← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

فَهَلَّا قَاسُوا الْحَالِفَ عَامِدًا لِلْكَذِبِ حَانِثًا عَاصِيًا عَلَى الْحَالِفِ أَنْ لَا يَعْصِيَ، فَحَنِثَ عَاصِيًا، أَوْ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبَرَّ فَبَرَّ: غَيْرَ عَاصٍ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ؟ وَلَكِنَّ هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْيَمِينُ فِي الْغَضَبِ] ١١٣٥ - مَسْأَلَةٌ وَالْيَمِينُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَعَلَى أَنْ يُطِيعَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ، أَوْ عَلَى مَا لَا طَاعَةَ فِيهِ وَلَا مَعْصِيَةَ سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إنْ تَعَمَّدَ الْحِنْثَ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْحِنْثَ، أَوْ لَمْ يَعْقِدْ الْيَمِينَ بِقَلْبِهِ فَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ حِنْثٍ قَصَدَهُ الْمَرْءُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ -: فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ هُوَ الْيَمِينُ فِي الْغَضَبِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، بَلْ الْبُرْهَانُ قَائِمٌ بِخِلَافِهِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الرَّقِّيِّ - نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ نا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - نا الْقَاسِمُ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا - ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا» . فَصَحَّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ فِي الْغَضَبِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَالْحَالِفُ فِي الْغَضَبِ مُعَقِّدٌ لِيَمِينِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَأَمَّا الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَضَافَهُ رَجُلٌ فَحَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ أَنْ لَا يَأْكُلَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُلْ وَإِنِّي لَا أَظُنُّ أَنَّ أَحَبَّ إلَيْك أَنْ تُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِك - فَلَمْ يَرَ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ إلَّا اسْتِحْبَابًا. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ هِنْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ أَنَّ

стр. 2417

ابْنَ عَبَّاسٍ حَلَفَ أَنْ يَجْلِدَ غُلَامَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَجْلِدْهُ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ مَا صَنَعْت؟ تَرَكْته، فَذَاكَ بِذَاكَ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلْكِ يَمِينِهِ: أَنْ يَضْرِبَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَةَ يَمِينِهِ أَنْ لَا يَضْرِبَهُ، وَهِيَ مَعَ الْكَفَّارَةِ حَسَنَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ مَمْلُوكَهُ؟ قَالَ إبْرَاهِيمُ: لَأَنْ يَحْنَثَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَهُ، قَالَ الْمُعْتَمِرُ: وَحَلَفْت أَنْ أَضْرِبَ مَمْلُوكَةً لِي، فَنَهَانِي أَبِي وَلَمْ يَأْمُرْنِي بِكَفَّارَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ نا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ قَالَ: سُئِلَ طَاوُسٌ عَمَّنْ حَلَفَ: أَنْ لَا يَعْتِقَ غُلَامًا لَهُ فَأَعْتَقَهُ؟ فَقَالَ طَاوُوسٌ: تُرِيدُ مِنْ الْكَفَّارَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ هُوَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ؟ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْحَرَامِ فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُسَدَّدٌ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ نا عَاصِمٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كُلُّ يَمِينٍ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَيْسَتْ لَهَا كَفَّارَةٌ، مَنْ يُكَفِّرُ لِلشَّيْطَانِ؟ وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ نا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْت عِكْرِمَةَ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهِ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فِيهِ نَزَلَتْ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَصِلَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: كَفَّارَتُهُ تَرْكُهُ، فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا لِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا

стр. 2418

يَمِينَ لَهُ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا الْمُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَدَعْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا هُشَيْمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَهُوَ كَفَّارَتُهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ» .

стр. 2419

وَمِنْ طَرِيقِ الْعُقَيْلِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو نا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ نا شُعَيْبُ بْنُ حَيَّانَ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ دِرْهَمٍ نا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَقْرَبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَمْلُوكِهِ لَيَضْرِبَنَّهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يَدَعَهُ، وَلَهُ مَعَ كَفَّارَتِهِ خَيْرٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ الْقَطَعِيُّ سَمِعْت الْحَسَنَ يَقُولُ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَلَا يَمِينَ فِي مَعْصِيَةٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ - حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيفَةٌ، وَلَكِنْ لَا مُؤْنَةَ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ فِي أَنْ يَحْتَجُّوا بِرِوَايَتِهِ إذَا وَافَقَتْهُمْ وَيُصَحِّحُونَهَا حِينَئِذٍ، فَإِذَا خَالَفَتْهُمْ كَانَتْ حِينَئِذٍ صَحِيفَةً ضَعِيفَةً. مَا نَدْرِي كَيْفَ يَنْطِقُ بِهَذَا مَنْ يُوقِنُ أَنَّهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] أَمْ كَيْفَ تَدِينُ بِهِ نَفْسٌ تَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَمُنْقَطِعٌ، لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ شَيْئًا إلَّا نَعْيَهُ النُّعْمَانَ بْنَ مُقْرِنٍ الْمُزَنِيّ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَطْ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُنْقَطِعَ، وَالْمُتَّصِلَ سَوَاءٌ، فَأَيْنَ هُمْ عَنْ هَذَا الْأَثَرِ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَعَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ سَاقِطٌ مَتْرُوكٌ ذَكَرَ - ذَلِكَ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمِ بْنِ عَقْرَبٍ فَفِيهِ شُعَيْبُ بْنُ حَيَّانَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مُعَاذٍ - وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَحَدِيثُ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ. وَوَجَدْنَا نَصَّ الْقُرْآنِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ

стр. 2420

اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْهُ» . فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا فِيمَا كَانَ فِي كِلَيْهِمَا خَيْرٌ إلَّا أَنَّ الْآخَرَ أَكْثَرُ خَيْرًا؟ قُلْنَا: هَذِهِ دَعْوَى، بَلْ كُلُّ شَرٍّ فِي الْعَالَمِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ، فَالْبِرُّ وَالتَّقْوَى خَيْرٌ مِنْهُمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] . فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرٌ مِنْ الْأَوْثَانِ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْخَيْرِ فِي الْأَوْثَانِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤] وَلَا خَيْرَ فِي جَهَنَّمَ أَصْلًا. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ [ثنا مَعْمَرٌ] عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ نا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاَللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ» . فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ الَّتِي يَكُونُ التَّمَادِي عَلَى الْوَفَاءِ بِهَا إثْمًا - وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَأَى فِي ذَلِكَ الْكَفَّارَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَاضِرِينَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْيَمِينُ مَحْمُولَةٌ عَلَى لُغَةِ الْحَالِفِ وَعَلَى نِيَّتِهِ] ١١٣٦ - مَسْأَلَةٌ وَالْيَمِينُ مَحْمُولَةٌ عَلَى لُغَةِ الْحَالِفِ وَعَلَى نِيَّتِهِ، وَهُوَ مُصَدِّقٌ فِيمَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَزِمَتْهُ يَمِينٌ فِي حَقٍّ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ - وَالْحَالِفُ مُبْطِلٌ - فَإِنَّ الْيَمِينَ هَهُنَا عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهُ. وَمَنْ قِيلَ لَهُ: قُلْ كَذَا أَوْ كَذَا؟ فَقَالَ - وَكَانَ ذَلِكَ الْكَلَامُ يَمِينًا بِلُغَةٍ لَا يُحْسِنُهَا الْقَائِلُ - فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْلِفْ - وَمَنْ حَلَفَ بِلُغَتِهِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُمْ فَهُوَ حَالِفٌ، فَإِنْ حَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا هِيَ إخْبَارٌ مِنْ الْحَالِفِ عَمَّا يَلْتَزِمُ بِيَمِينِهِ تِلْكَ، وَكُلُّ

стр. 2421

وَاحِدٍ فَإِنَّمَا يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِلُغَتِهِ، وَعَمَّا فِي ضَمِيرِهِ. - فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] . وَلِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ لُغَةٍ اسْمٌ، فَبِالْفَارِسِيَّةِ: أوزمز، وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ: أذوناي، والوهيم، والوهاء، وَإِسْرَائِيلُ، وَبِاللَّاتِينِيَّةِ: داوش، وقريطور، وبالصقلبية: بغ، وَبِالْبَرْبَرِيَّةِ: يكش. فَإِنْ حَلَفَ هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَهِيَ يَمِينٌ صَحِيحَةٌ؛ وَفِي الْحِنْثِ فِيهِ الْكَفَّارَةُ. وَأَمَّا مَنْ لَزِمَتْهُ يَمِينٌ لِخَصْمِهِ - وَهُوَ مُبْطِلٌ - فَلَا يَنْتَفِعُ بِتَوْرِيَتِهِ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِي جُحُودِهِ الْحَقَّ، عَاصٍ لَهُ فِي اسْتِدْفَاعِ مَطْلَبِ خَصْمِهِ بِتِلْكَ الْيَمِينِ، فَهُوَ حَالِفُ يَمِينٍ غَمُوسٍ، وَلَا بُدَّ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ» . وَقَدْ قِيلَ: عَبَّادٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَاحِد، وَلَا يَكُونُ صَاحِبُ الْمَرْءِ إلَّا مَنْ لَهُ مَعَهُ أَمْرٌ يَجْمَعُهُمَا يَصْطَحِبَانِ فِيهِ، وَلَيْسَ إلَّا ذُو الْحَقِّ الَّذِي لَهُ عَلَيْك يَمِينٌ تُؤَدِّيهَا إلَيْهِ وَلَا بُدَّ. وَأَمَّا مَنْ لَا يَمِينَ لَهُ عِنْدَك فَلَيْسَ صَاحِبَك فِي تِلْكَ الْيَمِينِ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ ثُمَّ قَالَ نَوَيْت بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الَّذِي نَطَقَ] ١١٣٧ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الَّذِي نَطَقَ صُدِّقَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: جَرَى لِسَانِي وَلَمْ يَكُنْ لِي نِيَّةٌ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ، فَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ حُمِلَ عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2422

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ قَالَ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ قَالَ مَوْصُولًا بِكَلَامِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ إلَّا أَنْ لَا يَشَاءَ اللَّهُ، أَوْ نَحْوَ هَذَا، أَوْ إلَّا أَنْ أَشَاءَ، أَوْ إلَّا أَنْ لَا أَشَاءَ، أَوْ إلَّا إنْ بَدَّلَ اللَّهُ مَا فِي قَلْبِي، أَوْ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ إلَيَّ، أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ، أَوْ إنْ شَاءَ فُلَانٌ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ وَقَدْ سَقَطَتْ الْيَمِينُ عَنْهُ بِذَلِكَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إنْ خَالَفَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. فَلَوْ لَمْ يَصِلْ الِاسْتِثْنَاءُ بِيَمِينِهِ لَكِنْ قُطِعَ قَطْعَ تَرْكٍ لِلْكَلَامِ ثُمَّ ابْتَدَأَ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ، وَقَدْ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، فَإِنْ حَنِثَ فِيهَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَلَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا بِنِيَّةٍ دُونَ لَفْظٍ فَلَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فَهَذَا لَمْ يُعَقِّدْ الْيَمِينَ. وَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَاءَ تَمَامَ تِلْكَ الْيَمِينِ لَأَنْفَذَهَا، وَأَتَمَّهَا، فَإِذْ لَمْ يُنَفِّذْهَا وَلَا أَتَمَّهَا، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ كَوْنَهَا وَهُوَ إنَّمَا الْتَزَمَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْهَا، فَلَمْ يَلْتَزِمْهَا قَطُّ. وَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُهُ مَشِيئَةَ نَفْسِهِ، أَوْ مَشِيئَةَ زَيْدٍ، لِأَنَّ مَشِيئَتَهُ لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيهَا - وَمَشِيئَةُ زَيْدٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ شَاءَ أَوْ لَمْ يَصْدُقْ؟ وَلَا نَدْرِي أَيْضًا أَصَدَقَ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَوْ لَمْ يَصْدُقْ؟ فَلَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ لُزُومِ هَذِهِ الْيَمِينِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُلْزِمَهُ كَفَّارَةً بِالشَّكِّ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ» وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ نا مُسَدَّدٌ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيِّ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حِنْثٍ» فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ اسْتِثْنَاءٍ كَمَا ذَكَرْنَا.

