← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ، وَحُقُوقُ النَّاسِ جَائِزٌ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ آجَالِهَا - وَأَمَّا الصَّوْمُ فَمِنْ فَرَائِضِ الْأَبَدَانِ، وَفَرَائِضُ الْأَبَدَانِ لَا يُجْزِئُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ أَوْقَاتِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ فَاسِدَةٌ، وَهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى أَنَّ تَعْجِيلَ أَمْوَالِ النَّاسِ إنَّمَا تَجِبُ بِرِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مَعًا، لَا بِرِضَا أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَجِبُ أَيْضًا فِيمَا هُوَ حَقٌّ لِلْإِنْسَانِ بِعَيْنِهِ فَتَرَاضَى هُوَ وَغَرِيمُهُ عَلَى تَقْدِيمِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ إسْقَاطِهِ أَوْ إسْقَاطِ بَعْضِهِ. وَأَمَّا كُلُّ مَا لَيْسَ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَقْتُهُ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ، وَلَيْسَ هَهُنَا مَالِكٌ بِعَيْنِهِ يَصِحُّ رِضَاهُ فِي تَقْدِيمِهِ، لَا فِي تَأْخِيرِهِ، وَلَا فِي إسْقَاطِهِ، وَلَا فِي إسْقَاطِ بَعْضِهِ وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ فِيهِ إلَّا مَا حُدَّ لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] . وَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا: إنَّ حُقُوقَ النَّاسِ يَجُوزُ فِيهَا التَّأْخِيرُ وَالْإِسْقَاطُ، فَهَلْ يَجُوزُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْإِسْقَاطُ، أَوْ التَّأْخِيرُ إلَى أَجَلٍ أَوْ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ؟ فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً. وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ: فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَصَابُوا هَهُنَا فَقَدْ تَنَاقَضُوا جِدًّا لِأَنَّهُمْ أَجَازُوا تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ إثْرَ الْيَمِينِ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ. وَلَمْ يُجِيزُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ إثْرَ كَسْبِ الْمَالِ لَكِنْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِشَهْرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا أَجَازُوا تَقْدِيمَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إثْرَ ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ لَكِنْ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ فَأَقَلَّ فَقَطْ. وَلَمْ يُجِيزُوا تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَصْلًا، وَلَا بِسَاعَةٍ قَبْلَ مَا يُوجِبُهَا عِنْدَهُمْ مِنْ إرَادَةِ الْوَطْءِ، وَلَا أَجَازُوا تَقْدِيمَ كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَإِ قَبْلَ مَا يُوجِبُهَا مِنْ مَوْتِ الْمَقْتُولِ وَلَا بِطَرْفَةِ عَيْنٍ، وَلَا كَفَّارَةِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ قَتْلِهِ. وَأَجَازُوا إذْنَ الْوَرَثَةِ لِلْمُوصِي فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ لَهُمْ الْمَالُ بِمَوْتِهِ، فَظَهَرَ تَنَاقُضُ أَقْوَالِهِمْ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.

стр. 2452

وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَتَنَاقَضُوا أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ، لِأَنَّهُمْ أَجَازُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَتَقْدِيمَ زَكَاةِ الزَّرْعِ إثْرَ زَرْعِهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَجَازُوا تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جِرَاحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ - وَتَقْدِيمَ كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَإِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ. وَلَمْ يُجِيزُوا لِلْوَرَثَةِ الْإِذْنَ فِي الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ قَبْلَ وُجُوبِ الْمَالِ لَهُمْ بِالْمَوْتِ - وَلَا أَجَازُوا إسْقَاطَ الشَّفِيعِ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ عَرْضِ شَرِيكِهِ أَخْذَ الشِّقْصِ عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُوبِ أَخْذِهِ لَهُ بِالْبَيْعِ؛ فَظَهَرَ تَخْلِيطُهُمْ وَسُخْفُ أَقْوَالِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَعُوذُ مِنْ الْخِذْلَانِ. وَكُلُّهُمْ لَا يُجِيزُ الِاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَلَا قَضَاءَ دَيْنٍ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَلَا صَلَاةَ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا، وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا الْمَانِعِينَ مِنْ تَقْدِيمِ كُلِّ حَقٍّ لَهُ وَقْتٌ قَبْلَ وَقْتِهِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ إلَّا بِالْحِنْثِ، وَهِيَ فَرْضٌ بَعْدَ الْحِنْثِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَتَقْدِيمُهَا قَبْلَ أَنْ تَجِبَ تَطَوُّعٌ لَا فَرْضٌ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُجْزِئَ التَّطَوُّعُ عَنْ الْفَرْضِ. وَقَالُوا: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَالدَّلَائِلُ هَهُنَا تَكْثُرُ جِدًّا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَدِلَّةٌ صِحَاحٌ؛ وَنَحْنُ مُوَافِقُونَ لَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ قَبْلَ وَقْتِهِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، فَجَائِزٌ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ، لَكِنْ بَعْدَ إرَادَةِ الْحِنْثِ وَلَا بُدَّ. وَالثَّانِي: إسْقَاطُ الشَّفِيعِ حَقَّهُ بَعْدَ عَرْضِ الشَّفِيعِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ أَوْ يَتْرُكَ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَإِسْقَاطُهُ حَقَّهُ حِينَئِذٍ لَازِمٌ لَهُ فَقَطْ. وَإِنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ لِلنُّصُوصِ الْمُخْرِجَةِ لِهَذَيْنِ الشَّرْعَيْنِ عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الشَّرِيعَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ وَافَقَنَا هَهُنَا فِي تَصْحِيحِ قَوْلِنَا بِأَنْ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . قَالَ: فَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ بِنَفْسِ الْيَمِينِ.

стр. 2453

قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا حُجَّةَ لَنَا فِي هَذَا، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقِّنُ: عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْنَثْ فَلَا كَفَّارَةَ تَلْزَمُهُ، فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَفْسِ الْيَمِينِ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ - وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ فِي الْآيَةِ حَذْفًا بِلَا خِلَافٍ وَأَنَّهُ: فَأَرَدْتُمْ الْحِنْثَ، أَوْ حَنِثْتُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى مِنْهُمْ فِي أَنَّ الْمَحْذُوفَ هُوَ " فَأَرَدْتُمْ الْحِنْثَ " لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبُرْهَانٍ، فَوَجَبَ طَلَبُ الْبُرْهَانِ فِي ذَلِكَ -: فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ نا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا عَفَّانَ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ هُوَ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَوْلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يُحَدِّثُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ [قَالَ] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .

стр. 2454

فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ أَحْكَامِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْدِيمَ الْحِنْثِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ. وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحِنْثِ وَالْكَفَّارَةِ بِوَاوِ الْعَطْفِ الَّتِي لَا تُعْطِي رُتْبَةً - هَكَذَا جَاءَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا تَحِلُّ مُخَالَفَةُ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ، فَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ الْحَذْفَ الَّذِي فِي الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَرَدْتُمْ الْحِنْثَ أَوْ حَنِثْتُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ رَبِّهِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَلْيُكَفِّرْ ثُمَّ لِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» هُوَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] . قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَلَفْظَةُ " ثُمَّ " فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لَا تُوجِبُ تَعْقِيبًا، بَلْ هِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ مَا عَطَفَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ " بِثُمَّ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا -: أَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فَإِنَّ نَصَّ الْآيَاتِ هُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥] ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] . وَقَدْ ذَكَرْنَا «قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ الْخَيْرِ» فَصَحَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَظِيمُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي قَبُولِهِ كُلَّ عَمَلِ بِرٍّ عَمِلُوهُ فِي كُفْرِهِمْ ثُمَّ أَسْلَمُوا، فَالْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَهِيَ زَائِدَةٌ عَلَى سَائِرِ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَبُولِهِ تَعَالَى أَعْمَالَ مَنْ آمَنَ ثُمَّ عَمِلَ الْخَيْرَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 2455

وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] فَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا لِأَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ قَوْلُهُ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] . فَصَحَّ أَنَّ الصِّرَاطَ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ وَأَتَانَا بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ صِرَاطُ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ مُوسَى بِلَا شَكٍّ ثُمَّ آتَى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى الْكِتَابَ، فَهَذَا تَعْقِيبٌ بِمُهْلَةٍ لَا شَكَّ فِيهِ. فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] فَعَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَنْفُسَنَا وَصَوَّرَهَا، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعَهْدَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَسَجَدَ الْمَلَائِكَةَ لِآدَمَ ﵇، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ - ثُمَّ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ عَنْ ظَاهِرِهَا، أَوْ كَانَتْ " ثُمَّ " لِغَيْرِ التَّعْقِيبِ فِيهَا لَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِغَيْرِ التَّعْقِيبِ حَيْثُمَا وُجِدَتْ، لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ بِدَلِيلٍ فِي مَوْضِعٍ مَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ - وَهَذَا مِنْ تَمْوِيهِهِمْ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ إلَّا فِي تَحْيِيرِ مَنْ لَمْ يُمْعِنْ النَّظَرَ فِي أَوَّلِ مَا يَفْجَئُونَهُ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -: وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ كَانَا يُكَفِّرَانِ قَبْلَ الْحِنْثِ. وَبِهِ إلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ دَعَا غُلَامًا لَهُ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ حَنِثَ، فَصَنَعَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ. وَبِهِ إلَى ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَزْهَرُ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ: كَانَ يُكَفِّرُ قَبْلَ الْحِنْثِ -: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَالْحَسَنِ، وَرَبِيعَةَ، وَسُفْيَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ،

стр. 2456

وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْهَاشِمِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَا يُعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إلَّا أَنَّ مُمَوِّهًا مَوَّهَ بِرِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْأَسْلَمِيِّ هُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى - عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَحْنَثَ - وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ ابْنَ أَبِي يَحْيَى مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ، ثُمَّ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لِمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُجِزْ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ، إنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ الْحِنْثِ فَقَطْ - وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ هَذَا. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُعْتِقَ عَبْدَهُ فَأَعْتَقَهُ يَنْوِي كَفَّارَةَ تِلْكَ الْيَمِينِ] ١١٧٨ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُعْتِقَ عَبْدَهُ هَذَا، فَأَعْتَقَهُ يَنْوِي بِعِتْقِهِ ذَلِكَ كَفَّارَةَ تِلْكَ الْيَمِينِ لَمْ يُجْزِهِ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةِ الْمَسَاكِينِ فَأَطْعَمَهُمْ يَنْوِي بِذَلِكَ كَفَّارَةَ يَمِينِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ، لَكِنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَصُومَ فِي هَذِهِ الْجُمُعَةِ وَلَا يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَنْوِي بِهَا كَفَّارَةَ يَمِينِهِ تِلْكَ - وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ بِالصِّيَامِ - لَمْ يُجْزِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَنْ يَصُومَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَفَّارَةِ بِلَا شَكٍّ إسْقَاطُ الْحِنْثِ، وَالْحِنْثُ قَدْ وَجَبَ بِالْعِتْقِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالْكِسْوَةِ، فَلَا يَحْنَثُ بَعْدُ فِي يَمِينٍ قَدْ حَنِثَ فِيهَا، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَكُونُ الْحِنْثَ بِلَا شَكٍّ، بَلْ هِيَ الْمُبْطِلَةُ لَهُ، وَالْحَقُّ لَا يُبْطِلُ نَفْسَهُ. [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ الْكَفَّارَةِ] ١١٧٩ - مَسْأَلَةٌ وَصِفَةُ الْكَفَّارَةِ: هِيَ أَنَّ مَنْ حَنِثَ، أَوْ أَرَادَ الْحِنْثَ وَإِنْ لَمْ يَحْنَثْ بَعْدُ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ -: وَهُوَ إمَّا أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكْسُوَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ، وَإِمَّا أَنْ يُطْعِمَهُمْ: أَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَهُوَ فَرْضٌ، وَيَجْزِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: فَفَرْضُهُ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: مِنْ الْعِتْقِ، أَوْ الْكِسْوَةِ، أَوْ الْإِطْعَامِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] .

