← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

عِنْدَهُمْ مُمْكِنٌ فِي الْمُشَاعِ حَيْثُ اشْتَهَوْا، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَالْقَبْضُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْمُشَاعِ حَيْثُ لَمْ يُشْتَهَوْا، وَهُوَ الرَّهْنُ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَيُقَالُ لَهُمْ: كَمَا يُقْبَضُ فِي الْبَيْعِ كَذَلِكَ يُقْبَضُ فِي الرَّهْنِ وَلَا فَرْقَ [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ] ١٢١٢ - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ -: هُوَ أَنْ يُطْلِقَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ نَقَلَهُ إلَى نَفْسِهِ، وَمَا كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ أُطْلِقَتْ يَدُهُ عَلَى ضَبْطِهِ، كَمَا يَفْعَلُ فِي الْبَيْعِ، وَمَا كَانَ مُشَاعًا كَانَ قَبْضُهُ لَهُ كَقَبْضِ صَاحِبِهِ لِحِصَّتِهِ مِنْهُ مَعَ شَرِيكِهِ، وَلَا فَرْقَ وَلَوْ كَانَ الْقَبْضُ لَا يَصِحُّ فِي الْمُشَاعِ لَكَانَ الشَّرِيكَانِ فِيهِ غَيْرَ قَابِضَيْنِ لَهُ، وَلَوْ كَانَا غَيْرَ قَابِضَيْنِ لَهُ لَكَانَ مُهْمَلًا لَا يَدَ لِأَحَدِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يُكَذِّبُهُ الدَّيْنُ، وَالْعِيَانُ -: أَمَّا الدَّيْنُ: فَتَصَرُّفُهُمَا فِيهِ تَصَرُّفُ ذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ - وَأَمَّا الْعِيَانُ: فَكَوْنُهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مُدَّةٌ يَتَّفِقَانِ فِيهَا، أَوْ عِنْدَ مَنْ يَتَّفِقَانِ عَلَى كَوْنِهِ عِنْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الرَّهْنُ جَائِزٌ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ] ١٢١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالرَّهْنُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ: كَالْحُرِّ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالسِّنَّوْرِ، وَالْكَلْبِ، وَالْمَاءِ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ لِيَنْتَصِف إنْ مَطَلَ، وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِصَافُ لِلْغَرِيمِ إلَّا مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَةٌ مَنَافِعُ الرَّهْنِ] ١٢١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنَافِعُ الرَّهْنِ كُلُّهَا لَا تَحَاشٍ مِنْهَا شَيْئًا لِصَاحِبِهِ الرَّاهِنِ لَهُ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الرَّهْنِ وَلَا فَرْقَ - حَاشَا رُكُوبِ الدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ، وَحَاشَا لَبَنِ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ، فَإِنَّهُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ كَمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يُضَيِّعَهُمَا فَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا. وَيُنْفِقُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ: رُكُوبُ الدَّابَّةِ، وَلَبَنُ الْحَيَوَانِ، بِمَا أَنْفَقَ لَا يُحَاسَبُ بِهِ مِنْ دَيْنِهِ كَثُرَ ذَلِكَ أَمْ قَلَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»

стр. 2487

وَحَكَمَ ﵇ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ وَمِلْكُ الشَّيْءِ الْمُرْتَهَن بَاقٍ لِرَاهِنِهِ بِيَقِينِ وَبِإِجْمَاعِ لَا خِلَافَ فِيهِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ، فَحَقُّ الرَّهْنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يُنْقَلُ مِلْكُ الرَّاهِنِ عَنْ الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ لَا يُوجِبُ حُدُوثَ حُكْمٍ فِي مَنْعِهِ مَا لِلْمَرْءِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ بِذَلِكَ، فَلَهُ الْوَطْءُ، وَالِاسْتِخْدَامُ، وَالْمُؤَاجَرَةُ، وَالْخِيَاطَةُ، وَأَكْلُ الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ، وَالْوَلَدُ الْحَادِثُ، وَالزَّرْعُ، وَالْعِمَارَةُ، وَالْأَصْوَافُ الْحَادِثَةُ، وَالسُّكْنَى، وَسَائِرُ مَا لِلْمَرْءِ فِي مِلْكِهِ، إلَّا كَوْنَ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَقَطْ، بِحَقِّ الْقَبْضِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَلَا مَزِيدَ. وَأَمَّا الرُّكُوبُ، وَالِاحْتِلَابُ خَاصَّةً، لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَى الْمَرْكُوبِ، وَالْمَحْلُوبِ -: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ: النَّفَقَةُ» وَالنَّصُّ قَدْ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الْأَمْوَالِ عَلَى غَيْرِ مَنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَالرَّهْنُ بِلَا شَكٍّ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَدَا الرَّاهِنِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الِارْتِهَانِ، فَدَخَلَ بِهِ فِي هَذَا الْعُمُومِ وَخَرَجَ مِنْهُ مَنْ عَدَاهُ بِالنَّصِّ الْآخَرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا فَإِنَّهُ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ، وَالْمَعْقُولَ -: أَمَّا الْقُرْآنُ، وَالسُّنَنُ فَمَنْعُهُ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ مَنَافِعِ مَالِهِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فَقَدْ أَطْلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وَطْءِ أَمَتِهِ، وَلَمْ يَخُصَّ غَيْرَ مَرْهُونَةٍ مِنْ مَرْهُونَةٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]

стр. 2488

وَأَمَّا خِلَافُ الْمَعْقُولِ -: فَإِنَّنَا نَسْأَلُ مَنْ خَالَفَنَا هَاهُنَا عَنْ الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ أَتُؤَاجَرُ وَيُصْلِحُ مَا هِيَ فِيهَا، أَمْ تُهْمَلُ وَتَضِيعُ وَيَخْرُجُ الْمُسْتَأْجِرُ لَهَا عَنْهَا؟ وَعَنْ الْأَرْضِ الْمَرْهُونَةِ، أَتُحْرَثُ وَتُزْرَعُ، أَمْ تُهْمَلُ وَتُضَاعُ؟ وَعَنْ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ أَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيُسْتَغَلُّ، أَمْ يَضِيعُ حَتَّى يَهْلَكَ؟ وَعَنْ الْأَشْجَارِ الْمَرْهُونَةِ لِمَنْ تَكُونُ غَلَّتُهَا؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَضِيعُ -: خَالَفُوا الْإِجْمَاعَ، وَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» . وَإِنْ قَالُوا: لَا يَضِيعُ؟ قُلْنَا: فَالْمَنَافِعُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَاللَّبَنِ، وَالْوَلَدِ، وَالصُّوفِ، وَالثَّمَرَةِ لِمَنْ تَكُونُ؟ فَإِنْ قَالُوا: تَكُونُ دَاخِلًا فِي الرَّهْنِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ إدْخَالُ مَالٍ مِنْ مَالِهِ فِي رَهْنٍ لَمْ يَتَعَاقَدَا قَطُّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيهِ؟ وَمَنْ أَمَرَ بِهَذَا؟ فَلَا سَمْعَ لَهُ وَلَا طَاعَةَ وَلَا نَعْمَى عَيْنٍ، لِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَهَذَا تَحْرِيمُ مَالِهِ عَلَيْهِ وَإِبَاحَتُهُ لِغَيْرِهِ - وَهَذَا بَاطِلٌ مُتَيَقَّنٌ. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلُ قَوْلِنَا -: وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: صَاحِبُ الرَّهْنِ يَرْكَبُهُ، وَصَاحِبُ الدَّرِّ يَحْلُبُهُ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ وَأَنَّهُ قَالَ: الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ، وَمَحْلُوبٌ بِعَلَفِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: فِيمَنْ ارْتَهَنَ شَاةً ذَاتَ لَبَنٍ؟ قَالَ: يَشْرَبُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ لَبَنِهَا بِقَدْرِ ثَمَنِ عَلَفِهَا، فَإِنْ اسْتَفْضَلَ مِنْ اللَّبَنِ بَعْدَ ثَمَنِ الْعَلَفِ فَهُوَ رِبًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ إبْرَاهِيمَ لَا نَقُولُ بِهَا، وَعُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي عِمْرَانَ ﵀ بِرَأْيِهِ. وَلَا مُخَالِفَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ هَاهُنَا مِنْ الصَّحَابَةِ نَعْلَمُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جَمِيعُ مَنَافِعِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ كَمَا كَانَتْ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ بِذَلِكَ - وَبِقَوْلِنَا فِي الرُّكُوبِ، وَالْحَلْبِ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ الِاسْتِخْدَامَ وَلَا

стр. 2489

نَقُولُ بِهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ النَّصُّ، وَالْقِيَاسُ لَا يُسْتَحَلُّ بِهِ الْمُحَرَّمُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَقَالَ إِسْحَاقُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَنْتَفِعُ الرَّاهِنُ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا بِالدَّرِّ - وَهَذَا قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فِي الدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ وَالْعَرُوضِ - وَهَذَا قَوْلٌ لَا بُرْهَانٍ عَلَى صِحَّتِهِ، وَتَقْسِيمٌ فَاسِدٌ، وَشَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُ، وَمُنَاقَضَةٌ. وَأَتَى بَعْضُهُمْ بِغَرِيبَةِ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ فِي الْعَرُوضِ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً؟ فَقِيلَ لَهُ: وَهُوَ فِي الْعَقَارِ كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ مُؤَاجَرَةِ الرَّهْنِ، وَمِنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ - ثُمَّ تَنَاقَضُوا مِنْ قُرْبٍ فَأَبَاحُوا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَأَنْ يُعِيرَهُ إيَّاهُ الْمُرْتَهِنُ، وَلَمْ يَرَوْهُ بِذَلِكَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ - وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِتَعَرِّيه مِنْ الْبُرْهَانِ، وَلِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ قَبْلَهُ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ الْمَنَافِعُ لِلرَّاهِنِ كَمَا كَانَتْ فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِلرَّهْنِ؟ قُلْنَا: أَعْظَمُ الْفَائِدَةِ -: أَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَالْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَالْأَجْرُ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا، فَلِأَنَّ الرَّاهِنَ إنْ مَطَلَ بِالْإِنْصَافِ بِيعَ الرَّهْنُ وَتَعَجَّلَ الْمُرْتَهِنُ الِانْتِصَافَ مِنْ حَقِّهِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ تُرِيدُونَ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْفَائِدَةِ؟ وَنَقُولُ لَهُمْ: أَنْتُمْ تُوَافِقُونَنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْقَمْحُ بِالْقَمْحِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا؟ وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ - وَهَذِهِ اعْتِرَاضَاتٌ بِسُوءِ الظَّنِّ بِصَاحِبِهَا وَلَيْسَ إلَّا الِائْتِمَارُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ . قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَقَالَ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَاعْتَرَضَ بَعْضُ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَوْرَدْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِهِ

стр. 2490

- ﵇: «الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ» فَقَالَ: هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهَا وَتُرْكَبُ» قَالَ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُقَدَّمُ: فَإِذْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا وَبِالنَّهْيِ عَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْجُرْأَةِ، أَوَّلُ ذَلِكَ -: إنَّ هَذَا خَبَرٌ لَيْسَ مُسْنَدًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَيْضًا: فَإِنَّ فِيهِ لَفْظًا مُخْتَلِفًا لَا يُفْهَمُ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُهَا وَتُرْكَبُ» ، وَحَاشَا اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَأْمُورِ بِالْبَيَانِ لَنَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنْ هُشَيْمٍ، فَالتَّخْلِيطُ مِنْ قِبَلِهِ، لَا مِنْ قِبَلِ هُشَيْمٍ فَمَنْ فَوْقَهُ، لِأَنَّ حَدِيثَ هُشَيْمٍ هَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الَّذِي هُوَ أَحْفَظُ النَّاسِ لِحَدِيثِ هُشَيْمٍ وَأَضْبَطُهُمْ لَهُ فَقَالَ: نا هُشَيْمٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ فِيمَا زَعَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الرَّهْنُ يُرْكَبُ وَيُعْلَفُ، وَلَبَنُ الدَّرِّ إذَا كَانَ مَرْهُونًا يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُهُ النَّفَقَةُ وَالْعَلَفُ» . وَأَمَّا قَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ: فَإِذْ ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الرِّبَا وَبِالنَّهْيِ عَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً -: فَقَدْ كَذَبَ، وَأَفِك، وَمَا لِلرِّبَا هَاهُنَا مَدْخَلٌ أَصْلًا وَلَوْ أَنَّهُمْ اتَّقُوا الرِّبَا لَمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ جِهَارًا إذْ أَبَاحُوا التَّمْرَتَيْنِ بِالْأَرْبَعِ تَمَرَات، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْبَعُ أَكْبَرَ جِسْمًا، وَأَثْقَلِ وَزْنًا. وَإِذْ أَبَاحَ بَعْضُهُمْ دِرْهَمًا فِيهِ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ بِدِرْهَمِ فِيهِ دِرْهَمٌ غَيْرُ ثَمَنٍ. وَإِذْ أَبَاحُوا كُلُّهُمْ أَلْفَ دِرْهَمٍ حَاضِرَةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ غَائِبَةٍ فِي الذِّمَّةِ. فَهَذَا هُوَ الرِّبَا حَقًّا

