Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَلَّلَ وَحَرَّمَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَحِلُّ لَهُمْ إنْ كَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَالسُّكُوتُ هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا يَحِلُّ غَيْرُهُ.
ثُمَّ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الرَّأْسِ الْوَاحِدِ مِنْ الْبَقَرِ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ.
وَكَذَلِكَ أَجَازَ كِرَاءً تَكُونُ فِيهَا الشَّجَرَةُ أَوْ النَّخْلَةُ وَاسْتِثْنَاءَ ثَمَرَتِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا حِينَ الْإِجَارَةِ ثَمَرَةٌ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الْكِرَاءِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ - وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّقْسِيمُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانَ الْكَثِيرُ مِمَّا ذَكَرْنَا حَلَالًا فَالْقَلِيلُ مِنْ الْحَلَالِ حَلَالٌ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فَالْقَلِيلُ مِنْ الْحَرَامِ حَرَامٌ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ أَنْكَرُوا عَلَى الْحَنِيفِيِّينَ إذَا أَبَاحُوا الْقَلِيلَ مِمَّا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ وَقَدْ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ كِرَاءُ الطَّعَامِ لِيُؤْكَلَ - فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا أَبَاحُوهُ مِنْ كِرَاءِ الدَّارِ بِالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ فِيهَا لِتُؤْكَلَ، وَبَيْنَ كِرَاءِ الْغَنَمِ لِتَحْلُبَ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ. قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَهُنَا بَاطِلًا لِأَنَّ أَصَحَّ الْقِيَاسِ هَهُنَا -: أَنْ يُقَاسَ اسْتِئْجَارُ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْحَلْبِ عَلَى اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ الْوَاحِدَةِ لِلرَّضَاعِ فَحَرَّمْتُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ قِسْتُمْ حَيْثُ لَا تَشَابُهَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْبَقَرَةِ لِلْحَدَثِ وَمِنْ الْقَطِيعِ الْكَثِيرِ عَدَدُهُ، وَالْعِلَّةُ الْمَانِعَةُ عِنْدَهُمْ مِنْ إجَارَةِ الرَّأْسِ الْوَاحِدِ لِلْحَلْبِ مَوْجُودَةٌ فِي الظِّئْرِ وَلَا فَرْقَ، وَمَا رَأَيْنَا أَجْهَلَ بِالْقِيَاسِ مِمَّنْ هَذَا قِيَاسُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ إجَارَةُ الْأَرْضِ]
١٢٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْأَرْضِ أَصْلًا، لَا لِلْحَرْثِ فِيهَا، وَلَا لَلْغَرْسِ فِيهَا، وَلَا لِلْبِنَاءِ فِيهَا، وَلَا لِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَصْلًا، لَا لِمُدَّةٍ مُسَمَّاةٍ قَصِيرَةٍ وَلَا طَوِيلَةٍ، وَلَا لِغَيْرٍ مُدَّةٍ مُسَمَّاةٍ، لَا بِدَنَانِيرَ وَلَا بِدَرَاهِمَ، وَلَا بِشَيْءٍ أَصْلًا - فَمَتَى وَقَعَ فَسْخٌ أَبَدًا.
وَلَا يَجُوزُ فِي الْأَرْضِ إلَّا الْمُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَوْ الْمُغَارَسَةُ كَذَلِكَ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا بِنَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ جَازَ اسْتِئْجَارُ ذَلِكَ الْبِنَاءِ وَتَكُونُ الْأَرْضُ تَبَعًا لِذَلِكَ الْبِنَاءِ غَيْرِ دَاخِلَةٍ فِي الْإِجَارَةِ أَصْلًا.