стр. 2457

وَمَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَلَا نُبْعِدُهُ، لِأَنَّ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أَنَّ هَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ، لَا عَلَى التَّخْيِيرِ - فَغَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ أَيْضًا: إنَّهُ عَلَى التَّرْتِيبِ. - وَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُجْزِيهِ بَدَل كَفَّارَة الْيَمِين] ١١٨٠ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يُجْزِيهِ بَدَلَ مَا ذَكَرْنَا: صَدَقَةٌ، وَلَا هَدْيٌ، وَلَا قِيمَةٌ، وَلَا شَيْءٌ سِوَاهُ أَصْلًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، فَمَنْ أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ قِيمَةً فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَقَدْ شَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . [مَسْأَلَةٌ حَنِثَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَفَّارَة ثُمَّ افْتَقَرَ] ١١٨١ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَنِثَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِطْعَامِ، أَوْ الْكِسْوَةِ، أَوْ الْعِتْقِ، ثُمَّ افْتَقَرَ فَعَجَزَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ: لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ أَصْلًا، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِينَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلَا يَجُوزُ سُقُوطُ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقِينًا بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ، لَكِنْ يُمْهَلُ حَتَّى يَجِدَ أَوْ لَا يَجِدَ، فَاَللَّهُ تَعَالَى وَلِيُّ حِسَابِهِ؛ وَأَمَّا مَا لَمْ يَحْنَثْ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وُجُوبُ كَفَّارَةٍ بَعْدُ إلَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا فَتُجْزِيهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ حَنِثَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْكَفَّارَة] ١١٨٢ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَنِثَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ -: فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ قَدَرَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ، مَتَى قَدَرَ فَلَا يُجْزِيهِ إلَّا الصَّوْمُ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالْكِسْوَةِ لَمْ يُجْزِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الصَّوْمَ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مَنْ يَصُومُ عَنْهُ، لِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وُجُوبُهُ حِينَ حَنِثَ، وَصَحَّ لُزُومُهُ إيَّاهُ فَلَا يَجُوزُ سُقُوطُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ يَقِينًا، لَا شَكَّ فِيهِ بِدَعْوَى كَاذِبَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ: إنْ أَيْسَرَ قَبْلَ أَنْ يَصُومَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الصَّوْمَ: انْتَقَلَ حُكْمُهُ إلَى الْعِتْقِ، أَوْ الْإِطْعَامِ، أَوْ الْكِسْوَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ دَعْوَى فَاسِدَةٌ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُعْسِرَ بَعْدَ أَنْ

стр. 2458

يُوسِرَ فَلَا يَنْقُلُونَهُ إلَى جَوَازِ الصِّيَامِ عَنْهُ، أَوْ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُوسِرَ بَعْدَ مَا يُعْسِرُ فَيَنْقُلُونَهُ إلَى وُجُوبِ الْعِتْقِ، أَوْ الْإِطْعَامِ، أَوْ الْكِسْوَةِ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا لَزِمَهُ الصِّيَامُ لِضَرُورَةِ عَدَمِهِ؟ قُلْنَا: كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا، وَأَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَاطِلِ، وَقَدْ وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى عَوَّضَ مِنْ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَقَتْلِ الْخَطَإِ -: الصِّيَامَ لَا الْإِطْعَامَ، ثُمَّ عَوَّضَ مِنْ الصِّيَامِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ الْإِطْعَامَ وَلَمْ يُعَوِّضْ مِنْهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إطْعَامًا، وَخَيَّرَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، وَالْهَدْيِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَ ﴿يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] وَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَا أَوْجَبَهُ. وَاخْتَلَفَ الْمُخَالِفُونَ لَنَا فِي هَذَا -: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: إنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ، أَوْ الْكِسْوَةِ، أَوْ الْعِتْقِ، قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ جَمِيعَ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ: بَطَلَ حُكْمُ الصَّوْمِ، وَلَزِمَهُ أَحَدُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إنْ كَانَ قَدْ أَتَمَّ صِيَامَ يَوْمَيْنِ صَامَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ تَمَامَ الْيَوْمَيْنِ انْتَقَلَ عَنْ حُكْمِ الصَّوْمِ وَلَزِمَهُ أَحَدُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: إنْ كَانَ قَدْ تَمَّ لَهُ صِيَامُ يَوْمٍ وَاحِدٍ تَمَادَى عَلَى صِيَامِ الْيَوْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَأَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتِمَّ لَهُ صِيَامُ يَوْمٍ وَاحِدٍ انْتَقَلَ عَنْ حُكْمِ الصَّوْمِ وَلَزِمَهُ أَحَدُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ - هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ أَيْسَرَ فَلْيَتَمَادَ فِي صَوْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ بَطَلَ حُكْمُ الصَّوْمِ وَانْتَقَلَ إلَى الْعِتْقِ، أَوْ الْكِسْوَةِ، أَوْ الْإِطْعَامِ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . وَهَذِهِ أَقْوَالٌ لَا نَصَّ قُرْآنٍ فِيهَا وَلَا سُنَّةٍ -: فَصَحَّ أَنَّهَا آرَاءٌ مُجَرَّدَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ

стр. 2459

يَسَارِهِ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الصَّوْمِ، وَبَيْنَ يَسَارِهِ بَعْدَ أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْحَالِ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا عَلَيْهِ مَا أَوْجَبَ. وَنَسْأَلُهُمْ كُلَّهُمْ عَمَّنْ حَنِثَ وَهُوَ مُعْسِرٌ: هَلْ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى كَفَّارَةٌ مُفْتَرَضَةٌ؟ أَمْ لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ مُفْتَرَضَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ كَفَّارَةً مُفْتَرَضَةً - وَلَوْ قَالُوا: غَيْرَ هَذَا لَخَالَفُوا نَصَّ الْقُرْآنِ بِلَا بُرْهَانٍ؛ فَإِذْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ، فَنَسْأَلُهُمْ مَا هِيَ؟ فَإِنْ قَالُوا: هِيَ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ؟ قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، فَإِذْ قَدْ أَقْرَرْتُمْ بِذَلِكَ فَمِنْ أَيْنَ سَقَطَتْ عِنْدَكُمْ بِيَسَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ. وَإِنْ قَالُوا: هِيَ غَيْرُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، أَوْ قَسَمُوا كَانُوا قَائِلِينَ بِلَا بُرْهَانٍ، وَكَفَوْنَا مُؤْنَتَهُمْ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ -. وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ. [مَسْأَلَةٌ مَا يُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ فِي كَفَّارَة الْيَمِين] ١١٨٣ - مَسْأَلَةٌ وَيُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ فِي كُلِّ ذَلِكَ: الْكَافِرُ، وَالْمُؤْمِنُ، وَالصَّغِيرُ، وَالْكَبِيرُ، وَالْمَعِيبُ، وَالسَّالِمُ، وَالذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى، وَوَلَدُ الزِّنَى، وَالْمُخْدِمُ، وَالْمُؤَاجِرُ، وَالْمَرْهُونُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرَةُ، وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمَنْذُورُ عِتْقُهُ، وَالْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ، وَالْمُكَاتَبُ مَا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَمْ يُجْزِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى الْمَرْءِ بِحُكْمٍ وَاجِبٍ، وَلَا نِصْفَا رَقَبَتَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ فِي " كِتَابِ الصِّيَامِ " فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ. وَعُمْدَةُ الْبُرْهَانِ فِي ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] . فَلَمْ يَخُصَّ رَقَبَةً مِنْ رَقَبَةٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا الرَّقَبَةَ فِي هَذَا عَلَى رَقَبَةِ الْقَتْلِ لَا تُجْزِئُ إلَّا مُؤْمِنَةٌ؟ قُلْنَا: فَقِيسُوهَا عَلَيْهَا فِي تَعْوِيضِ الْإِطْعَامِ مِنْهَا. فَإِنْ قَالُوا: لَا نَفْعَلُ، لِأَنَّنَا نُخَالِفُ الْقُرْآنَ وَنَزِيدُ عَلَى مَا فِيهِ؟ قُلْنَا: وَزِيَادَتُكُمْ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً وَلَا بُدَّ خِلَافٌ لِلْقُرْآنِ وَزِيَادَةٌ عَلَى

стр. 2460

مَا فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ جَائِزًا فَهُوَ فِي الْآخَرِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرَ جَائِزٍ فَهُوَ فِي الْآخَرِ غَيْرُ جَائِزٍ. فَإِنْ احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ: «إنَّ الْقَائِلَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّهُ لَطَمَ وَجْهَ جَارِيَةٍ لَهُ وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُهَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ ﵇: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهَا - بِنَصِّ الْخَبَرِ - لَمْ تَكُنْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَلَا وَطْءٍ فِي رَمَضَانَ، وَلَا عَنْ ظِهَارٍ. وَهُمْ يُجِيزُونَ الْكَافِرَةَ فِي الرَّقَبَةِ الْمَنْذُورَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَقَدْ خَالَفُوا مَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَاحْتَجُّوا بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: لَا تُجْزِئُ إلَّا مُؤْمِنَةٌ، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ عِتْقَ الْمُؤْمِنَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا يَجُوزَ عِتْقُ الْكَافِرَةِ، فَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ مِنْ عِتْقِهَا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ «أَنَّ الشَّرِيدَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّيَ أَمَرَتْنِي أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً، وَعِنْدِي أَمَةٌ سَوْدَاءُ أَفَأُعْتِقُهَا؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ اُدْعُ بِهَا؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ مَنْ رَبُّكِ؟ قَالَتْ: اللَّهُ، قَالَ: فَمَنْ أَنَا؟ قَالَتْ: رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» فَهَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ فِي رَقَبَةِ الْوَصِيَّةِ كَافِرَةً، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ انْسَنَدَ لَقُلْنَا بِهِ فِي الْمُوصَى بِعِتْقِهَا كَمَا وَرَدَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَمَا لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ كَافِرٌ كَذَلِكَ لَا يُعْتَقُ فِي الْفَرْضِ كَافِرٌ؟ قُلْنَا: هَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ هَذَا مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ، لِأَنَّهُ دَعْوَى لَا تُقَابَلُ إلَّا بِالتَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ فَقَطْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَلَا رَسُولَهُ ﵇.

