Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِمَّا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا فَإِذَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَهَذَا تَنَازُعٌ يَجِبُ بِهِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ نَبِيذًا شَدِيدًا أَيْ خَاثِرًا لَفِيفًا حُلْوًا - فَهَذَا مُمْكِنٌ أَيْضًا. وَخَبَرٌ: عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ مَضَى إلَى أَنَسٍ فَأَبْصَرَ عِنْدَهُ طِلَاءً شَدِيدًا - وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ - عَنْ أَخِيهِ عِيسَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " شَدِيدًا " أَيْ خَاثِرًا لَفِيفًا، وَهَذِهِ صِفَةُ الرُّبِّ الْمَطْبُوخِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ، مَا لَمْ يُسْكَرْ مِنْهُ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سِمَاكٍ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ كَمَا قُلْنَا عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ - وَلَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ - عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اشْرَبْ فَإِذَا رَهِبْت أَنْ تَسْكَرَ فَدَعْهُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ ظَاهِرُهُ اشْرَبْ الشَّرَابَ مَا لَمْ يُسْكِرْ فَإِذَا رَهِبْت أَنْ تَشْرَبَهُ فَتَسْكَرَ مِنْهُ فَدَعْهُ - هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيذِ؟ فَقَالَ: اشْرَبْ فَإِذَا رَهِبْت أَنْ تَسْكَرَ فَدَعْهُ. وَخَبَرٌ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ نَبِيذٍ فِي سِقَاءٍ لَوْ نَكَهْته لَأُخِذَ مِنِّي؟ فَقَالَ: إنَّمَا الْبَغْيُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْبَغْيَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَبِّهِ الْمَاءَ عَلَى النَّبِيذِ - وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نَافِعٍ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ إبَاحَةٌ لِشُرْبِ الْمُسْكِرِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُنْبَذُ لَهُ فِي جُرٍّ وَيُجْعَلُ لَهُ فِيهِ عَكَرٌ - وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ النَّضْرَ مَجْهُولٌ، ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ.
стр. 2312
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّهُ شَرِبَ مَعَهُ نَبِيذَ جُرٍّ فِيهِ دُرْدِيٌّ. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ مِثْلُهُ - وَعَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَانَ يُجْعَلُ فِي نَبِيذِهِ عَكَرٌ،
وَقَدْ خَالَفَ هَؤُلَاءِ: ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ - وَصَحَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمَنْعُ مِنْ الْعَكَرِ - وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ هُوَ: خَمْرٌ. وَأَخْبَارٌ صِحَاحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -: مِنْهَا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ نا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ. وَآخَرُ: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَقِيلٍ عَنْ مَعْقِلٍ أَنَّ هَمَّامَ بْنَ مُنَبِّهٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَمَّا الْخَمْرُ فَحَرَامٌ لَا سَبِيلَ إلَيْهَا، وَأَمَّا مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَرِبَ أَخِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَشَرِبَ مَعَهُ أَبُو سِرْوَعَةَ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بِمِصْرَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَسَكِرَا فَلَمَّا أَصْبَحَا انْطَلَقَا إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَمِيرِ مِصْرَ فَقَالَا لَهُ: طَهِّرْنَا فَإِنَّا قَدْ سَكِرْنَا مِنْ شَرَابٍ شَرِبْنَاهُ، فَجَلَدَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، قَالُوا: فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ فَلَمْ يَجْعَلْهَا خَمْرًا، وَهَذَا أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَأَبُو سِرْوَعَةَ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَأَوْا الْحَدَّ فِي السُّكْرِ مِنْ شَرَابٍ شَرِبَاهُ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ. فَفَرَّقُوا كُلُّهُمْ بَيْنَ الْخَمْرِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ فَلَمْ يَرَوْهَا خَمْرًا، وَرَامُوا بِهَذَا أَنْ يُثْبِتُوا أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ فَقَطْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ أَثْبَتَا أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ - وَلَيْسَ فِي خَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي سِرْوَعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ.
стр. 2313
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا شَرِبَا عَصِيرَ عِنَبٍ ظَنًّا أَنَّهُ لَا يُسْكِرُ فَسَكِرَا - وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَدْفَعُ هَذَا، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ إلَّا أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الْخَمْرَ هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ فَقَطْ وَمَا سِوَاهَا فَلَيْسَ خَمْرًا - فَهَذَا مَكَانٌ لَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ لَوْ صَحَّ لَهُمْ إذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِرٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَفِي هَذَا نَازَعْنَاهُمْ لَا فِي التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، فَإِذْ لَمْ يَبْقَ إلَّا هَذَا فَقَطْ فَنَحْنُ نُوجِدُهُمْ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، نَعَمْ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ بِأَصَحَّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتَةٍ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ أَيْضًا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ خَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ كُلَّهَا يَدْعُونَهَا الْخَمْرَ مَا فِيهَا خَمْرُ الْعِنَبِ؛ فَهَذَا بَيَانُ خَبَرِهِمْ بِمَا يُبْطِلُ تَعَلُّقَهُمْ بِهِ، فَإِذَا أَوْجَدْنَاهُمْ هَذَا فَقَدْ صَحَّ التَّنَازُعُ، وَوَجَبَ الرَّدُّ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا إنْ كُنَّا مُؤْمِنِينَ. وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ صَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ تَحْرِيمُ السُّكْرِ وَعَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ وَإِبَاحَةُ كُلِّ مَا أَسْكَرَ مِنْ الْأَنْبِذَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: رَأَيْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَشْرَبُ نَبِيذَ الْجُرِّ بَعْدَ أَنْ يَسْكُنَ غَلَيَانُهُ - يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الطِّلَاءَ الشَّدِيدَ - وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى أَنَّهُ لَفِيفٌ جِدًّا - فَلَوْ كَانَتْ حَرَامًا مَا خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سَلَفَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوَضْعِ الْأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ [أَبَدًا] . وَيَقُولُونَ: بِأَنْ يَتَيَمَّمَ الْجُنُبُ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ خَفِيَ عَلَى الْأَنْصَارِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» حَتَّى ذُكِّرُوا بِهِ - وَالْأَمْرُ هُنَا يَتَّسِعُ، وَلَيْسَ كُلُّ صَاحِبٍ يُحِيطُ بِجَمِيعِ السُّنَنِ. وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَا يَكْفُرُ مَنْ
стр. 2314
لَمْ يُحَرِّمْ مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدْنَا إنْسَانًا غَابَ عَنْهُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ لَمَا كَفَّرْنَاهُ فِي إحْلَالِهَا حَتَّى يَبْلُغَ إلَيْهِ الْأَمْرُ، فَحِينَئِذٍ إنْ أَصَرَّ عَلَى اسْتِحْلَالِ مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَرَ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مُسْتَحِلُّ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ وَكُلَّ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمُهُ لَا يَكْفُرُ مِنْ جَهْلِ ذَلِكَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِهِ - فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَصَحَّ لَدَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ ذَلِكَ فَأَصَرَّ عَلَى اسْتِحْلَالِ مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَكْفُرُ جَاهِلٌ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَهُ الْحُكْمُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ فَحِينَئِذٍ يَكْفُرُ إنْ اعْتَقَدَ مُخَالَفَتَهُ ﵇، وَيَفْسُقُ إنْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِجَوَازِ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَسَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبَ بِهِ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٌ مِمَّا أَوْرَدُوا كُلَّهُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ وَلَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِهِمْ: أَنَّ الْخَمْرَ الْمُحَرَّمَةَ لَيْسَتْ إلَّا عَصِيرَ الْعِنَبِ فَقَطْ دُونَ نَقِيعِ الزَّبِيبِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْخَمْرَ الْمُحَرَّمَةَ لَيْسَتْ إلَّا نَقِيعَ الزَّبِيبِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، وَعَصِيرَ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ. فَصَحَّ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ فَاسِدَانِ مُبْتَدَعَانِ خَارِجَانِ عَنْ كُلِّ أَثَرٍ ثَبَتَ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مُقَلِّدِيهِ - عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ آرَائِهِمْ الْخَبِيثَةِ - وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كَلَامِهِ فِي الْعِتْقِ الَّذِي بَيْنَ كَلَامِهِ فِي الْكَرَاهَةِ وَكَلَامِهِ فِي الرَّهْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا حَرَامٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالسُّكْرُ عِنْدَنَا حَرَامٌ مَكْرُوهٌ وَنَقِيعُ
стр. 2315
الزَّبِيبِ عِنْدَنَا إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى عِنْدَنَا حَرَامٌ مَكْرُوهٌ - وَالطِّلَاءُ مَا زَادَ عَلَى مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ - وَكَانَ يَكْرَهُ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ أَنْ يُشْرَبَ وَأَنْ تَمْتَشِطَ بِهِ الْمَرْأَةُ وَلَا يُحَدُّ مَنْ شَرِبَهُ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ فَإِنْ سَكِرَ حُدَّ. هَذَا نَصُّ كَلَامِهِمْ هُنَالِكَ، وَدُرْدِيُّ الْخَمْرِ هُوَ الْعَكَرُ الَّذِي يُعْقَدُ مِنْهَا فِي قَاعِ الدَّنِّ. وَهُوَ خَمْرٌ بِلَا شَكٍّ، فَاعْجَبُوا لِهَذَا الْهَوَسِ وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَإِنَّمَا هِيَ -: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأَنْبِذَةُ كُلُّهَا حَلَالٌ إلَّا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْخَمْرُ، وَالْمَطْبُوخُ إذَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ فَإِنَّهُ السَّكَرُ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ. وَلَا خِلَافَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ نَقِيعَ الدُّوشَاتِ عِنْدَهُ حَلَالٌ وَإِنْ أَسْكَرَ، وَكَذَلِكَ نَقِيعُ الرُّبِّ وَإِنْ أَسْكَرَ -: وَالدُّوشَاتُ مِنْ التَّمْرِ، وَالرُّبُّ مِنْ الْعِنَبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: كُلُّ شَرَابٍ مِنْ الْأَنْبِذَةِ يَزْدَادُ جَوْدَةً عَلَى التَّرْكِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَإِلَّا أُجِيزَ بَيْعُهُ وَوَقْتُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ كَانَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ فَلَا بَأْسَ، بِهِ - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. هَذَا كَلَامُهُمْ فِي الْأَصْلِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِمَّا عَدَا الْخَمْرَ أَكْرَهُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ. فَإِنْ صَلَّى إنْسَان وَفِي ثَوْبِهِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَأَعَادَهَا أَبَدًا فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ السَّخَافَاتِ لَئِنْ كَانَ تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ أَبَدًا فَهُوَ نَجِسٌ، فَكَيْفَ يُبِيحُ شُرْبَ النَّجِسِ؟ وَلَئِنْ كَانَ حَلَالًا فَلِمَ تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ الْحَلَالِ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَوَّلُ فَسَادِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا كُلُّهَا أَقْوَالٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ يُوَافِقُهَا وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا صَحِيحٍ وَلَا غَيْرِ صَحِيحٍ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا أَحَدٍ قَبْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي تَحْدِيدِهِ عَشَرَةَ الْأَيَّامِ فَيَا لِعَظِيمِ مُصِيبَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي أَنْفُسِهِمْ إذْ يُشَرِّعُونَ الشَّرَائِعَ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مِنْ ذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ بِأَسْخَفِ قَوْلٍ وَأَبْعَدِهِ عَنْ الْمَعْقُولِ؟
стр. 2316
قَالَ عَلِيٌّ: وَبَقِيَ مِمَّا مَوَّهَ بِهِ مُقَلِّدُو أَبِي حَنِيفَةَ أَشْيَاءَ نُورِدُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَذْكُرُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَسَادَهَا، ثُمَّ نُعَقِّبُ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃. قَالَ عَلِيٌّ: قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] . فَاقْتَضَى هَذَا إبَاحَةَ كُلِّ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ فَلَا يَحْرُمُ بَعْدَ هَذَا إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَ مِنْ مَجِيءِ التَّوَاتُرِ، لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ هُنَا بَدَءُوا بِالتَّنَاقُضِ وَمَا خَالَفْنَاهُمْ قَطُّ لَا نَحْنُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ الْخَمْرَ، وَلَا الْخِنْزِيرَ، وَلَا الْمَيْتَةَ حَتَّى نَزَلَ تَحْرِيمُ كُلِّ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ التَّحْرِيمُ حَرَّمَ مَا نَزَلَ تَحْرِيمُهُ وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ حَرَّمَ نَبِيذَ ثَمَرِ النَّخِيلِ بِخَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ غَيْرِ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَلَا مَنْقُولٍ نَقْلَ التَّوَاتُرِ. ثُمَّ قَالُوا: صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» فَالْخَمْرُ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْهُمَا هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ قَاطِعَةٌ. وَهَذَا خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا تَرْجِعُ إلَى الْأَوْزَاعِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَا جَمِيعًا: نا أَبُو كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» . أَبُو كَثِيرٍ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَافْتَرَقُوا فِي خِلَافِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ -: فَأَمَّا الطَّحَاوِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ ذِكْرُهُ ﵇ النَّخْلَةَ مَعَ الْعِنَبَةِ بِمُوجِبٍ أَنْ يَكُونَ الْخَمْرُ مِنْ النَّخْلَةِ بَلْ الْخَمْرُ مِنْ الْعِنَبَةِ فَقَطْ قَالَ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢١] ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] .
