Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا وَفِيهِ وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ نا الشَّعْبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَكَانَ لِي جَارًا وَدَخِيلًا وَرَبِيطًا بِالنَّهَرَيْنِ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَ كَلْبِي آخَرَ قَدْ أَخَذَ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ؟ قَالَ: فَلَا تَأْكُلْ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» فَلَمْ يَجْعَلْ النَّبِيُّ ﷺ الْإِرْسَالَ، إلَّا مَعَ التَّسْمِيَةِ بِلَا مُهْلَةٍ، وَحَرَّمَ أَكْلُ مَا لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِّينَا خِلَافَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَكَمِ الْبَلَوِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: إنِّي أَخْرُجُ إلَى الصَّيْدِ فَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ حِينَ أَخْرُجُ فَرُبَّمَا مَرَّ بِي الصَّيْدُ حَثِيثًا فَأُعَجِّلُ فِي رَمْيِهِ قَبْلَ أَنْ أَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا خَرَجْتَ قَانِصًا لَا تُرِيدُ إلَّا ذَلِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ تَخْرُجُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكْفِيك - وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ وَرِوَايَةُ ابْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ سَاقِطٌ - ثُمَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَلَوِيِّ وَهُوَ مَجْهُولٌ. -
[مَسْأَلَةٌ مَا ضُرِبَ بِحَجَرٍ مِنْ الصَّيْد فَأُدْرِكَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الْحَيَاةِ]
١٠٧١ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا ضُرِبَ بِحَجَرٍ، أَوْ عُودٍ، أَوْ فَرَى مَقَاتِلَهُ سَبُعٌ بَرِّيٌّ أَوْ طَائِرٌ كَذَلِكَ، أَوْ وَثَنِيٌّ، أَوْ مَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى فَأُدْرِكَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الْحَيَاةِ ذُكِّيَ بِالذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ، وَحَلَّ أَكْلُهُ، لِأَنَّهُ مِمَّا قَالَ فِيهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَقَدْ تَقَصَّيْنَا هَذَا " فِيمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَحْرُمُ " مِنْ كِتَابِنَا هَذَا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ وَضَعَ اثْنَانِ أَيْدِيَهُمَا عَلَى شَفْرَةٍ فَذَكَّيَا بِهَا حَيَوَانًا]
١٠٧٢ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ وَضَعَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا أَيْدِيَهُمْ عَلَى شَفْرَةٍ، أَوْ رُمْحٍ فَذَكَّوْا بِهِ حَيَوَانًا بِأَمْرِ مَالِكِهِ وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى أَحَدُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ. وَكَذَلِكَ، لَوْ رَمَى جَمَاعَةٌ سِهَامًا وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى أَحَدُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ فَأَصَابُوا صَيْدًا فَأَكْلُهُ حَلَالٌ وَهُوَ بَيْنَهُمْ إذَا أَصَابَتْ سِهَامُهُمْ مَقْتَلَهُ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى جَمِيعُهُمْ وَإِذَا لَمْ يُصِبْ أَحَدُهُمْ مَقْتَلَهُ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يُصِبْ مَقْتَلَهُ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى فَهُوَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَدٌ مِمَّنْ أَصَابَ مَقْتَلَهُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ كُلُّهُ الَّذِي سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى - بِخِلَافِ الْقَوْلِ فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ الْمُتَمَلَّكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحَّتْ عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَالٌ، فَأَمَّا الصَّيْدُ فَلَا يُمْلَكُ إلَّا بِالتَّذْكِيَةِ أَوْ بِأَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ
стр. 2277
قَبْلَ مَوْتِهِ فَهَذَا لَمْ يُذَكِّهِ، لَكِنْ جَرَحَهُ فَلَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا مَلَكَهُ الَّذِي ذَكَّاهُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَأَمَّا الْمُتَمَلَّكُ قَبْلَ أَنْ يُذَكَّى فَهُوَ مُذَكًّى بِتَسْمِيَةِ مَنْ سَمَّى، وَالْمِلْكُ بَاقٍ لِمَنْ سَلَفَ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ كَمَا كَانَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ وَغَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا]
١٠٧٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ وَغَابَ عَنْهُ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا، فَإِنْ مَيَّزَ سَهْمَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ أَصَابَ مَقْتَلَهُ حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ لَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَاهُ فَأَصَابَهُ، ثُمَّ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَوْ فِي مَاءٍ، فَإِنْ مَيَّزَ أَيْضًا سَهْمَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ أَصَابَ مَقْتَلَهُ حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ وَإِلَّا فَلَا -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ حَدَّثَنِي عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا وَقَعَتْ رَمْيَتُكَ فِي مَاءٍ فَغَرِقَ فَمَاتَ فَلَا تَأْكُلْ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ «عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إذَا عَرَفْتَ سَهْمَكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرًا لِغَيْرِهِ فَكُلْ» . ١٠٧٤ -
مَسْأَلَةٌ: وَسَوَاءٌ أَنْتَنَ أَمْ لَمْ يُنْتِنْ، وَلَا يَصِحُّ الْأَثَرُ الَّذِي فِيهِ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، وَلَا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنِي فِي قَوْسِي؟ قَالَ: كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ ذَكِيٌّ وَغَيْرُ ذَكِيٍّ - وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ - مَا لَمْ يَضِلَّ أَوْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِكَ» لِأَنَّهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُسْنَدًا، وَلَا الْأَثَرُ الَّذِي فِيهِ «كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَلَا تَأْكُلْ مَا أَنْمَيْتَ» . وَتَفْسِيرُ الْإِصْمَاءِ أَنْ تُقْعِصَهُ وَالْإِنْمَاءُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِسَهْمِهِ حَتَّى يَغِيبَ عَنْهُ فَيَجِدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَيِّتًا بِيَوْمٍ أَوْ نَحْوِهِ - وَهَكَذَا رُوِّينَا تَفْسِيرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لِأَنَّ رَاوِيَ الْمُسْنَدِ فِي ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مَسْمُولٍ - وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ - عَنْ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَأَبُوهُ مَجْهُولٌ. وَلَا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَمَيْتُ صَيْدًا فَتَغَيَّبَ عَنِّي لَيْلَةً فَقَالَ ﵇: إنَّ هَوَامَّ اللَّيْلِ كَثِيرَةٌ» لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ.
стр. 2278
وَلَا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُعِنْ عَلَى قَتْلِهِ دَوَابُّ الْمُعَارِ لَأَمَرْتُكَ بِأَكْلِهِ» لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَفِيهِ الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَلَا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ فِي الصَّيْدِ، إذَا غَابَ مَصْرَعُهُ عَنْك كَرِهَهُ» لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ رَمَى الصَّيْدَ فَوَجَدَ فِيهِ سَهْمَهُ مِنْ الْغَدِ قَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ سَهْمَك قَتَلَهُ لَأَمَرْتُك بِأَكْلِهِ، وَلَكِنَّهُ لَعَلَّهُ قَتَلَهُ تَرَدِّيهِ أَوْ غَيْرُهُ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ طَائِرًا وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ فَخَرَّ فَمَاتَ فَلَا تَأْكُلْهُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلَهُ تَرَدِّيهِ أَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ فَمَاتَ فَلَا تَأْكُلْهُ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ الْمَاءُ. وَمِثْلُهُ عَنْ طَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ قَالَ: إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ تُذَكِّيَهُ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ رُمِيَ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ فَمَاتَ. وَعَنْ عَطَاءٍ فِي صَيْدٍ رُمِيَ فَلَمْ يَزَلْ يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتَّى مَاتَ قَالَ: كُلْهُ فَإِنْ تَوَارَى عَنْك بِالْهِضَابِ أَوْ الْجِبَالِ فَلَا تَأْكُلْهُ إذَا غَابَ عَنْك مَصْرَعُهُ فَإِنْ تَرَدَّى أَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ وَأَنْتَ تَرَاهُ فَلَا تَأْكُلْهُ. وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إذَا تَوَارَى عَنْك الصَّيْدُ وَالْكَلْبُ وَهُوَ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدْتَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ جَازَ أَكْلُهُ، فَلَوْ تَرَكَ الرَّجُلُ الْكَلْبَ وَاشْتَغَلَ بِصَلَاةٍ أَوْ عَمَلٍ مَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْكَلْبِ فَوَجَدَ الصَّيْدَ مَقْتُولًا وَالْكَلْبُ عِنْدَهُ كُرِهَ أَكْلُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ فَأَدْرَكَهُ مِنْ يَوْمِهِ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَفِيهِ جِرَاحَةٌ أَكَلَهُ، فَإِنْ بَاتَ عَنْهُ لَمْ يَأْكُلْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقِيَاسُ إذَا غَابَ عَنْهُ أَنْ يَأْكُلَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ أَقْوَالٌ سَاقِطَةٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَالْمُفْتَرَضُ طَاعَتُهُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [إذْ] يَقُولُ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيُّ - عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ «عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدُنَا يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ أَيَأْكُلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعَمْ، إنْ شَاءَ، أَوْ قَالَ: يَأْكُلُ إنْ شَاءَ» .
стр. 2279
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: يَرْمِي أَحَدُنَا الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَيَجِدُهُ وَفِيهِ سَهْمُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا وَجَدْتَ سَهْمَكَ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ فَكُلْهُ» . قَالَ عَلِيٌّ: إذَا وَجَدَ سَهْمَهُ قَدْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ قَتَلَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ فَمَنَعَهُ مِنْ الْجَرْيِ]
١٠٧٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ فَمَنَعَهُ ذَلِكَ الْأَمْرُ مِنْ الْجَرْيِ أَوْ الطَّيَرَانِ وَلَمْ يُصِبْ لَهُ مَقْتَلًا أَوْ أَصَابَ فَهُوَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ لِمَنْ أَخَذَهُ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَمَلَكَهُ بِذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى صَيْدًا فَقَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا فَمَاتَ]
١٠٧٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَقَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا، أَيَّ عُضْوٍ كَانَ فَمَاتَ مِنْهُ بِيَقِينٍ مَوْتًا سَرِيعًا كَمَوْتِ سَائِرِ الذَّكَاةِ، أَوْ بَطِيئًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ إلَّا وَقَدْ مَاتَ، أَوْ هُوَ فِي أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْحَاضِرِ: أَكَلَهُ كُلَّهُ، وَأَكَلَ أَيْضًا الْعُضْوَ الْبَائِنَ. فَلَوْ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ مَوْتًا سَرِيعًا وَأَدْرَكَهُ حَيًّا وَكَانَ يَعِيشُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ عَيْشِ الْمُذَكَّى، ذَكَّاهُ وَأَكَلَهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ الْعُضْوَ الْبَائِنَ، أَيَّ عُضْوٍ كَانَ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ مِنْهُ كَمَوْتِ الذَّكَاةِ فَهُوَ ذَكِيٌّ كُلُّهُ. فَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ حَيًّا فَهُوَ ذَكِيٌّ مَتَى مَاتَ مِمَّا أَصَابَهُ وَهُوَ مُذَكًّى كُلُّهُ، وَمَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مُذَكًّى، وَقَالَ ﵇، «إذَا خُزِقَ فَكُلْ» فَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ. وَإِذَا أُدْرِكَ حَيًّا فَذَكَاتُهُ فَرْضٌ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِحْسَانِ الْقِتْلَةِ وَالْإِرَاحَةِ. وَأَمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَاجِلِ فَلَا مَعْنَى لِذَبْحِهِ حِينَئِذٍ وَلَا لِنَحْرِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ إرَاحَةً بَلْ هُوَ تَعْذِيبٌ، وَهُوَ بَعْدُ مُذَكًّى، فَهُوَ حَلَالٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ: إذَا رَمَى الصَّيْدَ فَغَدَا حَيًّا وَقَدْ سَقَطَ مِنْهُ عُضْوٌ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ سَائِرُهُ حَاشَا ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَإِنْ مَاتَ حِينَ ذَلِكَ أُكِلَ كُلُّهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: إنْ قَطَعَهُ نِصْفَيْنِ أَكَلَ النِّصْفَيْنِ مَعًا، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَقَلَّ مِنْ الْأُخْرَى، فَإِنْ كَانَتْ الْقِطْعَةُ الَّتِي فِي الرَّأْسِ هِيَ
стр. 2280
الصُّغْرَى أُكِلَ كِلْتَاهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ الَّتِي فِيهَا الرَّأْسُ هِيَ الْكُبْرَى أُكِلَتْ هِيَ وَلَمْ تُؤْكَلْ الْأُخْرَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا يَمُوتُ بِهِ مَوْتَ الْمَنْحُورِ أَوْ الْمَذْبُوحِ أُكِلَا مَعًا، وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا يَعِيشُ بَعْدَهُ سَاعَةً فَأَكْثَرَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ فَذَكَّاهُ أُكِلَ، حَاشَا مَا قُطِعَ مِنْهُ. وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ حَدَّ الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّهَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ مُتَعَلِّقًا أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى جَمَاعَةَ صَيْدٍ وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَنَوَى أَيَّهَا أَصَابَ]
١٠٧٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَمَى جَمَاعَةَ صَيْدٍ، وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَنَوَى أَيَّهَا أَصَابَ، فَأَيُّهَا أَصَابَ حَلَالٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا «إذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ» . وَقَوْلِهِ ﵇: «إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ» فَعَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَخُصَّ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا مِنْ الْجُمْلَةِ بِعَيْنِهِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ١٠٧٨ -
مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ لَمْ يَنْوِ إلَّا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ فَإِنْ أَصَابَهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهُ فَإِنْ أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ فَهُوَ حَلَالٌ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يَنْوِ صَيْدًا فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ ذَبْحَ حَيَوَانٍ مُتَمَلَّكٍ بِعَيْنِهِ فَذَبَحَ غَيْرَهُ مُخْطِئًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ قَاصِدًا إلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
[مَسْأَلَةٌ رَمَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ ثُمَّ رَمَاهُ فَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى فَقَتَلَهُ]
١٠٧٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأً رَمَى صَيْدًا فَأَثْخَنَهُ وَجَعَلَهُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، ثُمَّ رَمَاهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى فَقَتَلَهُ فَهُوَ مَيْتَةٌ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، لِأَنَّهُ إذْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَمْ تَكُنْ ذَكَاتُهُ إلَّا بِالذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ، فَلَمْ يُذَكِّهِ كَمَا أُمِرَ، فَهُوَ غَيْرُ مُذَكًّى، وَعَلَى قَاتِلِهِ إنْ كَانَ غَيْرَهُ ضَمَانُ مِثْلِهِ لِلَّذِي أَثْخَنَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِالْإِثْخَانِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الِامْتِنَاعِ، فَقَاتِلُهُ مُعْتَدٍ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وَلَوْ جَرَحَهُ إلَّا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ بَعْدُ، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ
стр. 2281
الِامْتِنَاعِ، فَمَا دَامَ مُمْتَنِعًا فَهُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ بَعْدُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ نَصَبَ فَخًّا أَوْ حِبَالَةً أَوْ حَفَرَ زُبْيَةً لِلصَّيْدِ]
١٠٨٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَصَبَ فَخًّا، أَوْ حِبَالَةً، أَوْ حَفَرَ زُبْيَةً كُلُّ ذَلِكَ لِلصَّيْدِ، فَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ سِوَاهُ؛ فَإِنْ نَصَبَهَا لِغَيْرِ الصَّيْدِ فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَدَ صَيْدًا قَدْ صَادَهُ جَارِحٌ أَوْ فِيهِ رَمْيَةٌ قَدْ جَعَلْته غَيْرَ مُمْتَنِعٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَإِذَا نَوَى الصَّيْدَ فَقَدْ مَلَكَ كُلَّ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِمَّا قَصَدَ تَمَلُّكَهُ، وَإِذَا لَمْ يَنْوِ الصَّيْدَ فَلَمْ يَتَمَلَّكْ مَا وَقَعَ فِيهَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ لِكُلِّ مَنْ تَمَلَّكَهُ - وَكَذَلِكَ مَا عَشَّشَ فِي شَجَرَةٍ أَوْ جُدْرَانِ دَارِهِ هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ إلَّا أَنْ يُحْدِثَ لَهُ تَمَلُّكًا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ أَخْبَرَهُ عَنْ الْبَهْزِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِالرَّوْحَاءِ فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ، ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا كَانَ بِالْأُثَايَةِ إذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ وَفِيهِ سَهْمٌ فَأَمَرَ ﷺ رَجُلًا يَثْبُتُ عِنْدَهُ لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ رَمَى صَيْدًا فَوَقَعَ بِحَضْرَةِ قَوْمٍ فَلَمْ يُذَكُّوهُ حَتَّى مَاتَ، فَهُوَ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَأْمُرْ بِتَذْكِيَةِ ذَلِكَ الظَّبْيِ وَتَرَكَهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي رَمَاهُ، وَهَذَا الْبَهْزِيُّ هُوَ كَانَ صَاحِبَ ذَلِكَ الْحِمَارِ الْعَقِيرِ. ١٠٨١ -
مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ مَاتَ فِي الْحِبَالَةِ، أَوْ الزُّبْيَةِ، لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ سَوَاءٌ جَعَلَ هُنَالِكَ حَدِيدَةً أَمْ لَمْ يَجْعَلْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَذْكِيَتَهُ كَمَا أُمِرَ أَنْ يُذَكِّيَهُ بِهِ مِنْ رَمْيٍ أَوْ قَتْلِ جَارِحٍ، وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ حَرَامٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى التَّحْلِيلِ إلَّا بِنَصٍّ وَلَا نَصَّ فِي هَذَا. وَقَدْ أَبَاحَهُ بَعْضُ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَمَّنْ وَضَعَ مِنْجَلَهُ فَيَمُرُّ بِهِ طَائِرٌ فَيَقْتُلُهُ؟ فَكَرِهَ أَكْلَهُ - وَسَأَلْتُ عَنْهُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا
стр. 2282
بِصَيْدِ الْمَنَاجِلِ، وَقَالَ: سَمِّ إذَا نَصَبْتهَا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا حُصَيْنٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَخِي مَسْرُوقٍ - سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَيْدِ الْمَنَاجِلِ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا مَا بَانَ مِنْهُ وَهُوَ حَيٌّ فَلَا تَأْكُلْ وَكُلْ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، قَدْ خَالَفَهُ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ وَهُمْ يُشَنِّعُونَ هَذَا عَلَى غَيْرِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ مَلَكَ حَيَوَانًا وَحْشِيًّا حَيًّا أَوْ مُذَكًّى أَوْ بَعْضَ صَيْدِ الْمَاءِ]
١٠٨٢ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ حَيَوَانًا وَحْشِيًّا حَيًّا أَوْ مُذَكًّى أَوْ بَعْضَ صَيْدِ الْمَاءِ كَذَلِكَ فَهُوَ لَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ أَفْلَتَ وَتَوَحَّشَ وَعَادَ إلَى الْبَرِّ أَوْ الْبَحْرِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهِ أَبَدًا، وَلَا يَحِلُّ لِسِوَاهُ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِ مَالِكِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَنَاسَلَ مِنْ الْإِنَاثِ مِنْ ذَلِكَ أَبَدًا. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . وَهَذَا مَالٌ مِنْ مَالِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُخَالِفِينَ مَعَنَا فَلَا يَحِلُّ لِسِوَاهُ إلَّا بِمَا يَحِلُّ بِهِ سَائِرُ مَالِهِ. وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا تَوَحَّشَ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ - وَهَذَا قَوْلٌ بَيِّنُ الْفَسَادِ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَالنَّظَرِ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُمْ إنْ أَفْلَتَ فَأُخِذَ مِنْ يَوْمِهِ، أَوْ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِ مَالِكِهِ فَلِيُبَيِّنُوا لَنَا الْحَدَّ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ خَرَجَ بِهِ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ. وَيَسْأَلُونَ عَمَّنْ مَلَكَ وَحْشِيًّا فَتَنَاسَلَ عِنْدَهُ ثُمَّ شَرَدَ نَسْلُهَا؟ فَإِنْ قَالُوا: يَسْقُطُ مِلْكُهُ عَنْهُ - لَزِمَهُمْ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ فِي الْعَالَمِ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا فِي أَوَّلِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَمَلَّكَةٍ ثُمَّ مُلِّكَتْ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي حَمَامِ الْأَبْرَاجِ، وَالنَّحْلُ كُلُّ مَا مَيَّزَ فَهُوَ وَنَسْلُهُ لِمَالِكِهِ أَبَدًا لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَقَوْلُ اللَّيْثِ: مَنْ تَرَكَ دَابَّتَهُ بِمَضْيَعَةٍ فَهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا لَا تُرَدُّ إلَى صَاحِبِهَا - وَكَقَوْلِ اللَّيْثِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ نُظَرَائِهِ: مَا عَطِبَ فِي الْبَحْرِ مِنْ السُّفُنِ فَرَمَى الْبَحْرُ مَتَاعًا مِمَّا غَرِقَ فِيهَا فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ لَا لِصَاحِبِهِ، وَلَوْ قَامَتْ لَهُ بِكُلِّ ذَلِكَ بَيِّنَةُ عَدْلٍ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ ظَاهِرَةُ الْبُطْلَانِ، لِأَنَّهُ إيكَالُ مَالِ مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ بِالْبَاطِلِ.
[مَسْأَلَةٌ إرْسَال الْجَارِحِ]
- ١٠٨٣ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا حُكْمُ إرْسَالِ الْجَارِحِ، فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ الْجَارِحُ مِنْ أَنْ يَكُونَ
стр. 2283
مُعَلَّمًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ فَالْمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي لَا يَنْطَلِقُ حَتَّى يُطْلِقَهُ صَاحِبُهُ، فَإِذَا أَطْلَقَهُ انْطَلَقَ، وَإِذَا أَخَذَ وَقَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ ذَلِكَ الصَّيْدِ شَيْئًا، فَإِذَا تَعَلَّمَ هَذَا الْعَمَلَ، فَبِأَوَّلِ مُدَّةٍ يُقْتَلُ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ مُعَلَّمٌ حَلَالٌ أَكْلُ مَا قَتَلَ مِمَّا أَطْلَقَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إطْلَاقِهِ. وَسَوَاءٌ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ أَوْ بِرَضٍّ، أَوْ بِصَدْمٍ، أَوْ بِخَنْقٍ كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ. فَإِنْ قَتَلَهُ وَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا فَذَلِكَ الصَّيْدُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ. وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا الْكَلْبُ، وَغَيْرُهُ مِنْ سِبَاعِ دَوَابِّ الْأَرْبَعِ، وَالْبَازِي وَغَيْرُهُ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَلَا فَرْقَ. فَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] . وَمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يُبِحْ لَنَا إلَّا مَا أَمْسَكَ عَلَيْنَا جَوَارِحُنَا الْمُعَلَّمَةُ. وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي التَّعْلِيمِ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ لَنَا كَمَا ذَكَرْنَا إلَّا مَا أَمْسَكَ عَلَيْنَا جَوَارِحُنَا الْمُعَلَّمَةُ، وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ سِبَاعَ الطَّيْرِ، وَذَوَاتَ الْأَرْبَعِ تَعْلَمُ التَّصَيُّدَ بِطَبْعِهَا لِأَنْفُسِهَا وَمَعَاشِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ شَيْءٍ زَائِدٍ تَعْلَمُهُ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ إلَّا أَنْ تَعَلُّمَهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا ضَرُورَةً، وَإِلَّا فَكُلُّ جَارِحٍ فَهُوَ مُعَلَّمٌ - وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، فَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا فَلَيْسَ هَهُنَا شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ تُعَلَّمَهُ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي هَذَا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يَأْكُلْ وَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَهُوَ مُعَلَّمٌ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ بَعْدَ تِلْكَ الْمِرَارِ، وَلَمْ يَحُدَّا فِي ذَلِكَ حَدًّا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يَأْكُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَهُوَ مُعَلَّمٌ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ فِي الرَّابِعَةِ وَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ فِي تِلْكَ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: إذَا أَمْسَكَ فَلَمْ يَأْكُلْ مَرَّةً فَهُوَ مُعَلَّمٌ وَيُؤْكَلُ مَا قَتَلَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ فِي الْأُولَى. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا أَمْسَكَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَأَوَّلُ مَرَّةٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَيِّنَا مَتَى
стр. 2284
يَحِلُّ أَكْلُ مَا قَتَلَ وَمَتَى لَا يَحِلُّ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَالسُّكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ إشْكَالٌ مَحْضٌ، لَا بَيَانَ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَدِينُ اللَّهِ تَعَالَى بَيِّنٌ لَائِحٌ قَدْ فَصَّلَ لَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِمَّا لَمْ يَحْرُمْ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ فَأَظْهَرُ فَسَادًا مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُمَا حَدَّا حَدًّا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مَعْقُولٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَدَّ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَبَيْنَ مَنْ حَدَّ بِأَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ، أَوْ بِمَرَّتَيْنِ، أَوْ بِمَا زَادَ - وَكُلُّ ذَلِكَ، شَرْعٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّنَا لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ مُعَلَّمٌ إلَّا بِتِلْكَ الْفِعْلَةِ الْأُولَى فَبِهَا عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَ فَهُوَ فِي الثَّانِيَةِ مُعَلَّمٌ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ. قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْنَا: صَدَقْتُمْ، إنَّهُ بِتِلْكَ الْفِعْلَةِ الْأُولَى عَلِمْنَا أَنَّهُ مُعَلَّمٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَبْلَهَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا، فَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ مُعَلَّمٌ بِتِلْكَ الْفِعْلَةِ صَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ صَادَ تِلْكَ الْمَرَّةَ وَهُوَ مُعَلَّمٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا لَمَا أَتَى بِشُرُوطِ التَّعْلِيمِ، فَإِذْ صَادَهَا وَهُوَ مُعَلَّمٌ فَحَلَالٌ أَكْلُ مَا صَادَ فِيهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ الصَّحِيحُ بِلَا شَكٍّ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَلَمْ يُرَاعِ أَكْلَ الْجَارِحِ وَهُوَ خَطَأٌ لِمَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا جَوَازُ أَكْلِ مَا قَتَلَ كَيْفَمَا قَتَلَ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا جَرَحَ لَا مَا قَتَلَ بِخَنْقٍ، أَوْ صَدْمٍ، أَوْ رَضٍّ، أَوْ غَمٍّ - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْجَارِحَ الْكَاسِبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وَحَتَّى لَوْ كَانَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (الْجَوَارِحِ) مِنْ الْجِرَاحِ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُنَّ جَوَارِحَ، وَهُنَّ جَوَارِحُ، وَقَوَاتِلُ، بِلَا شَكٍّ، وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى: (لَا تَأْكُلُوا إلَّا مِمَّا وَلَّدْنَ فِيهِ جِرَاحَةً) بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَلَمْ يَذْكُرْ تَعَالَى بِجِرَاحَةٍ، وَلَا بِغَيْرِ جِرَاحَةٍ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قِسْنَا الْجَارِحَ عَلَى الْمِعْرَاضِ إنْ خُزِقَ أُكِلَ وَإِنْ رُضَّ لَمْ يُؤْكَلْ.
