Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» .
فَإِنْ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ أَعْظَمِ حُجَّةٍ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنَّ فِيهِ إيجَابَ التَّحَلُّلِ مِنْ كُلِّ مَظْلَمَةٌ، وَالتَّحَلُّلُ ضَرُورَةً لَا يَكُونُ بِإِنْكَارِ الْحَقِّ أَصْلًا، بَلْ هَذَا إصْرَارٌ عَلَى الظُّلْمِ، وَإِنَّمَا التَّحَلُّلُ بِالِاعْتِرَافِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالنَّدَمِ، وَطَلَبِ أَنْ يُجْعَلَ فِي حِلٍّ فَقَطْ - وَهُوَ قَوْلُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ إبَاحَةُ صُلْحٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا فِيهِ الْخُرُوجُ إلَى الْحِلِّ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ الظُّلْمِ، فَمَنْ كَانَ قِبَلَهُ مَالٌ أُنْصِفَ مِنْهُ أَوْ تَحَلَّلَ مِنْهُ، وَمَنْ كَانَ قِبَلَهُ سَبُّ عِرْضٍ طَلَبَ التَّحَلُّلَ، وَمَنْ كَانَ قِبَلَهُ قِصَاصٌ اقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِالْعَفْوِ - وَلَا مَزِيدَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِقْرَارُ بِالصُّلْحِ إذَا صَحَّ]
١٢٧١ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِذَا صَحَّ الْإِقْرَارُ بِالصُّلْحِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -: إمَّا أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ مَا لَهُ عَلَيْهِ وَيُبْرِئَهُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ مِنْ بَاقِيهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَفَعَلَ -: فَهَذَا حَسَنٌ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ فِعْلُ خَيْرٍ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ الْمُقَرُّ بِهِ عَيْنًا مُعَيَّنَةً حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ، فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ يَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، وَيَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِي الْبَيْعِ وَلَا مَزِيدَ، أَوْ بِالْإِجَارَةِ حَيْثُ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ، لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمُؤَاجَرَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ: حَدَّثَنِي «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ مَالٌ فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيَا كَعْبُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفَهُ» .
стр. 2592
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ فِي الصُّلْحِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ إبْرَاءٌ شَرْطُ تَأْجِيلٍ]
مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَجُوزُ فِي الصُّلْحِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ إبْرَاءٌ مِنْ الْبَعْضِ شَرْطُ تَأْجِيلٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، لَكِنَّهُ يَكُونُ حَالًّا فِي الذِّمَّةِ يُنْظِرُهُ بِهِ مَا شَاءَ بِلَا شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ.
[مَسْأَلَةٌ الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ مَجْهُول]
١٢٧٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَالرِّضَا لَا يَكُونُ فِي مَجْهُولٍ أَصْلًا، إذْ قَدْ يَظُنُّ الْمَرْءُ أَنَّ حَقَّهُ قَلِيلٌ فَتَطِيبُ نَفْسُهُ بِهِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَثِيرٌ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ وَلَكِنْ مَا عُرِفَ قَدْرُهُ جَازَ الصُّلْحُ فِيهِ، وَمَا جُهِلَ فَهُوَ مُؤَخَّرٌ إلَى يَوْمِ الْحِسَابِ.
وَقَدْ احْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي مَغَازِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا إلَى بَنِي جَذِيمَةَ إذَا أَوْقَعَ بِهِمْ خَالِدٌ فَبَعَثَهُ ﵇ بِمَالٍ فَوَدَى لَهُمْ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ حَتَّى إنَّهُ لَيَدِيَ لَهُمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ مَالٍ وَلَا دَمٍ حَتَّى أَدَّاهُ وَبَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمَالِ فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ بَقِيَ لَكُمْ دَمٌ أَوْ مَالٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي أُعْطِيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ مِنْ الْمَالِ احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ وَلَا تَعْلَمُونَ، فَفَعَلَ، فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، ثُمَّ هُوَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صُلْحٌ مُشْتَرَطٌ عَلَى طَلَبِ حَقٍّ مَجْهُولٍ - وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرْنَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ لِقَوْمٍ لَا يَدَّعُونَ حَقًّا أَصْلًا، بَلْ هُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ طَلَبٌ أَصْلًا، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ التَّطَوُّعَ مِمَّنْ لَا يُطْلَبُ بِحَقٍّ، بَلْ هُوَ فِعْلُ خَيْرٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ كَسْر سِنٍّ عَمْدًا]
١٢٧٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ الْمَعْلُومَةِ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ، إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَقَطْ -: فِي الْخُلْعِ وَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي: (كِتَابِ النِّكَاحِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] .
أَوْ فِي كَسْرِ سِنٍّ عَمْدًا، فَيُصَالِحُ الْكَاسِرُ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ
стр. 2593
أَوْ فِي جِرَاحَةٍ عَمْدًا عِوَضًا مِنْ الْقَوَدِ أَوْ فِي قَتْلِ نَفْسٍ عِوَضًا مِنْ الْقَوَدِ بِأَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ، أَوْ بِأَكْثَرَ، وَبِغَيْرِ مَا يَجِبُ فِي الدِّيَةِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَحِلُّ إعْطَاءُ مَالٍ إلَّا حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ أَوْ إيجَابِهِ.
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» وَالصُّلْحُ شَرْطٌ فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا حَيْثُ أَبَاحَهُ نَصٌّ وَلَا مَزِيدَ، وَلَمْ يُبِحْ النَّصُّ إلَّا حَيْثُ ذَكَرْنَا فَقَطْ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُسَدَّدٌ نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَسَرَتْ الرُّبَيِّعُ أُخْتُ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَقَضَى بِكِتَابِ اللَّهِ الْقِصَاصَ فَقَالَ ابْنُ النَّضْرِ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا الْيَوْمَ، قَالَ: يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ، فَرَضُوا بِأَرْشٍ أَخَذُوهُ» .
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ جِرَاحَةٌ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوا الدِّيَةَ.
وَرَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَكِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُمْ عَفَوْا وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً وَلَا أَرْشًا.
وَرَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ أَمَرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقِصَاصِ فَقَطْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مُخَالِفًا لِسَائِرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ، وَثَابِتًا، وَبِشْرًا، وَخَالِدًا، زَادُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَبِي خَالِدٍ، وَالْأَنْصَارِيِّ: الْعَفْوَ عَنْ الْقِصَاصِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَنْصَارِيُّ وَلَا أَبُو خَالِدٍ عَفْوًا، وَلَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْفُوا، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ، وَثَابِتٌ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي خَالِدٍ، وَبِشْرٍ، ذِكْرَ قَبُولِ الْأَرْضِ
стр. 2594
وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وَقَالَ ثَابِتٌ: دِيَةٌ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: أَرْشٌ.
وَهَذَا لَيْسَ اخْتِلَافًا؛ لِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ أَرْشٌ وَكُلَّ أَرْشٍ دِيَةٌ، إلَّا أَنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مُؤَقَّتًا مَحْدُودًا، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ وَلَا مَحْدُودٍ، وَالتَّوْقِيتُ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ بِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ مَا رُوِّينَاهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَجَوَازُ مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ ثَابِتٍ، وَسُلَيْمَانَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا - وَهُوَ ثَابِتٌ -: جِرَاحَةٌ وَأَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ الَّتِي أَقْسَمَتْ أَنْ لَا يُقْتَصَّ مِنْهَا، وَقَالَ سُلَيْمَانُ: كَسْرُ سِنٍّ، وَأَنَّ أَنَسَ بْنَ النَّضْرِ أَقْسَمَ أَنْ لَا يُقْتَصَّ مِنْهَا - فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَا حَدِيثَيْنِ فِي قَضِيَّتَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ كَسْرَ السِّنِّ جِرَاحَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُدْمِي وَيُؤَثِّرُ فِي اللِّثَةِ فَهِيَ جِرَاحَةٌ، فَزَادَ سُلَيْمَانُ بَيَانًا إذْ بَيَّنَ أَنَّهُ كَسْرُ سِنٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْجِرَاحَةُ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد بْنِ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: الْقَوَدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: لَكُمْ كَذَا وَكَذَا؟ فَلَمْ يَرْضَوْا، فَقَالَ: لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، فَرَضُوا» .
فَهَذَا الصُّلْحُ عَلَى الشَّجَّةِ بِمَا يَتَرَاضَى بِهِ الْفَرِيقَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ هَذَا خَبَرٌ رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ فِيهِ، وَفِيهِ: «فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ شَجَّهُ؟ قُلْنَا: هَذِهِ بِلَا شَكٍّ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَخَبَرٌ وَاحِدٌ، وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد بَيَانَ ذِكْرِ شَجِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ.
وَأَمَّا الصُّلْحُ فِي النَّفْسِ: فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ قَالَ: نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا الْأَوْزَاعِيُّ نا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ نا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
стр. 2595
حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ: وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَفْدِيَ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ» .
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا خَبَرٌ رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوهُ» ؟ .
قُلْنَا: نَعَمْ، كِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَحَقٌّ وَجَائِزٌ أَنْ يُلْزِمَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ الْقَاتِلَ الدِّيَةَ وَجَائِزٌ أَنْ يُصَالِحَهُ حِينَئِذٍ الْقَاتِلُ بِمَا يُرْضِيه بِهِ، فَكِلَا الْخَبَرَيْنِ صَحِيحٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ صَالَحَ عَنْ دَمٍ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ]
١٢٧٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ صَالَحَ عَنْ دَمٍ، أَوْ كَسْرِ سِنٍّ، أَوْ جِرَاحَةٍ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ، أَوْ كُلَّهُ بَطَلَتْ الْمُصَالَحَةُ وَعَادَ عَلَى حَقِّهِ فِي الْقَوَدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ حَقَّهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ لَهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَلَمْ يَتْرُكْ حَقَّهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَ مِنْ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا بِسُكْنَى دَارٍ، أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ، وَانْهَدَمَتْ الدَّارُ، أَوْ اسْتَحَقَّا بَطَلَ الصُّلْحُ وَعَادَ عَلَى حَقِّهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
تَمَّ " كِتَابُ الصُّلْحِ " بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ.
стр. 2596
[كِتَابُ الْمُدَايِنَاتِ وَالتَّفْلِيسِ] [ مَسْأَلَةٌ مَنْ ثَبَتَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ حُقُوقٌ]
ِ ١٢٧٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ ثَبَتَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ حُقُوقٌ مِنْ مَالٍ أَوْ مِمَّا يُوجِبُ غُرْمَ مَالٍ بِبَيِّنَةِ عَدْلٍ، أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ صَحِيحٍ: بِيعَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا يُوجَدُ لَهُ، وَأُنْصِفَ الْغُرَمَاءَ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُسْجَنَ أَصْلًا، إلَّا أَنْ يُوجَدَ لَهُ مِنْ نَوْعٍ مَا عَلَيْهِ فَيُنْصَفُ النَّاسُ مِنْهُ بِغَيْرِ بَيْعٍ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ وَوُجِدَتْ لَهُ دَرَاهِمُ، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامٌ وَوُجِدَ لَهُ طَعَامٌ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] .
«وَلِتَصْوِيبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلَ سَلْمَانَ: أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» ؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .
فَسِجْنُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إنْصَافِ غُرَمَائِهِ ظُلْمٌ لَهُ وَلَهُمْ مَعًا، وَحُكْمٌ بِمَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِجْنٌ قَطُّ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَبْسُ الرَّجُلِ فِي السِّجْنِ بَعْدَ مَا يَعْرِفُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ظُلْمٌ.
وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ، لَكِنْ يُسْجَنُ - وَإِنْ كَانَ مَالُهُ حَاضِرًا - حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُنْصِفُ مِنْ نَفْسِهِ.
ثُمَّ تَنَاقَضُوا فَقَالُوا: إلَّا إنْ كَانَ الدَّيْنُ دَرَاهِمَ فَتُوجَدُ لَهُ دَنَانِيرُ، أَوْ يَكُونَ الدَّيْنُ دَنَانِيرَ فَتُوجَدُ لَهُ دَرَاهِمُ، فَإِنَّ الَّذِي يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ يُبَاعُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْهَا.
стр. 2597
فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ بَيْنَ بَيْعِ الدَّنَانِيرِ وَابْتِيَاعِ دَرَاهِمَ، وَبَيْنَ بَيْعِ الْعُرُوضِ وَابْتِيَاعِ مَا عَلَيْهِ؟ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ إنْصَافَ ذِي الْحَقِّ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ غَيْرِنَا.
وَمَنَعَ تَعَالَى مِنْ السِّجْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] وَافْتَرَضَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ.
فَمَنَعُوا الْمَدِينَ مِنْ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَمِنْ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ الْمَشْيِ فِي مَنَاكِبِ الْأَرْضِ وَمَنَعُوا صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ تَعْجِيلِ إنْصَافِهِ - وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى ذَلِكَ - فَظَلَمُوا الْفَرِيقَيْنِ.
وَاحْتَجُّوا بِآثَارٍ وَاهِيَةٍ -: مِنْهَا: رِوَايَةٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ: «أَنَّ غُلَامَيْنِ مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ بَيْنَهُمَا غُلَامٌ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا فَحَبَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَاعَ غَنِيمَتَهُ» وَعَنْ الْحَسَنِ: «أَنَّ قَوْمًا اقْتَتَلُوا فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ قَتِيلٌ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَبَسَهُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا بَاطِلٌ، أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَفِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَانْفَرَدَ عَنْهُ أَيْضًا إبْرَاهِيمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْوَاسِطِيُّ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَحَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ضَعِيفٌ.
وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِعَيْنِهَا فِيمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ: «إنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا» فَإِنْ احْتَجُّوا بِهِ فِي الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ فَلْيَأْخُذُوا بِرِوَايَتِهِ هَذِهِ وَإِلَّا فَالْقَوْمُ مُتَلَاعِبُونَ بِالدَّيْنِ.
стр. 2598
فَإِنْ قَالُوا: هَذَا مَنْسُوخٌ؟ قِيلَ لَهُمْ: أَتَرَوْنَ خَصْمَكُمْ يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يَقُولَ لَكُمْ: وَالْحَبْسُ فِي التُّهْمَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» ؟ وَالْحَبْسُ فِي غَيْرِ التُّهْمَةِ مَنْسُوخٌ بِوُجُوبِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ، وَالْجَمَاعَاتِ وَحَدِيثُ الْحَبْسِ حَتَّى بَاعَ غَنِيمَتَهُ مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.
وَلَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْهَرَبُ بِغَنِيمَتِهِ فَحُبِسَ لِيَبِيعَهَا، وَهَذَا حَقٌّ لَا نُنْكِرُهُ وَلَيْسَ فِيهِ الْحَبْسُ الَّذِي يَرَوْنَ هُمْ، وَلَا أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا. وَقَدْ يَكُونُ الضَّمِيرُ الَّذِي فِي بَاعَهَا رَاجِعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الْحَبْسُ إمْسَاكًا فِي الْمَدِينَةِ.
وَلَيْسَ فِيهِ أَصْلًا أَنَّهُ حُبِسَ فِي سِجْنٍ - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ مُرْسَلٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّمَا هُوَ حَبْسٌ فِي قَتِيلٍ، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ ﵇ يَحْبِسُ مَنْ لَمْ يَصِحَّ عَلَيْهِ قَتْلٌ بِسِجْنٍ فَيَسْجُنُ الْبَرِيءَ مَعَ النُّطَفِ، هَذَا فِعْلُ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعَدُوَّانِ، لَا فِعْلُهُ ﵇، وَاَللَّهِ لَقَدْ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَفَاضِلَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِيمَا بَيْنَ أَظْهُرِ شَرِّ الْأُمَّةِ وَهُمْ الْيَهُودُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَمَا اسْتَجَازَ ﵇ سِجْنَهُمْ، فَكَيْفَ أَنْ يَسْجُنَ فِي تُهْمَةٍ قَوْمًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ فَهَذَا الْبَاطِلُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ.
ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي إلَى مَتَى يَكُونُ هَذَا الْحَبْسُ فِي التُّهْمَةِ بِالدَّمِ وَغَيْرِهِ؟ فَإِنْ حَدُّوا حَدًّا زَادُوا فِي التَّحَكُّمِ بِالْبَاطِلِ.
وَإِنْ قَالُوا: إلَى الْأَبَدِ، تَرَكُوا قَوْلَهُمْ، فَهُمْ أَبَدًا يَتَكَسَّعُونَ فِي ظُلْمَةِ الْخَطَأِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] هَذِهِ أَحْكَامٌ مَنْسُوخَةٌ.
فَمَنْ أَضَلَّ مِمَّنْ يَسْتَشْهِدُ بِآيَةٍ قَدْ نُسِخَتْ، وَبَطَلَ حُكْمُهَا فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ أَيْضًا، وَفِيمَا لَيْسَ فِيهَا مِنْهُ لَا نَصَّ وَلَا دَلِيلَ وَلَا أَثَرَ.
стр. 2599
وَالْحَقُّ فِي هَذَا هُوَ قَوْلُنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «أُصِيبَ رَجُلٌ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ؟ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» .
فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ عَلَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ غَيْرَ مَا وَجَدُوا لَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حَبْسُهُ، وَأَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَحِلُّ سِوَاهُ؛ فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ بَاعَ لَهُمْ مَالَ مُعَاذٍ؟ قُلْنَا: هَكَذَا نَقُولُ - وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، لَكِنَّ الْحُكْمَ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي لَهُمْ بِعَيْنِ مَالِهِ، ثُمَّ يُبَاعُ لَهُمْ وَيُقَسِّمُ عَلَيْهِمْ الْحِصَصُ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إنْصَافِهِمْ بِغَيْرِ هَذَا.
فَإِنْ مَوَّهُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ عُمَرَ إنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ حَبَسَ عَصَبَةَ مَنْفُوسٍ يُنْفِقُونَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ - وَأَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ اشْتَرَى دَارًا لِلسِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةٍ.
وَهَذَانِ خَبَرَانِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا؛ لِأَنَّ حَبْسَ عُمَرَ لِلْعَصَبَةِ لِلنَّفَقَةِ عَلَى الصَّبِيِّ إنَّمَا هُوَ إمْسَاكٌ وَحُكْمٌ وَقَصْرٌ، لَا سِجْنٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَسْجُنَهُمْ أَبَدًا وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْهُمْ امْتِنَاعٌ.
ثُمَّ هُمْ لَا يَقُولُونَ بِإِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعَصَبَةِ، فَقَدْ خَالَفُوا عُمَرَ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهِ فِي شَيْءٍ هُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ؟ وَأَمَّا الْخَبَرُ الثَّانِي: فَكُلُّهُمْ لَا يَرَاهُ بَيْعًا صَحِيحًا، بَلْ فَاسِدًا مَفْسُوخًا، فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ مُسْلِمٌ أَنْ يَحْتَجَّ بِحُكْمٍ يَرَاهُ بَاطِلًا؟ وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِنَا عَلَى مَا نَذْكُرُ
стр. 2600
بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ حَبَسَ فِي دَيْنٍ: هِيَ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ كَذَّابٌ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ خِلَافَ هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا وَنَذْكُرُ.
وَأَمَّا شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، فَمَا عَلِمْنَا حُكْمَهُمَا حُجَّةً، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا قَدْ ثَبَتَ عَنْهُمَا أَنَّ الْأَجِيرَ، وَالْمُسْتَأْجِرَ - كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ إذَا شَاءَ، وَإِنْ كَرِهَ الْآخَرُ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحُكْمِ، فَالشَّعْبِيُّ، وَشُرَيْحٌ حُجَّةٌ إذَا اشْتَهَوْا، وَلَيْسَا حُجَّةً إذَا اشْتَهَوْا، أُفٍّ لِهَذِهِ الْعُقُولِ، وَالْأَدْيَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ عَنْ عَلِيٍّ إنْكَارَ السِّجْنِ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِلَافٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ يَشْتَرِي الرَّوَاحِلَ إلَى أَجَلٍ فَيُغَالِي بِهَا فَأَفْلَسَ، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الْأَسْفَعَ أَسَفْعَ بَنِي جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ: سَبَقَ الْحَاجُّ، وَأَنَّهُ ادَّانَ مُعْرِضًا، فَأَصْبَحَ قَدْ دِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَفْدِ بِالْغَدَاةِ؟ فَإِنَّا قَاسِمُونَ مَالَهُ بِالْحِصَصِ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِك بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إذَا أَتَاهُ رَجُلٌ بِرَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ: أَحْبِسْهُ؟ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَلَهُ مَالٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ لَجَأَهُ مَالٌ؟ قَالَ: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ لَجَأَهُ وَإِلَّا أَحَلَفْنَاهُ بِاَللَّهِ مَا لَجَأَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ بِآخَرَ فَقَالَ لَهُ إنَّ لِي عَلَى هَذَا دَيْنًا؟ فَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: صَدَقَ؟ قَالَ: فَاقْضِهِ قَالَ: إنِّي مُعْسِرٌ، فَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَحْبِسُهُ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا، وَلَكِنْ يَطْلُبُ لَك وَلِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ - قَالَ غَالِبٌ الْقَطَّانُ: وَشَهِدْت الْحَسَنَ - وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ - قَضَى بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ حُبَابٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ - وَزَادَ فِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ عَيْنُ مَالٍ فَآخُذُهُ بِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ عَقَارًا
стр. 2601
أَكْسِرُهُ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ ذَكَرَ امْتِنَاعَهُ مِنْ أَنْ يَحْبِسَهُ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَضَى فِي ذَلِكَ بِأَنْ يُقْسَمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَرْزُقَهُ اللَّهُ.