стр. 2423

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُهُ ﵇ فَقَالَ: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " أَوْ " فَاسْتَثْنَى " يَقْتَضِي الْقَوْلَ، وَالْقَوْلُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ، لَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ أَصْلًا. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنْ اسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ أَجْزَأَهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ مُحِلِّ بْنِ مُحْرِزٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا، حَتَّى يَجْهَرَ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا جَهَرَ بِالْيَمِينِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ: إنْ اسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُظْهِرَهُ بِلِسَانِهِ. وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَمَّادٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ: لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَسْمَعَ نَفْسَهُ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إذَا حَرَّكَ لِسَانَهُ أَجْزَأَ عَنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِهَذَا نَقُولُ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ صَحِيحٌ - يَعْنِي حَرَكَةَ اللِّسَانِ. وَأَمَّا وَصْلُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْيَمِينِ فَإِنَّ أَبَا ثَوْرٍ قَالَ: لَا يَكُونُ مُسْتَثْنِيًا إلَّا حَتَّى يَنْوِيَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي حِينِ نُطْقِهِ بِالْيَمِينِ، لَا بَعْدَ تَمَامِهَا، لِأَنَّهُ إذَا أَتَمَّ الْيَمِينَ وَلَمْ يَنْوِ فِيهَا الِاسْتِثْنَاءَ كَانَ قَدْ عَقَّدَ يَمِينَهُ فَلَزِمَتْهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَعْتَرِضُ بِالنَّظَرِ عَلَى بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ ﵇: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» فَأَثْبَتَ لَهُ الْيَمِينَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَسْقَطَهَا ﵇ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَالْفَاءُ تُعْطِي أَنْ تَكُونَ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ بِلَا مُهْلَةٍ - فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ جَائِزٌ أَبَدًا مَتَى أَرَادَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد هُوَ الْخُرَيْبِيُّ - عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَهُ ثُنْيَاهُ بَعْدَ كَذَا وَكَذَا. وَمِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إنْ قَالَ بَعْدَ سِنِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ اسْتَثْنَى. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إنْ قَالَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - فَقَدْ اسْتَثْنَى. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَعْدَ شَهْرٍ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ

стр. 2424

سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَجْلَانَ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ: بَعْدَ شَهْرٍ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - فَلَهُ ثُنْيَاهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ نَسِيَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَتَى مَا ذَكَرَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَسْتَثْنِي فِي يَمِينِهِ مَتَى مَا ذَكَرَ، وَقَرَأَ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] . وَصَحَّ [هَذَا] أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ [وَعَنْ] أَبِي الْعَالِيَةِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي ذَلِكَ بِمُهْلَةٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ حَلَفَ ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بِمِقْدَارِ حَلْبِ شَاةٍ غَزِيرَةٍ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ بِمِقْدَارِ حَلْبِ النَّاقَةِ الْغَزِيرَةِ. وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ مَا لَمْ يَقُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ، أَوْ يَتَكَلَّمْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إذَا حَلَفَ ثُمَّ اسْتَثْنَى قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ فَلَهُ ثُنْيَاهُ. وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: مَا لَمْ يَقُمْ فَقَطْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ اسْتَثْنَى لَمْ يَحْنَثْ وَلَهُ الثُّنْيَا مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْيَمِينِ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَقْعَدِهِ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إنْ اسْتَثْنَى قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي أَوَّلِ نَهَارِهِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ أَبُو ذَرٍّ هُوَ الْغِفَارِيُّ

стр. 2425

مَا مِنْ رَجُلٍ يَقُولُ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا قُلْت مِنْ قَوْلٍ، أَوْ حَلَفْت مِنْ حَلِفٍ، أَوْ نَذَرْت مِنْ نَذْرٍ فَمَشِيئَتُك بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ كُلِّهِ، مَا شِئْت مِنْهُ كَانَ، وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَاغْفِرْهُ لِي، وَتَجَاوَزْ لِي عَنْهُ، اللَّهُمَّ مَنْ صَلَّيْت عَلَيْهِ فَصَلَوَاتِي عَلَيْهِ، وَمَنْ لَعَنْته فَلَعْنَتِي عَلَيْهِ، إلَّا كَانَ فِي اسْتِثْنَائِهِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُنَا: فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْلِفُ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - ثُمَّ يَفْعَلُهُ وَلَا يُكَفِّرُ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُكَفِّرُ أَيْمَانًا أُخَرَ -: فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ إسْقَاطُ الْكَفَّارَةِ إذَا وَصَلَ الِاسْتِثْنَاءَ بِكَلَامِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ فِي الْمُهْلَةِ شَيْءٌ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ اسْتِثْنَاؤُهُ مَوْصُولًا بِيَمِينِهِ كَفَّرَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ لِي عَطَاءٌ: إذَا حَلَفَ ثُمَّ اسْتَثْنَى عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَا لَمْ يَقْطَعْ الْيَمِينَ وَيَتْرُكْهُ - وَصَحَّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ قَالَ: مَا كَانَ فِي كَلَامِهِ بِقَوْلٍ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا قُلْنَا بِهَذَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ فَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ عَقَّدَ الْيَمِينَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» فَلَمْ يَجْعَلْ الِاسْتِثْنَاءَ مَرْدُودًا عَلَى الْيَمِينِ إلَّا بِالْفَاءِ، وَالْفَاءُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تُوجِبُ تَعْقِيبًا بِلَا مُهْلَةٍ فَوَقَفْنَا عِنْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا لَزِمَتْ أَحَدًا كَفَّارَةٌ أَبَدًا. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا شَيْءَ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَمْنَعُ مَنْ أَرَادَ الْحِنْثَ وَإِيجَابَ الْكَفَّارَةِ مِنْ أَنْ يُكَفِّرَ، لَكِنْ لَوْ قَالُوا: هَذَا مِمَّا تَكْثُرُ بِهِ الْبَلْوَى فَمَا كَانَ مِثْلُ هَذَا لِيَخْفَى عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لَكَانَ أَلْزَمَ لَهُمْ. وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا يَرَيَانِ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ وَلَا يَرَيَانِهِ فِي سَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا أَنْ يَكُونَ الْأَيْمَانُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْكَدَ وَأَعْظَمَ

стр. 2426

مِنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى يُسْقِطُهَا الِاسْتِثْنَاءُ وَيُسْقِطُهَا الْكَفَّارَةُ، وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُسْقِطَهَا الِاسْتِثْنَاءُ وَمِنْ أَنْ يُسْقِطَهَا الْكَفَّارَةُ، وَمِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا غَيْرُ الْوَفَاءِ بِهَا. وَنَحْنُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الْبَشِيعِ الشَّنِيعِ، وَالْكَفَّارَةُ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ جَاءَتْ عَلَى الْأَيْمَانِ جُمْلَةً، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَاءَ فِي جُمْلَةٍ، فَإِنْ كَانَ تِلْكَ أَيْمَانًا فَالِاسْتِثْنَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَيْمَانًا فَمِنْ أَيْنَ أَلْزَمُوهَا؟ وَعَجَبٌ آخَرُ عَجِيبٌ جِدًّا وَهُوَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْأَيْمَانِ إنْ نَوَى بِهِ الْحَالِفُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ نَوَى بِهِ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] لَمْ يَكُنْ اسْتِثْنَاءً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَلَامٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ؟ وَلَا مَاذَا أَرَادَ قَائِلُهُ بِهِ، وَلَقَدْ رُمْنَا أَنْ نَجِدَ عِنْدَ مَنْ أَخَذْنَا قَوْلَهُ عَنْهُ مِنْ الْمُنْتَمِينَ إلَيْهِ مَعْنًى يَصِحُّ فَهْمُهُ لِهَذَا الْكَلَامِ، فَمَا وَجَدْنَاهُ إلَّا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَهُ كَمَا جَاءَ وَكَمَا نَقُولُ نَحْنُ فِي ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] وَ ﴿طه﴾ [طه: ١] ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ، وَإِنْ لَمْ نَفْهَمْ مَعْنَاهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ نا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ [عَنْ عِكْرِمَةَ] يَرْفَعُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ أَبُو دَاوُد: وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ شَرِيكٍ، " ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ ". وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَسْنَدَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سِمَاكٌ ضَعِيفٌ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ وَيَلْزَمُ مَنْ اعْتَدَّ بِرِوَايَتِهِ فِي أَخْذِ الدَّنَانِيرِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ الدَّنَانِيرِ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا هَهُنَا.

стр. 2427

وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ أَنْ يَقُولَ بِهَذَا أَيْضًا. وَيَلْزَمُهُمْ إذْ قَاسُوا مَا يَكُونُ صَدَاقًا عَلَى مَا تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ أَنْ يَقِيسُوا مُدَّةَ مُهْلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فَيَقُولُوا بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي ذَلِكَ أَوْ يَجْعَلُوهُ شَهْرًا عَلَى قَوْلِهِمْ فِي أَجَلِ الْمَدِينِ أَنَّهُ يُسْجَنُ شَهْرًا، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ الشَّهْرِ؟ أَوْ يَقِيسُوهُ عَلَى قَوْلِهِمْ الْفَاسِدِ فِي الْمُخَيَّرَةِ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ تَقُمْ عَنْ مَجْلِسِهَا أَوْ تَتَكَلَّمْ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذِهِ التَّحَكُّمَاتِ فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ فِي تَحْرِيمِ الْفُرُوجِ وَإِبَاحَتِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدِّيَانَةِ وَبَيْنَ مُهْلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا شَبَهُ التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ إجَازَتِهِمْ أَكْلَ مَا ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ وَنَسِيَ مُذْكِيهِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَرَوْنَ هَهُنَا نِسْيَانَ الِاسْتِثْنَاءِ عُذْرًا يُوجِبُونَ لِلْحَالِفِ بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ مَتَى ذَكَرَ. فَإِنْ قَالُوا: فَهَلَّا قُلْتُمْ أَنْتُمْ بِهَذَا كَمَا أَسْقَطْتُمْ الْكَفَّارَةَ عَمَّنْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا؟ قُلْنَا: لَمْ نَفْعَلْ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْفَاعِلَ نَاسِيًا لَيْسَ حَانِثًا لِأَنَّ الْحَانِثَ هُوَ الْقَاصِدُ إلَى الْحِنْثِ، وَنَاسِي الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْعَقَدَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَالْكَفَّارَةُ لَا تَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهَا إلَّا بِنَصٍّ، وَلَمْ يُسْقِطْهَا النَّصُّ إلَّا إذَا قَالَ مَوْصُولًا بِالْيَمِينِ مَا يَسْتَثْنِي بِهِ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا إذَا وَافَقَهُمْ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَهَلَّا قَالُوا فِي قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ. وَابْنِ عَبَّاسٍ هَهُنَا: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، كَمَا قَالُوا فِي رِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ عَنْ عُمَرَ الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ: هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَرَدُّوا بِهِ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ مِنْ أَنَّ كُلَّ بَيْعَيْنِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا مَعًا. [مَسْأَلَةٌ يَمِينُ الْأَبْكَمِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ] ١١٣٩ - مَسْأَلَةٌ وَيَمِينُ الْأَبْكَمِ وَاسْتِثْنَاؤُهُ لَازِمَانِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ مِنْ صَوْتٍ يُصَوِّتُهُ أَوْ إشَارَةٍ إنْ كَانَ مُصْمَتًا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْأَيْمَانَ إخْبَارٌ مِنْ الْحَالِفِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْأَبْكَمُ، وَالْمُصْمَتُ، مُخَاطَبَانِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كَغَيْرِهِمَا. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا مِنْ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَا اسْتَطَاعَاهُ، وَأَنْ يُسْقِطَ عَنْهُمَا مَا لَيْسَ فِي