стр. 2285
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ هَذَا بَاطِلًا لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ عِنْدَهُمْ مَعَ نَصٍّ وَالنَّصُّ جَاءَ فِي الْمِعْرَاضِ بِمَا ذَكَرُوا، وَفِي الْجَارِحِ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - نا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو نُعَيْمٍ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ - نا زَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ «عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَخْذِ الْكَلْبِ؟ فَقَالَ: كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ نا أَبِي نا زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ «عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ؟ فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ» فَأَمَرَهُ ﵇ بِأَكْلِ مَا قَتَلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ ذَكَاةٌ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ﵇ بِجِرَاحَةٍ مِنْ غَيْرِهَا، فَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ. وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ، وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُ أَكْلِ الصَّيْدِ إذَا أَكَلَ مِنْهُ الْجَارِحُ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] فَلَمْ يُبِحْ لَنَا اللَّهُ تَعَالَى مَا أَمْسَكْنَ فَقَطْ وَلَا مَا أَمْسَكْنَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ بَلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْنَا فَقَطْ، وَبِالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّهُ إذَا أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَى نَفْسِهِ أَمْسَكَ وَلَهَا صَادَ فَهُوَ حَرَامٌ. وَأَيْضًا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَالْكَلْبُ سَبُعٌ بِلَا خِلَافٍ فَتَحْرِيمُ مَا أَكَلَ مِنْهُ حَرَامٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَلَا يَحِلُّ إلَّا حَيْثُ أَحَلَّهُ النَّصُّ فَقَطْ. وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا آدَم نا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فَقَتَلَ فَأَكَلَ فَلَا
стр. 2286
تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ هُوَ الْأَحْوَلُ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ لَمْ يَقْتُلْ فَاذْبَحْ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ فَقَدْ أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَطْعَمْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» وَذَكَرَ بَاقِي الْخَبَرِ - وَبِهَذَا يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: صَحَّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. نا حُمَامٌ نا الْبَاجِيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَحْمَدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا أَبُو ثَوْرٍ نا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ شَقِيقٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ نا نَصْرُ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ كَلْبٍ أَرْسَلَهُ؟ فَقَالَ لِي وَذِّمْهُ فَإِذَا أَرْسَلْته فَسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ - وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا أَكَلَ فَلَيْسَ بِمُعَلَّمٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ صَحَّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ فِي الصَّقْرِ وَالْبَازِي يَأْكُلُ؟ قَالَ: لَا تَأْكُلْ، وَمِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ - وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَمَنَعَ الشَّعْبِيُّ مِنْ أَكْلِ الصَّيْدِ إذَا شَرِبَ الْجَارِحُ مِنْ دَمِهِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ،
وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤْكَلُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ مَنْ قَلَّدَهُ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى نا هُشَيْمٌ نا دَاوُد بْنُ عَمْرٍو عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ
стр. 2287
عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي ثَعْلَبَةَ: إنْ كَانَ لَك كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسَكَ، وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ يَضِلَّ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ نا أَسَدُ بْنُ مُوسَى عَنْ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ صَيْدٍ وَلَنَا كِلَابٌ نُرْسِلُهَا فَتَأْخُذُ الصَّيْدَ؟ فَقَالَ ﵇: كُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ إلَّا أَنْ يُخَالِطَهَا كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ قَتَلَتْ، قَالَ: وَإِنْ قَتَلَتْ، قُلْتُ: وَإِنْ أَكَلَتْ، قَالَ: وَإِنْ أَكَلَتْ» . وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُرَيِّ بْنِ قَطَرِيّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا كَانَ مِنْ كَلْبٍ ضَارٍ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ، قُلْتُ: وَإِنْ أَكَلَ؟ قَالَ: نَعَمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ حَدَّثَنِي الْحَارِثُ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُمَيْرٍ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ مِنْ سَعْدِ هُذَيْمٍ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا أَصْحَابُ قَنْصٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَقَتَلَ فَكُلْ، قُلْنَا وَإِنْ أَكَلَ نَأْكُلُ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَاعْتَرَضُوا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَلْبَ لَهُ نِيَّةٌ فِي الْإِمْسَاكِ عَلَى مُرْسِلِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ بِالْإِنْكَارِ لِذَلِكَ - وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: كُلْ مِمَّا أَكَلَ مِنْهُ كَلْبُكَ الْمُعَلَّمُ وَإِنْ أَكَلَ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ كُلْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا بِضْعَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَأَكَلَ ثُلُثَيْهِ فَكُلْ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ شُعْبَةُ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ حَمَّادٌ: عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ثُمَّ اتَّفَقَ بَكْرٌ، وَسَعِيدٌ كِلَاهُمَا عَنْ
стр. 2288
سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ صَيْدِ الْكَلْبِ وَإِنْ أَكَلَ ثُلُثَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقِ مَنْ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ وَلَا سُمِّيَ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ - وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الْحَسَنِ. وَعَطَاءٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ لَهُمْ وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. أَمَّا الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَكُلُّهَا سَاقِطَةٌ لَا تَصِحُّ -: أَمَّا حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ فَمِنْ طَرِيقِ دَاوُد بْنِ عُمَرَ. وَهُوَ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَدْ ذُكِرَ بِالْكَذِبِ، فَإِنْ لَجُّوا وَقَالُوا: بَلْ هُوَ ثِقَةٌ؟ قُلْنَا: لَا عَلَيْكُمْ إنْ وَثَّقْتُمُوهُ هَهُنَا فَخُذُوا رِوَايَتَهُ الَّتِي رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ نا هُشَيْمٌ أَنَا دَاوُد بْنُ عُمَرَ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ وَلِيَالِهِنَّ وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ» فَهَذِهِ تِلْكَ الطَّرِيقُ بِعَيْنِهَا. وَمِنْ الْكَبَائِرِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى الِاحْتِجَاجُ بِهَا إذَا اشْتَهَيْتُمْ وَوَافَقَتْ أَهْوَاءَكُمْ وَرَأْيَ مَنْ قَلَّدْتُمُوهُ دِينَكُمْ، وَإِطْرَاحُهَا إذَا خَالَفَتْ أَهْوَاءَكُمْ وَرَأْيَ مَنْ قَلَّدْتُمُوهُ هَذِهِ الصِّفَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ يَقُولُونَ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِمَنْ عَقَلَ. وَأَمَّا نَحْنُ فَمَا نَحْتَجُّ بِهِ أَصْلًا، وَلَا نَقْبَلُهُ حُجَّةً. وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَصَحِيفَةٌ، فَإِنْ أَبَوْا إلَّا تَصْحِيحَهَا؛ قُلْنَا: لَا عَلَيْكُمْ خُذُوا بِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةٌ، وَعِشْرُونَ ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ» «وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ: حَرَقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ» ، وَغَيْرُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا خَالَفُوهُ وَلَمْ يَرُدُّوهُ إلَّا بِتَضْعِيفِ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ، وَحُجَّةٌ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْسُوبَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ إذَا اشْتَهَوْا وَوَافَقَتْ أَهْوَاءَهُمْ، وَرَأْيَ مَنْ قَلَّدُوهُ، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ مُطَّرَحَةٌ غَيْرُ مُصَدَّقَةٍ إذَا خَالَفَتْ أَهْوَاءَهُمْ، وَرَأْيَ مَنْ قَلَّدُوهُ، أَلَا ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ، وَمَا نَدْرِي كَيْفَ تَنْبَسِطُ نَفْسُ مُسْلِمٍ لِمِثْلِ هَذَا؟
стр. 2289
وَأَمَّا الْخَبَرُ: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -: فَأَحَدُ: طَرِيقَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيِّ. وَقَدْ رَوَى الْكَذِبَ الْمَحْضَ عَنْ الثِّقَاتِ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وَالْأُخْرَى: مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ عَنْ مُرَيِّ بْنِ قَطَرِيّ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَكَمْ رِوَايَةٍ لِأَسَدٍ، وَسِمَاكٍ، اطْرَحُوهَا إذَا خَالَفَتْ أَهْوَاءَهُمْ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي النُّعْمَانِ: فَمُصِيبَةٌ، فِيهِ الْوَاقِدِيُّ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ عَنْ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَبِي عُمَيْرٍ الطَّائِيِّ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ مَجْهُولٌ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ. وَأَمَّا عَنْ الصَّحَابَةِ: فَهُوَ عَنْ سَعْدٍ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَخْتَمِ وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، وَعَنْ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، وَعَنْ سَلْمَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَلَا لِبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمَاعًا مِنْ سَلْمَانَ وَلَا كَانَا مِمَّنْ يَعْقِلُ؛ إذْ مَاتَ سَلْمَانُ ﵁ أَيَّامَ عُمَرَ بَلْ إنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ كَمَا أَوْرَدْنَا.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا يُصَادُ بِهِ مِنْ الْبِيزَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّيْرِ فَمَا أَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ وَمَا لَا فَلَا تَطْعَمُ. وَأَمَّا الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ حُجَّةً فِي بَعْضِ قَوْلِهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي سَائِرِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ تَلَاعُبٌ بِالدِّينِ. وَأَمَّا إنْكَارُهُمْ مُرَاعَاةَ نِيَّاتِ الْكِلَابِ فَقَوْلُهُمْ هَذَا هُوَ الْمُنْكَرُ نَفْسُهُ حَقًّا، لِأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَسْبُ الْمَحْرُومِ هَذَا - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ. وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كَانَ أَكْلُ الْجَارِحِ يُحَرِّمُ مِنْهُ مَا بَقِيَ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يُبَادِرَ إلَى الضَّارِي حَتَّى يَدْرِيَ أَيَأْكُلُ مِنْهُ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا [قَوْلٌ] فِي غَايَةِ السُّقُوطِ لِأَنَّ بِأَوَّلِ دَقِيقَةٍ يُمْكِنُ الْجَارِحَ أَنْ
стр. 2290
يَأْكُلَ مِمَّا قَتَلَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّهُ عَلَى مُرْسِلِهِ أَمْسَكَ لَا عَلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ وَلَمْ نُكَلَّفْ قَطُّ هَذَا؟ إنَّمَا أَمَرَ ﵇ أَنْ لَا نَأْكُلَ إذَا أَكَلَ، وَأُفٍّ أَوْ تُفٍّ لِكُلِّ عَقْلٍ يَعْتَرِضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ . فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ وَبَطَلَ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا جَوَازُ أَكْلِ كُلِّ مَا قَتَلَهُ الْمُعَلَّمُ مِنْ غَيْرِ الْكِلَابِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا فَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ آنِفًا مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ صَيْدٍ قَتَلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجَوَارِحِ إلَّا الْمُعَلَّمَ مِنْ الْكِلَابِ وَحْدَهُ - وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَا عُلِّمَ فَصَادَ فَأَكَلَ مَا قَتَلَ جَائِزٌ.
وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَخْبَارَ الثَّابِتَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا جَاءَتْ فِي الْكَلْبِ فَقَطْ، قَالُوا: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] إشَارَةٌ إلَى الْكِلَابِ قَالُوا: وَسِبَاعُ الطَّيْرِ، وَسِبَاعُ الْبَرِّ، لَا يُمْكِنُ فِيهَا تَعْلِيمٌ أَصْلًا حَاشَا الْكِلَابِ فَقَطْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَكَمَا قَالُوا إلَّا أَنَّ الْآيَةَ أَعَمُّ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] فَعَمَّ كُلَّ جَارِحٍ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِخَبَرٍ فِيهِ بَعْضُ مَا فِي الْآيَةِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَهُ غَيْرُ الْكَلْبِ مِنْ الصَّيْدِ أَصْلًا، لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِدَلِيلٍ، بَلْ فِيهِ بَيَانٌ بِأَنَّ صَيْدَ غَيْرِ الْكِلَابِ جَائِزٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَلْبَتَّةَ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهَا فِي حَالِ الْكِلَابِ - فَصَحَّ أَنَّهَا غَيْرُ الْكِلَابِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ مَا عَدَا الْكِلَابَ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ الْمَذْكُورَ أَصْلًا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ وُجِدَ مِنْهَا نَوْعٌ يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ فَلَا يَنْطَلِقُ حَتَّى يُطْلِقَهُ صَاحِبُهُ، وَإِذَا صَادَ لَمْ يَأْكُلْ فَهُوَ مُعَلَّمٌ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ شَيْءٍ مِمَّا قَتَلَتْ إلَّا مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ وَهُوَ حَيٌّ بَعْدُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: يُؤْكَلُ صَيْدُ الْبَازِي وَإِنْ أَكَلَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ إلَّا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْنَا،
стр. 2291
لَا مِمَّا أَمْسَكْنَ جُمْلَةً، وَلَا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا أَكَلَتْ الْجَوَارِحُ فَلَا تَأْكُلْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ شَرِبَ الْجَارِحُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ]
١٠٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ شَرِبَ الْجَارِحُ الْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ دَمِ الصَّيْدِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ شَيْئًا وَحَلَّ أَكْلُ مَا قَتَلَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا أَكْلَ مَا قَتَلَ إذَا أَكَلَ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ أَكْلِ مَا قَتَلَ إذَا وَلَغَ فِي الدَّمِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَإِذَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْ الصَّيْدِ فَقَدْ أَمْسَكَهُ عَلَى مُرْسِلِهِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ أَكَلَ الجارح مِنْ الرَّأْسِ أَوْ الرِّجْلِ أَوْ قِطْعَةً انْقَطَعَتْ مِنْ الصَّيْد]
١٠٨٥ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ أَكَلَ مِنْ الرَّأْسِ، أَوْ الرِّجْلِ، أَوْ الْحَشْوَةِ، أَوْ قِطْعَةً انْقَطَعَتْ مِنْهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا قَتَلَ، لِأَنَّهُ أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ.
[مَسْأَلَةٌ أَكَلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ مِنْ الصَّيْد]
١٠٨٦ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ مُعَلَّمًا كَمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ إنَّهُ عَادَ فَأَكَلَ مِمَّا قَتَلَ لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، لَكِنْ يَحْرُمُ أَكْلُ الَّذِي قَتَلَ وَأَكَلَ مِنْهُ فَقَطْ، وَلَا يَحْرُمُ أَكْلُ مَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ بَطَلَ تَعْلِيمُهُ وَعَادَ غَيْرَ مُعَلَّمٍ، فَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَيَعُودُ مُعَلَّمًا. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ تَعْلِيمُهُ، لَكِنْ يُضْرَبُ وَيُؤَدَّبُ حَتَّى لَا يَأْكُلَ - وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ نا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ بَيَانٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: إذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ، وَإِنْ قَتَلَ، إلَّا إنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ» فَقَدْ سَمَّاهَا ﵇ مُعَلَّمَةً وَلَمْ يُسْقِطْ حُكْمَ التَّعْلِيمِ بِأَكْلِ مَا أَكَلَ مِنْهَا، بَلْ نَهَى عَنْ أَكْلِ مَا أَكَلَ مِنْهُ فَقَطْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَسَمَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ
стр. 2292
مُعَلَّمًا وَإِنْ أَكَلَ - وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّهُ إذَا أَكَلَ فَبِئْسَ مَا عَلَّمْتَهُ لَيْسَ بِعَالِمٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ أَدْرَكَهُ مُرْسِلُهُ حَتَّى قَتَلَ الصَّيْد وَهُوَ يُرِيدُ الْأَكْلَ مِنْهُ فَأَخَذَهُ]
١٠٨٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ مُرْسِلُهُ حَتَّى قَتَلَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الْأَكْلَ مِنْهُ فَأَخَذَهُ وَالْجَارِحُ يُنَازِعُهُ إلَى الْأَكْلِ مِنْهُ، لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ أَصْلًا، وَهُوَ مَيْتَةٌ، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ حِينَئِذٍ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى مُرْسِلِهِ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَرَسُولُهُ ﷺ الْأَكْلَ مِمَّا قَتَلَهُ الْجَارِحُ عَلَيْنَا.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ الصَّيْد وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ وَهُوَ قَادِرٌ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ]
١٠٨٨ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ فَبَاقِيهِ حَلَالٌ، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُ - فَلَمْ يُمْسِكْ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى مُرْسِلِهِ، وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ حَلَالٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَإِذْ قَدْ صَحَّ تَحْلِيلُهُ بِذَلِكَ وَتَمَّتْ ذَكَاتُهُ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا قَدْ صَحَّ أَنَّهُ أَمْسَكَهُ عَلَى مُرْسِلِهِ - وَقَدْ يَحْدُثُ لَهُ جُوعٌ يَأْكُلُ بِهِ مَا وَجَدَ، وَإِنَّمَا الْمُرَاعَى إمْسَاكُهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَيُؤْكَلُ، وَإِنْ قَتَلَ، أَوْ إمْسَاكُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ فَقَطْ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ أَخَذَهُ مُرْسِلُهُ فَقَطَعَ لَهُ قِطْعَةً فَأَكَلَهَا]
١٠٨٩ - مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ؛ ثُمَّ أَخَذَهُ مُرْسِلُهُ فَقَطَعَ لَهُ قِطْعَةً فَأَكَلَهَا أَوْ خَلَّاهُ بَيْنَ يَدِهِ يَأْكُلُهُ فَأَكَلَ مِنْهُ فَالْبَاقِي حَلَالٌ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ إمْسَاكُهُ عَلَى مُرْسِلِهِ فَتَمَّتْ ذَكَاتُهُ بِذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْم صَيْد غَيْر الْمُعَلَّمِ مِنْ الْجَوَارِح]
١٠٩٠ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فَسَوَاءٌ كَانَ مُتَمَلَّكًا أَوْ بَرِّيًّا مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ أَوْ دَوَابِّ الْأَرْبَعِ غَيْرَ مُتَمَلَّكٍ أُرْسِلَ أَوْ لَمْ يُرْسَلْ كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ مَا قَتَلَ أَصْلًا، فَإِنْ أَدْرَكَ فِيهِ بَقِيَّةً مِنْ الرُّوحِ وَذَكَّى حَلَّ أَكْلُهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَاسْتَثْنَى تَعَالَى مَا ذَكَّيْنَا مِنْ كُلِّ مَا حَرَّمَ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ. وَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَنَا حَيْوَةُ هُوَ ابْنُ شُرَيْحٍ - أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ
стр. 2293
بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» فَلَمْ يَسْتَثْنِ ﵇ رَجَاءَ حَيَاةٍ مِنْ غَيْرِهَا، فَاسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَخِلَافٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ
[مَسْأَلَةٌ انْطَلَقَ الْجَارِحُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِقَهُ صَاحِبُهُ]
. ١٠٩١ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا انْطَلَقَ الْجَارِحُ الْمُعَلَّمُ أَوْ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطْلِقَهُ صَاحِبُهُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُ مَا قَتَلَ إلَّا أَنْ تُدْرَكَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الرُّوحِ فَيُذَكَّى وَيُؤْكَلُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ اللَّهَ» فَلَمْ يَجْعَلْ ﵇ الذَّكَاةَ إلَّا بِإِرْسَالِهِ مَعَ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالذَّكَاةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ الْإِنْسَانِ الْمُذَكِّي وَقَصْدٍ لِقَوْلِهِ ﵇: «وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَصَحَّ بِالنَّصِّ أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ جَارِحَهُ الْمُعَلَّمَ وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى فَقَتَلَ الْجَارِحُ فَهِيَ ذَكَاةٌ صَحِيحَةٌ - وَلَمْ يَصِحَّ فِي كَوْنِ مَا دُونَ ذَلِكَ ذَكَاةً نَصٌّ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ عَنْ إنْسَانٍ كَانَ يُعَلِّمُ صَقْرًا لَهُ؟ فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُومُ حَوْلَهُ إذْ رَأَى طَائِرًا فَانْقَضَّ نَحْوَهُ وَسَمَّى الرَّجُلُ اللَّهَ ؟ قَالَ قَتَادَةَ: لَا يَأْكُلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ هُوَ، إلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ.
[مَسْأَلَةٌ رَمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ فَوَجَدَ الصَّيْدَ مَيِّتًا]
١٠٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ فَوَجَدَ الصَّيْدَ مَيِّتًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ إلَّا إنْ كَانَ السَّهْمُ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ إنْفَاذًا كَأَنْ يَمُوتَ مِنْهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْمُومًا لِأَنَّ مَا قُتِلَ بِالسُّمِّ فَهُوَ مَيْتَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنَّهُ ذَكَاةٌ إلَّا أَنْ تُدْرَكَ فِيهِ بَقِيَّةُ رُوحٍ فَيُذَكَّى فَيَحِلَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ جَارِحٍ مُعَلَّمٍ حَلَالٌ أَكْلُ مَا قَتَلَ]
١٠٩٣ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ جَارِحٍ مُعَلَّمٍ فَحَلَالٌ أَكْلُ مَا قَتَلَ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ عَلَّمَهُ وَثَنِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ بِسَهْمٍ صَنَعَهُ وَثَنِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ» وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ تَعْلِيمَ مُسْلِمٍ مِنْ تَعْلِيمِ وَثَنِيٍّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُؤْكَلُ صَيْدُ جَارِحٍ عَلَّمَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا ذَكَّى -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ كَرِهَ صَيْدَ بَازِي الْمَجُوسِيِّ وَصَقْرِهِ؛ وَصَيْدُ الْمَجُوسِيِّ لِلسَّمَكِ كَرِهَهُ أَيْضًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ رُومَانَ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَا تَأْكُلْ صَيْدَ كَلْبِ الْمَجُوسِيِّ وَلَا مَا أَصَابَ بِسَهْمِهِ.
стр. 2294
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَا خُصَيْفٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَأْكُلْ مَا صِدْت بِكَلْبِ الْمَجُوسِ وَإِنْ سَمَّيْت فَإِنَّهُ مِنْ تَعْلِيمِ الْمَجُوسِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] . وَجَاءَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] قَالُوا: فَجَعَلَ التَّعْلِيمَ لَنَا. قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا، لِأَنَّ خِطَابَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ لَازِمٌ لِكُلِّ أَحَدٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الرِّوَايَةَ عَنْ صَحَابَةٍ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَصَيَّدَ بِجَارِحٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ]
١٠٩٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَصَيَّدَ بِجَارِحٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا قَتَلَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] وَهَذَا مُعْتَدٍ فَلَا يَكُونُ التَّعَدِّي ذَكَاةً أَصْلًا. فَلَوْ أُدْرِكَ حَيًّا، أَوْ نَصَبَ الْمَرْءُ حِبَالَةً مَأْخُوذَةً بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ رَمَى بِآلَةٍ مَأْخُوذَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَأَدْرَكَ كُلَّ ذَلِكَ فِيهِ بَقِيَّةُ حَيَاةٍ ذَكَّاهَا وَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ ذَلِكَ الْجَارِحِ، وَذَلِكَ السَّهْمِ، وَالرُّمْحِ، وَتِلْكَ الْحِبَالَةِ لِصَاحِبِ كُلِّ ذَلِكَ، لِأَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ هُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ صَاحِبُ الْآلَةِ، وَالْحِبَالَةِ، وَالْجَارِحِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْصِبْ ذَلِكَ وَلَا أَرْسَلَهُ قَاصِدًا لِتَمَلُّكِ مَا أَصَابَ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ التَّمَلُّكُ لِمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ مِلْكٌ إلَّا بِنِيَّةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ آخَرَ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا قَتَلَ الصَّيْدَ]
١٠٩٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ جَارِحًا آخَرَ أَوْ سَبُعًا لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا قَتَلَ الصَّيْدَ؟ فَهُوَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا أَنْ تُدْرَكَ ذَكَاتُهُ فَيُذَكَّى فَيَحِلَّ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: «فَإِنْ خَالَطَ كَلْبُكَ كِلَابًا فَقَتَلْنَ فَلَمْ يَأْكُلْنَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ؟» .