стр. 2317
قَالَ: فَإِنَّمَا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ مِنْ أَحَدِهِمَا -: قَالَ: وَمِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] قَالَ: وَإِنَّمَا الرُّسُلُ مِنْ الْإِنْسِ لَا مِنْ الْجِنِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الطَّحَاوِيُّ، وَكَذَبَ مَنْ أَخْبَرَهُ بِمَا ذُكِرَ بَلْ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ خَارِجَانِ مِنْ الْبَحْرَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا الْبَرْزَخُ فَلَا يَبْغِيَانِ، وَلَقَدْ جَاءَتْ الْجِنَّ رُسُلٌ مِنْهُمْ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُمْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مُتَعَبَّدُونَ مَوْعُودُونَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَقَدْ صَحَّ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةَ نا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ» فَذَكَرَ مِنْهَا «وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْعَوْفِيُّ نا هُشَيْمٌ أَنَا سَيَّارٌ نا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ أَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي» فَذَكَرَ فِيهَا «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَحُمَيْدَ كِلَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ أَرْبَعًا لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، أُرْسِلْتُ إلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ» وَذَكَرَ بَاقِي الْخَبَرِ. فَصَحَّ بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بُعِثَ وَحْدَهُ إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَأَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ قَطُّ إلَّا إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] . فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُمْ مُذْ خُلِقُوا مَأْمُورُونَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَنِ الْقَاطِعَةِ أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنْ الْإِنْسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﵇، وَالْجِنُّ لَيْسُوا قَوْمَ أَحَدٍ مِنْ الْإِنْسِ.
стр. 2318
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُمْ بُعِثَ إلَيْهِمْ أَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ، وَبَطَلَ تَخْلِيطُ الطَّحَاوِيِّ بِالْبَاطِلِ الَّذِي رَامَ بِهِ دَفْعَ الْحَقِّ. وَقَالَ أَيْضًا: وَهَذَا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ» قَالَ: وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ وَالْعَفْوُ فِيمَا دُونَ الشِّرْكِ لَا فِي الشِّرْكِ، وَقَدْ ذُكِرَ مَعَ سَائِرِ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ شَدِيدٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ -: أَحَدُهَا: كَفَّارَةُ عِبَادَةٍ بِغَيْرِ ذَنْبٍ أَصْلًا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَقَدْ يَكُونُ الْحِنْثُ أَفْضَلَ مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْيَمِينِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ» أَوْ كَمَا قَالَ ﵇، فَقَدْ نَصَّ ﵇[عَلَى] أَنَّ الْحِنْثَ وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ قَدْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ الْوَفَاءِ بِالْيَمِينِ. وَالثَّانِي: كَفَّارَةٌ بِلَا ذَنْبٍ بَاقٍ لَكِنْ لِذَنْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ غُفْرَانُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ كَالْحَدِّ يُقَامُ عَلَى التَّائِبِ مِنْ الزِّنَى. وَالثَّالِثُ: كَفَّارَةٌ لِذَنْبٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ صَاحِبُهُ فَتَرْفَعُهُ الْكَفَّارَةُ كَحَدِّ الزَّانِي وَالسَّارِقِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَتُوبَا. وَالرَّابِعُ: كَفَّارَةٌ عَلَى ذَنْبٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَلَا رَفَعَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَلَا حَطَّتْهُ كَالْعَائِدِ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ عَمْدًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ - قَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] .
стр. 2319
فَهَذِهِ نِقْمَةٌ مُتَوَعَّدٌ بِهَا مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، فَالْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ عَلَى عُمُومِهَا إمَّا مُسْقِطَةٌ لِلذَّنْبِ وَعُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ فِي الزِّنَى وَالْقَتْلِ، وَالْبُهْتَانِ الْمُفْتَرَى، وَالْمَعْصِيَةِ فِي الْمَعْرُوفِ، وَإِمَّا غَيْرُ مُسْقِطَةٍ لِلذَّنْبِ، وَعُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَهِيَ قَتْلُ الْمُشْرِكِ عَلَى شِرْكِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ» فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ؟ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالرُّسُلَ، وَالْأَنْبِيَاءَ، وَالصَّالِحِينَ، وَالْفُسَّاقَ وَالْكُفَّارَ، وَإِبْلِيسَ، وَفِرْعَوْنَ، وَأَبَا جَهْلٍ، وَأَبَا لَهَبٍ، كُلَّهُمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُ فِيهِمْ مَا يَشَاءُ مِنْ عُقُوبَةٍ أَوْ عَفْوٍ، إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ يُعَاقِبُ الْكُفَّارَ وَلَا بُدَّ، وَإِبْلِيسَ، وَأَبَا لَهَبٍ، وَأَبَا جَهْلٍ، وَفِرْعَوْنَ، وَلَا بُدَّ - وَيَرْضَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالصَّالِحِينَ، وَلَا بُدَّ، وَكُلُّهُمْ فِي الْمَشِيئَةِ وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، مَنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ شَاءَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ فَقَدْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. أَمَّا عِلْمُ الْجَاهِلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَ الْمَلَائِكَةَ، وَالرُّسُلَ، وَيُنْعِمَ الْكُفَّارَ لَمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ، لَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ. أَمَا سَمِعَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] ثُمَّ اسْتَثْنَى الشِّرْكَ جُمْلَةً أَبَدِيَّةً، وَمَنْ رَجَحَتْ كَبَائِرُهُ وَسَيِّئَاتُهُ حَتَّى يَخْرُجُوا بِالشَّفَاعَةِ. أَمَا عَقَلَ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «إنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ» لَيْسَ فِيهِ إيجَابٌ لِأَحَدِهِمَا وَلَا بُدَّ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى سَائِرِ النُّصُوصِ. فَهَلْ فِي الضَّلَالِ أَشْنَعُ مِمَّنْ جَعَلَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﵌ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» عَلَى غَيْرِ الْحَقِيقَةِ؟ بَلْ عَلَى التَّدْلِيسِ فِي الدِّينِ وَإِلَّا فَأَيُّ وَجْهٍ لَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يُبَيِّنَ عَلَيْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ الْعِنَبِ فَقَطْ فَيُقْحِمَ فِي ذَلِكَ النَّخْلَةَ، وَهِيَ لَا تَكُونُ الْخَمْرُ مِنْهَا؟ هَلْ هَذَا إلَّا فِعْلُ الْفُسَّاقِ وَالْمُلْغِزِينَ فِي الدِّينِ، الْعَابِثِينَ فِي كَلَامِهِمْ؟ فَسُحْقًا
стр. 2320
فَسُحْقًا لِكُلِّ هَوًى يُحْمَلُ عَلَى أَنْ يُنْسَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ مِمَّا يَتَرَفَّعُ عَنْهُ كُلُّ مُجِدٍّ لَا يَرْضَى بِالْكَذِبِ، وَسَيُرَدُّونَ وَنُرَدُّ، وَيَعْلَمُونَ وَنَعْلَمُ، وَاَللَّهِ لَتَطُولَن النَّدَامَةُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْعَظَائِمِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى هُدَاهُ لَنَا كَثِيرًا ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] . وَهَلْ بَيَّنَ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَهُ ﵇ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبَةِ» مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْعِنَبَةَ فَقَطْ لَا النَّخْلَةَ فَذَكَرَ النَّخْلَةَ؟ لَا نَدْرِي لِمَاذَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ فَاسِقٍ يَقُولُ: الْكَذِبُ مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ مُحَمَّدٍ وَمُسَيْلِمَةِ؟ فَتَأَمَّلُوا مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ، وَهَذَا الْقَوْلُ تَجِدُوهُ سَوَاءً سَوَاءً فَتَحَكَّمَ الطَّحَاوِيُّ بِالْبَاطِلِ فِي هَذَا الْخَبَرِ كَمَا تَرَوْنَ وَتَحَكَّمَ أَصْحَابُهُ فِيهِ أَيْضًا بِبَاطِلَيْنِ آخَرَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ الْخَمْرُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْخَبَرِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْ: لَيْسَ الْخَمْرُ إلَّا مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، إنَّمَا قَالَ «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» فَأَوْجَبَ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَمْنَعْ أَنْ تَكُونَ الْخَمْرُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِمَا إنْ وَرَدَ بِذَلِكَ نَصٌّ صَحِيحٌ، بَلْ قَدْ جَاءَ نَصٌّ بِذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ نا الْمُعْتَمِرُ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ -[قَالَ] قَرَأْت عَلَى الْفُضَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ قَالَ: إنَّ الشَّعْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الْخَمْرَ مِنْ الْعَصِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ، وَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ» -: أَبُو حَرِيزٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ - قَاضِي سِجِسْتَانَ رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَغَيْرُهُ. فَهَذَا نَصٌّ كَنَصِّهِمْ وَزَائِدٌ عَلَيْهِ مَا لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ مَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَبِيذِ ثَمَرِ النَّخْلِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ خَمْرًا وَإِنْ أَسْكَرَ، فَتَحَكَّمُوا فِي الْخَبَرِ الَّذِي أَوْهَمُوا أَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِهِ تَحَكُّمًا ظَاهِرَ الْفَسَادِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ إذْ خَالَفُوا مَا فِيهِ بِغَيْرِ نَصٍّ آخَرَ، وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي
стр. 2321
شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ أَوْ مِنْ النَّاسِ سَلَفٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمَوَّهُوا فِي إبَاحَةِ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَسْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ بِرِوَايَاتٍ -: مِنْهَا: مَا رُوِّينَا مِنْ طُرُقٍ ثَابِتَةٍ إلَى إبْرَاهِيمَ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَرْزُقُوا النَّاسَ الطِّلَاءَ ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ. وَأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ حَيَّانَ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ رَأَى عَمَّارًا قَدْ شَرِبَ مِنْ الْعَصِيرِ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ وَسَقَاهُ مَنْ حَوْلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، كَانَا يَشْرَبَانِ الطِّلَاءَ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي مُوسَى مِثْلُ ذَلِكَ. وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ يَرْزُقُ النَّاسَ طِلَاءً يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ. وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ مِثْلُ هَذَا. وَاحْتَجُّوا فِي هَذَا بِخَبَرٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِي مُقَاسَمَةِ نُوحٍ ﵇ إبْلِيسَ الزَّرْجُونَ: لِإِبْلِيسِ الثُّلُثَانِ، وَلِنُوحٍ الثُّلُثُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِثْلُ هَذَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يُدْرِكْ أَنَسٌ، وَلَا ابْنُ سِيرِينَ نُوحًا بِلَا شَكٍّ، وَلَا نَدْرِي مِمَّنْ سَمِعَاهُ، وَلَوْ سَمِعَهُ أَنَسٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا اسْتَحَلَّ كِتْمَانَ اسْمِهِ - فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا. وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ مَتَى أُهْرِقَ مِنْ الْعَصِيرِ ثُلُثَاهُ حَلَّ بَاقِيهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَهَابِ ثُلُثَيْهِ بِالطَّبْخِ وَبَيْنَ ذَهَابِهِمَا بِالْهَرْقِ وَإِنَّمَا الْمُرَاعَى السُّكْرُ فَقَطْ كَمَا حَدَّ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَحُدُّ الْحُدُودَ فِي الدِّيَانَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ أَحَدٌ سِوَاهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ هَذَا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَوَكِيعٌ، وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، قَالَ
стр. 2322
ابْنُ فُضَيْلٍ: عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ: عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ: عَنْ أَشْعَثَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبْزَى، وَقَالَ وَكِيعٌ: عَنْ طَلْحَةَ بْنِ جَبْرٍ، وَجَرِيرِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ طَلْحَةُ: رَأَيْت أَبَا جُحَيْفَةَ السُّوَائِيَّ، وَقَالَ جَرِيرٌ: عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ ثُمَّ اتَّفَقَ عَنْ الْبَرَاءِ، وَأَبِي جُحَيْفَةَ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ أَبْزَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ. وَبِهِ إلَى ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ، وَوَكِيعٍ، وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ ابْنُ فُضَيْلٍ: عَنْ دِينَارٍ الْأَعْرَجِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ ابْنُ فُضَيْلٍ أَيْضًا: عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ الْحَكَمِ: إنَّ شُرَيْحًا كَانَ يَشْرَبُ الطِّلَاءَ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: وَكَانَ إبْرَاهِيمُ يَشْرَبُهُ عَلَى النِّصْفِ. وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ - وَرَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَالْعَجَبُ لِقِلَّةِ حَيَاءِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَا الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ؟ وَالثَّالِثُ: قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ، وَعَلِيًّا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: لَأَنْ أَشْرَبَ قُمْقُمًا مُحْمًى أَحْرَقَ مَا أَحْرَقَ وَأَبْقَى مَا أَبْقَى أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ نَبِيذَ الْجُرِّ. فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُدْرِكْ قَتَادَةُ عُمَرَ؟ قُلْنَا: وَلَا أَدْرَكَ مُعَاذًا، وَلَا أَبَا عُبَيْدَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ قَالَ: إنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَلَغَهُ فِي نَبِيذٍ شَرِبَهُ أَنَّهُ نَبِيذُ جُرٍّ تَقَيَّأَهُ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ كَانَ مُسْكِرًا بَلْ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي خَبَرِ عَلِيٍّ أَنَّ الذُّبَابَ كَانَ يَقَعُ فِيهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ. وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى
стр. 2323
عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنِّي أُتِيت بِشَرَابٍ قَدْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَذَهَبَ مِنْهُ شَيْطَانُهُ وَرِيحُ جُنُونِهِ وَبَقِيَ طِيبُهُ وَحَلَالُهُ فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ قِبَلَك فَلْيَتَوَسَّعُوا بِهِ فِي شَرَابِهِمْ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي إبْطَالِ تَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ التَّمْرَ، وَالزَّبِيبَ مَخْلُوطَيْنِ فِي النَّبِيذِ بِأَنْ قَالُوا: لَوْ شَرِبَ هَذَا ثُمَّ هَذَا أَكَانَ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ خَلْطِهِمَا قَبْلَ شُرْبِهِمَا وَبَيْنَ خَلْطِهِمَا فِي جَوْفِهِ؟ فَقُلْنَا: لَا يَحِلُّ أَنْ يُعَارَضَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا النَّبِيُّ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا، لَكِنْ تُعَارِضُونَ أَنْتُمْ فِي بِدْعَتِكُمْ هَذِهِ الْمُضِلَّةِ بِأَنْ نَقُولَ لَكُمْ: أَرَأَيْتُمْ الْعَصِيرَ إذَا أَسْكَرَ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ، ثُمَّ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ أَيَحِلُّ عِنْدَكُمْ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: لَا، فَنَقُولُ لَهُمْ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ طَبْخِهِ بَعْدَ أَنْ يُسْكِرَ وَبَيْنَ طَبْخِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْكِرَ، وَالسُّكْرُ حَاصِلٌ فِيهِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ؟ فَإِذَا أَبْطَلَ الطَّبْخُ تَحْرِيمَهُ إذَا أَسْكَرَ بَعْدَهُ كَذَلِكَ يَبْطُلُ تَحْرِيمُهُ إذَا أَسْكَرَ قَبْلَهُ وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمُعَارَضَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِ عُمَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُرَاعُوا ثُلُثَيْنِ وَلَا ثُلُثًا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: قَدِمْنَا الْجَابِيَةَ مَعَ عُمَرَ فَأُتِينَا بِالطِّلَاءِ وَهُوَ مِثْلُ عَقْدِ الرُّبِّ إنَّمَا يُخَاضُ بِالْمَخُوضِ خَوْضًا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنَّ فِي هَذَا لَشَرَابًا مَا انْتَهَى إلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قِرَاءَةٌ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا تُحِلُّ النَّارُ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمُهُ قَالَ: ثُمَّ فَسَّرَ لِي قَوْلَهُ: لَا تُحِلُّ النَّارُ شَيْئًا لِقَوْلِهِمْ فِي الطِّلَاءِ وَلَا تُحَرِّمُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ سِوَاهُ - وَصَحَّ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الطِّلَاءِ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْت الَّذِي مِثْلَ الْعَسَلِ تَأْكُلُهُ بِالْخُبْزِ وَتَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَتَشْرَبُهُ؟ عَلَيْك بِهِ، وَلَا تَقْرَبْ مَا دُونَهُ وَلَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَسْقِهِ، وَلَا تَبِعْهُ، وَلَا تَسْتَعِنْ بِثَمَنِهِ - فَإِنَّمَا رَاعَى عُمَرَ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ مَا لَا يُسْكِرُ فَأَحَلُّوهُ، وَمَا يُسْكِرُ فَحَرَّمُوهُ. وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ بِجِبَالِ رَيَّةَ أَعْنَابًا إذَا طُبِخَ عَصِيرُهَا فَنَقَصَ مِنْهُ الرُّبْعُ صَارَ رُبًّا خَائِرًا لَا يُسْكِرُ بَعْدَهَا كَالْعَسَلِ فَهَذَا حَلَالٌ بِلَا شَكٍّ. وَشَاهَدْنَا بِالْجَزَائِرِ أَعْنَابًا رَمْلِيَّةً تُطْبَخُ حَتَّى تَذْهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَهِيَ بَعْدُ خَمْرٌ
стр. 2324
مُسْكِرَةٌ كَمَا كَانَتْ فَهَذَا حَرَامٌ بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِذْ قَدْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا بِالْبَرَاهِينِ الَّتِي أَوْرَدْنَا وَخَرَجَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِشَيْءٍ مِنْ النُّصُوصِ وَلَا بِرِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، لَا فِي مُسْنَدٍ، وَلَا فِي مُرْسَلٍ، وَلَا عَنْ صَاحِبٍ، وَلَا عَنْ تَابِعٍ، وَلَا كَانَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنْ الْأُمَّةِ يَعْرِفُ أَصْلًا قَبْلَهُمْ فَلْنَأْتِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَرَاهِينِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا فِي ذَلِكَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» هَذَا لَفْظُ سُفْيَانَ - وَلَفْظُ مَالِكٍ «سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِتْعِ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» وَالْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا الْخَبَرُ فِي صِحَّةِ إسْنَادِهِ وَقَدْ نَصَّ ﵇ إذْ سُئِلَ عَنْ شَرَابِ الْعَسَلِ أَنَّهُ إذَا أَسْكَرَ حَرَامٌ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْمَحْرُومِينَ إنَّ شَرَابَ الْعَسَلِ الْمُسْكِرِ حَلَالٌ وَالسُّكْرُ مِنْهُ حَلَالٌ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ مِثْلِ ضَلَالِهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ، قَالَ يَحْيَى: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَا وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ مِنْ الشَّعِيرِ، وَشَرَابًا يُقَالُ لَهُ: الْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ؟ فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَيْضًا خَالِدٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ
стр. 2325
سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَإِيَّاكُمْ وَكُلَّ مُسْكِرٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الْمِزْرَ؟ قَالَ: وَمَا الْمِزْرُ؟ قَالَ: حَبَّةٌ تُصْنَعُ بِالْيَمَنِ؟ قَالَ: تُسْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَابْنِ عَجْلَانَ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . وَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. وَرَوَاهُ عَنْ حَمَّادٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَيُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ. وَرَوَاهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ مَنْ شِئْت. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ هُوَ أَبُو الْخَيْرِ - «عَنْ دَيْلَمٍ هُوَ ابْنُ الْهَوْشَعِ الْحِمْيَرِيُّ - قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ نُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا وَإِنَّا نَتَّخِذُ مِنْ هَذَا الْقَمْحِ شَرَابًا نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا، فَقَالَ: هَلْ يُسْكِرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْتَنِبُوهُ قُلْتُ: فَإِنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ قَاتِلُوهُمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيِّ نا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ هُوَ ابْنُ ضَمْرَةَ - نا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ نا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ نا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ سِنَانٍ الْمُزَنِيّ حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ» .
