Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
وَبِحَدِيثِي أَبِي مَسْعُودٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَأْمُرُنَا بِالصَّدَقَةِ؛ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا فَيَتَحَامَلُ فَيَجِيءُ بِالْمُدِّ، وَصَدَقَةِ أَبِي عَقِيلٍ بِصَاعِ تَمْرٍ» فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ وَحُجَّةٌ لَنَا لَا لَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْقُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَعَاشًا، إنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِلِّينَ، وَيُؤْثِرُونَ مِنْ بَعْضِ قُوتِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] فَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " جَهْدُ الْمُقِلِّ " فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمَوْصُولَةُ بِقَوْلِهِ ﵇: «وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» فَبَيَّنَ هَذَا الْقَوْلُ أَنَّهُ جَهْدُهُ بَعْدَ كَفَافِ مَنْ تَعُولُ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثَا أَبِي مَسْعُودٍ أَيْضًا، وَإِنَّمَا كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ فَتَصَدَّقَ بِأَجْوَدِهِمَا، فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ ضَيْعَةٌ أَوْ لَهُ غَلَّةٌ تَقُومُ بِهِ فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِ دِرْهَمَيْنِ كَانَا لَهُ وَلَمْ يَقُلْ ﵇: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُمَا؟ فَإِنْ ذَكَرُوا صَدَقَةَ أَبِي بَكْرٍ بِمَا يَمْلِكُهُ؟ قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ «عُمَرَ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِالصَّدَقَةِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: مَا أَبْقَيْت لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ بِلَا شَكٍّ كَانَتْ لَهُ دَارٌ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفَةٌ وَدَارٌ بِمَكَّةَ - وَأَيْضًا: فَإِنَّ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﵌ لِيُضَيِّعَهُ فَكَانَ فِي غِنًى.
فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ مُجْمَلًا، أَوْ مُنَوَّعًا عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهُ إلَّا بِمَا أَبْقَى لِنَفْسِهِ، وَلِأَهْلِهِ غِنًى، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَغَيْرَهُ.
стр. 2382
فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ سَعْدٍ فِي الْوَصِيَّةِ؟ قُلْنَا: هُوَ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ أَمْرِ الصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ فِي الْحَيَاةِ بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ - وَأَيْضًا فَقَدْ مَنَعَهُ ﵇ مِنْ الصَّدَقَةِ بِنِصْفِهِ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ هَذَا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؛ وَلَوْ تَرَكَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ - وَيُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ: بِرَدِّ مَا نَفَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فِي حَيَاتِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[نَذَرَ نَحْرَ نَفْسِهِ أَوْ ابْنِهِ]
وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ نَحْرَ نَفْسِهِ أَوْ ابْنِهِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَمَّنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ؟ فَقَالَ: لَا يَنْحَرْ ابْنَهُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ تَكُونُ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ كَفَّارَةٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٢] ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ مَا رَأَيْت.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
أَوَّلُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ هُوَ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ الَّتِي شَبَّهَهَا بِطَاعَتِهِ فِي الظِّهَارِ، الْكَفَّارَةَ الَّتِي فِي الظِّهَارِ وَيَكْفِي هَذَا - ثُمَّ لَوْ طَرَدَ هَذَا الْقَوْلُ لَوَجَبَتْ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ، أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِيهِ كَفَّارَةً - وَهَذَا أَصَحُّ أَقْوَالِهِ -: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ غَيْرَ هَذَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: نَذَرْت لَأَنْحَرَنَّ نَفْسِي؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] فَأَمَرَهُ بِكَبْشٍ، قَالَ عَطَاءٌ: يُذْبَحُ الْكَبْشُ بِمَكَّةَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لِعَطَاءٍ: نَذَرَ لَيَنْحَرَنَّ فَرَسَهُ أَوْ بَغْلَتَهُ؟ فَقَالَ: جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ؟ فَقُلْت لَهُ: أَمَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكَبْشٍ فِي نَفْسِهِ، وَتَقُولُ فِي الدَّابَّةِ جَزُورٌ؟ فَأَبَى عَطَاءٌ إلَّا ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ لَمْ يَنْذُرْ ذَبْحَ وَلَدِهِ، لَكِنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَبْحِهِ فَكَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهُ، وَكَانَ نَذْرُ النَّاذِرِ نَحْرُ وَلَدِهِ أَوْ نَفْسِهِ مَعْصِيَةً مِنْ كِبَارِ الْمَعَاصِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُشَبَّهَ الْكَبَائِرُ بِالطَّاعَاتِ.
стр. 2383
وَأَيْضًا - فَإِنَّنَا لَا نَدْرِي مَا كَانَ ذَلِكَ الذَّبْحُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ إسْمَاعِيلُ ﵇، فَبَطَلَ هَذَا التَّشْبِيهُ - وَرُوِّينَا عَنْهُ قَوْلًا ثَالِثًا أَيْضًا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ، قَالَ: لِيُهْدِ مِائَةَ نَاقَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْت سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: إنِّي كُنْت أَسِيرًا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَنَذَرْت إنْ نَجَّانِي اللَّهُ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا، وَأَنْ أَنْحَرَ نَفْسِي، وَإِنِّي قَدْ فَعَلْت ذَلِكَ؟ قَالَ وَفِي عُنُقِهِ قِدٌّ فَأَقْبَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى امْرَأَةٍ سَأَلَتْهُ وَغَفَلَ عَنْ الرَّجُلِ، فَانْطَلَقَ لِيَنْحَرَ نَفْسَهُ، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ؟ فَقِيلَ لَهُ: ذَهَبَ لِيَنْحَرَ نَفْسَهُ، فَقَالَ عَلَيَّ بِالرَّجُلِ؟ فَجَاءَ، فَقَالَ: لَمَّا أَعْرَضْت عَنِّي انْطَلَقْت أَنْحَرُ نَفْسِي؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ فَعَلْت مَا زِلْت فِي نَارِ جَهَنَّمَ، اُنْظُرْ دِيَتَك فَاجْعَلْهَا فِي بُدْنٍ فَأَهْدِهَا فِي كُلِّ عَامٍ شَيْئًا، وَلَوْلَا أَنَّك شَدَدْت عَلَى نَفْسِك لَرَجَوْت أَنْ يُجْزِيك كَبْشٌ - وَهَذِهِ آثَارٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَفْتَى رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَتَجِدُ مِائَةَ بَدَنَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْحَرْهَا، فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَا لَوْ أَمَرْته بِكَبْشٍ لَأَجْزَأَ عَنْهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَنَّ عِكْرِمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَذْنَبْت ذَنْبًا لَئِنْ أَمَرْتنِي لَأَنْحَرَنَّ السَّاعَةَ نَفْسِي وَاَللَّهِ لَا أُخْبِرُكَهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى، لَعَلِّي أَنْ أُخْبِرَك بِكَفَّارَةٍ، قَالَ فَأَبَى، فَأَمَرَهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ - وَهَذَا أَيْضًا إسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقٍ سَاقِطَةٍ فِيهَا ابْنُ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيُّ: أَنَّ عَلِيًّا، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ أَفْتَوْا فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَهُ؟ أَنْ يُهْدِيَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَاضِرٍ أَنَّهُمْ ثَلَاثَتُهُمْ سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقَالُوا: يَنْحَرُ بَدَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَكَبْشًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ أَقْوَالٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صِحَاحٌ لَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ لَمْ يُعْصَمْ مِنْ
стр. 2384
الْخَطَأِ، وَمَنْ قَلَّدَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَنْ لَا نَتَّبِعَ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَضَائِلُ وَمُشَاهَدٌ تَعْفُو عَنْ كُلِّ تَقْصِيرٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ نَذْرًا لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ؟ فَأَمَرَهُ أَنْ يُوَفِّيَهُ - ثُمَّ سَأَلَ عِكْرِمَةَ؟ فَنَهَاهُ عَنْ الْوَفَاءِ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ فَرَجَعَ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَأَخْبَرَهُ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: لَيَنْتَهِيَنَّ عِكْرِمَةُ أَوْ لَيُوجِعَنَّ الْأُمَرَاءُ ظَهْرَهُ، فَرَجَعَ إلَى عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرَهُ؟ فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: إذْ بَلَّغَتْنِي فَبَلِّغْهُ، أَمَّا هُوَ فَقَدْ ضَرَبَتْ الْأُمَرَاءُ ظَهْرَهُ، وَأَوْقَفُوهُ فِي تُبَّانِ شَعْرٍ، وَسَلْهُ عَنْ نَذْرِك أَطَاعَةٌ لِلَّهِ هُوَ أَمْ مَعْصِيَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، فَقَدْ أَمَرَك بِالْمَعْصِيَةِ؟ وَإِنْ قَالَ هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، إذْ زَعَمَ أَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ طَاعَةٌ لَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ نَفْسِي؟ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵌ بِأَنْ يُهْدِيَ مِائَةَ نَاقَةٍ، وَأَنْ يَجْعَلَهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، قَالَ: فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْكَ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ: أَلَكَ مَالٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ» .
وَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا، فَلَا مَا يُوهَمُونَ مِنْ اتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ الْتَزَمُوا، وَلَا النَّصَّ الْمُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ اتَّبَعُوا، وَلَا بِالْمُرْسَلِ أَخَذُوا، وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ وَالْمُسْنَدَ سَوَاءٌ -: وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: مَنْ نَذَرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، أَوْ نَحْرَ نَفْسِهِ، أَوْ نَحْرَ غُلَامِهِ، أَوْ نَحْرَ وَالِدِهِ، أَوْ نَحْرَ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ إهْدَاءَهُ، أَوْ إهْدَاءَ وَلَدِهِ، أَوْ إهْدَاءَ وَالِدِهِ - فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، إلَّا فِي وَلَدِهِ خَاصَّةً، فَيَلْزَمُهُ فِيهِ هَدْيُ شَاةٍ - وَهَذَا مِنْ التَّخْلِيطِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ - وَوَافَقَهُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَعَلَيْهِ فِي عَبْدِهِ أَيْضًا شَاةٌ.
وَاضْطَرَبَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَمَرَّةً قَالَ: مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: أَنَا أَنْحَرُ ابْنِي إنْ فَعَلْت كَذَا، فَحِنْثَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ -: وَمَرَّةً قَالَ: إنْ كَانَ نَوَى بِذَلِكَ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ هَدْيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَا هَدْيٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
وَمَرَّةً قَالَ: إنْ نَذَرَ ذَلِكَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ.