стр. 2428

وُسْعِهِمَا، وَأَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمَا مَا يُخْبِرَانِ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا حَسْبَ مَا يُطِيقَانِ وَيَلْزَمُهُمَا مَا الْتَزَمَاهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْأَحْرَارُ وَالْمَمْلُوكُونَ فِي الْيَمِين سَوَاءٌ] ١١٤٠ - مَسْأَلَةٌ وَالرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ، الْأَحْرَارُ، وَالْمَمْلُوكُونَ، وَذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ وَالْأَبْكَارُ، وَغَيْرُهُنَّ، فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَنَذْكُرُ سَوَاءٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] . وَقَالَ ﵇: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ» وَقَالَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَخْصِيصِ عَبْدٍ مِنْ حُرٍّ، وَلَا ذَاتِ زَوْجٍ مِنْ أَيِّمٍ، وَلَا بِكْرٍ مِنْ ثَيِّبٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَالتَّحَكُّمُ فِي الدِّينِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ لَا يَجُوزُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَدْ وَافَقُونَا: عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ، وَبِالصِّيَامِ، وَتَحْرِيمِ مَا يُحَرَّمُ، وَتَحْلِيلِ مَا يَحِلُّ سَوَاءٌ، فَأَنَّى لَهُمْ تَخْصِيصُ بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ، وَالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمِينَ لِوَلَدٍ مَعَ يَمِينِ وَالِدٍ، وَلَا يَمِينَ لِزَوْجَةٍ مَعَ يَمِينِ زَوْجٍ، وَلَا يَمِينَ لِلْمَمْلُوكِ مَعَ يَمِينِ مَلِيكِهِ، وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةٍ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عَتَاقَةَ قَبْلَ الْمِلْكِ وَلَا صَمْتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ، وَلَا مُوَاصَلَةَ فِي الصِّيَامِ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ الْحُلُمِ، وَلَا رَضَاعَةَ بَعْدَ الْفِطَامِ، وَلَا تَغَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» فَحَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ سَاقِطٌ مُطْرَحٌ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَيَلْزَمُ مَنْ قَلَّدَ رِوَايَتَهُ فِي اسْتِظْهَارِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِثَلَاثٍ بَعْدَ أَيَّامِهَا، فَأَسْقَطَ بِهَا الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةَ وَالصِّيَامَ الْمَفْرُوضَ، وَحَرَّمَ الْوَطْءَ الْمُبَاحَ أَنْ يَأْخُذُوا بِرِوَايَتِهِ هَهُنَا، وَإِلَّا فَهُمْ مُتَلَاعِبُونَ بِالدِّينِ. بِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ خَالَفُوا أَكْثَرَ مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ - وَأَمَّا نَحْنُ فَوَاَللَّهِ لَوْ صَحَّ بِرِوَايَتِهِ الثِّقَاتُ مُتَّصِلًا لَبَادَرْنَا إلَى الْقَوْلِ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2429

[مَسْأَلَةٌ يَمِينَ السَّكْرَان وَالْمَجْنُون وَالْهَاذِي وَالنَّائِم وَمَنْ لَمْ يَبْلُغ] مَسْأَلَةٌ وَلَا يَمِينَ لِسَكْرَانَ، وَلَا لِمَجْنُونٍ فِي حَالِ جُنُونِهِ، وَلَا لِهَاذٍ فِي مَرَضِهِ، وَلَا لِنَائِمٍ فِي نَوْمِهِ، وَلَا لِمَنْ لَمْ يَبْلُغَ. وَوَافَقَنَا فِي كُلِّ هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّهُمْ خَالَفُونَا فِي السَّكْرَانِ وَحْدَهُ، وَوَافَقَ فِي السَّكْرَانِ أَيْضًا قَوْلُنَا هَهُنَا قَوْلَ الْمُزَنِيّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالطَّحَاوِيِّ، وَالْكَرْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَغَيْرِهِمْ. وَحُجَّتُنَا فِي السَّكْرَانِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَمَنْ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهُ بِمَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ، وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ الْيَمِينَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ إلَّا بِمَا عَقَّدَ مِنْهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ أَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَجُرِحَ جِرَاحَةً أَقْعَدَتْهُ، أَوْ جَرَحَهَا نَفْسَهُ عَابِثًا عَاصِيًا، أَيَنْتَقِلُ إلَى حُكْمِ مَنْ أُقْعِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ بِمَرَضٍ مِنْ عِنْدِهِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ قَاعِدًا، وَفِي وُجُوبِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ فِي مَرَضِهِ أَمْ لَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: نَعَمْ، فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ. وَكُلُّ مَنْ صَارَ إلَى حَالٍ يَبْطُلُ اخْتِيَارُهُ فِيهَا بِأَيِّ وَجْهٍ صَارَ إلَيْهَا، فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ صَارَ إلَيْهَا بِغَلَبَةٍ، لِأَنَّ النُّصُوصَ لَمْ تَسْتَثْنِ هَهُنَا مِنْ أَحْوَالِ الْمَصِيرِ إلَى تِلْكَ الْحَالِ شَيْئًا. وَالْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ الْقَائِلِينَ فِيمَنْ خَرَجَ قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ فَاضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ: إنَّ لَهُ أَنْ يُقَوِّيَ نَفْسَهُ بِأَكْلِهَا، وَالْقُرْآنُ جَاءَ بِخِلَافِ ذَلِكَ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ ثُمَّ يَأْكُلُ حَلَالًا فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، ثُمَّ لَا يَرَى السَّكْرَانَ فِي حُكْمِ مَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ هُوَ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَرَى أَنَّ النَّائِمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ إنْ أَكَلَ فِي حَالِ نَوْمِهِ، أَوْ شَرِبَ مَا دَسَّ فِي فَمِهِ، أَنَّهُ مُفْطِرٌ، ثُمَّ يَرَاهُ هَهُنَا غَيْرَ حَالِفٍ ثُمَّ يُلْزِمُ السَّكْرَانَ يَمِينَهُ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا. فَإِنْ قَالُوا: لَعَلَّهُ مُتَسَاكِرٌ، وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ سَكْرَانُ؟ قُلْنَا: وَلَعَلَّ الْمَجْنُونَ مُتَجَنِّنٌ، مُتَحَامِقٌ، وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ مَجْنُونٌ، أَوْ أَحْمَقُ -

стр. 2430

وَجَوَابُنَا هَهُنَا أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ يَدْرِي أَنَّهُ مَجْنُونٌ، يَدْرِي أَنَّهُ سَكْرَانُ، وَلَا فَرْقَ. وَفِي الصَّبِيِّ يَحْلِفُ: خِلَافٌ نَذْكُرُهُ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: إذَا حَلَفَ الصَّبِيُّ ثُمَّ حَنِثَ بَعْدَ مَا يَكْبَرُ كَفَّرَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: عُمَرَ، أَوْ عُثْمَانَ: إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ بَلَغَ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ - وَيَلْزَمُ مَنْ يَرَى مِنْ الْمَالِكِيِّينَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ الصَّبِيِّ يُصِيبُ لِصَيْدٍ فِي إحْرَامِهِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ إنْ حَنِثَ وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا -: هُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا وُهَيْبٍ هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبَرَ» . قَالَ عَلِيٌّ: السَّكْرَانُ مُبْتَلًى بِلَا شَكٍّ فِي عَقْلِهِ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي كُفْرِهِ ثُمَّ حَنِثَ] ١١٤٢ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي كُفْرِهِ ثُمَّ حَنِثَ فِي كُفْرِهِ، أَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدِينُ اللَّهِ تَعَالَى لَازِمٌ لَهُمْ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وَلَا يَجْزِيهِ أَنْ يُكَفِّرَ فِي حَالِ كُفْرِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ مُصَدِّقًا أَنَّهَا دِينُ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] . [مَسْأَلَةٌ الْحَلِف بِاللَّاتِ] ١١٤٣ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ: وَاللَّاتِ، وَالْعُزَّى، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - يَقُولُهَا مَرَّةً؛ أَوْ

стр. 2431

يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا بُدَّ. وَيَنْفُثُ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَتَعَوَّذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ لَا يَعُدْ فَإِنْ عَادَ عَادَ لِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا. وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: تَعَالَ أُقَامِرْك؟ فَلْيَتَصَدَّقْ وَلَا بُدَّ بِمَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ قَلَّ أَمْ كَثُرَ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا مَخْلَدٌ نا يُونُسُ هُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ - عَنْ أَبِيهِ [قَالَ] حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ «سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ؟ فَقَالَ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِك ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا أَبُو دَاوُد الْحَرَّانِيُّ نا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ أَعْيَنَ ثِقَةٌ - نا زُهَيْرٌ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - نا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ السَّبِيعِيِّ عَنْ «مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَقَالَ لِي أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِئْسَ مَا قُلْتَ ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبِرْهُ فَإِنَّا لَا نَرَاكَ إلَّا قَدْ كَفَرْتَ فَلَقِيتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ؟ فَقَالَ لِي: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَانْفُثْ عَنْ شِمَالِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَا تَعُدْ لَهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ، فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ» .

стр. 2432

قَالَ عَلِيٌّ: فِي هَذَا إبْطَالُ التَّعَلُّقِ بِقَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَدْ قَالَ الصَّحَابَةُ ﵃ لِسَعْدٍ: مَا نَرَاك إلَّا قَدْ كَفَرْت، وَلَمْ يَكُنْ كَفَرَ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا يَمِينٌ] ١١٤٤ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا يَمِينٌ، مِثْلُ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت الْيَوْمَ، وَوَاللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا، وَوَاللَّهِ لَا دَخَلْت دَارِهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَهِيَ أَيْمَانٌ كَثِيرَةٌ إنْ حَنِثَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ. فَإِنْ عَمِلَ آخَرَ فَكَفَّارَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ عَمِلَ ثَالِثًا فَكَفَّارَةٌ ثَالِثَةٌ - وَهَكَذَا مَا زَادَ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُتَغَايِرَةٌ، وَأَفْعَالٌ مُتَغَايِرَةٌ، وَأَحْنَاثٌ مُتَغَايِرَةٌ، إنْ حَنِثَ فِي يَمِينٍ لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ فِي أُخْرَى بِلَا شَكٍّ، فَلِكُلِّ يَمِينٍ حُكْمُهَا. ١١٤٥ - مَسْأَلَةٌ فَلَوْ حَلَفَ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ اسْتَثْنَى بِشَيْءٍ مَا، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: إنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْصُولًا فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا نَوَى، فَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِالِاسْتِثْنَاءِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت آخِرَهَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ الْأَيْمَانِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا لِلْيَمِينِ الَّتِي تَلِي الِاسْتِثْنَاءَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَقَّدَ الْأَيْمَانَ السَّالِفَةَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا وَقَطَعَ الْكَلَامَ فِيهَا، وَأَخَذَ فِي كَلَامٍ آخَرَ، فَبَطَلَ أَنْ يَتَّصِلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهَا، فَوَجَبَ الْحِنْثُ فِيهَا إنْ حَنِثَ وَالْكَفَّارَةُ، وَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ الَّتِي اتَّصَلَ بِهَا كَمَا قَدَّمْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ] ١١٤٦ - مَسْأَلَةٌ فَإِنْ حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، كَمَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا وَلَا خَالِدًا، وَلَا دَخَلْت دَارَ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا أَعْطَيْتُك شَيْئًا، فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ شَيْئًا مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ حَتَّى يَفْعَلَ كُلَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.