стр. 2326
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ الْبَغَوِيّ قَالَ أَبُو دَاوُد: نا قُتَيْبَةَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ، ثُمَّ اتَّفَقَ قُتَيْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ، وَقَالَا جَمِيعًا: نا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - نا دَاوُد بْنُ بَكْرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْفُرَاتِ - نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . وَرُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَهَذِهِ الْآثَارُ الْمُتَظَاهِرَةُ الثَّابِتَةُ الصِّحَاحُ الْمُتَوَاتِرَةُ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَالدَّيْلَمِ بْنِ الْهَوْشَعِ كُلِّهِمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَلَا يُقْدَرُ فِيهِ عَلَى حِيلَةٍ، بَلْ بِالنَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِ الشَّرَابِ نَفْسِهِ إذَا أَسْكَرَ وَتَحْرِيمِ شَرَابِ الْعَسَلِ، وَشَرَابِ الشَّعِيرِ، وَشَرَابِ الْقَمْحِ إذَا أَسْكَرَ، وَشَرَابِ الذُّرَةِ إذَا أَسْكَرَ، وَتَحْرِيمِ الْقَلِيلِ مِنْ كُلِّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ بِخِلَافِ مَا يَقُولُ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَرَمَهُ التَّوْفِيقَ. وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيَ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ وَهُمْ يُوَثِّقُونَهَا إذَا وَافَقَتْ أَهْوَاءَهُمْ وَجَلَّحَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ الْحَيَاءِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْآثَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» فَقَالَ: إنَّمَا عَنَى الْكَأْسَ الْأَخِيرَ الَّذِي يُسْكَرُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ مِنْ وُجُوهٍ -: أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا دَلِيلٍ وَافْتِرَاءٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْبَاطِلِ، وَتَقْوِيلٌ لَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ مُرَادِهِ، وَهَذَا يُوجِبُ النَّارَ لِفَاعِلِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ فِي شَرَابِ الْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى، وَالْقَرَاسْيَا، وَالرُّمَّانِ، وَالدُّخْنِ، وَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ، إنَّمَا يَقُولُونَهُ فِي مَطْبُوخِ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْعَصِيرِ فَقَطْ، فَلَاحَ خِلَافُهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ جِهَارًا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ تَأْوِيلٌ أَحْمَقُ وَتَخْرِيجٌ سَخِيفٌ، قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﵌ عَنْ أَنْ يُرِيدَهُ، بَلْ قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ ذِي مُسْكَةِ عَقْلٍ عَنْ أَنْ يَقُولَهُ لِأَنَّنَا نَسْأَلُهُمْ أَيُّ ذَلِكَ هُوَ الْمُحَرَّمُ عِنْدَكُمْ؟ الْكَأْسُ الْآخِرَةُ أَمْ الْجَرْعَةُ الْآخِرَةُ، أَمْ آخِرُ نُقْطَةٍ تَلِجُ حَلْقَهُ؟
стр. 2327
فَإِنْ قَالُوا: الْكَأْسُ الْآخِرَةُ؟ قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ يَكُونُ مِنْ أُوقِيَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ، وَأَكْثَرَ، فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَدْ لَا يَكُونُ هُنَالِكَ كَأْسٌ، بَلْ يَضَعُ الشَّرِّيبُ فَاهُ فِي الْكُوزِ فَلَا يُقْلِعُهُ عَنْ فَمِهِ حَتَّى يَسْكَرَ فَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ فِي الْكَأْسِ. فَإِنْ قَالُوا: الْجَرْعَةُ الْآخِرَةُ؟ قُلْنَا: وَالْجُرَعُ تَتَفَاضَلُ فَتَكُونُ مِنْهَا الصَّغِيرَةُ جِدًّا، وَتَكُونُ مِنْهَا مِلْءُ الْحَلْقِ، فَأَيُّ ذَلِكَ هُوَ الْحَرَامُ، وَأَيُّهُ هُوَ الْحَلَالُ؟ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ فِي الْجَرْعَةِ أَيْضًا. فَإِنْ قَالُوا: آخِرُ نُقْطَةٍ؟ قُلْنَا: النُّقَطُ تَتَفَاضَلُ فَمِنْهَا كَبِيرٌ، وَمِنْهَا صَغِيرٌ حَتَّى نَرُدَّهُمْ إلَى مِقْدَارِ الصُّوَّابَةِ، وَيَحْصُلُوا فِي نِصَابِ مَنْ يَسْخَرُ بِهِمْ وَيَتَطَايَبُ بِأَخْبَارِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَحُدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا كَانُوا قَدْ نَسَبُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْنَا مِقْدَارًا مَا فَصَّلَهُ عَمَّا أَحَلَّ وَذَلِكَ الْمِقْدَارُ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، وَهَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَتَحْرِيمُ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرَى مَا هُوَ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا. فَإِنْ قَالُوا: أَنْتُمْ تُحَرِّمُونَ الْإِكْثَارَ الْمُهْلِكَ أَوْ الْمُؤْذِيَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ فَحُدُّوهُ لَنَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ وَالرِّيِّ الْمَحْسُوسَيْنِ بِالطَّبِيعَةِ اللَّذَيْنِ يُمَيِّزُهُمَا كُلُّ أَحَدٍ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى الطِّفْلُ الرَّضِيعُ وَالْبَهِيمَةُ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي عَقْلٍ إذَا بَلَغَ شِبَعُهُ قَطَعَ إلَّا الْقَاصِدُ إلَى أَذَى نَفْسِهِ وَاتِّبَاعِ شَهْوَتِهِ فَكَيْفَ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنَا لَا تَحْتَمِلُ أَلْبَتَّةَ هَذَا التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ؟ لِأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ» إشَارَةٌ إلَى عَيْنِ الشَّرَابِ قَبْلَ أَنْ يُشْرَبَ لَا إلَى آخِرِ شَيْءٍ مِنْهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَأْسَ الْأَخِيرَ الْمُسْكِرَةَ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي أَسْكَرَتْ الشَّارِبَ بِالضَّرُورَةِ يُدْرَى هَذَا، بَلْ هِيَ وَكُلُّ مَا شُرِبَ قَبْلَهَا وَقَدْ يَشْرَبُ الْإِنْسَانُ فَلَا يَسْكَرُ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى الرِّيحِ حَدَثَ لَهُ السُّكْرُ، وَكَذَلِكَ إنْ حَرَّكَ رَأْسَهُ حَرَكَةً قَوِيَّةً، فَأَيُّ أَجْزَاءِ شَرَابِهِ هُوَ الْحَرَامُ حِينَئِذٍ؟ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَقُولُ لَهُمْ إذَا قُلْتُمْ: إنَّ الْكَأْسَ الْأَخِيرَةَ هِيَ الْمُسْكِرَةُ فَأَخْبِرُونَا مَتَى صَارَتْ حَرَامًا مُسْكِرَةً؟ أَقْبَلَ شُرْبِهِ لَهَا، أَمْ بَعْدَ شُرْبِهِ لَهَا، أَمْ فِي حَالِ شُرْبِهِ لَهَا؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ. فَإِنْ قَالُوا: بَعْدَ أَنْ شَرِبَهَا؟ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُحَرَّمْ إلَّا بَعْدَ شُرْبِهِ لَهَا فَقَدْ كَانَتْ حَلَالًا حِينَ شُرْبِهِ لَهَا وَقَبْلَ شُرْبِهِ لَهَا، وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُحَالِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ أَنْ
стр. 2328
يَكُونَ شَيْءٌ حَلَالًا شُرْبُهُ، فَإِذَا صَارَ فِي بَطْنِهِ صَارَ حَرَامًا شُرْبُهُ - هَذَا كَلَامٌ أَحْمَقُ وَسُخْفٌ وَهَذْرٌ لَا يُعْقَلُ. فَإِنْ قَالُوا: بَلْ صَارَتْ حَرَامًا حِينَ شُرْبِهِ لَهَا؟ قُلْنَا: إنَّهَا لَا حَظَّ لَهَا فِي إسْكَارِهِ إلَّا بَعْدَ شُرْبِهِ لَهَا، وَأَمَّا فِي حِينِ شُرْبِهِ لَهَا فَلَيْسَتْ مُسْكِرَةً إلَّا بِمَعْنَى أَنَّهَا سَتُسْكِرُهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهَا وَهِيَ فِي دَنِّهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا فِي حِينِ شُرْبِهِ لَهَا وَبَيْنَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا. فَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَهَا؟ قُلْنَا: فَقُولُوا بِتَحْرِيمِ الْإِنَاءِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، وَبِتَنْجِيسِهِ، وَبِتَحْرِيمِ كُلِّ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الشُّرْبِ، وَبِتَنْجِيسِهِ لِأَنَّهُ قَدْ خَالَطَهُ حَرَامٌ نَجِسٌ عِنْدَكُمْ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا. فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَرْيَمَ بِنْتِ طَارِقٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ لِنِسَاءٍ عِنْدَهَا: مَا أَسْكَرَ إحْدَاكُنَّ فَلْتَجْتَنِبْهُ - وَإِنْ كَانَ مَاءَ حُبِّهَا [مَحَلِّهَا] فَإِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ حَدَّثَتْنِي كَرِيَمَةُ بِنْتُ هَمَّامٍ أَنَّهَا سَمِعَتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ تَقُولُ: نُهِيتُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ، نُهِيتُمْ عَنْ الْحَنْتَمِ، نُهِيتُمْ عَنْ الْمُزَفَّتِ [ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَتْ] إيَّاكُنَّ وَالْجُرَّ الْأَخْضَرَ وَإِنْ أَسْكَرَكُنَّ مَاءُ حُبِّكُنَّ فَلَا تَشْرَبْنَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي هِلَالٍ الْجَرْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ طَلْحَةَ تَقُولُ: سَمِعْت عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ سُئِلَتْ عَنْ النَّبِيذِ؟ فَقَالَتْ: إيَّاكُمْ وَمَا يُسْكِرُكُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ قُدَامَةَ الْعَامِرِيِّ أَنَّ جَسْرَةَ بِنْتَ دَجَاجَةَ الْعَامِرِيَّةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ: لَا أُحِلُّ مُسْكِرًا وَإِنْ كَانَ خُبْزًا وَمَاءً. نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ الْقَنَازِعِيُّ - ثِقَةٌ مَشْهُورٌ - نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَا جَمِيعًا: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ قَالَ: سَمِعْت
стр. 2329
الْمُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: الْخَمْرُ مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ، فَمَا تَخَمَّرَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْخَمْرُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ شَهِدْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى جِنَازَةً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ وَإِنِّي سَأَلْته عَنْهَا؟ فَزَعَمَ أَنَّهَا الطِّلَاءُ وَإِنِّي سَائِلٌ عَنْ الشَّرَابِ الَّذِي شَرِبَ؟ فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْته؟ قَالَ: فَشَهِدْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْلِدُهُ. فَهَذِهِ أَصَحُّ طَرِيقٍ فِي الدُّنْيَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى الْحَدَّ وَاجِبًا عَلَى مَنْ شَرِبَ شَرَابًا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ سَكِرَ مِمَّا شَرِبَ، لِأَنَّهُ سَأَلَهُ فَرَاجَعَهُ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ سُكْرًا؟ وَإِنَّمَا حَدَّهُ عَلَى شُرْبِهِ، مِمَّا يُسْكِرُ فَقَطْ، نَعَمْ، وَمِنْ الطِّلَاءِ الَّذِي يُحِلُّونَهُ كَمَا تَسْمَعُ. نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ الْقَنَازِعِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ هُوَ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ - نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نا أَبُو حَيَّانَ هُوَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ التَّيْمِيُّ - نا الشَّعْبِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْت عُمَرَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ - وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ".
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي كُرَيْبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ عَنْ زَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - نا الْقَوَارِيرِيُّ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَحْدَثَ النَّاسُ أَشْرِبَةً لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ فَمَا لِي شَرَابٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ قَالَ: عَدَدًا آخَرَ إلَّا السَّوِيقُ وَالْمَاءُ - غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ النَّبِيذَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَحْدَثَ النَّاسُ أَشْرِبَةً لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟
стр. 2330
وَمَا لِي شَرَابٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً إلَّا الْمَاءُ وَالْعَسَلُ وَاللَّبَنُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، وَقَالَ ابْنُ شُعَيْبٍ: أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ كَثِيرٍ وَقُتَيْبَةُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَةِ الْجَرْمِيِّ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْبَاذَقِ؟ فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقُ، مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ - أَبُو الْجُوَيْرِيَةِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَعْنَ بْنَ يَزِيدَ - وَرَوَى عَنْهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَسُفْيَانُ. وَمِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ نا أَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ - وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ: نا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْت أَبَا الْحَكَمِ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحَرِّمَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلْيُحَرِّمْ النَّبِيذَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ - عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ: اجْتَنِبْ مَا أَسْكَرَ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَبِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: الْمُسْكِرُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةَ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ الْأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: اجْتَنِبْ كُلَّ شَيْءٍ يَنُشُّ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ قَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: آخُذُ التَّمْرَ فَأَجْعَلُهُ فِي فَخَّارٍ وَاجْعَلْهُ فِي التَّنُّورِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ آخُذُ التَّمْرَ فَأَجْعَلُهُ فِي فَخَّارٍ ثُمَّ أَجْعَلُهُ فِي تَنُّورٍ، لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَتَّخِذُ أَهْلُ أَرْضِ كَذَا مِنْ كَذَا خَمْرًا يُسَمُّونَهَا كَذَا، وَيَتَّخِذُ أَهْلُ كَذَا مِنْ كَذَا خَمْرًا يُسَمُّونَهَا كَذَا، وَيَتَّخِذُ أَهْلُ أَرْضِ كَذَا مِنْ كَذَا خَمْرًا يُسَمُّونَهَا كَذَا - وَذَكَرَ كَلَامًا حَتَّى عَدَّ خَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا أَحْفَظُ مِنْهَا إلَّا الْعَسَلَ، وَالشَّعِيرَ، وَاللَّبَنَ.