стр. 2385
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ: إنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ أَبَاهُ، أَوْ أُمَّهُ، إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الِابْنِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ ذَلِكَ بِمِنًى، أَوْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَكَمَا لَوْ نَذَرَهُ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَخِلَافٌ لِلسَّلَفِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: مَنْ قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ ابْنِي عِنْدَ الْبَيْتِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَيَحُجَّ بِابْنِهِ وَيُهْدِيَ هَدْيًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: مَنْ قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَإِنَّهُ يُحِجُّهُ، أَوْ يُعْمِرُهُ، وَيُهْدِي، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَحَدٌ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَى فَقَطْ -: وَهَذِهِ أَقْوَالٌ لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا، فَلَا وَجْهَ لِلِاشْتِغَالِ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا الِاسْتِغْفَارَ فَقَطْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» وَلَمْ يَأْمُرْهُ فِي ذَلِكَ بِكَفَّارَةٍ، وَلَا هَدْيٍ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] .
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى يُحَدِّثُ عَطَاءً أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: نَذَرْت لَأَنْحَرَنَّ نَفْسِي؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَوْفِ مَا نَذَرْت، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَفَأَقْتُلُ نَفْسِي؟ قَالَ لَهُ إذْنَ تَدْخُلُ النَّارَ، قَالَ لَهُ: أَلْبَسْت عَلَيَّ قَالَ: أَنْتَ أَلْبَسْت عَلَى نَفْسِك؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِهَذَا كَانَ يُفْتِي ابْنُ عُمَرَ، صَحَّ أَنَّ آتِيًا أَتَاهُ فَقَالَ: نَذَرْت صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ -
стр. 2386
عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ. وَأَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْهُ؟ فَقَالَتْ: نَذَرْت أَنْ أَمْشِيَ حَاسِرَةً؟ فَقَالَ: أَوْفِي بِنَذْرِك، وَاخْتَمِرِي.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُقُوطَ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ جُمْلَةً وَبِهَذَا نَقُولُ.
[نَذَرَ نَحْرَ فَرَسِهِ أَوْ بَغْلَتِهِ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ نَحْرَ فَرَسِهِ أَوْ بَغْلَتِهِ، فَلْيَنْحَرْهُمَا لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ مَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَة أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ إلَى مَكَان سَمَّاهُ مِنْ الْحَرَمِ، أَوْ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّهُ إنْ نَذَرَ مَشْيًا، أَوْ رُكُوبًا، أَوْ نُهُوضًا إلَى مَكَّةَ، أَوْ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ، وَالْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْحَجِّ " فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ مَشْيًا، أَوْ نُهُوضًا، أَوْ رُكُوبًا إلَى الْمَدِينَةِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إلَى أَثَرٍ مِنْ آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، فَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا، أَوْ رُكُوبًا، أَوْ اعْتِكَافًا، أَوْ نُهُوضًا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَزِمَهُ.
فَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً فِيهِ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ -:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَنْهَضَ إلَى مَكَّةَ فَيُصَلِّي فِيهَا وَيُجْزِيه.
وَالثَّانِي - أَنْ يَنْهَضَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا، وَنُهُوضًا، أَوْ رُكُوبًا إلَى مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْأَرْضِ غَيْرِ هَذِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَصْلًا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَهَى عَنْ شَدِّ الرَّحَّالِ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ فَقَطْ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ نا رَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «إنَّمَا الرِّحْلَةُ إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ إيلْيَاءَ» فَصَارَ الْقَصْدُ إلَى مَا سِوَاهَا مَعْصِيَةً، وَالْمَعْصِيَةُ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ مَا لَمْ يَنْذُرْهُ مِنْ صَلَاةٍ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي سَمَّى.
стр. 2387
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النُّهُوضِ، وَالذَّهَابِ، وَالْمَشْيِ، وَالرُّكُوبِ، إلَّا أَنَّ الْمَشْيَ طَاعَةٌ، وَالرُّكُوبَ أَيْضًا طَاعَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفَقَةٌ زَائِدَةٌ فِي بِرٍّ.
وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مَكَّةَ، أَوْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ كَانَ نَذَرَ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ هُنَالِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ فَرْضٍ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ طَاعَةٌ لِلَّهِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي نَذْرِهِ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ فِيهَا لِلْأَثَرِ الثَّابِتِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إذْ فَرَضَ الْخَمْسَ الصَّلَوَاتِ: هُنَّ خَمْسٌ، وَهُنَّ خَمْسُونَ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» فَآمَنَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] أَنْ تَكُونَ صَلَاةً مُفْتَرَضَةً، غَيْرَ الْخَمْسِ لَا أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ، وَلَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، مُعَيَّنَةً عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ أَبَدًا.
وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ إذْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِمِثْلِ هَذَا - وَبِهَذَا أَسْقَطْنَا وُجُوبَ الْوَتْرِ فَرْضًا مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَوُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ فَرْضًا عَلَى الدَّاخِلِ الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُلْتُمْ فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةً فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا قُلْتُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِمَكَّةَ، لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ، أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵇: صَلِّ هَهُنَا، فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ هَهُنَا، ثُمَّ أَعَادَهَا، فَقَالَ: شَأْنَكَ إذًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: صَلِّ هَهُنَا، فَأَعَادَ الرَّجُلُ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: فَشَأْنَكَ إذًا» .
стр. 2388
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذَا فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فِي مَسْجِدِ إيلْيَاءَ، وَإِنَّمَا جَاءَ فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةً فِيهِ فَقَطْ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
فَإِنْ عَجَزَ رَكِبَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ عَلِيٌّ: لِمَا أَخْبَرَ الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﵌ بِأَنَّهُ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ صَلِّ هَهُنَا - يَعْنِي بِمَكَّةَ - تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ وُجُوبُ نَذْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَصَحَّ أَنَّهُ نَدْبٌ مُبَاحٌ وَكَانَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ لَازِمًا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ، «فَلَمَّا رَاجَعَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﵌ فَقَالَ ﵇: فَشَأْنَكَ إذًا» تَبَيَّنَ وَصَحَّ أَنَّ أَمْرَهُ ﵇ لَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ نَدْبٌ لَا فَرْضٌ أَيْضًا، هَذَا مَا لَا يُمْكِنُ سِوَاهُ، وَلَا يَحْتَمِلُ الْخَبَرُ غَيْرَهُ - فَصَارَ كُلُّ ذَلِكَ نَدْبًا فَقَطْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّكُمْ تُوجِبُونَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فَرْضًا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، عَلَى الْكِفَايَةِ لَا مُتَعَيِّنًا عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ.
وَنَسْأَلُ مَنْ خَالَفَ هَذَا عَمَّنْ نَذَرَ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاةً سَادِسَةً؟ وَبَدَّلَ الْقَوْلَ الَّذِي أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُبَدَّلُ لَدَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ سَأَلْنَاهُ: مَا الْفَرْقُ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى فَرْقٍ أَبَدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَلَوْ نَذَرَ النُّهُوضَ إلَى مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيُصَلِّيَ فِيهَا لَزِمَهُ النُّهُوضُ إلَيْهَا وَلَا بُدَّ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ طَاعَةٌ لِلَّهِ ثُمَّ يَلْزَمُهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ هُنَالِكَ مَا أَدْرَكَهُ وَقْتُهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِيهَا مِنْ التَّطَوُّعِ مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ هُوَ هُنَالِكَ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيق مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اذْهَبْ فَتَجَهَّزْ؟ فَتَجَهَّزَ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اجْعَلْهَا عُمْرَةً.
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَمَرَتْهَا بِأَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵌.
стр. 2389
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ إيلْيَاءَ فَاعْتَكَفَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵌ بِالْمَدِينَةِ أَجْزَأَ عَنْهُ. وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ فَاعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَجْزَأَ عَنْهُ. وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ وَلْيَعْتَكِفْ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ -:
رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ الْبَصْرَةِ قَالَ: إنَّمَا أُمِرْتُمْ بِهَذَا الْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ فِي الْجِوَارِ قُلْت: فَأَوْصَى فِي أَمْرٍ فَرَأَيْت خَيْرًا مِنْهُ؟ قَالَ: افْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مَا لَمْ تُسَمِّ لِإِنْسَانِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إنْ قَالَ: لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْت خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ فَافْعَلْ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ - ثُمَّ رَجَعَ عَطَاءٌ عَنْ هَذَا وَقَالَ: لِيَفْعَلْ الَّذِي قَالَ وَلْيُنَفِّذْ أَمْرَهُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ مَنْ قَالَ لَهُ: نَذَرْت مَشْيًا إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ زِيَارَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ لَهُ طَاوُسٍ: عَلَيْك بِمَكَّةَ مَكَّةَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵌ بِالْمَدِينَةِ أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ إتْيَانَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ إتْيَانَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﵌ بِالْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْكَنِهِ مِنْ الْبِلَادِ حَيْثُ كَانَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إنْ نَذَرَ صَلَاةً فِي مَوْضِعٍ فَصَلَّى فِي أَفْضَلَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ صَلَّى فِي دُونِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ قَالَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ صَلَاةً هُنَالِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ رَاكِبًا، وَالصَّلَاةُ هُنَالِكَ؛ فَإِنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ قَالَ: إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَعَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى مَا هُنَالِكَ رَاكِبًا وَالصَّلَاةُ هُنَالِكَ؟ قَالَ: فَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى عَرَفَةَ، أَوْ إلَى مُزْدَلِفَةَ لَمْ
стр. 2390
يَلْزَمْهُ، فَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ مَشَى إلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا فِيهَا، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَجْزَأَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي ذَكَرَ لَا فِيمَا سِوَاهُ، فَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ لَمْ يَلْزَمْهُ، لَكِنْ يُصَلِّي حَيْثُ هُوَ، فَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَجْزَأَهُ الرُّكُوبُ إلَيْهِمَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَخِلَافُ السُّنَّةِ الْوَارِدَةِ فِيمَنْ نَذَرَ طَاعَةً، وَفِي أَنَّ صَلَاةً فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، وَإِنَّ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ عُمُومًا لَا يَخُصُّ مِنْهُ نَافِلَةً مِنْ فَرْضٍ، وَهَذِهِ طَاعَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» فَقَالُوا: لَا يُطِعْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فَفَاسِدٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ فَجَاهَدَ فَإِنَّهُ يُجْزِيه مِنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ خَيْرًا مِمَّا نَذَرَ، وَإِنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِثَوْبٍ، أَنَّهُ يُجْزِيه - وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَخَطَأٌ لَائِحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ وُجُوبَ الْمَشْيِ عَنْ مَنْ نَذَرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ نَذَرَهُ إلَى مَكَّةَ - وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ تَخْصِيصُهُ فِيمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَعْضِ الْمَشَاعِرِ، كَمُزْدَلِفَةَ، أَوْ عَرَفَةَ، فَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ، وَأَوْجَبَهُ إلَى مَكَّةَ، وَإِلَى الْكَعْبَةِ، وَإِلَى الْحَرَمِ؛ وَهَذَا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا يُنْتَقَضُ بِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
[نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِ فُلَانٍ إنْ مَلَكَهُ]
وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِ فُلَانٍ إنْ مَلَكَهُ، أَوْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ عِتْقَ عَبْدِهِ إنْ بَاعَهُ، فَإِنَّ مَنْ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا يَلْزَمُ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، فَإِنْ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ النَّذْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إنْ بِعْته، أَوْ قَالَ: ثَوْبِي هَذَا صَدَقَةٌ إنْ بِعْته فَبَاعَهُ فَقَدْ سَقَطَ مُلْكُهُ عَنْهُ، وَإِذَا سَقَطَ مُلْكُهُ عَنْهُ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَنْفُذَ عِتْقُهُ فِي عَبْدٍ لَا يَمْلِكُهُ هُوَ وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، وَصَدَقَتُهُ كَذَلِكَ.