стр. 2433

وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، لِأُمُورٍ شَتَّى - قَالَ: هُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّهُ خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِيَمِينٍ، قَالَ: كَفَّارَتَانِ. وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، وَكَذَا لِأَمْرَيْنِ شَتَّى فَعَمَّهُمَا بِالْيَمِينِ؟ قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ - وَلَا نَعْلَمُ لِمُتَقَدِّمٍ فِيهَا قَوْلًا آخَرَ. وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: هُوَ حَانِثٌ بِكُلِّ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ فِعْلٍ كَفَّارَةٌ - وَقَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِأَوَّلِ مَا يَحْنَثُ، ثُمَّ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْيَمِينُ لَا تَكُونُ بِالنِّيَّةِ دُونَ الْقَوْلِ وَهُوَ لَمْ يَلْفِظْ إلَّا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرَ مِنْ يَمِينٍ أَصْلًا، إذْ لَمْ يُوجِبْ لُزُومَهَا إيَّاهُ قُرْآنٌ؛ وَلَا سُنَّةٌ، فَإِذْ هِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهَا عَلَى حِنْثٍ، وَفِي بَعْضِهَا عَلَى بِرٍّ؛ إنَّمَا هُوَ حَانِثٌ، أَوْ غَيْرُ حَانِثٌ: وَلَمْ يَأْتِ بِغَيْرِ هَذَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلٌ مُتَقَدِّمٌ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَانِثًا إلَّا بِأَنْ يَفْعَلَ كُلَّ مَا عَقَّدَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ - وَأَيْضًا: فَالْأَمْوَالُ مَحْظُورَةٌ وَالشَّرَائِعُ لَا تَجِبُ بِدَعْوَى لَا نَصَّ مَعَهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَيْمَانًا كَثِيرَةً عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ] ١١٤٧ - مَسْأَلَةٌ فَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا كَثِيرَةً عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ: أَنْ يَقُولَ: بِاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا، وَالرَّحْمَنِ لَا كَلَّمْته، وَالرَّحِيمِ لَا كَلَّمْته، بِاَللَّهِ ثَانِيَةً لَا كَلَّمْته، بِاَللَّهِ ثَالِثَةً لَا كَلَّمْته - وَهَكَذَا أَبَدًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَفِي أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ: فَهِيَ كُلُّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ - وَلَوْ كَرَّرَهَا أَلْفَ أَلْفَ مَرَّةٍ - وَحِنْثٌ وَاحِدٌ؛ وَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ - وَلَا مَزِيدَ. وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبَانَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: زَوَّجَ ابْنُ عُمَرَ مَمْلُوكَهُ مِنْ جَارِيَةٍ لَهُ، فَأَرَادَ الْمَمْلُوكُ سَفَرًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: طَلِّقْهَا؟ فَقَالَ الْمَمْلُوكُ: وَاَللَّهِ لَا طَلَّقْتهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ وَاَللَّهِ لَتُطَلِّقُنَّهَا كَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ مُجَاهِدٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: أُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِي، فَقُلْت لَهُ: قَدْ حَلَفْت مِرَارًا؟ قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.

стр. 2434

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا أَقْسَمْت مِرَارًا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ إذَا رَدَّدَ الْأَيْمَانَ فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ. وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ سُئِلَ مَنْ تَعَرَّضَتْ لَهُ جَارِيَةٌ لَهُ مِرَارًا كُلَّ مَرَّةٍ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا؟ ثُمَّ وَطِئَهَا؟ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا حَلَفَ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ، فِي مَجَالِسَ شَتَّى. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إذَا حَلَفَ فِي مَجَالِسَ شَتَّى قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ، وَقَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا حَلَفَ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ فِي مَجَالِسَ شَتَّى - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ. وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا أَكَّدَ الْيَمِينَ فَعِتْقُ رَقَبَةٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ شَتَّى فَكَفَّارَاتٌ شَتَّى. صَحَّ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: يَقُولُونَ ذَلِكَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ: إنْ نَوَى بِالْيَمِينِ الْأُخْرَى يَمِينًا ثَانِيَةً فَكَفَّارَتَانِ، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: إنْ أَرَادَ التَّكْرَارَ فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ أَرَادَ التَّغْلِيظَ فَلِكُلِّ مَرَّةٍ كَفَّارَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: إنْ أَرَادَ التَّكْرَارَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِلَّا فَلِكُلِّ مَرَّةٍ كَفَّارَةٌ - فَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَرَّةٍ كَفَّارَةٌ، إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَ التَّكْرَارَ فَقَطْ - ثُمَّ لَمْ يَشْتَرِطْ إرَادَةَ التَّغْلِيظِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إنْ أَرَادَ التَّكْرَارَ فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَأَرَادَ التَّغْلِيظَ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَصَاعِدًا، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ.

стр. 2435

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَعْلَمُ لِمَنْ رَأَى فِي تَأْكِيدِ الْيَمِينِ عِتْقَ رَقَبَةٍ - فَقَطْ - حُجَّةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ بَيَّنَ الرَّقَبَةَ، وَالْإِطْعَامَ، وَالْكِسْوَةَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هُنَالِكَ أَيْمَانًا مُؤَكَّدَةً، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] . وَلَا نَعْلَمُ لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسَيْنِ فَصَاعِدًا حُجَّةً إلَّا الدَّعْوَى أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فِي مَجْلِسٍ، وَيَمِينٌ ثَانِيَةٌ فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي. وَهَذِهِ دَعْوَى لَا يُصَحِّحُهَا بُرْهَانٌ، وَكُلُّ لَفْظٍ فَهُوَ بِلَا شَكٍّ غَيْرُ اللَّفْظِ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ مَجْلِسٍ غَيْرُ الْمَجْلِسِ الْآخَرِ وَلَا فَرْقَ. وَكَذَلِكَ لَا نَدْرِي لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّغْلِيظِ وَغَيْرِ التَّغْلِيظِ حُجَّةً أَصْلًا إلَّا الدَّعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنْ نَوَى التَّكْرَارَ فَهِيَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ أَيْمَانٌ شَتَّى، فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: هِيَ أَلْفَاظٌ شَتَّى، فَلِكُلِّ لَفْظٍ حُكْمٌ، أَوْ أَنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلَى تَكْرَارِ الطَّلَاقِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا، لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّ حُكْمَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ غَيْرُ حُكْمِ الثَّانِيَةِ، وَغَيْرُ حُكْمِ الْأُولَى، وَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ فِي الْأَيْمَانِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهَا أَلْفَاظٌ شَتَّى، فَنَعَمْ، إلَّا أَنَّ الْحِنْثَ بِهِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لَا بِنَفْسِ الْيَمِينِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ أَصْلًا، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ إلَّا الْحِنْثُ، فَالْحِنْثُ فِيهَا كُلِّهَا حِنْثٌ وَاحِدٌ بِلَا شَكٍّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِحِنْثٍ وَاحِدٍ كَفَّارَاتٌ شَتَّى، وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ، وَالشَّرَائِعُ سَاقِطَةٌ، إلَّا أَنْ يُبِيحَ الْمَالَ نَصٌّ، أَوْ يَأْتِيَ بِالشَّرْعِ نَصٌّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ] ١١٤٨ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ؛ أَوْ قَالَ: لَا شَرِبْت مَاءَ

стр. 2436

هَذَا الْكُوزِ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِ الرَّغِيفِ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا فُتَاتُهُ، وَلَا بِشُرْبِ بَعْضِ مَا فِي الْكُوزِ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَآكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ، فَأَكَلَهُ كُلَّهُ إلَّا فُتَاتَهُ وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ حَنِثَ - وَهَكَذَا فِي الرُّمَّانَةِ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ لَا يَحْنَثُ بِبَعْضِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ وَشُرْبِ بَعْضِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نَسْأَلُهُمْ عَنْ رَجُلٍ أَكَلَ بَعْضَ رَغِيفٍ لِزَيْدٍ فَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَكَلَ رَغِيفَ زَيْدٍ؟ أَصَادِقَانِ هُمَا أَمْ كَاذِبَانِ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُمَا كَاذِبَانِ مُبْطِلَانِ، فَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْفُتْيَا بِالْكَذِبِ، وَبِالْبَاطِلِ، وَبِالْمُشَاهَدَةِ يُدْرَى فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ، لَمْ يَحْلِفْ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا، وَهُوَ إذَا أَبْقَى مِنْهُ شَيْئًا فَلَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَالْأَمْوَالُ مَحْظُورَةٌ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا نَصَّ فِي صِحَّةِ قَوْلِهِمْ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: الْحِنْثُ، وَالتَّحْرِيمُ، وَكِلَاهُمَا يَدْخُلُ بِأَرَقِّ الْأَسْبَابِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مَا يَدْخُلُ الْحِنْثُ وَالتَّحْرِيمُ لَا بِأَرَقِّ الْأَسْبَابِ، وَلَا بِأَغْلَظِهَا، وَلَا يَدْخُلُ التَّحْلِيلُ أَيْضًا لَا بِأَرَقِّ الْأَسْبَابِ، وَلَا بِأَغْلَظِهَا - وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ وَإِفْكٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْحِنْثُ، وَالْبِرُّ، وَالتَّحْرِيمُ، وَالتَّحْلِيلُ؛ إلَّا حَيْثُ أَدْخَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَطْرَفُ شَيْءٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: تَحْرِيمُ زَوْجَةِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ يَدْخُلُ بِأَرَقِّ الْأَسْبَابِ - وَهُوَ الْعَقْدُ وَحْدَهُ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: نَسِيتُمْ أَنْفُسَكُمْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فَرْجُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ حَرَامًا عَلَى الْأَبِ، كَمَا هِيَ عَلَى الِابْنِ، ثُمَّ دَخَلَ التَّحْلِيلُ لِلْأَبِ بِأَرَقِّ الْأَسْبَابِ - وَهُوَ الْعَقْدُ وَحْدَهُ - فَأَيْنَ قَوْلُكُمْ: إنَّ التَّحْلِيلَ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِأَغْلَظِ الْأَسْبَابِ؟ وَكَمْ هَذَا التَّخْلِيطُ بِمَا لَا يُعْقَلُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَقَالُوا: وَالتَّحْلِيلُ لَا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لَا يَدْخُلُ إلَّا بِأَغْلَظِ الْأَسْبَابِ - وَهُوَ الْعَقْدُ، وَالْوَطْءُ؟ فَقُلْنَا: نَقَضْتُمْ قَوْلَكُمْ قُولُوا بِقَوْلِ الْحَسَنِ، وَإِلَّا فَقَدْ أَفْسَدْتُمْ بُنْيَانَكُمْ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا إلَّا بِالْعَقْدِ، وَالْوَطْءِ، وَالْإِنْزَالِ فِيهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا أَغْلَظُ الْأَسْبَابِ وَالْقَوْمُ فِي لَا شَيْءَ - وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ.