стр. 2491

لَا انْتِفَاعُ الرَّاهِنِ بِمَالِهِ وَلَا انْتِفَاعُ الْمُرْتَهِنِ بِالدَّرِّ، وَالرُّكُوبِ الْمُبَاحَيْنِ لَهُ بِالنَّصِّ مِنْ أَجْلِ نَفَقَتِهِ عَلَى الْمَرْكُوبِ وَالْمَحْلُوبِ. وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ صَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَنْتَفِعَ الرَّاهِنُ مِنْ رَهْنِهِ بِشَيْءِ؟ قَالُوا: وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَتْرُكْهُ إلَّا لِفَضْلِ عِلْمٍ عِنْدَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِنْ أَسْخَفِ مَا يَأْتُونَ بِهِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ فِي بِلَادِهِمْ بَعْضَ الْعُذْرِ لَهُمْ، إذْ يَحْتَجُّونَ بِتَرْكِ الصَّاحِبِ لِمَا رُوِيَ حَتَّى أَتَوْنَا بِتَرْكِ السُّنَّةِ مِنْ أَجَلِ تَرْكِ الشَّعْبِيُّ لَهَا. وَقَدْ أَوْرَدْنَا أَخْذَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَئِنْ مَشَوْا هَكَذَا، لِيَكُونَنَّ تَرْكُ مَالِكٍ لِلْأَخْذِ بِمَا رُوِيَ حُجَّةً عَلَى الْحَنَفِيِّينَ فِي أَخْذِهِمْ بِهِ، وَلَيَكُونَنَّ تَرْكُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ الْحَدِيثِ حُجَّةً عَلَى الْمَالِكِيِّينَ فِي أَخْذِهِمْ بِهِ، وَهَكَذَا سُفْلًا حَتَّى يَكُونَ تَرْكُ كُلِّ أَحَدٍ لِلْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إذَا بَلَغَهُ حُجَّةً قَاطِعَةً فِي رَدِّهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ إبْلِيسَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ، وَلَا كَرَامَةَ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ هُوَ ﵇ الْحُجَّةُ عَلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَأَسْلَمُ الْوُجُوهِ لِمَنْ خَالَفَ مَا رُوِيَ عَنْ صَاحِبٍ فَمَنْ دُونَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ خَاصَّةً أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ النِّسْيَانُ أَوْ التَّأْوِيلُ الَّذِي أَخْطَئُوا فِيهِ قَاصِدِينَ لِلْخَيْرِ، فَيُؤْجَرُونَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا مَنْ أَقْدَمَ عَلَى مَا صَحَّ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ اعْتَقَدَ جَوَازَ مُخَالَفَتِهِ ﵇ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَهُوَ فَاسِقٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَشُرَيْحٍ: أَنْ لَا يَنْتَفِعَ الْمُرْتَهِنُ بِشَيْءِ مِنْ الرَّهْنِ - وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعٌ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَعَنْ شُرَيْحٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ. بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ: لَا يَنْتَفِعُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ - وَهَذَا صَحِيحٌ إنْ كَانُوا عَنَوْا الْمُرْتَهِنَ وَبِهِ نَقُولُ إلَّا الْحَلْبَ، وَالرُّكُوبَ إنْ أَنْفَقَ فَقَطْ، وَإِلَّا فَلَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2492

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: نَفَقَةُ الرَّهْنِ عَلَى رَاهِنِهِ - وَهَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ مَالُهُ، إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ قَالُوا: إنْ مَرِضَ الرَّقِيقُ الْمَرْهُونُ، أَوْ أَصَابَتْ الْعَبْدَ جِرَاحَةٌ، أَوْ دَبَّرَتْ الدَّوَابُّ الْمَرْهُونَةُ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ، وَقِيمَةُ الرَّهْنِ سَوَاءً، فَالْعِلَاجُ كُلُّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَالْعِلَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ بِحِسَابِ ذَلِكَ. وَهَذَا كَلَامٌ يُشْبِهُ الْهَذَيَانَ إلَّا أَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْهَذَيَانِ، لِأَنَّهُ عَلَى حُكْمٍ فِي الدَّيْنِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهَا قَبْلَهُ، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِيهَا بِقُرْآنِ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا بِرِوَايَةِ ضَعِيفَةٍ، وَلَا بِقِيَاسِ، وَلَا بِرَأْيِ سَدِيدٍ، وَلَا بِقَوْلِ مُتَقَدِّمٍ. [مَسْأَلَةٌ مَوْت الرَّهْن وَتَلَفُهُ] ١٢١٥ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ مَاتَ الرَّهْنُ، أَوْ تَلِفَ، أَوْ أَبِقَ، أَوْ فَسَدَ، أَوْ كَانَتْ أَمَةٌ فَحَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، أَوْ أَعْتَقَهَا، أَوْ بَاعَ الرَّهْنَ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَصْدَقَهُ -: فَكُلُّ ذَلِكَ نَافِذٌ، وَقَدْ بَطَلَ الرَّهْنُ وَبَقِيَ الدَّيْنُ كُلُّهُ بِحَسْبِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ الرَّاهِنُ عِوَضًا مَكَانَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُكَلَّفُ الْمُعْتَقُ وَلَا الْحَامِلُ اسْتِسْعَاءً، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ أَيْنَ يُنْصِفُ غَرِيمَهُ غَيْرَهُ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهُ؛ وَصَدَقَتُهُ، وَهِبَتُهُ - وَلَا يَبْطُلُ بَيْعُهُ وَلَا إصْدَاقُهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ نا إسْرَائِيلُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ الضَّبِّيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ رَهَنَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ؟ قَالَ: الْعِتْقُ جَائِزٌ، وَيَتْبَعُ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ، قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْت الْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ يَقُولُ فِيمَنْ رَهَنَ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَهُ: الْعِتْقُ جَائِزٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الدَّيْنَ قَدْ ثَبَتَ فَلَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ إلَّا نَصُّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ، فَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِ إبْطَالِهِ فِيهِمَا. وَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ عِوَضٍ وَلَا اسْتِسْعَاءٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَالذِّمَمُ بَرِيئَةٌ إلَّا بِنَصِّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ. فَأَمَّا الْعِتْقُ، وَالْبَيْعُ، وَالْهِبَةُ، وَالْإِصْدَاقُ، وَالصَّدَقَةُ؛ فَإِنَّ الرَّهْنَ مَالُ الرَّاهِنِ بِلَا خِلَافٍ -: وَكُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ مُبَاحَةٌ لِلْمَرْءِ فِي مَالِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ، إلَّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وَقَوْلِهِ: «الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» .

стр. 2493

فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الِارْتِهَانَ يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ، وَدَعْوَاهُ فَاسِدَةٌ إذْ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، بِتَصْحِيحِ دَعْوَاهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] . وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ -: فَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: الْعِتْقُ بَاطِلٌ بِكُلِّ حَالٍ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ مُوسِرًا نَفَذَ عِتْقُهُ وَكُلِّفَ قِيمَةً يَجْعَلُهَا رَهْنًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا فَالْعِتْقُ بَاطِلٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْعِتْقُ نَافِذٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا كُلِّفَ قِيمَتَهُ تَكُونُ رَهْنًا، وَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا لَمْ يُكَلَّفْ قِيمَتَهُ، وَلَا كُلِّفَ الْعَبْدُ اسْتِسْعَاءً وَنَفَذَ الْعِتْقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْعِتْقُ نَافِذٌ بِكُلِّ حَالٍ، ثُمَّ قَسَّمَ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ رَهَنَ أَمَةً لَهُ فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ وَكُلِّفَ رَهْنًا آخَر مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا، فَمَرَّةً قَالَ: تَخْرُجُ مِنْ الرَّهْنِ وَلَا يُكَلَّفُ رَهْنًا مَكَانَهَا وَلَا تُكَلَّفُ هِيَ شَيْئًا - وَمَرَّةً قَالَ: تُبَاعُ إذَا وَضَعَتْ وَلَا يُبَاعُ الْوَلَدُ، وَتَكْلِيفُ رَهْنٍ آخَر -: وَالتَّفْرِيقُ هَاهُنَا بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعَسِّر، وَبَيْعِهَا بَعْدَ وَضْعِهَا دُونَ وَلَدِهَا - أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: هِيَ خَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا يُكَلَّفُ لَا هُوَ وَلَا هِيَ شَيْئًا سَوَاءٌ مُعَسِّرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا. وَرُوِّينَا عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّهَا تُبَاعُ هِيَ، وَيُكَلَّفُ سَيِّدُهَا أَنْ يُفْتِك وَلَدَهُ مِنْهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: افْتِكَاكُ الْوَلَدِ لَا نَدْرِي وَجْهَهُ، وَلَئِنْ كَانَ مَمْلُوكًا فَلِأَيِّ مَعْنَى يُكَلَّفُ وَالِدُهُ افْتِكَاكَهُ؟ وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلِمَ يُبَاعُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى افْتِكَاكِهِ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ: أَنَّهَا تُسْتَسْعَى - وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ إذَا أُعْتِقَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَجَبٌ: وَمَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ حَلَّ أَخْذُ مَالِهِمَا وَتَكْلِيفِهِمَا غَرَامَةً لَمْ يُكَلِّفْهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ إيَّاهَا، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا شِرْكًا لِلْمُرْتَهِنِ فَيُسْتَسْعَى لَهُ؟

стр. 2494

وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ: إنْ كَانَ مُوسِرًا كُلِّفَ أَنْ يَأْتِيَ بِقِيمَتِهَا فَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا وَتَخْرُجُ هِيَ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ إلَيْهِ وَتَأْتِيه فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَا تُتْبَعُ بِغَرَامَةٍ وَلَا يُكَلَّفُ هُوَ رَهْنًا مَكَانَهَا، وَلَكِنْ يُتْبَعُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ تَسَوَّرَ عَلَيْهَا بِيعَتْ هِيَ وَأُعْطِيَ هُوَ وَلَدَهُ مِنْهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَا الْقَوْلِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنْ الْخَطَإِ -: وَهِيَ: تَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْمُعْسِرِ، وَالْمُوسِرِ، فِي ذَلِكَ وَالْحَقُّ عَلَيْهِمَا وَاحِدٌ. وَتَكْلِيفُهُ إحْضَارَ قِطْعَةٍ مِنْ مَالِهِ لِتُرْهَنَ لَمْ يَعْقِدْ قَطُّ فِيهَا رَهْنًا. وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ خُرُوجِهَا إلَى سَيِّدِهَا وَبَيْنَ تَسَوُّرِهِ عَلَيْهَا. وَهُمَا آمِنَةٌ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَرْهُونَةٌ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا. وَبَيْعِهِ إيَّاهَا وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، وَإِخْرَاجِهِ وَلَدَهَا مِنْ حُكْمِ الرَّهْنِ بِلَا تَكْلِيفِ عِوَضٍ بِخِلَافِ الْأُمِّ، وَكِلَاهُمَا عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُمَا. وَكُلُّ هَذِهِ أَوْجُهٌ فَاحِشَةُ الْخَطَإِ لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا فِيهَا بِقُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا دَلِيلٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ - نَعَمْ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ إنْ حَمَلَتْ فَأَقَرَّ بِحَمْلِهَا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ وَكُلِّفَ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنْ كَانَ حَالًّا، أَوْ كُلِّفَ رَهْنًا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ. فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كُلِّفَتْ أَنْ تُسْتَسْعَى فِي الدَّيْنِ الْحَالِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى سَيِّدِهَا، وَلَا يُكَلَّفُ وَلَدُهَا سِعَايَةً، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ كُلِّفَتْ أَنْ تُسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهَا فَقَطْ، فَجَعَلَتْ رَهْنًا مَكَانَهَا، فَإِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ كُلِّفَتْ مِنْ ذِي قَبْلِ أَنْ تُسْتَسْعَى فِي بَاقِي الدَّيْنِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا. قَالُوا: فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ اسْتَلْحَقَ وَلَدَهَا بَعْدَ وَضْعِهَا لَهُ - وَهُوَ مُعْسِرٌ - قَسَّمَ الدَّيْنَ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ ارْتَهَنَهَا، وَعَلَى قِيمَةِ وَلَدِهَا يَوْمَ اُسْتُلْحِقَ، فَمَا أَصَابَ الْأُمَّ سَعَتْ فِيهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ تَرْجِعْ بِهِ عَلَى سَيِّدِهَا، وَمَا أَصَابَ الْوَلَدَ سَعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ قِيمَتِهِ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى أَبِيهِ وَيَأْخُذُ الْمُرْتَهِنُ كُلَّ ذَلِكَ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ نَفَذَ فِيهِ الْعِتْقُ، وَخَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ.