стр. 2461

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: يُجْزِئُ الْيَهُودِيُّ، وَالنَّصْرَانِيُّ، فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَمِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُهُ أَيْضًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يُجْزِئُ الْأَعْمَى فِي الْكَفَّارَةِ. وَعَنْ الْحَسَنِ، وَطَاوُوسٍ: يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ فِي الْكَفَّارَةِ. وَعَنْ الْحَسَنِ، وَطَاوُوسٍ، وَالنَّخَعِيِّ: تُجْزِئُ أُمُّ الْوَلَدِ فِي الْكَفَّارَةِ. وَأَمَّا وَلَدُ الزِّنَى -: فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثَلَاثِ تَمَرَاتٍ، أَوْ أُمَتِّعَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ زِنًى؟ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لِعَبْدٍ لَهُ: لَوْلَا أَنَّك وَلَدُ زِنًى لَأَعْتَقْتُك. وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ: لَا يُجْزِئُ وَلَدُ الزِّنَى فِي رَقَبَةٍ وَاجِبَةٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ وَلَدَ زِنًى. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّوْرَقِيُّ نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ نا إسْرَائِيلُ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الضَّبِّيِّ عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «عَنْ النَّبِيِّ ﵇: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ وَلَدِ الزِّنَى فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ، نَعْلَانِ أُجَاهِدُ أَوْ قَالَ أُجَهِّزُ بِهِمَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ وَلَدَ الزِّنَى» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إسْرَائِيلُ ضَعِيفٌ، وَأَبُو يَزِيدَ مَجْهُولٌ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا هُشَيْمٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ قَالَا جَمِيعًا: لَا يُجْزِئُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَدُ زِنًى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَجَازَهُ طَاوُوسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ. وَلَا يُسَمَّى نِصْفَا رَقَبَتَيْنِ رَقَبَةً - وَمَنْ أَعْتَقَ بِحُكْمٍ فَلَمْ يُعْتِقْ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2462

[مَسْأَلَة لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَة إطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ يُرْدَدُ عَلَيْهِ] مَسْأَلَةٌ وَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَوْ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ يُرْدَدُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ، وَهُنَا خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ - وَرُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ الْحَسَنِ، وَخَالَفَهُ الشَّعْبِيُّ، وَلَا يُجْزِئُ إلَّا مِثْلُ مَا يُطْعِمُ الْإِنْسَانُ أَهْلَهُ، فَإِنْ كَانَ يُعْطِي أَهْلَهُ الدَّقِيقَ، فَلْيُعْطِ الْمَسَاكِينَ الدَّقِيقَ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِي أَهْلَهُ الْحَبَّ فَلْيُعْطِ الْمَسَاكِينَ الْحَبَّ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِي أَهْلَهُ الْخُبْزَ، فَلْيُعْطِ الْمَسَاكِينَ الْخُبْزَ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطْعَمَ أَهْلَهُ فَمِنْهُ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا، لِأَنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الْقُرْآنِ وَيُعْطِي مِنْ الصِّفَةِ، وَالْمَكِيلِ الْوَسَطِ - لَا الْأَعْلَى وَلَا الْأَدْنَى - كَمَا قَالَ . وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ -. وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعُ تَمْرٍ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَالَ: أَوْ أَكْلَةٌ مَأْدُومَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَكُّوكُ حِنْطَةٍ، وَمَكُّوكُ تَمْرٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وَالْمَكُّوكُ نِصْفُ صَاعٍ. قَالَ الْحَسَنُ: وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَهُمْ أَكْلَةً خُبْزًا، وَلَحْمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَخُبْزًا وَسَمْنًا وَلَبَنًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَخُبْزًا وَخَلًّا وَزَيْتًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ قَتَادَةَ أَيْضًا: مَكُّوكُ تَمْرٍ، وَمَكُّوكُ حِنْطَةٍ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مُدُّ بُرٍّ، وَمُدُّ تَمْرٍ - هَذَا كُلُّهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ: عَشْرَةُ أَمْدَادٍ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَمُدَّانِ لِلْحَطَبِ، وَالْإِدَامِ. وَعَنْ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ: يَجْمَعُهُمْ فَيُشْبِعُهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ: مُدُّ تَمْرٍ وَمُدُّ حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.

стр. 2463

وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ حِنْطَةٍ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ مِثْلُهُ أَيْضًا. وَعَنْ عَطَاءٍ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ إنْ كَانَ خُبْزًا يَابِسًا: فَعَشَاءٌ وَغَدَاءٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ يُغَدِّيهِمْ، وَيُعَشِّيهِمْ: خُبْزًا، وَزَيْتًا، وَسَمْنًا - وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا. وَعَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ: غَدَاءٌ، وَعَشَاءٌ. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا -: بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى نا أَبُو الْمُحَيَّاةِ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنْ كَانَ خُبْزًا يَابِسًا فَغَدَاءٌ وَعَشَاءٌ» وَهَذَا مُرْسَلٌ وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، وَمِنْ دَقِيقِ الْبُرِّ وَسَوِيقِهِ نِصْفُ صَاعٍ، وَمِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ وَسَوِيقِهِ صَاعٌ، فَإِنْ أَطْعَمَهُمْ: فَغَدَاءٌ، وَعَشَاءٌ - أَوْ غَدَاءٌ، وَغَدَاءٌ - أَوْ عَشَاءٌ وَعَشَاءٌ - أَوْ سَحُورٌ وَغَدَاءٌ - أَوْ سَحُورٌ وَعَشَاءٌ. وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: دَقِيقٌ وَلَا سَوِيقٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا حُجَّةَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْأَذَى لِلْمُحْرِمِ نِصْفَ صَاعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ - وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ نَصَّ ذَلِكَ الْخَبَرِ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ - وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ. وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ نا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ نا الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُعْطُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صَاعٍ» . وَهَذَا خَبَرٌ سَاقِطٌ، لِأَنَّ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ - وَقَدْ يُنْسَبُ إلَى جَدِّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ خِلَافًا لِقَوْلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ نِصْفَ صَاعِ تَمْرٍ أَلْبَتَّةَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُعَاوِيَةُ الضَّرِيرُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ

стр. 2464

ابْنِ عُمَرَ قَالَ ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قَالَ: الْخُبْزُ وَاللَّبَنُ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ، وَالْخُبْزُ وَالسَّمْنُ - وَمِنْ أَعْلَى مَا يُطْعِمُهُمْ: الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينٍ فَعَجَنَ فَأَطْعَمَهُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ يُقَوِّتُ أَهْلَهُ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ، وَبَعْضُهُمْ قُوتًا دُونًا، وَبَعْضُهُمْ قُوتًا وَسَطًا، فَقِيلَ ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ. وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ - وَهُوَ قَوْلُنَا، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا مَنْ حَدَّ كَيْلًا مَا، وَمَنْ مَنَعَ مِنْ إطْعَامِ الْخُبْزِ، وَالدَّقِيقِ، وَمَنْ أَوْجَبَ أَكْلَتَيْنِ، فَأَقْوَالٌ لَا حُجَّةَ لَهَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَةٌ الْكِسْوَة فِي الْكَفَّارَةِ] ١١٨٥ - مَسْأَلَةٌ وَأَمَّا الْكِسْوَةُ - فَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كِسْوَةٍ: قَمِيصٌ، أَوْ سَرَاوِيلُ، أَوْ مُقَنِّعٌ، أَوْ قَلَنْسُوَةٌ، أَوْ رِدَاءٌ، أَوْ عِمَامَةٌ، أَوْ بُرْنُسٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ. وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى كِسْوَةً دُونَ كِسْوَةٍ لَبَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فَتَخْصِيصُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَرُوِّينَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ الْكِسْوَةِ فِي الْكَفَّارَةِ؟ فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ وَفْدًا دَخَلُوا عَلَى أَمِيرِهِمْ فَكَسَا كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَلَنْسُوَةً، قَالَ النَّاسُ: إنَّهُ قَدْ كَسَاهُمْ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ التَّنُّورِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ -: وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: تُجْزِئُ الْعِمَامَةُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.

стр. 2465

وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُجْزِي إلَّا مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ - وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ - وَاخْتَلَفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السَّرَاوِيلِ وَحْدَهَا، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ عِمَامَةٌ فَقَطْ، وَقَالُوا: لَوْ أَنَّ إنْسَانًا لَمْ يَلْبَسْ إلَّا عِمَامَةً فَقَطْ، لَقَالَ النَّاسُ: هَذَا عُرْيَانُ -: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ لَنَا: اُكْسُوهُمْ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِهِ اسْمُ عُرْيَانَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَلَوْ أَنَّ امْرَأً لَبِسَ قَمِيصًا، وَسَرَاوِيلَ فِي الشِّتَاءِ لَقَالَ النَّاسُ: هَذَا عُرْيَانُ - وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذْ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ تُجْزِئُ الْعِمَامَةُ وَهِيَ كِسْوَةٌ ثُمَّ يَقُولُ: لَوْ كَسَاهُمْ ثَوْبًا وَاحِدًا يُسَاوِي عَشْرَةَ أَثْوَابٍ، أَوْ أَعْطَاهُمْ بَغْلَةً، أَوْ حِمَارَةً تُسَاوِي عَشْرَةَ أَثْوَابٍ أَجْزَأَهُ -: ثُمَّ تَدَبَّرْنَا هَذَا -: فَرَأَيْنَا ضَرُورَةَ أَنَّ الْكِسْوَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُنَافِيَةٌ لِلْعُرْيِ، إذْ مُمْتَنَعٌ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ كَاسِيًا عَارِيًّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ يَكُونُ كَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ كَاسِيًا، وَبَعْضُهُ عَارِيًّا أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِ كِسْوَةٌ تَعُمُّهُ، وَلَا تَسْتُرُ بَشَرَتَهُ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ» فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الْكِسْوَةَ لَا يَكُونُ مَعَهَا عُرْيٌ إذَا كَانَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَطْلَقَهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا بِإِضَافَةٍ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ كِسْوَةٌ سَابِغَةٌ إلَّا أَنَّ رَأْسَهُ عَارٍ أَوْ ظَهْرَهُ أَوْ عَوْرَتَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى كَاسِيًا، وَلَا مُكْتَسِيًا إلَّا بِإِضَافَةٍ، فَوَجَبَ ضَرُورَةً أَنْ لَا تَكُونَ الْكِسْوَةُ إلَّا عَامَّةً لِجَمِيعِ الْجِسْمِ، سَاتِرَةً لَهُ عَنْ الْعُيُونِ، مَانِعَةً مِنْ الْبَرْدِ، لِأَنَّهُ بِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي " كَانُونَ الْأَوَّلِ " مُغَطًّى بِرِدَاءِ قَصَبٍ فَقَطْ: أَنَّهُ لَا يُسَمِّيهِ أَحَدٌ كَاسِيًا، بَلْ هُوَ عُرْيَانُ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كِسْوَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِطْعَامُهُمْ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ] ١١٨٦ - مَسْأَلَةٌ وَيُجْزِئُ كِسْوَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِطْعَامُهُمْ إذَا كَانُوا مَسَاكِينَ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ هَهُنَا نَصٌّ بِتَخْصِيصِ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ فِي الزَّكَاةِ: أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ. [مَسْأَلَةٌ الصَّوْم الْمُتَفَرِّقُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ] ١١٨٧ - مَسْأَلَةٌ وَيُجْزِئُ الصَّوْمُ لِلثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ مُتَفَرِّقَةٍ إنْ شَاءَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ،

