْخَمْرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، ذَبَحَتْهُ النَّارُ وَالْمِلْحُ. [مَسْأَلَةٌ أَكْلُ جُبْنٍ عُقِدَ بِإِنْفَحَة مَيْتَةٍ] ١٠١٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ جُبْنٍ عُقِدَ بِإِنْفَحَة مَيْتَةٍ لِأَنَّ أَثَرَهَا ظَاهِرٌ فِيهِ وَهُوَ عَقْدُهَا لَهُ لِمَا ذَكَرَ آنِفًا وَهَكَذَا كُلُّ مَا مُزِجَ بِحَرَامٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ] ١٠٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَرْقِهِ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَلَغْ فِيهِ فَهُوَ كُلُّهُ حَلَالٌ - وَقَدْ تَقَصَّيْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ مِنْ وَسَطِ الطَّعَامِ] ١٠٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ مِنْ وَسَطِ الطَّعَامِ وَلَا أَنْ تَأْكُلَ مِمَّا لَا يَلِيَك سَوَاءٌ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا أَوْ أَصْنَافًا شَتَّى، فَلَوْ أَنَّ الْمَرْءَ أَخَذَ شَيْئًا مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ ثُمَّ جَعَلَهُ أَمَامَ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ فَأَكَلَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: نا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: قَالَ لَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ نَوَاحِيهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» سَمَاعُ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ كَانَ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيِّ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «كُلْ مِمَّا يَلِيَكَ» .

стр. 2223

وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْعَطَّارُ نا عَبْدُ الْأَعْلَى نا مَعْمَرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ «عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: اُدْنُهُ يَا بُنَيَّ فَسَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيَكَ» فَلَمْ يَخُصَّ ﵇ صِنْفًا مِنْ أَصْنَافٍ. وَذَكَرَ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا الْعَلَاءُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سَوِيَّةَ الْمُنْقِرِيُّ نا أَبُو الْهُذَيْلِ حَدَّثَنِي «عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَوْا بِحَفْنَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ ثُمَّ أَتَيْنَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ رُطَبٍ أَوْ تَمْرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ طَعَامٍ وَاحِدٍ، قَالَ: وَجَالَتْ يَدُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الطَّبَقِ» فَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ طَعَامٌ لَا يَكُونُ أَصْنَافًا إلَّا فِي النُّدْرَةِ؛ فَالثَّرِيدُ فِيهِ لَحْمٌ وَخُبْزٌ، وَرُبَّمَا بَصَلٌ وَحِمَّصٌ وَالْمَرَقُ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ فِي اللَّحْمِ كَبِدٌ وَشَحْمٌ وَلَحْمٌ وَصُدْرَةٌ وَظَهْرٌ، وَهَكَذَا فِي أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ. فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ أَنَسٍ: «دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَجِيءَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَتُعْجِبُهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ إلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ» . وَفِيهِ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ بَعْضِ الثِّقَاتِ: «فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوْلِ الصَّحْفَةِ» فَإِنَّ هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ إنَّمَا هَذَا فِي الدُّبَّاءِ خَاصَّةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَنَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ: إنَّهُ خَاصٌّ بِالدُّبَّاءِ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَقُولَهُ، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُوَافِقٌ لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ مُبَاحًا قَبْلَ أَنْ يَقُولَ ﵇: «كُلْ مِمَّا يَلِيَكَ» فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِيَقِينٍ بِأَمْرِهِ ﵇ بِالْأَكْلِ مِمَّا يَلِي الْآكِلَ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ عَادَ مُبَاحًا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبُرْهَانٍ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَمَّا تَدَبَّرْنَاهُ وَجَدْنَاهُ لَيْسَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ لَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ

стр. 2224

- ﵇ أَخَذَ الدُّبَّاءَ مِمَّا لَا يَلِيهِ وَمَنْ ادَّعَى هَذَا فَقَدْ ادَّعَى الْبَاطِلَ وَقَالَ مَا لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ يَكُونُ الدُّبَّاءُ فِي نَوَاحِي الصَّحْفَةِ مِمَّا يَلِي النَّبِيَّ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ فَيَتَتَبَّعُهُ مِمَّا يَلِيهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْخَبَرَ عَلَى مَا سِوَاهُ. إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَظُنُّ الْمُخَالِفُ أَصْلًا -: فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِذَا أَخَذَ الْمَرْءُ الشَّيْءَ مِمَّا لَا يَلِيهِ ثُمَّ جَعَلَهُ أَمَامَهُ فَإِنَّمَا نَهَى عَنْ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا لَا يَلِيهِ، وَهَذَا لَمْ يَأْكُلْ مِمَّا لَا يَلِيهِ فَإِذَا صَارَ أَمَامَهُ فَلَهُ أَكْلُهُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَلِيهِ - وَقَدْ اجْتَرَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الضَّبَّ مِنْ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ - وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الضَّبِّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا مِمَّا يَلِيهِ] ١٠٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا مِمَّا يَلِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا فَإِنْ أَدَارَ الصَّحْفَةَ فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْهَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُدِيرَ الصَّحْفَةَ لِأَنَّ وَاضِعَهَا أَمْلَكُ بِوَضْعِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ إدَارَتَهَا إنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْأَكْلَ مِمَّا يَلِيهِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَتْ الْقَصْعَةُ وَالطَّعَامُ لَهُ فَلَهُ أَنْ يُدِيرَهَا كَمَا يَشَاءُ، وَأَنْ يَرْفَعَهَا إذَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ إلَّا مِمَّا يَلِيهِ، لِأَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ عُمُومٌ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . [مَسْأَلَةٌ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَرْضٌ عَلَى كُلِّ آكِلٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ أَكْلِهِ] ١٠٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَرْضٌ عَلَى كُلِّ آكِلٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ أَكْلِهِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ بِشِمَالِهِ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ فَيَأْكُلَ بِشِمَالِهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا بِالتَّسْمِيَةِ وَالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ. وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» وَهَذَا عُمُومٌ فِي النَّهْيِ عَنْ شِمَالِهِ وَشِمَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ عَجَزَ فَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَمَنْ تَحَكَّمَ فَجَعَلَ بَعْضَ الْأَوَامِرِ فَرْضًا وَبَعْضَهَا نَدْبًا فَقَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا لَا