стр. 2495

فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا وَالدَّيْنُ حَالًّا كُلِّفَ غُرْمَ الدَّيْنِ. فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ كُلِّفَ السَّيِّدُ قِيمَةَ الْعَبْدِ تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ. فَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا اُسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الدَّيْنِ، وَرَجَعَ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِبَاقِي دَيْنِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَعِبْرَةً لِمَنْ اعْتَبَرَ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ - وَإِنَّ مِنْ الْعَجَبِ تَفْرِيقُهُ بَيْنَ مَا تُسْتَسْعَى فِيهِ الْأُمُّ وَبَيْنَ مَا يُسْتَسْعَى فِيهِ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ، وَبَيْنَ مَا يُسْتَسْعَى فِيهِ الْوَلَدُ - وَهُوَ عِنْدَهُ حُرٌّ لَاحِقُ النَّسَبِ - فَمَا بَالُ أَمَةٍ خَرَجَتْ أُمَّ وَلَدٍ مِنْ سَيِّدِهَا بِوَطْءِ مُبَاحٍ. وَمَا بَالُ إنْسَانٍ حُرٍّ ابْنِ حُرٍّ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ. وَمَا بَالُ عَبْدٍ عَتَقَ يُكَلَّفُونَ الْغَرَامَات دُونَ جِنَايَةٍ جَنَوْهَا وَلَا ذَنْبٍ اقْتَرَفُوهُ فَتُسْتَبَاحُ أَمْوَالُهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَيُكَلَّفُونَ مَا لَمْ يُكَلِّفْهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ ﵇، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ يُكَلِّفُونَهُمْ مَا ذَكَرْنَا، وَيُسَلِّمُونَ صَاحِبَ الْجِنَايَةِ عِنْدَهُمْ مِنْ الْغَرَامَةِ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ. وَكُلُّ مَا يَدْخُلُ عَلَى مَالِكٍ مِمَّا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا فَرْقَ مَالِكٍ بَيْنَ خُرُوجِهَا إلَيْهِ وَبَيْنَ تُسَوِّرهُ عَلَيْهَا. وَيَزِيدُ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَفْرِيقُهُ بَيْنَ الدَّيْنِ الْحَالِ وَالْمُؤَجَّلِ فِي ذَلِكَ - وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ مَا تُكَلَّفُهُ الْأُمُّ وَبَيْنَ مَا يُكَلَّفُهُ الْوَلَدُ. وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ إقْرَارِهِ بِالْحَمْلِ وَبَيْنَ إقْرَارِهِ بِالْوَلَدِ بَعْدَ الْوَضْعِ فِيمَا يُكَلَّفُهُ مِنْ الِاسْتِسْعَاءِ فِي الْحَالَيْنِ. وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ مَا تُكَلَّفُهُ أُمُّ الْوَلَدِ وَبَيْنَ مَا يُكَلَّفُهُ الْعَبْدُ بِعِتْقِ. وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الرُّجُوعِ مَرَّةً عَلَى السَّيِّدِ بِمَا غَرِمَ الْغَارِمُ مِنْهُمْ وَبَيْنَ مَنْعِهِمْ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ مَرَّةً بِذَلِكَ. وَأَغْرَبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: إنَّ الْوَلَدَ يُسْتَسْعَى، فَلَيْتَ شِعْرِي إلَى مَتَى بَقِيَ هَذَا الدَّيْنُ الْمَسْخُوطُ حَتَّى وُلِدَ الْمَحْمُولُ بِهِ، وَحَتَّى فُطِمَ، وَكَبِرَ، وَبَلَغَ، وَتَصَرَّفَ؟ أَفَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ مَاذَا يَكُونُ؟ كُلُّ هَذَا بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ،

стр. 2496

وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُمْ، وَلَا قِيَاسٍ أَصْلًا، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ مَا مِثْلُ عُقُولٍ أَنْتَجَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالَ بِمَأْمُونَةِ عَلَى تَدْبِيرِ نَوَاةٍ مُحْرِقَة، فَكَيْفَ عَلَى التَّحَكُّمِ فِي الدِّينِ؟ وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا لَعَظِيمَةٌ فِي تَوْفِيقِهِ لَنَا إلَى اتِّبَاعِ كِتَابِهِ، وَسُنَنِ رَسُولِهِ ﷺ . وَلَا يُمَوِّهُونَ بِأَنْ يَقُولَ: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِسْعَاءِ الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ يَعْتِقُهُ سَيِّدُهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي عَبْدٍ يَمْلِكُهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا وَلَيْسَ هَاهُنَا مَالُك غَيْرَ الْمُعْتِقِ عَبْدَهُ وَالْمُوَلِّدِ أَمَتَهُ. وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّهُ قِيَاسُ حُكْمٍ عَلَى مَا لَا يُشْبِهُهُ، وَعَلَى مَا لَيْسَ مِنْهُ فِي وُرُودٍ وَلَا فِي صَدْرٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ؟ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ عِتْقِهِ وَهِبَتِهِ وَبَيْعِهِ وَإِصْدَاقِهِ، إذْ أَجَزْتُمْ الْبَيْعَ بِغَيْرِ إجْمَاعٍ، وَمَنَعْتُمْ مِنْ سَائِرِ ذَلِكَ؟ وَأَمَّا هَلَاكُ الرَّهْنِ بِغَيْرِ فِعْلِ الرَّاهِنِ وَلَا الْمُرْتَهِنِ، فَلِلنَّاسِ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ -: قَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ -: تَفْسِيرُ ذَلِكَ -: أَنَّ الرَّهْنَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ وَقِيمَةُ الدَّيْنِ سَوَاءً، فَقَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ عَنْ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ سَقَطَ الدَّيْنُ بِمِقْدَارِهِ مِنْ الرَّهْنِ وَكُلِّفَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الرَّاهِنِ مِقْدَارَ مَا كَانَ تَزِيدُهُ قِيمَةُ الرَّهْنِ عَلَى قِيمَةِ الدَّيْنِ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِمِقْدَارِهِ وَأَدَّى الرَّاهِنُ إلَى الْمُرْتَهِنِ فَضْلَ مَا زَادَ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: يَتَرَاجَعَانِ الْفَضْلَ - يَعْنِي فِي الرَّهْنِ يَهْلَكُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ - وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الدَّيْنِ أَوْ مِثْلَهَا فَقَدْ بَطَلَ الدَّيْنُ كُلُّهُ، وَلَا غَرَامَةَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي زِيَادَةِ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلَى قِيمَةِ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الدَّيْنِ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ بِمِقْدَارِ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَأَدَّى الرَّاهِنُ إلَى الْمُرْتَهِنِ مَا

стр. 2497

بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ -: رُوِّينَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَامِرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -: وَمِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عَلِيٍّ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: مِثْلَ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ذَهَبَ الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ كَقِيمَةِ الدَّيْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إذَا تَلِفَ سَقَطَ الدَّيْنُ وَلَا يَغْرَمُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ شَيْئًا - صَحَّ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ - وَصَحَّ عَنْ طَاوُوسٍ فِي الْحَيَوَانِ يَرْتَهِن - وَرُوِّينَا عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ فِيمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَأَعْوَرَ عِنْدَهُ قَالَا: ذَهَبَ بِنِصْفِ دَيْنِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَخْفَى كَالثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا، فَضَمَانُ مَا تَلِفَ مِنْهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَيَبْقَى دَيْنُهُ بِحَسَبِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ بِكَمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَظْهَرُ كَالْعَقَارِ، وَالْحَيَوَانِ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَدَيْنُهُ بَاقٍ بِكَمَالِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَخْفَى أَوْ مِمَّا لَا يَخْفَى لَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَصْلًا وَدَيْنُهُ بَاقٍ بِكَمَالِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى أَنَا قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الرَّهْنِ: يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ بَرِئَ فَصَحَّ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يَرَ تُرَاد الْفَضْلِ إلَّا فِيمَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمُرْتَهِنِ لَا فِيمَا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، بَلْ رَأَى الْبَرَاءَةَ لَهُ مِمَّا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ - وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: الرَّهْنُ وَثِيقَةٌ إنْ هَلَكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ يَأْخُذُ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ كُلُّهُ. وَعَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّهْنِ يَهْلَكُ أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ حَقُّ هَذَا إنَّمَا هَلَكَ مِنْ رَبِّ الرَّهْنِ لَهُ غَنَمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ.

стр. 2498

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ مَا يَخْفَى وَبَيْنَ مَا لَا يَخْفَى -: فَقَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُ - فَسَقَطَ، وَإِنَّمَا بَنَوْهُ عَلَى التُّهْمَةِ؛ وَالتُّهْمَةُ ظَنٌّ كَاذِبٌ يَأْثَمُ صَاحِبُهُ وَلَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ، وَالتُّهْمَةُ مُتَوَجِّهَةٌ إلَى أَحَدٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِخَبَرِ مُرْسَلٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ، لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّنْ رُهِنَهُ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . وَقَالُوا: قَدْ أَجْمَعْ الصِّحَابَةُ عَلَى تَضْمِينِ الرَّهْنِ، وَالْمُرْتَهِنُ أَمِينٌ فِيمَا زَادَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلَى قِيمَةِ دَيْنِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُرْتَهِنَ أَمِينٌ فِيمَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلَى قِيمَةِ دَيْنِهِ، فَدَعْوَى فَاسِدَةٌ، وَتَفْرِيقٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَمَا هُوَ إلَّا أَمِينٌ فِي الْكُلِّ أَوْ غَيْرُ أَمِينٍ فِي الْكُلِّ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَجْمَعَ الصِّحَابَةُ عَلَى تَضْمِينِ الرَّهْنِ، فَقَوْلٌ جَرَوْا فِيهِ عَلَى عَادَتِهِمْ الْخَفِيفَةِ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى الصَّحَابَةِ بِلَا مُؤْنَةٍ. وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ هَلْ جَاءَ فِي هَذَا كَلِمَةٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ فَقَطْ. فَأَمَّا عُمَرُ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَعُبَيْدٍ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ أَوْ أَدْرَكَهُ صَغِيرًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا.

стр. 2499

وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْهُ وَهُوَ مَجْهُولٌ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَمُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَات عَنْهُ إسْقَاطُ التَّضْمِينِ فِيمَا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا. ثُمَّ أَعْجَبُ شَيْءٍ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى تَضْمِينِ الرَّهْنِ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهُمْ قَدْ خَالَفُوا الْإِجْمَاعَ، لِأَنَّهُمْ لَا يُضَمِّنُونَ بَعْضَ الرَّهْنِ وَهُوَ مَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى قِيمَةِ الدَّيْنِ فَهَذَا حُكْمُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوا فَمُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ قَوْلِهِمْ وَلَا تَقْسِيمِهِمْ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ لَوْ صَحَّ هُوَ أَنَّ قَوْلَ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِمَّنْ رُهِنَهُ» بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ، فَوَجَبَ ضَمَانُ الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَا بُدَّ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ. وَقَوْلَهُ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» إنْ كَانَ أَرَادَ بِصَاحِبِهِ مَالِكَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَهُوَ يُوجِبُ أَنَّ خَسَارَتَهُ مِنْهُ، وَلَا يَضْمَنُهُ لَهُ الْمُرْتَهِنُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِصَاحِبِهِ الْمُرْتَهِنَ فَهُوَ يُوجِبُ ضَمَانَهُ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ، فَصَارَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ، وَنَقُولُ لَهُمْ: فِي أَيِّ الْأُصُولِ وَجَدْتُمْ شَيْئًا وَاحِدًا رَهْنًا كُلَّهُ عَنْ دَيْنٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ مَضْمُونٌ وَبَعْضُهُ أَمَانَةٌ؟ وَأَنْتُمْ تَرُدُّونَ السُّنَنَ بِخِلَافِهَا بِالْأُصُولِ بِزَعْمِكُمْ ثُمَّ تُخَالِفُونَهَا جِهَارًا بِلَا نَصٍّ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ " يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ " فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا إلَّا أَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ وَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الرَّهْنُ مَكَانَ الدَّيْنِ تَقَاصَّا فِيهِ، وَهَذَا رَأْيٌ، وَالدِّينُ لَا يُؤْخَذُ بِالْآرَاءِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ " ذَهَبَتْ الرُّهُونُ بِمَا فِيهَا " فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِخَبَرِ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا فَهَلَكَ عِنْدَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَهَبَ حَقُّكَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ بَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ،