стр. 2466

وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُجْزِي إلَّا مُتَتَابِعَةً - وَاحْتَجُّوا بِقِيَاسِهَا عَلَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْقَتْلِ، وَقَالُوا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " مُتَتَابِعَاتٍ ". قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مِنْ الْعَجَائِبِ أَنْ يَقِيسَ الْمَالِكِيُّونَ: الرَّقَبَةَ فِي أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَلَا يَقِيسُهَا الْحَنَفِيُّونَ عَلَيْهَا، وَيَقِيسُ الْحَنَفِيُّونَ الصَّوْمَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي وُجُوبِ كَوْنِهِ مُتَتَابِعًا عَلَى صَوْمِ كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَإِ، وَالظِّهَارِ، وَلَا يَقِيسُهُ الْمَالِكِيُّونَ عَلَيْهِ، فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ الْمَقَايِيسِ الْمُتَخَاذِلَةِ الْمَحْكُومِ بِهَا فِي الدِّينِ مُجَازَفَةً؟ وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهِيَ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ إلَى غَرْبِهَا أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، وَحَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ لَيْسَ فِيهَا مَا ذَكَرُوا ثُمَّ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ أَنْ يَزِيدُوا فِي الْقُرْآنِ الْكَذِبَ الْمُفْتَرَى نَصْرًا لِأَقْوَالِهِمْ الْفَاسِدَةِ، وَهُمْ يَأْبَوْنَ مِنْ قَبُولِ التَّغْرِيبِ فِي الزِّنَى، لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مِنْ النَّاسِ فِي أَنْ يَزِيدُوا فِي الْقُرْآنِ مَا يَكُونُ مَنْ زَادَهُ فِيهِ كَافِرًا وَمَا إنْ قَرَأَ بِهِ فِي الْمِحْرَابِ اُسْتُتِيبَ وَإِنْ كَتَبَهُ فِي مُصْحَفٍ قُطِعَتْ الْوَرَقَةُ أَوْ بُشِرَ نَصْرًا لِتَقْلِيدِهِمْ، فَإِذْ لَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى تَتَابُعًا مِنْ تَفْرِيقٍ، فَكَيْفَمَا صَامَهُنَّ أَجْزَأَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ الحانث فِي الْيَمِين عِنْدَهُ مَا يُطْعِمُ مِنْهُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ] ١١٨٨ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَقُوتِ أَهْلِهِ مَا يُطْعِمُ مِنْهُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ أَصْلًا، لِأَنَّهُ وَاجِدٌ، وَلَا يُجْزِئُ الْوَاجِدُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وَجَدَ، وَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ إلَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ. وَالْعَبْدُ، وَالْحُرُّ، فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَمَنْ حَدَّ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا مِنْ قُوتِ جُمُعَةٍ، أَوْ أَشْهُرٍ، أَوْ سَنَةٍ؛ كُلِّفَ الدَّلِيلَ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ؟ [مَسْأَلَةٌ لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَة إطْعَامُ بَعْضِ الْعَشَرَةِ وَكِسْوَةُ بَعْضِهِمْ] ١١٨٩ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُ بَعْضِ الْعَشَرَةِ وَكِسْوَةُ بَعْضِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ: يُجْزِئُ - وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى إثْمٍ] ١١٩٠ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى إثْمٍ فَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَيُكَفِّرَ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَا لَيْسَ إثْمًا فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» .

стр. 2467

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ هَذَا احْتِجَاجًا صَحِيحًا لَوْلَا مَا رُوِّينَاهُ فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الْوَتْرِ مِنْ «قَوْلِ الْقَائِلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ إذْ ذَكَرَ لَهُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ - وَقَالَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَالزَّكَاةِ كَذَلِكَ، وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ؟ فَقَالَ ﵇: أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ» . وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّطَوُّعَ بَعْدَ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِ التَّطَوُّعِ وَخَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﵇ يَمِينَهُ تِلْكَ، وَلَا أَمْرَهُ بِأَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، بَلْ حَسَّنَ لَهُ ذَلِكَ. فَصَحَّ أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ نَدْبٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2468

[كِتَابُ الْقَرْضِ] [ مَسْأَلَةٌ تَعْرِيف الْقَرْض] ِ وَهُوَ الدَّيْنُ ١١٩١ - مَسْأَلَةٌ: الْقَرْضُ فِعْلُ خَيْرٍ، وَهُوَ أَنْ تُعْطِيَ إنْسَانًا شَيْئًا بِعَيْنِهِ مِنْ مَالِك تَدْفَعُهُ إلَيْهِ لِيَرُدَّ عَلَيْك مِثْلَهُ إمَّا حَالًّا فِي ذِمَّتِهِ وَإِمَّا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] [مَسْأَلَةٌ الْقَرْضُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ وَتَمْلِيكُهُ] ١١٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالْقَرْضُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ وَتَمْلِيكُهُ بِهِبَةِ أَوْ غَيْرِهَا سَوَاءٌ جَازَ بَيْعَةُ أَوْ لَمْ يَجُزْ - لِأَنَّ الْقَرْضَ هُوَ غَيْرُ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِثَمَنٍ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِ نَوْعِ مَا بِعْت. وَلَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ إلَّا رَدُّ مِثْلِ مَا اُقْتُرِضَ لَا مِنْ سِوَى نَوْعِهِ أَصْلًا [مَسْأَلَةٌ لَا يَشْتَرِطَ رَدًّا أَكْثَرَ مِمَّا اقترض وَلَا أَقَلَّ] ١١٩٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَشْتَرِطَ رَدًّا أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ وَلَا أَقَلَّ، وَهُوَ رِبًا مَفْسُوخٌ، وَلَا يَحِلُّ اشْتِرَاطُ رَدِّ أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ وَلَا أَدْنَى وَهُوَ رِبًا، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ نَوْعٍ غَيْرِ النَّوْعِ الَّذِي أَخَذَ، وَلَا اشْتِرَاطُ أَنْ يَقْضِيَهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَلَا اشْتِرَاطُ ضَامِنٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ» .

стр. 2469

وَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْقَرْضِ. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّأْيِيدُ. [مَسْأَلَةٌ تَطَوَّعَ عِنْدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ] ١١٩٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ تَطَوَّعَ عِنْدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ، أَوْ أَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَخَذَ، أَوْ أَدْنَى مِمَّا أَخَذَ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ. وَمُعْطِي أَكْثَرَ مِمَّا اقْتَرَضَ وَأَجْوَدَ مِمَّا اقْتَرَضَ مَأْجُورٌ. وَاَلَّذِي يَقْبَلُ أَدْنَى مِمَّا أَعْطَى، أَوْ أَقَلَّ مِمَّا أَعْطَى مَأْجُورٌ. وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَادَةً أَوْ لَمْ يَكُنْ، مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَرْطٍ، وَكَذَلِكَ إنْ قَضَاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَلَا فَرْقَ -: فَهُوَ حَسَنٌ مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَرْطٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَمُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: نا خَلَّادٌ، وَقَالَ مُوسَى: نا وَكِيعٌ، ثُمَّ اتَّفَقَ خَلَّادٌ وَوَكِيعٌ، قَالَا: نا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كَانَ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي» وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِنًّا فَأَعْطَاهُ سِنًّا فَوْقَ سِنِّهِ وَقَالَ: خِيَارُكُمْ مَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً» وَهُوَ قَوْلُ السَّلَفِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَضَانِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَزَادَنِي نَحْوًا مِنْ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَقَاضَيْت الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ دَيْنًا لِي عَلَيْهِ فَوَجَدْته قَدْ خَرَجَ مِنْ الْحَمَّامِ فَقَضَانِي وَلَمْ يَزِنْهُ، فَوَزَنْته فَوَجَدْته قَدْ زَادَنِي عَلَى حَقِّي سَبْعِينَ دِرْهَمًا. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: إنِّي أَسْلَفْت رَجُلًا سَلَفًا وَاشْتَرَطْت أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْته؛ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَلِكَ الرِّبَا، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا - وَفِيهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَرَى أَنْ تَشُقَّ صَكَّك فَإِنْ أَعْطَاك مِثْلَ الَّذِي أَسْلَفْته قَبِلْته، وَإِنْ أَعْطَاك دُونَ مَا

стр. 2470

أَسْلَفْته فَأَخَذْته أُجِرْت، وَإِنْ أَفْضَلَ مِمَّا أَسْلَفْته طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَذَلِكَ شُكْرٌ شَكَرَهُ لَك وَهُوَ أَجْرُ مَا أَنْظَرْته. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: اقْتَرَضَ مِنِّي ابْنُ عُمَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَضَانِي أَجْوَدَ مِنْ دَرَاهِمِي، وَقَالَ لِي: مَا كَانَ فِيهَا مِنْ فَضْلٍ فَهُوَ نَائِلٌ مِنِّي لَك أَتَقْبَلُهُ؟ قُلْت: نَعَمْ - وَلَا يُعْرَفُ لِهَذَيْنِ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إلَّا رِوَايَةً عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَسْلِفُ مِنْ التُّجَّارِ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ إلَى الْعُمَّالِ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَحَكَى شُعْبَةُ: أَنَّهُ سَأَلَ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَمَّنْ اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْهَا؟ فَقَالَا جَمِيعًا: إذَا كَانَ لَيْسَ مِنْ نِيَّتِهِ فَلَا بَأْسَ وَصَحَّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَا جَمِيعًا: لَا بَأْسَ أَنْ تُقْرِضَ دَرَاهِمَ بِيضًا وَتَأْخُذَ سُودًا، أَوْ تُقْرِضَ سُودًا وَتَأْخُذَ بِيضًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا قَطَرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَشْعَثِ الْحُمْرَانِيِّ قَالَ: سَأَلْت الْحَسَنَ؟ فَقُلْت: يَا أَبَا سَعِيدٍ لِي جَارَاتٌ وَلَهُنَّ عَطَاءٌ فَيَقْتَرِضْنَ مِنِّي وَنِيَّتِي فِي فَضْلِ دَرَاهِمِ الْعَطَاءِ عَلَى دَرَاهِمِي؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ إذَا أَسْلَفْتَ طَعَامًا فَأَعْطَاكَهُ بِأَرْضِ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ عَنْ شَرْطٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَهُوَ كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَأَجَازَ مَالِكٌ: أَنْ يَرُدَّ أَفْضَلَ مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ عَادَةٍ، وَلَمْ يُجِزْ أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ - وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ خِلَافُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أَوْرَدْنَا. وَأَمَّا فَرْقُهُ بَيْنَ الْعَادَةِ وَغَيْرِهَا -: فَخَطَأٌ، لِأَنَّهُ إنْ جَازَ مَرَّةً جَازَ أَلْفَ مَرَّةٍ وَلَا فَرْقَ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَالْإِكْثَارُ مِنْ الْخَيْرِ خَيْرٌ؛ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَالشَّرُّ لَا يَجُوزُ لَا مَرَّةً وَلَا مِرَارًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ.

стр. 2471

وَأَمَّا مَنْعُهُ مِنْ رَدِّ أَكْثَرَ -: فَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ إجَازَتِهِ الزِّيَادَةَ حَيْثُ هِيَ الرِّبَا الْمَكْشُوفُ الْمُحَرَّمُ، إذْ يُجِيزُ مُبَادَلَةَ دِينَارٍ نَاقِصٍ بِدِينَارِ زَائِدٍ عَلَيْهِ فِي وَزْنِهِ بِمُشَارَطَةٍ فِي حِينِ الْمُبَادَلَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الدِّرْهَمِ النَّاقِصِ بِالدِّرْهَمِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ فِي وَزْنِهِ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ فَضْلُ مَا بَيْنَهُمَا رِبًا» ثُمَّ يَمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي قَضَاءِ الْقَرْضِ وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَضَّ عَلَيْهِ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ [وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] . [مَسْأَلَةٌ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ مَا اسْتَقْرَضَ] ١١٩٥ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ مَا اسْتَقْرَضَ لَمْ يَحِلَّ أَصْلًا - لَا بِشَرْطٍ وَلَا بِغَيْرِ شَرْطٍ - مِثْلُ: أَنْ يَكُونَ أَقْرَضَهُ ذَهَبًا فَيَرُدُّ عَلَيْهِ فِضَّةً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَهُوَ إذَا رَدَّ غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَخَذَ غَيْرَ حَقِّهِ، وَمَنْ أَخَذَ غَيْرَ حَقِّهِ فَقَدْ أَكَلَ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ كَأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ عِنْدَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ؟ قُلْنَا: هَذَا حَرَامٌ لَا يَحِلُّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَحِلُّ الْبَيْعُ إلَّا فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك، وَبَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ. وَكُلُّ هَذَا قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا رِبًا مَحْضٌ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي " أَبْوَابِ الرِّبَا " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ احْتَجُّوا بِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ خَبَرٌ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُ عَلَى مَا نَذْكُرُ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ مَنْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا فَقَدْ مَلَكَهُ] ١١٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا فَقَدْ مَلَكَهُ، وَلَهُ بَيْعُهُ إنْ شَاءَ، وَهِبَتُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، كَسَائِرِ مِلْكِهِ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ - وَبِهِ جَاءَتْ النُّصُوصُ. [مَسْأَلَةٌ الدَّيْنُ لَوْ كَانَ حَالًّا] ١١٩٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا كَانَ لِلَّذِي أَقْرَضَ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَقْرَضَ مَتَى أَحَبَّ - إنْ شَاءَ إثْرَ إقْرَاضِهِ إيَّاهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْظَرَهُ بِهِ إلَى انْقِضَاءِ حَيَاتِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ إيَّاهُ بِهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْتَفِعُ فِيهَا الْمُسْتَقْرِضُ بِمَا اسْتَقْرَضَ - وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّهُ دَعْوًى بِلَا بُرْهَانٍ.