стр. 2225

عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] . [مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ فِي آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ] ١٠٢٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ فِي آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى تُغْسَلَ بِالْمَاءِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا أَيْضًا لِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَنَّادُ بْنُ سَرِيٍّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: سَمِعْت رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيِّ يَقُولُ: نا أَبُو إدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت «أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ نَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ ﵇: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا. وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا» . نا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَسَرَّةَ نا النُّعْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُنْقِرِيُّ أَنَا حَمَّادٌ عَنْ قَتَادَةَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَطْبُخُ فِي قُدُورِهِمْ وَنَشْرَبُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ اُطْبُخُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا» . نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَبُو عِيسَى بْنِ أَبِي عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَيُّوبَ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُكْتُبْ لِي بِأَرْضٍ؟ قَالَ: كَيْفَ أَكْتُبُ لَكَ وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ؟ قَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَمْلِكَنَّ مَا تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ أَهْلُهَا أَهْلُ كِتَابٍ نَحْتَاجُ مِنْهَا إلَى قُدُورِهِمْ وَآنِيَتِهِمْ، فَقَالَ: لَا تَقْرَبُوهَا مَا وَجَدْتُمْ مِنْهَا بُدًّا، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ وَاطْبُخُوا وَاشْرَبُوا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَتَعَلَّقَ قَوْمٌ قَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ الثَّابِتَ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ

стр. 2226

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ فِيهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَمُسْلِمَ بْنَ مِشْكَمٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ. [مَسْأَلَةٌ أَكْلُ السَّيْكَرَانِ] ١٠٢٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ السَّيْكَرَانِ لِتَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَالسَّيْكَرَانُ مُسْكِرٌ - فَإِنْ مَوَّهَ قَوْمٌ بِاللَّبَنِ وَالزُّوَانِ فَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا لِأَنَّ اللَّبَنَ وَالزُّوَانَ مُخَدِّرَانِ مُبْطِلَانِ لِلْحَرَكَةِ لَا يُسْكِرَانِ، وَالسَّيْكَرَانُ وَالْخَمْرُ مُسْكِرَانِ لَا يُخَدِّرَانِ وَلَا يُبْطِلَانِ الْحَرَكَةَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَا حَرُمَ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ حَلَالٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ] ١٠٢٦ - مَسْأَلَةٌ - وَكُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ صَيْدٍ حَرَامٍ، أَوْ مَيْتَةٍ، أَوْ دَمٍ؛ أَوْ لَحْمِ سَبُعٍ أَوْ طَائِرٍ، أَوْ ذِي أَرْبَعٍ؛ أَوْ حَشَرَةٍ، أَوْ خَمْرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: فَهُوَ كُلُّهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَلَالٌ - حَاشَا لُحُومِ بَنِي آدَمَ - وَمَا يُقْتَلُ مَنْ تَنَاوَلَهُ -: فَلَا يَحِلُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ أَصْلًا لَا بِضَرُورَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا. فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَلَمْ يَجِدْ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ -: فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَشْبَعَ، وَيَتَزَوَّدَ حَتَّى يَجِدَ حَلَالًا؛ فَإِذَا وَجَدَهُ عَادَ الْحَلَالُ مِنْ ذَلِكَ حَرَامًا كَمَا كَانَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ. وَحَدُّ الضَّرُورَةِ أَنْ يَبْقَى يَوْمًا وَلَيْلَةً لَا يَجِدُ فِيهَا مَا يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ، فَإِنْ خَشِيَ الضَّعْفَ الْمُؤْذِيَ الَّذِي إنْ تَمَادَى أَدَّى إلَى الْمَوْتِ، أَوْ قَطَعَ بِهِ عَنْ طَرِيقِهِ وَشُغْلِهِ - حَلَّ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيمَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْمَوْتَ بِالْجُوعِ أَوْ الْعَطَشِ. وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ إنْ وَجَدَ مِنْهَا نَوْعَيْنِ، أَوْ أَنْوَاعًا فَيَأْكُلُ مَا شَاءَ مِنْهَا لِلتَّذْكِيَةِ فِيهَا. أَمَّا تَحْلِيلُ كُلِّ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]

стр. 2227

فَأَسْقَطَ تَعَالَى تَحْرِيمَ مَا فَصَّلَ تَحْرِيمَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُنَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَالَ مُسْلِمٍ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ» فَهُوَ إذَا وَجَدَ مَالَ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ فَقَدْ وَجَدَ مَالًا قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِطْعَامِهِ مِنْهُ، فَحَقُّهُ فِيهِ، فَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى الْمَيْتَةِ وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنْ مُنِعَ ذَلِكَ ظُلْمًا فَهُوَ مُضْطَرٌّ حِينَئِذٍ. وَخَصَّصَ قَوْمٌ الْخَمْرَ بِالْمَنْعِ - وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ بِلَا بُرْهَانٍ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيُّونَ بِأَنَّهَا لَا تُرْوَى - وَهَذَا خَطَأٌ مُدْرَكٌ بِالْعِيَانِ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُدْمِنِينَ عَلَيْهَا مِنْ الْكُفَّارِ وَالْخِلَاعِ لَا يَشْرَبُونَ الْمَاءَ أَصْلًا مَعَ شُرْبِهِمْ الْخَمْرَ. وَقَدْ اضْطَرَبُوا -: فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: الِاسْتِغَاثَةَ بِالْخَمْرِ لِمَنْ اخْتَنَقَ بِلُقْمَةٍ وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِغَاثَةِ إلَيْهَا فِي ضَرُورَةِ الِاخْتِنَاقِ أَوْ فِي ضَرُورَةِ الْعَطَشِ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ. فَصَحَّ أَنَّهُمْ آمِرُونَ لَهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَشْرَبْ الْخَمْرَ فَمَاتَ فَهُوَ قَاتِلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ لُحُومِ بَنِي آدَمَ فَلِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ الْأَمْرِ بِمُوَارَاتِهَا، فَلَا يَحِلُّ غَيْرُ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا يُقْتَلُ فَإِنَّمَا أُبِيحَتْ الْمُحَرَّمَاتُ خَوْفَ الْمَوْتِ أَوْ الضَّرَرِ فَاسْتِعْجَالُ الْمَوْتِ لَا يَحِلُّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَبِهَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا حَلَّتْ الْمُحَرَّمَاتُ خَوْفَ أَنْ يَكُونَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهَا قَاتِلَ نَفْسِهِ فَيَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ وَيَكُونُ قَاتِلَ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ. وَأَمَّا تَحْدِيدُنَا ذَلِكَ بِبَقَاءِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِلَا أَكْلٍ فَلِتَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ الْوِصَالَ يَوْمًا وَلَيْلَةً. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ خَافَ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ الضَّعْفَ فَلِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا فَضْلَ لِبَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَعْضٍ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] .