стр. 2331
قَالَ أَيُّوبُ: فَكُنْت أَهَابُ أَنْ أُحَدِّثَ النَّاسَ بِاللَّبَنِ حَتَّى حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّهُ يُصْنَعُ بِأَرْمِينِيَّةَ مِنْ اللَّبَنِ شَرَابًا لَا يَلْبَثُ صَاحِبُهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى لِطَبْخِهِ مَعْنًى. وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ التَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْعِنَبِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَقَتَادَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ قَالَ أَنَسٌ: إنِّي لِأَسْقِيَ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَمَرُونِي فَكَفَأْتهَا وَكَفَأَ النَّاسُ آنِيَتَهُمْ حَتَّى كَادَتْ السِّكَكُ أَنْ تَمْتَنِعَ - قَالَ أَنَسٌ: وَمَا خَمْرُهُمْ إلَّا الْبُسْرَ، وَالتَّمْرَ مَخْلُوطَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سَمَّى مِنْهُمْ أَنَسٌ فِي أَحَادِيثَ صِحَاحٍ تَرَكْنَا ذِكْرَهَا اخْتِصَارًا أَبَا طَلْحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ، وَأَبَا دُجَانَةَ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَسُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ، وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ - فَهَذَا الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ أَنْ تَكُونَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فَيُهْرِقُ الصِّحَابَةُ ﵃ كُلَّ شَرَابٍ عِنْدَهُمْ مِنْ تَمْرٍ أَوْ بُسْرٍ. فَصَحَّ أَنَّهُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ خَمْرٌ وَلَمْ يَخُصُّوا نِيئًا مِنْ مَطْبُوخٍ بِخِلَافِ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الْمَحْرُومِينَ مِنْ التَّوْفِيقِ؛ وَلَوْ عِنْدَهُمْ قَلِيلُهُ لَمَا أَهْرَقُوهُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ الطَّحْطَاوِيُّ هَهُنَا قَوْلًا لَا نَدْرِي كَيْفَ انْطَلَقَ بِهِ لِسَانُهُ؟ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا أَهْرَقُوهُ خَوْفَ أَنْ يَزِيدُوا مِنْهُ فَيَسْكَرُوا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ الْبَحْتُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَنْ أَخْبَرَهُ بِهَذَا عَنْهُمْ؟ وَهَلْ يَحِلُّ أَنْ يُخْبَرَ عَنْ أَحَدٍ بِالظَّنِّ؟ وَرُوِّينَا عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْبَهْرَانِيُّ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَيَشْرَبُهُ إذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الْأُخْرَى وَالْغَدَ إلَى الْعَصْرِ؛ فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ لِخَادِمٍ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ.
стр. 2332
وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ الْبَهْرَانِيِّ؛ فَلَوْ كَانَ حَلَالًا كَمَا يَدَّعِي الطَّحَاوِيُّ أَوْ كَانَ الطَّبْخُ يُحِلُّهُ كَمَا يَزْعُمُ سَائِرُ أَصْحَابِهِ مَا أَهْرَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَأَمَرَهُ بَاعِثُهُ أَنْ يَقُولَ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ نَافِعٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَهُ لَهُ فِي الْبُسْرِ: خَلِّصْهُ مِنْ الرُّطَبِ ثُمَّ انْبِذْهُ ثُمَّ اشْرَبْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَسَفَّهَ. رُوِّينَا قَبْلُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَقَيَّأَ نَبِيذًا شَرِبَهُ إذْ عَلِمَ أَنَّهُ نَبِيذُ جُرٍّ. وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا نَفْسَهُ عَنْ طَاوُسٍ - يَعْنِي تَحْرِيمَ كُلِّ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَسْكَرَ. وَعَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ: قَلِيلُ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرَامٌ -. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ - وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ سَمِعْت ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ لِبَعْضِ مَنْ خَالَفَهُ فِي النَّبِيذِ: أَنَا أَدْرَكْت أَصْحَابَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنْتَ لَمْ تُدْرِكْهُمْ كَانُوا لَا يَقُولُونَ فِي النَّبِيذِ كَمَا تَقُولُونَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ شَدَّدَ النَّاسُ فِي النَّبِيذِ وَرَخَّصَ هُوَ فِيهِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا أَبُو قُدَامَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ السَّرَخْسِيُّ - ثِقَةٌ مَأْمُونٌ - عَنْ أَبِي أُسَامَةَ هُوَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ - قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: مَا وَجَدْت الرُّخْصَةَ فِي الْمُسْكِرِ صَحِيحًا عَنْ أَحَدٍ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي النَّبِيذِ إذَا كَانَ حُلْوًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ خِلَافَ هَذَا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو عَوَانَةَ. وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الطَّحَّانُ - كِلَاهُمَا عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُخَمَّرَ مِنْ النَّبِيذِ.
стр. 2333
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُعَتَّقَ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالْمُعَتَّقَ مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ. وَرُوِّينَا عَنْهُ إبَاحَةَ مَا طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ نِصْفُهُ - فَهَذَا إبْرَاهِيمُ قَدْ خَذَلَهُمْ، وَلَقَدْ رَوَى عَمَّنْ بَعْدَهُ التَّرْخِيصَ فِيهِ عَنْ الْأَعْمَشِ، وَشَرِيكٍ، وَوَكِيعٍ، وَبَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ - وَأَمَّا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فَلَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ - وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْكَذِبَ وَمَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَلَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ - وَرُوِّينَا عَنْهُ الصَّحِيحَ الْمُتَوَاتِرَ الَّذِي هُوَ نَصُّ قَوْلِنَا؛. وَرَوَوْا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ: الْكَذِبَ، وَمَا لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ. وَرُوِّينَا عَنْهُمْ الصَّحِيحَ، وَنَصُّ قَوْلِنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَةٌ حَدُّ الْإِسْكَارِ]
١١٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَحَدُّ الْإِسْكَارِ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ الشَّرَابُ وَيَنْتَقِلُ بِهِ مِنْ التَّحْلِيلِ إلَى التَّحْرِيمِ هُوَ أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ الْغَلَيَانُ وَلَوْ بِحَبَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَكْثَرَ، وَيَتَوَلَّدُ مِنْ شُرْبِهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ عَلَى الْمَرْءِ فِي الْأَغْلَبِ أَنْ يَدْخُلَ الْفَسَادُ فِي تَمْيِيزِهِ، وَيَخْلِطَ فِي كَلَامِهِ بِمَا يَعْقِلُ وَبِمَا لَا يَعْقِلُ، وَلَا يَجْرِي كَلَامُهُ عَلَى نِظَامِ كَلَامِ التَّمْيِيزِ، فَإِذَا بَلَغَ الْمَرْءُ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْإِكْثَارِ مِنْ الشَّرَابِ إلَى هَذِهِ الْحَالِ فَذَلِكَ الشَّرَابُ مُسْكِرٌ حَرَامٌ، سَكِرَ مِنْهُ كُلُّ مَنْ شَرِبَهُ سَوَاءٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ، طُبِخَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ، ذَهَبَ بِالطَّبْخِ أَكْثَرُهُ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ، وَذَلِكَ الْمَرْءُ سَكْرَانُ، وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنْ الشَّرَابِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِيهِ مَوْجُودَةً فَصَارَ لَا يَسْكَرُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْإِكْثَارِ مِنْهُ، فَهُوَ حَلَالٌ، خَلٌّ لَا خَمْرٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ سَكْرَانَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَفْهَمُ بَعْضَ الْأَمْرِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْحَالِ فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ
стр. 2334
وَالْمَجْنُونُ مِثْلُهُ سَوَاءً سَوَاءً قَدْ يَفْهَمُ الْمَجْنُونُ فِي حَالِ تَخْلِيطِهِ كَثِيرًا وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يُسَمَّى مَجْنُونًا فِي اللُّغَةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْعَنْبَرِيُّ - نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ هُوَ الثَّقَفِيُّ - عَنْ هِشَامٍ هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْتَبِذْ فِي سِقَائِكَ وَأَوْكِهِ وَاشْرَبْهُ حُلْوًا»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلُنَا؛ لِأَنَّهُ إذَا بَدَأَ يَغْلِي حَدَثَ فِي طَعْمِهِ تَغْيِيرٌ عَنْ الْحَلَاوَةِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نَا هِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ لَيْسَ بِشُرْبِ الْعَصِيرِ وَبَيْعِهِ بَأْسٌ حَتَّى يَغْلِيَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَائِذٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ: سَأَلْت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ الْعَصِيرِ؟ فَقَالَ: اشْرَبْهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ فِي الْعَصِيرِ قَالَ: اشْرَبْهُ حَتَّى يَغْلِيَ
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَيْسَ بِشَرَابِ الْعَصِيرِ بَأْسٌ مَا لَمْ يُزْبِدْ فَإِذَا أَزْبَدَ فَاجْتَنِبُوهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نُصَيْرٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ الثَّعْلَبِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي الْعَصِيرِ: اشْرَبْهُ مَا دَامَ طَرِيًّا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْعَصِيرِ هَكَذَا، وَفِي مَا عَدَا الْعَصِيرِ إذَا تَجَاوَزَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ حَرَامٌ - وَهَذَا حَدٌّ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لَا يُعَضِّدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُمَا.
стр. 2335
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُوَيْد بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدِّمَشْقِيُّ نَا ثَابِتُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ يَقُولُ: اشْرَبْ الْعَصِيرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا لَمْ يَغْلِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: اشْرَبُوا الْعَصِيرَ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ، قَالَ: وَمَتَى يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ؟ قَالَ: بَعْدَ ثَلَاثٍ، أَوْ قَالَ: فِي ثَلَاثٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِينَا أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُول: نَهَى أَنْ يُشْرَبَ النَّبِيذُ بَعْدَ ثَلَاثٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَا لَمْ يَغْلِ - يَعْنِي الْعَصِيرَ.
وَحَدَّتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَانَ يَقُولُ: إذَا فَضَخْتَهُ نَهَارًا فَأَمْسَى فَلَا تَقْرَبْهُ، وَإِذَا فَضَخْتَهُ لَيْلًا فَأَصْبَحَ، فَلَا تَقْرَبْهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ: بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ ابْنِ أَبِي عُمَرَ هُوَ يَحْيَى الْبَهْرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْقَعُ لَهُ الزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ إلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ فَإِذَا أَمْسَى أَمَرَ بِهِ أَنْ يُهْرَاقَ أَوْ يُسْقَى» .
وَاحْتَجَّ مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ. رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عُمَيْرٍ الرَّمْلِيُّ نَا ضَمْرَةُ عَنْ السَّيْبَانِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَعْنَابِهِمْ فَقَالَ: زَبِّبُوهَا. قُلْنَا: مَا نَصْنَعُ بِالزَّبِيبِ؟ قَالَ: انْبِذُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ وَاشْرَبُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ وَانْبِذُوهُ عَلَى عَشَائِكُمْ وَاشْرَبُوهُ عَلَى غَدَائِكُمْ وَانْبِذُوهُ فِي الشِّنَانِ وَلَا تَنْبِذُوهُ فِي الْقُلَلِ فَإِنَّهُ إذَا تَأَخَّرَ عَنْ عَصِيرِهِ صَارَ خَلًّا» .