стр. 2472

وَأَيْضًا - فَإِنَّهُ أَوْجَبَ هَاهُنَا أَجَلًا مَجْهُولَ الْمِقْدَارِ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ - ثُمَّ هُوَ الْمُوجِبُ لَهُ لَا يَحُدُّ مِقْدَارَهُ، فَأَيُّ دَلِيلٍ أَدَلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَائِلُهُ يُوجِبُ فِيهِ مِقْدَارًا [مَا] لَا يَدْرِي هُوَ وَلَا غَيْرُهُ مَا هُوَ؟ وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَمَنْ مَنَعَ مِنْ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَهُ ﵇ [مَسْأَلَةٌ طَالَبَهُ بِدَيْنِهِ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْرَضُ حَاضِرٌ عِنْدَ الْمُسْتَقْرِضِ] ١١٩٨ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِدَيْنِهِ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْرَضُ حَاضِرٌ عِنْدَ الْمُسْتَقْرِضِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْبَرَ الْمُسْتَقْرِضُ عَلَى [شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ] أَنْ يَرُدَّ الَّذِي أَخَذَ بِعَيْنِهِ وَلَا بُدَّ، لَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ مِثْلِهِ - إمَّا ذَلِكَ الشَّيْءُ وَإِمَّا غَيْرُهُ مِثْلُهُ مِنْ نَوْعِهِ - لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الَّذِي اسْتَقْرَضَ وَصَارَ كَسَائِرِ مَالِهِ وَلَا فَرْقَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى إخْرَاجِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ، إذْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُهُ قُضِيَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِرَدِّهِ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَعْجِيلِ إنْصَافِ غَرِيمِهِ، فَتَأْخِيرُهُ بِذَلِكَ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِنْصَافِ - ظُلْمٌ. وَقَدْ قَالَ ﵇: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» وَهَذَا غَنِيٌّ فَمَطْلُهُ ظُلْمٌ. [مَسْأَلَةٌ الْقَرْضُ إذَا كَانَ إلَى أَجَلٍ] ١١٩٩ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ إلَى أَجَلٍ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِمَا أَنْ يَكْتُبَاهُ وَأَنْ يُشْهِدَا عَلَيْهِ عَدْلَيْنِ فَصَاعِدًا أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، عُدُولًا فَصَاعِدًا. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ وَلَمْ يَجِدَا كَاتِبًا فَإِنْ شَاءَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يَرْتَهِنَ بِهِ رَهْنًا فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرْتَهِنَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ الْحَالِّ - لَا فِي السَّفَرِ وَلَا فِي الْحَضَرِ -. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَى قَوْلِهِ -: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] : إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَى قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَلَيْسَ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا الطَّاعَةُ.

стр. 2473

وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ نَدْبٌ، فَقَدْ قَالَ: الْبَاطِلَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَيَقُولُ قَائِلٌ: لَا أَكْتُبُ إنْ شِئْت. وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَيَقُولُ قَائِلٌ: لَا أُشْهِدُ - وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ، أَوْ بِضَرُورَةِ جَسٍّ. وَكُلُّ هَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا، وَطَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَنَتَقَصَّى ذَلِكَ فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [مَسْأَلَةٌ لَقِيَ غَرِيمَهُ فِي بَلَدٍ وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَدْ بَلَغَ أَجَلَهُ] ١٢٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَقِيَ غَرِيمَهُ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبٍ - وَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَدْ بَلَغَ أَجَلَهُ - فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ، وَأَخْذُهُ بِحَقِّهِ، وَيُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى إنْصَافِهِ - عَرَضًا كَانَ الدَّيْنُ، أَوْ طَعَامًا، أَوْ حَيَوَانًا، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِم - كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُجْبَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَنْ لَا يَنْتَصِفَ إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَدَايَنَا فِيهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» . وَأَمْرُهُ ﵇ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى إنْصَافِهِ إلَّا حَيْثُ تَدَايَنَا فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ لِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: إنْ كَانَ التَّدَايُنُ بِالْأَنْدَلُسِ، ثُمَّ لَقِيَهُ بِصِينِ الصِّينِ سَاكِنًا هُنَالِكَ، أَوْ كِلَاهُمَا، أَتَرَى حَقَّهُ قَدْ سَقَطَ أَوْ يُكَلَّفُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ هُوَ وَصَاحِبُ الْحَقِّ النُّهُوضَ إلَى الْأَنْدَلُسِ لِيُنْصِفهُ هُنَالِكَ مِنْ مَدِينٍ. ثُمَّ لَوْ طَرَدُوا قَوْلَهُمْ لَلَزِمَهُمْ أَنْ لَا يُجِيزُوا الْإِنْصَافَ إلَّا فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي كَانَا فِيهَا بِأَبْدَانِهِمَا حِينَ التَّدَايُنِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ هَذَا، فَنَحْنُ نَزِيدُهُمْ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا شِبْرًا حَتَّى نَبْلُغَهُمْ إلَى أَقْصَى الْعَالَمِ. وَلَوْ حَقَّقَ كُلُّ ذِي قَوْلٍ قَوْلَهُ، وَحَاسَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ لَا يَقُولَ فِي الدِّينِ إلَّا مَا جَاءَ بِهِ قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةً؛ لَقَلَّ الْخَطَأُ، وَلَكَانَ أَسْلَمَ لِكُلِّ قَائِلٍ. وَمَا تَوْفِيقُنَا إلَّا بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ.

стр. 2474

[مَسْأَلَةٌ أَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ أَنْ يُعَجِّلَهُ] مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ أَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَمْ يُجْبَرْ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى قَبُولِهِ أَصْلًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَتَعَجَّلَ قَبْضَ دَيْنِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْبَرَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى أَدَائِهِ -: سَوَاءٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، وَالطَّعَامُ كُلُّهُ، وَالْعَرُوضُ كُلُّهَا، وَالْحَيَوَانُ. فَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى تَعْجِيلِ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ، أَوْ عَلَى تَأْخِيرِهِ بَعْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ، أَوْ بَعْضِهِ: جَازَ كُلُّ ذَلِكَ -. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا. وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: إنْ كَانَ مِمَّا لَا مُؤْنَةَ فِي حَمْلِهِ وَنَقْلِهِ أُجْبِرَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا فِيهِ مُؤْنَةٌ فِي حَمْلِهِ وَنَقْلِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِف لَهُ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ شَرْطَ الْأَجَلِ قَدْ صَحَّ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ مَا صَحَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا هَذَا الشَّرْطَ الصَّحِيحَ الَّذِي أَثْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. وَأَجَازُوا الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ الَّتِي أَبْدَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، كَمَنْ اشْتَرَطَ لِامْرَأَتِهِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَكُلَّ سُرِّيَّةٍ يَتَّخِذُهَا عَلَيْهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَأَنْ لَا يُرَحِّلَهَا عَنْ دَارِهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا وَاحْتَجُّوا هَاهُنَا بِرِوَايَةِ مَكْذُوبَةٍ وَهِيَ " الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " فَهَلَّا احْتَجُّوا بِهَا إذْ هِيَ عِنْدَهُمْ صَحِيحَةٌ فِي إنْفَاذِ شَرْطِ التَّأْجِيلِ الْمُسَمَّى بِالدَّيْنِ، فَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْأُمُورَ تَرَوْا الْعَجَبَ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ احْتَجُّوا فِي هَذَا بِعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمَا فِي الْقَضَاءِ بِقَبُولِ تَعْلِيمِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَجَلِهَا، وَقَدْ أَخْطَئُوا فِي هَذَا مِنْ وُجُوهٍ.

стр. 2475

أَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيمَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فِي الْكِتَابَةِ خَاصَّةً، فَقَاسُوا عَلَيْهَا سَائِرَ الدُّيُونِ، وَهُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الدُّيُونِ فِي جَوَازِ الْحَمَّالَة وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ عُمَرُ، وَعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ أَنَسٍ فَلَمْ يَرَ تَعْجِيلَ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَجَلِهَا. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ خَالَفُوا عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فِي مُئِينَ مِنْ الْقَضَايَا. مِنْهَا - إجْبَارُ عُمَرَ سَادَات الْعَبِيدِ عَلَى كِتَابَتِهِمْ بِالضَّرْبِ إذَا طَلَبَ الْعَبِيدُ ذَلِكَ، وَغَيْرُ هَذَا كَثِيرٌ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمَا حُجَّةً فِي مَوْضِعٍ غَيْرَ حُجَّةٍ فِي آخَر. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا، لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُمَا وَضْعُ الْكِتَابَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ يُعْطِي السَّيِّدَ فِي كُلِّ نَجْمٍ حَقَّهُ؛ فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ مَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا تَحْرِيفٌ مِنْهُمْ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَطَاءِ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي نُهِينَا عَنْ السُّؤَالِ فِيهِ - عَنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ - وَلَا فِي الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْوَاجِبِ السُّؤَالِ عَنْهَا وَطَلَبِهَا أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إرَادَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ تَعْجِيلَ مَا عَلَيْهِ قَبْلَ أَجَلِهِ مَعَ إبَايَةِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ وَبَيْنَ إرَادَةِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ تَعْجِيلَ مَا لَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ مَعَ إبَايَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ؟ إذْ أَوْجَبُوا الْوَاحِدَ وَمَنَعُوا الْآخَرَ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يُرِيدُ أَنْ يَبْرَأَ مِمَّا عَلَيْهِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَاَلَّذِي لَهُ الْحَقُّ يُرِيدُ أَنْ يُبْرِئَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مِمَّا عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ يُرِيدُ ذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إلَّا إلَى أَجَلِهِ؟

стр. 2476

قُلْنَا لَهُمْ: وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ إلَّا إلَى أَجَلِهِ. [مَسْأَلَةٌ الْقَرْضُ فِي الْجَوَارِي وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ] ١٢٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالْقَرْضُ جَائِزٌ فِي الْجَوَارِي، وَالْعَبِيدِ، وَالدَّوَابِّ، وَالدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ فَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِي ذَلِكَ بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ بِغَيْرِ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ. وَقَوْلُنَا فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، وَأَصْحَابِنَا. وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي الْجَوَارِي خَاصَّةً، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ سَدِيدٍ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَطَؤُهَا، ثُمَّ يَرُدُّهَا إلَيْهِ فَيَكُونُ فَرْجًا مُعَارًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: يَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ، فَهُمْ يُوجِبُونَ هَذَا نَفْسَهُ فِي الَّتِي يَجِدُ بِهَا عَيْبًا - فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا؟ - قُلْنَا: كَذَبْتُمْ، قَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ: الْمَنْعُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْوَطْءِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ أَنَّهُ إجْمَاعٌ لَلَزِمَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ أَنْ يَقِيسُوا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ اُتُّفِقَ عَلَيْهِ فَهَذَا أَصْلُهُمْ فِي الْقِيَاسِ، فَأَنَّى بَدَا لَهُمْ عَنْهُ؟ ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: فَإِذَا وَطِئَهَا ثُمَّ رَدَّهَا فَكَانَ مَاذَا؟ وَطِئَهَا بِحَقٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] ثُمَّ إنْ رَدَّهَا رَدَّهَا بِحَقٍّ، لِأَنَّهُ أَدَّى مَا عَلَيْهِ فَانْتَقَلَتْ مِنْ حَقٍّ إلَى حَقٍّ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ فَرْجٌ مُعَارٌ -: فَكَذِبٌ وَبَاطِلٌ، لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا يَزُولُ عَنْهَا مِلْكُ الْمُعِيرِ، فَحَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ وَطْؤُهَا، لِأَنَّهُ مِلْكُ يَمِينِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الْمُسْتَقْرَضَةُ فَهِيَ مِلْكُ يَمِينِ الْمُسْتَقْرِضِ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرُدّهَا، أَوْ يُمْسِكَهَا أَوْ يَرُدَّ غَيْرَهَا، وَلَيْسَتْ الْعَارِيَّةُ كَذَلِكَ. وَقَالُوا: هُوَ بِشِيَعِ شَنِيعٌ؟ قُلْنَا: لَا شُنْعَةَ، وَلَا بَشَاعَةَ فِي الْحَلَالِ، وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَبْشِعُونَ مِثْلَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ يَبِيعُ جَارِيَةً مِنْ غَيْرِهِ فَيَطَؤُهَا، ثُمَّ يَبْتَاعهَا الَّذِي بَاعَهَا فَيَسْتَبْرِئُهَا بِحَيْضَةِ، ثُمَّ يَطَؤُهَا، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ - وَهَكَذَا أَبَدًا.