стр. 2437

وَابْنَةُ الزَّوْجَةِ لَا تُحَرَّمُ عَلَى زَوْجِ أُمِّهَا بِأَرَقِّ الْأَسْبَابِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ، لَكِنْ بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ مَعَ الْعَقْدِ، فَهَذَا تَحْرِيمٌ لَمْ يَدْخُلْ إلَّا بِأَغْلَظِ الْأَسْبَابِ. ثُمَّ تَنَاقُضُهُمْ هَهُنَا طَرِيفٌ جِدًّا، لِأَنَّ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رَغِيفًا فَأَكَلَ نِصْفَ رَغِيفٍ يَحْنَثُ، وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَ لِزَيْدٍ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَوَهَبَ لَهُ تِسْعَةَ دَنَانِيرَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا كُلِّهِ لَوْ كَانَ هَهُنَا تَقْوَى؟ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ -: بِأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَ شَيْئًا مِنْهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ فَقُلْنَا لَهُمْ: إنَّمَا يَكُونُ الْحِنْثُ بِمُخَالَفَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ فِي اللُّغَةِ وَالْمَعْقُولُ دُخُولُ الدَّارِ إلَّا بِدُخُولِ بَعْضِهَا، لَا بِأَنْ يَمْلَأَهَا بِجُثَّتِهِ، بِخِلَافِ أَكْلِ الرَّغِيفِ، وَلَوْ أَنَّهُ دَخَلَ بَعْضُهُ الدَّارَ لَا كُلُّهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا - وَهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى: أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهْدِمَ هَذَا الْحَائِطَ فَهَدَمَ مِنْهُ مَدَرَةً أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ هَذَا الرَّغِيفِ] ١١٤٩ - مَسْأَلَةٌ فَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ هَذَا الرَّغِيفِ، أَوْ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ هَذَا الْكُوزِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ شَيْءٍ مِنْهُ وَشُرْبِ شَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَاءَ النَّهْرِ] ١١٥٠ - مَسْأَلَةٌ فَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَاءَ النَّهْرِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي شُرْبِ شَيْءٍ مِنْهُ حَنِثَ [بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْهُ] لِأَنَّهُ بِهَذَا يُخْبِرُ عَنْ شُرْبِ بَعْضِ مَائِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ] ١١٥١ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الدُّورِ الْمُبَاحَةِ الدَّهَالِيزَ كَدُورِ الرُّؤَسَاءِ لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ الدِّهْلِيزِ حَتَّى يَدْخُلَ مِنْهَا مَا يَقَعُ عَلَى مَنْ صَارَ هُنَالِكَ أَنَّهُ دَاخِلُ دَارِ زَيْدٍ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الدُّورِ الَّتِي لَا تُبَاحُ دَهَالِيزُهَا حَنِثَ بِدُخُولِ الدِّهْلِيزِ. وَهَكَذَا فِي الْمَسَاجِدِ، وَالْحَمَّامَاتِ، وَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ لِمَا ذَكَرْنَا: مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى مَا يَتَخَاطَبُ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ اللُّغَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] فَهَذَا عُمُومٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﵇، وَالْأَنْبِيَاءَ يَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ.

стр. 2438

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَمَشَى عَلَى سَقْفِهَا] مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ، أَوْ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَمَّامَ فَمَشَى عَلَى سُقُوفِ كُلِّ ذَلِكَ، أَوْ دَخَلَ دِهْلِيزَ الْحَمَّامِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ وَلَا الْحَمَّامَ وَلَا يُسَمَّى دُخُولُ دِهْلِيزِ الْحَمَّامِ دُخُولَ حَمَّامٍ [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا فَأَوْصَى إلَيْهِ أَوْ كَتَبَ] ١١٥٣ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا، فَأَوْصَى إلَيْهِ أَوْ كَتَبَ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى الْكِتَابُ وَلَا الْوَصِيَّةُ: كَلَامًا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَشَارَ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ : ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] . فَصَحَّ أَنَّ الْإِشَارَةَ، وَالْإِيمَاءَ لَيْسَ كَلَامًا. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إدَامًا] ١١٥٤ - مَسْأَلَةٌ -: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إدَامًا فَأَيُّ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ مِنْ لَحْمٍ، أَوْ غَيْرِهِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ بِهِ الْخُبْزُ فَاشْتَرَاهُ لِيَأْكُلَ بِهِ الْخُبْزَ حَنِثَ - أَكَلَ بِهِ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ - لِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَى الْإِدَامَ فَلَوْ اشْتَرَاهُ لِيَأْكُلَهُ بِلَا خُبْزٍ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ إدَامًا حِينَئِذٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إدَامًا فَأَكَلَ خُبْزًا بِشِوَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ أَكَلَهُ بِمِلْحٍ أَوْ بِزَيْتِ أَوْ بِشَيْءٍ يُصْنَعُ فِيهِ الْخُبْزُ حَنِثَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ جِدًّا لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ شَرِيعَةٍ وَلَا لُغَةٍ -: نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ غُنْدَرٌ نا خَلَفُ بْنُ الْقَاسِمِ نا أَبُو الْمَيْمُونِ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ نا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو النَّصْرِيُّ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ثِقَةٌ عَنْ يَزِيدَ الْأَعْوَرِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ كِسْرَةَ خُبْزِ شَعِيرٍ وَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً وَقَالَ: هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَأَصْلُ الْإِدَامِ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُبْزِ، فَذَلِكَ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا

стр. 2439

فَكُلُّ شَيْءٍ جُمِعَ إلَى الْخُبْزِ لِيَسْهُلَ أَكْلُهُ بِهِ فَهُوَ إدَامٌ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ غُلَامَهُ عَدَدًا مِنْ الْجَلْدِ أَكْثَرَ مِنْ الْعَشْرِ] ١١٥٥ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ غُلَامَهُ عَدَدًا مِنْ الْجَلْدِ أَكْثَرَ مِنْ الْعَشْرِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيَبِرُّ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ رَأَى أَبَاهُ يَتَحَلَّلُ يَمِينَهُ فِي ضَرْبِ نَذْرِهِ بِأَدْنَى ضَرْبٍ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ: قَدْ نَزَلَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَاللَّيْثُ، وَمَالِكٌ: لَا يَبِرُّ بِذَلِكَ - وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا. [مَسْأَلَةٌ مَنَّتْ امْرَأَتُهُ عَلَيْهِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ مِنْ مَالِهَا ثَوْبًا] ١١٥٦ - مَسْأَلَةٌ وَلَا مَعْنَى لِلْبِسَاطِ فِي الْأَيْمَانِ وَلَا لِلْمَنِّ، وَلَوْ مَنَّتْ امْرَأَتُهُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهَا بِمَالِهَا فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ مِنْ مَالِهَا ثَوْبًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِمَا سَمَّى فَقَطْ، وَيَأْكُلُ مِنْ مَالِهَا مَا شَاءَ، وَيَأْخُذُ مَا تُعْطِيهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ، وَيَشْتَرِي بِمَا تُعْطِيهِ مَا يَلْبَسُ وَلَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَنْ مَنَّ عَلَى آخَرَ بِلَبَنِ شَاتِه فَحَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الشَّاةِ، وَمِنْ جُبْنِهَا، وَمِنْ زُبْدِهَا، وَرَائِبِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ شُرْبَ لَبَنٍ. فَإِنْ بَاعَتْ تِلْكَ الشَّاةَ وَاشْتَرَتْ أُخْرَى كَانَ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، إنَّمَا يَحْنَثُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَسَمَّاهُ فَقَطْ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ بِكُلِّ ذَلِكَ، ثُمَّ تَنَاقَضَ فَقَالَ: إنْ وَهَبَتْ لَهُ شَاةً ثُمَّ مَنَّتْ بِهَا عَلَيْهِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ لَبَنِهَا شَيْئًا فَبَاعَهَا وَابْتَاعَ بِثَمَنِهَا ثَوْبًا لَبِسَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ - وَلَا يَحْنَثُ بِإِمْسَاكِهَا فِي مِلْكِهِ وَلَا بِبَيْعِهَا وَقَضَاءُ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهَا - وَهَذَا قَوْلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ أَحْنَثَهُ بِغَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ذِكْرَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: «أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ رَبَطَ نَفْسَهُ إلَى سَارِيَةٍ وَقَالَ: لَا أَحُلُّ نَفْسِي

стр. 2440

حَتَّى يَحُلَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ تَنْزِلَ تَوْبَتِي، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَحُلُّهُ فَأَبَى إلَّا أَنْ يَحُلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ﵇: إنَّ فَاطِمَةَ بِضْعَةٌ مِنِّي» فَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ - ثُمَّ عَنْ عَلِيِّ بْنَ زَيْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ لِمَا فِيهِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ زَيْدًا فَضَرَبَ وَلَدَ زَيْدٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَمْرًا كَذَا حِينًا فَبَقِيَ طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ فَعَلَهُ] ١١٥٧ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ أَمْرًا كَذَا حِينًا أَوْ دَهْرًا أَوْ زَمَانًا أَوْ مُدَّةً أَوْ بُرْهَةً أَوْ وَقْتًا، أَوْ ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ - أَوْ قَالَ مَلِيًّا، أَوْ قَالَ: عُمْرًا، أَوْ الْعُمْرَ، فَبَقِيَ مِقْدَارَ طَرْفَةِ عَيْنٍ لَمْ يَفْعَلْهُ، ثُمَّ فَعَلَهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ زَمَانٌ، وَدَهْرٌ، وَحِينٌ، وَوَقْتٌ، وَبُرْهَةٌ، وَمُدَّةٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْحِينِ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْحِينُ سَنَةٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: أَرَى الْحِينَ سَنَةً. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحِينُ سَنَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَا جَمِيعًا: الْحِينُ سَنَةٌ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَهُ مَا نَوَى. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ سُئِلَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ: أَنْ لَا تَفْعَلَ فِعْلًا مَا إلَى حِينٍ؟ فَقَالَ: أَيُّ الْأَحْيَانِ أَرَدْت؟ فَإِنَّ الْأَحْيَانَ ثَلَاثَةٌ -: قَالَ اللَّهُ : ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] . كُلُّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] فَذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا.

стр. 2441

وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] فَذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] مَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ نا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ نا ابْنُ حَرْمَلَةَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ يَمِينِهِ أَنْ لَا تَدْخُلَ امْرَأَتُهُ عَلَى أَهْلِهَا حِينًا؟ فَقَالَ سَعِيدٌ؛ الْحِينُ مَا بَيْنَ أَنْ تَطْلُعَ النَّخْلُ إلَى أَنْ تُرَطِّبَ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] قَالَ: تُؤْكَلُ ثَمَرَتُهَا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنِي طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " الْحِينُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ " وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا هِشَامٌ هُوَ ابْنُ حَسَّانٍ - عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَهُمْ عَمَّنْ قَالَ: لَا أَفْعَلُ أَمْرًا كَذَا حِينًا؟ فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: إنَّ مِنْ الْحِينِ مَا يُدْرَكُ وَمَا لَا يُدْرَكُ -: فَاَلَّذِي لَا يُدْرَكُ قَوْلُهُ : ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] . وَاَلَّذِي يُدْرَكُ قَوْله تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] فَأَرَاهُ مِنْ حِينِ تُثْمِرُ إلَى حِينِ تُصْرَمُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ -. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُدَّةً مَا فَلَهُ مَا نَوَى. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: الْحِينُ شَهْرَانِ، النَّخْلَةُ تَطْلُعُ السَّنَةَ كُلَّهَا إلَّا شَهْرَيْنِ.