стр. 2500

وَالسُّنَّةِ، فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْأَنْطَاكِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ نا نَضْرُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ نا شَبَابَةُ عَنْ وَرْقَاءَ نا أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ لِمَنْ رُهِنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . فَهَذَا مُسْنَدٌ مِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَادَّعَوْا أَنَّ أَبَا عُمَرَ الْمُطَرِّزَ غُلَامَ ثَعْلَبٍ، قَالَ: أَخْطَأَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْغُرْمَ الْهَلَاكُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ صَحَّ فِي ذَمِّ قَوْمٍ فِي الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨] . أَيْ يَرَاهُ هَالِكًا بِلَا مَنْفَعَةٍ، فَالْقُرْآنُ أَوْلَى مِنْ رَأْيِ الْمُطَرِّزِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَلَمْ يُحِلَّ لِغَرِيمِ الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَضْمَنَ الرَّهْنَ بِغَيْرِ نَصٍّ فِي تَضْمِينِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى فِيهِ، أَوْ بِأَنْ يُضَيِّعَهُ فَيَضْمَنَهُ حِينَئِذٍ بِاعْتِدَائِهِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ. وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ قَدْ وَجَبَ فَلَا يُسْقِطُهُ ذَهَابُ الرَّهْنِ، فَصَحَّ يَقِينًا مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ بِالْقُرْآنِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالسُّنَّةِ: أَنَّ هَلَاكَ الرَّهْنِ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَأَنَّ دَيْنَ الْمُرْتَهِنِ بَاقٍ بِحَسْبِهِ لَازِمٌ لِلرَّاهِنِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَا تَوَلَّدَ مِنْ الرَّهْنِ] وَأَمَّا مَا تَوَلَّدَ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَضَى فِيمَنْ ارْتَهَنَ أَرْضًا فَأَثْمَرَتْ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مِنْ الرَّهْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُوسٍ: أَنَّ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ " مَنْ ارْتَهَنَ أَرْضًا فَهُوَ يَحْتَسِبُ ثَمَرَهَا لِصَاحِبِ الرَّهْنِ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ، وَهُمَا قَوْلَانِ -: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّمَرَةَ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ - وَالْآخَرُ: أَنَّهَا مِنْ الرَّهْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَلَدُ، وَالْغَلَّةُ، وَالثَّمَرَةُ، رَهْنٌ مَعَ الْأُصُولِ. ثُمَّ تَنَاقَضُوا، فَقَالُوا: إنْ هَلَكَ الْوَلَدُ، وَالْغَلَّةُ، وَالثَّمَرَةُ: لَمْ يَسْقُطْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مِنْ،

стр. 2501

الدَّيْنِ شَيْءٌ، وَإِنْ هَلَكَ الْأَصْلُ، وَالْأُمُّ، وَالشَّجَرُ: قُسِّمَ الدَّيْنَ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى النَّمَاءِ، فَمَا وَقَعَ لِلْأَصْلِ سَقَطَ، وَمَا وَقَعَ لِلنَّمَاءِ بَقِيَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَهْنٌ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ خَالَفُوا بَيْنَ أَحْكَامِهَا بِلَا بُرْهَانٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْوَلَدُ فَدَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ، وَأَمَّا الْغَلَّةُ وَالثَّمَرَةُ، فَخَارِجَانِ مِنْ الرَّهْنِ - وَهَذَا تَقْسِيمٌ فَاسِدٌ جِدًّا بِلَا بُرْهَانٍ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْوَلَدَ بَعْضُ الْأُمِّ؟ قُلْنَا: كَذَبَ مَنْ قَالَ هَكَذَا؟ وَكَيْف يَكُونُ بَعْضَهَا، وَقَدْ يَكُونُ ذَكَرًا وَهِيَ أُنْثَى، وَيَكُونُ مُسْلِمًا، وَهِيَ كَافِرَةٌ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: وَالثَّمَرَةُ أَيْضًا بَعْضُ الشَّجَرِ - دَعْوَى كَدَعْوَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ، وَلَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي الرَّهْنِ وَهُوَ الْحَقُّ، لِأَنَّ الرَّهْنَ هُوَ مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ الصَّفْقَةَ، لَا مَا لَمْ يَتَعَاقَدَاهَا عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا شَيْءٌ لَمْ يَتَعَاقَدَا الصَّفْقَةَ عَلَيْهِ، فَكُلُّهُ غَيْرُ الْأَصْلِ، وَكُلُّهُ حَادِثٌ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْأَصْلِ، فَكُلُّهُ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ مَوْت الرَّاهِن أَوْ الْمُرْتَهِن] ١٢١٦ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ بَطَلَ الرَّهْنُ وَوَجَبَ رَدُّ الرَّهْنِ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ، وَحُلَّ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، وَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِثَمَنِ الرَّهْنِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ حِينَئِذٍ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَإِذَا مَا مَاتَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّمَا كَانَ حَقُّ الرَّهْنِ لَهُ، لَا لِوَرَثَتِهِ وَلَا لِغُرَمَائِهِ، وَلَا لِأَهْلِ وَصِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا تُورَثُ الْأَمْوَالُ لَا الْحُقُوقُ الَّتِي لَيْسَتْ أَمْوَالًا: كَالْأَمَانَاتِ، وَالْوَكَالَات، وَالْوَصَايَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِمَوْتِهِ وَجَبَ رَدُّ الرَّهْنِ إلَى صَاحِبِهِ. وَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ فَإِنَّمَا كَانَ عَقْدُ الْمُرْتَهِنِ مَعَهُ لَا مَعَ وَرَثَتِهِ، وَقَدْ سَقَطَ مِلْكُ الرَّاهِنِ عَنْ الرَّهْنِ بِمَوْتِهِ، وَانْتَقَلَ مِلْكُهُ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ إلَى غُرَمَائِهِ، وَهُوَ أَحَدُ غُرَمَائِهِ، أَوْ إلَى أَهْلِ وَصِيَّتِهِ - وَلَا عَقْدَ لِلْمُرْتَهِنِ مَعَهُمْ، وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الْمَيِّتِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ كَاسِبًا عَلَيْهِمْ، فَالْوَاجِبُ رَدُّ مَتَاعِهِمْ إلَيْهِمْ، وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .

стр. 2502

وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ خَالَفَ هَذَا حُجَّةً أَصْلًا -: وَرُوِّينَا عَنْ الشَّعْبِيِّ فِيمَنْ رَهَنَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَمَاتَ: أَنَّ الرَّهْنَ لَهُ - أَيْ لِوَرَثَتِهِ، قَالَ: الْحَكَمُ هُوَ لِلْغُرَمَاءِ. [مَسْأَلَةٌ ارْتَهَنَ شَيْئًا فَخَافَ فَسَادَهُ] ١٢١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ارْتَهَنَ شَيْئًا فَخَافَ فَسَادَهُ كَعَصِيرِ خِيفَ أَنْ يَصِيرَ خَمْرًا فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمَ فَيَبِيعَهُ وَيُوقِفَ الثَّمَنَ لِصَاحِبِهِ إنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ يُنْصِفَ مِنْهُ الْغَرِيمَ الْمُرْتَهِنَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَصْرِفَ الثَّمَنَ إلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فَإِنْ لَمْ يُمَكِّنْهُ السُّلْطَانُ فَلْيَفْعَلْ هُوَ مَا ذَكَرْنَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَلِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ ثَمَنَ الرَّهْنِ هُوَ غَيْرُ الرَّهْنِ، وَإِنَّمَا عَقْدُهُ فِي الرَّهْنِ لَا فِي ثَمَنِهِ، وَإِنَّمَا ثَمَنُهُ مَالٌ مِنْ مَالِ مَالِكِهِ كَسَائِرِ مَالِهِ وَلَا فَرْقَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ بَيْعُ سِلْعَةٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ رَهْنًا عَنْ ثَمَنِهَا] ١٢١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ سِلْعَةٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ رَهْنًا عَنْ ثَمَنِهَا، فَإِنْ وَقَعَ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لِلْبَائِعِ إمْسَاكُ سِلْعَتِهِ حَتَّى يَنْتَصِفَ مِنْ ثَمَنِهَا إنْ كَانَ حَالًّا وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ اشْتَرَطَ مَنْعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِ مَا اشْتَرَى مُدَّةً مُسَمَّاةً وَهَذَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ مَا اشْتَرَى إلَّا بِتَمَامِ عَقْدِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمَا، وَالْبَيْعُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَا نَذْكُرُهُ فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ التَّفَرُّقِ أَوْ التَّخْيِيرِ، فَهُوَ مَا لَمْ يَتِمّ الْبَيْعُ فَإِنَّمَا الشَّيْءُ الْمَبِيعُ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ، فَإِنَّمَا اشْتَرَطَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ كَوْنَ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ الْمُرْتَهِنِ رَهْنًا عِنْدَهُ نَفْسِهِ - وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا. وَأَمَّا إمْسَاكُ الْبَائِعِ سِلْعَتَهُ حَتَّى يَنْتَصِفَ فَإِنَّ حَقَّهُ وَاجِبٌ فِي مَالِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ مَطَلَهُ بِحَقِّ قَدْ وَجَبَ لَهُ عِنْدَهُ، فَهُوَ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ، وَإِذْ هُوَ ظَالِمٌ فَكُلُّ ظَالِمٍ مُعْتَدٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]

стр. 2503

فَالسِّلْعَةُ الَّتِي ابْتَاعَ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي فَلِلْمُطَوَّلِ بِحَقِّهِ الْمُعْتَدَى عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى الْمُعْتَدِي عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْهِ بِهِ نَصُّ الْقُرْآنِ، فَلَهُ إمْسَاكُ السِّلْعَةِ حَتَّى يَنْتَصِفَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا هُشَيْمٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً فَنَقَدَهُ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَا أُعْطِيك السِّلْعَةَ حَتَّى تَجِيءَ بِالْبَقِيَّةِ، فَجَعَلَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ السِّلْعَةَ رَهْنًا بِمَا بَقِيَ. وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ جَعَلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا السِّلْعَةَ رَهْنًا بِمَا بَقِيَ - فَهَذَا عَمْرٌو صَاحِبٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. [مَسْأَلَةٌ الارتهان فِي نَفْسِ عَقْدِ التَّدَايُنِ] ١٢١٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَكُونُ حُكْمُ الرَّهْنِ إلَّا لِمَا ارْتَهَنَ فِي نَفْسِ عَقْدِ التَّدَايُنِ، وَأَمَّا مَا ارْتَهَنَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَلِرَاهِنِهِ أَخْذُهُ مَتَى شَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ الرَّهْنَ إلَّا فِي الْعَقْدِ - كَمَا تَلَوْنَا - وَكُلُّ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ. ١٢٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَدَايَنَ فَرَهَنَ فِي الْعَقْدِ رَهْنًا صَحِيحًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَدَايَنَا أَيْضًا وَجَعَلَا ذَلِكَ الرَّهْنَ رَهْنًا عَنْ هَذَا الدَّيْنِ الثَّانِي، فَالْعَقْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّهْنَ قَدْ صَحَّ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى عَقْدٍ آخَر، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، فَهُوَ شَرْعٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكُلُّ عَقْدٍ انْعَقَدَ عَلَى بَاطِلٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَمْ تُعْقَدْ لَهُ صِحَّةٌ إلَّا بِصِحَّةِ مَا لَا صِحَّةَ لَهُ، فَلَا صِحَّةَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ رَهَنَ ثُمَّ أَنْصَفَ مِنْ بَعْضِ دَيْنِهِ] ١٢٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَهَنَ رَهْنًا صَحِيحًا ثُمَّ أَنْصَفَ - مِنْ بَعْضِ دَيْنِهِ - أَقَلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ - فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجُ عَنْ الرَّهْنِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الرَّهْنَ وَقَعَ فِي جَمِيعِهِ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ بَعْضِ الرَّهْنِ حُكْمُ الرَّهْنِ مِنْ أَجْلِ سُقُوطِ بَعْضِ الدَّيْنِ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ.