ونا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُؤَاجِرُ الْمُفْلِسَ فِي شَرِّ صَنْعَةٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِالْقِسْطِ، وَنَهَى عَنْ الْمَطْلِ وَالسِّجْنِ، فَالسِّجْنُ مَطْلٌ وَظُلْمٌ، وَمَنْعُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ مِنْ تَعْجِيلِ حَقِّهِ مَطْلٌ وَظُلْمٌ، ثُمَّ تَرْكُ مَنْ صَحَّ إفْلَاسُهُ لَا يُؤَاجِرُ لِغُرَمَائِهِ مَطْلٌ وَظُلْمٌ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ إنْصَافُ غُرَمَائِهِ وَإِعْطَاؤُهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ بِالْإِجَارَةِ؟ أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ فِي الْمُفْلِسِ قَالَ: لَا يَحْبِسُهُ، وَلَكِنْ يُرْسِلُهُ يَسْعَى فِي دَيْنِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمدين إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ]
١٢٧٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْحُقُوقُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ؟ أُلْزِمَ الْغُرْمَ وَسُجِنَ حَتَّى يُثْبِتَ الْعَدَمَ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ شُهُودٍ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُمْنَعُ خَصْمُهُ مِنْ لُزُومِهِ وَالْمَشْيِ مَعَهُ حَيْثُ مَشَى، أَوْ وَكِيلُهُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَهُ، فَإِنْ أَثْبَتَ عَدَمَهُ سُرِّحَ بَعْدَ أَنْ يُحَلِّفَهُ: مَا لَهُ مَالٌ بَاطِنٌ، وَمُنِعَ خَصْمُهُ مِنْ لَزَوْمه، وَأُوجِرَ لِخُصُومِهِ، وَمَتَى ظَهَرَ لَهُ مَالٌ أُنْصِفَ مِنْهُ.
فَإِنْ كَانَتْ الْحُقُوقُ مِنْ نَفَقَاتٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ جِنَايَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي أَنَّهُ عَدِيمٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، حَتَّى يُثْبِتَ خَصْمُهُ أَنَّ لَهُ مَالًا، لَكِنْ يُؤَاجَرُ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَإِنْ صَحَّ أَنَّ لَهُ مَالًا غَيَّبَهُ أُدِّبَ وَضُرِبَ حَتَّى يُحْضِرَهُ أَوْ يَمُوتَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] .
وَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ
стр. 2602
عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» .
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ، وَمِنْ الْمُنْكَرِ مَطْلُ الْغَنِيِّ، فَمَنْ صَحَّ غِنَاهُ وَمَنَعَ خَصْمَهُ فَقَدْ أَتَى مُنْكَرًا وَظُلْمًا، وَكُلُّ ظُلْمٍ مُنْكَرٌ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْحَاكِمِ تَغْيِيرُهُ بِالْيَدِ، وَمَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ يُجْلَدَ أَحَدٌ فِي غَيْرِ حَدٍّ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ؛ فَوَاجِبٌ أَنْ يُضْرَبَ عَشَرَةً؛ فَإِنْ أَنْصَفَ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْمَطْلِ فَقَدْ أَحْدَثَ مُنْكَرًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهِ فَيُضْرَبُ أَيْضًا عَشَرَةً، وَهَكَذَا أَبَدًا حَتَّى يُنْصِفَ، وَيَتْرُكَ الظُّلْمَ، أَوْ يَقْتُلَهُ الْحَقُّ وَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ وُجُوهِ الْحُقُوقِ: فَإِنَّ مَنْ كَانَ أَصْلُ الْحَقِّ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ بَيْعٍ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَالًا، وَمَنْ صَحَّ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ مَالًا فَوَاجِبٌ أَنْ يُنْصَفَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ حَتَّى يَصِحَّ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ قَدْ تَلِفَ - وَهُوَ فِي تَلَفِهِ مُدَّعِي - وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَمَنْ كَانَ أَصْلُ الْحَقِّ عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانٍ، أَوْ جِنَايَةٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ نَفَقَةٍ، فَالْيَقِينُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ: هُوَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ وُلِدَ عُرْيَانَ لَا شَيْءَ لَهُ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ قَدْ صَحَّ لَهُمْ الْفَقْرُ، فَهُمْ عَلَى مَا صَحَّ مِنْهُمْ حَتَّى يَصِحَّ أَنَّهُمْ كَسَبُوا مَالًا وَهُوَ فِي أَنَّهُ قَدْ كَسَبَ مَالًا مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ، وَغَيْرِهِمَا.
стр. 2603
وَخَالَفَ فِي هَذَا بَعْضُ الْمُتَعَسِّفِينَ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم: ٤٠] فَصَحَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَزَقَ الْجَمِيعَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ نُخَالِفْهُ فِي الرِّزْقِ، بَلْ الرِّزْقُ مُتَيَقَّنٌ، وَأَوَّلُهُ لَبَنُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ، فَلَوْلَا رِزْقُ اللَّهِ تَعَالَى مَا عَاشَ أَحَدٌ يَوْمًا فَمَا فَوْقَهُ، وَلَيْسَ مِنْ كُلِّ الرِّزْقِ يُنْصَفُ الْغُرَمَاءُ، وَإِنَّمَا يُنْصَفُونَ مِنْ فُضُولِ الرِّزْقِ وَهِيَ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَاهَا الْإِنْسَانَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَأَمَّا الْمُؤَاجَرَةُ: فَلِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِهَذِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ١٢٧٨ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] يَمْنَعُ مِنْ اسْتِئْجَارِهِ؟ قُلْنَا: بَلْ يُوجِبُ اسْتِئْجَارَهُ؛ لِأَنَّ الْمَيْسَرَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ -: إمَّا بِسَعْيٍ، وَإِمَّا بِلَا سَعْيٍ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فَنَحْنُ نُجْبِرُهُ عَلَى ابْتِغَاءِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَمَرَهُ تَعَالَى بِابْتِغَائِهِ، فَنَأْمُرُهُ وَنُلْزِمُهُ التَّكَسُّبَ لِيُنْصِفَ غُرَمَاءَهُ وَيَقُومَ بِعِيَالِهِ وَنَفْسِهِ، وَلَا نَدَعُهُ يُضَيِّعُ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ وَالْحَقَّ اللَّازِمَ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمدين إذَا كَانَ لَهُ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ وَيَفْضُلُ لَهُ]
١٢٧٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَخْلُو الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ مِنْ أَنْ يَكُونَ يُوجَدُ لَهُ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ وَيَفْضُلُ لَهُ، فَهَذَا يُبَاعُ مِنْ مَالِهِ مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ فَيُنْصَفُ مِنْهُ غُرَمَاؤُهُ، وَمَا تَلِفَ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ فَمِنْ مُصِيبَتِهِ لَا مِنْ مُصِيبَةِ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي، شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ يَكُونَ كُلُّ مَا يُوجَدُ لَهُ يَفِي بِمَا عَلَيْهِ وَلَا يَفْضُلُ لَهُ شَيْءٌ، أَوْ لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ -: فَهَذَانِ يَقْضِي بِمَا وُجِدَ لَهُمَا لِلْغُرَمَاءِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يُبَاعُ لَهُمْ إنْ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، فَمَا تَلِفَ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَهُمْ بِمَالِهِ فَمِنْ مُصِيبَةِ الْغُرَمَاءِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ دَيْنِهِمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ قَدْ صَارَ لَهُمْ إنْ شَاءُوا اقْتَسَمُوهُ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى، بَيْعِهِ بِيعَ لَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ إذَا وَفَّى بَعْضَ مَالِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْلَى بِأَنْ يُبَاعَ فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِهِ، فَيُنْظَرُ: أَيُّ مَالِهِ هُوَ عَنْهُ فِي غِنًى فَيُبَاعُ، وَمَا لَا غِنًى بِهِ عَنْهُ فَلَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ التَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَتَرْكُ الْمُضَارَّةِ، فَإِنْ كَانَ كُلُّهُ لَا غِنًى بِهِ عَنْهُ أُقْرِعَ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَالِ، فَأَيُّهَا خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ بِيعَ فِيمَا أُلْزِمَهُ.
стр. 2604
[مَسْأَلَةٌ مَالُ الْمُفْلِسِ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ]
مَسْأَلَةٌ: وَيُقَسَّمُ مَالُ الْمُفْلِسِ الَّذِي يُوجَدُ لَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ بِالْقِيمَةِ كَمَا يُقَسَّمُ الْمِيرَاثُ عَلَى الْحَاضِرِينَ الطَّالِبِينَ الَّذِينَ حَلَّتْ آجَالُ حُقُوقِهِمْ فَقَطْ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ حَاضِرٌ لَا يَطْلُبُ، وَلَا غَائِبٌ لَمْ يُوَكِّلْ، وَلَا حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُ حَقِّهِ - طَلَبَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ -؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُ حَقِّهِ فَلَا حَقَّ لَهُ بَعْدُ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى مَا لَمْ يَطْلُبْ، وَقَدْ وَجَبَ فَرْضًا إنْصَافُ الْحَاضِرِ الطَّالِبِ فَلَا يَحِلُّ مَطْلُهُ بِفَلْسٍ فَمَا فَوْقَهُ.
وَقَدْ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْغُرَمَاءِ الْحَاضِرِينَ: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ» فَإِذَا أَخَذُوهُ فَقَدْ مَلَكُوهُ فَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ مِمَّا مَلَكُوهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا الْمَيِّتُ بِفَلَسْ: فَإِنَّهُ يَقْضِي لِكُلِّ مِنْ حَضَرَ أَوْ غَابَ - طَلَبَا أَوْ لَمْ يَطْلُبَا - وَلِكُلِّ ذِي دَيْنٍ كَانَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَوْ حَالًّا؛ لِأَنَّ الْآجَالَ تَحِلُّ كُلُّهَا بِمَوْتِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ، أَوْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَاتِ الْقَرْضِ ".
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَطْلُبْ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَوَارِيثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فَلَا مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ، فَوَاجِبٌ إخْرَاجُ الدُّيُونِ إلَى أَرْبَابِهَا وَالْوَصَايَا إلَى أَصْحَابِهَا، ثُمَّ يُعْطَى الْوَرَثَةُ حُقُوقَهُمْ فِيمَا أَبْقَى، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ إقْرَارُ الْمُفْلِسِ بِالدَّيْنِ]
١٢٨١ - مَسْأَلَةٌ: وَإِقْرَارُ الْمُفْلِسِ بِالدَّيْنِ لَازِمٌ مَقْبُولٌ وَيَدْخُلُ مَعَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَاجِبٌ قَبُولُهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إبْطَالُهُ بِغَيْرِ نَصِّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ، فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ قُضِيَ بِمَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ لَزِمَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا يَدْخُلْ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي مَالٍ قَدْ قُضِيَ لَهُمْ بِهِ وَمَلَكُوهُ قَبْلَ إقْرَارِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ]
١٢٨٢ - مَسْأَلَةٌ: وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ فَيَبْدَأُ بِمَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ فِي الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ، وَبِالْحَجِّ فِي الْمَيِّتِ، فَإِنْ لَمْ يَعُمَّ: قَسَّمَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الْحُقُوقِ بِالْحِصَصِ لَا يُبَدَّى مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ دُيُونُ النَّاسِ إنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِجَمِيعِهَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَالِهِ مِمَّا وُجِدَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْحَجِّ " مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» ، «وَاقْضُوا اللَّهَ
стр. 2605
فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» ، «كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ» .
[مَسْأَلَةٌ فَلَّسَ فَوَجَدَ إنْسَانٌ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَهَا بِعَيْنِهَا عِنْدَهُ]
١٢٨٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ فَلَّسَ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ فَوَجَدَ إنْسَانٌ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَهَا بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، فَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا أَكْثَرَهُ أَوْ أَقَلَّهُ رَدَّهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
فَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهَا لَا كُلَّهَا فَسَوَاءٌ وَجَدَ أَكْثَرَهَا أَوْ أَقَلَّهَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
وَلَا يَكُونُ مُفْلِسًا مَنْ لَهُ مِنْ أَيْنَ يُنْصِفُ جَمِيعَ الْغُرَمَاءِ وَيَبْقَى لَهُ فَضْلٌ، إنَّمَا الْمُفْلِسُ مَنْ لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ بَعْدَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ وَجَدَ وَدِيعَتَهُ، أَوْ مَا غُصِبَ مِنْهُ، أَوْ مَا بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ أُخِذَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ لَهُ ضَرُورَةً وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ قَطُّ عَنْ هَذَا.