стр. 2442

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ نا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْحِينُ قَدْ يَكُونُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ طَاوُوسٍ قَالَ: الزَّمَانُ شَهْرَانِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى: وَكَلَامُ رَسُولِهِ ﷺ فَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] فَهَذَا مُذْ خَلَقَ اللَّهُ مَبْدَأَ الْعَالَمِ إلَى خَلْقِ آدَمَ ﵇، وَنَسَمَ بَنِيهِ، وَإِلَى وَقْتِ نَفْخِ الرُّوحِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] فَهَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] فَهَذَا مُدَّةُ عُمْرِ الْإِنْسَانِ إلَى أَنْ يَمُوتَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] وَالْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إلَى التِّسْعِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] فَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَسَاءَ حِينًا، وَالْإِصْبَاحَ حِينًا، وَالظَّهِيرَةَ حِينًا. فَصَحَّ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ حَدَّ حَدًّا دُونَ حَدٍّ. وَوَجَدْنَا احْتِجَاجَهُمْ بِالنَّخْلَةِ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّنَا نُشَاهِدُهَا يَرْطُبُ مِنْهَا مَا كَانَ زَهْوًا، وَيُزْهَى مَا كَانَ بَسْرًا، وَيَبْسُرُ مِنْهَا مَا كَانَ بَلَحًا، وَيُبْلِحُ مِنْهَا مَا كَانَ طَلْعًا، فَفِي كُلِّ سَاعَةٍ تُؤْتِي أُكُلَهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ هُنَا تَخَالِيطُ عَظِيمَةٌ -: مِنْهَا - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا زَمَانًا، أَوْ الزَّمَانَ، أَوْ حِينًا أَوْ الْحِينَ، أَوْ مَلِيًّا، أَوْ طَوِيلًا، فَهُوَ كُلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُدَّةً مَا فَلَهُ مَا نَوَى - وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ مَلِيًّا: أَنَّهُ شَهْرٌ وَاحِدٌ.

стр. 2443

فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ دَهْرًا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَدْرِي مَا الدَّهْرُ؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: هُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. فَإِنْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُهُ الدَّهْرَ؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ عَلَى الْأَبَدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ. فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ إلَى بَعِيدٍ - فَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ شَهْرٌ وَيَوْمٌ: فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ إلَى قَرِيبٍ، فَهُوَ أَقَلُّ مِنْ شَهْرٍ. فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ عُمْرًا فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ وَاحِدٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُدَّةً مَا فَلَهُ مَا نَوَى. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَيَّامًا] ١١٥٨ - مَسْأَلَةٌ فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ طَوِيلًا، فَهُوَ مَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْمُدَدِ، فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَيَّامًا أَوْ جُمَعًا أَوْ شُهُورًا أَوْ سِنِينَ، أَوْ ذَكَرَ - كُلَّ ذَلِكَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ - فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَلَا يَحْنَثُ فِيمَا زَادَ، لِأَنَّهُ الْجَمْعُ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى التَّثْنِيَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١] . فَإِنْ قَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ -: كَثِيرَةٌ، فَهِيَ عَلَى أَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا " كَثِيرَ " إلَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْنَثَ أَحَدٌ إلَّا بِيَقِينٍ لَا مَجَالَ لِلشَّكِّ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَلَّا يُسَاكِنَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا مَعَهُ] ١١٥٩ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يُسَاكِنَ مَنْ كَانَ سَاكِنًا مَعَهُ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ قَرِيبِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَلْيُفَارِقْ الَّتِي هُوَ فِيهَا إلَى غَيْرِهَا، وَلَا يَحْنَثُ. فَإِنْ أَقَامَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فِيهَا أَنْ لَا يُسَاكِنَهُ فَلَمْ يُفَارِقْهُ حَنِثَ - فَإِنْ رَحَلَ كَمَا ذَكَرْنَا مُدَّةً - قَلَّتْ - أَوْ كَثُرَتْ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَحْنَثْ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ -: إنْ كَانَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ أَنْ يَرْحَلَ أَحَدُهُمَا إلَى بَيْتٍ آخَرَ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ رَحَلَ أَحَدُهُمَا إلَى أُخْرَى مُتَّصِلَةٍ بِهَا أَوْ مُتَنَابِذَةٍ أَوْ اقْتَسَمَا الدَّارَ - وَإِنْ كَانَا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ رَحَلَ أَحَدُهُمَا إلَى أُخْرَى - وَإِنْ كَانَا فِي مَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ خَرَجَ أَحَدُهُمَا عَنْ دُورِ الْقَرْيَةِ أَوْ دُورِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ رَحَلَ أَحَدُهُمَا بِجِسْمِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ تُطَابِقُ قَوْلَهُ فَلَهُ مَا

стр. 2444

نَوَى. وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا مُسَاكَنَةٌ وَغَيْرُ مُسَاكَنَةٍ، فَإِنْ فَارَقَ تِلْكَ الْحَالَ فَقَدْ فَارَقَ مُسَاكَنَتَهُ وَقَدْ بَرَّ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى أَكْثَرَ، لِأَنَّ النَّاسَ مَسَاكِنُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي سَاحَةِ الْأَرْضِ، وَفِي الْعَالَمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ١٣] . وَقَدْ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الرِّحْلَةَ عَنْ مَكَّةَ وَدَارِ الْكُفْرِ إلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَفَارَقَ وَطَنَ الْكُفْرِ وَأَكْثَرُهُمْ تَرَكَ أَهْلَهُ. وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ بِمَكَّةَ، وَفِي دَارِ قَوْمِهِ فَلَمْ يُخْرِجْهُمْ ذَلِكَ عَنْ الْهِجْرَةِ وَمُفَارَقَةِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ حَتَّى يَرْحَلَ بِأَكْثَرِ رَحِيلِهِ - وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِمَا رَوَى: «الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ» وَهَذَا لَا يُسْنَدُ؛ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ قَالَ إلَّا فِي رَحْلِ نَاقَتِهِ فَقَطْ لَا فِي رَحِيلِ مَنْزِلِهِ، بَلْ تَرَكَهُ بِمَكَّةَ بِلَا شَكٍّ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِجِسْمِهِ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ] ١١٦٠ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ فَأَكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَآخَرُ مَعَهُ لَمْ يَحْنَثْ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَ دَارًا يُسْكِنُهَا زَيْدٌ بَكْرًا [وَكَذَلِكَ] دَارًا بَيْنَ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ دَارًا يَسْكُنُهَا زَيْدٌ فَيَحْنَثَ، لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي الْأَيْمَانِ مَا تَعَارَفَهُ أَهْلُ تِلْكَ اللُّغَةِ فِي كَلَامِهِمْ الَّذِي بِهِ حَلَفَ، وَعَلَيْهِ حَلَفَ فَقَطْ - وَلَا يُطْلَقُ عَلَى طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَخَالِدٌ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، وَلَا عَلَى دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ أَنَّهَا لِأَحَدِ مَنْ هِيَ لَهُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَ لِأَحَدٍ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَوَهَبَ لَهُ أَكْثَرَ] ١١٦١ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَ لِأَحَدٍ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَوَهَبَ لَهُ أَكْثَرَ حَنِثَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْعَدَدَ الَّذِي سَمَّى فَقَطْ فَلَا يَحْنَثُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَجْمَعَهُ مَعَ فُلَانٍ سَقْفٌ] ١١٦٢ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَجْمَعَهُ مَعَ فُلَانٍ سَقْفٌ فَدَخَلَ بَيْتًا فَوَجَدَهُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ إذْ دَخَلَ أَنَّهُ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ، لَكِنْ لِيَخْرُجْ مِنْ وَقْتِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْحِنْثَ لَا يَلْحَقُ إلَّا قَاصِدًا إلَيْهِ، عَالِمًا بِهِ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا أَوْ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ فَاشْتَرَى شَحْمًا] ١١٦٣ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا أَوْ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ فَاشْتَرَى شَحْمًا، أَوْ

стр. 2445

كَبِدًا، أَوْ سَنَامًا، أَوْ مُصْرَانًا، أَوْ حَشْوَةً، أَوْ رَأْسًا، أَوْ أَكَارِعَ أَوْ سَمَكًا، أَوْ طَيْرًا، أَوْ قَدِيدًا: لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي اللُّغَةِ اسْمُ لَحْمٍ أَصْلًا، بَلْ كُلُّ لُغَوِيٍّ وَعَامِّيٍّ يَقُولُ فِي كُلِّ ذَلِكَ: لَيْسَ لَحْمًا وَلَا يُطْلَقُ عَلَى السَّمَكِ وَالطَّيْرِ اسْمُ لَحْمٍ إلَّا بِالْإِضَافَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَمَا قُلْنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ بِكُلِّ ذَلِكَ - وَاحْتَجَّ لَهُ مُقَلِّدُوهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ، ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ اسْمُ لَحْمٍ إلَّا بِالْإِضَافَةِ، كَمَا لَا يُطْلَقُ عَلَى " مَاءِ الْوَرْدِ " اسْمُ مَاءٍ إلَّا بِالْإِضَافَةِ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَجْمَعَهُ مَعَ فُلَانٍ سَقْفٌ أَنْ يَحْنَثَ وَلَا بُدَّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] . وَأَنْ يَقُولَ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَأَ بِضَوْءِ سِرَاجٍ، فَقَرَأَ بِضَوْءِ الشَّمْسِ: أَنْ يَحْنَثَ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] . وَأَنْ يَقُولُوا فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُلْقِيَ ثِيَابَهُ عَلَى وَتَدٍ فَأَلْقَاهَا عَلَى جَبَلٍ: أَنْ يَحْنَثَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧] وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا؟ فَصَحَّ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ، وَلَا يُخَالِفُونَنَا فِيمَنْ قَالَ لِآخَرَ: ابْتَعْ لِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ لَحْمًا؟ فَابْتَاعَ لَهُ بِهِ سَمَكًا، أَوْ دَجَاجَةً، أَوْ شَحْمًا، أَوْ رَأْسًا، أَوْ حَشْوَةً، أَوْ أَكَارِعَ: فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِلدِّرْهَمِ، وَإِنَّهُ قَدْ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَعَدَّى - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَحْمًا] ١١٦٤ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَحْمًا حَنِثَ بِأَكْلِ شَحْمِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، وَكُلِّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ شَحْمٍ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَحْضِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِشَحْمِ الْبَطْنِ وَحْدَهُ، وَلَا يَحْنَثُ بِشَحْمِ الظَّهْرِ.