стр. 2504

هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَمْنَعُونَ مِنْ إخْرَاجِ الرَّهْنِ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ، وَتُجِيزُونَ بَيْعَهُ وَعِتْقَهُ وَالصَّدَقَةَ بِهِ، وَهُوَ إخْرَاجٌ لَهُ عَنْ الرَّهْنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِإِيجَابِ الرَّهْنِ فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُ مَا صَحَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ جُمْلَةً، فَلَمْ يَمْنَعْهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ قَطُّ، لَا فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، فَإِذَا صَارَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَعَقْدُ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَعَ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمِلْكُ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ارْتِهَانُ مَالِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَنَقُولُ لَهُمْ: إنَّ جَمِيعَكُمْ - يَعْنِي الْمَالِكِيِّينَ، وَالْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ - مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إذَا قَدِمَ أَبِي أَنَّهُ قَدْ عَقَدَ فِيهِ عَقْدًا لَا يَحِلُّ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ أَبَدًا، وَأَنَّهُ حُرٌّ مَتَى قَدِمَ أَبُوهُ، ثُمَّ لَا خِلَافَ بَيْنَكُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَبُوهُ وَإِصْدَاقِهِ، وَهِبَتِهِ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إنْ أَنْصَفْتُمْ أَنَفْسَكُمْ؟ [مَسْأَلَةٌ رَهْن مَال غَيْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالَ وَلَدِهِ] ١٢٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ غَيْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا مَالَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ، إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ السِّلْعَةِ الَّتِي يُرِيدُ رَهْنَهَا، وَلَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا مَالَ يَتِيمِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ وَلَا مَالَ زَوْجَتِهِ. وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ: لَهُ أَنْ يَرْهَنَ عَنْ نَفْسِهِ مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ. قَالَ الْمَالِكِيُّونَ: وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ يَتِيمِهِ عَنْ نَفْسِهِ. وَقَالُوا: إذَا أَذِنَ الْأَجْنَبِيُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَرْهَنَ مَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ جَازَ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ أَنَّ لِلْأَبِ الْوَصِيِّ أَنْ يُودِعَ مَالَ الِابْنِ وَالْيَتِيمِ، فَإِدْخَالُهُ فِي الذِّمَّةِ أَحَقُّ بِالْجِوَازِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا إيدَاعُهُ، وَلَا قَرْضُهُ، إلَّا حَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ نَظَرًا وَحِيَاطَةً لِلصَّغِيرِ، وَلَا نَظَرَ لَهُ أَصْلًا فِي أَنْ يَرْهَنَهُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، فَهُوَ ضَرَرٌ، فَهُوَ مَرْدُودٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ أَذَا خَشِيَ هَلَاكَهَا عِنْدَهُ،

стр. 2505

وَرَأَى السَّلَامَةَ فِي إيدَاعِهَا -: فَيَلْزَمُهُمْ بِهَذَا الِاسْتِدْلَال الْبَدِيعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا صَحَّ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» . وَمِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ» . رُوِّينَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ قَالَ: نا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ، قَالَ بَكْرٌ: نا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ وَقَالَ أَحْمَدُ: نا أَبِي نا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ الْخَبَرَانِ إنَّمَا هُمَا فِي الْأَكْلِ، وَهَكَذَا نَقُولُ: يَأْكُلُ مِنْهُ مَا شَاءَ مِنْ بَيْتِهِ وَغَيْر بَيْتِهِ، وَلَيْسَا فِي الْبَيْعِ، وَلَا فِي الِارْتِهَانِ، وَلَا فِي الْهِبَةِ. وَلَا فِي الْأَخْذِ وَالتَّمَلُّكِ فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الْأَكْلِ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكُنْتُمْ قَدْ تَنَاقَضْتُمْ أَفْحَشَ تَنَاقُضٍ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَكْلَ مِنْ بُيُوتِ الْأَصْدِقَاءِ وَاَلَّتِي مَفَاتِحُهَا بِأَيْدِينَا وَبُيُوتِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَات وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ فَأَبِيحُوا الِارْتِهَانَ مِنْهَا قِيَاسًا عَلَى الْأَكْلِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا وَأَنْتُمْ لَا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَقَدْ نَقَضْتُمْ قِيَاسَكُمْ وَتَرَكْتُمُوهُ وَقَضَيْتُمْ بِفَسَادِهِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْفَسَادِ جُمْلَةً، وَالثَّانِي أَنَّكُمْ لَا تُجِيزُونَ أَنْ يَبِيعَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ وَلَا أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْهُ شَيْئًا أَصْلًا لِغَيْرِ الْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ إلَّا الِارْتِهَانَ خَاصَّةً، وَعِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ أَنْ يُصَدِّقهُ عَنْ نَفْسِهِ خَاصَّةً فَكَمْ هَذَا التَّنَاقُضُ وَالتَّحَكُّمُ فِي الدِّينِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ الْمُضْطَرِبَةِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد هُوَ الْخُرَيْبِيُّ

стр. 2506

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَبَاحُوا بِهِ أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَأَسْقَطُوا عَنْهُ الْحَدَّ فِي وَطْءِ أَمَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَأَسْقَطُوا عَنْهُ الْحَدَّ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ، وَقَضَوْا عَلَى الْأَبِ بِضَمَانِهِ وَرَدِّهِ، وَأَبَاحَ الْمَالِكِيُّونَ بِهِ أَنْ يُصَدِّق مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ خَاصَّةً وَيَضْمَنَ الْقِيمَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا الْخَبَرِ بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفُوهُ فَلَمْ يُبِيحُوا لِلْأَبِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَالْحَدِيثُ عَامٌّ لَمْ يَخُصَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَخْصِيصُهَا بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبِيحُوا الِارْتِهَانَ وَالْإِصْدَاقَ إلَّا مِنْ مَالِ الِابْنِ الصَّغِيرِ لَا مِنْ مَالِ الِابْنِ الْكَبِيرِ فَخَالَفُوا الْخَبَرَ وَتُحَكَّمُوا فِي الدَّيْنِ بِالتَّحْرِيمِ، وَالتَّحْلِيلِ بِالدَّعْوَى الْمُبْطِلَةِ بِلَا بُرْهَانٍ - فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا كَذَبُوا لِأَنَّهُ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَجُلًا صَنَعَ شَيْئًا فِي مَالِهِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ أَبَاهُ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ أَوْ أَبَا بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ فَقَالَ: اُرْدُدْ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا هُوَ سَهْمٌ مِنْ كِنَانَتِكَ» ، وَقَدْ صَحَّ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ نا رَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: يَأْخُذُ الْأَبُ، وَالْأُمُّ مِنْ مَالِ وَلَدِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا يَأْخُذُ الِابْنُ وَالِابْنَةُ مِنْ مَالِ أَبَوَيْهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، وَصَحَّ مِثْلُهُ نَصًّا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سُوَيْد هُوَ ابْنُ غَفَلَةَ - عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا؛ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى الْأَسَدِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ نا الْحُبَابُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ هُرْمُزَ الْحَنَفِيُّ قَالَ: قُلْت لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: جَارِيَةٌ لِي غَلَبَنِي عَلَيْهَا أَبِي لَمْ

стр. 2507

يَخْلِطُهَا مَالٌ لِأَبِي فَقَالَ لِي أَنَسٌ: هِيَ لَهُ، أَنْتَ وَمَالُك مِنْ كَسْبِهِ، أَنْتَ وَمَالُك لَهُ حَلَالٌ، وَمَالُهُ عَلَيْك حَرَامٌ إلَّا مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نا أَبُو قِلَابَةَ نا أَبُو دَاوُد هُوَ السِّجِسْتَانِيُّ - نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوْلَادُكُمْ هِبَةُ اللَّهِ لَكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ لَكُمْ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ أَتَاهُ أَبٌ وَابْنٌ وَالِابْنُ يَطْلُبُ أَبَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَقْرَضَهُ إيَّاهَا وَالْأَبُ يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِ الِابْنِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ الْأَبِ فَقَالَ: هَذَا وَمَالُهُ مَنْ هِبَةِ اللَّهِ لَك. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَحْوُ هَذَا وَأَنَّهُ قَضَى بِمَالِ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ وَجَوَّزَ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا غُنْدَرٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ كَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بَأْسًا بِأَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: أَنْتَ مِنْ هِبَةِ اللَّهِ لِأَبِيك، أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك. نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مُوسَى - نا الْحَسَنُ هُوَ ابْنُ حَيٍّ - عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَكَمِ، قَالَا جَمِيعًا: يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ إلَّا الْفَرْجَ نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْوَالِد فِي حِلٍّ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ إلَّا الْفَرْجَ. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ خَاصَمَ أَبَاهُ إلَى الشَّعْبِيِّ فِي مَالٍ لَهُ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ لِعَبْدِ اللَّهِ، أَجْعَلُك وَمَالَك لَهُ - يَعْنِي لِوَلَدِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الرَّجُلُ فِي حِلٍّ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يُضَارّهُ

стр. 2508

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: الْوَالِدُ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ وَالْوَلَدُ لَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: يَأْخُذُ الْوَالِدَانِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِمَا مَا شَاءَا وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نا وَهْبِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ وَسَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ وَالِدِهِ؟ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك، أَمَا عَلِمْت أَنَّك عَبْدُ أَبِيك؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً تَسُرَّاهَا، قَالَ قَتَادَةَ: لَمْ يُعْجِبْنِي مَا قَالَ فِي الْجَارِيَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ إلَّا الْفَرْجَ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا إلَّا الْفَرْجَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَغْرَمُ الْأَبُ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَالِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ خِلَافًا مِنْ الصَّحَابَةِ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، إلَّا رِوَايَةً صَحَّتْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَصِحَّ. وَلَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ التَّابِعِينَ مُخَالِفًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا ابْنَ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيَّ، وَمُجَاهِدًا، بِاخْتِلَافِ عَنْهُمْ وَالزُّهْرِيَّ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ كَقَوْلِنَا.

стр. 2509

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْلَى بِمَالِهِ - يَعْنِي الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ. وَبِهِ إلَى عَبْدٍ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَيْسَ لِلْأَبِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ إلَّا مَا احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ شَرَابٍ، أَوْ لِبَاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: لَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ فَيُسْتَنْفَقَ بِالْمَعْرُوفِ، يَعُولُهُ ابْنُهُ، كَمَا كَانَ الْأَبُ يَعُولُهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ فَيَبْقَى بِهِ مَالُهُ، أَوْ يَضَعُهُ فِي مَا لَا يَحِلُّ - قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ أُمُّ الْيَتِيمِ مُحْتَاجَةً أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، يَدُهَا مَعَ يَدِهِ، وَالْمُوسِرَةُ لَا شَيْءَ لَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: خُذْ مِنْ مَالِ وَلَدِك مَا أَعْطَيْته وَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ مَا لَمْ تُعْطِهِ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنَّ أَبِي يَحْرِمْنِي مَالَهُ؟ فَقَالَ لَهُ جَابِرٌ: كُلْ مَنْ مَالِ أَبِيك بِالْمَعْرُوفِ. نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ نَحَرَ جَزُورًا فَجَاءَ سَائِلٌ فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا هِيَ لِي؟ فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: يَا أَبَتَاهُ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ، أَطْعِمْ مِنْهَا مَا شِئْت. نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَالِ وَلَدِهِ إذَا كَانَ صَغِيرًا فَإِذَا كَبُرَ وَاحْتَازَ مَالَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ - إسْرَائِيلُ ضَعِيفٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَقُولُ ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، نَقُولُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْأَكْلِ خَاصَّةً فَإِنَّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ مَالِ الْوَلَدِ حَيْثُ وَجَدَاهُ مِنْ بَيْتٍ أَوْ غَيْرِ بَيْتٍ فَقَطْ - ثُمَّ لَا شَيْءَ لَهُمَا، وَلَا حُكْمَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، لَا

стр. 2510

بِعِتْقِ، وَلَا بِإِصْدَاقِ، وَلَا بِارْتِهَانِ، إلَّا إنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ، فَيَأْخُذُ الْفَقِيرُ مِنْهُمَا مَا احْتَاجَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مِنْ كِسْوَةٍ، وَأَكْلٍ، وَسُكْنَى، وَخِدْمَةٍ، وَمَا احْتَاجَا إلَيْهِ فَقَطْ. وَأَمَّا الْوَلَدُ فَيَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ أَبِيهِ، وَبَيْتِ أُمِّهِ مَا شَاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ غَيْرِ الْبَيْتِ شَيْئًا، كَمَا جَاءَتْ النُّصُوصُ، لَا يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ احْتَاجَ أَخَذَ أَيْضًا كَمَا قُلْنَا فِي الْوَالِدَيْنِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] ثُمَّ الْحُدُودُ، وَالْأَحْكَامُ لَازِمَةٌ لِلْأَبِ فِي جَارِيَةِ وَلَدِهِ، وَفِي مَالِ وَلَدِهِ، وَلَازِمَةٌ لِلِابْنِ فِي جَارِيَةِ أَبِيهِ، وَأُمِّهِ، وَمَالِهِمَا، كَمَا هِيَ فِيمَا بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ سَوَاءٌ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ يُشَنِّعُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ إذَا وَافَقَ شَهَوَاتهمْ، وَيَجْعَلُونَهُ إجْمَاعًا وَيَكْذِبُونَ فِي ذَلِكَ. وَأَقْرَبُ ذَلِكَ: مَا ذَكَرْنَا مِنْ دَعْوَى الْحَنَفِيِّينَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَضْمِينِ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ مِنْهُ إلَّا رِوَايَاتٌ لَا تَصِحُّ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ فَقَطْ. وَقَدْ صَحَّتْ عَنْ عَلِيٍّ رِوَايَةٌ بِإِسْقَاطِ التَّضْمِينِ إذَا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، ثُمَّ لَا يَرَوْنَ هَاهُنَا مَا قَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ حُجَّةٌ أَصْلًا، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ، إلَّا رِوَايَةً عَنْ عُمَرَ رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْحَنَفِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ: أَنَّ رَجُلًا خَاصَمَ أَبَاهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي مَالٍ أَخَذَهُ لَهُ أَبُوهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا مَا كَانَ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ، وَأَمَّا مَا اسْتَهْلَكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَذَا أَيْضًا، مَعَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، لِأَنَّهَا عَمَّنْ لَا يَدْرِي مَنْ هُوَ أَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَعْجَبْ الْعَجَبِ؟ وَمِمَّا يَنْبَغِي لِذِي الْحَيَاءِ أَنْ يَهَابَهُ، وَلِذِي الدِّينِ أَنْ يُفَرِّقَهُ. فَإِنَّ قِيلَ: فَأَنْتُمْ الْقَائِلُونَ بِكُلِّ مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلِمَ اسْتَحْلَلْتُمْ تَرْكَ الثَّابِتِ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» ؟ قُلْنَا: يُعِيذُنَا اللَّهُ مِنْ أَنْ نَتْرُكَ خَبَرًا صَحَّ عَنْهُ ﵇، وَلَوْ أُجْلِبُ عَلَيْنَا مِنْ بَيْنِ الْبَحْرَيْنِ إلَّا أَنْ يَصِحَّ نَسْخُهُ - وَهَذَا الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ - لَا شَكَّ فِيهِ - لِأَنَّ اللَّهَ حَكَمَ