стр. 2295
[مَسْأَلَةٌ صَيْد الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ]
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ إمْسَاكُ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ أَوْ ذِي نُقْطَتَيْنِ لَا لِصَيْدٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَحِلُّ تَعْلِيمُهُ، وَلَا أَكْلُ مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ أَصْلًا، إلَّا أَنْ تُدْرَكَ ذَكَاتُهُ؛ وَلَا اتِّخَاذُ كَلْبٍ سِوَى ذَلِكَ أَصْلًا إلَّا لِزَرْعٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ ضَرُورَةِ خَوْفٍ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ الشَّيْطَانُ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ وَأَيُّمَا قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ حَرْثٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَإِذَا حَرَّمَ ﵇ آنِفًا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ أَوْ ذَا النُّقْطَتَيْنِ فَلَا يَحِلُّ اتِّخَاذُهُ، وَإِذْ لَا يَحِلُّ اتِّخَاذُهُ فَاِتِّخَاذُهُ مَعْصِيَةٌ، وَالذَّكَاةُ بِالْجَارِحِ طَاعَةٌ، وَلَا تَنُوبُ الْمَعْصِيَةُ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ طَاعَتِهِ وَالْعَاصِي لَمْ يُذَكِّ كَمَا أُمِرَ فَهِيَ مَيْتَةٌ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَكْرَهُ صَيْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ، لِأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ صَيْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَيْفَ نَأْكُلُ صَيْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِقَتْلِهِ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِي أَكْلِ مَا قَتَلَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ مِنْ الصَّيْدِ - وَقَدْ أَدْرَكَ أَحْمَدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أُمَمًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سَوَاءٌ حَيْثُ كَانَتْ النُّقْطَتَانِ مِنْ جَسَدِهِ فَإِنْ كَانَتْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فِي اللُّغَةِ ذَا نُقْطَتَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ خَرَجَ بِجَارِحِهِ فَأَرْسَلَهُ وَسَمَّى وَنَوَى مَا أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ]
١٠٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ خَرَجَ بِجَارِحِهِ فَأَرْسَلَهُ وَسَمَّى وَنَوَى مَا أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ -
стр. 2296
فَسَوَاءٌ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ - مَا أَصَابَ فِي ذَلِكَ الْإِرْسَالِ مِنْ الصَّيْدِ؛ فَقَتَلَهُ فَأَكْلُهُ حَلَالٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ» وَلَمْ يَخُصَّ: وَأَنْتَ تَرَى صَيْدًا مِنْ أَنْ لَا تَرَاهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إنْ غَدَا بِكِلَابٍ مُعَلَّمَةٍ فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ يَغْدُو كَانَ كُلُّ شَيْءٍ صَادَهُ إلَى اللَّيْلِ حَلَالًا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي إيَاسٍ قَالَ: إنَّا كُنَّا نَخْرُجُ بِكِلَابِنَا إلَى الصَّيْدِ فَنُرْسِلُهَا، وَلَا نَرَى شَيْئًا فَنَأْكُلُ مَا أَخَذَتْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ رَمَى كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا إنْسِيًّا فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ، فَلَوْ رَمَى أَسَدًا أَوْ ذِئْبًا أَوْ خِنْزِيرًا بَرِّيًّا فَأَصَابَ صَيْدًا حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ، فَلَوْ أَرْسَلَ جَارِحَهُ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ فَأَصَابَ غَيْرَهُ حَلَّ أَكْلُهُ - فَلَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى سَمَكَةٍ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ تَخَالِيطُ لَا تُعْقَلُ وَلَا يُقْبَلُ مِثْلُهَا إلَّا مِمَّنْ لَا يَسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ - وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فَسَوَاءٌ - لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا أَرْسَلَ جَارِحَهُ، وَلَا سَهْمَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَ، فَهُوَ غَيْرُ مُذَكًّى - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْكَلْب]
١٠٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ كَلْبٍ أَصْلًا لَا الْمُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَلَا غَيْرُهُ؛ لِصِحَّةِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ - وَسَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ يَسْتَغْنِي عَنْهُ بِلَا ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ لَهُ، فَلَهُ ابْتِيَاعُهُ - وَالثَّمَنُ حَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي - وَإِنَّمَا هُوَ كَالرِّشْوَةِ فِي الْمَظْلَمَةِ، وَفِدَاءِ الْأَسِيرِ، لِأَنَّهُ أَخْذُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2297
[كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ وَمَا يَحِلُّ مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ] [ مَسْأَلَةٌ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ]
مَسْأَلَةٌ: كُلُّ شَيْءٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ فَالنُّقْطَةُ مِنْهُ فَمَا فَوْقَهَا إلَى أَكْثَرِ الْمَقَادِيرِ: خَمْرٌ حَرَامٌ -: مِلْكُهُ، وَبَيْعُهُ، وَشُرْبُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى أَحَدٍ - وَعَصِيرُ الْعِنَبِ، وَنَبِيذُ التِّينِ، وَشَرَابُ الْقَمْحِ، وَالسَّيْكَرَانِ، وَعَصِيرُ كُلِّ مَا سِوَاهَا وَنَقِيعُهُ، وَشَرَابُهُ - طُبِخَ كُلُّ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ - ذَهَبَ أَكْثَرُهُ أَوْ أَقَلُّهُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَلَا فَرْقَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ - وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ بَعْدَ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا -: فَرُوِّينَا عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ: شَرَابُ الْبُسْرِ وَحْدَهُ خَمْرٌ مُحَرَّمَةٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الرُّطَبُ، وَالْبُسْرُ إذَا خُلِطَا، فَشَرَابُهُمَا خَمْرٌ مُحَرَّمَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ وَالْبُسْرُ إذَا خُلِطَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ إذَا أَسْكَرَ، وَلَمْ يُطْبَخَا: هِيَ الْخَمْرُ الْمُحَرَّمَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، [وَكُلُّ] مَا عَدَا ذَلِكَ حَلَالٌ مَا لَمْ يُسْكَرْ مِنْهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا خَمْرَ إلَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ مَا لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَهُوَ حَرَامٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، فَإِذَا طُبِخَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ خَمْرًا بَلْ هُوَ حَلَالٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ. وَأَمَّا كُلُّ شَرَابٍ مَا عَدَا عَصِيرَ الْعِنَبِ الْمَذْكُورَ فَهُوَ حَلَالٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ كَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَغَيْرِهِ طُبِخَ كُلُّ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ إلَّا أَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ حَرَامٌ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كُلُّ مَا عُصِرَ مِنْ الْعِنَبِ، وَنَبِيذِ الزَّبِيبِ، وَنَبِيذِ التَّمْرِ، وَالرُّطَبِ، وَالْبُسْرِ، وَالزَّهْوِ، فَلَمْ يُطْبَخْ، فَكُلُّ خَمْرٍ مُحَرَّمَةٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، فَإِنْ طُبِخَ عَصِيرُ الْعِنَبِ
стр. 2298
حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَطُبِخَ سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ حَلَالٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ، إلَّا أَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ حَرَامٌ. وَكُلُّ نَبِيذٍ وَعَصِيرٍ مَا سِوَى مَا ذَكَرْنَا فَحَلَالٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ طُبِخَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ وَالسُّكْرُ أَيْضًا مِنْهُ لَيْسَ حَرَامًا. فَأَمَّا مَنْ رَأَى شَرَابَ الْبُسْرِ وَحْدَهُ خَمْرًا -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا يَزِيدُ [قَالَ] أَنَا حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْبُسْرُ وَحْدَهُ حَرَامٌ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: وَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ نا الْقَوَارِيرِيُّ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - نا حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - نا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَبِيذُ الْبُسْرِ بَحْتًا لَا يَحِلُّ - وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِدُ فِيهِ كَمَا يَجْلِدُ فِي الْخَمْرِ - وَمَا نَعْلَمُ لِهَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً أَصْلًا، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إبْطَالُهُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ نا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُ فَرْدًا، تَمْرًا فَرْدًا، أَوْ بُسْرًا فَرْدًا، أَوْ زَبِيبًا فَرْدًا» . وَالْقَوْلُ الثَّانِي - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْبُسْرُ، وَالرُّطَبُ: خَمْرٌ - يَعْنِي إذَا جُمِعَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَشُعْبَةَ، كِلَيْهِمَا عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: الْبُسْرُ، وَالتَّمْرُ: خَمْرٌ وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ صِحَّةُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَلْطِ الْبُسْرِ مَعَ التَّمْرِ، أَوْ مَعَ الرُّطَبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا الْخَبَرِ، لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ غَيْرِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَذِهِ خَاصَّةً بِالتَّحْرِيمِ دُونَ سَائِرِ مَا نَهَى ﵇ عَنْهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْبُسْرِ، وَالرُّطَبِ» .
стр. 2299
وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، وَأَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا» . وَنَهَى أَيْضًا ﵇ عَنْ أَنْ يُجْمَعَ غَيْرُ هَذِهِ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهٌ آخَرُ -: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُحَرَّمٍ خَمْرًا، الدَّمُ حَرَامٌ، وَلَيْسَ خَمْرًا، وَلَبَنُ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ وَلَيْسَ خَمْرًا، وَالْبَوْلُ حَرَامٌ وَلَيْسَ خَمْرًا، فَهَذَانِ اللَّذَانِ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ جَمْعِهِمَا حَرَامٌ وَلَيْسَتْ خَمْرًا إلَّا أَنْ تُسْكِرَ، وَلَا مَعْنَى لِتَسْمِيَتِهِمَا إذَا جُمِعَا خَمْرًا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ هُوَ الْخَمْرُ» فَمَا قَوْلُكُمْ فِيهِ؟ قُلْنَا: قَدْ صَحَّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ إبَاحَةُ التَّمْرِ وَإِبَاحَةُ الزَّبِيبِ، وَإِبَاحَةُ نَبِيذِهِمَا غَيْرَ مَخْلُوطَيْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْسَخْ قَطُّ. فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَإِنَّمَا يَكُونُ خَمْرًا إذَا جَاءَ نَصٌّ مُبَيِّنٌ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا إذَا أَسْكَرَ نَبِيذُهُمَا كَمَا بَيَّنَ ﵇ فِي خَبَرٍ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: مِنْ تَخْصِيصِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَبِيذِ الزَّبِيبِ بِالتَّحْرِيمِ مَا لَمْ يُطْبَخَا دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِذَةِ وَالْعَصِيرِ فَقَوْلٌ صَحَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ - إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ مُقَلِّدُوهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِنَصْرِهِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ أَيْضًا حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ، وَلَا دَلِيلِ إجْمَاعٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا رَأْيٍ، وَلَا قِيَاسٍ - فَسَقَطَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: مِنْ تَخْصِيصِ عَصِيرِ الْعِنَبِ بِالتَّحْرِيمِ مَا لَمْ يُطْبَخْ، فَهُوَ قَوْلٌ اخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بِأَخْبَارٍ أُضِيفَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْبَارٍ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَدَعْوَى إجْمَاعٍ - فَأَمَّا الْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَكُلُّهَا لَا خَيْرَ فِيهَا - عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 2300
ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ شَيْءٌ مِنْهَا مُوَافِقًا لِهَذَا الْقَوْلِ؛ فَلَاحَ أَنَّ إيرَادَهُمْ لَهَا تَمْوِيهٌ مَحْضٌ - وَكَذَلِكَ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃، إلَّا أَنَّ مِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ وَلَا يُوَافِقُ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ فَإِيرَادُهُمْ لَهَا تَمْوِيهٌ.
وَمِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ وَيَظُنُّ مَنْ لَا يُنْعِمُ النَّظَرَ أَنَّهُ يُوَافِقُ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ - عَلَى مَا نُورِدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ صَاحِبٍ قَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ. وَأَمَّا دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَاهُ - فَلَا يَحْرُمُ شَيْءٌ بِاخْتِلَافٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ عَلَيْهِمْ جُمْهُورَ أَقْوَالِهِمْ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يُوجِبُوا زَكَاةً إلَّا حَيْثُ أَوْجَبَهَا إجْمَاعٌ، وَلَا فَرِيضَةَ حَجٍّ أَوْ صَلَاةٍ إلَّا حَيْثُ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهَا، وَأَنْ لَا يُثْبِتُوا الرِّبَا إلَّا حَيْثُ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ رِبًا - وَمَنْ الْتَزَمَ هَذَا الْمَذْهَبَ خَرَجَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِلَا شَكٍّ لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَذْهَبٌ مُفْتَرًى لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ ﵇؛ وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُولِي الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يَأْمُرْ تَعَالَى قَطُّ بِأَنْ لَا يُتَّبَعَ إلَّا الْإِجْمَاعُ، وَلَا قَالَ تَعَالَى قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﵇: لَا تَأْخُذُوا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ - وَمَنْ ادَّعَى هَذَا فَقَدْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَتَى بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ وَبِالضَّلَالِ الْمُبِينِ. إنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى: فَرُدُّوهُ إلَى الْإِجْمَاعِ، فَمَنْ رَدَّ مَا تُنُوزِعَ فِيهِ إلَى الْإِجْمَاعِ لَا إلَى نَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ ﵇، وَشَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا نَحْنُ فَنَتَّبِعُ الْإِجْمَاعَ فِيمَا صَحَّ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَلَا نُخَالِفُهُ أَصْلًا، وَنَرُدُّ مَا تُنُوزِعَ فِيهِ إلَى الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، فَنَأْخُذُ مَا فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ - وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ وَرَسُولُهُ ﷺ وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَمَا نَعْلَمُ
стр. 2301
أَحَدًا قَالَ قَطُّ: لَا أَلْتَزِمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا مَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ صَارُوا بِهَذَا الْأَصْلِ مُخَالِفِينَ لِلْإِجْمَاعِ بِلَا شَكٍّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَذْهَبٌ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُلْتَفَتَ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ إذَا وُجِدَ الِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ كَذِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ وَقَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ هَذَا الْأَصْلَ الْفَاسِدَ إلَّا فِي مَسَائِلَ قَلِيلَةٍ جِدًّا - وَهُوَ مُبْطِلٌ لِسَائِرِ مَذَاهِبِهِمْ كُلِّهَا فَعَادَ عَلَيْهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ: فَمِنْهَا خَبَرٌ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا الْقَلِيلُ مِنْهَا وَالْكَثِيرُ وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ -: وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ نا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ وَشُعْبَةَ بِلَا خِلَافٍ أَضْبَطُ وَأَحْفَظُ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ. وَقَدْ رَوَى فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مَا رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَحْرِيمِ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فِي رِوَايَتِهِ إذَا جَاءَ بِتَحْرِيمِهِ نَصٌّ صَحِيحٌ. وَقَدْ صَحَّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ جُمْلَةً - وَصَحَّ عَنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا تَحْرِيمُ نَبِيذِ الْبُسْرِ بَحْتًا فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَمِنْهَا: خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ وَفِيهِ «فَانْتَبِذُوا فِيهَا - يَعْنِي فِي الظُّرُوفِ - فَإِنَّ الظُّرُوفَ لَا تَحِلُّ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمُ وَلَا تَسْكَرُوا» وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُكَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ؟ قَالَ: اشْرَبْ، فَإِذَا خِفْتَ فَدَعْ» . وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «اشْرَبَا وَلَا تَسْكَرَا» وَكِلَاهُمَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ.