стр. 2446

وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا حَنِثَ، وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمًا يَحْنَثُ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] قَالُوا: فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى شَحْمِ الْبَطْنِ خَاصَّةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا احْتِجَاجٌ مُحَالٌ عَنْ مَوْضِعِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ شَحْمَ الْبَطْنِ بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِمْ بِنَفْسِ هَذَا اللَّفْظِ لَكِنْ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فَبِهَذَا خَصَّ شَحْمَ الْبَطْنِ بِالتَّحْرِيمِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَحُرِّمَتْ الشُّحُومُ كُلُّهَا فَالْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ. وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيُّونَ بِأَنْ قَالُوا: حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمَ الْخِنْزِيرِ فَحَرَّمَ شَحْمَهُ، وَحَرَّمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ الشَّحْمَ فَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّحْمَ. وَقَالُوا: الشَّحْمُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ اللَّحْمِ وَلَيْسَ اللَّحْمُ مُتَوَلِّدًا مِنْ الشَّحْمِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ الِاحْتِجَاجَانِ فِي غَايَةِ التَّمْوِيهِ بِالْبَاطِلِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ لَمْ يُحَرَّمْ مِنْ أَجْلِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ، لَكِنْ بِبُرْهَانٍ آخَرَ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " بَابِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيُحَرَّمُ ". وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ مِنْ أَجْلِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا حَنِثَ - لَكَانَ تَحْرِيمُ لَبَنِ الْخِنْزِيرَةِ وَعَظْمِهَا عَلَى قَوْلِهِمْ مِنْ أَجْلِ تَحْرِيمِ لَحْمِهَا مُوجِبًا لِلْحِنْثِ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا فَشَرِبَ لَبَنًا وَلَا فَرْقَ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الشَّحْمَ تَوَلَّدَ مِنْ اللَّحْمِ، فَيُقَالُ لَهُمْ فَكَانَ مَاذَا؟ أَلَيْسَ اللَّحْمُ، وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدَيْنِ مِنْ الدَّمِ، وَالدَّمُ حَرَامٌ، وَهُمَا حَلَالَانِ؟ أَوَلَيْسَ الْخَمْرُ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْعَصِيرِ وَالْخَلُّ مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْخَمْرِ وَهِيَ حَرَامٌ، وَمَا تَوَلَّدَتْ مِنْهُ حَلَالٌ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا حَلَالٌ، فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رَأْسًا] ١١٦٥ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رَأْسًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطَّيْرِ، وَلَا رُءُوسِ السَّمَكِ، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رُءُوسِ الْغَنَمِ، وَالْمَاعِزِ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ مَوْضِعِهِ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الرُّءُوس فِي الْبَيْعِ وَالْأَكْلِ عَلَى رُءُوسِ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ لَمْ يَحْنَثْ

стр. 2447

بِأَكْلِهَا - وَإِنْ كَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا فِي الْبَيْعِ وَالْأَكْلِ اسْمَ الرُّءُوس حَنِثَ بِهَا، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْأَيْمَانَ إنَّمَا هِيَ عَلَى لُغَةِ الْحَالِفِ، وَمَعْهُودِ اسْتِعْمَالِهِ فِي كَلَامِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. أَلَا تَرَى: أَنَّ الْمِسْكَ دَمٌ جَامِدٌ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ دَمٍ حَلَّ وَلَمْ يَحْرُمْ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ بِيضًا] ١١٦٦ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ بِيضًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِأَكْلِ بَيْضِ الدَّجَاجِ خَاصَّةً وَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ بَيْضِ النَّعَامِ وَسَائِرِ الطَّيْرِ، وَلَا بِيضِ السَّمَكِ لِمَا ذَكَرْنَا؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ عِنَبًا فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ شَرِبَ عَصِيرًا] . ١١٦٧ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ عِنَبًا فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ شَرِبَ عَصِيرًا، أَوْ أَكَلَ رُبًّا أَوْ خَلًّا لَمْ يَحْنَثْ. وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ زَبِيبًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْعِنَبِ وَلَا بِشُرْبِ نَبِيذِ الزَّبِيبِ وَأَكْلِ خَلِّهِ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي التَّمْرِ، وَالرُّطَبِ، وَالزَّهْوِ، وَالْبَسْرِ، وَالْبَلَحِ، وَالطَّلْعِ وَالْمُنَكِّتِ، وَنَبِيذِ كُلِّ ذَلِكَ وَخَلِّهِ، وَذُو شَائِبَةٍ، وَنَاطِفَةٍ: لَا يَحْنَثُ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْهَا حَنِثَ بِأَكْلِ سَائِرِهَا - وَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ مَا يَشْرَبُ مِنْهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، لِأَنَّ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ، وَالْعَالَمُ كُلُّهُ بَعْضُهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ بَعْضٍ وَنَحْنُ مَخْلُوقُونَ مِنْ تُرَابٍ وَمَاءٍ. فَلَوْ أَنَّ امْرَأً حَلَفَ أَنْ لَا يُدْخِلَ فِي دَارِهِ حَيَوَانًا فَأَدْخَلَ التُّرَابَ وَالْمَاءَ لَمْ يَحْنَثْ بِلَا خِلَافٍ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ عِنَبًا فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ شَرِبَ عَصِيرًا حَنِثَ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخَلِّ - فَكَانَ هَذَا عَجَبًا جِدًّا، وَكَانَ احْتِجَاجُهُمْ لِهَذِهِ الْقَوْلَةِ أَعْجَبَ مِنْهَا، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: أَمْرُ الْخَلِّ بَعِيدٌ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَا مَعْنَى " بَعِيدٍ "؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ بَيْنَ الْعِنَبِ وَبَيْنَ الْخَلِّ دَرَجَتَيْنِ: الْعَصِيرَ، وَالْخَمْرَ؟

стр. 2448

قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَمَنْ الَّذِي جَعَلَ كَوْنَ دَرَجَتَيْنِ بَيْنَ الْخَلِّ وَالْعِنَبِ عِلَّةً فِي التَّحْلِيلِ؟ وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ الْفَاسِدِ - فَمَا زَادُونَا عَلَى أَنْ جَعَلُوا دَعْوَاهُمْ حُجَّةً لِدَعْوَاهُمْ وَقَدْ تَنَاقَضُوا مِنْ قُرْبٍ، فَحَنِثُوا مَنْ أَكَل جُبْنًا يَابِسًا وَقَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَبَنًا وَبَيْنَ الْجُبْنِ الْيَابِسِ وَاللَّبَنِ دَرَجَتَانِ، وَهُمَا الْعَقِيدُ، وَالْجُبْنُ الرَّطْبُ. فَإِنْ قَالُوا: كُلُّ ذَلِكَ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ؟ قُلْنَا: وَالْخَلُّ، وَالْعَصِيرُ، وَالْخَمْرُ: عَيْنٌ وَاحِدَةٌ، إلَّا أَنَّ أَحْكَامَهَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهَا وَلَا مَزِيدَ. وَكَذَلِكَ السَّمْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ دَرَجَتَانِ: الرَّائِبُ ثُمَّ الزُّبْدَةُ، وَقَدْ يُتْرَكُ الْعِنَبُ فِي الظُّرُوفِ مِنْ أَيَّامِهِ إلَى أَيَّامِ الرَّبِيعِ ثُمَّ يُعْصَرُ خَلًّا مَحْضًا؟ [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَبَنًا] ١١٦٨ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَبَنًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ اللِّبَإِ وَلَا بِأَكْلِ الْعَقِيدِ، لَا الرَّائِبِ، وَلَا الزُّبْدِ، وَلَا السَّمْنِ، وَلَا الْمَخِيضِ، وَلَا الْمَيْسِ، وَلَا الْجُبْنِ - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ، وَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا لِاخْتِلَافِ أَسْمَاءِ كُلِّ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ خُبْزًا فَأَكَلَ كَعْكًا] ١١٦٩ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ خُبْزًا فَأَكَلَ كَعْكًا أَوْ بشماطا أَوْ حَرِيرَةً، أَوْ عَصِيدَةً، أَوْ حَسْوَ فَتَاةٍ، أَوْ فَتِيتًا لَمْ يَحْنَثْ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ قَمْحًا فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي خُبْزِهِ حَنِثَ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِأَكْلِهِ صِرْفًا - وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ هَرِيسَةٍ، وَلَا أَكْلِ حَشِيشٍ، وَلَا سَوِيقٍ وَلَا أَكْلِ فَرِيكٍ، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ اسْمُ قَمْحٍ - وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ تِينًا حَنِثَ بِالْأَخْضَرِ وَالْيَابِسِ، لِأَنَّ اسْمَ التِّينِ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ شَرَابًا] ١١٧٠ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ شَرَابًا فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ حَمَلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حَنِثَ بِالْخَمْرِ، وَبِجَمِيعِ الْأَنْبِذَةِ، وَبِالْجَلَّابِ، وَالسَّكَنْجِينِ، وَسَائِرِ الْأَشْرِبَةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ شَرَابٍ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ. وَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ، وَلَا بِشُرْبِ الْمَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ شَرَابٍ - وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَبَنًا فَشَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ - وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهُ.

стр. 2449

وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ الْمَاءَ يَوْمَهُ هَذَا فَأَكَلَ خُبْزًا مَبْلُولًا بِالْمَاءِ لَمْ يَحْنَثْ - وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا وَلَا زَيْتًا فَأَكَلَ خُبْزًا مَعْجُونًا بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ زَيْتًا وَلَا سَمْنًا. وَلَوْ حَنِثَ فِي هَذَا لَحَنِثَ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ يَوْمَهُ هَذَا مَاءً فَأَكَلَ خُبْزًا، لِأَنَّهُ بِالْمَاءِ عُجِنَ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامٍ طُبِخَ بِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَا ظَاهِرَيْنِ فِيهِ لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ عَنْهُمَا فَيَحْنَثُ حِينَئِذٍ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِلْحًا فَأَكَلَ طَعَامًا مَعْمُولًا بِالْمِلْحِ، وَخُبْزًا مَعْجُونًا بِهِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِلْحًا؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ ذَرَّ عَلَيْهِ الْمِلْحَ حَنِثَ، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ خَلًّا فَأَكَلَ طَعَامًا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُ الْخَلِّ مُتَمَيِّزًا حَنِثَ، لِأَنَّهُ هَكَذَا يُؤْكَلُ الْخَلُّ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ هَذَا الشَّيْءَ بِدِينَارٍ] ١١٧١ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ هَذَا الشَّيْءَ بِدِينَارٍ فَبَاعَهُ بِدِينَارٍ غَيْرَ فَلْسٍ فَأَكْثَرَ، أَوْ بِدِينَارٍ وَفَلْسٍ فَصَاعِدًا لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَائِعًا لَهُ بِدِينَارٍ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ حَقَّهُ رَأْسَ الْهِلَالِ] ١١٧٢ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ حَقَّهُ رَأْسَ الْهِلَالِ فَإِنَّهُ إنْ قَضَاهُ حَقَّهُ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ، أَوْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ رَأْسُ الْهِلَالِ فِي اللُّغَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ فِي اللَّيْلَةِ أَوْ الْيَوْمِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى قَضَائِهِ ذَاكِرًا حَنِثَ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ لَا يُزَوِّجَ وَلِيَّتَهُ فَأَمَرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ] ١١٧٣ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ أَمْرَ كَذَا، أَوْ لَا يُزَوِّجَ وَلِيَّتَهُ، أَوْ أَنْ لَا يَضْرِبَ عَبْدَهُ، أَوْ أَنْ لَا يَبْنِيَ دَارِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَأَمَرَ مَنْ فَعَلَ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى الشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَالْبِنَاءَ، وَالضَّرْبَ، أَوْ فِعْلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ - وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ ذَلِكَ حَنِثَ بِأَمْرِهِ مَنْ يَفْعَلُهُ، لِأَنَّهُ هَكَذَا يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ الْخَبَرُ عَنْ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا وَلَا يَحْنَثُ فِي أَمْرِ غَيْرِهِ بِالزَّوَاجِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ فَإِذَا لَمْ يُزَوِّجْهَا وَأَمَرَ غَيْرَهُ فَلَمْ يُزَوِّجْهَا هُوَ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَلَّا يَبِيعَ عَبْدَهُ فَبَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا] ١١٧٤ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَبِيعَ عَبْدَهُ فَبَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ أَصْدَقَهُ، أَوْ أَجَرَهُ، أَوْ بِيعَ عَلَيْهِ فِي حَقٍّ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا بَيْعًا.