стр. 2511

بِمِيرَاثِ الْأَبَوَيْنِ، وَالزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ، مِنْ مَالِ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ، وَأَبَاحَ فِي الْقُرْآنِ لِكُلِّ مَالِك أَمَةٍ وَطْأَهَا بِمِلْكِ يَمِينِهِ، وَحَرَّمَهَا عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فَدَخَلَ فِي هَذَا مَنْ لَهُ وَالِدٌ، وَمَنْ لَا وَالِدَ لَهُ. فَصَحَّ أَنَّ مَالَ الْوَلَدِ لَهُ بِيَقِينِ، لَا لِأَبَوَيْهِ، وَلَا حَقَّ لَهُمَا فِيهِ إلَّا مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ مِمَّا ذَكَرْنَا: مِنْ الْأَكْلِ، أَوْ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَقَطْ. وَلَوْ كَانَ مَالُ الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ لَمَا وَرِثَتْ زَوْجَةُ الْوَلَدِ، وَلَا زَوْجُ الْبِنْتِ، وَلَا أَوْلَادُهُمَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، لِأَنَّهُ مَالٌ لِإِنْسَانِ حَيٍّ، وَلَا كَانَ يَحِلُّ لِذِي وَالِدٍ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ أَصْلًا، لِأَنَّهَا لِأَبِيهِ كَانَتْ تَكُونُ. فَصَحَّ بِوُرُودِ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ وَبَقَائِهِمَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثَابِتَيْنِ غَيْرِ مَنْسُوخَيْنِ: أَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرُ مَنْسُوخٌ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا صَحَّ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ: أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَمَةً، أَوْ عَبْدًا لَهُمَا وَالِدٌ فَإِنَّ مِلْكَهُمَا لِمَالِكِهِمَا، لَا لِأَبِيهِمَا. فَصَحَّ أَيْضًا: أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «إنَّهُ لِأَبِيهِ» مَنْسُوخٌ، وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - وَهَذَا مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ بِالْأَثَرِ وَخَالَفُوا ذَلِكَ الْأَثَرَ نَفْسَهُ. وَأَمَّا رَهْنُ الْمَرْءِ السِّلْعَةَ تَكُونُ لِغَيْرِهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فَإِنَّ الرَّهْنَ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ عَنْ الِارْتِهَانِ إلَّا بِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ، أَوْ بِهَلَاكِهِ، أَوْ بِاسْتِحَالَتِهِ، حَتَّى يَسْقُطَ عَنْهُ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حِينَ رُهِنَ، أَوْ بِقَضَاءِ الْحَقِّ الَّذِي رُهِنَ عَنْهُ، فَالْتِزَامُ غَيْرِ الرَّاهِنِ لِلرَّاهِنِ - هَذَا كُلُّهُ فِي سِلْعَتِهِ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَهُ أَخْذُ سِلْعَتِهِ مَتَى شَاءَ فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الرُّهُونِ فِيمَا ذَكَرْنَا فَلَيْسَ رَهْنًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2512

[مَسْأَلَةٌ الرَّهْنُ إذَا اُسْتُحِقَّ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اُسْتُحِقَّ الرَّهْنُ، أَوْ بَعْضُهُ: بَطَلَتْ الصَّفْقَةُ كُلُّهَا، لِأَنَّهُمَا تَعَاقَدَا صِحَّتَهَا بِصِحَّةِ الرَّهْنِ، وَلَمْ يَتَعَاقَدَا قَطُّ تِلْكَ الْمُدَايَنَةَ إلَّا عَلَى صِحَّةِ الرَّهْنِ، وَذَلِكَ الرَّهْنُ لَا صِحَّةَ لَهُ، تِلْكَ الْمُدَايَنَةُ لَمْ تَصِحَّ قَطُّ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ رَهْن جَمَاعَة عِنْدَ وَاحِدٍ] ١٢٢٤ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا رَهَنَ جَمَاعَةٌ رَهْنًا هُوَ لَهُمْ عِنْدَ وَاحِدٍ، أَوْ رَهَنَ وَاحِدٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، فَأَيُّ الْجَمَاعَةِ قَضَى مَا عَلَيْهِ خَرَجَ حَقُّهُ مِنْ ذَلِكَ الرَّهْنِ عَنْ الِارْتِهَانِ، وَبَقِيَ نَصِيبُ شُرَكَائِهِ رَهْنًا بِحَسَبِهِ. وَكَذَلِكَ إنْ قَضَى الْوَاحِدُ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ حَقَّهُ دُونَ بَعْضٍ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّ الْمَقْضِيِّ فِي الِارْتِهَانِ، وَرَجَعَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الرَّهْنِ إلَى الرَّاهِنِ، وَبَقِيَتْ حِصَصُ شُرَكَائِهِ رَهْنًا بِحَسَبِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَصَحَّ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ لَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِي شَيْءٍ مِنْ رَقَبَةِ الرَّهْنِ] ١٢٢٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِي شَيْءٍ مِنْ رَقَبَةِ الرَّهْنِ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةٌ فَوَطِئَهَا فَهُوَ زَانٍ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَذَلِكَ الْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلرَّاهِنِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَالْأَمَةُ بِلَا خِلَافٍ لَيْسَتْ فِرَاشًا لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ لَهُ، فَهُوَ مُعْتَدٍ عَاهِرٌ " [مَسْأَلَةٌ رَهْنُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ] ١٢٢٦ - مَسْأَلَةٌ: وَرَهْنُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ جَائِزٌ - طُبِعَتْ أَوْ لَمْ تُطْبَعْ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تُطْبَعَ - وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَئِنْ كَانَ يُخَافُ انْتِفَاعٌ بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَمَخُوفٍ عَلَى كُلِّ مَا يُرْهَنُ، وَلَا فَرْقَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَإِنَّ امْرَأً لَوْ غَصَبَ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِرَدِّهِمَا بِعَيْنِهِمَا، وَإِنْ كَانَا حَاضِرَيْنِ فِي يَدِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُهُمَا. وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا مَعَ قَوْلِهِ فِي طَبْعِهِمَا فِي الرَّهْنِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. تَمَّ " كِتَابُ الرَّهْنِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 2513

[كِتَابُ الْحَوَالَةِ] [ مَسْأَلَةٌ الْحَوَالَةُ عَلَى مَلِيءٍ] ِ ١٢٢٧ - مَسْأَلَةٌ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ؛ وَقَالَ مُسْلِمٌ: نا ابْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ - ثُمَّ اتَّفَقَ الْأَعْرَجُ، وَهِشَامٌ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا اُتُّبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ» . فَوَجَبَ مِنْ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ عِنْدَ آخَر حَقٌّ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ لَكِنْ مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ بِوَجْهِ مَا، أَوْ مِنْ سَلَمٍ سَلَّمَ فِيهِ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ مِنْ صُلْحٍ، أَوْ إجَارَةٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ مِنْ كِتَابَةٍ، أَوْ مِنْ ضَمَانٍ، فَأَحَالَهُ بِهِ عَلَى مَنْ لَهُ عِنْدَهُ حَقٌّ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ، لَكِنْ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ. وَلَا نُبَالِي مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ كَانَ الْحَقَّانِ، أَوْ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَكَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ يُوفِيه حَقَّهُ مِنْ وَقْتِهِ وَلَا يَمْطُلُهُ: فَفَرْضٌ عَلَى الَّذِي أُحِيلَ أَنْ يَسْتَحِيلَ عَلَيْهِ، وَيُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَبْرَأَ الْمُحِيلُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَلَا رُجُوعَ لِلَّذِي أُحِيلَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ - انْتَصَفَ، أَوْ لَمْ يَنْتَصِفْ - أَعْسَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ إثْرَ الْإِحَالَةِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يُعْسَرْ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ، فَإِنْ غَرَّهُ وَأَحَالَهُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ - وَالْمُحِيلُ يَدْرِي أَنَّهُ غَيْرُ مَلِيءٍ أَوْ لَا يَدْرِي -: فَهُوَ عَمَلٌ فَاسِدٌ، وَحَقُّهُ بَاقٍ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا كَانَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلْهُ عَلَى مَلِيءٍ، وَلَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ إلَّا عَلَى مَلِيءٍ بِنَصِّ الْخَبَرِ.

стр. 2514

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرْجِعُ الْمُحِيلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَالِكٌ كَقَوْلِنَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْحَقَّيْنِ مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، وَكَانَ حَقُّ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ بَيْعٍ: جَازَتْ الْحَوَالَةُ. فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِوَجْهِ التَّوْكِيلِ فَيُوَكِّلُهُ عَلَى قَبْضِ حَقِّهِ قَبْلَهُ، فَإِنْ قَبَضَهُ لِلْمُوَكَّلِ لَهُ، فَحِينَ مَصِيرِهِ بِيَدِهِ صَارَ قَابِضًا ذَلِكَ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ، وَبَرِئَ الْمُحِيلُ. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَبْضِهِ لِمَانِعِ مَا، أَيُّ مَانِعٍ كَانَ؟ رَجَعَ الْمُحِيلُ بِحَقِّهِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ مَا ابْتَعْت حَتَّى تَقْبِضَهُ. وَأَمَّا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الْحَقَّ فَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَقْضِيَهُ لِنَفْسِهِ إذَا صَارَ بِيَدِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ اعْتَدَى إذْ ضَيَّعَ مَالَ مُوَكِّلٍ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ بِالتَّضْيِيعِ، [فَصَارَ ضَمَانُهُ بِالتَّضْيِيعِ] فَصَارَ مِثْلُهُ عَلَيْهِ لِمُوَكَّلِهِ فِي ذِمَّتِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ جَحَدَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ: رَجَعَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَلَا مَالَ لَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: وَكَذَلِكَ إذَا أَفْلَسَ - الْقَاضِي الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ مِنْ السِّجْنِ أَيْضًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إذَا صَحَّ أَمْرُهَا فَقَدْ سَقَطَ الْحَقُّ عَنْ الْمُحِيلِ، وَإِذْ قَدْ أَقَرُّوا بِسُقُوطِهِ فَمِنْ الْبَاطِلِ رُجُوعُ حَقٍّ قَدْ سَقَطَ بِغَيْرِ نَصٍّ يُوجِبُ رُجُوعَهُ، وَلَا إجْمَاعَ يُوجِبُ رُجُوعَهُ - فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَوْ قَالَ فِي الْحَوَالَات: لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوًّا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي أُحِيلَ: لَا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ إلَّا أَنْ يُفْلِسَ، أَوْ يَمُوتَ. وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: إنْ لَمْ يُنْصِفْهُ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ. وَعَنْ الْحَكَمِ: لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَنْتَصِفَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمُحِيلِ؟

стр. 2515

قُلْنَا: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ الْمُسَيِّبِ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَلِرَجُلِ آخَر عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِلْمُسَيِّبِ: أَنَا أُحِيلُك عَلَى عَلِيٍّ وَأَحِلْنِي أَنْتَ عَلَى فُلَانٍ، فَفَعَلَا فَانْتَصَفَ الْمُسَيِّبُ مِنْ عَلِيٍّ وَتَلِفَ مَالُ الَّذِي أَحَالَهُ الْمُسَيِّبُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ الْمُسَيِّبُ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ - فَهَذَا خِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْ عُثْمَانَ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَهَذِهِ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا. وَإِذَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَلَيْسَ بَعْضُ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ بِاتِّفَاقِكُمْ مَعَنَا فِي ذَلِكَ وَلَسْنَا نَرَى إحَالَةَ مَنْ لَا حَقَّ لِلْمُحَالِ عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَنَا مِثْلُ فِعْلِ عَلِيٌّ، وَالْمُسَيِّبِ ﵄ عَلَى الضَّمَانِ، فَإِنَّهُ إذَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرِيمَيْنِ مَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ ذَلِكَ، وَلَزِمَ، وَتَحَوَّلَ الْحَقُّ الَّذِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَالِكٌ: لَا يُجْبَرُ الْمُحَالُ عَلَى قَبُولِ الْحَوَالَةِ - وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: لَوْ وَجَبَ إجْبَارُهُ لَوَجَبَ أَيْضًا إذَا أَحَالَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى آخَر أَنْ يُجْبَرَ عَلَى اتِّبَاعِهِ، ثُمَّ إذَا أَحَالَهُ ذَلِكَ عَلَى آخَر أَنْ يُجْبَرَ أَيْضًا عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَهَذَا أَبَدًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي هَذَا مَا فِيهِ، فَكَيْفَ وَاَلَّذِي اعْتَرَضُوا بِهِ فَاسِدٌ؟ لِأَنَّهُ مَطْلٌ مِنْ غَنِيٍّ، أَوْ حَوَالَةٌ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ، وَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَالْحَوَالَةُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَقْبَلَهَا، وَإِنَّمَا الْحَوَالَةُ عَلَى مَنْ يُعَجِّلُ الْإِنْصَافَ بِفِعْلِهِ لَا بِقَوْلِهِ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ حَوَالَةً بِنَصِّ الْحَدِيثِ [مَسْأَلَةٌ حَقُّ الْمُحِيلِ إذَا ثَبَتَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ] ١٢٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ثَبَتَ حَقُّ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةِ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ جَاحِدًا فَهِيَ حَوَالَةٌ صَحِيحَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِالْحَقِّ فَقَطْ - وَهَذِهِ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ وَاحْتَجَّ لَهُ مَنْ قَلَّدَهُ بِأَنَّهُ قَدْ تُجْرَحُ الْبَيِّنَةُ فَيَبْطُلُ الْحَقُّ؟ قُلْنَا: وَقَدْ يَرْجِعُ عَنْ إقْرَارِهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ، وَيُقِيمُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَدَّاهُ، فَيَبْطُلُ الْحَقُّ - وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ مَا لَمْ يَخُصُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]