стр. 2391
وَمَنْ قَالَ: إنْ ابْتَعْت عَبْدَ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ إنْ ابْتَعْت دَارَ فُلَانٍ فَهِيَ صَدَقَةٌ، ثُمَّ ابْتَاعَ كُلَّ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ وَلَا صَدَقَةٌ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ قَالَ: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ نا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ نا ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ - هُوَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ - «أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌ هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أَوْفِ بِنَذْرِكَ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» فَفِي هَذَا الْخَبَرِ نَصُّ مَا قُلْنَا: مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَرْءَ وَفَاءُ نَذْرِهِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، وَفِيهِ إيجَابُ الْوَفَاءِ بِنَذْرِ نَحْرِ الْإِبِلِ فِي غَيْرِ مَكَّةَ - وَهُوَ قَوْلُنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَالَ النَّاسُ فِي هَذَا: أَقْوَالًا: فَاخْتَلَفُوا فِي رَجُلٍ قَالَ: إنْ بِعْت عَبْدِي هَذَا فَهُوَ حُرٌّ وَقَالَ آخَرُ: إنْ اشْتَرَيْته مِنْك فَهُوَ حُرٌّ، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْهُ؟ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمَاجِشُونِ قَالَا: يُعْتَقُ عَلَى الْمُشْتَرِي، لَا عَلَى الْبَائِعِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُعْتَقُ عَلَى الْبَائِعِ لَا عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يُعْتَقُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا - وَهُوَ الْحَقُّ لِمَا ذَكَرْنَا - وَالْمَذْكُورُونَ قَبْلُ قَدْ نَقَضَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَصْلَهَا؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: إنْ بِعْت عَبْدِي فَهُوَ حُرٌّ، فَبَاعَهُ: أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنَّهُ إنْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت عَبْدَ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ، فَإِنَّهُ حُرٌّ - فَمِنْ أَيْنَ غَلَّبَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمَا فِي اجْتِمَاعِهِمَا فِي بَيْعِهِ وَابْتِيَاعِهِ أَحَدَ النَّاذِرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؟ فَكَانَ الْأَوْلَى بِهِمْ أَنْ يُعْتِقُوهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَهَذَا نَقْضٌ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: يُعْتَقُ عَلَى الْبَائِعِ - فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَاعَهُ،
стр. 2392
أَوْ لَمْ يَبِعْهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ.
فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ غَيْرُهُ فَبِأَيِّ حُكْمٍ تُفْسَخُ صَفْقَةُ مُسْلِمٍ قَدْ تَمَّتْ؟ وَبِأَيِّ حُكْمٍ يُعْتِقُ زَيْدٌ عَبْدَ عَمْرٍو؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبِعْهُ - فَمَا يَلْزَمُهُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَذَرَ عِتْقَهُ إنْ بَاعَهُ - وَهُوَ لَمْ يَبِعْهُ - وَهَذَا نَفْسُهُ لَازِمٌ لِلشَّافِعِيِّ سَوَاءٌ سَوَاءٌ فَظَهَرَ فَسَادُ أَقْوَالِهِمْ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: مَنْ قَالَ: إنْ دَخَلَ غُلَامِي دَارَ زَيْدٍ فَهُوَ حُرٌّ - ثُمَّ بَاعَهُ - ثُمَّ دَخَلَ الْغُلَامُ دَارَ زَيْدٍ بَعْدَ مُدَّةٍ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِيهِ، وَيُعْتَقُ عَلَى بَائِعِهِ.
وَلَعَمْرِي مَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ بِبَعِيدٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ لِأَنَّهُمْ كُلُّهُمْ قَدْ اعْتِقُوهُ عَلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَأَبْطَلُوا صَفْقَةَ الْمُشْتَرِي وَصِحَّةَ مِلْكِهِ - وَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْغُلَامُ دَارَ زَيْدٍ؟ أَيُفْسَخُ عِتْقُهُ ثُمَّ يُعْتِقُهُ عَلَى بَائِعِهِ؟ أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَأَوْلَدَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ؟
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ]
١١١٦ - مَسْأَلَةٌ: وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ قَالَ: بَدَنَةً، أَوْ قَالَ: مِائَةَ دِرْهَمٍ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْبُرِّ، هَكَذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ -: فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ نَذْرٌ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْذُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي نَذَرَ لَيْسَ مُعَيَّنًا فَيَكُونُ مُشَارًا إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ، فَإِنَّمَا نَذَرَ عِتْقًا فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ صَدَقَةً فِي ذِمَّتِهِ.
بُرْهَانُ هَذَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] ثُمَّ لَامَهُمْ إذْ لَمْ يَفُوا بِذَلِكَ إذْ آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ -: فَخَرَجَ هَذَا عَلَى مَا الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ جُمْلَةً، وَخَرَجَ نَهْيُ النَّبِيِّ ﵌ عَنْ النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ عَلَى مَا نَذَرَ فِي مُعَيَّنٍ لَا يَمْلِكُهُ.
وَيَدْخُلُ فِي الْقِسْمِ اللَّازِمِ مَنْ نَذَرَ عِتْقَ أَوَّلِ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ، أَوْ أَوَّلِ وَلَدٍ تَلِدُهُ أَمَتُهُ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ؟ وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْيَاءُ كُنْتُ
стр. 2393
أَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَكَ مِنْ الْخَيْرِ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قُلْتُ: فَوَاَللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعَتْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلَّا فَعَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ» فَهَذَا نَذْرٌ مِنْ حَكِيمٍ فِي عِتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ، وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﵌ بِذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ كَمَا أَنْكَرَ نَذْرَ الْأَنْصَارِيَّةِ نَحْرَ النَّاقَةِ الَّتِي لَمْ تَمْلِكْهَا - فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُعَيَّنِ، وَأَنَّ الْجَائِزَ هُوَ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا بُدَّ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ ﵌: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» وَقَوْلُهُ ﵌: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ» .
وَأَمْرُهُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَتَكَلَّمَ: بِأَنْ يَصُومَ وَيَطْرَحَ مَا سِوَى ذَلِكَ - وَنَهْيُهُ عَنْ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ نَجِدْ نَذْرًا فِي الْعَالَمِ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ﵇ لِكُلِّ وَجْهٍ حُكْمَهُ، فَكَانَ مَنْ اسْتَعْمَلَ فِي أَحَد تِلْكَ الْوُجُوهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى مَا لَا يُحَالُ بِهِ حُكْمُ تِلْكَ النُّصُوصِ عَنْ أَحْكَامِهَا -: فَوَجَدْنَاهُ إذَا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ صَحَّ حُكْمُهُ، وَهُوَ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فَقَطْ كَمَا فِي نَصِّ الْخَبَرِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْزَمَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَمْ يَلْتَزِمْهَا وَلَا جَاءَ بِالْتِزَامِهِ إيَّاهَا نَصٌّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَسَوَاءٌ قَالَ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ قَالَ: إنْ تَخَلَّصْت مِمَّا أَنَا فِيهِ فَعَلَيَّ نَذْرٌ، وَسَوَاءٌ تَخَلَّصَ أَوْ لَمْ يَتَخَلَّصْ: عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: عَلَيَّ حَرَامٌ، عَلَيَّ نَذْرٌ؟ قَالَ: اعْتِقْ رَقَبَةً، أَوْ صُمْ
стр. 2394
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
قَالَ سَعِيدٌ: ونا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: النَّذْرُ أَغْلَظُ الْيَمِينِ، وَفِيهَا أَغْلَظُ الْكَفَّارَةِ: عِتْقُ رَقَبَةٍ - وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَمِمَّنْ قَالَ: فِيهِ يَمِينٌ كَقَوْلِنَا: الشَّعْبِيُّ، رُوِّينَاهُ عَنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ فِي النَّذْرِ اللَّازِمِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]
١١١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ فِي النَّذْرِ اللَّازِمِ الَّذِي قَدَّمْنَا: إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ ذَكَرَ الْإِرَادَةَ مَكَانَ الْمَشِيئَةِ، أَوْ إلَّا إنْ بَدَّلَ اللَّهُ مَا فِي نَفْسِي، أَوْ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ نَحْوِ هَذَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَوَصَلَهُ بِكَلَامِهِ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] وَلِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَ نَذْرَهُ بِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَاءَ تَمَامَهُ لَأَنْفَذَهُ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ كَوْنَهُ.