стр. 2450

وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ حَرَامٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَلَا شَكَّ عِنْدَ مَنْ دِمَاغُهُ صَحِيحٌ فِي أَنَّ الْحَرَامَ غَيْرُ الْحَلَالِ، فَإِنْ بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا لَمْ يَحْنَثْ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَوْضِعَيْهِمَا، فَإِنْ تَفَرَّقَا - وَهُوَ مُخْتَارٌ ذَاكِرٌ -: حَنِثَ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بَاعَ، لِمَا نَذْكُرُ فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ الْيَوْمَ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ] ١١٧٥ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ الْيَوْمَ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ فِي صَلَاةٍ، أَوْ غَيْرِ صَلَاةٍ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَحْنَثْ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ» وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ٢٣] ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] . فَصَحَّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ قَوْلَ الْبَشَرِ، وَأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَيَصْلَى سَقَرَ - فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا اسْمُ كَلَامٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [كَفَّارَاتُ الْأَيْمَانِ] [مَسْأَلَةٌ حَنِثَ بِمُخَالَفَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ] كَفَّارَاتُ الْأَيْمَانِ ١١٧٦ - مَسْأَلَةٌ مَنْ حَنِثَ بِمُخَالَفَةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْحِنْثِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ] ١١٧٧ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ أَنْ يَحْنَثَ أَيَّ الْكَفَّارَاتِ لَزِمَتْهُ: مِنْ الْعِتْقِ، أَوْ الْكِسْوَةِ، أَوْ الْإِطْعَامِ، أَوْ الصِّيَامِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَمَّا الْعِتْقُ، أَوْ الْكِسْوَةُ، أَوْ الْإِطْعَامُ، فَيُجْزِئُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الْحِنْثِ - وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّينَ: أَنَّ الْعِتْقَ، وَالْكِسْوَةَ، وَالْإِطْعَامَ: مِنْ فَرَائِضِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَمْوَالُ

стр. 2451

مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، وَحُقُوقُ النَّاسِ جَائِزٌ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ آجَالِهَا - وَأَمَّا الصَّوْمُ فَمِنْ فَرَائِضِ الْأَبَدَانِ، وَفَرَائِضُ الْأَبَدَانِ لَا يُجْزِئُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ أَوْقَاتِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ فَاسِدَةٌ، وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ تَعْجِيلَ أَمْوَالِ النَّاسِ إنَّمَا تَجِبُ بِرِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَعًا، لَا بِرِضَا أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَجِبُ أَيْضًا فِيمَا هُوَ حَقٌّ لِلْإِنْسَانِ بِعَيْنِهِ فَتَرَاضَى هُوَ وَغَرِيمُهُ عَلَى تَقْدِيمِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ إسْقَاطِهِ أَوْ إسْقَاطِ بَعْضِهِ. وَأَمَّا كُلُّ مَا لَيْسَ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَقْتُهُ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ، وَلَيْسَ هَهُنَا مَالِكٌ بِعَيْنِهِ يَصِحُّ رِضَاهُ فِي تَقْدِيمِهِ، لَا فِي تَأْخِيرِهِ، وَلَا فِي إسْقَاطِهِ، وَلَا فِي إسْقَاطِ بَعْضِهِ وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ فِيهِ إلَّا مَا حُدَّ لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] . وَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا: إنَّ حُقُوقَ النَّاسِ يَجُوزُ فِيهَا التَّأْخِيرُ وَالْإِسْقَاطُ، فَهَلْ يَجُوزُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْإِسْقَاطُ، أَوْ التَّأْخِيرُ إلَى أَجَلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ؟ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً. وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ: فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا هَهُنَا فَقَدْ تَنَاقَضُوا جِدًّا لِأَنَّهُمْ أَجَازُوا تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ إثْرَ الْيَمِينِ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ. وَلَمْ يُجِيزُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ إثْرَ كَسْبِ الْمَالِ لَكِنْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِشَهْرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا أَجَازُوا تَقْدِيمَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إثْرَ ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ لَكِنْ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ فَأَقَلَّ فَقَطْ. وَلَمْ يُجِيزُوا تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَصْلًا، وَلَا بِسَاعَةٍ قَبْلَ مَا يُوجِبُهَا عِنْدَهُمْ مِنْ إرَادَةِ الْوَطْءِ، وَلَا أَجَازُوا تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَإِ قَبْلَ مَا يُوجِبُهَا مِنْ مَوْتِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِطَرْفَةِ عَيْنٍ، وَلَا كَفَّارَةِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ قَتْلِهِ. وَأَجَازُوا إذْنَ الْوَرَثَةِ لِلْمُوصِي فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُمْ الْمَالُ بِمَوْتِهِ، فَظَهَرَ تَنَاقُضُ أَقْوَالِهِمْ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.

стр. 2452

وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَتَنَاقَضُوا أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ، لِأَنَّهُمْ أَجَازُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَتَقْدِيمَ زَكَاةِ الزَّرْعِ إثْرَ زَرْعِهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَجَازُوا تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جِرَاحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ - وَتَقْدِيمَ كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَإِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ. وَلَمْ يُجِيزُوا لِلْوَرَثَةِ الْإِذْنَ فِي الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ قَبْلَ وُجُوبِ الْمَالِ لَهُمْ بِالْمَوْتِ - وَلَا أَجَازُوا إسْقَاطَ الشَّفِيعِ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ عَرْضِ شَرِيكِهِ أَخْذَ الشِّقْصِ عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُوبِ أَخْذِهِ لَهُ بِالْبَيْعِ؛ فَظَهَرَ تَخْلِيطُهُمْ وَسُخْفُ أَقْوَالِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَعُوذُ مِنْ الْخِذْلَانِ. وَكُلُّهُمْ لَا يُجِيزُ الِاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَلَا قَضَاءَ دَيْنٍ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَلَا صَلَاةَ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا، وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا الْمَانِعِينَ مِنْ تَقْدِيمِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ وَقْتٌ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِالْحِنْثِ، وَهِيَ فَرْضٌ بَعْدَ الْحِنْثِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَتَقْدِيمُهَا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ تَطَوُّعٌ لَا فَرْضٌ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُجْزِئَ التَّطَوُّعُ عَنْ الْفَرْضِ. وَقَالُوا: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَالدَّلَائِلُ هَهُنَا تَكْثُرُ جِدًّا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَدِلَّةٌ صِحَاحٌ؛ وَنَحْنُ مُوَافِقُونَ لَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ قَبْلَ وَقْتِهِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَجَائِزٌ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ، لَكِنْ بَعْدَ إرَادَةِ الْحِنْثِ وَلَا بُدَّ. وَالثَّانِي: إسْقَاطُ الشَّفِيعِ حَقَّهُ بَعْدَ عَرْضِ الشَّفِيعِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ أَوْ يَتْرُكَ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَإِسْقَاطُهُ حَقَّهُ حِينَئِذٍ لَازِمٌ لَهُ فَقَطْ. وَإِنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ لِلنُّصُوصِ الْمُخْرِجَةِ لِهَذَيْنِ الشَّرْعَيْنِ عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الشَّرِيعَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ وَافَقَنَا هَهُنَا فِي تَصْحِيحِ قَوْلِنَا بِأَنْ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . قَالَ: فَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِ الْيَمِينِ.

стр. 2453

قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لَنَا فِي هَذَا، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقِّنُ: عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْنَثْ فَلَا كَفَّارَةَ تَلْزَمُهُ، فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِي الْآيَةِ حَذْفًا بِلَا خِلَافٍ وَأَنَّهُ: فَأَرَدْتُمْ الْحِنْثَ، أَوْ حَنِثْتُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى مِنْهُمْ فِي أَنَّ الْمَحْذُوفَ هُوَ " فَأَرَدْتُمْ الْحِنْثَ " لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبُرْهَانٍ، فَوَجَبَ طَلَبُ الْبُرْهَانِ فِي ذَلِكَ -: فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ نا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا عَفَّانَ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ هُوَ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ [قَالَ] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .

стр. 2454

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ أَحْكَامِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْدِيمَ الْحِنْثِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ. وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحِنْثِ وَالْكَفَّارَةِ بِوَاوِ الْعَطْفِ الَّتِي لَا تُعْطِي رُتْبَةً - هَكَذَا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا تَحِلُّ مُخَالَفَةُ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، فَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ الْحَذْفَ الَّذِي فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَرَدْتُمْ الْحِنْثَ أَوْ حَنِثْتُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ رَبِّهِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَلْيُكَفِّرْ ثُمَّ لِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» هُوَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] . قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَلَفْظَةُ " ثُمَّ " فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لَا تُوجِبُ تَعْقِيبًا، بَلْ هِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ مَا عَطَفَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ " بِثُمَّ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا -: أَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فَإِنَّ نَصَّ الْآيَاتِ هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] . وَقَدْ ذَكَرْنَا «قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ الْخَيْرِ» فَصَحَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَظِيمُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي قَبُولِهِ كُلَّ عَمَلِ بِرٍّ عَمِلُوهُ فِي كُفْرِهِمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَالْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى سَائِرِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَبُولِهِ تَعَالَى أَعْمَالَ مَنْ آمَنَ ثُمَّ عَمِلَ الْخَيْرَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 2455

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] فَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا لِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ قَوْلُهُ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] . فَصَحَّ أَنَّ الصِّرَاطَ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ وَأَتَانَا بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ صِرَاطُ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ مُوسَى بِلَا شَكٍّ ثُمَّ آتَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى الْكِتَابَ، فَهَذَا تَعْقِيبٌ بِمُهْلَةٍ لَا شَكَّ فِيهِ. فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] فَعَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَنْفُسَنَا وَصَوَّرَهَا، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعَهْدَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَسَجَدَ الْمَلَائِكَةَ لِآدَمَ ﵇، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ - ثُمَّ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ عَنْ ظَاهِرِهَا، أَوْ كَانَتْ " ثُمَّ " لِغَيْرِ التَّعْقِيبِ فِيهَا لَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِغَيْرِ التَّعْقِيبِ حَيْثُمَا وُجِدَتْ، لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ بِدَلِيلٍ فِي مَوْضِعٍ مَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ - وَهَذَا مِنْ تَمْوِيهِهِمْ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ إلَّا فِي تَحْيِيرِ مَنْ لَمْ يُمْعِنْ النَّظَرَ فِي أَوَّلِ مَا يَفْجَئُونَهُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -: وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ كَانَا يُكَفِّرَانِ قَبْلَ الْحِنْثِ. وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ دَعَا غُلَامًا لَهُ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ حَنِثَ، فَصَنَعَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ. وَبِهِ إلَى ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَزْهَرُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ: كَانَ يُكَفِّرُ قَبْلَ الْحِنْثِ -: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَالْحَسَنِ، وَرَبِيعَةَ، وَسُفْيَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ،
следующие страницы →