وَأَمَّا مَنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَهَا بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ أَقْرَضَهَا، فَمُخَيَّرٌ كَمَا ذَكَرْنَا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمَالِكٍ، وَهُشَيْمٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» اللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، وَلَفْظُ سَائِرِهِمْ نَحْوُهُ لَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَعْنَى.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 2606
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَتَاعِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ سِوَاهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعْدَمُ: إذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ وَلَمْ يُفَرِّقْهُ أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَهِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ كُلِّهِمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
وَمِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ نَقْلٌ تَوَاتَرَ وَكَافَّةٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ، وَهَذَا عُمُومٌ لِمَنْ مَاتَ أَوْ فَلَّسَ حَيًّا، وَبَيَانٌ جَلِيٌّ أَنَّهُ إنْ فُرِّقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، وَعُمُومٌ لِمَنْ تَقَاضَى مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَتَقَاضَى مِنْهُ شَيْئًا.
وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: أَفْلَسَ مَوْلًى لِأُمِّ حَبِيبَةَ فَاخْتُصِمَ فِيهِ إلَى عُثْمَانَ ﵁ فَقَضَى أَنَّ مَنْ كَانَ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ إفْلَاسُهُ فَهُوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ لَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا أَبُو دَاوُد هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ خَلْدَةَ قَالَ: «أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا أَفْلَسَ فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: إذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
стр. 2607
وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ: إذَا أَدْرَكْت مَالَك بِعَيْنِهِ كَمَا هُوَ قَبْلَ أَنْ يُفَرَّقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَك وَإِنْ فُرِّقَ بَعْضُهُ فَهُوَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالسَّوِيَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ إنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا وَافِرَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ اسْتَهْلَكَ مِنْهَا شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَالْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ - وَقَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الْمُبْتَاعُ لَوْ أَفْلَسَ لَكَانَ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِمَتَاعِهِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ - وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ؛ وَالْحَسَنِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُنَا فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَدَاوُد.
وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا خِلَافٌ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: هُوَ فِيهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَعِنْدَهُ سِلْعَةٌ قَائِمَةٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهَا فَهُوَ فِيهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ -: إنَّ مَنْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَوَجَدَ إنْسَانٌ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَ بِعَيْنِهَا فَهُوَ فِيهَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِيمَنْ أَعْطَى إنْسَانًا مَالًا مُضَارَبَةً فَمَاتَ فَوَجَدَ كِيسَهُ بِعَيْنِهِ: فَهُوَ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ سَوَاءٌ.
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَوَكِيعٍ كَقَوْلِ إبْرَاهِيمَ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ مَنْ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ شَيْئًا ثُمَّ أَفْلَسَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ قَتَادَةَ: مَنْ وَجَدَ بَعْضَ سِلْعَتِهِ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا أَوْ بِمَا وَجَدَ مِنْهَا قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْبِضْ هُوَ أَحَقُّ مِنْ الْغُرَمَاءِ فِي التَّفْلِيسِ فِي الْحَيَاةِ وَأَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ فِيهَا.
стр. 2608
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ وَجَدَهَا أَوْ بَعْضَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَوْ بِاَلَّذِي وَجَدَ مِنْهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَخُصَّ حَيَاةً مِنْ مَوْتٍ، قَالَ: فَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا قَابَلَ مَا بَقِيَ لَهُ فَقَطْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا فِي الْحَيَاةِ، وَأَمَّا فِي الْمَوْتِ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمْ جَاهَرُوا بِالْبَاطِلِ، وَقَالُوا: إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَنْ وَجَدَ وَدِيعَتَهُ أَوْ مَا غُصِبَ مِنْهُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَذِبٌ مُجَرَّدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ النَّصُّ كَمَا أَوْرَدْنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي تَعَمُّدِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا يَشْهَدُ بِرِقَّةِ دَيْنِهِ وَصَفَاقَةِ وَجْهِهِ فَقَالَ: إنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ أَحَقُّ بِسِلْعَتِهِ مِنْ قَبْضِ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى بِغَيْرِ إذْنِ بَائِعِهِ - وَهُوَ مُفْلِسٌ - فَيَكُونُ الْبَائِعُ أَحَقَّ بِمَا بَاعَ حَتَّى يُنْصَفَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يُبَاعَ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ.
وَمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً فِي مَرَضِهِ بِبَيِّنَةٍ وَقَبَضَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ثُمَّ مَاتَ فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ الْمُقَرِّ لَهُمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ " بَنِي تَمِيمٍ " خَاصَّةً أَوْ " أَهْلَ جُرْجَانَ " خَاصَّةً.
وَمِثْلُ هَذَا مِنْ التَّخْلِيطِ لَا يَأْتِي بِهِ ذُو دِينٍ، وَلَا ذُو عَقْلٍ، وَلَا يَنْسِبُ هَذَا الْهَوَسَ وَهَذَا الْبَاطِلَ الَّذِي أَتَى بِهِ هَذَا الْجَاهِلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّهُ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي؟ فَقُلْنَا: مِنْ اسْتَجَازَ خِلَافَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَعْجِزْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَأْتِي أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّهُ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي، فَيُبْطِلُ الْإِسْلَامَ بِذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَبِحُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ «لَا يَحِلُّ مَالُ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسِهِ» . فَهَذَا الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ الَّذِي تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ الْمُؤْمِنِ، وَإِنَّمَا الْبَاطِلُ وَالضَّلَالُ قَضَاؤُهُمْ بِمَالِ الْمُسْلِمِ لِلْغَاصِبِ الْفَاسِقِ وَلِلْكَافِرِ
стр. 2609
الْجَاحِدِ، إذْ يَقُولُونَ: إنَّ كِرَاءَ الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ لِلْغَاصِبِ وَإِنْ أَخَذَهُ الْكُفَّارُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَحَلَالٌ لَهُمْ، فَلَوْ اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ.
وَاحْتَجُّوا بِخَبَرَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَاضِي مَرْوَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ وَوَجَدَ رَجُلٌ مَتَاعَهُ فَهُوَ بَيْنَ غُرَمَائِهِ» وَأَبُو عِصْمَةَ كَذَّابٌ مَشْهُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَالْآخَرُ: مِنْ رِوَايَةِ صَدَقَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ سَنْدَلٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ بَيْعًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ وَقَدْ أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَالُهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ» وَعُمَرُ بْنُ قَيْسٍ ضَعِيفٌ جِدًّا.
ثُمَّ لَوْ صَحَّا - وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ - لَكَانَ الثَّابِتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ زَائِدًا وَكَانَ هَذَانِ مُوَافِقَيْنِ لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَالْأَخْذُ بِالزَّائِدِ هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
وَالْعَجَبُ مِنْ أَصْلِهِمْ الْخَبِيثِ أَنَّ الصَّاحِبَ إذَا رَوَى رِوَايَةً ثُمَّ خَالَفَهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلَانِهَا - وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلَافُ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ الْمَكْذُوبَيْنِ الْمَوْضُوعَيْنِ: فَهَلَّا جَعَلُوا ذَلِكَ عِلَّةً فِيهِمَا، وَلَكِنَّ أُمُورَهُمْ مَعْكُوسَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَرُدُّونَ السُّنَنَ الثَّابِتَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ: «غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا» وَغَيْرُ ذَلِكَ بِالرِّوَايَاتِ الْمَكْذُوبَةِ فِي أَنَّ الرَّاوِيَ لَهَا تَرَكَهَا، ثُمَّ لَا يَرَوْنَ رَدَّ الرِّوَايَاتِ الْمَوْضُوعَةِ بِأَنَّ مَنْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُهَا، فَتَعَسًا لِهَذِهِ الْعُقُولِ، وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى السَّلَامَةِ.
وَقَالُوا: لَا يَخْلُو الْمُشْتَرِي مِنْ أَنْ يَكُونَ مَلَكَ مَا اشْتَرَى أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكْهُ فَشِرَاؤُهُ بَاطِلٌ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ فِيهِ رُجُوعٌ، وَهُوَ لِلْغُرَمَاءِ كُلِّهِمْ كَسَائِرِ مَالِهِ.
стр. 2610
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اعْتَرَضُوا بِهَذَا فِي الشُّفْعَةِ أَيْضًا: فَالْأَمْرُ سَوَاءٌ، لَكِنَّ يَا هَؤُلَاءِ مِثْلُ هَذَا لَا يُعَارَضُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَاَلَّذِي يَقُولُ فِيهِ رَبُّهُ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] إنَّمَا يُعَارَضُ بِهِ مَنْ قَالَ الْبَاطِلَ بِرَأْيِهِ الْفَاسِدِ فَجَعَلَ شِرَاءَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ مَا غَنِمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شِرَاءً صَحِيحًا يَمْلِكُهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْأَوَّلُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْحَرْبِيِّ مَا اشْتَرَاهُ أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ؟ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ وَمَلَكَهُ، فَلِمَ يَكُونُ الَّذِي غَنِمَ مِنْهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِغَيْرِ الثَّمَنِ؟ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكْهُ فَهَذَا قَوْلُنَا لَا قَوْلُكُمْ.
وَمَنْ جَعَلَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ مَلَكَ الْمَوْهُوبُ مَا وُهِبَ لَهُ، أَمْ لَمْ يَمْلِكْ؟ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكْهُ فَلِمَ يُحِلُّونَ لَهُ الِانْتِفَاعَ؛ وَالْوَطْءَ، وَالْبَيْعَ؟ وَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ فِيهِ مَنْ قَدْ بَطَلَ مِلْكُهُ عَنْهُ؟ فَهَذَا كَانَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِآرَائِهِمْ الْمُنْتِنَةِ الَّتِي لَا تُسَاوِي رَجِيعَ كَلْبٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ نَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالَ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ، هُوَ وَاَللَّهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْبَرِّ الصَّادِقِ لَا مِنْ حَدِيثِ مِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الَّذِي قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ أَفْقَهُ؟ أَبُو يُوسُفَ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؟ فَقَالَ: قُلْ: أَيُّهُمَا أَكْذَبُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ بَاعَ سِلْعَةً فَلَمْ يَقْبِضْهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى فَلَّسَ فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرُوا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قَبَضَ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَقْبِضْ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْتِ، وَالْحَيَاةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا أَوْ لَا يَدْفَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِآثَارٍ مُرْسَلَةٍ -: مِنْهَا -: مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمُسْنَدٍ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، وَبَقِيَّةَ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّبَيْدِيِّ
стр. 2611
عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بَقِيَّةُ، وَإِسْمَاعِيلُ ضَعِيفَانِ.
وَآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ جُوتَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ رَجُلًا مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ وَلَمْ يَقْبِضْ الَّذِي بَاعَ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا فَإِنْ وَجَدَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» فَإِنَّ إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ جُوتَى مَجْهُولٌ - وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَخَبَرٌ آخَرُ - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ هَكَذَا لَمْ يَذْكُرْ مَتْنَهُ وَلَا لَفْظَهُ.
ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، والدستوائي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا كَمَا أَوْرَدْنَاهُ قَبْلُ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْآثَارُ لَكَانَتْ كُلُّهَا مُخَالِفَةً لِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِي جَمِيعِهَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَوْتِ، وَالْحَيَاةِ، وَالشَّافِعِيُّ، لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَفِي جَمِيعِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قُبِضَ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ قُبِضَ، وَمَالِكٌ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَحَصَلَ قَوْلُهُمَا مُخَالِفًا لِكُلِّ الْآثَارِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنْ قَالُوا: ذِمَّةُ الْمَيِّتِ قَدْ انْقَطَعَتْ، وَذِمَّةُ الْحَيِّ قَائِمَةٌ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، بَلْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا بَعْضَ سِلْعَتِهِ فَلَمْ يَجِدْهَا بِعَيْنِهَا وَإِنَّمَا جَاءَ النَّصُّ إذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يُفَرِّقْهَا الْمُشْتَرِي كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ غَصَبَ آخَرَ مَالًا فَمَاتَ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِهِ]
١٢٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ غَصَبَ آخَرَ مَالًا، أَوْ خَانَهُ فِيهِ، أَوْ أَقْرَضَهُ فَمَاتَ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، أَوْلَهُ بَيِّنَةٌ فَظَفَرَ لِلَّذِي حَقُّهُ قَبْلَهُ بِمَالٍ، أَوْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَوْعِ
стр. 2612
مَالِهِ عِنْدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ - وَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ ثَمَنِهِ، فَإِذَا عَرَفَ أَقْصَاهُ بَاعَ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ: فَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ حَلَالًا.
وَسَوَاءٌ كَانَ مَا ظَفَرَ لَهُ بِهِ جَارِيَةً، أَوْ عَبْدًا، أَوْ عَقَارًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ وَفَّى بِمَالِهِ قَبْلَهُ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَفِ بَقِيَ حَقُّهُ فِيمَا لَمْ يَنْتَصِفْ مِنْهُ، وَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ رَدَّهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ وَيُبْرِيَهُ فَهُوَ مَأْجُورٌ.
وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ خَاصَمَهُ أَوْ لَمْ يُخَاصِمْهُ، اسْتَحْلَفَهُ أَوْ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُ فَإِنْ طُولِبَ بِذَلِكَ وَخَافَ إنْ أَقَرَّ أَنْ يَغْرَمَ فَلْيُنْكِرْ وَلْيَحْلِفْ، وَهُوَ مَأْجُورٌ فِي ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا.
وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا كُلُّ مَنْ ظَفَرَ لِظَالِمٍ بِمَالٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَخْذُهُ وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِ مِنْهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] .
وَمِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ نا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ هِنْدًا أُمَّ مُعَاوِيَةَ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَبَنِي، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ جُنَاحٍ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا؟ قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» .
стр. 2613
وَقَدْ ذَكَرْنَا «قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَاءِ الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا: خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» وَهَذَا إطْلَاقٌ مِنْهُ ﷺ لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا وَجَدَ لِلَّذِي لَهُ عَلَيْهِ الْحَقُّ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - حَدَّثَنِي يَزِيدُ هُوَ ابْنُ أَبِي حَبِيبٍ - عَنْ أَبِي الْخَيْرِ هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ [قَالَ] : «قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلَ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا ﵇: إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ» وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ سِيرِينَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَخَذَ الرَّجُلُ مِنْك شَيْئًا فَخُذْ مِنْهُ مِثْلَهُ - وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إنْ أَخَذَ مِنْك شَيْئًا فَخُذْ مِنْهُ مِثْلَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا تَخُنْ مَنْ خَانَك، فَإِنْ أَخَذْت مِنْهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْك فَلَيْسَ عَلَيْك بَأْسٌ.
وَعَنْ عَطَاءٍ حَيْثُ وَجَدْت مَتَاعَك فَخُذْهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فَمَنْ ظَفَرَ بِمِثْلِ مَا ظُلِمَ فِيهِ هُوَ، أَوْ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ، فَلَمْ يُزِلْهُ عَنْ يَدِ الظَّالِمِ وَيَرُدَّ إلَى الْمَظْلُومِ حَقَّهُ فَهُوَ أَحَدُ الظَّالِمِينَ، لَمْ يُعِنْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بَلْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، هَذَا أَمْرٌ يُعْلَمُ ضَرُورَةً.
وَكَذَلِكَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ» فَمَنْ قَدَرَ عَلَى كَفِّ الظُّلْمِ وَقَطْعِهِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَخَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ حَقِّ نَفْسِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ بِلَا خِلَافٍ، وَالدَّلَائِلُ عَلَى هَذَا تَكْثُرُ جِدًّا.
وَخَالَفَنَا فِي هَذَا قَوْمٌ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ ظَفَرَ بِعَيْنِ مَالِهِ فَلْيَأْخُذْهُ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذْ غَيْرَهُ.
стр. 2614
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ وَجَدَ مِنْ نَوْعِ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَلْيَأْخُذْ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذْ غَيْرَ نَوْعِهِ. وَاحْتَجَّتْ هَذِهِ الطَّوَائِفُ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: كُنْت أَكْتُبُ لِفُلَانٍ نَفَقَةَ أَيْتَامٍ كَانَ وَلِيَّهُمْ فَغَالَطُوهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَدَّاهَا إلَيْهِمْ، فَأَدْرَكَتْ لَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ مِثْلُهَا، قُلْت: اقْبِضْ الْأَلْفَ الَّذِي ذَهَبُوا بِهَا مِنْك؛ قَالَ: لَا، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَدِّ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» وَنَحْوُهُ -: عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ عَنْ شَرِيكٍ، وَقَيْسٍ هُوَ ابْنُ الرَّبِيعِ - عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ الْحَسَنِ «قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ لِي حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ فَجَحَدَنِي فَدَانَ لَهُ عِنْدِي حَقٌّ أَفَأَجْحَدُهُ؟ قَالَ: لَا، أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَدُوسٍ يُقَالُ لَهُ: دَيْسَمٌ قُلْنَا لِبَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ: لَنَا جِيرَانٌ مَا تَشِذُّ لَنَا قَاصِيَةٌ إلَّا ذَهَبُوا بِهَا وَإِنَّهُ يَمْضِي لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِ أَشْيَاءُ فَنَذْهَبُ بِهَا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا - وَكُلُّ هَذَا لَا شَيْءَ -: أَمَّا حَدِيثُ فُلَانٍ عَنْ أَبِيهِ نَاهِيَك بِهَذَا السَّنَدِ، لَيْتَ شِعْرِي مِنْ فُلَانٍ؟ وَنَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ دِينٍ أُخِذَ عَنْ فُلَانٍ الَّذِي لَا يَدْرِي مَنْ هُوَ، وَلَا مَا اسْمُهُ، وَلَا مَنْ أَبُوهُ وَلَا اسْمُهُ.
وَالْآخَرُ طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ عَنْ شَرِيكٍ، وَقَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكُلُّهُمْ ضَعِيفٌ.
وَالثَّالِثُ مُرْسَلٌ، وَفِيهِ الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَحَدِيثُ بَشِيرٍ عَنْ رَجُلٍ يُسَمَّى دَيْسَمًا مَجْهُولٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ فِيهَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ نَصَّهَا «لَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ، وَأَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ» وَلَيْسَ انْتِصَافُ الْمَرْءِ مِنْ حَقِّهِ خِيَانَةً، بَلْ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَإِنْكَارُ مُنْكِرٍ، وَإِنَّمَا الْخِيَانَةُ أَنَّ تَخُونَ بِالظُّلْمِ وَالْبَاطِلِ مَنْ لَا حَقَّ لَك عِنْدَهُ، وَلَا مِنْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ إلَيْك مِنْ حَقِّك، أَوْ مِنْ مِثْلِهِ إنْ عَدَمَ حَقَّك، وَلَيْسَ رَدُّ الْمَظْلَمَةِ أَدَاءَ أَمَانَةٍ، بَلْ هُوَ عَوْنٌ عَلَى الْخِيَانَةِ.
стр. 2615
ثُمَّ لَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ إلَّا لِمَنْ مَنَعَ مِنْ الِانْتِصَافِ جُمْلَةً، وَأَمَّا مَنْ قَسَّمَ فَأَبَاحَ أَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْ نَوْعِ مَالِهِ فَقَطْ فَمُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْآثَارِ وَلِغَيْرِهَا -.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
تَمَّ " كِتَابُ التَّفْلِيسِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
стр. 2616
[كِتَابُ الْإِجَارَاتِ وَالْأُجَرَاءِ] [ مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ مَنْفَعَةٌ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْإِجَارَاتِ وَالْأُجَرَاءِ ١٢٨٥ - مَسْأَلَةٌ: الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ مَنْفَعَةٌ فَيُؤَاجِرُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ وَلَا يَسْتَهْلِكَ عَيْنَهُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُمْ سَمِعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ يَقُولُ: زَعَمَ ثَابِتٌ - هُوَ ابْنُ الضَّحَّاكِ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا» .
قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ صَحَّ سَمَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ مِنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي الْإِجَارَاتِ آثَارٌ، وَبِإِبَاحَتِهَا يَقُولُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَّا أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ عُلَيَّةَ قَالَ: لَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ «اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ أُرَيْقِطٍ دَلِيلًا إلَى مَكَّةَ» .
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ لَيْسَتْ بَيْعًا]
١٢٨٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِجَارَةُ لَيْسَتْ بَيْعًا، وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ كَالْحُرِّ، وَالْكَلْبِ، وَالسِّنَّوْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا جَازَتْ إجَارَةُ الْحُرِّ، وَالْقَائِلُونَ إنَّهَا بَيْعٌ يُجِيزُونَ إجَارَةَ الْحُرِّ، فَتَنَاقَضُوا.
стр. 2617
وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا هِيَ الِانْتِفَاعُ بِمَنَافِعِ الشَّيْءِ الْمُؤَاجَرِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ.
[مَسْأَلَةٌ إجَارَةُ مَا تُتْلَفُ عَيْنُهُ]
١٢٨٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ مَا تُتْلَفُ عَيْنُهُ أَصْلًا، مِثْلَ الشَّمْعِ لِلْوَقِيدِ، وَالطَّعَامِ لِلْأَكْلِ، وَالْمَاءِ لِلسَّقْيِ بِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ لَا إجَارَةٌ، وَالْبَيْعُ هُوَ تَمَلُّكُ الْعَيْنِ، وَالْإِجَارَةُ لَا تُمْلَكُ بِهَا الْعَيْنُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ]
١٢٨٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الْإِجَارَاتِ مَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ فَقَطْ وَلَا يُذْكَرُ فِيهِ مُدَّةٌ كَالْخِيَاطَةِ وَالنَّسْجِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ إلَى مَكَان مُسَمًّى، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ كَسُكْنَى الدَّارِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا كَالْخِدْمَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مَجْهُولَةٌ وَإِذَا كَانَتْ مَجْهُولَةً فَهِيَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَالْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمُؤَاجَرَةِ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مِنْ سَيِّدِهِ لِلْخِدْمَةِ مُدَّةً مُسَمَّاةً]
١٢٨٩ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مِنْ سَيِّدِهِ لِلْخِدْمَةِ مُدَّةً مُسَمَّاةً بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وليستعملهما فِيمَا يُحْسِنَانِهِ وَيُطِيقَانِهِ بِلَا إضْرَارٍ بِهِمَا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَقِيلٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: «اسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَدَفَعَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» .