стр. 2302
وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُشْمَعِلِّ بْنِ مِلْحَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ خَزَّازٌ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ - وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ السُّكْرِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ «فَإِذَا خِفْتَ فَدَعْ» أَيْ إذَا خِفْت أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا - فَسَقَطَ التَّعَلُّقُ بِهِ. وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مُوسَى: فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَشَرِيكٍ مُدَلِّسٌ وَضَعِيفٌ فَسَقَطَ. وَقَدْ رَوَاهُ الثِّقَاتُ بِخِلَافِ هَذَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ دِينَارٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، كُلِّهِمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنْ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ، أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنْ الصَّلَاةِ» فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ لَا رِوَايَةُ كُلِّ ضَعِيفٍ، وَمُدَلِّسٍ، وَكَذَّابٍ، وَمَجْهُولٍ. وَخَبَرٌ رُوِّينَاهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «اشْرَبُوا فِي الظُّرُوفِ وَلَا تَسْكَرُوا» - وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَسِمَاكٌ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شُعْبَةُ، وَغَيْرُهُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ النَّهْيُ عَنْ السُّكْرِ وَلَيْسَ فِيهِ مَانِعٌ مِنْ تَحْرِيمِ مَا يَصِحُّ تَحْرِيمُهُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْخَبَرِ. وَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا أَسْكَرَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَصَحِّ طَرِيقٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ سَوَّارِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَسَعِيدِ بْنِ عُمَارَةَ، قَالَ سَوَّارٌ: عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ سَعِيدٌ: عَنْ الْحَارِثِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ أَنَسٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَبُو سَعِيدٍ وَأَنَسٌ قَالَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» وَسَوَّارٌ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ، وَعَطِيَّةُ هَالِكٌ، وَالْحَارِثُ، وَسَعِيدٌ مَجْهُولَانِ لَا يُدْرَى مَنْ هُمَا ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ رِوَايَةَ شُعْبَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّتِي ذَكَرْنَا آنِفًا زَائِدَةٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَجُوزُ رَدُّهَا. وَخَبَرٌ: رُوِيَ فِيهِ «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِعَبْدِ الْقَيْسِ اشْرَبُوا مَا طَابَ لَكُمْ» رُوِّينَاهُ
стр. 2303
مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَجِيبَةَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَمّه قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَجِيبَةَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ مَا طَابَ لَنَا هُوَ مَا أُحِلَّ لَنَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إبَاحَةُ مَا قَدْ صَحَّ تَحْرِيمُهُ. وَخَبَرٌ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ «نَهَى عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ» وَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» قَالُوا: فَقَدْ فَرَّقَ ﵇ بَيْنَ الْكُوبَةِ، وَالْغُبَيْرَاءِ، وَالْخَمْرِ، فَلَيْسَا خَمْرًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ - وَأَمَّا كَوْنُهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ ﵇ قَدْ سَاوَى بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ وَالْخَمْرُ وَسَائِرُ الْأَشْرِبَةِ سَوَاءٌ فِي النَّهْيِ عَنْهَا وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ. وَأَيْضًا: فَلَيْسَ التَّفْرِيقُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فِي الذِّكْرِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُتَغَايِرَانِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] لَمْ يَكُنْ هَذَا مُوجِبًا أَنَّهُمَا ﵉ لَيْسَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَهَكَذَا إذَا صَحَّ أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ الْخَمْرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ مَانِعًا مِنْ أَنْ تَكُونَ الْكُوبَةُ وَالْغُبَيْرَاءُ خَمْرًا - وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرًا» وَأَيْضًا: فَفِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ - فَمَا رَأَيْنَا أَقْبَحَ مُجَاهِرَةٍ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؟ وَخَبَرٌ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ «ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﵌ أُتِيَ بِنَبِيذٍ فَوَجَدَهُ شَدِيدًا فَرَدَّهُ فَقِيلَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: فَاسْتَرَدَّهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ فِيهِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: إذَا اغْتَلَمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةُ فَاكْسِرُوا مُتُونَهَا بِالْمَاءِ» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ مِثْلُهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «إذَا اشْتَدَّ عَلَيْكُمْ فَاكْسِرُوهُ بِالْمَاءِ» وَمِثْلُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ
стр. 2304
وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ هُوَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَخِي الْقَعَْقَاعِ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُسْنَدًا، وَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ وَضَعِيفٌ سَوَاءٌ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ كَانَا إنْسَانًا وَاحِدًا، ثُمَّ هُوَ عَنْهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدِ الْقُرَشِيِّ، وَلَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَقُرَّةَ الْعِجْلِيّ، وَالْعَوَّامِ؛ وَكُلُّهُمْ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَيَزِيدَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ فِي الرِّوَايَاتِ السُّودِ خَبَرًا مَوْضُوعًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ يَتَّهِمُ غَيْرَهُ - وَقَدْ ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى. وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مَسْعُودٍ فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبَانَ وَكِلَاهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ أَعْظَمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِيهَا كُلِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَزَجَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ شَرِبَهُ - وَهَذَا لَا يَخْلُو ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ -: إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ النَّبِيذُ مُسْكِرًا فَهِيَ كُلُّهَا مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا كَمَا يَقُولُونَ، فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا فَصَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْمُسْكِرِ عِنْدَهُمْ لَا يُخْرِجُهُ عِنْدَهُمْ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى التَّحْلِيلِ، وَلَا يَنْقُلُهُ عَنْ حَالِهِ أَصْلًا إنْ كَانَ قَبْلَ صَبِّ الْمَاءِ حَرَامًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ بَعْدَ صَبِّهِ حَرَامٌ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ صَبِّهِ حَلَالًا فَهُوَ بَعْدَ صَبِّهِ حَلَالٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ صَبِّهِ مَكْرُوهًا فَهُوَ بَعْدَ صَبِّهِ مَكْرُوهٌ، فَقَدْ خَالَفُوهُ كُلَّهَا وَجَعَلُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي حَقَّقُوهُ عَلَيْهِ بَاطِلًا عِنْدَهُمْ وَلَغْوًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى. وَإِنْ كَانَ صَبُّ الْمَاءِ نَقَلَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا إلَى أَنْ لَا يَكُونَ مُسْكِرًا فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِيهِ حِينَئِذٍ أَصْلًا، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا فَلَا نُخَالِفُهُمْ فِي أَنَّهُ حَلَالٌ - فَعَادَ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌: «اشْرَبُوا مَا طَابَ لَكُمْ فَإِذَا خَبُثَ فَذَرُوهُ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ - وَكِلَاهُمَا سَاقِطٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً قَاطِعَةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى " إذَا خَبُثَ " إذَا أَسْكَرَ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ هَذَا أَصْلًا، وَإِلَّا فَلْيُعَرِّفُونَا مَا مَعْنَى «إذَا خَبُثَ فَذَرُوهُ» .
стр. 2305
وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ أُتِيَ بِمَكَّةَ بِنَبِيذٍ فَذَاقَهُ فَقَطَّبَ وَرَدَّهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا شَرَابُ أَهْلِ مَكَّةَ؟ قَالَ: فَرَدَّهُ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى رَغَا، قَالَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» . وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ الْكُوفِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقٍ - مُطَّرَحٌ - ثُمَّ عَنْ الْحَارِثِ - وَهُوَ كَذَّابٌ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ وَاقِدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ قَطَنٍ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ سَمُرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّبِيذِ بَعْدَمَا نَهَى عَنْهُ» - وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُنْذِرِ أَبِي حَسَّانَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَذِنَ فِي النَّبِيذِ فِي الظُّرُوفِ بَعْدَمَا نَهَى عَنْهُ، وَهَذَا حَقٌّ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ الْخَمْرِ، ثُمَّ أَذِنَ فِيهَا - وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَخَبَرٌ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ هَذَا الشَّرَابَ إذَا أَكْثَرْنَا مِنْهُ سَكِرْنَا؟ قَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ إذَا شَرِبَ تِسْعَةً فَلَمْ يَسْكَرْ لَا بَأْسَ وَإِذَا شَرِبَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ فَذَلِكَ حَرَامٌ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ فَضِيحَةُ الدَّهْرِ مَوْضُوعٌ بِلَا شَكٍّ -: رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: ضَعِيفٌ - عَنْ الْكَلْبِيِّ: كَذَّابٌ مَشْهُورٌ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ: هَالِكٌ. وَخَبَرٌ: فِيهِ النَّهْيُ عَنْ النَّبِيذِ فِي الْجِرَارِ الْمُلَوَّنَةِ وَالْأَمْرُ بِأَنْ يُنْبَذَ فِي السِّقَاءِ فَإِذَا خَشِيَ فَلْيَسُجَّهُ بِالْمَاءِ - فَهَذَا مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ وَهُوَ الرَّقَاشِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ فِيهِ إذَا خَشِيَ فَلْيَسُجَّهُ بِالْمَاءِ، وَمَعْنَاهُ إذَا خَشِيَ أَنْ يَسْكَرَ بِإِجْمَاعِهِمْ مَعَنَا - لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ هَذَا أَصْلًا، فَإِذَا سُجَّ بِالْمَاءِ بَطَلَ إسْكَارُهُ - وَهَذَا لَا نُخَالِفُهُمْ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ بَعْدَ إسْكَارِهِ يُسَجُّ إنَّمَا فِيهِ " إذَا خَشِيَ " وَهَذَا بِلَا شَكٍّ قَبْلَ أَنْ يَسْكَرَ. وَخَبَرٌ مُرْسَلٌ: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْخَمْرُ مِنْ الْعِنَبِ، وَالسُّكْرُ مِنْ التَّمْرِ، وَالْمِزْرُ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَالْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَالْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ، وَالْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» ، وَهَذَا لَا شَيْءَ، لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ - ثُمَّ هُوَ أَيْضًا
стр. 2306
مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لِأَنَّ فِيهِ «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ «إنَّ الْخَمْرَ مِنْ الْعِنَبِ» مَانِعٌ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ أَيْضًا إذَا صَحَّ بِذَلِكَ نَصٌّ. وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ ﵇ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ النَّهْشَلِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُنْبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ، قَالُوا: فَإِنْ اشْتَدَّ فِي الْأَسْقِيَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَصُبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَقَالَ لَهُمْ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ: أَهْرِيقُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ، فَهَذَا مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَعْظَمَ حُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ كُلُّهُ لِقَوْلِهِمْ، مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا فِي الْأَمْرِ بِهَرْقِهِ، وَقَوْلُهُ «وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» كِفَايَةٌ لِمَنْ كَانَ لَهُ مُسْكَةُ عَقْلٍ فَاعْجَبُوا لِقَوْمٍ يَحْتَجُّونَ بِمَا هُوَ نَصٌّ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّ الْحَيَاءَ هَهُنَا لَعَدَمٌ؟ وَخَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْقُمُوصِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ - نَحْسِبُ أَنَّ اسْمَهُ قَيْسُ بْنُ النُّعْمَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اشْرَبُوا فِي الْجِلْدِ الْمُوكَى عَلَيْهِ فَإِنْ اشْتَدَّ فَاكْسِرُوهُ بِالْمَاءِ فَإِنْ أَعْيَاكُمْ فَأَهْرِيقُوهُ» أَبُو الْقُمُوصِ مَجْهُولٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً قَاطِعَةً مُوَافِقَةً لِقَوْلِنَا مُفْسِدَةً لِقَوْلِهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ الْأَمْرِ بِهَرْقِهِ إنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى إبْطَالِ شِدَّتِهِ بِالْمَاءِ.
وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - حَدَّثَنِي الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدُ بْنُ إيَاسٍ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ قَالَ: انْتَهَى أَمْرُ الْأَشْرِبَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اشْرَبُوا مَا لَا يُسَفِّهُ أَحْلَامَكُمْ وَلَا يُذْهِبُ أَمْوَالَكُمْ» وَهَذَا مُرْسَلٌ ثُمَّ لَوْ انْسَنَدَ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا، لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّوْعِ الَّذِي مِنْ طَبْعِهِ أَنْ يُسَفِّهَ الْحُلُمَ، وَيُذْهِبَ الْمَالَ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ أَصْلًا؛ إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ يَنْفَرِدُ بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِهِ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ «سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُسْكِرِ؟ قَالَ: الشَّرْبَةُ الْآخِرَةُ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ هَالِكٌ - رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَكْرَهُ مُزَاحَمَةَ الْبَقَّالِينَ، لَا يَنْبُلُ الْإِنْسَانُ حَتَّى يَدَعَ الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ - وَأَنَّهُ أَنْكَرَ السَّلَامَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَقَالَ: عَلِيٌّ مِثْلُ هَؤُلَاءِ لَا يَسْلَمُ -: وَهَذِهِ جُرُحٌ ظَاهِرَةٌ؛ ثُمَّ الْأَظْهَرُ فِيهِ
стр. 2307
أَنَّ قَوْلَهُ " الشَّرْبَةُ الْآخِرَةُ " مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَأْوِيلٌ مِنْهُ - وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ مِنْ التَّأْوِيلِ لِمَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَخَبَرٌ مُرْسَلٌ: مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِيهِ «أَنَّهُ ﵇ شَرِبَ مِنْ نَبِيذِ سِقَايَةِ زَمْزَمَ فَشَدَّ وَجْهَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ثُمَّ شَرِبَ مِنْهُ» - وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فَهُوَ مَقْطُوعٌ وَمُرْسَلٌ مَعًا - ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ صَبَّ الْمَاءِ لَا يَنْقُلُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ تَحْلِيلٍ إلَى تَحْرِيمٍ وَلَا مِنْ تَحْرِيمٍ إلَى تَحْلِيلٍ وَلَا لَهُ عِنْدَهُمْ فِيهِ مَعْنًى، فَإِنْ نَقَلَهُ إلَى أَنْ لَا يُسْكِرَ فَهُوَ قَوْلُنَا فِي أَنَّهُ حَلَالٌ إذَا لَمْ يُسْكِرْ. هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ بِأَجْمَعِهِ وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَنَّ أَكْثَرَ مَا أَوْرَدُوا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَنَا. وَذَكَرُوا عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ آثَارًا -: مِنْهَا: عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ قِرْصَافَةَ - امْرَأَةٌ مِنْهُمْ - عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: اشْرَبُوا وَلَا تَسْكَرُوا - وَسِمَاكٌ ضَعِيفٌ، وَقِرْصَافَةُ مَجْهُولَةٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ إبَاحَةُ مَا أَسْكَرَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ قِرْصَافَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لَهَا: اشْرَبِي وَلَا تَشْرَبِي مُسْكِرًا - فَسِمَاكٌ عَنْ قِرْصَافَةَ مَرَّةً [قَالَ] لَنَا عَلَيْهِمْ، وَمَرَّةً لَا لَنَا وَلَا لَهُمْ؟ وَمِنْ طَرِيقِ سُمَيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: إنْ خَشِيت مِنْ نَبِيذِك فَاكْسِرْهُ بِالْمَاءِ - وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا لِأَنَّهُ إذَا خَشِيَ إسْكَارَهُ كَسَرَهُ بِالْمَاءِ، وَالثَّابِتُ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ ذِي حَدَّانَ أَوْ ابْنِ ذِي لَعْوَةَ: أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ مِنْ سَطِيحَةٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَكِرَ، فَأُتِيَ بِهِ عُمَرَ، فَقَالَ: إنَّمَا شَرِبْت مِنْ سَطِيحَتِك؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّمَا أَضْرِبُك عَلَى السُّكْرِ، ابْنُ ذِي حَدَّانَ أَوْ ابْنُ ذِي لَعْوَةَ مَجْهُولَانِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّا نَشْرَبُ مِنْ هَذَا النَّبِيذِ شَرَابًا يَقْطَعُ لُحُومَ الْإِبِلِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: وَشَرِبْت مِنْ شَرَابِهِ فَكَانَ كَأَشَدِّ النَّبِيذِ - وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ " إنَّا لَنَشْرَبُ هَذَا الشَّرَابَ الشَّدِيدَ
стр. 2308
لِنَقْطَعَ بِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ فِي بُطُونِنَا أَنْ تُؤْذِيَنَا فَمَنْ رَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ شَيْءٌ فَلْيَمْزُجْهُ بِالْمَاءِ " وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّ النَّبِيذَ الْحُلْوَ اللَّفِيفَ الشَّدِيدَ لِلَفْتِهِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ يَقْطَعُ لُحُومَ الْإِبِلِ فِي الْجَوْفِ، لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَنَّ عُمَرَ شَرِبَ مِنْ ذَلِكَ الشَّرَابِ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، فَإِذْ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ أَصْلًا؟ وَمِنْهَا: خَبَرٌ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا الْأَعْمَشُ نا إبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ - عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِشَرَابٍ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ فَقَطَّبَ وَقَالَ: إنَّ نَبِيذَ الطَّائِفِ لَهُ عُرَامٌ ثُمَّ ذَكَرَ شِدَّةً لَا أَحْفَظُهَا ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ فِيهِ ثُمَّ شَرِبَ - وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ ذَلِكَ النَّبِيذَ كَانَ مُسْكِرًا، وَلَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ اشْتَدَّ وَإِنَّمَا فِيهِ إخْبَارُ عُمَرَ بِأَنَّ نَبِيذَ الطَّائِفِ لَهُ عُرَامٌ وَشِدَّةٌ وَأَنَّهُ كَسَرَ هَذَا بِالْمَاءِ ثُمَّ شَرِبَهُ، فَالْأَظْهَرُ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ خَشِيَ أَنْ يَعْرُمَ وَيَشْتَدَّ فَتَعَجَّلَ كَسْرَهُ بِالْمَاءِ - وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا لَا لِقَوْلِهِمْ أَصْلًا. وَلَا يَصِحُّ لَهُمْ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا هَذَانِ الْخَبَرَانِ فَقَطْ. وَخَبَرٌ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ قَالَ: قَدِمْت عَلَى عُمَرَ فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ قَدْ كَادَ يَصِيرُ خَلًّا، فَقَالَ لِي: اشْرَبْ؟ قَالَ: فَمَا كِدْت أَنْ أَسِيغَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لِي: إنَّا نَشْرَبُ هَذَا النَّبِيذَ الشَّدِيدَ لِيَقْطَعَ لُحُومَ الْإِبِلِ فِي بُطُونِنَا أَنْ تُؤْذِيَنَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا بَلَغَ مُقَارَبَةَ الْخَلِّ فَلَيْسَ مُسْكِرًا. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: إنَّ ثَقِيفًا تَلَقَّتْ عُمَرَ بِشَرَابٍ فَلَمَّا قَرَّبَهُ إلَى فِيهِ كَرِهَهُ، ثُمَّ كَسَرَهُ بِالْمَاءِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَافْعَلُوا - وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ أَنَّ رَجُلًا عَبَّ فِي نَبِيذٍ لِعُمَرَ فَسَكِرَ فَلَمَّا أَفَاقَ حَدَّهُ، ثُمَّ أَوْجَعَ النَّبِيذَ بِالْمَاءِ فَشَرِبَ مِنْهُ - وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ: أَخَذْنَا زَبِيبًا فَأَكْثَرْنَا مِنْهُ فِي أَدَاوَانَا وَأَقْلَلْنَا الْمَاءَ فَلَمْ نَلْقَ عُمَرَ حَتَّى عَدَا طَوْرَهُ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ عَدَا طَوْرَهُ وَأَرَيْنَاهُ إيَّاهُ فَذَاقَهُ فَوَجَدَهُ شَدِيدًا فَكَسَرَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ شَرِبَ - وَهْبُ بْنُ الْأَسْوَدِ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا نَبِيذٌ قَدْ اشْتَدَّ بَعْضَ
стр. 2309
الشِّدَّةِ فَذَاقَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَخٍ بَخٍ اكْسِرْهُ بِالْمَاءِ - وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي الْمُعَدِّلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: إنَّ عُمَرَ يُنْبَذُ لَهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ قَائِمَةً؟ فَجَاءَ فَذَاقَهُ فَقَالَ: إنَّكُمْ أَقْلَلْتُمْ عَكَرَهُ - أَبُو الْمُعَدِّلِ مَجْهُولٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُبَيْدَة بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى أَهْلَ الطَّائِفِ مِنْ نَبِيذِهِمْ فَسَقَوْهُ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ إنَّكُمْ تَشْرَبُونَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ الشَّدِيدِ فَأَيُّكُمْ رَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ شَيْءٌ فَلْيَكْسِرْهُ بِالْمَاءِ؟ وَهَذَا لَوْ صَحَّ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا، بَلْ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الشَّرَابِ الشَّدِيدِ الْمُرِيبِ، وَالْأَمْرُ بِأَنْ يُغَيَّرَ بِالْمَاءِ عَنْ حَالِهِ تِلْكَ حَتَّى يُفَارِقَ الشِّدَّةَ وَالْإِرَابَةَ - لَيْسَ لَهُمْ عَنْ عُمَرَ إلَّا هَذَا - وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ كَسْرَ النَّبِيذِ بِالْمَاءِ لَا يَنْقُلُهُ عِنْدَهُمْ مِنْ تَحْرِيمٍ إلَى تَحْلِيلٍ، وَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ قَبْلَ كَسْرِهِ بِالْمَاءِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْكَارِ فَهُوَ حِينَئِذٍ عِنْدَنَا حَلَالٌ، فَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ مَا فِيهَا مُوَافِقًا لِقَوْلِنَا - وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ تَحْرِيمُ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ أَنَّ رَجُلًا شَرِبَ مِنْ إدَاوَاتِهِ فَسَكِرَ فَجَلَدَهُ عَلِيٌّ الْحَدَّ - وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَنْ شَرِيكٍ - وَهُوَ مُدَلِّسٌ ضَعِيفٌ - عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - وَالشَّعْبِيِّ لَمْ يَسْمَعْ عَلِيًّا. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ عَلِيًّا شَرِبَ مِنْ تِلْكَ الْإِدَاوَةِ بَعْدَ مَا أَسْكَرَ مَا فِيهَا - فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَكِرَ مِنْ طِلَاءٍ فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ الْحَدَّ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنَّمَا شَرِبْت مَا أَحْلَلْتُمْ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّمَا ضَرَبْتُك لِأَنَّك سَكِرْت - وَهَذَا مُنْقَطِعٌ - وَمُجَالِدٌ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَخَبَرٌ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَطْعَمَك أَخُوك الْمُسْلِمُ طَعَامًا فَكُلْ وَإِذَا سَقَاك شَرَابًا فَاشْرَبْ فَإِنْ رَابَك فَأَسْجُجْهُ بِالْمَاءِ، وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْهُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
стр. 2310
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبَاحَةُ نَبِيذِ الْمُسْكِرِ لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ. وَلَا إبَاحَةُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ الْمَأْكَلِ كَالْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ، وَلَا إبَاحَةُ الْخَمْرِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنْ لَا تُفَتِّشَ عَلَى أَخِيك الْمُسْلِمِ وَأَنْ يُسَجَّ النَّبِيذُ إذَا خِيفَ أَنْ يُسْكِرَ بِالْمَاءِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا إذَا كَانَ الْمَاءُ يُحِيلُهُ عَنْ الشِّدَّةِ إلَى إبْطَالِهَا - وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ جُمْلَةً. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ إلَى حَمَّامٍ لَهُ بِالْعَاقُولِ فَأَكَلُوا مَعَهُ ثُمَّ أُوتُوا بِعَسَلٍ وَطِلَاءٍ فَقَالَ: اشْرَبُوا الْعَسَلَ أَنْتُمْ: وَشَرِبَ هُوَ الطِّلَاءَ، وَقَالَ: إنَّهُ يَسْتَنْكِرُ مِنْكُمْ وَلَا يَسْتَنْكِرُ مِنِّي قَالَ: وَكَانَتْ رَائِحَتُهُ تُوجَدُ مِنْ هُنَالِكَ، وَأَشَارَ إلَى أَقْصَى الْحَلْقَةِ عُثْمَانُ بْنُ قَيْسٍ مَجْهُولٌ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " إنَّ الْقَوْمَ يَجْلِسُونَ عَلَى الشَّرَابِ، وَهُوَ لَهُمْ حَلَالٌ فَمَا يَقُومُونَ حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ شِمَاسِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - شِمَاسٌ وَلَبِيدً مَجْهُولَانِ، وَرَجُلٌ أَجْهَلُ وَأَجْهَلُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَيُقَالُ لَهُمْ: مَا مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُمْ يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَغْلِيَ، وَهُوَ حَلَالٌ فَلَا يَقُومُونَ حَتَّى يَأْخُذَ فِي الْغَلَيَانِ فَيَحْرُمَ - فَهَذِهِ دَعْوَى كَدَعْوَى بَلْ هَذِهِ أَصَحُّ مِنْ دَعْوَاهُمْ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ الشَّرَابَ لَا يَحْرُمُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْمُسْكِرُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّ الشَّرَابَ نَفْسَهُ يَحْرُمُ - فَصَحَّ تَأْوِيلُنَا وَبَطَلَ تَأْوِيلُهُمْ. وَخَبَرٌ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَيَسْقِينَا نَبِيذًا شَدِيدًا - وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَخَبَرٌ: عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: أَكَلْت مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأُتِينَا بِنَبِيذٍ شَدِيدٍ نَبَذَتْهُ سِيرِينَ فِي جَرَّةٍ خَضْرَاءَ فَشَرِبُوا مِنْهُ سِيرِينَ هِيَ أُمُّ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَوْرَدُوا لِقَوْلِهِمْ وِفَاقٌ إلَّا هَذَا الْخَبَرُ وَحْدَهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْقِطُ تَعَلُّقَهُمْ بِهِ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ -:
стр. 2311
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِمَّا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا فَإِذَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَلَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَهَذَا تَنَازُعٌ يَجِبُ بِهِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ نَبِيذًا شَدِيدًا أَيْ خَاثِرًا لَفِيفًا حُلْوًا - فَهَذَا مُمْكِنٌ أَيْضًا. وَخَبَرٌ: عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ مَضَى إلَى أَنَسٍ فَأَبْصَرَ عِنْدَهُ طِلَاءً شَدِيدًا - وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ - عَنْ أَخِيهِ عِيسَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " شَدِيدًا " أَيْ خَاثِرًا لَفِيفًا، وَهَذِهِ صِفَةُ الرُّبِّ الْمَطْبُوخِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَبَاحَ الْمُسْكِرَ، مَا لَمْ يُسْكَرْ مِنْهُ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سِمَاكٍ وَهُوَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ كَمَا قُلْنَا عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ - وَلَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ - عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اشْرَبْ فَإِذَا رَهِبْت أَنْ تَسْكَرَ فَدَعْهُ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ ظَاهِرُهُ اشْرَبْ الشَّرَابَ مَا لَمْ يُسْكِرْ فَإِذَا رَهِبْت أَنْ تَشْرَبَهُ فَتَسْكَرَ مِنْهُ فَدَعْهُ - هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيذِ؟ فَقَالَ: اشْرَبْ فَإِذَا رَهِبْت أَنْ تَسْكَرَ فَدَعْهُ. وَخَبَرٌ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ عَنْ نَبِيذٍ فِي سِقَاءٍ لَوْ نَكَهْته لَأُخِذَ مِنِّي؟ فَقَالَ: إنَّمَا الْبَغْيُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْبَغْيَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَبِّهِ الْمَاءَ عَلَى النَّبِيذِ - وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ نَافِعٍ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ. وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ إبَاحَةٌ لِشُرْبِ الْمُسْكِرِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُنْبَذُ لَهُ فِي جُرٍّ وَيُجْعَلُ لَهُ فِيهِ عَكَرٌ - وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ النَّضْرَ مَجْهُولٌ، ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ.