стр. 2228

فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ وَبَلَّغَهُ هُوَ ﵇ إلَيْنَا، وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فَالنَّبِيُّ ﵇ بَلَّغَ الْقُرْآنَ إلَيْنَا، وَلَوْلَاهُ مَا عَرَفْنَا مَا هُوَ الْقُرْآنُ. فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ كُلَّ حَرَامٍ، أَوْ كُلَّ مُفْتَرَضٍ، أَوْ كُلَّ حَلَالٍ فَهُوَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ اللَّهِ وَلَا فَرْقَ. وَلَيْسَ قَوْلُنَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الصَّيْدِ وَلَا لِلْمُحِلِّ فِي الْحَرَمِ مَا دَامَ يَجِدُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ نَاقِضًا لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، بَلْ هُوَ طَرْدٌ لَهَا؛ لِأَنَّ وَاجِدَ الْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ مَعَهَا، بَلْ هُوَ وَاجِدُ حَلَالٍ، فَلَيْسَ مُضْطَرًّا إلَى الصَّيْدِ إلَّا حَتَّى لَا يَجِدَ غَيْرَهُ فَيَحِلُّ لَهُ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا مَعْنَى لِلتَّذْكِيَةِ فَلِأَنَّ الذَّكَاةَ إخْرَاجٌ لِحُكْمِ الْحَيَوَانِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِكَوْنِهِ مَيْتَةً إلَى التَّحْلِيلِ بِكَوْنِهِ مُذَكًّى، وَكُلُّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْحَيَوَانِ فَهُوَ مَيْتَةٌ؛ فَالتَّذْكِيَةُ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْمَيْتَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَجِدْ مَأْكَلًا إلَّا الْخَنَازِيرَ] ١٠٢٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا لِمَنْ كَانَ فِي طَرِيقِ بَغْيٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُمْتَنِعًا مِنْ حَقٍّ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُلُ فَلْيَتُبْ مِمَّا هُوَ فِيهِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الْبَغْيِ وَلْيَأْكُلْ حِينَئِذٍ وَلْيَشْرَبْ مِمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ حَلَالًا لَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَاسِقٌ، آكِلُ حَرَامٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] فَإِنَّمَا أَبَاحَ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ بِالضَّرُورَةِ مَنْ لَمْ يَتَجَانَفْ لِإِثْمٍ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بَاغِيًا وَلَا عَادِيًا -: وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ نَعْلَمُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا الْمَالِكِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَانْتَظَرَ رِفَاقَهُمْ مِنْ الْمُحَارِبِينَ، وَحَاصَرَ قُرَاهُمْ وَمَدَنَهُمْ مِنْ الْبَاغِينَ لِسَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْتَبِيحُ أَمْوَالَهُمْ وَفُرُوجَ الْمُسْلِمَاتِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، فَلَمْ يَجِدْ مَأْكَلًا إلَّا الْخَنَازِيرَ وَالْمَيْتَاتِ -: أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ أَكْلُهُ، فَأَعَانُوهُ عَلَى أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَأَشَدِّ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مَوَّهُوا هَهُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .

стр. 2229

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ مَا يَكُونُ مِنْ الْإِبْهَامِ وَمَا أَمَرْنَاهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ بَلْ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ التَّوْبَةِ، فَلْيَنْوِهَا بِقَلْبِهِ، وَلْيُمْسِكْ عَنْ الْبَغْيِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْحَقِّ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يَأْكُلُ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ حَلَالًا لَهُ، وَمَا سَمِعْنَا بِقَوْلٍ أَقْبَحَ مِنْ قَوْلِهِمْ هَذَا أَنْ لَا يَأْمُرُوهُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْبَغْيِ، وَيُبِيحُوا لَهُ التَّقَوِّي عَلَى الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ -: رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ - قَالَ مُجَاهِدٌ: وَمَنْ يَخْرُجُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَاضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ، إنَّمَا تَحِلُّ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا فَلْيَأْكُلْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] قَالَ: إذَا خَرَجَ فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ أَكَلَ، وَإِنْ خَرَجَ إلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ فَلَا رُخْصَةَ لَهُ. وَمَوَّهُوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ سَابُورٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَى الْبَاغِي، وَالْعَادِي، إنَّمَا هُوَ فِي الْأَكْلِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ فِي تَخْصِيصِ الْقُرْآنِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إسْنَادٌ فَاسِدٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ سَابُورٍ ضَعِيفٌ، وَعَطِيَّةَ مَجْهُولٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُوَافِقًا لِقَوْلِنَا لَا لِقَوْلِهِمْ، لِأَنَّ الْبَاغِيَ فِي الْأَكْلِ، وَالْعَادِيَ فِيهِ: هُوَ مِنْ أَكْلِهِ فِيمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ، وَآكِلُهُ فِي الْبَغْيِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَاغٍ فِي الْأَكْلِ وَعَادٍ فِيهِ، وَهَكَذَا نَقُولُ. وَمَا قَالَ قَطُّ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُمْ: أَنَّ مَنْ خَرَجَ مُفْسِدًا فِي الْأَرْضِ فَاضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ فَلَهُ أَكْلُهَا مُصِرًّا عَلَى إفْسَادِهِ مُتَقَوِّيًا عَلَى ظُلْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. وَقَالَ قَائِلُونَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْمُضْطَرَّ مِنْ التَّحْرِيمِ، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ

стр. 2230

غَيْرُ دَاخِلٍ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِذْ هُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ فَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ جُمْلَةً. [مَسْأَلَةٌ السَّرَفُ حَرَامٌ] ١٠٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالسَّرَفُ حَرَامٌ، وَهُوَ النَّفَقَةُ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَلَوْ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ قَدْرِ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ - أَوْ التَّبْذِيرُ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ضَرُورَةً مِمَّا لَا يَبْقَى لِلْمُنْفِقِ بَعْدَهُ غِنًى - أَوْ إضَاعَةُ الْمَالِ وَإِنْ قَلَّ بِرَمْيِهِ عَبَثًا؛ فَمَا عَدَا هَذِهِ الْوُجُوهِ فَلَيْسَ سَرَفًا وَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ كَثُرَتْ النَّفَقَةُ فِيهِ. وَقَوْلُنَا هَذَا رُوِّينَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَا يُونُسُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : " أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» ". فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ نَفَقَةُ شَيْءٍ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَلَا الْمُبَاحِ، إلَّا مَا أَبْقَى غِنًى، إلَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَى قُوتِ نَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُ نَفْسِهِ وَلَا تَضْيِيعُ مَنْ مَعَهُ، ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الرَّزَّاقُ، وَأَمَّا مَا دُونَ هَذَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . فَمَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نَصٍّ فَقَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْبَاطِلَ. فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فَإِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْكُفَّارِ خَاصَّةً بِنَصِّ الْآيَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠] .

стр. 2231

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: التَّمْوِيهُ بِإِيرَادِ بَعْضِ آيَةٍ وَالسُّكُوتِ عَنْ أَوَّلِهِمَا أَوْ آخِرِهَا عَادَةُ سُوءٍ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ تَعَالَى خِزْيُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَكَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ مَا تَغَذَّى مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ أَكْلُهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ] ١٠٢٩ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا تَغَذَّى مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ أَكْلُهُ بِالْمُحَرَّمَاتِ فَهُوَ حَلَالٌ: كَالدَّجَاجِ الْمُطْلَقِ، وَالْبَطِّ، وَالنَّسْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَوْ أَنَّ جَدْيًا أُرْضِعَ لَبَنَ خِنْزِيرَةٍ لَكَانَ أَكْلُهُ حَلَالًا حَاشَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَلَّالَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فَلَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ مَا يَأْكُلُ إلَّا الْجَلَّالَةَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى تَحْلِيلُ الدَّجَاجِ وَإِنْ كَانَ يَأْكُلُ الْقَذِرَ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَكْلَهَا حَبَسَهَا ثَلَاثًا حَتَّى يَطِيبَ بَطْنُهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَبَسَهَا مِنْ أَجْلِ مَا فِي قَانِصَتِهَا مِمَّا أَكَلَتْ فَاَلَّذِي فِي الْقَانِصَةِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ جُمْلَةً، لِأَنَّهُ رَجِيعٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ اسْتِحَالَةِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي أُكِلَتْ فَلَا يَسْتَحِيلُ لَحْمُهَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ بَلْ قَدْ صَارَ مَا تَغَذَّتْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لَحْمًا مِنْ لَحْمِهَا، وَلَوْ حَرُمَ مِنْ ذَلِكَ لَحَرُمَ مِنْ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ مَا يَنْبُتُ عَلَى الزِّبْلِ - وَهَذَا خَطَأٌ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَرَامَ إذَا اسْتَحَالَتْ صِفَاتُهُ وَاسْمُهُ بَطَلَ حُكْمُهُ الَّذِي عُلِّقَ عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ الْقِرْد] ١٠٣٠ - مَسْأَلَةٌ: وَالْقِرْدُ حَرَامٌ أَكْلُهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَخَ نَاسًا عُصَاةً عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى صُورَةِ الْخِنْزِيرِ، وَالْقِرَدَةِ. وَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَمْسَخُ عُقُوبَةً فِي صُورَةِ الطَّيِّبَاتِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا وَإِذْ لَيْسَ هُوَ مِنْهَا فَهُوَ مِنْ الْخَبَائِثِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا طَيِّبٌ أَوْ خَبِيثٌ، فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ طَيِّبًا فَهُوَ مِنْ الْخَبَائِثِ خَبِيثٌ فَإِذًا الْقِرْدُ خَبِيثٌ، وَالْخِنْزِيرُ

стр. 2232

خَبِيثٌ، فَهُمَا مُحَرَّمَانِ - وَهَذَا مِنْ الْبَرَاهِينِ أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ جُمْلَةً وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ - وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي الْمُسُوخِ فِي غَيْرِ الْقِرْدِ وَالْخِنْزِيرِ: فَبَاطِلٌ وَكَذِبٌ مَوْضُوعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَكْلُ الطِّينِ لِمَنْ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ] ١٠٣١ - مَسْأَلَةٌ: وَأَكْلُ الطِّينِ لِمَنْ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ حَلَالٌ، وَأَمَّا أَكْلُ مَا يَسْتَضِرُّ بِهِ مِنْ طِينٍ أَوْ إكْثَارٍ مِنْ الْمَاءِ أَوْ الْخُبْزِ -: فَحَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا فَصَّلَ تَحْرِيمَهُ لَنَا فَهُوَ حَلَالٌ، وَأَمَّا كُلُّ مَا أَضَرَّ فَهُوَ حَرَامٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، وَهُشَيْمٍ، وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ، كُلُّهُمْ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ، فَمَنْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يُحْسِنْ، وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ فَقَدْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَقَدْ رُوِيَ فِي تَحْرِيمِ الطِّينِ آثَارٌ كَاذِبَةٌ -: مِنْهَا: مِنْ طَرِيقِ سُوَيْد بْنِ سَعِيدٍ الْحَدَثَانِيِّ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ، وَمُرْسَلَاتٌ - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . قَالَ: وَالطِّينُ لَيْسَ مِمَّا أَخْرَجَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِنْ التَّمْوِيهِ الَّذِي جَرَوْا عَلَى عَادَتِهِمْ فِيهِ فِي إيهَامِهِمْ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ، وَإِنَّمَا يَأْتُونَ بِمَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ حَقٌّ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهَا تَحْرِيمُ أَكْلِ مَا لَمْ يُخْرِجْ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا فِيهَا إبَاحَةُ مَا أَخْرَجَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ مَا عَدَا ذَلِكَ لَا بِتَحْلِيلٍ وَلَا بِتَحْرِيمٍ؛ فَحُكْمُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْأَرْضِ مَطْلُوبٌ مِنْ غَيْرِهَا. وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَانِعَةً مِنْ أَكْلِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْأَرْضِ لَحَرُمَ أَكْلُ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ بَرِّيِّهِ وَبَحْرِيِّهِ، وَلَحَرُمَ أَكْلُ الْعَسَلِ، والطرنجبين، وَالْبَرَدِ، وَالثَّلْجِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا مِنْ الْأَرْضِ؛ فَالطِّينُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ فَكَيْفَ وَهُوَ مِمَّا فِي الْأَرْضِ وَمِمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَرْضِ؟ لِأَنَّهُ مَعَادِنُ فِي الْأَرْضِ مُسْتَخْرَجَةً مِنْ الْأَرْضِ، وَلَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ لَهُ دِينٌ أَنْ لَا يَحْتَجَّ بِمِثْلِ هَذَا مِمَّا يَفْتَضِحُ فِيهِ مِنْ قُرْبٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2233

وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْفِطَرِ وَالْكَمْأَةِ، وَلَحْمِ التَّيْسِ الْهَرِمِ أَضَرُّ مِنْ قَلِيلِ الطِّينِ، وَأَتَى بَعْضُهُمْ بِطَرِيفَةٍ فَقَالَ: خُلِقْنَا مِنْ التُّرَابِ فَمَنْ أَكَلَ التُّرَابَ فَقَدْ أَكَلَ مَا خُلِقَ مِنْهُ. فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَعَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ السَّخِيفِ يَحْرُمُ شُرْبُ الْمَاءِ لِأَنَّنَا مِنْ الْمَاءِ خُلِقْنَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ. [مَسْأَلَةٌ أَكْل لَحْمِ الضَّبِّ] ١٠٣٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالضَّبُّ حَلَالٌ، وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْلَهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَرِهَ الضَّبَّ. وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ: لَا تَطْعَمُوهُ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَحَادِيثَ -: مِنْهَا صَحِيحٌ: كَاَلَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ فَوَجَدْنَا ضِبَابًا فَبَيْنَمَا الْقُدُورُ تَغْلِي بِالضِّبَابِ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فُقِدَتْ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ هِيَ فَأَكْفِئُوهَا، فَأَلْقَيْنَا بِهَا» . هَذَا لَفْظُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَلَفْظُ يَحْيَى نَحْوُهُ. وَمِنْهَا غَيْرُ صَحِيحٍ: مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ زُرْعَةَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ» . وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ فِيهَا التَّوَقُّفُ فِيهِ -: كَاَلَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُد عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ؟ فَقَالَ ﵇. إنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ مُسِخَتْ - فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ» وَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا بِمَعْنَاهُ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 2234

وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ ثَابِتِ ابْنِ وَدِيعَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الضَّبِّ: لَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ.» وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِضَبٍّ فَلَمْ يَأْكُلْهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُطْعِمُهُ الْمَسَاكِينَ؟ قَالَ: لَا تُطْعِمُوهُمْ مَا لَمْ تَأْكُلُوا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا؛ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ فَفِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجْهُولُونَ - فَسَقَطَ - وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ فَهُوَ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ بِالضَّبَابِ خَوْفَ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَقَايَا مَسْخِ الْأُمَّةِ السَّالِفَةِ، هَذَا نَصُّ الْحَدِيثِ، فَإِنْ وَجَدْنَا عَنْهُ ﵇ مَا يُؤَمِّنُ مِنْ هَذَا الظَّنِّ بِيَقِينٍ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْكَرَاهَةُ أَوْ الْمَنْعُ فِي الضَّبِّ، فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ -: فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَاللَّفْظُ لَهُ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ، وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ الْقِرَدَةَ ذُكِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﵇: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا وَقَدْ كَانَتْ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ قَبْلَ ذَلِكَ» .

стр. 2235

فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ تِلْكَ الْمَخَافَةَ مِنْهُ ﵇ فِي الضِّبَابِ أَنْ تَكُونَ مِمَّا مُسِخَ قَدْ ارْتَفَعَتْ، وَصَحَّ أَنَّ الضِّبَابَ لَيْسَتْ مِمَّا مُسِخَ، وَلَا مِمَّا مُسِخَ شَيْءٌ فِي صُوَرِهَا -: فَحَلَّتْ. ثُمَّ وَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ: فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ» . فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ عَلَى تَحْلِيلِهِ، وَهَذَا هُوَ الْآخَرُ النَّاسِخُ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بِلَا شَكٍّ لَمْ يَجْتَمِعْ قَطُّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ، وَلَمْ يَغْزُ ﵇ بَعْدَهَا إلَّا تَبُوكَ، وَلَمْ تُصِبْهُمْ فِي تَبُوكَ مَجَاعَةٌ أَصْلًا. وَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ خَبَرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ كَانَ قَبْلَ هَذَا الْخَبَرِ بِلَا مِرْيَةٍ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً وَصَحَّتْ إبَاحَتُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ -: وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ الْأَرْنَبُ] ١٠٣٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالْأَرْنَبُ حَلَالٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَهَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا؛ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ أَوْ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْأَرْنَبَ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبَاهُ كَرِهَا الْأَرْنَبَ - وَأَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ كَرِهَ الْأَرْنَبَ. وَاحْتَجَّ مَنْ كَرِهَهَا بِخَبَرٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا أَبُو مَكِينٍ عَنْ عِكْرِمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَرْنَبٍ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهَا تَحِيضُ فَكَرِهَهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: «سَأَلَ جَرِيرُ بْنُ أَنَسٍ الْأَسْلَمِيُّ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْأَرْنَبِ؟ فَقَالَ: لَا آكُلُهَا أُنْبِئْتُ أَنَّهَا تَحِيضُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ - هَالِكٌ - وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ مُرْسَلٌ، وَقَدْ صَحَّ

стр. 2236

مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ صَادَ أَرْنَبًا فَأَتَى بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا وَبَعَثَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِوَرِكِهَا وَفَخْذَيْهَا فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَبِلَهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَرْنَبٍ مَشْوِيَّةٍ فَلَمْ يَأْكُلْ ﵇ مِنْهَا وَأَمَرَ ﵇ الْقَوْمَ فَأَكَلُوا» فَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ فِي تَحْلِيلِهَا وَقَدْ يَكْرَهُهَا ﵇ خِلْقَةً، لَا لِإِثْمٍ فِيهَا، وَنَحْنُ لَعَمْرُ اللَّهِ نَكْرَهُهَا جُمْلَةً وَلَا نَقْدِرُ عَلَى أَكْلِهَا أَصْلًا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّحْرِيمِ فِي شَيْءٍ؟ [مَسْأَلَةٌ الْخَلُّ الْمُسْتَحِيلُ عَنْ الْخَمْرِ] ١٠٣٤ - مَسْأَلَةٌ: وَالْخَلُّ الْمُسْتَحِيلُ عَنْ الْخَمْرِ حَلَالٌ تَعَمَّدَ تَخْلِيلَهَا أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ إلَّا أَنَّ الْمُمْسِكَ لِلْخَمْرِ لَا يُرِيقُهَا حَتَّى يُخَلِّلَهَا أَوْ تَتَخَلَّلَ مِنْ ذَاتِهَا -: عَاصٍ لِلَّهِ مُجَرَّحُ الشَّهَادَةِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الْخَمْرَ مُفَصَّلٌ تَحْرِيمُهَا، وَالْخَلُّ حَلَالٌ لَمْ يُحَرَّمْ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّارِمِيُّ أَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» فَإِذًا الْخَلُّ حَلَالٌ، فَهُوَ بِيَقِينٍ غَيْرُ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمَةِ، وَإِذَا سَقَطَتْ عَنْ الْعَصِيرِ الْحَلَالِ صِفَاتُ الْعَصِيرِ وَحَلَّتْ فِيهِ صِفَاتُ الْخَمْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ الْعَيْنُ عَصِيرًا حَلَالًا، بَلْ هِيَ خَمْرٌ مُحَرَّمَةٌ، وَإِذَا سَقَطَتْ عَنْ تِلْكَ الْعَيْنِ صِفَاتُ الْخَمْرِ الْمُحَرَّمَةِ وَحَلَّتْ فِيهَا صِفَاتُ الْخَلِّ الْحَلَالِ، فَلَيْسَتْ خَمْرًا مُحَرَّمَةً، بَلْ هِيَ خَلٌّ حَلَالٌ. وَهَكَذَا كُلُّ مَا فِي الْعَالَمِ إنَّمَا الْأَحْكَامُ عَلَى الْأَسْمَاءِ فَإِذَا بَطَلَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ بَطَلَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ الْمَنْصُوصَةُ عَلَيْهَا وَحَدَثَتْ لَهَا أَحْكَامُ الْأَسْمَاءِ الَّتِي انْتَقَلَتْ إلَيْهَا فَلِلصَّغِيرِ حُكْمُهُ، وَلِلْبَالِغِ حُكْمُهُ، وَلِلْمَيِّتِ حُكْمُهُ، وَلِلدَّمِ حُكْمُهُ، وَلِلْغِذَاءِ الَّذِي اسْتَحَالَ مِنْهُ حُكْمُهُ، وَلِلَّبَنِ، وَاللَّحْمِ الْمُسْتَحِيلَيْنِ عَنْ الدَّمِ حُكْمُهُمَا؛ وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ. وَلَا مَعْنَى لِتَعَمُّدِ تَخْلِيلِهَا، أَوْ لِتَخْلِيلِهَا مِنْ ذَاتِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ إمْسَاكُ الْخَمْرِ فَقَطْ.