[مَسْأَلَةٌ اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ]
١٢٩٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ وَلَا تَعْجِيلِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا اشْتِرَاطُ تَأْخِيرِهَا إلَى أَجَلٍ وَلَا تَأْخِيرِ شَيْءٍ مِنْهَا كَذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ تَأْخِيرِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ وَلَا تَأْخِيرِ الْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ.
стр. 2618
وَمِنْ هَذَا اسْتِئْجَارُ دَارٍ مُكْتَرَاةٍ، أَوْ عَبْدٍ مُسْتَأْجَرٍ، أَوْ دَابَّةٍ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ عَمَلٍ مُسْتَأْجَرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْإِجَارَةِ الَّتِي هُوَ مَشْغُولٌ فِيهَا، لِأَنَّ فِي الْعَقْدِ اشْتِرَاطَ تَأْخِيرِ قَبْضَةِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ، أَوْ الْعَمَلِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ.
وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ النَّاسِ إجَارَةَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ بِالْيَوْمَيْنِ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَكْثَرُ - وَهَذَا تَحَكُّمٌ فَاسِدٌ وَدَعْوَى بَاطِلٍ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَيْسَ إلَّا حَرَامٌ فَيَحْرُمُ جُمْلَةً أَوْ حَلَالٌ فَيَحِلُّ جُمْلَةً.
وَقَالُوا: هُوَ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ غَرَرٌ. فَقُلْنَا: وَهُوَ أَيْضًا فِي السَّاعَةِ غَرَرٌ وَلَا فَرْقَ، إذْ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ طَرْفَةِ عَيْنٍ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَيْضًا: فَيُكَلَّفُونَ إلَى تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ الَّتِي لَا غَرَرَ فِيهَا وَالْمُدَّةِ الَّتِي فِيهَا غَرَرٌ، وَأَنْ يَأْتُوا بِالْبُرْهَانِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُمْ قَائِلُونَ فِي الدِّينِ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ بِلَا شَرْطٍ فَلَا بَأْسَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَوْتُ الْأَجِيرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ هَلَاكُ الْمُسْتَأْجَرِ]
١٢٩١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَوْتُ الْأَجِيرِ، أَوْ مَوْتُ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوْ هَلَاكُ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ، أَوْ عِتْقُ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ، أَوْ بَيْعُ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ مِنْ الدَّارِ، أَوْ الْعَبْدِ، أَوْ الدَّابَّةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ خُرُوجُهُ عَنْ مِلْكِ مُؤَاجِرِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ خَرَجَ كُلُّ ذَلِكَ يُبْطِلُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ خَاصَّةً - قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ، وَالْبَيْعُ، وَالْإِخْرَاجُ عَنْ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ، وَالْإِصْدَاقِ، وَالصَّدَقَةِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَإِذَا مَاتَ الْمُؤَاجِرُ فَقَدْ صَارَ مِلْكُ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لِلْغُرَمَاءِ، وَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَ الْمُسْتَأْجِرُ مَنَافِعَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْمَنَافِعُ إنَّمَا تَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمَنَافِعَ حَادِثَةٍ فِي مِلْكِ مَنْ لَمْ يَسْتَأْجِرْ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ، وَهَذَا هُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ جِهَارًا.
стр. 2619
وَلَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ فِي أَمْوَالِهِمْ عَقْدُ مَيِّتٍ قَدْ بَطَلَ مِلْكُهُ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَوْ أَنَّهُ آجَرَ مَنَافِعَ حَادِثَةً فِي مِلْكِ غَيْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا بِلَا خِلَافٍ وَهَذَا هُوَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ.
وَأَمَّا مَوْتُ الْمُسْتَأْجِرِ: فَإِنَّمَا كَانَ عَقْدُ صَاحِبِ الشَّيْءِ مَعَهُ لَا مَعَ وَرَثَتِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ عِنْدَ الْوَرَثَةِ، وَلَا عَقْدَ لَهُ مَعَهُمْ، وَلَا تَرِثُ الْوَرَثَةُ مَنَافِعَ لَهُمْ تُخْلَقُ بَعْدُ، وَلَا مَلَكَهَا مُوَرِّثُهُمْ قَطُّ - وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَيْسَ لِمَيِّتٍ شَرْطٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الصَّمَدِ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ - عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِيمَنْ آجَرَ دَارِهِ عَشْرَ سِنِينَ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةِ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: لَا تُنْتَقَضُ، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمَا: لَا تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِمَا، وَلَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا.
وَأَقْصَى مَا احْتَجُّوا بِهِ أَنْ قَالُوا: عَقْدُ الْإِجَارَةِ قَدْ صَحَّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْتَقَضَ إلَّا بِبُرْهَانٍ. قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْبُرْهَانِ.
وَقَالُوا: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي الْأَحْبَاسِ؟ قُلْنَا: رَقَبَةُ الشَّيْءِ الْمُحْبَسِ لَا مَالَك لَهَا إلَّا اللَّهُ، وَإِنَّمَا لِلْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ الْمَنَافِعُ فَقَطْ، فَلَا تُنْتَقَضُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمْ، وَلَا بِوِلَادَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ بَعْضَ الْمَنْفَعَةِ، لَكِنْ إنْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ اُنْتُقِضَتْ الْإِجَارَةُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ عَقْدَهُ قَدْ بَطَلَ بِمَوْتِهِ وَلَا يَلْزَمُ غَيْرُهُ، إذْ النَّصُّ مِنْ الْقُرْآنِ قَدْ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ سَاقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ، وَمَلَّكَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، بِلَا شَكٍّ فَقَدْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَوْمٌ وَمِنْ الْيَهُودِ قَوْمٌ وَالْمُسَاقَاةُ بَاقِيَةٌ.
стр. 2620
قُلْنَا: إنَّ هَذَا الْخَبَرَ حَقٌّ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، بَلْ وَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ:
أَوَّلُهَا - أَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ إلَى أَجَلٍ مَحْدُودٍ، بَلْ كَانَ مُجْمَلًا يُخْرِجُونَهُمْ إذَا شَاءُوا، وَيُقِرُّونَهُمْ مَا شَاءُوا، كَمَا نَذْكُرُهُ فِي " الْمُسَاقَاةِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَيْسَتْ الْإِجَارَةُ هَكَذَا.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ إنْ كَانَ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا تَجْدِيدُ عَقْدِهِ ﷺ أَوْ عَامِلِهِ النَّاظِرِ عَلَى تِلْكَ الْأَمْوَالِ مَعَ وَرَثَةِ مَنْ مَاتَ مِنْ الْيَهُودِ، وَوَرَثَةِ مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَأْتِ أَيْضًا، وَلَا نُقِلَ أَنَّهُ اكْتَفَى بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ عَنْ تَجْدِيدِ آخَرَ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا لَنَا، بَلْ لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ احْتِجَاجُ قَوْمٍ بِخَبَرٍ لَا يَقُولُونَ بِهِ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَهَذَا مَعْكُوسٌ.
وَالرَّابِعُ - أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنَّمَا هُوَ فِي " الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ " وَكَلَامُنَا هَهُنَا فِي الْإِجَارَةِ وَهِيَ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُ بَيْنَهُمَا، فَالْمَالِكِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ الْمُخَالِفُونَ لَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَلَا يُجِيزَانِ الْمُزَارَعَةَ أَصْلًا، قِيَاسًا عَلَى الْإِجَارَةِ، وَلَا يَرَيَانِ لِلْمُسَاقَاةِ حُكْمَ الْإِجَارَةِ، فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ لَا يَقِيسُوا الْإِجَارَةَ عَلَيْهِمَا وَهُمْ أَهْلُ الْقِيَاسِ ثُمَّ يُلْزَمُونَنَا أَنْ نَقِيسَهَا عَلَيْهِمَا وَنَحْنُ نُبْطِلُ الْقِيَاسَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْبَيْعُ، وَالْهِبَةُ، وَالْعِتْقُ، وَالْإِصْدَاقُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَيَقُولُ ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: ١٨] . وَيَقُولُ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] .
وَحَضَّ عَلَى الْعِتْقِ، فَعَمَّ تَعَالَى وَلَمْ يَخُصَّ، فَكُلُّ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ، فَإِذَا نَفَذَ كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ، فَإِذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَقَدْ بَطَلَ عَقْدُهُ فِيهِ، إذْ لَا حُكْمَ لَهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ.
وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَنَافِعُ حَادِثَةٌ فِي مِلْكِ غَيْرِ مُؤَاجِرِهِ، وَخِدْمَةُ حُرٍّ لَمْ يُعَاقِدْهُ قَطُّ، لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ مَالِكِهَا، وَبِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ الْحُرِّ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ
стр. 2621
بِالْبَاطِلِ، فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَهَذَا عَقْدٌ لَازِمٌ حَقٌّ. قُلْنَا: نَعَمْ، هُوَ مَأْمُورٌ بِالْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ فِي مَالِهِ لَا فِي مَالِ غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ. فَإِنْ قَالُوا: إخْرَاجُهُ لِلشَّيْءِ الَّذِي آجَرَ مِنْ مِلْكِهِ إبْطَالٌ لِلْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ الَّذِي هُوَ مَأْمُورٌ بِالْوَفَاءِ بِهِ. قُلْنَا: وَقَوْلُكُمْ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَصْلًا:
إمَّا أَنْ تَمْنَعُوهُ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِالْوُجُوهِ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ إخْرَاجَهُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ بِسَبَبِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ.
وَإِمَّا أَنْ تُبِيحُوا لَهُ إخْرَاجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْوُجُوهِ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ إخْرَاجَهُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ - لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا.
فَإِنْ مَنَعْتُمُوهُ إخْرَاجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْوُجُوهِ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ إخْرَاجَهُ بِهَا عَنْ مِلْكِهِ كُنْتُمْ قَدْ خَالَفْتُمْ اللَّهَ ، وَحَرَّمْتُمْ مَا أَحَلَّ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ» .
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ شَرْطَهُمَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ لَا يَمْنَعُ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ إبَاحَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِصْدَاقِ، وَأَنَّ شَرْطَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إبَاحَةِ كُلِّ ذَلِكَ أَحَقُّ مِنْ شَرْطِهِمَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَأَوْثَقُ، وَمُتَقَدِّمٌ لَهُ، فَإِنَّمَا يَكُونُ عَقْدُهُمَا الْإِجَارَةَ عَلَى جَوَازِ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَمُخَالَفَتِهِ.
وَإِنْ قُلْتُمْ: بَلْ نُجِيزُ لَهُ كُلَّ ذَلِكَ وَيَبْقَى عَقْدُ الْإِجَارَةِ مَعَ كُلِّ ذَلِكَ.
стр. 2622
قُلْنَا: خَالَفْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَأَوْجَبْتُمْ أَنْ تَكْسِبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنْ يَنْفُذَ عَقْدُهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ.