وَهُوَ لَمْ يَلْتَزِمْهُ إلَّا إنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى كَوْنَهُ، فَإِذْ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ تَعَالَى كَوْنَهُ فَلَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَكَذَلِكَ إنْ بَدَا لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ نَذْرُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْحُرِّ سَوَاءٌ]
١١١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَنَذْرُ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ الْبِكْرِ ذَاتِ الْأَبِ، وَغَيْرِ ذَاتِ الْأَبِ، وَذَاتِ الزَّوْجِ، وَغَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ، وَالْعَبْدِ، وَالْحُرِّ، سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ ﵌ بِذَلِكَ عُمُومٌ لَمْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يُرِيدُ تَخْصِيصَ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يُبَيِّنُهُ لَنَا، هَذَا أَمْرٌ قَدْ أَمِنَّاهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - إلَّا الصِّيَامَ وَحْدَهُ فَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ غَيْرَ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الصِّيَامِ " وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2395
[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ مَا لَا يُطِيقُ]
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَذَرَ مَا لَا يُطِيقُ أَبَدًا لَمْ يَلْزَمْهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَكَذَلِكَ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي وَقْتٍ مَحْدُودٍ فَجَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ - وَهُوَ لَا يُطِيقُهُ - فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ، لَا حِينَئِذٍ، وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ فِي حَالَةِ كُفْرِهِ طَاعَةً لِلَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ]
١١٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَذَرَ فِي حَالَةِ كُفْرِهِ طَاعَةً لِلَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فَحَضَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، وَأَوْجَبَهُ لِفَاعِلِهِ، ثُمَّ عَلَى الْإِيمَانِ، وَعَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ فِيهِ أَيْضًا، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّه فَلْيُطِعْهُ» .
وَهُوَ ﵇ مَبْعُوثٌ إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَطَاعَتُهُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَلَيْسَ مُسْلِمًا -: وَهَذِهِ جُمْلَةٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ - ثُمَّ نَقَضُوا فِي التَّفْصِيلِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا حَسَنٌ الْحَلْوَانِيُّ نا يَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - نا أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحْنَثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ» .
نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ نا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ عُمَرَ قَالَ: نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ فَأَمَرَنِي أَنْ أُوَفِّيَ بِنَذْرِي» .
نا حُمَامٌ نا أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمُرَادِيُّ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ «عُمَرَ
стр. 2396
قَالَ: نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ أَسْلَمْتُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَأَمَرَنِي أَنْ أُوَفِّيَ بِنَذْرِي» .
فَهَذَا حُكْمٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَنْهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُهُ - وَاحْتَجَّ لَهُ مُقَلِّدُوهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ إنَّمَا نَزَلَ فِيمَنْ مَاتَ كَافِرًا بِنَصِّ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] .
ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ مَنْ يَنْقُضُ هَذِهِ الْحُجَّةَ فَيُجِيزُونَ: بَيْعَهُمْ، وَابْتِيَاعَهُمْ، وَنِكَاحَهُمْ، وَهِبَاتِهِمْ، وَصَدَقَاتِهِمْ، وَعِتْقَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أَنَّ ثُمَامَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ أَطْلَقَ النَّبِيُّ ﵌ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَاَللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ دِينٍ أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إلَيَّ وَاَللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إلَيَّ وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ» .
فَهَذَا كَافِرٌ خَرَجَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَهُ ﵇ بِإِتْمَامِ نِيَّتِهِ.
وَرُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ مَنْ نَذَرَ فِي كُفْرِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَلْيُوَفِّ بِنَذْرِهِ - وَعَنْ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ نَحْوُهُ - وَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ]
١١٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَذَرَ لِلَّهِ صَوْمَ يَوْمٍ يَقْدُمُ فِيهِ فُلَانٌ، أَوْ يَوْمٍ يَبْرَأُ أَوْ يَنْطَلِقُ فَكَانَ
стр. 2397
ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَمْ يَلْزَمْهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَيْلًا فَلَمْ يَكُنْ مَا نَذَرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَهَارًا فَقَدْ مَضَى وَقْتُ الدُّخُولِ فِي الصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي أَنْطَلِقُ فِيهِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ كَذَا فِي الْأَبَدِ، أَوْ مُدَّةً يُسَمِّيهَا، فَيَلْزَمُهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ نَذَرَ صِيَامًا وَلَمْ يُسَمِّ عَدَدًا مَا]
١١٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَذَرَ صِيَامًا، أَوْ صَلَاةً، أَوْ صَدَقَةً، وَلَمْ يُسَمِّ عَدَدًا مَا: لَزِمَهُ فِي الصِّيَامِ صَوْمُ يَوْمٍ وَلَا مَزِيدٍ، وَفِي الصَّدَقَةِ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِمَّا يُسَمَّى صَدَقَةً، وَلَوْ شَقَّ تَمْرَةً، أَوْ أَقَلَّ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا أَقَلُّ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْمَذْكُورُ، فَهُوَ اللَّازِمُ بِيَقِينٍ وَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهَا شَرْعٌ، وَلَا لُغَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَدَقَةٌ هَكَذَا جُمْلَةً]
١١٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَدَقَةٌ، أَوْ صِيَامٌ، أَوْ صَلَاةٌ، هَكَذَا جُمْلَةً: لَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ، وَيُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ طَاعَةً، فَعَلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عَمَلُ بِرٍّ: فَيُجْزِيهِ تَسْبِيحَةٌ، أَوْ تَكْبِيرَةٌ، أَوْ صَدَقَةٌ، أَوْ صَوْمٌ، أَوْ صَلَاةٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ.
وَسَوَاءٌ قَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ نَذْرًا، أَوْ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، أَوْ قَالَ: عَلَى اللَّهِ كَذَا وَكَذَا، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ - وَلَا يُجْزِي فِي ذَلِكَ لَفْظٌ دُونَ نِيَّةٍ، وَلَا نِيَّةٌ دُونَ لَفْظٍ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
فَلَمْ يُفْرِدْ ﵇ نِيَّةً دُونَ عَمَلٍ وَلَا عَمَلًا دُونَ نِيَّةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ]
١١٢٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ فَفَرْضٌ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ قَبْلَ دُيُونِ النَّاسِ كُلِّهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِدُيُونِ النَّاسِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الصِّيَامِ " " وَكِتَابِ الْحَجِّ " «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» .
стр. 2398
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - أَنَا شُعَيْبٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ فَأَفْتَاهُ ﵇ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا» فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ مِنْ رَغِبَ عَنْ فُتْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَارَعَ إلَى قَبُولِ فُتْيَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: لَمَخْذُولٌ مَحْرُومٌ مِنْ التَّوْفِيقِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ.
وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ فِي أَنَّ فِي ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ تُقْطَعُ لِلْمَرْأَةِ ثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ تُقْطَعُ لَهَا عِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ، لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ تِلْكَ السُّنَّةُ - ثُمَّ لَا يَرَى قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَهُنَا، أَوْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ الزُّهْرِيِّ - فَكَانَتْ سُنَّةً حُجَّةً لِبَعِيدٍ مِنْ الْقَوْلِ بِالْحَقِّ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ مُصْعَبٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ عَنْ أَخِيهَا بَعْدَمَا مَاتَ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أُمَّهُ نَذَرَتْ اعْتِكَافًا فَمَاتَتْ وَلَمْ تَعْتَكِفْ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اعْتَكِفْ عَنْ أُمِّك.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ قَضَاهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ، وَغَيْرِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْت عَطَاءً عَمَّنْ نَذَرَ جِوَارًا أَوْ مَشْيًا فَمَاتَ وَلَمْ يُنَفِّذْ؟ قَالَ: يُنَفِّذُهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، قُلْتُ: فَغَيْرُهُ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَحَبُّ إلَيْنَا الْأَوْلِيَاءُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ كَانَ نَذَرَ صَلَاةً صَلَّاهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ صَوْمًا كَذَلِكَ، أَوْ حَجًّا كَذَلِكَ، أَوْ عُمْرَةً كَذَلِكَ، أَوْ اعْتِكَافًا كَذَلِكَ، أَوْ ذِكْرًا كَذَلِكَ، وَكُلَّ بِرٍّ كَذَلِكَ - فَإِنْ أَبَى الْوَلِيُّ اُسْتُؤْجِرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مَنْ يُؤَدِّي دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى قِبَلَهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2399
[مَسْأَلَةٌ تَعَمَّدَ النُّذُورَ لِيُلْزِمَهَا مَنْ بَعْدَهُ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: وَمَنْ تَعَمَّدَ النُّذُورَ لِيُلْزِمَهَا مَنْ بَعْدَهُ، فَهِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ، لَا لَهُ وَلَا لِمَنْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ اللَّازِمَ الْوَفَاءِ بِهِ هُوَ نَذْرُ الطَّاعَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ الْآنَ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا نَذْرُ طَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا قَصَدَ إدْخَالَ الْمَشَقَّةِ عَلَى مُسْلِمٍ، فَهُوَ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[الْوَعْدُ]
[مَسْأَلَةٌ وَعَدَ آخَرَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا]
الْوَعْدُ ١١٢٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَعَدَ آخَرَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ بِأَنْ يُعَيِّنَهُ فِي عَمَلٍ مَا - حَلَفَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ - لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ الْأَفْضَلُ لَوْ وَفَّى بِهِ.
وَسَوَاءٌ أَدْخَلَهُ بِذَلِكَ فِي نَفَقَةٍ أَوْ لَمْ يُدْخِلْهُ كَمَنْ قَالَ: تَزَوَّجْ فُلَانَةَ وَأَنَا أُعِينُك فِي صَدَاقِهَا بِكَذَا وَكَذَا، أَوْ نَحْوِ هَذَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُدْخِلَهُ بِوَعْدِهِ ذَلِكَ فِي كُلْفَةٍ، فَيَلْزَمُهُ وَيَقْضِي عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ الْوَعْدُ كُلُّهُ لَازِمٌ، وَيَقْضِي بِهِ عَلَى الْوَاعِدِ وَيُجْبَرُ.
فَأَمَّا تَقْسِيمُ مَالِكٍ: فَلَا وَجْهَ لَهُ وَلَا بُرْهَانَ يُعَضِّدُهُ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ.