стр. 2516

[مَسْأَلَةٌ الْحَوَالَةُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ عَلَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ] مَسْأَلَةٌ: وَتَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ عَلَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إلَى مِثْلِ أَجَلِهِ لَا إلَى أَبْعَدِ، وَلَا إلَى أَقْرَبَ وَتَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِالْحَالِ عَلَى الْحَالِ، وَلَا تَجُوزُ بِحَالِ عَلَى مُؤَجَّلٍ؛ وَلَا بِمُؤَجَّلِ عَلَى حَالٍ، وَلَا بِمُؤَجَّلِ عَلَى مُؤَجَّلٍ إلَى غَيْرِ أَجَلِهِ، لِأَنَّ فِي كُلِّ ذَلِكَ إيجَابُ تَأْجِيلِ حَالٍ أَوْ إيجَابِ حُلُولِ. مُؤَجَّلٍ. وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذْ لَمْ يُوجِبْهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ. وَأَمَّا الْمُؤَجَّلُ بِالْمُؤَجَّلِ إلَى أَجَلِهِ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي أَمْرِهِ ﵇: «مَنْ اُتُّبِعَ عَلَى مَلِيءٍ أَنْ يَتْبَعَهُ» . تَمَّ " كِتَابُ الْحَوَالَةِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

стр. 2517

[كِتَابُ الْكَفَالَةِ] [ مَسْأَلَةٌ تَعْرِيف الْكَفَالَة] ِ ١٢٣٠ - مَسْأَلَةٌ: الْكَفَالَةُ هِيَ الضَّمَانُ، وَهِيَ الزَّعَامَةُ، وَهِيَ الْقَبَالَةُ، وَهِيَ الْحَمَالَةُ. فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ حَقُّ مَالٍ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ - حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ - سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ الْحَقَّ إنْسَانٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ وَطِيبِ نَفْسِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ: فَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَانْتَقَلَ إلَى الضَّامِنِ وَلَزِمَهُ بِكُلِّ حَالٍ - وَلَا يَجُوزُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِ أَبَدًا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ - انْتَصَفَ أَوْ لَمْ يَنْتَصِفْ - وَلَا بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ - وَلَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِ أَبَدًا بِشَيْءٍ مِمَّا ضَمِنَ عَنْهُ أَصْلًا - سَوَاءٌ رَغِبَ إلَيْهِ فِي أَنْ يَضْمَنَهُ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ - إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: اضْمَنْ عَنِّي مَا لِهَذَا عَلَيَّ فَإِذَا أَدَّيْت عَنِّي فَهُوَ دَيْنٌ لَك عَلَيَّ: فَهَاهُنَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ لِأَنَّهُ اسْتَقْرَضَهُ مَا أَدَّى عَنْهُ: فَهُوَ قَرْضٌ صَحِيحٌ. أَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ الْكَفَالَةَ هِيَ الضَّمَانُ، وَالْحَمَالَةُ، وَالزَّعَامَةُ، وَالْقِبَالَةُ - وَالضَّامِنُ: هُوَ الْقَبِيلُ، وَالْكَفِيلُ، وَالزَّعِيمُ، وَالْحَمِيلُ، فَاللُّغَةُ، وَالدِّيَانَةُ لَا خِلَافَ فِيهِمَا فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا عُمُومُ جَوَازِ الضَّمَانِ فِي كُلِّ حَقٍّ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيْعٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ نَقْلُ حَقٍّ فَقَطْ. وَأَمَّا جَوَازُ الضَّمَانِ بِغَيْرِ رَغْبَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُسَدَّدُ بْنُ مَسَرَّةَ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ

стр. 2518

قَالَ: سَمِعْت أَبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وَإِنِّي عَاقِلُهُ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرَ، فَضَمِنَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُمْ الدِّيَةَ بِغَيْرِ رَغْبَتِهِمْ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ الضَّمَانُ إلَّا بِمَحْضَرِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَرِيضُ يَقُولُ لِوَرَثَتِهِ: أَيُّكُمْ يَضْمَنُ عَنِّي دَيْنَ فُلَانٍ عَلَيَّ فَيَضْمَنُهُ أَحَدُهُمْ - فَيَجُوزُ بِغَيْرِ مَحْضَرِ الطَّالِبِ. وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ أَصْلًا. وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ الْمُبْتَلَيْنَ بِتَقْلِيدِهِ أَنَّهُ عَقْدٌ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِمَحْضَرِهِمَا جَمِيعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ فَاسِدٌ - ثُمَّ إنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْفَسَادِ. أَوَّلُ ذَلِكَ -: أَنَّهُمْ يَنْتَقِضُونَ مِنْ قُرْبٍ فَيُجِيزُونَ نِكَاحَ الصَّغِيرَةِ بِغَيْرِ مَحْضَرِهَا، وَيُجِيزُونَ الضَّمَانَ لِدَيْنِ الْمَرِيضِ بِغَيْرِ مَحْضَرِ صَاحِبِ الْحَقِّ. ثُمَّ إنَّ الضَّمَانَ لَيْسَ عَقْدًا عَلَى الْمَضْمُونِ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الضَّامِنِ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا لِلْمَضْمُونِ لَهُ إنْصَافُهُ مِنْ حَقِّهِ فَقَطْ، فَإِنْ أُنْصِفَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى حَقِّهِ كَمَا كَانَ - وَرَامُوا الْفَرْقَ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ وَغَيْرِهَا بِأَنْ قَالُوا: إنَّ الدَّيْنَ قَدْ تَعَيَّنَ فِي مَالِ الْمَرِيضِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ كَذَبُوا مَا تَعَيَّنَ قَطُّ فِي مَالِهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجِيزُ ضَمَانَ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ إلَّا بِأَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ هَلَكَ - وَأَجَازُوا الضَّمَانَ عَلَى الْحَقِّ الْمُفْلِسِ - وَالدَّيْنُ قَدْ هَلَكَ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ يَكْسِبُ الْمُفْلِسُ مَالًا؟ قُلْنَا: وَقَدْ يَطْرَأُ لِلْمَيِّتِ مَالٌ لَمْ يَكُنْ عُرِفَ حِينَ مَوْتِهِ - وَهَذَا مِنْهُمْ خِلَافٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُجَرَّدٌ.

стр. 2519

وَمَنْ قَالَ - بِقَوْلِنَا فِي الضَّمَانِ عَنْ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَتْرُكُ وَفَاءً: مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ نا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ [﵁] قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثَلَاثَةٌ دَنَانِيرَ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ؟ فَصَلَّى عَلَيْهِ» . فَفِي هَذَا الْخَبَرِ جَوَازُ ضَمَانِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِدَيْنِهِ، بِخِلَافِ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ: أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ بِالضَّمَانِ جُمْلَةً، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَنْتَقِلْ إلَى ذِمَّةِ أَبِي قَتَادَةَ لَمَا كَانَتْ الْحَالُ إلَّا وَاحِدَةً، وَامْتِنَاعُهُ ﵇ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ ضَمَانِ أَبِي قَتَادَةَ لِدَيْنِهِ، ثُمَّ صَلَاتُهُ ﵇ عَلَيْهِ بَعْدَ ضَمَانِ أَبِي قَتَادَةَ: بُرْهَانٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ الْحَالَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى وَأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لَا يُتْرَكُ بِهِ وَفَاءٌ قَدْ بَطَلَ وَسَقَطَ بِضَمَانِ الضَّامِنِ، وَلَزِمَ ذِمَّةَ الضَّامِنِ بِقَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي أَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى دَيْنِهِ. فَصَحَّ أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الضَّامِنِ بَعْدُ لَا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. وَفِيهِ أَيْضًا: جَوَازُ الضَّمَانِ بِغَيْرِ مَحْضَرِ الطَّالِبِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ، وَإِذْ قَدْ سَقَطَ الدَّيْنُ بِالضَّمَانِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَجُوزُ رُجُوعُهُ بَعْدَ سُقُوطِهِ بِالدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ. وَأَيْضًا: الْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا حَمَّادُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: يَا قَبِيصَةُ إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ» وَذَكَرَ بَاقِي الْخَبَرِ - فَعَمَّ ﵇ إبَاحَةَ تَحَمُّلِ الْحَمَالَةِ عُمُومًا بِكُلِّ حَالٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ إنْ لَمْ يَرْضَ الْمَضْمُونُ لَهُ بِالضَّمَانِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا بِأَنْ يُوَفِّيَهُ أَيْضًا مِنْ حَقِّهِ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ إلَّا أَخْذُهُ مِنْهُ أَوْ تَرْكُهُ جُمْلَةً، وَلَا طَلَبَ لَهُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَعْدَهَا، فَلِأَنَّهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِلُزُومِ تَرْكِ طَلَبِ غَرِيمِهِ، بَلْ الضَّمَانُ حِينَئِذٍ مَطْلٌ

стр. 2520

لَهُ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» وَأَمَرَ ﵇ أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَإِنْ أُنْصِفَ فَقَدْ أُعْطِيَ حَقُّهُ، وَمَنْ أُعْطِيَ حَقَّهُ فَلَا حَقَّ لَهُ سِوَاهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ أَصْحَابُ اتِّبَاعٍ لِلْآثَارِ فَمِنْ أَيْنَ أَجَزْتُمْ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ بِهِ؟ قُلْنَا: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﵇ لَهُمْ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» بَيَانٌ فِي أَنَّهُ ﵇ الْمَخْصُوصُ بِهَذَا الْحُكْمُ وَحْدَهُ، لَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُ، لَا الْإِمَامُ وَلَا غَيْرُهُ؟ فَكَيْف وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِيَ بِمَيِّتِ، فَقَالَ: عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ» وَذَكَرَ الْخَبَرَ. وَمِمَّنْ أَجَازَ الضَّمَانُ عَنْ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ؛ وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ - وَمَا نَعْلَمُ لِأَبِي حَنِيفَةَ سَلَفًا فِي قَوْلِهِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ؛ وَأَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ: إنَّ لِلْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ بِحَقِّهِ إنْ شَاءَ الضَّامِنُ، وَإِنْ شَاءَ الْمَضْمُونُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ: إذَا كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ مَلِيًّا بِالْحَقِّ فَلَيْسَ لِطَالِبِ الْحَقِّ أَنْ يَطْلُبَ الضَّامِنَ، وَإِنَّمَا لَهُ طَلَبُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ الضَّامِنِ حِينَئِذٍ، وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ غَائِبًا، أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ فَيَخَافُ الْمَضْمُونُ لَهُ مُحَاصَّةَ الْغُرَمَاءِ فَلَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَطْلُبَ الضَّامِنَ [أَيْضًا] حِينَئِذٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ فَظَاهِرُ الْعَوَارِ، لِأَنَّهُ دَعَاوَى كُلُّهُ بِلَا بُرْهَانٍ، وَتَقْسِيمٌ بِلَا دَلِيلٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ مِنْ صَاحِبٍ أَوْ تَابِعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ.