وَخَالَفْتُمْ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَأَبَحْتُمْ لِلْمُسْتَأْجَرِ مَالَ غَيْرِهِ، وَأَبَحْتُمْ لَهُ مَالَ مَنْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ قَطُّ فِيهِ عَقْدًا، وَمَنَعْتُمْ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ حَقِّهِ وَهَذَا حَرَامٌ، وَأَوْجَبْتُمْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ إجَارَةً عَلَى مَنَافِعَ حَادِثَةٍ فِي مَالٍ غَيْرِهِ، وَعَنْ خِدْمَةِ حُرٍّ لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَأَكْلُ إجَارَةِ مَالٍ حَرَامٍ عَلَيْهِ عَيْنُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ - وَهَذَا كُلُّهُ ظُلْمٌ وَبَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ وَقَوْلُنَا هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِيمَنْ دَفَعَ غُلَامَهُ إلَى رَجُلٍ يُعَلِّمُهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ شَرْطِهِ، قَالَ: يَرُدُّ عَلَى مُعَلِّمِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِيمَنْ أَجَّرَ غُلَامَهُ سَنَةً فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ، قَالَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. قَالَ حَمَّادٌ: لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ إلَّا مِنْ مَضَرَّةٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: الْبَيْعُ يَقْطَعُ الْإِجَارَةَ. قَالَ أَيُّوبُ لَا يَقْطَعُهَا، قَالَ مَعْمَرٌ: وَسَأَلْت ابْنَ شُبْرُمَةَ عَنْ الْبَيْعِ أَيَقْطَعُ الْإِجَارَةَ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْمَوْتُ وَالْبَيْعُ يَقْطَعَانِ الْإِجَارَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْإِجَارَةِ فَالْبَيْع صَحِيحٌ، وَلَا يَأْخُذُ الشَّيْءَ الَّذِي اشْتَرَى إلَّا بَعْدَ تَمَامِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ.
وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ نَافِذٌ وَالْهِبَةُ، وَعَلَى الْمُعْتِقِ إبْقَاءُ الْخِدْمَةِ، وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ، وَالْمُعْتِقِ وَالْوَاهِبِ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إنْفَاذِ الْبَيْعِ وَتَكُونُ الْإِجَارَةُ لِلْبَائِعِ أَوْ رَدُّهُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا اشْتَرَى - وَهَذَا فَاسِدٌ بِمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَوْلَيْنِ - أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْمُسْتَأْجَرِ نَقْضَ الْبَيْعِ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ
стр. 2623
بَيْنَ الرِّضَا بِالْبَيْعِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَرْضَى بِهِ، فَإِنْ رَضِيَ بِهِ بَطَلَتْ إجَارَتُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ كَانَ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرًا بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَالصَّبْرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ لِتَعَذُّرِ الْقَبْضِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَانِ قَوْلَانِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّخْلِيطِ، لَا يَعْضُدُهُمَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ.
وَلَيْتَ شِعْرِي إذَا جَعَلَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارَ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، أَتَرَوْنَهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ الْخِيَارَ أَيْضًا فِي رَدِّ الْمُعْتَقِ أَوْ إمْضَائِهِ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ أَوَ يَتَنَاقَضُونَ فِي ذَلِكَ؟ وَلَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجِرِ عَنْ مِلْكِ الْمُؤَاجِرِ بِبَيْعٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ إصْدَاقٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُعْتَقِ، وَعَلَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ الْمِلْكُ: بَقَاءَ الْإِجَارَةِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ بَاطِلٌ.
[مَسْأَلَةٌ اضْطَرَّ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُؤَاجِرُ إلَى الرَّحِيلِ عَنْ الْبَلَدِ]
١٢٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ إنْ اضْطَرَّ الْمُسْتَأْجِرُ إلَى الرَّحِيلِ عَنْ الْبَلَدِ، أَوْ اضْطَرَّ الْمُؤَاجِرُ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ إذَا كَانَ فِي بَقَائِهَا ضَرَرٌ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَمَرَضٍ مَانِعٍ، أَوْ خَوْفٍ مَانِعٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَكَان فَقَضَى حَاجَتَهُ دُونَ ذَلِكَ الْمَكَانِ. قَالَ: لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ الْمَكَانِ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى أَرْضٍ مَعْلُومَةٍ فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ. قَالَ قَتَادَةَ: إذَا حَدَثَ نَازِلَةٌ يُعْذَرُ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْكِرَاءُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلَاكُ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ]
١٢٩٣ - مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكَ الشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ وَوَافَقَنَا عَلَى هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِهَذَا أَيْضًا، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ إلَى أَجَلِهَا، الْأُجْرَةُ كُلُّهَا وَاجِبَةٌ لِلْمُؤَاجِرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
стр. 2624
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَقَاسَ أَبُو ثَوْرٍ ذَلِكَ عَلَى الْبَيْعِ وَلَقَدْ يَلْزَمُ مَنْ رَأَى الْإِجَارَةَ كَالْبَيْعِ أَنْ يَقُولَ بِهَذَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إبْقَاءِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، الْإِجَارَةَ بِمَوْتِ الْمُؤَاجِرِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَبَيْنَ إبْقَاءِ أَبِي ثَوْرٍ إيَّاهَا بِهَلَاكِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ حَتَّى قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اُسْتُؤْجِرَتْ دَابَّتُهُ إلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ فَمَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْفَلَاةِ: أَنَّ الْإِجَارَةَ بَاقِيَةٌ فِي مَالِهِ، وَأَنَّ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يُؤْتَى الْمُؤَاجِرُ ثَمَنَ نَقْلِهِ، كَنَقْلِ الْمَيِّتِ يَنْقُلُهُ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَهَذَا عَجَبٌ مَا مِثْلُهُ عَجَبٌ لَا سِيَّمَا مَعَ إبْطَالِهِ بَعْضَ الْإِجَارَةِ بِجَائِحَةٍ تَنْزِلُ كَاسْتِعْذَارٍ، أَوْ قَحْطٍ، فَاحْتَاطَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُحْتَطْ فِي الْآخَرِ وَلَا تَبْطُلُ إجَارَةٌ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ. وَصَحَّ عَنْهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُؤَاجِرِ يَنْقُضُ الْإِجَارَةَ إذَا شَاءَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ - وَإِنْ كَرِهَ الْآخَرُ - وَكَانَا يَقْضِيَانِ بِذَلِكَ
- وَلَا نَقُولُ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَقَدَاهُ فِي مَالٍ يَمْلِكُهُ الْمُؤَاجِرُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِنْفَاذِهِ، وَكَذَلِكَ مُعَاقِدُهُ مَا دَامَا حَيَّيْنِ، وَمَا دَامَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي مِلْكِ مَنْ أَجَّرَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَارُ الْعَبِيدِ وَالدُّورِ وَالدَّوَابِّ]
١٢٩٤ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ اسْتِئْجَارُ الْعَبِيدِ وَالدُّورِ وَالدَّوَابِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَى مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ أَوْ طَوِيلَةٍ، إذَا كَانَتْ مِمَّا يُمْكِنُ بَقَاءُ الْمُؤَاجَرَةِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ بَقَاءُ أَحَدِهِمْ إلَيْهَا، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ الْعَقْدُ، وَكَانَ مَفْسُوخًا أَبَدًا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ بَيَانَ الْمُدَّةِ وَاجِبٌ فِيمَا اُسْتُؤْجِرَ لَا لِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُدَّةٍ مَا وَبَيْنَ مَا أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا؛ وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُخْطِئٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بِلَا قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ أَصْلًا، وَلَا قَوْلِ تَابِعٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ يُعْقَلُ، وَالْمَخَاوِفُ لَا تُؤْمَنُ فِي قَصِيرِ الْمُدَدِ كَمَا لَا تُؤْمَنُ فِي طَوِيلِهَا.
وَأَمَّا إنْ عُقِدَتْ الْإِجَارَةُ إلَى مُدَّةٍ يُوقِنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُخْتَرَمَ أَحَدُهُمَا دُونَهَا، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ ذَهَابِ الشَّيْءِ الْمُؤَاجَرِ دُونَهَا، فَهُوَ شَرْطٌ مُتَيَقَّنُ الْفَسَادِ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّهُ إمَّا عَقْدٌ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ - وَإِمَّا عَقْدٌ فِي مَعْدُومٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2625
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ يَرَى الْإِجَارَةَ لَا تُنْتَقَضُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ، أَوْ لَا تُنْتَقَضُ بِهَلَاكِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ مِمَّنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ أَبِي ثَوْرٍ، أَنْ يُجِيزَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ فِي الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا إلَى أَلْفِ عَامٍ، وَإِلَى عَشَرَةِ آلَافِ عَامٍ، وَأَكْثَرَ، وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِالْإِجَارَةِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمِثْلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَارُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ اللَّبَنِ لِإِرْضَاعِ الصَّغِيرِ مُدَّةً مُسَمَّاةً]
١٢٩٥ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ اسْتِئْجَارُ الْمَرْأَةِ ذَاتِ اللَّبَنِ لِإِرْضَاعِ الصَّغِيرِ مُدَّةً مُسَمَّاةً.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] .
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَارُ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ نَاقَةٍ لِلْحَلْبِ]
١٢٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ نَاقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - لَا وَاحِدَةٍ وَلَا أَكْثَرَ - لِلْحَلْبِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الْمَنَافِعِ خَاصَّةً، لَا فِي تَمَلُّكِ الْأَعْيَانِ، وَهَذَا تَمَلُّكُ اللَّبَنِ، وَهُوَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ، فَهُوَ بَيْعٌ لَا إجَارَةٌ، وَبَيْعُ مَا لَمْ يُرَ قَطُّ، وَلَا تُعْرَفُ صِفَتُهُ بَاطِلٌ. - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ إجَارَةَ الشَّاةِ وَلَا الشَّاتَيْنِ لِلْحَلْبِ، وَأَجَازَ إجَارَةَ الْقَطِيعِ مِنْ ذَوَاتِ اللَّبَنِ لِلْحَلْبِ - وَأَجَازَ اسْتِئْجَارَ الْبَقَرَةِ لِلْحَرْثِ، وَاشْتِرَاطَ لَبَنِهَا - وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ وَتَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَا بُرْهَانٍ أَصْلًا.
ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِحَدٍّ بَيْنَ مَا حُرِّمَ وَمَا حُلِّلَ، فَمَزَجَ الْحَرَامَ بِالْحَلَالِ بِغَيْرِ بَيَانٍ، وَهَذَا كَمَا تَرَى؟
стр. 2626
وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَلَّلَ وَحَرَّمَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَحِلُّ لَهُمْ إنْ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَالسُّكُوتُ هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا يَحِلُّ غَيْرُهُ.
ثُمَّ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الرَّأْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الْبَقَرِ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ.