стр. 2627
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي ثَنِيّ عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ فَسَأَلَهُ. فَقَالَ لَهُ رَافِعٌ: سَمِعْت عَمِّي - وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا - يُحَدِّثَانِ [أَهْلَ الدَّارِ] : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَهْلُ بَدْرٍ كُلُّهُمْ عُدُولٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ أَوْ مَلَكٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فِيكُمْ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خِيَارُنَا قَالَ: كَذَلِكَ هُمْ عِنْدَنَا» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ الْمَنْعَ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ جُمْلَةً جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَعِنْدَ ذِكْرِنَا " لِلْمُزَارَعَةِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى نَتَقَصَّى مَا شَغَبَ بِهِ مَنْ أَبَاحَ كِرَاءَ الْأَرْضِ وَنَقَضَ كُلَّ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَارُ دَارٍ وَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ لِيَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ]
١٢٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ دَارٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا شَيْءٍ أَصْلًا لِيَوْمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَا لِشَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَغَلَا لِعَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ حَقَّهُ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَعَقْدٌ فَاسِدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَا عَمِلَ الْأَجِيرُ شَيْئًا مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِهِ اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ]
١٢٩٩ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا عَمِلَ الْأَجِيرُ شَيْئًا مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِهِ اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ فَلَهُ طَلَبُ ذَلِكَ وَأَخْذُهُ وَلَهُ تَأْخِيرُهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ حَتَّى يُتِمَّ عَمَلَهُ أَوْ يُتِمَّ مِنْهُ جُمْلَةً مَا؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْعَمَلِ فَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْعَمَلِ جُزْءٌ مِنْ الْأُجْرَةِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا اسْتَغَلَّ الْمُسْتَأْجِرُ الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ فَعَلَيْهِ مِنْ الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَكَمَا ذَكَرْنَا لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِئْجَارُ بِمَا يَحِلُّ مِلْكُهُ]
١٣٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ الِاسْتِئْجَارُ بِكُلِّ مَا يَحِلُّ مِلْكُهُ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ كَالْكَلْبِ، وَالْهِرِّ، وَالْمَاءِ، وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَالسُّنْبُلِ الَّذِي لَمْ يَيْبَسْ -
стр. 2628
فَيَسْتَأْجِرُ الدَّارَ بِكَلْبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ كَلْبٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، وَبِثَمَرَةٍ قَدْ ظَهَرَتْ وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَبِمَاءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مُعَيَّنٍ مُحَرَّزٍ، أَوْ بِهِرٍّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا، وَإِنَّمَا نُهِيَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنْ الْبَيْعِ - وَقِيَاسُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْبَيْعِ بَاطِلٌ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا، فَكَيْفَ وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ؟ لِأَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا عَلَى إجَارَةِ الْحُرِّ نَفْسَهُ، وَتَحْرِيمِهِمْ لِبَيْعِهِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ لِلْأَعْيَانِ بِالنَّقْلِ لَهَا عَنْ مِلْكٍ آخَرَ، وَالْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ مَنَافِعَ لَمْ تَحْدُثْ بَعْدُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ إنْ أُدْرِكَتْ فُسِخَتْ]
١٣٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِجَارَةُ الْفَاسِدَةُ إنْ أُدْرِكَتْ فُسِخَتْ، أَوْ مَا أُدْرِكَ مِنْهَا، فَإِنْ فَاتَتْ أَوْ فَاتَ شَيْءٌ مِنْهَا قُضِيَ فِيهَا أَوْ فِيمَا فَاتَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَمَنْ اسْتَغَلَّ مَالَ غَيْرٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهِيَ حُرْمَةٌ انْتَهَكَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَاصَّ بِمِثْلِهِ مِنْ مَالِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ]
١٣٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَلَا عَلَى الْأَذَانِ، لَكِنْ إمَّا أَنْ يُعْطِيَهُمَا الْإِمَامُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُمَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ عَلَى الْحُضُورِ مَعَهُمْ عِنْد حُلُولِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَقَطْ مُدَّةً مُسَمَّاةً، فَإِذَا حَضَرَ تَعَيَّنَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهِمَا.
وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى كُلِّ وَاجِبٍ تَعَيَّنَ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ فَتِيًّا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى مَعْصِيَةٍ أَصْلًا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ الْمُفْتَرَضَةَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِهَا، وَالْمَعْصِيَةُ فَرْضٌ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهَا فَأَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَكَذَلِكَ تَطَوُّعُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ أَخْذِ مَالٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيُّ - عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: «كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ إلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» .
[مَسْأَلَةٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ عَلَى أَدَاء شَيْء عَنْ غَيْرِهِ]
١٣٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْمَرْءِ أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ
стр. 2629
يَحُجَّ عَنْهُ التَّطَوُّعَ، أَوْ يُصَلِّي عَنْهُ التَّطَوُّعَ، أَوْ يُؤَذِّنَ عَنْهُ التَّطَوُّعَ أَوْ يَصُومَ عَنْهُ التَّطَوُّعَ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَا عَلَيْهِمَا، فَالْعَامِلُ يَعْمَلُهُ عَنْ غَيْرِهِ لَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يُطِعْ وَلَا عَصَى، وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ فَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي ذَلِكَ تَطَوُّعًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَهُ أَجْرُ مَا اكْتَسَبَ بِمَالِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ فِي أَدَاءِ فَرْضٍ]
١٣٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ فِي أَدَاءِ فَرْضٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عَنْ عَاجِزٍ، أَوْ مَيِّتٍ لِمَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْحَجِّ " " وَكِتَابِ الصِّيَامِ " مِنْ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ وَجَوَازِ أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ عَنْ غَيْرِهِ فَالِاسْتِئْجَارُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ نَهْيٌ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمُؤَاجَرَةِ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ الْمَنْسِيَّةُ، وَالْمَنُومُ عَنْهَا؛ وَالْمَنْذُورَةُ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْمَرْءِ إلَى حِينِ مَوْتِهِ فَهَذِهِ تُؤَدَّى عَنْ الْمَيِّتِ، فَالْإِجَارَةُ فِي أَدَائِهَا عَنْهُ جَائِزَةٌ؛ وَأَمَّا الْمُتَعَمِّدُ تَرْكَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا، إذْ لَيْسَ قَادِرًا عَلَيْهَا، إذْ قَدْ فَاتَتْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ مَا لَيْسَ هُوَ مَأْمُورًا بِأَدَائِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى النَّوْحِ وَالْكِهَانَةِ]
١٣٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى النَّوْحِ، وَلَا عَلَى الْكِهَانَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْصِيَتَانِ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُمَا وَلَا الْعَوْنُ عَلَيْهِمَا فَالْإِجَارَةُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ الْعَطَاءُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ، وَتَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحِجَامَةِ]
١٣٠٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْحِجَامَةِ، وَلَكِنْ يُعْطَى عَلَى سَبِيلِ طِيبِ النَّفْسِ وَلَهُ طَلَبُ ذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَ وَإِلَّا قُدِّرَ عَمَلُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ وَأُعْطِي مَا يُسَاوِي.
وَكَذَلِكَ لَا تَحِلُّ الْإِجَارَةُ عَلَى إنْزَاءِ الْفَحْلِ أَصْلًا، لَا نَزْوَةً وَلَا نَزَوَاتٍ مَعْلُومَةً، فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ إلَى أَنْ تَحْمِلَ الْأُنْثَى كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْحَرَامِ وَالْبَاطِلِ وَأَكْلِ السُّحْتِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَعَسْبِ الْفَحْلِ» .
وَرُوِّينَا النَّهْيَ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ، وَكَسْبِ الْحَجَّامِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ثَابِتَةٍ عَنْ رَسُولِ
стр. 2630
اللَّهِ ﷺ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْلِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ شَوْذَبٍ أَبِي مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ لِي الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: لَا يَحِلُّ عَسْبُ الْفَحْلِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَرْبَعٌ مِنْ السُّحْتِ، ضِرَابُ الْفَحْلِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَمَهْرُ الْبَغْيِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ» .
وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تُعْطِهِ عَلَى طِرَاقِ الْفَحْلِ أَجْرًا إلَّا أَنْ لَا تَجِدَ مَنْ يَطْرُقُك وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبَاحَ مَالِكٌ الْأُجْرَةَ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْلِ كُرَاتٍ مُسَمَّاةً - وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ نَصٍّ وَلَا مِنْ نَظَرٍ.
وَرَوَوْا رِوَايَةً فَاسِدَةً مَوْضُوعَةً مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ - وَهُوَ هَالِكٌ - عَنْ طَلْقِ بْنِ السَّمْحِ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ؟ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ -: أَنَّ رَبِيعَةَ أَبَاحَ ذَلِكَ - وَذَكَرَهُ عَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ تَيْسٌ يُنْزِيه بِالْأُجْرَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ أَجَلَّ اللَّهُ قَدْرَ عَقِيلٌ فِي نَسَبِهِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَيَّاسًا يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ عَلَى قَضِيبِ تَيْسِهِ.
وَأَمَّا أُجْرَةُ الْحَجَّامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَحْرِيمَهَا - وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا - وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
стр. 2631
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إبَاحَةَ كَسْبِهِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِمَا رُوِّينَا عَنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «دَعَا النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا فَحَجَمَهُ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخَفَّفَ مِنْ خَرَاجِهِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ وَاجِبٌ فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ عَنْ غَيْرِ مُشَارَطَةٍ فَكَانَتْ مُشَارَطَتُهُ لَا تَجُوزُ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا عَمَلٌ مَجْهُولٌ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ جُمْلَةً وَقَدْ يَكْسِبُ مِنْ مِيرَاثٍ، أَوْ مِنْ سَهْمٍ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَمِنْ ضَيْعَةٍ، وَمِنْ تِجَارَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ بِلَا شَكٍّ.