стр. 2312
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّهُ شَرِبَ مَعَهُ نَبِيذَ جُرٍّ فِيهِ دُرْدِيٌّ. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ مِثْلُهُ - وَعَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَانَ يُجْعَلُ فِي نَبِيذِهِ عَكَرٌ،
وَقَدْ خَالَفَ هَؤُلَاءِ: ابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ - وَصَحَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمَنْعُ مِنْ الْعَكَرِ - وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ هُوَ: خَمْرٌ. وَأَخْبَارٌ صِحَاحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ -: مِنْهَا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ نا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ. وَآخَرُ: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَقِيلٍ عَنْ مَعْقِلٍ أَنَّ هَمَّامَ بْنَ مُنَبِّهٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَمَّا الْخَمْرُ فَحَرَامٌ لَا سَبِيلَ إلَيْهَا، وَأَمَّا مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَرِبَ أَخِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَشَرِبَ مَعَهُ أَبُو سِرْوَعَةَ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بِمِصْرَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَسَكِرَا فَلَمَّا أَصْبَحَا انْطَلَقَا إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَمِيرِ مِصْرَ فَقَالَا لَهُ: طَهِّرْنَا فَإِنَّا قَدْ سَكِرْنَا مِنْ شَرَابٍ شَرِبْنَاهُ، فَجَلَدَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، قَالُوا: فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ فَلَمْ يَجْعَلْهَا خَمْرًا، وَهَذَا أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَأَبُو سِرْوَعَةَ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَأَوْا الْحَدَّ فِي السُّكْرِ مِنْ شَرَابٍ شَرِبَاهُ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ. فَفَرَّقُوا كُلُّهُمْ بَيْنَ الْخَمْرِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ فَلَمْ يَرَوْهَا خَمْرًا، وَرَامُوا بِهَذَا أَنْ يُثْبِتُوا أَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ فَقَطْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ أَثْبَتَا أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ - وَلَيْسَ فِي خَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي سِرْوَعَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ.
стр. 2313
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا شَرِبَا عَصِيرَ عِنَبٍ ظَنًّا أَنَّهُ لَا يُسْكِرُ فَسَكِرَا - وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَدْفَعُ هَذَا، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ إلَّا أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الْخَمْرَ هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ فَقَطْ وَمَا سِوَاهَا فَلَيْسَ خَمْرًا - فَهَذَا مَكَانٌ لَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ لَوْ صَحَّ لَهُمْ إذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِرٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَفِي هَذَا نَازَعْنَاهُمْ لَا فِي التَّسْمِيَةِ فَقَطْ، فَإِذْ لَمْ يَبْقَ إلَّا هَذَا فَقَطْ فَنَحْنُ نُوجِدُهُمْ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، نَعَمْ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَفْسِهِ بِأَصَحَّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتَةٍ أَنَّ الْخَمْرَ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ أَيْضًا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ بِالْمَدِينَةِ خَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ كُلَّهَا يَدْعُونَهَا الْخَمْرَ مَا فِيهَا خَمْرُ الْعِنَبِ؛ فَهَذَا بَيَانُ خَبَرِهِمْ بِمَا يُبْطِلُ تَعَلُّقَهُمْ بِهِ، فَإِذَا أَوْجَدْنَاهُمْ هَذَا فَقَدْ صَحَّ التَّنَازُعُ، وَوَجَبَ الرَّدُّ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا إنْ كُنَّا مُؤْمِنِينَ. وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ صَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ تَحْرِيمُ السُّكْرِ وَعَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ وَإِبَاحَةُ كُلِّ مَا أَسْكَرَ مِنْ الْأَنْبِذَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: رَأَيْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَشْرَبُ نَبِيذَ الْجُرِّ بَعْدَ أَنْ يَسْكُنَ غَلَيَانُهُ - يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الطِّلَاءَ الشَّدِيدَ - وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى أَنَّهُ لَفِيفٌ جِدًّا - فَلَوْ كَانَتْ حَرَامًا مَا خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سَلَفَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِوَضْعِ الْأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ [أَبَدًا] . وَيَقُولُونَ: بِأَنْ يَتَيَمَّمَ الْجُنُبُ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ خَفِيَ عَلَى الْأَنْصَارِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» حَتَّى ذُكِّرُوا بِهِ - وَالْأَمْرُ هُنَا يَتَّسِعُ، وَلَيْسَ كُلُّ صَاحِبٍ يُحِيطُ بِجَمِيعِ السُّنَنِ. وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَلَا يَكْفُرُ مَنْ
стр. 2314
لَمْ يُحَرِّمْ مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدْنَا إنْسَانًا غَابَ عَنْهُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ لَمَا كَفَّرْنَاهُ فِي إحْلَالِهَا حَتَّى يَبْلُغَ إلَيْهِ الْأَمْرُ، فَحِينَئِذٍ إنْ أَصَرَّ عَلَى اسْتِحْلَالِ مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَفَرَ، لَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مُسْتَحِلُّ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ وَكُلَّ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمُهُ لَا يَكْفُرُ مِنْ جَهْلِ ذَلِكَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِهِ - فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَصَحَّ لَدَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ ذَلِكَ فَأَصَرَّ عَلَى اسْتِحْلَالِ مُخَالَفَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَا بُدَّ، وَلَا يَكْفُرُ جَاهِلٌ أَبَدًا حَتَّى يَبْلُغَهُ الْحُكْمُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا بَلَغَهُ وَثَبَتَ عِنْدَهُ فَحِينَئِذٍ يَكْفُرُ إنْ اعْتَقَدَ مُخَالَفَتَهُ ﵇، وَيَفْسُقُ إنْ عَمِلَ بِخِلَافِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِجَوَازِ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَسَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبَ بِهِ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٌ مِمَّا أَوْرَدُوا كُلَّهُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ وَلَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِهِمْ: أَنَّ الْخَمْرَ الْمُحَرَّمَةَ لَيْسَتْ إلَّا عَصِيرَ الْعِنَبِ فَقَطْ دُونَ نَقِيعِ الزَّبِيبِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْخَمْرَ الْمُحَرَّمَةَ لَيْسَتْ إلَّا نَقِيعَ الزَّبِيبِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، وَعَصِيرَ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ. فَصَحَّ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ فَاسِدَانِ مُبْتَدَعَانِ خَارِجَانِ عَنْ كُلِّ أَثَرٍ ثَبَتَ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ مُقَلِّدِيهِ - عَلَى أَنَّ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ آرَائِهِمْ الْخَبِيثَةِ - وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي كَلَامِهِ فِي الْعِتْقِ الَّذِي بَيْنَ كَلَامِهِ فِي الْكَرَاهَةِ وَكَلَامِهِ فِي الرَّهْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ: أَنَا يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: الْخَمْرُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا حَرَامٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالسُّكْرُ عِنْدَنَا حَرَامٌ مَكْرُوهٌ وَنَقِيعُ
стр. 2315
الزَّبِيبِ عِنْدَنَا إذَا اشْتَدَّ وَغَلَى عِنْدَنَا حَرَامٌ مَكْرُوهٌ - وَالطِّلَاءُ مَا زَادَ عَلَى مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ - وَكَانَ يَكْرَهُ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ أَنْ يُشْرَبَ وَأَنْ تَمْتَشِطَ بِهِ الْمَرْأَةُ وَلَا يُحَدُّ مَنْ شَرِبَهُ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ فَإِنْ سَكِرَ حُدَّ. هَذَا نَصُّ كَلَامِهِمْ هُنَالِكَ، وَدُرْدِيُّ الْخَمْرِ هُوَ الْعَكَرُ الَّذِي يُعْقَدُ مِنْهَا فِي قَاعِ الدَّنِّ. وَهُوَ خَمْرٌ بِلَا شَكٍّ، فَاعْجَبُوا لِهَذَا الْهَوَسِ وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَإِنَّمَا هِيَ -: قَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأَنْبِذَةُ كُلُّهَا حَلَالٌ إلَّا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْخَمْرُ، وَالْمَطْبُوخُ إذَا لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ فَإِنَّهُ السَّكَرُ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ. وَلَا خِلَافَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ نَقِيعَ الدُّوشَاتِ عِنْدَهُ حَلَالٌ وَإِنْ أَسْكَرَ، وَكَذَلِكَ نَقِيعُ الرُّبِّ وَإِنْ أَسْكَرَ -: وَالدُّوشَاتُ مِنْ التَّمْرِ، وَالرُّبُّ مِنْ الْعِنَبِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: كُلُّ شَرَابٍ مِنْ الْأَنْبِذَةِ يَزْدَادُ جَوْدَةً عَلَى التَّرْكِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَإِلَّا أُجِيزَ بَيْعُهُ وَوَقْتُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ كَانَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ فَلَا بَأْسَ، بِهِ - وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. هَذَا كَلَامُهُمْ فِي الْأَصْلِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِمَّا عَدَا الْخَمْرَ أَكْرَهُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ. فَإِنْ صَلَّى إنْسَان وَفِي ثَوْبِهِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَأَعَادَهَا أَبَدًا فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ السَّخَافَاتِ لَئِنْ كَانَ تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ أَبَدًا فَهُوَ نَجِسٌ، فَكَيْفَ يُبِيحُ شُرْبَ النَّجِسِ؟ وَلَئِنْ كَانَ حَلَالًا فَلِمَ تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ الْحَلَالِ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَوَّلُ فَسَادِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا كُلُّهَا أَقْوَالٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ يُوَافِقُهَا وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا صَحِيحٍ وَلَا غَيْرِ صَحِيحٍ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا أَحَدٍ قَبْلَ أَبِي يُوسُفَ فِي تَحْدِيدِهِ عَشَرَةَ الْأَيَّامِ فَيَا لِعَظِيمِ مُصِيبَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي أَنْفُسِهِمْ إذْ يُشَرِّعُونَ الشَّرَائِعَ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مِنْ ذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ بِأَسْخَفِ قَوْلٍ وَأَبْعَدِهِ عَنْ الْمَعْقُولِ؟
следующие страницы →