هَذَا السَّيْبَانِيُّ بِالسِّينِ غَيْرِ مَنْقُوطَةٍ هُوَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو - وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ
стр. 2336
اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ أَعْلَاهُ وَلَهُ عَزْلَاءُ يُنْبَذُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَيُنْبَذُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الْخَبَرُ، وَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحَانِ، وَلَيْسَا حَدًّا فِيمَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، إنَّمَا هَذَا عَلَى قَدْرِ الْبِلَادِ وَالْآنِيَةِ فَتَجِدُ بِلَادًا بَارِدَةً لَا يَسْتَحِيلُ فِيهَا مَاءُ الزَّبِيبِ إلَى ابْتِدَاءِ الْحَلَاوَةِ إلَّا بَعْدَ جُمُعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَآنِيَةً غَيْرَ ضَارِيَةٍ كَذَلِكَ، وَتَجِدُ بِلَادًا حَارَّةً وَآنِيَةً ضَارِيَةً يَتِمُّ فِيهَا النَّبِيذُ مِنْ يَوْمِهِ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﵇ الَّذِي ذَكَرْنَا: «وَاشْرَبْهُ حُلْوًا وَكُلُّ مَا أَسْكَرَ حَرَامٌ» فَقَطْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا غَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهُوَ حِينَئِذٍ حَرَامٌ - وَهَذَا قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ - وَقَالَ آخَرُونَ: إذَا انْتَهَى غَلَيَانُهُ وَابْتَدَأَ بِأَنْ يَقِلَّ غَلَيَانُهُ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ.
وَقَالَ آخَرُونَ إذَنْ إذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَأَمَّا حَدُّ سُكْرِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ السَّكْرَانِ؟ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ فِيهِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ حَدِّ السَّكْرَانِ؟ فَقَالَ: هُوَ الَّذِي إذَا اُسْتُقْرِئَ سُورَةً لَمْ يَقْرَأْهَا، وَإِذَا خُلِطَتْ ثَوْبُهُ مَعَ ثِيَابٍ لَمْ يُخْرِجْهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِنَا فِي أَنْ لَا يَدْرِيَ مَا يَقُولُ، وَلَا يُرَاعِيَ تَمْيِيزَ ثَوْبِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ سَكْرَانَ إلَّا حَتَّى لَا يُمَيِّزَ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ، وَأَبَاحَ كُلُّ سُكْرٍ دُونَ هَذَا - فَاعْجَبُوا يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ؟
[مَسْأَلَةٌ خَلْطُ نَبِيذٍ بِنَبِيذٍ]
١١٠١ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ نُبِذَ تَمْرٌ، أَوْ رُطَبٌ، أَوْ زَهْوٌ، أَوْ بُسْرٌ، أَوْ زَبِيبٌ مَعَ نَوْعٍ مِنْهَا أَوْ نَوْعٍ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ خُلِطَ نَبِيذُ أَحَدِ الْأَصْنَافِ بِنَبِيذِ صِنْفٍ مِنْهَا، أَوْ بِنَبِيذِ صِنْفٍ مِنْ غَيْرِهَا، أَوْ بِمَائِعِ غَيْرِهَا حَاشَا الْمَاءِ حَرُمَ شُرْبُهُ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَنَبِيذُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادِهِ حَلَالٌ، فَإِنْ مُزِجَ نَوْعٌ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ مَعَ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِهَا أَيْضًا أَوْ نُبِذَا مَعًا، أَوْ خُلِطَ عَصِيرٌ بِنَبِيذٍ فَكُلُّهُ حَلَالٌ: كَالْبَلَحِ وَعَصِيرِ الْعِنَبِ، وَنَبِيذِ التِّينِ، وَالْعَسَلِ، وَالْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا لَا تَحَاشَ شَيْئًا -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ نَا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ نا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْعَطَّارِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ
стр. 2337
نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا أَيْضًا آثَارًا مُتَوَاتِرَةً مُتَظَاهِرَةً فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ يَجْمَعُ كُلَّ مَا فِيهَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمَذْكُورُ.
وَبِهِ يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى أَنْ يُنْتَبَذَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَالْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا، وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْبِذَ يَقْطَعُ مِنْ الثَّمَرَةِ مَا نَضِجَ مِنْهَا فَيَضَعُهُ وَحْدَهُ وَيَنْبِذُ التَّمْرَ وَحْدَهُ وَالْبُسْرَ وَحْدَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْبُسْرَ فَيَقْطَعُونَ مِنْهُ كُلَّ مُذَنَّبٍ ثُمَّ يَأْخُذُ الْبُسْرَ فَيَفْضَخُهُ ثُمَّ يَشْرَبُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِقَطْعِ الْمُذَنَّبِ فَيَنْبِذُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ زُرَيْقٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ فَيَلْعَنُونَهُ وَيَقُولُونَ: هَذَا يَشْرَبُ الْخَلِيطَيْنِ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا عِنْدَهُمْ إذَا وَافَقَهُمْ إجْمَاعٌ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ أَيْضًا كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَخْبَرَنِي عَنْهُ مَنْ أُصَدِّقُ: أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الْبُسْرِ، وَالرُّطَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، قُلْت لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: هَلْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا؛ قُلْت لِعَمْرٍو: فَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِي الْحَبَلَةِ وَالنَّخْلَةِ، قَالَ: لَا أَدْرِي، قُلْت لِعَمْرٍو: أَوْ لَيْسَ إنَّمَا نَهَى عَنْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي النَّبِيذِ وَأَنْ يَنْبِذَ جَمِيعًا؟ قَالَ: بَلَى، وَقُلْت لِعَطَاءٍ: أَذَكَرَ جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ أَنْ
стр. 2338
يُجْمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ غَيْرِ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ؟ قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ أَكُونَ نَسِيتُ؟ قُلْت لِعَطَاءٍ: أَيُجْمَعُ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ يُنْبَذَانِ، ثُمَّ يُشْرَبَانِ حُلْوَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَدْ نُهِيَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَوْ نُبِذَ شَرَابٌ فِي ظَرْفٍ قَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ لَمْ يُشْرَبْ حُلْوًا - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
فَهَذَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ لَمْ يَرَ النَّهْيَ يُتَعَدَّى بِهِ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ - وَهُوَ قَوْلُنَا -.
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ فِي إحْدَى يَدَيَّ نَبِيذُ تَمْرٍ، وَفِي الْأُخْرَى نَبِيذُ زَبِيبٍ فَشَرِبْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا، وَلَوْ خَلَطْته لَمْ أَشْرَبْهُ. وَصَحَّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبُسْرِ، وَالتَّمْرِ يُجْمَعَانِ فِي النَّبِيذِ؟ فَقَالَ: لَأَنْ تَأْخُذَ الْمَاءَ فَتَغْلِيَهُ فِي بَطْنِك خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَجْمَعَهُمَا جَمِيعًا فِي بَطْنِك.
وَقَالَ مَالِكٌ بِتَحْرِيمِ خَلِيطِ كُلِّ نَوْعَيْنِ فِي الِانْتِبَاذِ وَبَعْدِ الِانْتِبَاذِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا عُصِرَ، وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِإِبَاحَةِ كُلِّ خَلِيطَيْنِ وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ مُقَلِّدُوهُ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ زَبِيبٌ فَيُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ تَمْرٌ فَيُلْقَى فِيهِ زَبِيبٌ» - وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ عَنْ امْرَأَةٍ لَمْ تُسَمَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ يَحْيَى الْحَسَّانِيِّ أَنَا أَبُو بَحْرٍ نَا عَتَّابُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحِمَّانِيُّ حَدَّثَتْنِي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَطِيَّةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ «عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ - وَقَدْ سُئِلَتْ عَنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ - فَقَالَتْ: كُنْت آخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ فَأُلْقِيهِ فِي إنَاءٍ فَأَمْرُسُهُ، ثُمَّ أَسْقِيهِ النَّبِيَّ ﷺ » وَهَذَا مُرَدَّدٌ فِي السُّقُوطِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ أَبِي بَحْرٍ - لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ عَنْ عَتَّابِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحِمَّانِيُّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَطِيَّةَ - وَلَا تُعْرَفُ مَنْ هِيَ فَهَلْ سُمِعَ بِأَسْخَفَ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِمِثْلِ هَذَا عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؟ وَيَعْتَرِضُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» .
وَأَبُو عُثْمَانَ مَشْهُورٌ قَاضِي الرَّيِّ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ.
وَزَادُوا ضَلَالًا فَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أُخْبِرْتُ
стр. 2339
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: أَجْمَعُ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: سَكِرَ رَجُلٌ فَحَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَرَ أَنْ يُنْظَرَ مَا شَرَابُهُ فَإِذَا هُوَ تَمْرٌ وَزَبِيبٌ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَقَالَ: يُلْقَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ» .
وَمِنْ طَرِيق أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ النَّجْرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكْرَانَ وَقَالَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ شَرِبْتَ؟ قَالَ: تَمْرٌ وَزَبِيبٌ، قَالَ: لَا تَخْلِطُوهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ يُلْقَى وَحْدَهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِنَشْوَانَ فَقَالَ: إنِّي لَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا إنَّمَا شَرِبْتُ زَبِيبًا وَتَمْرًا فِي إنَاءٍ. فَنُهِزَ بِالْأَيْدِي وَخُفِقَ بِالنِّعَالِ وَنَهَى عَنْ الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ أَنْ يُخْلَطَا»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَا لِهَؤُلَاءِ الْمَخَاذِيلِ دِينٌ يَرْدَعُهُمْ، أَوْ حَيَاءٌ يَزَعُهُمْ، أَوْ عَقْلٌ يَمْنَعُهُمْ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ؛ ثُمَّ بِمَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَعْظَمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: أُخْبِرْت عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَا يُسَمِّي مَنْ أَخْبَرَهُ، ثُمَّ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ النَّجْرَانِيِّ - وَمَنْ النَّجْرَانِيُّ - لَيْتَ شِعْرِي؟ ثُمَّ هَبْكَ أَنَّنَا سَمِعْنَا كُلَّ ذَلِكَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنْ ابْنِ عُمَرَ أَلَيْسَ قَدْ أَخْبَرَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ جَمْعِهِمَا وَأَمَرَ بِإِفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ وَكَيْف يُجْعَلُ نَهْيُهُ نَفْسُهُ حُجَّةً فِي اسْتِبَاحَةِ مَا نَهَى عَنْهُ؟ مَا بَعْدَ هَذَا الضَّلَالِ ضَلَالٌ، وَلَا وَرَاءَ هَذِهِ الْمُجَاهَرَةِ مُجَاهَرَةٌ، وَلَوْلَا كَثْرَةُ مَنْ ضَلَّ بِاتِّبَاعِهِمْ لَكَانَ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ أَوْلَى.
وَقَالُوا: إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُعَجِّلُ غَلَيَانَ الْآخَرِ. فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ وَقَفَوْتُمْ مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ، وَافْتَرَيْتُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ - ثُمَّ هَبْ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتُمْ؟ أَلَيْسَ قَدْ نَهَى ﵇ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْتُمْ؟ فَانْهَوْا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ إنْ كَانَ فِي قُلُوبِكُمْ إيمَانٌ بِهِ؟
فَإِنْ قَالُوا: هَذَا نَدْبٌ؟ قُلْنَا: كَذَبْتُمْ وَقُلْتُمْ مَا لَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ - ثُمَّ هَبْ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتُمْ فَاكْرَهُوهُ إذًا وَانْدُبُوا إلَى تَرْكِهِ، وَأَنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ هُوَ عِنْدَكُمْ وَمَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ أَصْلًا سَوَاءً.