стр. 2237

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَخْلِيلِهَا أَوْ تَرْكِ تَخْلِيلِهَا، بَلْ الْمُرِيدُ لِبَقَائِهَا خَمْرًا أَعْظَمُ إثْمًا وَأَكْثَرُ جُرْمًا مِنْ الْمُتَعَمِّدِ لِإِفْسَادِهَا وَالْقَاصِدِ لِتَغْيِيرِهَا - وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: إذَا تَخَلَّلَتْ حَلَّتْ، وَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَحِلَّ - وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ وَرُوِّينَا عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيِّينَ: أَنَّ كُلَّ خَلٍّ تَوَلَّدَ مِنْ خَمْرٍ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَهُوَ حَرَامٌ - وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا عِصْيَانُ مُمْسِكِ الْخَمْرِ -: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ قَالَ: نا زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - نا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو - عَنْ زَيْدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ - عَنْ يَحْيَى النَّخَعِيِّ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيذِ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ جُعِلَ مِنْ اللَّيْلِ فَأَصْبَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ يَوْمَهُ وَاللَّيْلَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ وَمِنْ الْغَدِ حَتَّى أَمْسَى فَشَرِبَ وَسَقَى فَلَمَّا أَصْبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ فَأُهْرِقَ» . فَلَا يَحِلُّ إمْسَاكُ الْخَمْرِ أَصْلًا. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلَى خَلٍّ لَا يَأْثَمُ مُعَانِيهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، بِأَنْ يَكُونَ الْعِنَبُ كَمَا هُوَ يُلْقَى فِي الظَّرْفِ صَحِيحًا فَإِذَا كَانَ فِي اسْتِقْبَالِ الصَّيْفِ الَّذِي يَأْتِي عُصِرَ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَصِرُ إلَّا الْخَلُّ الصِّرْفُ. وَلَا يُسَمَّى خَمْرًا مَا لَمْ يَبْرُزْ مِنْ الْعِنَبِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ عَصَرَ الْعِنَبَ، أَوْ نَبَذَ الزَّبِيبَ أَوْ التَّمْرَ ثُمَّ صَبَّ عَلَى الْعَصِيرِ الْحُلْوِ أَوْ النَّبِيذِ الْحُلْوِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِهِمَا الْغَلَيَانُ مِثْلَ كِلَيْهِمَا خَلًّا حَاذِقًا، فَإِنَّهُ يَتَخَلَّلُ، وَلَا يَصِيرُ خَمْرًا أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ السَّمْنُ الذَّائِبُ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ] ١٠٣٥ - مَسْأَلَةٌ: وَالسَّمْنُ الذَّائِبُ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ مَاتَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَمُتْ -: فَهُوَ حَرَامٌ، لَا يَحِلُّ إمْسَاكُهُ أَصْلًا، بَلْ يُهْرَاقُ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا أُخِذَ مَا حَوْلَ الْفَأْرِ فَرُمِيَ، وَكَانَ الْبَاقِي حَلَالًا كَمَا كَانَ. وَأَمَّا كُلُّ مَا عَدَا السَّمْنِ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ أَوْ غَيْرُ الْفَأْرِ فَيَمُوتُ أَوْ لَا يَمُوتُ فَهُوَ كُلُّهُ حَلَالٌ كَمَا كَانَ، مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ الْحَرَامُ فَهُوَ حَرَامٌ.

стр. 2238

وَكَذَلِكَ السَّمْنُ يَقَعُ فِيهِ غَيْرُ الْفَأْرِ فَيَمُوتُ أَوْ لَا يَمُوتُ فَهُوَ حَلَالٌ كُلُّهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَغْيِيرُ الْحَرَامِ لَهُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْقِصَّةَ كُلَّهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهَا وَعُمْدَتُهُ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا جَاءَ فِي السَّمْنِ الذَّائِبِ فِيهِ الْفَأْرُ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى مَا عَدَاهُ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حُكْم مَا سَقَطَ مِنْ الطَّعَامِ] ١٠٣٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَا سَقَطَ مِنْ الطَّعَامِ فَفَرْضٌ أَكْلُهُ، وَلَعْقُ الْأَصَابِعِ بَعْدَ تَمَامِ الْأَكْلِ فَرْضٌ. وَلَعْقُ الصَّحْفَةِ إذَا تَمَّ مَا فِيهَا فَرْضٌ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا ثَابِتٌ - هُوَ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ» . [مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا] ١٠٣٧ - مَسْأَلَةٌ: وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا وَلَا نَكْرَهُهُ مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرَامًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا لَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَهُ فَهُوَ حَلَالٌ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو نُعَيْمٍ نا مِسْعَرٌ - هُوَ ابْنُ كِدَامٍ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ قَالَ: سَمِعْت أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنِّي لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» فَلَيْسَ هَذَا نَهْيًا أَصْلًا لَكِنَّهُ آثَرَ الْأَفْضَلَ فَقَطْ. فَإِنْ ذَكَرُوا: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ مُنْبَطِحًا عَلَى بَطْنِهِ» .

стр. 2239

قُلْنَا: هَذَا خَبَرٌ لَمْ يَسْمَعْهُ جَعْفَرٌ مِنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَبُو دَاوُد: نا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ نا أَبِي نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ نَفْسُهُ، فَسَقَطَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ] ١٠٣٨ - مَسْأَلَةٌ: وَغَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ حَسَنٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نا زُهَيْرٌ - هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا نَدْبٌ لَا أَمْرٌ، وَالْجُرَذُ رُبَّمَا عَضَّ أَصَابِعَ الْمَرْءِ إذَا شَمَّ فِيهَا رَائِحَةَ الطَّعَامِ وَلَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: هُوَ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا وَإِنَّ أَكْلَ الْخُبْزِ لَمِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَهُ أَوْ كَرَاهِيَتَهُ لَنَا لَبَيَّنَهُ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ صَحَّ الْخَبَرُ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قُرِّبَ إلَيْهِ الطَّعَامُ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: لَمْ أُصَلِّ فَأَتَوَضَّأُ» فَلَيْسَ فِي هَذَا ذِكْرٌ لِغَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا فِيهِ الْوُضُوءُ وَهُوَ كَمَا قَالَ ﵇: «لَا وُضُوءَ وَاجِبًا إلَّا لِلصَّلَاةِ» . [مَسْأَلَةٌ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ] ١٠٣٩ - مَسْأَلَةٌ: وَحَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ حَسَنٌ وَلَوْ بَعْدَ كُلِّ لُقْمَةٍ لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ وَبِرٍّ، وَفِي كُلِّ حَالٍ. [مَسْأَلَةٌ قَطْعُ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ لِلْأَكْلِ] ١٠٤٠ - مَسْأَلَةٌ: وَقَطْعُ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ لِلْأَكْلِ حَسَنٌ، وَلَا نَكْرَهُ قَطْعَ الْخُبْزِ بِالسِّكِّينِ لِلْأَكْلِ أَيْضًا - وَتُسْتَحَبُّ الْمَضْمَضَةُ مِنْ الطَّعَامِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ سَمِعْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ النُّعْمَانِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ سَوِيقًا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ» . وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 2240

«إنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا ثُمَّ تَمَضْمَضَ بِالْمَاءِ وَقَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا» . وَصَحَّ «أَنَّهُ ﵇ شَرِبَ لَبَنًا وَلَمْ يَتَمَضْمَضْ» فَلَمْ يَأْتِ بِهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ فَهِيَ فِعْلٌ حَسَنٌ وَمُبَاحٌ -: وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ [قَالَ] أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: " أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.» وَلَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ قَطْعِ الْخُبْزِ وَغَيْرِهِ بِالسِّكِّينِ فَهُوَ مُبَاحٌ. وَجَاءَ خَبَرٌ فِيهِ: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ، فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ» ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ لِلْمَدِينِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ الْأَكْلُ فِي إنَاءٍ مُفَضَّضٍ بِالْجَوْهَرِ وَالْيَاقُوتِ] ١٠٤١ - مَسْأَلَةٌ: وَالْأَكْلُ فِي إنَاءٍ مُفَضَّضٍ بِالْجَوْهَرِ، وَالْيَاقُوتِ، وَفِي الْبَلُّورِ، وَالْجَزِعِ مُبَاحٌ - وَلَيْسَ مِنْ السَّرَفِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَفَصَّلَ تَحْرِيمَهُ، وَمَا لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى آنِيَةَ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فَهِيَ حَرَامٌ - وَأَمْسَكَ عَمَّا عَدَا ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ حَلَالٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْهَيْثَمِ نا مُحَمَّدُ بْنُ شَرِيكٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: أَحَلَّ اللَّهُ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا سَرَفٌ أَوْ ادَّعَى ذَلِكَ فِي الْمَأْكَلِ كُلِّفَ أَنْ يَأْتِيَ بِحَدِّ مَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ، فَصَحَّ [يَقِينًا] أَنَّ قَوْلَهُ بَاطِلٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ] ١٠٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالثُّومُ، وَالْبَصَلُ، وَالْكُرَّاثُ حَلَالٌ إلَّا أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا شَيْئًا

стр. 2241

فَحَرَامٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَذْهَبَ الرَّائِحَةُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ وَلَهُ الْجُلُوسُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَالْجَمَاعَاتِ وَالْأَعْرَاسِ وَحَيْثُ شَاءَ إلَّا الْمَسَاجِدَ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَأْتِ إلَّا فِيهَا. [مَسْأَلَةٌ أَكْلُ الْجَرَادِ] ١٠٤٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالْجَرَادُ حَلَالٌ إذَا أُخِذَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا سَوَاءٌ بَعْدَ ذَلِكَ مَاتَ فِي الظُّرُوفِ أَوْ لَمْ يَمُتْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ [قَالَ] سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَوْ سِتًّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ لَا بَأْسَ بِالْجَرَادِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ الْجَرَادُ ذَكَاةٌ كُلُّهُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْجَرَادِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ - وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَسْتَثْنُوا فِيهِ حَالًا مِنْ حَالٍ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَحِلُّ وَإِنْ أُخِذَ حَيًّا إلَّا حَتَّى يُقْتَلَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَمْكُنُ فِيهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إنْ وُجِدَ مَيِّتًا فَإِنْ أُخِذَ حَيًّا حَلَّ كَيْفَ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سَلْمَانَ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ فِي الْجَرَادِ: مَا أُخِذَ وَهُوَ حَيٌّ ثُمَّ مَاتَ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ أَخْذُ الْجَرَادِ ذَكَاتُهُ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . فَمَا وُجِدَ مَيِّتًا فَهُوَ حَرَامٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] . وَصَحَّ أَكْلُ الْجَرَادِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَحَّ بِالْحِسِّ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُمْكِنُ فِيهِ فَسَقَطَتْ، فَصَحَّ أَنَّ أَخْذَهُ ذَكَاتُهُ لِأَنَّهُ صَيْدٌ نَالَتْهُ أَيْدِينَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إبَاحَةُ مَا نَالَتْهُ أَيْدِينَا حَيًّا دُونَ مَا نَالَتْهُ مَيِّتًا، وَصَحَّ فِي كُلِّ مَقْدُورٍ عَلَى تَذْكِيَتِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّكَاةِ وَالذَّكَاةُ الشَّقُّ وَهِيَ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا فِي الْجَرَادِ فَارْتَفَعَ حُكْمُهَا عَنْهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَقَدْ صَحَّ تَحْلِيلُهُ بِالنَّصِّ فَهُوَ حَلَالٌ كَيْفَمَا وُجِدَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2242

[مَسْأَلَةٌ ذَمُّ مَا قُدِّمَ إلَى الْمَرْءِ مِنْ الطَّعَامِ] مَسْأَلَةٌ: وَإِكْثَارُ الْمَرَقِ حَسَنٌ، وَتَعَاهُدُ الْجِيرَانِ مِنْهُ وَلَوْ مَرَّةً فَرْضٌ؛ وَذَمُّ مَا قُدِّمَ إلَى الْمَرْءِ مِنْ الطَّعَامِ مَكْرُوهٌ، لَكِنْ إنْ اشْتَهَاهُ فَلْيَأْكُلْهُ وَإِنْ كَرِهَهُ فَلْيَدَعْهُ وَلْيَسْكُتْ. وَالْأَكْلُ مُعْتَمِدًا عَلَى يُسْرَاهُ مُبَاحٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا طَبَخْتُمْ اللَّحْمَ فَأَكْثِرُوا الْمَرَقَ وَأَطْعِمُوا الْجِيرَانَ» . وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا فَلْيُنَاوِلْهُ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ» يَعْنِي صَانِعَهُ، فَصَحَّ أَنَّ التَّعْلِيلَ مِنْ الْمَرَقِ مُبَاحٌ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ - هُوَ الْأَشْجَعِيُّ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» . وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَسَارِ شَيْءٌ - وَرُوِيَ فِيهِ أَثَرٌ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ «زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عِنْدَ الْأَكْلِ» وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2243