стр. 2477

وَمِنْ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً فَيَطَؤُهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، فَتَعْتَدُّ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهِيَ مُصَدَّقَةٌ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا جَارُهُ فَيَطَؤُهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، فَتَعْتَدُّ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا الْأَوَّلُ فَيَطَؤُهَا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا - وَهَكَذَا أَبَدًا. فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا مَنَعُوا مِنْهُ مِنْ قَرْضِ الْجَوَارِي؟ إنَّمَا الشَّنِيعُ الْبَشِيعُ الْفَظِيعُ مِمَّا يَقُولُونَهُ: مِنْ أَنَّ رِجَالًا تَكُونُ بَيْنَهُمْ أَمَةٌ يَطَؤُهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَرَوْنَ فِي ذَلِكَ حَدًّا وَيُلْحِقُونَ الْوَلَدَ بِهَذَا الْوَطْءِ الْحَرَامِ الْخَبِيثِ. وَمِنْ أَنْ يَطَأَ الْوَالِدُ أُمَّ وَلَدِ ابْنِهِ فَلَا يَرَوْنَ عَلَيْهِ حَدًّا وَيُلْحِقُونَ الْوَلَدَ فِي هَذَا الْوَطْءِ الْفَاحِشِ، لَا سِيَّمَا الْحَنَفِيِّينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مَنْ عَشِقَ امْرَأَةَ جَارِهِ فَرَشَا شَاهِدَيْنِ فَشَهِدَا لَهُ بِأَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، وَأَنَّهَا اعْتَدَّتْ، وَأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ هَذَا - وَهِيَ مُنْكِرَةٌ وَزَوْجُهَا مُنْكِرٌ - وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُمَا كَاذِبَانِ، فَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَطَؤُهَا حَلَالًا طَيِّبًا - فَهَذِهِ هِيَ الشَّنَاعَةُ الْمُضَاهِيَةُ لِخِلَافِ الْإِسْلَامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ قَرْض مَا يُمْكِنُ وَزْنُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ عَدَدُهُ أَوْ زَرْعُهُ] ١٢٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ وَزْنُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ عَدَدُهُ أَوْ زَرْعُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْرَضَ جُزَافًا، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِقْدَارَ مَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدّهُ، فَيَكُونُ أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ. ١٢٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا اُقْتُرِضَ مِنْ ذَلِكَ مَعْلُومَ الْعَدَدِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ، فَإِنْ رَدَّهُ جُزَافًا فَكَانَ ظَاهِرًا مُتَيَقِّنًا أَنَّهُ أَقَلُّ مِمَّا اقْتَرَضَ فَرَضِيَ ذَلِكَ الْمُقْرِضُ، أَوْ كَانَ ظَاهِرًا مُتَيَقِّنًا أَنَّهُ أَكْثَرُ مِمَّا اقْتَرَضَ وَطَابَتْ نَفْسُ الْمُقْتَرِضِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ حَسَنٌ، لِمَا قَدَّمْنَا. فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَهُوَ مِثْلُ مَا اقْتَرَضَ أَمْ أَقَلُّ أَمْ أَكْثَرُ؟ لَمْ يَجُزْ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَالُ أَحَدٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَرِضَاهُ، وَلَا يَكُونُ الرِّضَا وَطِيبُ النَّفْسِ إلَّا عَلَى مَعْلُومٍ وَلَا بُدَّ، عَلَى مَجْهُولٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَعْجِيلُ بَعْضِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ الْبَاقِي] ١٢٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ بَعْضِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ الْبَاقِي،

стр. 2478

فَإِنْ وَقَعَ رَدٌّ وَصَرَفَ إلَى الْغَرِيمِ مَا أَعْطَى، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» فَلَوْ عَجَّلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ ثُمَّ رَغِبَ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ - الْبَاقِيَ أَوْ بَعْضَهُ، فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ أَوْ وَضَعَهُ عَنْهُ أَوْ بَعْضَهُ بِغَيْرِ رَغْبَةٍ فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ حَسَنٌ وَكِلَاهُمَا مَأْجُورٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا شَرْطٌ أَصْلًا لَكِنْ أَحَدُهُمَا سَارَعَ إلَى الْخَيْرِ فِي أَدَاءِ بَعْضِ مَا عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ وَالْآخَرُ سَارَعَ إلَى الْإِبْرَاءِ مِنْ حَقِّهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] . وَهَذَا كُلُّهُ خَيْرٌ [وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ] . [مَسْأَلَةٌ كَانَ لَهُ دَيْنٌ حَالٌ فَرَغِبَ الْمدين فِي أَنْ يُنْظِرَهُ فَفَعَلَ] ١٢٠٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ حَالٌ أَوْ مُؤَجَّلٌ فَحَلَّ فَرَغِبَ إلَيْهِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي أَنْ يَنْظُرَهُ أَيْضًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَفَعَلَ، أَوْ أَنْظَرَهُ كَذَلِكَ بِغَيْرِ رَغْبَةٍ وَأَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَالدِّينُ حَالٌ يَأْخُذُهُ بِهِ مَتَى شَاءَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ زُفَرَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا. وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ امْرَأَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ فَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ: أَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ الْأَجَلَ وَجَعَلَهُ حَالًّا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَالدَّيْنُ إلَى أَجَلِهِ كَمَا كَانَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَفَاءَ بِهَا، لِأَنَّ الْعُقُودَ الْمَأْمُورَ بِالْوَفَاءِ بِهَا مَنْصُوصَةُ الْأَسْمَاءِ فِي الْقُرْآنِ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كُلَّ الْعُقُودِ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا كَمَنْ عَقَدَ: أَنْ يُكَفِّرَ أَوْ أَنْ يَزْنِيَ. وَكُلُّ عَقْدٍ صَحَّ مُؤَجَّلًا بِالْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ، فَلَا يَجُوزُ الْبَتَّةُ إبْطَالُ التَّأْجِيلِ إلَّا بِنَصِّ آخَر. وَكُلُّ عَقْدٍ صَحَّ حَالًّا بِالْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ إبْطَالُ الْحُلُولِ إلَّا بِنَصِّ آخَر وَلَا سَبِيلَ إلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ إنْ عَجَّلَ لَهُ مَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَجَلِ إنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ لَا رُجُوعَ فِيهِ؟ قُلْنَا نَعَمْ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ حَقِّهِ وَصَيَّرَهُ إلَى غَيْرِهِ وَوَهَبَهُ، فَهَذَا جَائِزٌ، إذْ قَدْ أَمْضَاهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُمْضِهِ فَإِنَّمَا هُوَ وَعْدٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْوَعْدَ لَا يَلْزَمُ إنْجَازُهُ فَرْضًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2479

وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ التَّأْجِيلُ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَجَّلَهُ فِي قَرْضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ وَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَيَأْخُذُهُ حَالًّا، فَإِنْ أَجَّلَهُ فِي غَصْبٍ غَصَبَهُ إيَّاهُ أَوْ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ - مَا عَدَا الْقَرْضَ - لَزِمَهُ التَّأْجِيلُ. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ إنْ اسْتَهْلَكَ لَهُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ثُمَّ أَجَّلَهُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّأْجِيلُ، فَإِنْ اسْتَهْلَكَ لَهُ شَاةً أَوْ ثَوْبًا فَأَجَّلَهُ فِي قِيمَتِهِمَا لَزِمَهُ التَّأْجِيلُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَلْ سُمِعَ بِأَسْخَف مِنْ هَذِهِ الْفُرُوقِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: إنَّ التَّأْجِيلَ فِي أَصْلِ الْقَرْضِ لَا يَصِحُّ - فَمَا زَادَ هَذَا الْمُحْتَجُّ عَلَى خِلَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ مَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ مُؤَجَّلَةٌ] ١٢٠٧ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ مُؤَجَّلَةٌ، أَوْ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَقَدْ بَطَلَتْ الْآجَالُ كُلُّهَا، وَصَارَ كُلُّ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ حَالًّا، وَكُلُّ مَا لَهُ مِنْ دَيْنٍ حَالًّا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلُّهُ الْقَرْضُ، وَالْبَيْعُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ - وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الدُّيُونُ الَّتِي عَلَيْهِ مُؤَجَّلَةٌ فَقَدْ حَلَّتْ، وَأَمَّا الَّتِي لَهُ عَلَى النَّاسِ فَإِلَى أَجَلِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ. بُرْهَانُ قَوْلِنَا -: هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَقَالَ تَعَالَى فِي حُكْمِهِ فِي الْمَوَارِيثِ فَذَكَرَ فَرَائِضَ الْمَوَارِيثِ وَقَالَ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فَصَحَّ أَنَّ بِمَوْتِ الْإِنْسَانِ بَطَلَ حُكْمُهُ عَنْ مَالِهِ وَانْتَقَلَ إلَى مِلْكِ الْغُرَمَاءِ، وَالْمُوصَى لَهُمْ، وَوُجُوهِ الْوَصَايَا، وَالْوَرَثَةِ، وَعَقْدُ الْغُرَمَاءِ فِي تَأْجِيلِ مَا عَلَيْهِمْ، أَوْ تَأْجِيلِ مَا عَلَى الْمَيِّت إنَّمَا كَانَ بِلَا شَكٍّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُتَوَفَّى إذْ

стр. 2480

كَانَ حَيًّا، وَقَدْ انْتَقَلَ الْآنَ الْمَالُ عَنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ كَسْبُ الْمَيِّتِ عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدْ سَقَطَ مِلْكُهُ عَنْهُ. وَلَا يَحِلُّ لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُمْ وَالْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، فَبَطَلَ حُكْمُ التَّأْجِيلِ فِي ذَلِكَ، وَوَجَبَ لِلْوَرَثَةِ وَلِلْوَصِيَّةِ أَخْذُ حُقُوقِهِمْ. وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلْوَرَثَةِ إمْسَاكُ مَالِ غَرِيمِ مَيِّتِهِمْ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ عَقْدَهُ إنَّمَا كَانَ مَعَ الْمُتَوَفَّى إذْ كَانَ حَيًّا فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْقَى مَالُهُ بِأَيْدِي وَرَثَةٍ لَمْ يُعَامِلْهُمْ قَطُّ. وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إمْسَاكُ مَالِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ حَقًّا، وَلَا لِلْوَصِيَّةِ إلَّا بَعْدَ إنْصَافِ أَصْحَابِ الدُّيُونِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ لَيْثٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، قَالَا جَمِيعًا: مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ حَلَّ وَبِهِ إلَى أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى الدَّيْنَ حَالًّا إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ فَقَدْ حَلَّ دَيْنُهُ - وَهَذَا عُمُومٌ لِمَا عَلَيْهِ - وَلِمَا لَهُ. [مَسْأَلَةٌ هَدِيَّةُ الْمدين إلَى الدَّائِن] ١٢٠٨ - مَسْأَلَةٌ: وَهَدِيَّةُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ إلَى الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَلَالٌ - وَكَذَلِكَ ضِيَافَتُهُ إيَّاهُ مَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ. فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ عَنْ شَرْطٍ فَهُوَ حَرَامٌ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ: يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ»