стр. 2340
وَقَالُوا: إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِضِيقِ الْعَيْشِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ السَّرَفِ - وَهَذَا قَوْلٌ يُوجِبُ عَلَى قَائِلِهِ مَقْتَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ بَحْتٌ، وَمَعَ أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ بَارِدٌ مِنْ الْكَذِبِ سَخِيفٌ مِنْ الْبُهْتَانِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ قَطُّ عِنْدَ ذِي عَقْلٍ رِطْلُ تَمْرٍ وَرِطْلُ زَبِيبٍ، سَرَفًا، أَوْ رِطْلُ زَهْوٍ وَرِطْلُ بُسْرٍ سَرَفًا، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ قَرِيبٌ، وَهُمَا بِلَادُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ رِطْلَ تَمْرٍ، وَرِطْلَ زَبِيبٍ، أَوْ رِطْلَ زَهْوٍ، وَرِطْلَ رُطَبٍ يُجْمَعَانِ سَرَفًا يَمْنَعُ مِنْهُ ضِيقُ الْعَيْشِ فَيُنْهَوْنَ عَنْهُ لِذَلِكَ - وَلَا يَكُونُ مِائَةَ رِطْلِ تَمْرٍ، وَمِائَةَ رِطْلِ زَبِيبٍ، وَمِائَةَ رِطْل عَسَلٍ يُنْبَذُ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ سَرَفًا. وَكَيْفَ يَكُونُ رِطْلَ تَمْرٍ، وَرِطْلَ زَهْوٍ يُنْبَذَانِ مَعًا سَرَفًا وَلَا وَيَكُونُ أَكْلُهُمَا مَعًا سَرَفًا؟ كَذَلِكَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ فِي الْأَكْلِ مَعًا، لَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ مِنْ سُخْفِ الْعَقْلِ، مَنْ هَذَا مِقْدَارُ عَقْلِهِ، وَلَقَدْ عَظُمَتْ بَلِيَّتُهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَكْلَ الدَّجَاجِ وَالنِّقْيِ وَالسُّكَّرِ أَدْخَلُ عَلَى أُصُولِكُمْ الْفَاسِدَةِ فِي السَّرَفِ، وَأَبْعَدُ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ، وَمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ، ثُمَّ هَبْكُمْ أَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ، فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي ذَلِكَ؟ وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ ذُو سَعَةٍ مِنْ الْمَالِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَوِي الْيَسَارَةِ، وَالْخَبَرُ الْمَشْهُورُ «ذَهَبَ أَصْحَابُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ» وَكَانَ فِيهِمْ عُثْمَانُ؛ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَغَيْرُهُ وَفِينَا نَحْنُ وَإِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ذُو ضِيقٍ مِنْ الْعَيْشِ وَفَاقَةٍ شَدِيدَةٍ، فَالْعِلَّةُ بَاقِيَةٌ بِحَسْبِهَا، فَالنَّهْيُ بَاقٍ وَلَا بُدَّ، اسْخَفُوا مَا شِئْتُمْ لَأَنْ تُفَوِّتُوا حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.
وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: أَنْبِذُ نَبِيذَ زَبِيبٍ فَيُلْقَى لِي فِيهِ تَمْرٌ فَيَفْسُدُ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ - وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نَافِعٍ مَجْهُولٌ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الرُّجُوعُ عَنْ هَذَا - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ بِزَبِيبٍ وَتَمْرٍ أَنْ يُنْبَذَا لَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ - قَالَ نَافِعٌ: فَلَا أَدْرِي أَلِشَيْءٍ ذَكَرَهُ أَمْ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ؟ فَصَحَّ أَنَّهُ ذَكَرَ النَّهْيَ بَعْدَ أَنْ نَسِيَهُ أَوْ بَلَغَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
стр. 2341
وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَشْهُورَةٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ رَجُلًا مِنْ جِيرَانِنَا قَالَ: سَمِعْت شِهَابَ بْنَ عَبَّادٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَقَالَ: لَا يَضُرُّك أَنْ تَخْلِطَهُمَا جَمِيعًا أَوْ تُنْبَذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ، فَلَا أَكْثَرَ، أُسَامَةُ رَجُلٌ مِنْ جِيرَانِ شُعْبَةَ وَمَا نَعْلَمُ أَتَمَّ جَهْلًا، أَوْ أَقَلَّ حَيَاءً مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا يَصِحُّ أَصْلًا - ثُمَّ يُخَالِفُ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَان الضُّبَعِيِّ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ: إنِّي أَنْتَبِذْ فِي جَرَّةٍ خَضْرَاءَ نَبِيذًا حُلْوًا فَأَشْرَبُ مِنْهُ فَيُقَرْقِرُ بَطْنِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَشْرَبْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ أَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَسْخُ النَّهْيِ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ. قُلْنَا: النَّهْيُ وَاَللَّهِ عَنْ خَلْطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ أَصَحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ نَسْخِ النَّهْيِ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الَّذِي لَمْ يَأْتِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدَةَ وَجَابِرٍ فَقَطْ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فِي الِانْتِبَاذِ صَحَّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قَتَادَةَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، فَهُوَ نَقْلُ تَوَاتُرٍ وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ شَيْءٌ يَنْسَخُهُ لَا ضَعِيفٌ وَلَا قَوِيٌّ.
وَقَالُوا: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ جَمْعِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، وَبَيْنَ جَمْعِهِمَا فِي الْبَطْنِ؟ فَقُلْنَا: لَا يُعَارَضُ بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ نِكَاحِهِمَا وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى؟ وَلَوْ عَارَضْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي فَرْقِكُمْ بَيْنَ الْآبِقِ يُوجَدُ فِي الْمِصْرِ، وَبَيْنَ الْآبِقِ يُوجَدُ خَارِجَ الْمِصْرِ عَلَى ثَلَاثٍ لَأَصَبْتُمْ.
وَفِي فَرْقِكُمْ بَيْنَ السَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَلَا يُوجِبُ الْقَطْعَ [وَبَيْنَ] سَرِقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَسَرَقَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ حِرْزٍ وَجَبَ الْقَطْعُ، وَبَيْنَ الْقَهْقَهَةِ تَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَتَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَتَكُونُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَا تَنْقُضُهُ لَكَانَ أَسْلَمَ لَكُمْ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَفْضَخَ الْعِذْقَ بِمَا فِيهِ، وَمَا نَعْلَمُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ غَيْرِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِإِبَاحَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَسَائِرِ مَا جَاءَ النَّهْيُ عَنْهُ.
стр. 2342
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ صَفْوَانَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْت أَمْغَثُ لِعُثْمَانَ ﵁ الزَّبِيبَ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَأَمْغَثُهُ عَشِيَّةً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عُثْمَانُ: لَعَلَّك تَجْعَلِينَ فِيهِ زَهْوًا قُلْت: رُبَّمَا فَعَلْت، فَقَالَ: فَلَا تَفْعَلِي. .
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ نَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ أَنْ يُشْرَبَا؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْخَلِيطَانِ؟ قَالَ: التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَا وِقَاءُ بْنُ إيَاسٍ عَنْ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَجْمَعَ شَيْئَيْنِ نَبِيذًا مِمَّا يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ» وَكَانَ أَنَسٌ يَكْرَهُ الْمُذَنَّبَ مِنْ الْبُسْرِ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَا شَيْئَيْنِ فَكُنَّا نَقْطَعُهُ ".
وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَنْ يُجْمَعَ التَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، وَالْبُسْرُ، وَالزَّهْوُ، وَالرُّطَبُ: اثْنَانِ مِنْهُمَا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَآخَرُ مِنْ غَيْرِهِمَا فِي الِانْتِبَاذِ مَعًا، أَوْ يَنْبِذَهُمَا فِي إنَاءٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ مَا يَنْبِذُ وَيَعْصِرُ كَذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ - وَكُلُّهُ لَا يَصِحُّ: - أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: فَمُدَلَّسٌ لَمْ يَسْمَعْهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى مَا أَوْرَدْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ مِنْ تَفْصِيلِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ نَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ نَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ كِلَابَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُخْلَطَ بَيْنَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ» .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا أَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ - نَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ كِلَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ
стр. 2343
النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «انْتَبِذُوا الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ جَمِيعًا، وَلَا تَنْتَبِذُوا الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ جَمِيعًا» فَإِنَّمَا سَمِعَهُ يَحْيَى مِنْ كِلَابِ بْنِ عَلِيٍّ، وَثُمَامَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَكِلَاهُمَا لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - فَسَقَطَ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْخَلِيطَيْنِ هَكَذَا مُطْلَقًا لَا يُدْرَى مَا هُمَا أَهُمَا الْخَلِيطَانِ فِي الزَّكَاةِ أَمْ فِي مَاذَا؟ وَأَيْضًا فَإِنَّ ثَرِيدَ اللَّحْمِ وَالْخُبْزِ خَلِيطَانِ، وَاللَّبَنَ وَالْمَاءَ خَلِيطَانِ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مُرَادِهِ ﵇ بِذَلِكَ، وَلَا يُؤْخَذُ بَيَانُ مُرَادِهِ إلَّا مِنْ لَفْظِهِ ﵇ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْأَثَرِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ الْأُبُلِّيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ كَانَ يَكُونُ حُجَّةً عَظِيمَةً قَاطِعَةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَعْرِفُوا مَا الْخَلِيطَانِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُمَا حَتَّى سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ؟ فَفَسَّرَهُمَا لَهُمْ ﵇ بِأَنَّهُمَا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُمَا، فَلَوْ أَرَادَ غَيْرَهُمَا لَمَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ وَقَدْ سَأَلُوهُ الْبَيَانَ؟ هَذَا مَا لَا يُحِيلُ عَلَى مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ أَعْظَمَ التَّلْبِيسِ عَلَيْهِمْ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ هَهُنَا شَيْئًا زَائِدًا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ لِأُمَّتِهِ فَقَدْ افْتَرَى الْكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَلْحَدَ فِي الدِّينِ بِلَا شَكٍّ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا خَبَرُ أَنَسٍ فَمِنْ طَرِيقِ وِقَاءِ بْنِ إيَاسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، مَعَ أَنَّهُ كَلَامٌ فَاسِدٌ لَا يُعْقَلُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا مَعْنَى يَبْغِي أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي النَّبِيذِ.
فَإِنْ قَالُوا: مَعْنَاهُ يُعَجِّلُ أَحَدُهُمَا غَلَيَانَ الْآخَرِ؟ قُلْنَا: هَذَا الْكَذِبُ الْعَلَانِيَةُ وَمَا يَغْلِي تَمْرٌ وَزَبِيبٌ جَمْعًا فِي النَّبِيذِ إلَّا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَغْلِي فِيهَا الزَّبِيبُ وَحْدَهُ؛ أَوْ التَّمْرُ وَحْدَهُ وَهُوَ ﵇ لَا يَقُولُ إلَّا الْحَقَّ؛ فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ بِيَقِينٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: قِسْنَا سَائِرَ الْخَلْطِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فَقُلْنَا: الْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ بِأَوْلَى أَنْ تَقِيسُوا التِّينَ، وَالْعَسَلَ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ آخَرَ أَرَادَ أَنْ يَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ اللَّبَنَ وَالسُّكَّرَ
стр. 2344
مَجْمُوعَيْنِ، أَوْ الْخَلَّ، وَالْعَسَلَ فِي السَّكَنْجَبِينِ مَجْمُوعَيْنِ، أَوْ الزَّبِيبَ، وَالْخَلَّ مَجْمُوعَيْنِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى فَرْقٍ.
فَإِنْ قَالُوا: لَا نَتَعَدَّى النَّبِيذَ. قُلْنَا لَهُمْ: بَلْ قِيسُوا عَلَى الْجَمْعِ فِي النَّبِيذِ الْجَمْعَ فِي غَيْرِ النَّبِيذِ، أَوْ لَا تَتَعَدَّوْا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ لَا فِي نَبِيذٍ، وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى فَرْقٍ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الِانْتِبَاذُ فِي الْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ وَالْمُقَيَّرِ وَالدُّبَّاءِ]
١١٠٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَالِانْتِبَاذُ فِي الْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالْمُقَيَّرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْجِرَارِ الْبِيضِ، وَالسُّودِ، وَالْحُمْرِ، وَالْخُضْرِ، وَالصُّفْرِ، وَالْمُوَشَّاةِ، وَغَيْرِ الْمَدْهُونَةِ، وَالْأَسْقِيَةِ، وَكُلُّ ظَرْفٍ حَلَالٌ، إلَّا إنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إنَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ، أَوْ إنَاءً مَأْخُوذًا بِغَيْرِ حَقٍّ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَكُلَّ مُسْكِرٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ وَاصِلٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ إلَّا فِي ظُرُوفِ الْأُدْمِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا»
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَا الْحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرُ نَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ الظُّرُوفِ وَإِنَّ الظُّرُوفَ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَنْ الظُّرُوفِ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: إنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْهَا. قَالَ: فَلَا إذًا» .