[كِتَابُ التَّذْكِيَةِ] [ مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ] ِ ١٠٤٥ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ - طَائِرُهُ وَدَارِجُهُ - إلَّا بِذَكَاةٍ كَمَا قَدَّمْنَا حَاشَا الْجَرَادِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَمْرَهُ وَالتَّذْكِيَةُ قِسْمَانِ، قِسْمٌ فِي مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ، وَقِسْمٌ فِي غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ مِنْهُ؛ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ؛ فَتَذْكِيَةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ الْمُتَمَكِّنِ مِنْهُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا شَقٌّ فِي الْحَلْقِ وَقَطْعٌ يَكُونُ الْمَوْتُ فِي أَثَرِهِ. وَإِمَّا نَحْرٌ فِي الصَّدْرِ يَكُونُ الْمَوْتُ فِي أَثَرِهِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ الشَّارِدِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الصَّيْدِ، وَهَذَا حُكْمٌ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَالذَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ الشَّقُّ وَهُوَ أَيْضًا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَى جُمْلَتِهِ إلَّا أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي تَقْسِيمِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ إكْمَالُ الذَّبْحِ] ١٠٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَإِكْمَالُ الذَّبْحِ هُوَ أَنْ يُقْطَعَ الْوَدَجَانِ وَالْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. ١٠٤٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ قَطَعَ الْبَعْضَ مِنْ هَذِهِ الْآرَابِ الْمَذْكُورَةِ فَأَسْرَعَ الْمَوْتُ كَمَا يُسْرِعُ مِنْ قَطْعِ جَمِيعهَا فَأَكْلُهَا حَلَالٌ فَإِنْ لَمْ يُسْرِعْ الْمَوْتُ فَلْيُعِدْ الْقَطْعَ وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَكْلُهُ حَلَالٌ، وَسَوَاءٌ ذَبَحَ مِنْ الْحَلْقِ فِي أَعْلَاهُ أَوْ أَسْفَلِهِ رُمِيَتْ الْعُقْدَةُ إلَى فَوْقَ أَوْ إلَى أَسْفَلَ أَوْ قُطِعَ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْقَفَا - أُبِينَ الرَّأْسُ أَوْ لَمْ يُبَنْ - كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ أَكْلُهُ. وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَا قُطِعَ مِنْ الْقَفَا لَمْ يَحِلُّ أَكْلُهُ.

стр. 2244

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، وَلَا نُبَالِي بِتَرْكِ قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا نَعْرِفُ الْمَرِيءَ؛ لَكِنْ إنْ لَمْ يَقْطَعْ الْوَدَجَيْنِ جَمِيعًا وَالْحُلْقُومَ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، وَإِنْ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ تَمَامِ قَطْعِهَا كُلِّهَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. وَإِنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. فَإِنْ ذَبَحَ مِنْ الْحَلْقِ فَأَبَانَ الرَّأْسَ غَيْرَ عَامِدٍ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ: إنْ أَلْقَى الْعُقْدَةَ إلَى أَسْفَلَ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - هِيَ أَرْبَعَةُ آرَابٍ، الْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ، وَالْوَدَجَانِ، فَإِنْ قَطَعَ مِنْهَا ثَلَاثَةً وَتَرَكَ الرَّابِعَ لَا نُبَالِي أَيَّ الْأَرْبَعَةِ تَرَكَ الْحُلْقُومَ، أَوْ الْمَرِيءَ أَوْ أَحَدَ الْوَدَجَيْنِ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ، وَإِنْ قَطَعَ اثْنَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَقَطْ لَا نُبَالِي أَيُّهُمَا قَطَعَ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. فَإِنْ قَطَعَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ حَلَّ أَكْلُهُ، فَإِنْ قَطَعَ أَقَلَّ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَالنِّصْفَ مِنْ الْوَدَجَيْنِ حَلَّ أَكْلُهُ. فَإِنْ قَطَعَ أَقَلَّ مِمَّا ذَكَرْنَا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إنْ قَطَعَ الْوَدَجَيْنِ فَقَطْ حَلَّ أَكْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَلَا الْمَرِيءَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ: إنْ قَطَعَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَلْقِ حَلَّ أَكْلُهُ وَإِلَّا فَلَا - وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ أَكْلُ مَا ذُبِحَ مِنْ الْقَفَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي تَرْكِ الْوَدَجَيْنِ بِأَنَّهُمَا عِرْقَانِ قَدْ يَعِيشُ مَنْ قُطِعَا لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَسْنَا نَحْتَاجُ إلَى مُنَاظَرَةٍ فَهَلْ يَعِيشُ أَمْ لَا يَعِيشُ؟ لَكِنْ إنَّمَا نُكَلِّمُهُ فِي مَنْعِهِ أَكُلُّ مَا لَمْ يُقْطَعْ مَرِيئُهُ فَقَطْ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى نَصٍّ، وَلَا عَلَى قِيَاسٍ أَصْلًا، وَلَا عَلَى قَوْلِ صَاحِبٍ.

стр. 2245

وَبِالْمُشَاهَدَةِ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ مَنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ الْمَرِيءَ، كَمَا يَمُوتُ مَنْ قَطَعَ الْمَرِيءَ وَالْوَدَجَيْنِ وَلَا فَرْقَ فِي سُرْعَةِ الْمَوْتِ؛ فَتَعَرَّى هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الدَّلِيلِ، فَسَقَطَ؛ إذْ كُلُّ قَوْلٍ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؟ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ رَاعَى الْأَكْثَرَ فِي الْقَطْعِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ أَصْلًا لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ. فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَاهُ عَلَى نُقْصَانِ أُذُنِ الذَّبِيحَةِ وَذَنَبِهَا؟ قُلْنَا: قِسْتُمْ الْخَطَأَ عَلَى الْخَطَأِ؛ وَمَا لَا يَصِحُّ عَلَى مَا لَا يَصِحُّ، وَلَا تَخْلُو هَذِهِ الْآرَابُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهَا كُلَّهَا فَرْضًا، وَلَا يَكُونُ قَطْعُهَا كُلُّهَا فَرْضًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَطْعُهَا كُلُّهَا فَرْضًا فَعَلَيْهِ الْبُرْهَانُ فِي إيجَابِ قَطْعِ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَطْعُهَا كُلُّهَا قَدْ وَجَبَ فَرْضًا فَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ بَعْضُهُ. وَيَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ مِنْ الظُّهْرِ أَنَّهُ يُجْزِيهِ مِنْ الظُّهْرِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَلَّى الْأَكْثَرَ - وَأَنَّ مَنْ صَامَ أَكْثَرَ النَّهَارِ أَنَّهُ يَجْزِيهِ، وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ، فَلَاحَ فَسَادُ قَوْلِهِ جُمْلَةً، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ سَوَاءً سَوَاءً. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّ إيجَابَهُ الْحُلْقُومَ وَإِسْقَاطَهُ الْمَرِيءَ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قِيَاسٍ. وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كُلُّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ غَيْرُ مُتَرَدٍّ. وَعَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ كَذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا فِي إيجَابِهِ الْوَدَجَيْنِ بِمَا حَدَّثَنَاهُ حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ أَيْمَنَ نا مُطَّلِبٌ نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ ذَبَحَتْ شَاةً؟ فَقَالَ لَهَا: أَفَرَيْتِ الْأَوْدَاجَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: كُلُّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاجَ مَا لَمْ يَكُنْ قَرْضَ سِنٍّ، أَوْ حَزَّ ظُفْرٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَبَرٌ فِي نِهَايَةِ السُّقُوطِ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِالْكَذِبِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْكَذِبَ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ.
следующие страницы →