وَكَذَلِكَ أَجَازَ كِرَاءً تَكُونُ فِيهَا الشَّجَرَةُ أَوْ النَّخْلَةُ وَاسْتِثْنَاءَ ثَمَرَتِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا حِينَ الْإِجَارَةِ ثَمَرَةٌ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الْكِرَاءِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ - وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّقْسِيمُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانَ الْكَثِيرُ مِمَّا ذَكَرْنَا حَلَالًا فَالْقَلِيلُ مِنْ الْحَلَالِ حَلَالٌ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فَالْقَلِيلُ مِنْ الْحَرَامِ حَرَامٌ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ أَنْكَرُوا عَلَى الْحَنِيفِيِّينَ إذَا أَبَاحُوا الْقَلِيلَ مِمَّا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ كِرَاءُ الطَّعَامِ لِيُؤْكَلَ - فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا أَبَاحُوهُ مِنْ كِرَاءِ الدَّارِ بِالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ فِيهَا لِتُؤْكَلَ، وَبَيْنَ كِرَاءِ الْغَنَمِ لِتَحْلُبَ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ. قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَهُنَا بَاطِلًا لِأَنَّ أَصَحَّ الْقِيَاسِ هَهُنَا -: أَنْ يُقَاسَ اسْتِئْجَارُ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْحَلْبِ عَلَى اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ الْوَاحِدَةِ لِلرَّضَاعِ فَحَرَّمْتُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ قِسْتُمْ حَيْثُ لَا تَشَابُهَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْبَقَرَةِ لِلْحَدَثِ وَمِنْ الْقَطِيعِ الْكَثِيرِ عَدَدُهُ، وَالْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ إجَارَةِ الرَّأْسِ الْوَاحِدِ لِلْحَلْبِ مَوْجُودَةٌ فِي الظِّئْرِ وَلَا فَرْقَ، وَمَا رَأَيْنَا أَجْهَلَ بِالْقِيَاسِ مِمَّنْ هَذَا قِيَاسُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ إجَارَةُ الْأَرْضِ]
١٢٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْأَرْضِ أَصْلًا، لَا لِلْحَرْثِ فِيهَا، وَلَا لَلْغَرْسِ فِيهَا، وَلَا لِلْبِنَاءِ فِيهَا، وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَصْلًا، لَا لِمُدَّةٍ مُسَمَّاةٍ قَصِيرَةٍ وَلَا طَوِيلَةٍ، وَلَا لِغَيْرٍ مُدَّةٍ مُسَمَّاةٍ، لَا بِدَنَانِيرَ وَلَا بِدَرَاهِمَ، وَلَا بِشَيْءٍ أَصْلًا - فَمَتَى وَقَعَ فَسْخٌ أَبَدًا.
وَلَا يَجُوزُ فِي الْأَرْضِ إلَّا الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ الْمُغَارَسَةُ كَذَلِكَ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا بِنَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ جَازَ اسْتِئْجَارُ ذَلِكَ الْبِنَاءِ وَتَكُونُ الْأَرْضُ تَبَعًا لِذَلِكَ الْبِنَاءِ غَيْرِ دَاخِلَةٍ فِي الْإِجَارَةِ أَصْلًا.
стр. 2627
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي ثَنِيّ عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ فَسَأَلَهُ. فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: سَمِعْت عَمِّي - وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا - يُحَدِّثَانِ [أَهْلَ الدَّارِ] : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَهْلُ بَدْرٍ كُلُّهُمْ عُدُولٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ أَوْ مَلَكٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فِيكُمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خِيَارُنَا قَالَ: كَذَلِكَ هُمْ عِنْدَنَا» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ الْمَنْعَ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ جُمْلَةً جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَعِنْدَ ذِكْرِنَا " لِلْمُزَارَعَةِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى نَتَقَصَّى مَا شَغَبَ بِهِ مَنْ أَبَاحَ كِرَاءَ الْأَرْضِ وَنَقَضَ كُلَّ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَارُ دَارٍ وَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ لِيَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ]
١٢٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ دَارٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا شَيْءٍ أَصْلًا لِيَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَا لِشَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَغَلَا لِعَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ حَقَّهُ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَعَقْدٌ فَاسِدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَا عَمِلَ الْأَجِيرُ شَيْئًا مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِهِ اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ]
١٢٩٩ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا عَمِلَ الْأَجِيرُ شَيْئًا مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِهِ اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ فَلَهُ طَلَبُ ذَلِكَ وَأَخْذُهُ وَلَهُ تَأْخِيرُهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ حَتَّى يُتِمَّ عَمَلَهُ أَوْ يُتِمَّ مِنْهُ جُمْلَةً مَا؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْعَمَلِ فَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْعَمَلِ جُزْءٌ مِنْ الْأُجْرَةِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا اسْتَغَلَّ الْمُسْتَأْجِرُ الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ فَعَلَيْهِ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَكَمَا ذَكَرْنَا لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِئْجَارُ بِمَا يَحِلُّ مِلْكُهُ]
١٣٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ الِاسْتِئْجَارُ بِكُلِّ مَا يَحِلُّ مِلْكُهُ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ كَالْكَلْبِ، وَالْهِرِّ، وَالْمَاءِ، وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَالسُّنْبُلِ الَّذِي لَمْ يَيْبَسْ -
стр. 2628
فَيَسْتَأْجِرُ الدَّارَ بِكَلْبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ كَلْبٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، وَبِثَمَرَةٍ قَدْ ظَهَرَتْ وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَبِمَاءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُعَيَّنٍ مُحَرَّزٍ، أَوْ بِهِرٍّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا، وَإِنَّمَا نُهِيَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنْ الْبَيْعِ - وَقِيَاسُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْبَيْعِ بَاطِلٌ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا، فَكَيْفَ وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؟ لِأَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى إجَارَةِ الْحُرِّ نَفْسَهُ، وَتَحْرِيمِهِمْ لِبَيْعِهِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ لِلْأَعْيَانِ بِالنَّقْلِ لَهَا عَنْ مِلْكٍ آخَرَ، وَالْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ مَنَافِعَ لَمْ تَحْدُثْ بَعْدُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ إنْ أُدْرِكَتْ فُسِخَتْ]
١٣٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ إنْ أُدْرِكَتْ فُسِخَتْ، أَوْ مَا أُدْرِكَ مِنْهَا، فَإِنْ فَاتَتْ أَوْ فَاتَ شَيْءٌ مِنْهَا قُضِيَ فِيهَا أَوْ فِيمَا فَاتَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَمَنْ اسْتَغَلَّ مَالَ غَيْرٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهِيَ حُرْمَةٌ انْتَهَكَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَاصَّ بِمِثْلِهِ مِنْ مَالِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ]
١٣٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَا عَلَى الْأَذَانِ، لَكِنْ إمَّا أَنْ يُعْطِيَهُمَا الْإِمَامُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُمَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْحُضُورِ مَعَهُمْ عِنْد حُلُولِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَقَطْ مُدَّةً مُسَمَّاةً، فَإِذَا حَضَرَ تَعَيَّنَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهِمَا.
وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى كُلِّ وَاجِبٍ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ فَتِيًّا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى مَعْصِيَةٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ الْمُفْتَرَضَةَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِهَا، وَالْمَعْصِيَةُ فَرْضٌ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهَا فَأَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَكَذَلِكَ تَطَوُّعُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ أَخْذِ مَالٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: «كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ إلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» .
[مَسْأَلَةٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ عَلَى أَدَاء شَيْء عَنْ غَيْرِهِ]
١٣٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ
стр. 2629
يَحُجَّ عَنْهُ التَّطَوُّعَ، أَوْ يُصَلِّي عَنْهُ التَّطَوُّعَ، أَوْ يُؤَذِّنَ عَنْهُ التَّطَوُّعَ أَوْ يَصُومَ عَنْهُ التَّطَوُّعَ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَا عَلَيْهِمَا، فَالْعَامِلُ يَعْمَلُهُ عَنْ غَيْرِهِ لَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يُطِعْ وَلَا عَصَى، وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي ذَلِكَ تَطَوُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَهُ أَجْرُ مَا اكْتَسَبَ بِمَالِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ فِي أَدَاءِ فَرْضٍ]
١٣٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ فِي أَدَاءِ فَرْضٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عَنْ عَاجِزٍ، أَوْ مَيِّتٍ لِمَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْحَجِّ " " وَكِتَابِ الصِّيَامِ " مِنْ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ وَجَوَازِ أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ فَالِاسْتِئْجَارُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمُؤَاجَرَةِ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ الْمَنْسِيَّةُ، وَالْمَنُومُ عَنْهَا؛ وَالْمَنْذُورَةُ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْمَرْءِ إلَى حِينِ مَوْتِهِ فَهَذِهِ تُؤَدَّى عَنْ الْمَيِّتِ، فَالْإِجَارَةُ فِي أَدَائِهَا عَنْهُ جَائِزَةٌ؛ وَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُ تَرْكَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا، إذْ لَيْسَ قَادِرًا عَلَيْهَا، إذْ قَدْ فَاتَتْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ مَا لَيْسَ هُوَ مَأْمُورًا بِأَدَائِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى النَّوْحِ وَالْكِهَانَةِ]
١٣٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى النَّوْحِ، وَلَا عَلَى الْكِهَانَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْصِيَتَانِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُمَا وَلَا الْعَوْنُ عَلَيْهِمَا فَالْإِجَارَةُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ الْعَطَاءُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ، وَتَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحِجَامَةِ]
١٣٠٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحِجَامَةِ، وَلَكِنْ يُعْطَى عَلَى سَبِيلِ طِيبِ النَّفْسِ وَلَهُ طَلَبُ ذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَ وَإِلَّا قُدِّرَ عَمَلُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَأُعْطِي مَا يُسَاوِي.
وَكَذَلِكَ لَا تَحِلُّ الْإِجَارَةُ عَلَى إنْزَاءِ الْفَحْلِ أَصْلًا، لَا نَزْوَةً وَلَا نَزَوَاتٍ مَعْلُومَةً، فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ إلَى أَنْ تَحْمِلَ الْأُنْثَى كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْحَرَامِ وَالْبَاطِلِ وَأَكْلِ السُّحْتِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَعَسْبِ الْفَحْلِ» .
وَرُوِّينَا النَّهْيَ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، وَكَسْبِ الْحَجَّامِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ثَابِتَةٍ عَنْ رَسُولِ
стр. 2630
اللَّهِ ﷺ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْلِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ شَوْذَبٍ أَبِي مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ لِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: لَا يَحِلُّ عَسْبُ الْفَحْلِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَرْبَعٌ مِنْ السُّحْتِ، ضِرَابُ الْفَحْلِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَمَهْرُ الْبَغْيِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ» .
وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تُعْطِهِ عَلَى طِرَاقِ الْفَحْلِ أَجْرًا إلَّا أَنْ لَا تَجِدَ مَنْ يَطْرُقُك وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبَاحَ مَالِكٌ الْأُجْرَةَ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْلِ كُرَاتٍ مُسَمَّاةً - وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا مِنْ نَظَرٍ.
وَرَوَوْا رِوَايَةً فَاسِدَةً مَوْضُوعَةً مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ - وَهُوَ هَالِكٌ - عَنْ طَلْقِ بْنِ السَّمْحِ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ -: أَنَّ رَبِيعَةَ أَبَاحَ ذَلِكَ - وَذَكَرَهُ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ تَيْسٌ يُنْزِيه بِالْأُجْرَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ أَجَلَّ اللَّهُ قَدْرَ عَقِيلٌ فِي نَسَبِهِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَيَّاسًا يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ عَلَى قَضِيبِ تَيْسِهِ.
وَأَمَّا أُجْرَةُ الْحَجَّامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَحْرِيمَهَا - وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا - وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
следующие страницы →