فَإِنْ قَالُوا قَدْ أَضَرَّ بِهِ إذْ كَلَّفَهُ مِنْ أَجْلِ وَعْدِهِ عَمَلًا وَنَفَقَةً؟ قُلْنَا: فَهَبْكُمْ أَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ عَلَى مِنْ أَضَرَّ بِآخَرَ، وَظَلَمَهُ وَغَرَّهُ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ مَالًا؟ مَا عَلِمْنَا هَذَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا حَيْثُ جَاءَ بِهِ النَّصُّ فَقَطْ ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] .
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] .
وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» .
стр. 2400
وَالْآخَرُ: الثَّابِتُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مِنْ عَلَامَةِ النِّفَاقِ ثَلَاثَةٌ - وَإِنْ صَلَّى، وَصَامَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ: - إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ» .
فَهَذَانِ أَثَرَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَآثَارٌ أُخُرُ لَا تَصِحُّ -: أَحَدُهَا: مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ مَوَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَة الْعَدَوِيِّ حَدَّثَهُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَتْ لِي أُمِّي هَاهْ تَعَالَ أُعْطِكَ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ فَقَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ ﵇: أَمَا أَنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا، كُتِبَتْ عَلَيْك كِذْبَةٌ» هَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ.
وَآخَرُ: مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَأَيُّ الْمُؤْمِنِ حَقٌّ وَاجِبٌ» .
هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ضَعِيفٌ وَهُوَ مُرْسَلٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَلَا تَعِدْ أَخَاكَ وَعْدًا فَتُخْلِفْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً» .
وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ضَعِيفٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ: تَعَالَ هَاهْ لَكَ، ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا فَهِيَ كِذْبَةٌ» .
ابْنُ شِهَابٍ كَانَ إذْ مَاتَ أَبُو هُرَيْرَةَ ابْنَ أَقَلَّ مِنْ تِسْعِ سِنِينَ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ كَلِمَةٌ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَرَوْنَ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، وَيَحْتَجُّونَ بِمَا ذَكَرْنَا - فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقْضُوا بِإِنْجَازِ الْوَعْدِ عَلَى الْوَاعِدِ وَلَا بُدَّ، وَإِلَّا فَهُمْ مُتَنَاقِضُونَ، فَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْآثَارُ لَقُلْنَا بِهَا.
وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ صَدَّرْنَا بِهِمَا فَصَحِيحَانِ إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا عَلَيْنَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا؛ لِأَنَّ مَنْ وَعَدَ بِمَا لَا يَحِلُّ، أَوْ عَاهَدَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَنْ وَعَدَ بِزِنًى، أَوْ بِخَمْرٍ، أَوْ بِمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ.
فَصَحَّ أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ، أَوْ عَاهَدَ فَغَدَرَ: مَذْمُومًا، وَلَا مَلُومًا، وَلَا
стр. 2401
عَاصِيًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُطِيعًا مُؤَدِّيَ فَرْضٍ؛ فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ فَرْضًا مِنْ إنْجَازِ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ، إلَّا عَلَى مَنْ وَعَدَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، كَإِنْصَافٍ مِنْ دَيْنٍ، أَوْ أَدَاءِ حَقٍّ فَقَطْ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ وَعَدَ وَحَلَفَ وَاسْتَثْنَى فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْحِنْثُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ، فَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الْحِنْثُ لَمْ يَلْزَمْهُ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَعْدٍ أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ وَعْدٍ لَمْ يُقْسِمْ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] فَصَحَّ تَحْرِيمُ الْوَعْدِ بِغَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، فَوَجَبَ أَنَّ مَنْ وَعَدَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِي وَعْدِهِ ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا يُعَلِّقُهُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ ، فَلَا يَكُونُ مُخْلِفًا لِوَعْدِهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَعَدَهُ أَنْ يَفْعَلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَاءَهُ لَأَنْفَذَهُ فَإِنْ لَمْ يُنْفِذْهُ، فَلَمْ يَشَأْ اللَّهُ تَعَالَى كَوْنَهُ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] عَلَى هَذَا أَيْضًا مِمَّا يَلْزَمُهُمْ، كَاَلَّذِي وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إذْ يَقُولُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة: ٧٧] .
فَصَحَّ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ، وَالْكَوْنَ مِنْ الصَّالِحِينَ وَاجِبٌ، فَالْوَعْدُ وَالْعَهْدُ بِذَلِكَ فَرْضَانِ: فُرِضَ إنْجَازُهُمَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ هَذَا نَذْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي عَاهَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّذْرُ فَرْضٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
стр. 2402
[كِتَابُ الْأَيْمَانِ] [ مَسْأَلَةٌ لَا يَمِينَ إلَّا بِاَللَّهِ ]
ِ ١١٢٧ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَمِينَ إلَّا بِاَللَّهِ ، إمَّا بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، أَوْ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ، مِثْلَ: مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَوَارِثِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا، الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ، - وَيَكُونُ ذَلِكَ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ - أَوْ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ قُدْرَتِهِ، أَوْ عِزَّتِهِ، أَوْ قُوَّتِهِ، أَوْ جَلَالِهِ، وَكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ مِنْ مِثْلِ هَذَا؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي إنْ حَلَفَ بِهِ الْمَرْءُ كَانَ حَالِفًا، فَإِنْ حَنِثَ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ.
وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا - أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا - فَلَيْسَ حَالِفًا، وَلَا هِيَ يَمِينًا وَلَا كَفَّارَةٌ فِي ذَلِكَ إنْ حَنِثَ - وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ وَالِاسْتِغْفَارُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي " كِتَابِ النُّذُورِ " مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ» .
وقَوْله تَعَالَى ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، لَا شَيْءَ سِوَاهُ، وَلَا يُرْجَعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - أَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ نا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
стр. 2403
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] .
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ.
وَصَحَّ أَنَّ أَسْمَاءَهُ لَا تَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ شَيْئًا، لِقَوْلِهِ ﵇: «مِائَةً إلَّا وَاحِدًا» فَنَفَى الزِّيَادَةَ، وَأَبْطَلَهَا، لَكِنْ يُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا يَفْعَلُ تَعَالَى.
وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْصَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ أَسْمَاءٌ مُضْطَرِبَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا، فَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ.
وَمِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵌، وَقَدْ بَلَغَ إحْصَاؤُنَا مِنْهَا إلَى مَا نَذْكُرُ -: وَهِيَ -: اللَّهُ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، الْعَلِيمُ، الْحَكِيمُ، الْكَرِيمُ، الْعَظِيمُ، الْحَلِيمُ، الْقَيُّومُ، الْأَكْرَمُ، السَّلَامُ، التَّوَّابُ، الرَّبُّ، الْوَهَّابُ، الْإِلَهُ، الْقَرِيبُ، السَّمِيعُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْعَزِيزُ، الشَّاكِرُ، الْقَاهِرُ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْكَبِيرُ، الْخَبِيرُ، الْقَدِيرُ، الْبَصِيرُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْمُصَوِّرُ، الْبَرُّ، مُقْتَدِرٌ، الْبَارِي، الْعَلِيُّ، الْغَنِيُّ، الْوَلِيُّ، الْقَوِيُّ، الْحَيُّ، الْحَمِيدُ، الْمَجِيدُ، الْوَدُودُ، الصَّمَدُ، الْأَحَدُ، الْوَاحِدُ، الْأَوَّلُ، الْأَعْلَى، الْمُتَعَالِ، الْخَالِقُ، الْخَلَّاقُ، الرَّزَّاقُ، الْحَقُّ، اللَّطِيفُ، رَءُوف، عَفُوٌّ، الْفَتَّاحُ، الْمَتِينُ، الْمُبِينُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْبَاطِنُ، الْقُدُّوسُ، الْمَلِكُ، مَلِيكٌ، الْأَكْبَرُ، الْأَعَزُّ، السَّيِّدُ، سُبُّوحٌ، وِتْرٌ، مِحْسَانٌ، جَمِيلٌ، رَفِيقٌ، الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الشَّافِي، الْمُعْطِي، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الدَّهْرُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو نا أَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ حَدِيثَ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ - وَفِيهِ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ لَمَّا رَأَى الْجَنَّةَ وَأَنَّهَا حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ قَالَ لِلَّهِ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي
стр. 2404
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنْ الْقُرْآنِ: إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ» .
وَقَالَ : ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] .
فَهَذِهِ جَاءَ النَّصُّ بِهَا.
وَأَمَّا الْيَمِينُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَكَرَمِهِ، وَحِلْمِهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَسَائِرِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهَا
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِعَظَمَة اللَّه أَنْ لَا يَفْعَلَ أَمْرًا كَذَا]
١١٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ حَلَفَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا يَفْعَلَ أَمْرًا كَذَا، أَوْ أَنْ يَفْعَلَ أَمْرًا كَذَا فَإِنْ وَقَّتَ وَقْتًا مِثْلَ: غَدًا، أَوْ يَوْمَ كَذَا، أَوْ الْيَوْمَ أَوْ فِي وَقْتٍ يُسَمِّيهِ، فَإِنْ مَضَى ذَلِكَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِيهِ عَامِدًا ذَاكِرًا لِيَمِينِهِ، أَوْ فَعَلَ مَا حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فِيهِ عَامِدًا ذَاكِرًا لِيَمِينِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ.
هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ وَقْتًا فِي قَوْلِهِ: لَأَفْعَلَن كَذَا، فَهُوَ عَلَى الْبِرِّ أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَّتَ وَقْتًا، وَلَا فَرْقَ، وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَكَانٌ فِيهِ خِلَافٌ -: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ حَانِثٌ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ عَلَى الْبِرِّ إلَى آخِرِ أَوْقَاتِ صِحَّتِهِ الَّتِي يَقْدِرُ فِيهَا عَلَى فِعْلِ مَا حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَسْأَلُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ: أَحَانِثٌ هُوَ مَا لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَهُ أَمْ بَارٌّ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قَسَمٍ ثَالِثٍ، فَإِنْ قَالُوا: هُوَ بَارٌّ؟ قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، وَهُوَ قَوْلُنَا لَا
стр. 2405
قَوْلُكُمْ - وَإِنْ قَالُوا: هُوَ حَانِثٌ؟ قُلْنَا: فَأَوْجِبُوا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَطَلَاقَ امْرَأَتِهِ فِي قَوْلِكُمْ - إنْ كَانَ حَانِثًا - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ.