стр. 2521

وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا، كَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْحَقَّ قَدْ سَقَطَ جُمْلَةً عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ إلَيْهِ أَبَدًا، وَإِنَّمَا حَقُّهُ عِنْدَ الضَّامِنِ أَنْصَفَهُ أَوْ لَمْ يُنْصِفْهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيِّ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَا جَمِيعًا: الْكَفَالَةُ، وَالْحَوَالَةُ سَوَاءٌ - وَقَدْ ذَكَرْنَا بُرْهَانَ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ مِنْ الْمُحَالِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ مَالُ وَاحِدٍ مَعْدُودٍ مَحْدُودٍ هُوَ كُلَّهُ عَلَى زَيْدٍ، وَهُوَ كُلُّهُ عَلَى عَمْرٍو، وَلَوْ كَانَ هَذَا لَكَانَ لِلَّذِي هُوَ لَهُ عَلَيْهِمَا أَنْ يَأْخُذَهُمَا جَمِيعًا بِجَمِيعِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ الْعَدَدُ مُضَاعَفًا، وَلَمَا سَقَطَ عَنْ أَحَدِهِمَا حَقٌّ قَدْ لَزِمَهُ بِأَدَاءِ آخَرَ عَنْ نَفْسِهِ مَا لَزِمَهُ أَيْضًا - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا. فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ وَاخْتِلَاطُ قَوْلِهِمْ وَأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا هُوَ لَهُ عَلَى أَيِّهِمَا طَلَبَهُ مِنْهُ؟ قُلْنَا: فَهَذَا أَدْخَلَ فِي الْمُحَالِ، لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ حَقُّهُ عَلَى وَاحِدٍ. مِنْهُمَا بَعْدُ - لَا عَلَى الضَّامِنِ وَلَا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ - فَإِذَا هُوَ كَذَلِكَ فَلَا حَقَّ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدُ. فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ فِي وَارِثَيْنِ تَرَكَ مُوَرِّثُهُمَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفُ دِرْهَمٍ: أَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ؟ وَتَقُولُونَ فِيمَنْ بَاعَ شِقْصًا مُشَاعًا، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُبْتَاعُ مِنْ آخَرَ، وَالثَّالِثُ مِنْ رَابِعٍ: أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ أَيِّهِمْ شَاءَ؟ وَتَقُولُونَ فِيمَنْ غَصَبَ مَالًا ثُمَّ وَهَبَهُ لِآخَرَ: فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ يَأْخُذُ بِمَالِهِ أَيَّهمَا شَاءَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مِمَّا أَنْكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ مَالٍ وَاحِدٍ عَلَى اثْنَيْنِ هُوَ كُلُّهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَمَّا الْوَارِثَانِ فَإِنَّهُمَا اقْتَسَمَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا اقْتِسَامَهُ، وَحَقُّ الْغَرِيمِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ بِعَيْنِهِ، لَا عِنْدَ الْوَارِثَيْنِ أَصْلًا، فَإِنَّمَا يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ حَيْثُ

стр. 2522

وَجَدَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَيَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ لِلْغَرِيمِ حِينَئِذٍ، وَالْقِسْمَةُ الْأُولَى فَاسِدَةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لِلْوَرَثَةِ إلَّا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَالدَّيْنِ. وَأَمَّا الْغَاصِبُ يَهَبُ مَا غَصَبَ فَحَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَحَقُّ الْغَاصِبِ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا يُؤَدِّي عَلَى الَّذِي وَهَبَهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ إنْ طَلَبَ الْغَاصِبَ طَلَبَهُ بِحَقِّهِ عِنْدَهُ، وَإِنْ طَلَبَ الْمَوْهُوبَ لَهُ طَلَبَهُ بِحَقِّ الْغَاصِبِ عِنْدَهُ مِنْ رَدِّ مَا وَهَبَهُ بِالْبَاطِلِ، فَإِذَا فَعَلَ اسْتَحَقَّ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِحَقِّهِ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا انْتَقَلَ ذَلِكَ الْمَالُ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَأَمَّا الشَّفِيعُ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ إمْضَاءَ الْبَيْعِ أَوْ رَدِّهِ، فَهُوَ يُمْضِي بَيْعَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيَرُدُّ بَيْعَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِحَقِّ الشُّفْعَةِ - فَظَهَرَ فَسَادُ تَنْظِيرِهِمْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. وَاحْتَجُّوا عَلَى خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «مَاتَ رَجُلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، دِينَارَانِ، فَقَالَ ﵇: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَقُّ الْغَرِيمِ عَلَيْكَ، وَبَرِيءَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ قَالَ ﵇ لِأَبِي قَتَادَةَ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا دَفَنَّاهُ أَمْسِ، ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدُ فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟ قَالَ: قَضَيْتُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ» . وَبِخَبَرَيْنِ آخَرَيْنِ لَا يَصِحَّانِ -: أَحَدُهُمَا: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . وَالْآخَرُ، فِيهِ: أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِعَلِيٍّ إذْ ضَمِنَ دَيْنَ الْمَيِّتِ: «فَكَّ اللَّهُ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُهُمْ بِأَخْبَارٍ هِيَ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. أَمَّا: «فَكَّ اللَّهُ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ» فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ وَلَا نَصٌّ عَلَى مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ بَقَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ قَدْ فَكَّ رِهَانَهُ بِضَمَانِهِ دَيْنَهُ فَقَطْ، فَإِنَّهُ حَوَّلَ دَيْنَهُ عَلَى نَفْسِهِ حَيًّا كَانَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَوْ مَيِّتًا.

стр. 2523

وَأَمَّا «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ حُكْمُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَا أَنَّهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَمْطُلْ بِدَيْنِهِ بَعْدَ طَلَبِ صَاحِبِهِ إيَّاهُ مِنْهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمُطَالَبَ بِدَيْنِهِ فِي الْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ مَطْلٍ بِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ، فَصَارَ ظَالِمًا، فَعَلَيْهِ إثْمُ الْمَطْلِ - أَعْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُعْسِرْ - وَإِنْ كَانَ حَقُّ الْغَرِيمِ فِيمَا يَتَخَلَّفُ مِنْ مَالٍ أَوْ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ مِنْ زَكَوَاتِ الْمُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَخْلُفْ مَالًا. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ذَنْبَ الْمَطْلِ إذَا قُضِيَ عَنْهُ مِمَّا يَخْلُفُ أَوْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ أَوْ قَضَاهُ عَنْهُ الضَّامِنُ فَفِي هَذَا جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ فِي تَشْدِيدِ أَمْرِ الدَّيْنِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَمْطُلْ قَطُّ بِهِ، فَلَمْ يَظْلِمْ، وَإِذَا لَمْ يَظْلِمْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَلَا تَبِعَةَ، وَحَقُّ الْغَرِيمِ إنْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِيمَا يَتَخَلَّفُ، أَوْ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ، وَالظَّالِمُ حِينَئِذٍ مَنْ مَطَلَهُ بَعْدَ مَوْتِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ وَرَثَةٍ أَوْ سُلْطَانٍ وَلَا إثْمَ عَلَى الْمَيِّتِ أَصْلًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَهُوَ لَمْ يَمْطُلْ فِي حَيَاتِهِ فَلَمْ يَظْلِمْ، وَإِذْ لَمْ يَظْلِمْ فِي حَيَاتِهِ فَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ الْإِنْصَافُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ فَقَطْ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [وَبِهِ نَتَأَيَّدُ] . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ فَأَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَوْ كَانَ لَهُمْ مَسْكَةُ إنْصَافٍ لِأَنَّ فِيهِ نَصًّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلضَّامِنِ عَنْ الْمَيِّتِ: «حَقُّ الْغَرِيمِ عَلَيْكَ وَبَرِيءَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ، قَالَ الضَّامِنُ: نَعَمْ» أَلَيْسَ فِي هَذَا كِفَايَةٌ لِمَنْ لَهُ مَسْكَةُ دِينٍ أَوْ أَقَلَّ تَمْيِيزٍ؟ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مَفْتُونُونَ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ قَضَاهُمَا: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ» ؟ . قُلْنَا: هَذَا لَا مُتَعَلِّقَ فِيهِ فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَا فِي رُجُوعِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّ نَصَّ الْخَبَرِ قَدْ وَرَدَ فِيهِ بِعَيْنِهِ: «أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ بَرِيءَ مِنْ الدَّيْنِ وَأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ عَلَى الزَّعِيمِ» فَلَا مَعْنَى لِلزِّيَادَةِ فِي هَذَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ» فَقَدْ أَصَابَ ﵇ مَا أَرَادَ، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ لَا نَشُكُّ فِيهِ، لَكِنْ نَقُولُ: إنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَبْرِيدٌ زَائِدٌ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ الْقَضَاءِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي حَرٍّ كَمَا تَقُولُ: لَقَدْ سَرَّنِي فِعْلُك، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ.

стр. 2524

وَكَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْ الْمَيِّتِ بِصَدَقَةٍ لَكَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ بِهَا رَوْحٌ زَائِدٌ وَلَا بُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي كَرْبٍ وَلَا غَمٍّ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ مَطَلَ وَهُوَ غَنِيٌّ فَحَصَلَ لَهُ الظُّلْمُ ثُمَّ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ذَلِكَ الظُّلْمَ بِالْقَضَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، إلَّا أَنَّهُ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَذَا أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْآخِرَةِ، وَنَحْنُ نَجِدُ مَنْ سَنَّ سُنَّةَ سُوءٍ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ إثْمُ ذَلِكَ وَإِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا أَبَدًا. وَنَجِدُ مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا أَبَدًا، فَقَدْ يُؤْجَرُ الْإِنْسَانُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَيُعَاقَبُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ لَهُ فِيهِمَا سَبَبٌ. وَقَدْ يَدْخُلُ الرَّوْحُ عَلَى مَنْ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا يَدْعُو لَهُ ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُنَا: لَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ بِمَا أَدَّى سَوَاءً بِأَمْرِهِ ضَمِنَ عَنْهُ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ اسْتَقْرَضَهُ، فَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ الْحَقِّ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَبَرَاءَتِهِ مِنْهُ وَاسْتِقْرَارِهِ عَلَى الضَّامِنِ. فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ وَالظُّلْمِ الْوَاضِحِ أَنْ يُطَالِبَ الضَّامِنُ مِنْ أَجْلِ أَدَائِهِ حَقًّا لَزِمَهُ وَصَارَ عَلَيْهِ وَاسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ مَنْ لَا حَقَّ قِبَلَهُ لَهُ، وَلَا لِلَّذِي أَدَّاهُ عَنْهُ، وَهَذَا لَا خَفَاءَ بِهِ وَمَا نَدْرِي لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ يَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا أَدَّى حُجَّةً أَصْلًا. وَقَالَ مَالِكٌ: يَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ سَوَاءٌ بِأَمْرِهِ ضَمِنَ عَنْهُ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ - وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَتَقْسِيمٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ وَاهٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ

стр. 2525

بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ؟ فَتَحَمَّلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ؟ قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . قَالَ عَلِيٌّ: فِي احْتِجَاجِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ عَجَبٌ أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو - وَهُوَ ضَعِيفٌ - ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَرَكُوا رِوَايَتَهُ فِي غَيْرِ قِصَّةٍ -: مِنْهَا - رِوَايَتُهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ نَفْسِهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» . ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ فِيهِ: «فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ» . فَصَحَّ أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ وَعَدَهُ ﵇ بِأَنْ يَأْتِيَهُ بِمَا تَحَمَّلَ عَنْهُ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا نَأْبَاهُ، بَلْ بِهِ نَقُولُ إذَا قَالَ الْمَضْمُونُ لِلضَّامِنِ: أَنَا آتِيَك بِمَا تَتَحَمَّلُ بِهِ عَنِّي. ثُمَّ الْعَجَبُ الثَّالِثُ - احْتِجَاجُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ، لِأَنَّ فِيهِ " أَنَّ مَا أُخِذَ مِنْ مَعْدِنٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ " وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - فَمَنْ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِخَبَرٍ لَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ فِيهِ، ثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ مَا فِيهِ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. [مَسْأَلَةٌ الْعَبْد وَالْحُرّ وَالْمَرْأَة وَالرَّجُل وَالْكَافِر وَالْمُؤْمِن فِي الضَّمَان سَوَاءٌ] ١٢٣١ - مَسْأَلَةٌ: وَحُكْمُ الْعَبْدِ، وَالْحُرِّ، وَالْمَرْأَةِ، وَالرَّجُلِ، وَالْكَافِرِ، وَالْمُؤْمِنِ: سَوَاءٌ، لِعُمُومِ النَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ ضَمَانُ مَا لَا يَدْرِي مِقْدَارُهُ] ١٢٣٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ ضَمَانُ مَا لَا يَدْرِي مِقْدَارُهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنَا أَضْمَنُ عَنْك مَا لِفُلَانٍ عَلَيْك، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وَلِإِخْبَارِهِ ﵇: أَنَّهُ «لَا يَحِلُّ مَالُ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَالتَّرَاضِي، وَطِيبُ النَّفْسِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَعْلُومِ الْقَدْرِ - هَذَا أَمْرٌ يُعْلَمُ بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ. [مَسْأَلَةٌ ضَمَانُ مَالٍ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ] ١٢٣٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ ضَمَانُ مَالٍ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ، كَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَنَا أَضْمَنُ لَك مَا تَسْتَقْرِضُهُ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ قَالَ لَهُ: اقْتَرِضْ مِنْ فُلَانٍ دِينَارًا وَأَنَا أَضْمَنُهُ عَنْك، أَوْ قَالَ لَهُ: أَقْرِضْ فُلَانًا دِينَارًا وَأَنَا أَضْمَنُهُ لَك - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
следующие страницы →