فَصَحَّ أَنَّ إبَاحَةَ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الظُّرُوفِ نَاسِخَةٌ لِلنَّهْيِ، وَقَدْ كَانَ ﵇ نَهَى عَنْهَا، فَقَدْ صَحَّ عَنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ وَالشُّرْبِ فِي الْحَنْتَمِ، وَالْمُقَيَّرِ، وَالدُّبَّاءِ، وَالْمَزَادَةِ الْمَجْبُوبَةِ، وَكُلِّ شَيْءٍ صُنِعَ مِنْ مَدَرٍ، وَالْجَرِّ» .
стр. 2345
وَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ «كُلَّ شَيْءٍ صُنِعَ مِنْ مَدَرٍ» . وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْمُزَادَةَ الْمَجْبُوبَةَ وَذَكَرَ الْجُرَّ.
وَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ «نَهَى عَنْ الْمُزَفَّتِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْجَرِّ» .
وَصَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ كُلِّهِمْ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ أَيْضًا مُسْنَدًا عَنْ الْجَرِّ. وَعَنْ صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ» .
وَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى «عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْجَرِّ الْأَخْضَرِ وَالْأَبْيَضِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّهُ ﵇: نَهَى عَنْ الْجَرِّ» . فَهَؤُلَاءِ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ رَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيَ، وَرَوَاهُ عَنْهُمْ أَعْدَادٌ كَثِيرَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ، وَهَذَا نَقْلُ تَوَاتُرٍ وَلَمْ يَأْتِ النَّسْخُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ فَقَطْ - وَقَدْ ثَبَتَ عَلَى تَحْرِيمِ مَا صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَاخْتَلَفَ التَّابِعُونَ أَيْضًا. وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ إذَا جَاءَ خَبَرَانِ أَحَدُهُمَا نَقْلُ تَوَاتُرٍ، وَالْآخَرُ نَقْلُ آحَادٍ: أَخَذْنَا بِالتَّوَاتُرِ، وَتَنَاقَضُوا هَهُنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ فَقَطْ، وَأَبَاحَ الْجَرَّ كُلَّهُ غَيْرَ
стр. 2346
الْمُزَفَّتِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُقَيَّرِ - وَهَذَا فَاسِدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ قَسَّمَ هَذَا التَّقْسِيمَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ ذَكَرْنَا: فِيمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَحْرُمُ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ ﷺ الْأَكْلَ.
وَالشُّرْبَ فِي إنَاءِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ إنَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ فَيَغْسِلَ بِالْمَاءِ وَيَحِلُّ ذَلِكَ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ الْإِنَاءِ الْمَأْخُوذِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الطَّهَارَةِ " تَحْرِيمَ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْبُغَ، فَبَقِيَ كُلُّ هَذَا عَلَى التَّحْرِيمِ لِصِحَّةِ الْبُرْهَانِ بِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْسَخْ مُذْ حُرِّمَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ إبَاحَةَ الْخَمْرِ لِمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا]
١١٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ " مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ إبَاحَةَ الْخَمْرِ لِمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
[مَسْأَلَةٌ مَا لَا يَحِلّ شُرْبُهُ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ]
١١٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ، وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ، فَمَنْ خَلَّلَهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَحَلَّ أَكْلُ ذَلِكَ الْخَلِّ، إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ قَدْ سَقَطَ عَنْ الشَّرَابِ الْحَلَالِ إذَا أَسْكَرَ وَصَارَ خَمْرًا فَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ بِغَلَبَةٍ أَوْ بِسَرِقَةٍ فَهُوَ حَلَالٌ، إلَّا أَنْ يَسْبِقَ الَّذِي خَلَّلَهُ إلَى تَمَلُّكِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ لَهُ، كَمَا لَوْ سَبَقَ إلَيْهِ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ؛ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ نَا عَبْدُ الْأَعْلَى أَبُو هَمَّامٍ نَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ؟ فَمَا لَبِثْنَا إلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْهَا فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَسَفَكُوهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ مَالِكٌ: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقَ زَيْدٌ، وَيَحْيَى، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ السَّبَائِيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا، فَسَارَّ
стр. 2347
إنْسَانًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا» وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ مَا يُنْبَذُ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِأَنْ يُشْرَبَ أَوْ يُهْرَقَ وَهُوَ ﵇ قَدْ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ فَلَوْ كَانَ مَا حَرَّمَ مَالًا لَمَا أَضَاعَهُ ﵇، فَإِذْ لَيْسَ مَالًا فَقَدْ سَقَطَ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ، فَإِذْ سَقَطَ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَى أَنْ صَارَ خَلًّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ مِلْكُهُ عَلَى مَا لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ فَهُوَ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ كَسَائِرِ مَا لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ -: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مِلْكُهَا جَائِزٌ وَتَخْلِيلُهَا جَائِزٌ -: وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَعَمَّدَ تَخْلِيلَ الْخَمْرِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُ ذَلِكَ الْخَلِّ فَإِنْ تَخَلَّلَتْ دُونَ أَنْ تُخَلَّلَ حَلَّ أَكْلُهَا - وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا تُؤْكَلُ تَخَلَّلْت أَوَخُلِّلَتْ.
وَقَوْلُنَا فِي مِلْكِهَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ التَّمِيمِيِّ عَنْ أُمِّ خِدَاشٍ أَنَّهَا رَأَتْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَصْطَبِغُ بِخَلِّ خَمْرٍ.
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: اخْتَلَفَ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ فِي خَلِّ الْخَمْرِ فَسَأَلَا أَبَا الدَّرْدَاءِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُسَرْبَلٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: سَأَلْت عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ خَلِّ الْخَمْرِ؟ فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ بِهِ هُوَ إدَامٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِأَكْلِ مَا كَانَ خَمْرًا فَصَارَ خَلًّا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَا بَأْسَ بِخَلِّ الْخَمْرِ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - وَلَا نَعْلَمُ مِثْلَ تَفْرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
[مَسْأَلَةٌ كَسْرُ أَوَانِي الْخَمْرِ]
١١٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ كَسْرُ أَوَانِي الْخَمْرِ، وَمَنْ كَسَرَهَا مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا، لَكِنْ تُهْرَقُ وَتُغْسَلُ الْفَخَّارُ، وَالْجُلُودُ، وَالْعِيدَانُ، وَالْحَجَرُ، وَالدُّبَّاءُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، كُلُّهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ.
стр. 2348
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ - وَقَالَ مَالِكٌ: يُكْسَرُ الْفَخَّارُ وَالْعُودُ وَيُشَقُّ الْجِلْدُ وَيُغْسَلُ مَا عَدَا ذَلِكَ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ مِنْ فَتْحِ الَّذِي أَهْدَى رَاوِيَةَ الْخَمْرِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا فَتَحَ الْمُزَادَةَ وَأَهْرَقَهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُ ﵇ بِخَرْقِهَا، وَنَهْيِهِ ﵇ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَالْكَسْرُ وَالْخَرْقُ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ، وَمُتْلِفُ مَالِ غَيْرِهِ مُعْتَدٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَ هَذَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَسَرَ كُوزًا فِيهِ شَرَابٌ وَشَقَّ الْمَشَاعِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَهِيَ الزِّقَاقُ» . وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ.
وَبِخَبَرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «شَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زُقَاقَ الْخَمْرِ» .
وَبِخَبَرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّهُ ﵇ شَقَّ زُقَاقَ الْخَمْرِ» .
وَبِخَبَرٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﵇ أَرَاقَ الْخَمْرَ وَكَسَرَ جِرَارَهَا» .
وَكُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ:
أَمَّا خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ -: فَأَحَدُ طُرُقِهِ فِيهَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ الْخَوْلَانِيُّ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ.
وَالثَّانِي: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ - وَهُوَ هَالِكٌ - عَنْ أَبِي طُعْمَةَ وَهُوَ نُسَيْرُ بْنُ ذُعْلُوقٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ.
وَالثَّالِثُ: مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيِّ - وَهُوَ هَالِكٌ - عَنْ طَلْقٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِيهِ عُمَرُ بْنُ صَهْبَانَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ - وَفِيهِ أَيْضًا آخَرُ لَمْ يُسَمِّ.
وَحَدِيثُ جَابِرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ - وَهُوَ مُطَّرَحٌ - فَلَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي يَطْبُخُونَ فِيهَا لُحُومَ الْخَنَازِيرِ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ وَعَرَفَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا بِالْمَاءِ، ثُمَّ أَبَاحَ الْأَكْلَ فِيهَا وَالشُّرْبَ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِيمَا صَحَّ عَنْهُ ﵇.
стр. 2349
[مَسْأَلَةٌ مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ لَيْلًا]
مَسْأَلَةٌ: وَفُرِضَ عَلَى مَنْ أَرَادَ النَّوْمَ لَيْلًا أَنْ يُوكِيَ قِرْبَتَهُ، وَيُخَمِّرَ آنِيَتَهُ وَلَوْ بِعُودٍ يَعْرِضُهُ عَلَيْهَا، وَيَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَنْ يُطْفِئَ السِّرَاجَ، وَيُخْرِجَ النَّارَ مِنْ بَيْتِهِ جُمْلَةً إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا لِبَرْدٍ أَوْ لِمَرَضٍ، أَوْ لِتَرْبِيَةِ طِفْلٍ، فَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ لَا يُطْفِئَ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ -: نَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ نَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ. وَفِيهِ «وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [عَنْ أَبِيهِ] عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ» وَأَمَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
[مَسْأَلَةٌ الشُّرْبُ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ]
١١٠٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الشُّرْبُ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ نَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ أَنَا عِكْرِمَةُ نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ أَوْ السِّقَاءِ» .
стр. 2350
وَرُوِيَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا مُسْنَدًا صَحِيحًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَرِبَ مِنْ فَمِ قِرْبَةٍ؟ قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهَا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ - وَقَدْ تُرِكَ - وَفِيهِ الْبَرَاءُ ابْنُ بِنْتِ أَنَسٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - وَخَبَرٌ آخَرُ: مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ وَلَا أَعْرِفُهُ. وَآخَرُ مِنْ طَرِيقِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ مُوَافَقَةً لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَالنُّهَى بِلَا شَكٍّ إذَا وَرَدَ نَاسِخٌ لِتِلْكَ الْإِبَاحَةِ بِلَا شَكٍّ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَعُودَ الْمَنْسُوخُ نَاسِخًا وَلَا يَأْتِي بِذَلِكَ بَيَانٌ جَلِيٌّ، إذَنْ كَانَ يَكُونُ الدِّينُ غَيْرَ مُبَيَّنٍ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا، وَهُوَ ﵇ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ فَمِ إدَاوَةٍ. قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ الْإِدَاوَةُ وَلَيْسَتْ قِرْبَةً وَلَا سِقَاءً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الشُّرْبُ قَائِمًا]
١١٠٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الشُّرْبُ قَائِمًا، وَأَمَّا الْأَكْلُ قَائِمًا فَمُبَاحٌ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، وَقُتَيْبَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ هَدَّابٌ: نَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: نَا عَبْدُ الْأَعْلَى نَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَقَالَ قُتَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: نَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقَ هَمَّامٌ، وَهِشَامٌ، وَسَعِيدٌ، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ
следующие страницы →