فَظَهَرَ يَقِينُ فَسَادِ قَوْلِهِمْ بِلَا مِرْيَةٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ: هُوَ عَلَى حِنْثٍ، وَلَيْسَ حَانِثًا، وَلَا حِنْثَ بَعْدُ -: كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّخْلِيطِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْحِنْثَ بَعْدَ الْبِرِّ بِلَا نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ - وَلَا يَقَعُ الْحِنْثُ عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ مَوْتِهِ - فَلَاحَ أَنَّ قَوْلَهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ وَبِعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ]
١١٢٩ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، وَبِعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ، وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ، وَأَشَدَّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَقِّ الْمُصْحَفِ، وَحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحَقِّ الْكَعْبَةِ، وَأَنَا كَافِرٌ، وَلَعَمْرِي، وَلَعَمْرُك، وَلْأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَأُقْسِمُ، وَأَقْسَمْت، وَأَحْلِفُ، وَحَلَفْت، وَأَشْهَدُ، وَعَلَيَّ يَمِينٌ، أَوْ عَلَيَّ أَلْفُ يَمِينٍ، أَوْ جَمِيعُ الْأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي -: فَكُلُّ هَذَا لَيْسَ يَمِينًا - وَالْيَمِينُ بِهَا مَعْصِيَةٌ، لَيْسَ فِيهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ غَيْرُ اللَّهِ - وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَرَى هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يَمِينًا، وَيَرَى الْحَلِفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، وَبِالطَّلَاقِ، وَبِالْعِتْقِ، وَبِصَدَقَةِ الْمَالِ: أَيْمَانًا - ثُمَّ لَا يُحَلَّفُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ مِنْ الدِّمَاءِ، وَالْفُرُوجِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَبْشَارِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - وَهِيَ أَوْكَدُ عِنْدَهُمْ -؛ لِأَنَّهَا لَا كَفَّارَةَ لَهَا، وَيُحَلِّفُونَهُمْ بِاَللَّهِ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ، أَلَيْسَ هَذَا عَجَبًا؟ وَلَئِنْ كَانَتْ أَيْمَانًا عِنْدَهُمْ -: بَلْ مِنْ أَغْلَظِ الْأَيْمَانِ وَأَشَدِّهَا -: فَالْوَاجِبُ أَنْ يُحَلِّفُوا النَّاسَ بِالْأَيْمَانِ الْغَلِيظَةِ، وَلَئِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ أَيْمَانًا فَلِمَ يَقُولُونَ: إنَّهَا أَيْمَانٌ؟ حَسْبُنَا اللَّهُ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.
وَفِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ قَدِيمٌ مِنْ السَّلَفِ يَرَوْنَ كُلَّ ذَلِكَ أَيْمَانًا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ صَادِقًا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، أَوْ ابْنُ عُمَرَ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا.
стр. 2406
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ سَمِعْت ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: إنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ - وَقَدْ سَمِعَهُ يَحْلِفُ بِالْكَعْبَةِ -: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك فَكَّرْت فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَحْلِفَ لَعَاقَبْتُك، احْلِفْ بِاَللَّهِ فَأْثَمْ أَوْ ابْرَرْ
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِكَلَامِ اللَّهِ ]
١١٣٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ، أَوْ بِكَلَامِ اللَّهِ ، فَإِنْ نَوَى فِي نَفْسِهِ الْمُصْحَفَ، أَوْ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ، أَوْ الْمَحْفُوظَ فِي الصُّدُورِ فَلَيْسَ يَمِينًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ بَلْ نَوَاهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَهِيَ يَمِينٌ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إنْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ عِلْمُهُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] .
وَعِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ هُوَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ رُوِّينَا خِلَافَ هَذَا [رُوِّينَا] مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَالْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ: نا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ قَالَا جَمِيعًا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا يَمِينُ صَبْرٍ فَمَنْ شَاءَ بَرَّ وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ» .
وَلَفْظُ الْحَسَنِ «إنْ شَاءَ بَرَّ وَإِنْ شَاءَ فَجَرَ» .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ: أَتَيْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ السُّوقَ فَسَمِعَ رَجُلًا يَحْلِفُ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَمَا إنَّ عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ يَمِينًا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ أَجْمَعَ، وَمَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ يَمِينٌ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَرُوِّينَا عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ: مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ خَطِيئَةٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْت عَطَاءً - وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ -
стр. 2407
فَقَالَ: قُلْت: وَالْبَيْتُ، وَكِتَابُ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ: لَيْسَا لَك بِرَبٍّ، لَيْسَا يَمِينًا - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ أَنْ يَقُولُوا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
[مَسْأَلَةٌ لَغْوُ الْيَمِينِ]
١١٣١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَغْوُ الْيَمِينِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَلَا إثْمَ، وَهُوَ وَجْهَانِ -:
أَحَدُهُمَا: مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمَرْءُ - وَهُوَ لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ - ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَالثَّانِي: مَا جَرَى بِهِ لِسَانُ الْمَرْءِ فِي خِلَالِ كَلَامِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَيَقُولُ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: لَا وَاَللَّهِ، وَأَيْ وَاَللَّهِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
وَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِبَعْضِ بَنِيهِ: لَقَدْ حَفِظْت عَلَيْك فِي هَذَا الْمَجْلِسِ أَحَدَ عَشَرَ يَمِينًا، وَلَا يَأْمُرُهُ بِكَفَّارَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا عَطَاءً أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ سَأَلَهَا عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ، وَبَلَى وَاَللَّهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِي اللَّغْوِ: هُوَ قَوْلُ الْقَوْمِ يَتَدَارَءُونَ فِي الْأَمْرِ يَقُولُ هَذَا: لَا وَاَللَّهِ، وَبَلَى وَاَللَّهِ، وَكَلَا وَاَللَّهِ، وَلَا تَعْقِدُ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ.
وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ -: لَغْوُ الْيَمِينِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ هَذَا وَاَللَّهِ فُلَانٌ، وَلَيْسَ بِفُلَانٍ.
وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى
стр. 2408
وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ الْمَرْءِ: لَا وَاَللَّهِ، وَأَيْ وَاَللَّهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَأَمْرُهُ ظَاهِرٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ الْقُرْآنِ، كَمَا قَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂.
وَأَمَّا مَنْ أَقْسَمَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ يَرَى، وَلَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ الْحِنْثَ، وَلَا قَصَدَ لَهُ، وَلَا حِنْثَ إلَّا عَلَى مَنْ قَصَدَ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، فَأَسْقَطُوا الْكَفَّارَةَ هَهُنَا، وَأَوْجَبُوهَا عَلَى فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَالْعَجَبُ أَيْضًا - أَنَّهُمْ رَأَوْا اللَّغْوَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَرَوْهُ فِي الْيَمِينِ بِغَيْرِهِ تَعَالَى، كَالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعِتْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ جَاءَ أَثَرٌ بِقَوْلِنَا: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ نا حَسَّانُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ - نا إبْرَاهِيمُ هُوَ الصَّائِغُ - عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: «اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ قَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: كَلَا وَاَللَّهِ، وَبَلَى وَاَللَّهِ» وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَمْرًا كَذَا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا]
١١٣٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَمْرًا كَذَا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ غُلِبَ بِأَمْرٍ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِهِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا ذَكَرَهُ لَهُ، أَوْ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا كَذَا - فَفَعَلَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، أَوْ شَكَّ الْحَالِفُ أَفْعَلَ مَا حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَمْ لَا؟ أَوْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ عَقْلِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْحَالِفِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ وَلَا إثْمَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَغْوُ الْيَمِينِ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ ثُمَّ يَنْسَى - قَالَ هُشَيْمٌ: وَأَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ عَنْ الْحَسَنِ بِمِثْلِهِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ الْحِنْثَ لَيْسَ إلَّا عَلَى قَاصِدِ إلَى الْحِنْثِ يَتَعَمَّدُ لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ غَيْرُ قَاصِدِينَ إلَيْهِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يَتَعَمَّدُوهُ بِقُلُوبِهِمْ.
стр. 2409
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .
وَأَنَّهُ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» .
وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَبِالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ النَّاسِ، وَلَا الْمَغْلُوبِ بِأَيِّ وَجْهٍ: مَنْعٌ أَنْ يَفْعَلَ مَا نَسِيَ وَلَا مَا غُلِبَ عَلَى فِعْلِهِ - فَصَحَّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ فِعْلَ ذَلِكَ، وَإِذْ لَيْسَ مُكَلَّفًا لِذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْوَفَاءُ بِمَا لَمْ يُكَلَّفْ الْوَفَاءَ بِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا مَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إذَا أَقْسَمَ عَلَى غَيْرِهِ فَأَحْنَثَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ نا مُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِيمَنْ أَقْسَمَ عَلَى غَيْرِهِ فَأَحْنَثَهُ أَحَبُّ إلَيَّ لِلْمُقْسِمِ أَنْ يُكَفِّرَ، فَلَمْ يُوجِبْهُ إلَّا اسْتِحْبَابًا.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يَدْرِي أَهْوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا]
١١٣٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا مَنْ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يَدْرِي أَهْوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا، وَعَلَى مَا قَدْ يَكُونُ وَلَا يَكُونُ؟ كَمَنْ حَلَفَ لَيَنْزِلَنَّ الْمَطَرُ غَدًا، فَنَزَلَ أَوْ لَمْ يَنْزِلْ، فَلَا كَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْحِنْثَ وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ الْحِنْثَ وَقَصَدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ عُمَرَ حَلَفَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ هُوَ الدَّجَّالُ؟ فَلَمْ يَأْمُرْهُ ﵇ بِكَفَّارَةٍ» .
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَانَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ - وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ بِمَا قَالَ، وَالْأَمْوَالُ مَحْظُورَةٌ إلَّا بِنَصٍّ، وَالشَّرَائِعُ لَا تَجِبُ إلَّا بِنَصٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَامِدًا لِلْكَذِبِ فِيمَا يَحْلِفُ]
١١٣٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ حَلَفَ عَامِدًا لِلْكَذِبِ فِيمَا يَحْلِفُ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَرُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِنَا عَنْ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ
стр. 2410
عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ؟ أَفِيه كَفَّارَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى كَذِبٍ يَتَعَمَّدُ فِيهِ الْكَذِبَ، قَالَ عَطَاءٌ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا يَزِيدُ بِالْكَفَّارَةِ إلَّا خَيْرًا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] قَالَ: بِمَا تَعَمَّدْتُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] قَالَ: بِمَا تَعَمَّدْتُمْ فِيهِ الْمَأْثَمَ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ عَلَى أَمْرٍ يَتَعَمَّدُهُ كَاذِبًا يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَقَدْ فَعَلْت، وَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت، وَقَدْ فَعَلَ، قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ.
وَرُوِّينَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ مِنْ طَرِيقِ رُفَيْعٍ أَبِي الْعَالِيَةِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: كُنَّا نَعُدُّ مِنْ الذَّنْبِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ كَاذِبًا عَلَى مَالِ أَخِيهِ لِيَقْتَطِعَهُ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّ هَذَا الْيَمِينَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ أَوْ أَنَّهَا كِذْبَةٌ، لَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَذَكَرَ ﵇ فِيهِمْ الْمُنْفِقَ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ
стр. 2411
الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
وَزَادَ بَعْضُهُمْ «وَلَوْ كَانَ سِوَاكًا أَخْضَرَ» هَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ صِحَاحٌ.
وَذَكَرُوا أَيْضًا: خَبَرًا صَحِيحًا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ» .
وَبِخَبَرٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نا يُوسُفُ بْنُ الضَّحَّاكِ نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلِ: فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: لَا وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا فَعَلْتُ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ: بَلَى قَدْ فَعَلَ، لَكِنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ بِالْإِخْلَاصِ» .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخْطَأَ فِيهِ يُوسُفُ بْنُ الضَّحَّاكِ فَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ، وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ؟ قَالُوا: فَلَمْ يَأْمُرْهُ ﵇ بِكَفَّارَةٍ؟ قَالُوا: إنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِيمَا حَلَفَ فِيهِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ.
وَمَوَّهُوا فِي ذَلِكَ بِذَكَرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] .
قَالُوا: وَحِفْظُهَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُوَاقَعَتِهَا.
هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ - وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ.
стр. 2412
أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَعِمْرَانَ، وَجَابِرٍ، وَالْأَشْعَثِ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧] فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إسْقَاطُ الْكَفَّارَةِ وَلَا إيجَابُهَا، كَمَا لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِتَوْبَةٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا فِيهَا كُلِّهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِالنَّارِ وَالْعِقَابِ -.
فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ.
ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ -:
قِسْمٌ يَقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ -: يَقْطَعُ: بِكَوْنِهِ وَلَا بُدَّ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ .
وَقِسْمٌ قَالُوا: هُوَ نَافِذٌ مَا لَمْ يَتُبْ - فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا مِمَّنْ احْتَجَّ بِآيَةٍ وَأَخْبَارٍ صِحَاحٍ فِي إسْقَاطِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ لَيْسَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ ذِكْرٌ أَصْلًا، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا كُلَّ مَا فِيهَا عَلَانِيَةً - وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: «مَنْ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا لَيْسَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ، مِنْهَا لَغْوٌ لَا إثْمَ فِيهِ، وَلَمْ يَرِدْ هَذَا الصِّنْفُ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِلَا شَكٍّ.
وَمِنْهَا - مَا يَكُونُ الْمَرْءُ بِهَا حَالِفًا عَلَى مَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ تُغْنِي فِي هَذَا.
وَبِهِ جَاءَ النَّصُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْهَا - الْيَمِينُ الْغَمُوسُ الَّتِي اخْتَلَفْنَا فِيهَا، وَبِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي نَحْنُ وَهُمْ أَنَّ الْحَالِفَ بِهَا لَا يُسَمَّى مُسْتَلِجًا فِي أَهْلِهِ، فَبَطَلَ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا الْخَبَرِ هَذَا الْقَسَمَ، وَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ فِي إسْقَاطِهِمْ الْكَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ عِنْدَكُمْ وَهُوَ صَحِيحٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، مَعْنَاهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - بَيِّنٌ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ دُونَ تَبْدِيلٍ وَلَا إحَالَةٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الْمَرْءُ أَنْ يُحْسِنَ إلَى أَهْلِهِ، أَوْ أَنْ لَا يَضُرَّ بِهِمْ، ثُمَّ لَجَّ فِي أَنْ يَحْنَثَ، فَيَضُرَّ بِهِمْ، وَلَا يُحْسِنَ إلَيْهِمْ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ - فَهَذَا بِلَا شَكٍّ مُسْتَلِجٌ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ أَنْ لَا يَفِيَ بِهَا، وَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا بِلَا شَكٍّ - وَالْكَفَّارَةُ لَا تُغْنِي عَنْهُ، وَلَا تَحُطُّ إثْمَ
стр. 2413
إسَاءَتِهِ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ - لَا يَحْتَمِلُ أَلْبَتَّةَ هَذَا الْخَبَرُ مَعْنًى غَيْرَ هَذَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَسُفْيَانَ، فَطَرِيقُ سُفْيَانَ لَا تَصِحُّ، فَإِنْ صَحَّتْ طَرِيقُ حَمَّادٍ فَلَيْسَ فِيهِ لِإِسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ ذِكْرٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ لَهُ بِالْإِخْلَاصِ فَقَطْ، وَلَيْسَ كُلُّ شَرِيعَةٍ تُوجَدُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ - وَلَا شَكٍّ فِي أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ مِنْ تَعَمُّدِ الْحَلِفِ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ لَهَا ذِكْرٌ، فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ ﵇ عَنْ ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ حُجَّةً فِي سُقُوطِهَا فَسُكُوتُهُ عَنْ ذِكْرِ التَّوْبَةِ حُجَّةٌ فِي سُقُوطِهَا وَلَا بُدَّ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ أَمَرَ بِالتَّوْبَةِ فِي نُصُوصٍ أُخُرَ؟ قُلْنَا: وَقَدْ أَمَرَ بِالْكَفَّارَةِ فِي نُصُوصٍ أُخُرَ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَنَقُولُ لَهُمْ: إنْ كَانَ سُكُوتُهُ ﵇ عَنْ ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا حُجَّةً فِي إسْقَاطِهَا فَسُكُوتُهُ ﵇ عَنْ ذِكْرِ سُقُوطِهَا حَجَّةٌ فِي إيجَابِهَا وَلَا فَرْقَ - وَهِيَ دَعْوَى كَدَعْوَى؛ فَالْوَاجِبُ طَلَبُ حُكْمِ الْكَفَّارَةِ فِي نَصٍّ غَيْرِ هَذِهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَحَقٌّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْحِفْظَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مُوَاقَعَةِ الْيَمِينِ فَكَذِبٌ، وَافْتِرَاءٌ، وَبُهْت، وَضَلَالٌ مَحْضٌ، بَلْ حِفْظُ الْأَيْمَانِ وَاجِبٌ قَبْلَ الْحَلِفِ بِهَا، وَفِي الْحَلِفِ بِهَا، وَبَعْدَ الْحَلِفِ بِهَا، فَلَا يَحْلِفُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا عَلَى حَقٍّ.
ثُمَّ هَبْكَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالُوا، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] إنَّمَا هُوَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ، فَأَيُّ دَلِيلٍ فِي هَذَا عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ الْحَلِفَ كَاذِبًا؟ وَهَلْ هَذَا مِنْهُمْ إلَّا الْمُبَاهَتَةَ وَالتَّمْوِيهَ، وَتَحْرِيفَ كَلَامِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَمَا يَشُكُّ كُلُّ ذِي مَسْكَةِ تَمْيِيزٍ فِي أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ الْحَلِفَ كَاذِبًا فَمَا حَفِظَ يَمِينَهُ - فَظَهَرَ فَسَادُ كُلِّ مَا يُمَخْرِقُونَ بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ فَبَاطِلٌ، وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ.
فَإِنْ ذَكَرُوا «قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَيَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَى الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ» .
فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَنَا تَجِبُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهِيَ:
стр. 2414
مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا شَرًّا مِنْهَا فَفَعَلَ الَّذِي هُوَ شَرٌّ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَنَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: هِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ هَذَا؟ وَأَيْنَ وَجَدُوهُ؟ وَهَلْ هُوَ إلَّا حُكْمٌ مِنْهُمْ لَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَيُعَارَضُونَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ: دَعْوَى أَحْسَنُ مِنْ دَعْوَاهُمْ، بَلْ كُلَّمَا عَظُمَ الذَّنْبُ كَانَ صَاحِبُهُ أَحْوَجَ إلَى الْكَفَّارَةِ، وَكَانَتْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْهَا فِيمَا لَيْسَ ذَنْبًا أَصْلًا، وَفِيمَا هُوَ صَغِيرٌ مِنْ الذُّنُوبِ، وَهَذَا الْمُتَعَمِّدُ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ نَحْنُ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّهُ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ حَالِفٍ عَلَى يَمِينٍ غَمُوسٍ، أَوْ مِثْلِهِ وَهُمْ يَرَوْنَ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ تَعَمَّدَ إفْسَادَ حَجِّهِ بِالْهَدْيِ بِآرَائِهِمْ، وَلَعَلَّهُ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ حَالِفِ يَمِينٍ غَمُوسٍ أَوْ مِثْلِهِ.
وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ قَوْلُهُمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْتُلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، وَأَنْ يُصَلِّيَ الْيَوْمَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ، وَأَنْ لَا يَزْنِيَ بِحَرِيمَةٍ وَأَنْ لَا يَعْمَلَ بِالرِّبَا، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَزَنَى، وَأَرْبَى فَإِنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي أَيْمَانِهِ تِلْكَ فَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ أَيُّمَا أَعْظَمُ إثْمًا: مَنْ حَلَفَ عَامِدًا لِلْكَذِبِ أَنَّهُ مَا رَأَى زَيْدًا الْيَوْمَ، وَهُوَ قَدْ رَآهُ فَأَسْقَطُوا فِيهِ الْكَفَّارَةَ لِعَظْمِهِ.