стр. 2481

وَكَانَ ﵇ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَقَالَ ﵇: «لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ» . رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَهَذَا عُمُومٌ لَمْ يَخُصَّ ﵇ مِنْ ذَلِكَ غَرِيمًا مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّتِهِ، وَلَا النُّزُولُ عِنْدَهُ، وَلَا أَكْلُ طَعَامِهِ - صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا أَسْلَفْت رَجُلًا سَلَفًا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ هَدِيَّةٌ قِرَاعٍ وَلَا عَارِيَّةُ رُكُوبِ دَابَّةٍ وَأَنَّهُ اسْتَفْتَاهُ رَجُلٌ؟ فَقَالَ لَهُ: أَقْرَضْتُ سَمَّاكًا خَمْسِينَ دِرْهَمًا وَكَانَ يَبْعَثُ إلَيَّ مِنْ سَمَكِهِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَاسِبِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا فَرُدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ كَفَافًا فَقَاصِصْهُ. وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَأَهْدَى لَك حَمَلَة مِنْ تِبْنٍ فَلَا تَقْبَلْهَا فَإِنَّهَا رِبًا، اُرْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ أَوْ أَثِبْهُ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ سَائِلٌ؟ فَقَالَ لَهُ: أَقْرَضْت رَجُلًا فَأَهْدَى لِي هَدِيَّةً فَقَالَ: أَثِبْهُ أَوْ اُحْسُبْهَا لَهُ مِمَّا عَلَيْهِ أَوْ اُرْدُدْهَا عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلْقَمَةَ نَحْوُ هَذَا. وَاحْتَجُّوا فَقَالُوا: هُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً - وَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالنَّخَعِيِّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَؤُلَاءِ الصِّحَابَةُ ﵃ فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ خَالَفُوا ابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ فِي مُئِينَ مِنْ الْقَضَايَا، وَقَدْ جَاءَ خِلَافُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ تَسَلَّفَ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَشَرَةَ آلَافٍ فَبَعَثَ إلَيْهِ أُبَيٌّ مِنْ ثَمَرِهِ وَكَانَتْ تُبَكِّر، وَكَانَ مِنْ أَطْيَبِ ثَمَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ،

стр. 2482

فَرَدَّهَا عَلَيْهِ عُمَرُ؟ فَقَالَ لَهُ: أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: لَا حَاجَةَ لِي بِمَا مَنَعَك طِيبَ ثَمَرَتِي، فَقِبَلهَا عُمَرُ، وَقَالَ: إنَّمَا الرِّبَا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِيَ وَيُنْسِئَ. وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَذَكَرَ نَهَى عَلْقَمَةَ عَنْ أَكْلِ الْمَرْءِ عِنْدَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا كَانَ يَتَعَاطَيَانِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ الْحَقُّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئِ مَا نَوَى» . وَلَوْ كَانَتْ هَدِيَّةُ الْغَرِيمِ وَالضِّيَافَةُ مِنْهُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا لَمَا أَغْفَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فَإِذَا لَمْ يَنْهَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَلَالٌ مَحْضٌ، وَإِلَّا مَا كَانَ عَنْ شَرْطٍ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، فَكَانَ مَاذَا؟ أَيْنَ وَجَدُوا النَّهْيَ عَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً؟ فَلْيَعْلَمُوا الْآنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ سَلَفٌ إلَّا وَهُوَ يَجُرُّ مَنْفَعَةً وَذَلِكَ انْتِفَاعُ الْمُسَلِّفِ بِتَضْمِينِ مَالِهِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا - تَلِفَ أَوْ لَمْ يَتْلَفْ - مَعَ شُكْرِ الْمُسْتَقْرِضِ إيَّاهُ، وَانْتِفَاعِ الْمُسْتَقْرِضِ بِمَالِ غَيْرِهِ مُدَّةَ مَا، فَعَلَى قَوْلِهِمْ كُلُّ سَلَفٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَتَمَّ " كِتَابُ الْقَرْضِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ [وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ] .

стр. 2483

[كِتَابُ الرَّهْنِ] [ مَسْأَلَةٌ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ فِي الْبَيْعِ] ِ ١٢٠٩ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ إلَّا فِي الْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ، أَوْ فِي السَّلَمِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ خَاصَّةً، أَوْ فِي الْقَرْضِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ خَاصَّةً، مَعَ عَدَمِ الْكَاتِبِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ اشْتِرَاطَ الرَّهْنِ شَرْطٌ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ» وَقَالَ : ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَهَاهُنَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ حَيْثُ أَجَازَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا، أَوْ سَلَمًا، أَوْ قَرْضًا. فَهَذِهِ الْوُجُوهُ يَجُوزُ فِيهَا اشْتِرَاطُ التَّأْجِيلِ لِوُرُودِ النُّصُوصِ بِوُجُوبِهِ فِي السَّلَمِ، وَجَوَازُهُ فِي الْقَرْضِ، وَالْبَيْعِ - وَلَا يَجُوزُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُعَامَلَات سِوَى مَا ذَكَرْنَا نَصٌّ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ التَّأْجِيلِ، فَهُوَ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَصَحَّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ. وَأَمَّا الْحَضَرُ -: فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسَدَّدٌ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ - حَدَّثَهُ

стр. 2484

الْأَعْمَشُ نا إبْرَاهِيمُ نا الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ نا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ دِرْعَهُ لَمَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَخَذَهَا طَعَامًا لِأَهْلِهِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ شَعِيرًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَجَلٍ؟ قُلْنَا: وَلَا فِيهِ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ مِنْ الرَّهْنِ بِغَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ مِنْ الرَّاهِنِ حِينَئِذٍ، وَالتَّطَوُّعُ بِمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ حَسَنٌ. فَإِنْ ذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فِي بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُ إلَى يَهُودِيٍّ لِيُسَلِّفهُ طَعَامًا لِضَيْفٍ نَزَلَ بِهِ فَأَبَى إلَّا بِرّهنَّ فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. فَهَذَا خَبَرٌ انْفَرَدَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدٍ الرَّبَذِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - ضَعَّفَهُ الْقَطَّانُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالْبُخَارِيُّ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ [مَسْأَلَةٌ الْقَبْضَ فِي الرَّهْنِ] ١٢١٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا مَقْبُوضًا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّهْنَ عِنْدَ ثِقَةٍ فَهُوَ جَائِزٌ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ هَذَا وَلَيْسَ هُوَ قَبْضًا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ سُفْيَانُ: عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ - ثُمَّ اتَّفَقَ قَتَادَةَ، وَالْحَكَمُ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَلَيْسَ مَقْبُوضًا. قَالَ سُفْيَانُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا.

стр. 2485

وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَبْضَ فِي الرَّهْنِ مَعَ ذِكْرِهِ الْمُتَدَايِنَيْنِ فِي السَّفَرِ إلَى أَجَلٍ عِنْدَ عَدَمِ الْكَاتِبِ وَإِنَّمَا أَقْبِض رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدِّرْعَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ فَهُوَ الْقَبْضُ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا قَبْضُ غَيْرِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَاشْتِرَاطُ أَنْ يَقْبِضَهُ فُلَانٌ لَا صَاحِبُ الدَّيْنِ: شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بَاطِلٌ [مَسْأَلَةٌ رَهْنُ الْمُشَاعِ] ١٢١١ - مَسْأَلَةٌ: وَرَهْنُ الْمَرْءِ حِصَّتَهُ مِنْ شَيْءٍ مُشَاعٍ مِمَّا يَنْقَسِمُ، أَوْ لَا يَنْقَسِمُ عِنْدَ الشَّرِيكِ فِيهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ جَائِزٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى مَشَاعًا مِنْ مَقْسُومٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَسَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ - كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ - لَا عِنْدَ الشَّرِيكِ فِيهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ. وَأَجَازُوا أَنْ يَرْهَنَ اثْنَانِ أَرْضًا مُشَاعَةً بَيْنَهُمَا عِنْدَ إنْسَانٍ وَاحِدٍ، وَمَنَعُوا مِنْ أَنْ يَرْهَنَ الْمَرْءُ أَرْضَهُ عِنْدَ اثْنَيْنِ دَايَنَهُمَا دَيْنًا وَاحِدًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهَذَا تَخْلِيطٌ نَاهِيك بِهِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ - أَنَّهُ قَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ - وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ تَنَاقَضُوا فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَأَيْضًا: فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ بَيْعَ الْمُشَاعِ جَائِزٌ فِيمَا يَنْقَسِمُ، وَمَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الشَّرِيكِ وَغَيْرِهِ. وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ إجَازَةِ الْمُشَاعِ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ فِيهِ وَحْدَهُ، فَأَجَازَهُ لَهُ. وَهَذِهِ تَخَالِيطُ وَمُنَاقَضَاتٌ لَا خَفَاءَ بِهَا وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا مَوَّهُوا بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فِي الْمُشَاعِ. وَمِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْبَيْعَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَقَدْ أَجَازُوا الْبَيْعَ فِي الْمُشَاعِ، فَالْقَبْضُ

стр. 2486

عِنْدَهُمْ مُمْكِنٌ فِي الْمُشَاعِ حَيْثُ اشْتَهَوْا، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَالْقَبْضُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْمُشَاعِ حَيْثُ لَمْ يُشْتَهَوْا، وَهُوَ الرَّهْنُ - وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَيُقَالُ لَهُمْ: كَمَا يُقْبَضُ فِي الْبَيْعِ كَذَلِكَ يُقْبَضُ فِي الرَّهْنِ وَلَا فَرْقَ [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ] ١٢١٢ - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ وَغَيْرِهِ -: هُوَ أَنْ يُطْلِقَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَمَا كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ نَقَلَهُ إلَى نَفْسِهِ، وَمَا كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ أُطْلِقَتْ يَدُهُ عَلَى ضَبْطِهِ، كَمَا يَفْعَلُ فِي الْبَيْعِ، وَمَا كَانَ مُشَاعًا كَانَ قَبْضُهُ لَهُ كَقَبْضِ صَاحِبِهِ لِحِصَّتِهِ مِنْهُ مَعَ شَرِيكِهِ، وَلَا فَرْقَ وَلَوْ كَانَ الْقَبْضُ لَا يَصِحُّ فِي الْمُشَاعِ لَكَانَ الشَّرِيكَانِ فِيهِ غَيْرَ قَابِضَيْنِ لَهُ، وَلَوْ كَانَا غَيْرَ قَابِضَيْنِ لَهُ لَكَانَ مُهْمَلًا لَا يَدَ لِأَحَدِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يُكَذِّبُهُ الدَّيْنُ، وَالْعِيَانُ -: أَمَّا الدَّيْنُ: فَتَصَرُّفُهُمَا فِيهِ تَصَرُّفُ ذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ - وَأَمَّا الْعِيَانُ: فَكَوْنُهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مُدَّةٌ يَتَّفِقَانِ فِيهَا، أَوْ عِنْدَ مَنْ يَتَّفِقَانِ عَلَى كَوْنِهِ عِنْدَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الرَّهْنُ جَائِزٌ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ] ١٢١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالرَّهْنُ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ: كَالْحُرِّ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالسِّنَّوْرِ، وَالْكَلْبِ، وَالْمَاءِ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ لِيَنْتَصِف إنْ مَطَلَ، وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِصَافُ لِلْغَرِيمِ إلَّا مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ. [مَسْأَلَةٌ مَنَافِعُ الرَّهْنِ] ١٢١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنَافِعُ الرَّهْنِ كُلُّهَا لَا تَحَاشٍ مِنْهَا شَيْئًا لِصَاحِبِهِ الرَّاهِنِ لَهُ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الرَّهْنِ وَلَا فَرْقَ - حَاشَا رُكُوبِ الدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ، وَحَاشَا لَبَنِ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ، فَإِنَّهُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ كَمَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يُضَيِّعَهُمَا فَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا. وَيُنْفِقُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ: رُكُوبُ الدَّابَّةِ، وَلَبَنُ الْحَيَوَانِ، بِمَا أَنْفَقَ لَا يُحَاسَبُ بِهِ مِنْ دَيْنِهِ كَثُرَ ذَلِكَ أَمْ قَلَّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»