أَوْ مَنْ حَنِثَ بِأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَبِأَنْ قَتَلَ النَّفْسَ، وَبِأَنْ زَنَى بِابْنَتِهِ أَوْ بِأُمِّهِ، وَبِأَنْ عَمِلَ بِالرِّبَا - ثُمَّ لَا يَرَوْنَ عِظَمَ حِنْثِهِ فِي إتْيَانِهِ هَذِهِ الْكَبَائِرِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ وَاَللَّهِ قَطْعًا عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالدِّينِ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ أَلْفِ يَمِينٍ تَعَمَّدَ فِيهَا الْكَذِبَ، لَا تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفِّرَ؟ فَهَلْ تَجْرِي أَقْوَالُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى اتِّبَاعِ نَصٍّ أَوْ عَلَى الْتِزَامِ قِيَاسٍ؟ وَأَمَّا تَمْوِيهُهُمْ بِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، فَهِيَ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَلَا أَمْثَالَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إنَّمَا أَدْرَكَ أَصَاغِرَ الصَّحَابَةِ كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِثْلِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ.
وَقَدْ خَالَفُوا ابْنَ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: إنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ، أَوْ بِسُورَةٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ فَابْنُ مَسْعُودٍ حُجَّةٌ إذَا اُشْتُهُوا،
стр. 2415
وَغَيْرُ حُجَّةٍ إذَا لَمْ يَشْتَهُوا أَنْ يَكُونَ حُجَّةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ سَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فَلْنَأْتِ بِالْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا -: فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ اللَّهُ ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] .
فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ يَمِينٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسْقَطَ كَفَّارَةٌ عَنْ يَمِينٍ أَصْلًا إلَّا حَيْثُ أَسْقَطَهَا نَصُّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ، وَلَا نَصَّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةَ، أَصْلًا فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْ الْحَالِفِ يَمِينًا غَمُوسًا؛ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ أَسْقَطَهَا عَنْهُ وَالْقُرْآنُ يُوجِبُهَا، ثُمَّ يُوجِبُونَهَا عَلَى مَنْ حَنِثَ نَاسِيًا مُخْطِئًا وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ أَسْقَطَاهَا عَنْهُ.
وَأَوْجَبُوهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْيَمِينَ وَلَا نَوَاهَا وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَسْقُطَانِهَا عَنْهُ؛ وَهَذِهِ كَمَا تَرَى.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا حَذْفٌ بِلَا شَكٍّ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ حَلَفَ سَاعَةَ حَلَفَ بَرَّ أَوْ حَنِثَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْحَذْفَ لَا يَصْدُقُ أَحَدٌ فِي تَعْيِينِهِ لَهُ إلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ، أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ، عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَا مَا سِوَاهُ، وَأَمَّا بِالدَّعْوَى الْمُفْتَرَاةِ فَلَا -: فَوَجَدْنَا الْحَذْفَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ وَالنَّصُّ عَلَى أَنَّهُ فَحَنِثْتُمْ، وَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَالْمُتَعَمِّدُ لِلْيَمِينِ عَلَى الْكَذِبِ عَالِمًا بِأَنَّهُ كَذِبٌ حَانِثٌ بِيَقِينِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، وَحُكْمِ اللُّغَةِ.
فَصَحَّ إذْ هُوَ حَانِثٌ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَقَدْ قَاسُوا حَالِقَ رَأْسِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُحْرِمًا غَيْرَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى.
стр. 2416
فَهَلَّا قَاسُوا الْحَالِفَ عَامِدًا لِلْكَذِبِ حَانِثًا عَاصِيًا عَلَى الْحَالِفِ أَنْ لَا يَعْصِيَ، فَحَنِثَ عَاصِيًا، أَوْ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبَرَّ فَبَرَّ: غَيْرَ عَاصٍ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ؟ وَلَكِنَّ هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْيَمِينُ فِي الْغَضَبِ]
١١٣٥ - مَسْأَلَةٌ
وَالْيَمِينُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَعَلَى أَنْ يُطِيعَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ، أَوْ عَلَى مَا لَا طَاعَةَ فِيهِ وَلَا مَعْصِيَةَ سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إنْ تَعَمَّدَ الْحِنْثَ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْحِنْثَ، أَوْ لَمْ يَعْقِدْ الْيَمِينَ بِقَلْبِهِ فَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ حِنْثٍ قَصَدَهُ الْمَرْءُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ -: فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ هُوَ الْيَمِينُ فِي الْغَضَبِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، بَلْ الْبُرْهَانُ قَائِمٌ بِخِلَافِهِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الرَّقِّيِّ - نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ نا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - نا الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا - ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا» .
فَصَحَّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ فِي الْغَضَبِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَالْحَالِفُ فِي الْغَضَبِ مُعَقِّدٌ لِيَمِينِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَأَمَّا الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَضَافَهُ رَجُلٌ فَحَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ أَنْ لَا يَأْكُلَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُلْ وَإِنِّي لَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَبَّ إلَيْك أَنْ تُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِك - فَلَمْ يَرَ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ إلَّا اسْتِحْبَابًا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ هِنْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ أَنَّ
стр. 2417
ابْنَ عَبَّاسٍ حَلَفَ أَنْ يَجْلِدَ غُلَامَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَجْلِدْهُ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ مَا صَنَعْت؟ تَرَكْته، فَذَاكَ بِذَاكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلْكِ يَمِينِهِ: أَنْ يَضْرِبَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَةَ يَمِينِهِ أَنْ لَا يَضْرِبَهُ، وَهِيَ مَعَ الْكَفَّارَةِ حَسَنَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ مَمْلُوكَهُ؟ قَالَ إبْرَاهِيمُ: لَأَنْ يَحْنَثَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَهُ، قَالَ الْمُعْتَمِرُ: وَحَلَفْت أَنْ أَضْرِبَ مَمْلُوكَةً لِي، فَنَهَانِي أَبِي وَلَمْ يَأْمُرْنِي بِكَفَّارَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ نا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ قَالَ: سُئِلَ طَاوُسٌ عَمَّنْ حَلَفَ: أَنْ لَا يَعْتِقَ غُلَامًا لَهُ فَأَعْتَقَهُ؟ فَقَالَ طَاوُوسٌ: تُرِيدُ مِنْ الْكَفَّارَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ؟ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْحَرَامِ فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُسَدَّدٌ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ نا عَاصِمٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كُلُّ يَمِينٍ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَتْ لَهَا كَفَّارَةٌ، مَنْ يُكَفِّرُ لِلشَّيْطَانِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ نا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْت عِكْرِمَةَ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهِ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فِيهِ نَزَلَتْ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَصِلَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: كَفَّارَتُهُ تَرْكُهُ، فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا لِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا
стр. 2418
يَمِينَ لَهُ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا الْمُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَدَعْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَهُوَ كَفَّارَتُهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ» .
стр. 2419
وَمِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو نا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ نا شُعَيْبُ بْنُ حَيَّانَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ دِرْهَمٍ نا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَقْرَبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَمْلُوكِهِ لَيَضْرِبَنَّهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يَدَعَهُ، وَلَهُ مَعَ كَفَّارَتِهِ خَيْرٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ الْقَطَعِيُّ سَمِعْت الْحَسَنَ يَقُولُ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَلَا يَمِينَ فِي مَعْصِيَةٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ - حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيفَةٌ، وَلَكِنْ لَا مُؤْنَةَ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ فِي أَنْ يَحْتَجُّوا بِرِوَايَتِهِ إذَا وَافَقَتْهُمْ وَيُصَحِّحُونَهَا حِينَئِذٍ، فَإِذَا خَالَفَتْهُمْ كَانَتْ حِينَئِذٍ صَحِيفَةً ضَعِيفَةً. مَا نَدْرِي كَيْفَ يَنْطِقُ بِهَذَا مَنْ يُوقِنُ أَنَّهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] أَمْ كَيْفَ تَدِينُ بِهِ نَفْسٌ تَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَمُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ شَيْئًا إلَّا نَعْيَهُ النُّعْمَانَ بْنَ مُقْرِنٍ الْمُزَنِيّ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَطْ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُنْقَطِعَ، وَالْمُتَّصِلَ سَوَاءٌ، فَأَيْنَ هُمْ عَنْ هَذَا الْأَثَرِ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَعَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ سَاقِطٌ مَتْرُوكٌ ذَكَرَ - ذَلِكَ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمِ بْنِ عَقْرَبٍ فَفِيهِ شُعَيْبُ بْنُ حَيَّانَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ - وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
وَحَدِيثُ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَوَجَدْنَا نَصَّ الْقُرْآنِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ
стр. 2420
اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْهُ» .
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا فِيمَا كَانَ فِي كِلَيْهِمَا خَيْرٌ إلَّا أَنَّ الْآخَرَ أَكْثَرُ خَيْرًا؟ قُلْنَا: هَذِهِ دَعْوَى، بَلْ كُلُّ شَرٍّ فِي الْعَالَمِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ، فَالْبِرُّ وَالتَّقْوَى خَيْرٌ مِنْهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] .
فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرٌ مِنْ الْأَوْثَانِ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْخَيْرِ فِي الْأَوْثَانِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَلَا خَيْرَ فِي جَهَنَّمَ أَصْلًا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ [ثنا مَعْمَرٌ] عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاَللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ» .
فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ الَّتِي يَكُونُ التَّمَادِي عَلَى الْوَفَاءِ بِهَا إثْمًا - وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَاضِرِينَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْيَمِينُ مَحْمُولَةٌ عَلَى لُغَةِ الْحَالِفِ وَعَلَى نِيَّتِهِ]
١١٣٦ - مَسْأَلَةٌ
وَالْيَمِينُ مَحْمُولَةٌ عَلَى لُغَةِ الْحَالِفِ وَعَلَى نِيَّتِهِ، وَهُوَ مُصَدِّقٌ فِيمَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَزِمَتْهُ يَمِينٌ فِي حَقٍّ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ - وَالْحَالِفُ مُبْطِلٌ - فَإِنَّ الْيَمِينَ هَهُنَا عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ.
وَمَنْ قِيلَ لَهُ: قُلْ كَذَا أَوْ كَذَا؟ فَقَالَ - وَكَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ يَمِينًا بِلُغَةٍ لَا يُحْسِنُهَا الْقَائِلُ - فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْلِفْ - وَمَنْ حَلَفَ بِلُغَتِهِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ فَهُوَ حَالِفٌ، فَإِنْ حَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا هِيَ إخْبَارٌ مِنْ الْحَالِفِ عَمَّا يَلْتَزِمُ بِيَمِينِهِ تِلْكَ، وَكُلُّ
следующие страницы →