стр. 2487

وَحَكَمَ ﵇ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ وَمِلْكُ الشَّيْءِ الْمُرْتَهَن بَاقٍ لِرَاهِنِهِ بِيَقِينِ وَبِإِجْمَاعِ لَا خِلَافَ فِيهِ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ، فَحَقُّ الرَّهْنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَمْ يُنْقَلُ مِلْكُ الرَّاهِنِ عَنْ الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ لَا يُوجِبُ حُدُوثَ حُكْمٍ فِي مَنْعِهِ مَا لِلْمَرْءِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ بِذَلِكَ، فَلَهُ الْوَطْءُ، وَالِاسْتِخْدَامُ، وَالْمُؤَاجَرَةُ، وَالْخِيَاطَةُ، وَأَكْلُ الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ، وَالْوَلَدُ الْحَادِثُ، وَالزَّرْعُ، وَالْعِمَارَةُ، وَالْأَصْوَافُ الْحَادِثَةُ، وَالسُّكْنَى، وَسَائِرُ مَا لِلْمَرْءِ فِي مِلْكِهِ، إلَّا كَوْنَ الرَّهْنِ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَقَطْ، بِحَقِّ الْقَبْضِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَلَا مَزِيدَ. وَأَمَّا الرُّكُوبُ، وَالِاحْتِلَابُ خَاصَّةً، لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَى الْمَرْكُوبِ، وَالْمَحْلُوبِ -: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ: النَّفَقَةُ» وَالنَّصُّ قَدْ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الْأَمْوَالِ عَلَى غَيْرِ مَنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَالرَّهْنُ بِلَا شَكٍّ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مَنْ عَدَا الرَّاهِنِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الِارْتِهَانِ، فَدَخَلَ بِهِ فِي هَذَا الْعُمُومِ وَخَرَجَ مِنْهُ مَنْ عَدَاهُ بِالنَّصِّ الْآخَرِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا فَإِنَّهُ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ، وَالْمَعْقُولَ -: أَمَّا الْقُرْآنُ، وَالسُّنَنُ فَمَنْعُهُ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ مَنَافِعِ مَالِهِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] فَقَدْ أَطْلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وَطْءِ أَمَتِهِ، وَلَمْ يَخُصَّ غَيْرَ مَرْهُونَةٍ مِنْ مَرْهُونَةٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]

стр. 2488

وَأَمَّا خِلَافُ الْمَعْقُولِ -: فَإِنَّنَا نَسْأَلُ مَنْ خَالَفَنَا هَاهُنَا عَنْ الدَّارِ الْمَرْهُونَةِ أَتُؤَاجَرُ وَيُصْلِحُ مَا هِيَ فِيهَا، أَمْ تُهْمَلُ وَتَضِيعُ وَيَخْرُجُ الْمُسْتَأْجِرُ لَهَا عَنْهَا؟ وَعَنْ الْأَرْضِ الْمَرْهُونَةِ، أَتُحْرَثُ وَتُزْرَعُ، أَمْ تُهْمَلُ وَتُضَاعُ؟ وَعَنْ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ أَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيُسْتَغَلُّ، أَمْ يَضِيعُ حَتَّى يَهْلَكَ؟ وَعَنْ الْأَشْجَارِ الْمَرْهُونَةِ لِمَنْ تَكُونُ غَلَّتُهَا؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَضِيعُ -: خَالَفُوا الْإِجْمَاعَ، وَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» . وَإِنْ قَالُوا: لَا يَضِيعُ؟ قُلْنَا: فَالْمَنَافِعُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَاللَّبَنِ، وَالْوَلَدِ، وَالصُّوفِ، وَالثَّمَرَةِ لِمَنْ تَكُونُ؟ فَإِنْ قَالُوا: تَكُونُ دَاخِلًا فِي الرَّهْنِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ إدْخَالُ مَالٍ مِنْ مَالِهِ فِي رَهْنٍ لَمْ يَتَعَاقَدَا قَطُّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيهِ؟ وَمَنْ أَمَرَ بِهَذَا؟ فَلَا سَمْعَ لَهُ وَلَا طَاعَةَ وَلَا نَعْمَى عَيْنٍ، لِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَهَذَا تَحْرِيمُ مَالِهِ عَلَيْهِ وَإِبَاحَتُهُ لِغَيْرِهِ - وَهَذَا بَاطِلٌ مُتَيَقَّنٌ. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ هُوَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلُ قَوْلِنَا -: وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: صَاحِبُ الرَّهْنِ يَرْكَبُهُ، وَصَاحِبُ الدَّرِّ يَحْلُبُهُ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ وَأَنَّهُ قَالَ: الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ، وَمَحْلُوبٌ بِعَلَفِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: فِيمَنْ ارْتَهَنَ شَاةً ذَاتَ لَبَنٍ؟ قَالَ: يَشْرَبُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ لَبَنِهَا بِقَدْرِ ثَمَنِ عَلَفِهَا، فَإِنْ اسْتَفْضَلَ مِنْ اللَّبَنِ بَعْدَ ثَمَنِ الْعَلَفِ فَهُوَ رِبًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ إبْرَاهِيمَ لَا نَقُولُ بِهَا، وَعُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي عِمْرَانَ ﵀ بِرَأْيِهِ. وَلَا مُخَالِفَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ هَاهُنَا مِنْ الصَّحَابَةِ نَعْلَمُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جَمِيعُ مَنَافِعِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ كَمَا كَانَتْ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ بِذَلِكَ - وَبِقَوْلِنَا فِي الرُّكُوبِ، وَالْحَلْبِ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ الِاسْتِخْدَامَ وَلَا

стр. 2489

نَقُولُ بِهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ النَّصُّ، وَالْقِيَاسُ لَا يُسْتَحَلُّ بِهِ الْمُحَرَّمُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَقَالَ إِسْحَاقُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَنْتَفِعُ الرَّاهِنُ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا بِالدَّرِّ - وَهَذَا قَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فِي الدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ وَالْعَرُوضِ - وَهَذَا قَوْلٌ لَا بُرْهَانٍ عَلَى صِحَّتِهِ، وَتَقْسِيمٌ فَاسِدٌ، وَشَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ، وَقَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُ، وَمُنَاقَضَةٌ. وَأَتَى بَعْضُهُمْ بِغَرِيبَةِ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ فِي الْعَرُوضِ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً؟ فَقِيلَ لَهُ: وَهُوَ فِي الْعَقَارِ كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ مُؤَاجَرَةِ الرَّهْنِ، وَمِنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ - ثُمَّ تَنَاقَضُوا مِنْ قُرْبٍ فَأَبَاحُوا لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَأَنْ يُعِيرَهُ إيَّاهُ الْمُرْتَهِنُ، وَلَمْ يَرَوْهُ بِذَلِكَ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ - وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِتَعَرِّيه مِنْ الْبُرْهَانِ، وَلِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ قَبْلَهُ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ الْمَنَافِعُ لِلرَّاهِنِ كَمَا كَانَتْ فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِلرَّهْنِ؟ قُلْنَا: أَعْظَمُ الْفَائِدَةِ -: أَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَالْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَالْأَجْرُ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا، فَلِأَنَّ الرَّاهِنَ إنْ مَطَلَ بِالْإِنْصَافِ بِيعَ الرَّهْنُ وَتَعَجَّلَ الْمُرْتَهِنُ الِانْتِصَافَ مِنْ حَقِّهِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ تُرِيدُونَ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْفَائِدَةِ؟ وَنَقُولُ لَهُمْ: أَنْتُمْ تُوَافِقُونَنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْقَمْحُ بِالْقَمْحِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا؟ وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ - وَهَذِهِ اعْتِرَاضَاتٌ بِسُوءِ الظَّنِّ بِصَاحِبِهَا وَلَيْسَ إلَّا الِائْتِمَارُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ . قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَقَالَ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وَاعْتَرَضَ بَعْضُ مَنْ لَا يَتَّقِي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَوْرَدْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِهِ

стр. 2490

- ﵇: «الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ» فَقَالَ: هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلَفُهَا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهَا وَتُرْكَبُ» قَالَ هَذَا الْجَاهِلُ الْمُقَدَّمُ: فَإِذْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِتَحْرِيمِ الرِّبَا وَبِالنَّهْيِ عَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْجُرْأَةِ، أَوَّلُ ذَلِكَ -: إنَّ هَذَا خَبَرٌ لَيْسَ مُسْنَدًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَيْضًا: فَإِنَّ فِيهِ لَفْظًا مُخْتَلِفًا لَا يُفْهَمُ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُهَا وَتُرْكَبُ» ، وَحَاشَا اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَأْمُورِ بِالْبَيَانِ لَنَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنْ هُشَيْمٍ، فَالتَّخْلِيطُ مِنْ قِبَلِهِ، لَا مِنْ قِبَلِ هُشَيْمٍ فَمَنْ فَوْقَهُ، لِأَنَّ حَدِيثَ هُشَيْمٍ هَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ الَّذِي هُوَ أَحْفَظُ النَّاسِ لِحَدِيثِ هُشَيْمٍ وَأَضْبَطُهُمْ لَهُ فَقَالَ: نا هُشَيْمٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ فِيمَا زَعَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الرَّهْنُ يُرْكَبُ وَيُعْلَفُ، وَلَبَنُ الدَّرِّ إذَا كَانَ مَرْهُونًا يُشْرَبُ وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُهُ النَّفَقَةُ وَالْعَلَفُ» . وَأَمَّا قَوْلُ هَذَا الْجَاهِلِ: فَإِذْ ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الرِّبَا وَبِالنَّهْيِ عَنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً -: فَقَدْ كَذَبَ، وَأَفِك، وَمَا لِلرِّبَا هَاهُنَا مَدْخَلٌ أَصْلًا وَلَوْ أَنَّهُمْ اتَّقُوا الرِّبَا لَمَا أَقْدَمُوا عَلَيْهِ جِهَارًا إذْ أَبَاحُوا التَّمْرَتَيْنِ بِالْأَرْبَعِ تَمَرَات، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْبَعُ أَكْبَرَ جِسْمًا، وَأَثْقَلِ وَزْنًا. وَإِذْ أَبَاحَ بَعْضُهُمْ دِرْهَمًا فِيهِ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ بِدِرْهَمِ فِيهِ دِرْهَمٌ غَيْرُ ثَمَنٍ. وَإِذْ أَبَاحُوا كُلُّهُمْ أَلْفَ دِرْهَمٍ حَاضِرَةٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ غَائِبَةٍ فِي الذِّمَّةِ. فَهَذَا هُوَ الرِّبَا حَقًّا
следующие страницы →