وَلَمْ تَحْرُمُ الْحِجَامَةُ قَطُّ بِلَا خِلَافٍ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ كَسْبٍ يَعِيشُ مِنْهُ، وَإِلَّا مَاتَ ضَيَاعًا، فَصَحَّ أَنَّ كَسْبَهُ بِالْحِجَامَةِ خَاصَّةً هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ حَلَالًا حَسَنًا وَيَكُونُ مَا عَدَاهُ حَرَامًا - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا مَعْمَرُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ - قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْتَجِمَ الرَّجُلُ وَلَا يُشَارِطَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَعَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ]
١٣٠٧ - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ مُشَاهَرَةً وَجُمْلَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ - وَعَلَى الرَّقْيِ، وَعَلَى نَسْخِ الْمَصَاحِفِ، وَنَسْخِ كُتُبِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ نَصٌّ، بَلْ قَدْ جَاءَتْ الْإِبَاحَةُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو مُحَمَّدٍ سِيدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ الْبَاهِلِيُّ نا أَبُو مَعْشَرٍ الْبَرَاءُ هُوَ صَدُوقٌ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» .
стр. 2632
وَالْخَبَرُ الْمَشْهُورُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ رَجُلٍ بِمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ» أَيْ لِيُعَلِّمَهَا إيَّاهُ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: لَا تَجُوزُ الْأُجْرَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَاحْتَجَّ لَهُ مُقَلِّدُوهُ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ نا شَبَابَةُ - هُوَ ابْنُ وَرْقَاءَ - نا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ الشَّامِيُّ نا بِشْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: «كَانَ عِنْدَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ نَاسٌ يُقْرِئُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَأَعْطَاهُ أَحَدُهُمْ قَوْسًا يَتَسَلَّحُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَ بِهَا فِي عُنُقِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ زِيَادٍ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ قَاضِي الْأُرْدُنِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِصَّةُ الْقَوْسِ وَأَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ نا بَقِيَّةُ نا بِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ زَيْتُونٍ عَنْ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْقَوْسِ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَفِيهِ زِيَادَةٌ: «أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ. قَالَ: أَمَّا طَعَامٌ صُنِعَ لِغَيْرِكَ فَحَضَرْتَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْكُلَهُ وَأَمَّا مَا صُنِعَ لَكَ فَإِنْ أَكَلْتَهُ فَإِنَّمَا تَأْكُلُهُ بِخِلَافِكَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْسَرٍ أَبُو سَعْدٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ غَدَّاهُ رَجُلٌ كَانَ يُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ كَانَ شَيْءٌ يُتْحِفُكَ بِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَعَامِهِ وَطَعَامِ أَهْلِهِ فَلَا بَأْسَ» .
стр. 2633
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ نا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَّامٍ - عَنْ أَبِي سَلَّامٍ - هُوَ مَمْطُورٌ الْحَبَشِيُّ - عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَعْلُوا عَنْهُ وَلَا تَجْفُوا فِيهِ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْبِرُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» .
وَرُوِّينَاهُ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ قَوْلِهِ مِثْلَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْسٍ أَهْدَاهَا إنْسَانٌ إلَى مَنْ كَانَ يُقْرِئُهُ أَتُرِيدُ أَنْ تُعَلِّقَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ ". وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ أَعْطَاهُ الْأَمِيرُ مَالًا لِقِيَامِهِ بِالنَّاسِ فِي رَمَضَانَ فَأَبَى وَقَالَ: إنَّا لَا نَأْخُذُ لِلْقُرْآنِ أَجْرًا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ الطَّحَّانُ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ إيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُونَ بَيْعَ الْمَصَاحِفِ وَتَعْلِيمِ الْغِلْمَانِ بِالْأَرْشِ وَيُعَظِّمُونَ ذَلِكَ.
وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُعَلِّمُ وَأَنْ يَأْخُذَ أَجْرًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: إنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَعْطَى قَوْمًا قَرَءُوا الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَكَرِهَهُ - وَقَالَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَتِهِ: إنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ أَلْحَقْته عَلَى أَلْفَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ أَوَ يُعْطَى عَلَى كِتَابِ اللَّه ثَمَنًا؟ .
وَصَحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَشُرَيْحٍ: لَا تَأْخُذْ لِكِتَابِ اللَّهِ ثَمَنًا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنٍ مُعَلِّمٍ كِتَابَ اللَّهِ: إنِّي لَأَبْغَضُك فِي اللَّهِ لِأَنَّك تَتَغَنَّى فِي أَذَانِك وَتَأْخُذُ لِكِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا.
وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ الْأُجْرَةَ عَلَى كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ. وَعَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ سَعْدٍ، وَعَمَّارٍ الْآنَ أَنَّهُمَا أَعْطَيَا عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
стр. 2634
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ مُعَلِّمِينَ يُعَلِّمُونَ الصِّبْيَانَ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَرْزُقُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ كُلَّ شَهْرٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ مُعَلِّمٌ عِنْدَهُ مِنْ أَبْنَاءِ أَوْلِيَاءِ الْفِخَامِ فَكَانُوا يَعْرِفُونَ حَقَّهُ فِي النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَدْرَكَ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ، وَأَخَذَ عَنْهُمْ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو قَتَادَةَ فَمَنْ دُونَهُمَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: مَا عَلِمْت أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ.
وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ إبَاحَةَ أَجْرِ الْمُعَلِّمِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ.
وَأَجَازَ الْحَسَنُ، وَعَلْقَمَةُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ الْأُجْرَةَ عَلَى نَسْخِ الْمَصَاحِفِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ.
أَمَّا حَدِيثُ أَبِي إدْرِيسَ الْفُلَانِيِّ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَمُنْقَطِعٌ، لَا يُعْرَفُ لِأَبِي إدْرِيسَ سَمَاعٌ مَعَ أُبَيٍّ.
وَالْآخَرُ أَيْضًا مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ لَمْ يُدْرِكْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَحَدُ طُرُقِهِ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَغَيْرُهُ: وَالْآخَرُ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَالثَّالِثُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ ثُمَّ هُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ فَفِيهِ أَبُو رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ. ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ كُلُّهَا قَدْ خَالَفَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ فِيمَا أُعْطِيَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ وَلَا مُشَارَطَةٍ، وَهُمْ يُجِيزُونَ هَذَا الْوَجْهَ فَمَوَّهُوا بِإِيرَادِ أَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا مَنَعُوا - وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَا فِيهَا - فَبَطَلَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَالصَّحَابَةُ ﵃ قَدْ اخْتَلَفُوا، فَبَقِيَ الْأَثَرَانِ الصَّحِيحَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ اللَّذَانِ أَوْرَدْنَا لَا مُعَارِضَ لَهُمَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2635
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى التِّجَارَةِ مُدَّةً مُسَمَّاةً فِي مَالٍ مُسَمًّى]
مَسْأَلَةٌ: وَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ عَلَى التِّجَارَةِ مُدَّةً مُسَمَّاةً فِي مَالٍ مُسَمًّى، أَوْ هَكَذَا جُمْلَةً: كَالْخِدْمَةِ، وَالْوَكَالَةِ. وَعَلَى نَقْلِ جَوَابِ الْمُخَاصِمِ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا، وَعَلَى جَلْبِ الْبَيِّنَةِ وَحَمْلِهِمْ إلَى الْحَاكِمِ، وَعَلَى تَقَاضِي الْيَمِينِ، وَعَلَى طَلَبِ الْحُقُوقِ، وَعَلَى الْمَجِيءِ بِمَنْ وَجَبَ إحْضَارُهُ، لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَعْمَالٌ مَحْدُودَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمُؤَاجَرَةِ.
[مَسْأَلَةٌ إجَارَةُ الْأَمِيرِ مَنْ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ مُشَاهَرَةً]
١٣٠٩ - مَسْأَلَةٌ: وَإِجَارَةُ الْأَمِيرِ مَنْ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ مُشَاهَرَةً جَائِزَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ]
١٣١٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ أَصْلًا لِأَنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِيَدِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا الطَّبِيبُ مُعَالِجٌ وَمُقَوٍّ لِلطَّبِيعَةِ بِمَا يُقَابِلُ الدَّاءَ، وَلَا يَعْرِفُ كَمِّيَّةَ قُوَّةِ الدَّوَاءِ مِنْ كَمِّيَّةِ قُوَّةِ الدَّاءِ، فَالْبُرْءُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَار الطَّبِيب لِخِدْمَةِ أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ]
١٣١١ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ أَنْ يُسْتَأْجَرَ الطَّبِيبُ لِخِدْمَةِ أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَحْدُودٌ فَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا عِنْدَ الْبُرْءِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَحَلَالٌ، لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَخْذِ مَا أُعْطِي الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجَارَةُ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ]
١٣١٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ أَلْبَتَّةَ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ مَعْرُوفَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ فِيهَا الصَّفَاةُ الصَّلْدَةُ، وَالْأَرْضُ الْمُنْحَلَّةُ الرَّخْوَةُ وَالصَّلِيبَةُ، وَهَذَا عَمَلٌ مَجْهُولٌ، وَقَدْ يَبْعُدُ الْمَاءُ فِي مَوْضِعٍ وَيَقْرُبُ فِيمَا هُوَ إلَى جَانِبِهِ.
وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي اسْتِئْجَارِ مُيَاوَمَةٍ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَحْدُودٌ مَعْلُومٌ يَتَوَلَّى مِنْهُ حَسَبَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَارُ الْبَنَّاءِ وَآلَاتِهِ]
١٣١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ لِلْخِيَاطَةِ إحْضَارَ الْخُيُوطِ، وَلَا عَلَى الْوَرَّاقِ الْقِيَامَ بِالْحِبْرِ، وَلَا عَلَى الْبَنَّاءِ الْقِيَامَ بِالطِّينِ أَوْ الصَّخْرِ، أَوْ الْجَيَّارِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ وَبَيْعٌ مَعًا قَدْ اُشْتُرِطَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْآخَرِ فَحُرِّمَ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ.
стр. 2636
وَالثَّانِي - أَنَّهُ بَيْعٌ مَجْهُولٌ، وَإِجَارَةُ مَجْهُولٍ لَا يَدْرِي مَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ وَلَا مَا يَقَعُ مِنْهُ لِلْإِجَارَةِ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، فَإِنْ تَطَوَّعَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا بِإِحْضَارِ مَا ذَكَرْنَا عَنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ.
وَأَمَّا اسْتِئْجَارُ الْبَنَّاءِ وَآلَاتِهِ، وَالنَّجَّارِ وَآلَاتِهِ، وَالْوَرَّاقِ وَأَقْلَامِهِ، وَجَلَمِهِ وَسِكِّينِهِ، وَمَلْزَمَتِهِ، وَمِحْبَرَتِهِ، وَالْخَيَّاطِ وَإِبْرَتِهِ وَجَلَمِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ وَاحِدَةٌ كُلُّهَا. فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَقَعُ مِنْ ذَلِكَ لِتِلْكَ الْآلَةِ، وَلَا مَا يَقَعُ لِلْعَامِلِ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الصَّبَّاغُ: فَإِنَّمَا اُسْتُؤْجِرَ لِإِدْخَالِ الثَّوْبِ فِي قِدْرِهِ فَقَطْ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ شَيْئًا مَا ثُمَّ أَجَّرَهُ]
١٣١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ شَيْئًا مَا ثُمَّ أَجَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ بِهِ أَوْ بِأَقَلَّ أَوْ بِمِثْلِهِ، فَهُوَ حَلَالٌ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ الْمُسْتَأْجَرُ لِعَمَلِ شَيْءٍ فَيَسْتَأْجِرُ هُوَ غَيْرَهُ لِيَعْمَلَهُ لَهُ بِأَقَلَّ أَوْ بِأَكْثَرَ أَوْ بِمِثْلِهِ فَكُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ، وَالْفَضْلُ جَائِزٌ لَهُمَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُعَاقَدَةُ وَقَعَتْ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَرْكَبَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَجُوزُ غَيْرُ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَهِيَ مُؤَاجَرَةٌ وَقَدْ أَمَرَ ﵇ بِالْمُؤَاجَرَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
١٣١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِجَارَةُ بِالْإِجَارَةِ جَائِزَةٌ -: كَمَنْ أَجَّرَ سُكْنَى دَارٍ بِسُكْنَى دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ، أَوْ سُكْنَى بِخِدْمَةِ عَبْدٍ أَوْ بِخِيَاطَةٍ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ كِرَاءُ دَارٍ بِكِرَاءِ دَارٍ - وَيَجُوزُ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ - وَهَذَا تَقْسِيمٌ فَاسِدٌ.
بَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَأَجَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا اسْتَأْجَرَهُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْفَضْلُ لِلْأَوَّلِ.
стр. 2637
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَهُ. وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ قَالَ: يُرَدُّ الْفَضْلُ، هُوَ رِبًا، وَلَمْ يُجِزْهُ مُجَاهِدٌ، وَلَا إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَلَا عِكْرِمَةُ، وَكَرِهَهُ الزُّهْرِيُّ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُبِيحُهُ.
وَكَرِهَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَابْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٌ، وَمَسْرُوقٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَأَبَاحَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ الْمَانِعُونَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَالرِّبَا - وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ هِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ ابْتَاعَ بِثَمَنٍ وَبَاعَ بِأَكْثَرَ، وَبَيْنَ مَنْ اكْتَرَى بِشَيْءٍ وَأَكْرَى بِأَكْثَرَ. وَالْمَالِكِيُّونَ يُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ - وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُجِزْهُ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَالتَّقْلِيدُ لَا يَجُوزُ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَلَالًا فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا لَا يَمْلِكُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ أُجْرَةُ تَنْقِيَةِ الْمِرْحَاضِ]
١٣١٦ - مَسْأَلَةٌ: وَتَنْقِيَةُ الْمِرْحَاضِ عَلَى الَّذِي مَلَأَهُ لَا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ عَلَى مَنْ وَضَعَ كُنَاسَةً أَوْ زِبْلًا أَوْ مَتَاعًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ الَّتِي هِيَ مَالُ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُزِيلَهُ عَنْ الْمَكَانِ الَّذِي لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَاشْتِرَاطُهُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ -:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ مَجْهُولُ الْقَدْرِ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
١٣١٧ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ خَانًا يَبِيتُونَ فِيهِ لَيْلَةً ثُمَّ يَرْحَلُونَ، فَعَلَى صَاحِبِ الْخَانِ إحْضَارُ مَكَان فَارِغٍ لِلْخَلَاءِ إنْ شَاءَ، وَإِلَّا يَتَبَرَّزُوا فِي الصُّعُدَاتِ إنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ الْأُجْرَةُ عَلَى كَنْس الْكُنُفِ]
١٣١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالْأُجْرَةُ عَلَى كَنْسِ الْكُنُفِ جَائِزَةٌ - وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، لِعُمُومِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمُؤَاجَرَةِ.
стр. 2638
عَلَى أَنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْفُضَيْلِ بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِرَجُلٍ كَنَّاسٍ لِلْعَذِرَةِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مِنْهُ تَزَوَّجَ وَمِنْهُ كَسَبَ وَمِنْهُ حَجَّ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ خَبِيثٌ، وَمَا كَسَبْت خَبِيثٌ؛ وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلْت فِيهِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: نا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي كُنْت رَجُلًا كَنَّاسًا أَكْسَحُ هَذِهِ الْحُشُوشَ فَأَصَبْت مَالًا فَتَزَوَّجْت مِنْهُ، وَوُلِدَ لِي فِيهِ، وَحَجَجْت فِيهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْتَ وَمَالُك خَبِيثٌ وَوَلَدُك خَبِيثٌ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ - فَأَيْنَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ عَنْ هَذَا إنْ طَرَدُوا أَقْوَالَهُمْ؟ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[مَسْأَلَةٌ إعْطَاءُ الْغَزْلِ لِلنَّسْجِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْهُ]
١٣١٩ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ إعْطَاءُ الْغَزْلِ لِلنَّسْجِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْهُ كَرُبُعٍ، أَوْ ثُلُثٍ؛ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَنْسِجَهُ النَّسَّاجُ مَعًا وَيَكُونَا مَعًا شَرِيكَيْنِ فِيهِ: جَازَ ذَلِكَ - وَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَكَانَ لِلنَّسَّاجِ مِنْ الْغَزْلِ الَّذِي سُمِّيَ لَهُ أُجْرَةٌ بِمِقْدَارِ مَا يَنْسِجُ مِنْ الْأَجْرِ حَتَّى يُتِمَّ نَسْجَهُ وَيَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَا سُمِّيَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ إعْطَاءُ الثَّوْبِ لِلْخَيَّاطِ بِجُزْءٍ مِنْهُ مُشَاعٍ أَوْ مُعَيَّنٍ، وَإِعْطَاءُ الطَّعَامِ لِلطَّحِينِ بِجُزْءٍ مِنْهُ كَذَلِكَ، وَإِعْطَاءُ الزَّيْتُونِ لِلْعَصِيرِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِئْجَارُ لِجَمِيعِ هَذِهِ الزُّيُوتِ الْمَحْدُودَةِ بِجُزْءٍ مِنْهَا كَذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُ الرَّاعِي لِحِرَاسَةِ هَذِهِ الْغَنَمِ بِجُزْءٍ مِنْهَا مُسَمًّى كَذَلِكَ أَيْضًا، وَلَا يَجُوزُ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْ النَّسْلِ الَّذِي لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَهِيَ إجَارَةٌ مَحْدُودَةٌ فِي شَيْءٍ مَوْجُودٍ قَائِمٍ.
وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ بِمَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ لَا يُدْرَى أَيَكُونُ أَمْ لَا؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ عَنْ دَفْعِ الثَّوْبِ إلَى النَّسَّاجِ بِالثُّلُثِ وَدِرْهَمٍ، أَوْ بِالرُّبُعِ؛ أَوْ بِمَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا: وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: أَجَازَ الْحَكَمُ إجَارَةَ الرَّاعِي لِلْغَنَمِ بِثُلُثِهَا أَوْ رُبُعِهَا - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا
стр. 2639
نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ. نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ.
نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَأَلْت أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ، وَيَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ الثَّوْبَ إلَى النَّسَّاجِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ؟ فَلَمْ يَرَيَا بِهِ بَأْسًا.
نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُدْفَعَ إلَى النَّسَّاجِ بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ.
نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعَالِجَ الرَّجُلُ النَّخْلَ وَيَقُومُ عَلَيْهِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، مَا لَمْ يُنْفِقْ هُوَ مِنْهُ شَيْئًا.
نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ الْفُضَيْلِ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: النَّخْلُ يُعْطَى مَنْ عَمِلَ فِيهِ مِنْهُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ.
وَكَرِهَ كُلَّ ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَلَمْ يُجِزْهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلَا مَالِكٌ، وَلَا الشَّافِعِيُّ.
[مَسْأَلَةٌ كِرَاءُ السُّفُنِ]
١٣٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ كِرَاءُ السُّفُنِ كِبَارِهَا وَصِغَارِهَا بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يُحْمَلُ فِيهَا مُشَاعٌ فِي الْجَمِيعِ أَوْ مُتَمَيِّزٌ.
وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ، وَالْعِجْلُ، وَيَسْتَحِقُّ صَاحِبُ السَّفِينَةِ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنْ الطَّرِيقِ عَطِبَ أَوْ سَلِمَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَحْدُودٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا كِرَاءَ لَهُ إلَّا إنْ بَلَغَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ وَاسْتِحْلَالُ تَسْخِيرِ السَّفِينَةِ بِلَا أُجْرَةٍ، وَبِلَا طِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهَا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي ذَلِكَ - وَقَوْلُهُ فِي هَذَا قَوْلٌ لَا يَعْضُدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ قَبْلَهُ نَعْلَمُهُ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ.
وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُ خِدْمَةِ الْمَرْكَبِ جَائِزٌ، وَلَهُمْ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلُوا - عَطِبَ الْمَرْكَبُ أَوْ سَلِمَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2640
مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ هَالَ الْبَحْرُ وَخَافُوا الْعَطَبَ فَلْيُخَفِّفُوا الْأَثْقَلَ فَالْأَثْقَلَ، وَلَا ضَمَانَ فِيهِ عَلَى أَهْلِ الْمَرْكَبِ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِتَخْلِيصِ أَنْفُسِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
فَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] .
وَقَالَ مَالِكٌ: يَضْمَنُ مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا سِيقَ لِلْأَكْلِ، وَالْقُنْيَةِ، وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ فِي الْمَرْكَبِ - وَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ لَا يَعْضُدُهُ دَلِيلٌ أَصْلًا، وَقَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَقَدَّمَهُ قَبْلَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَثْقَلِ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ فِي رَمْيِ الْأَثْقَلِ كُلْفَةٌ يَطُولُ أَمْرُهَا، وَيُخَافُ غَرَقُ السَّفِينَةِ فِيهَا، وَيُرْجَى الْخَلَاصُ، بِرَمْيِ الْأَخَفِّ رُمِيَ الْأَخَفُّ حِينَئِذٍ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا مَنْ رَمَى الْأَخَفَّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى رَمْيِ الْأَثْقَلِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا رَمَى مِنْ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُهُ مَعَهُ غَيْرُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَلَا يُرْمَى حَيَوَانٌ إلَّا لِضَرُورَةٍ يُوقِنُ مَعَهَا بِالنَّجَاةِ بِرَمْيِهِ، وَلَا يُلْقَى إنْسَانٌ أَصْلًا لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ دَفْعُ ظُلْمٍ عَنْ نَفْسِهِ بِظُلْمِ مَنْ لَمْ يَظْلِمْهُ، وَالْمَانِعُ مِنْ إلْقَاءِ مَالِهِ الْمُثْقِلِ لِلسَّفِينَةِ ظَالِمٌ لِمَنْ فِيهَا، فَدَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِمَنْعِهِ مِنْ ظُلْمِهِمْ فَرْضٌ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِئْجَارُ الْحَمَّامِ]
١٣٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَاسْتِئْجَارُ الْحَمَّامِ جَائِزٌ، وَيَكُونُ الْبِئْرُ، وَالسَّاقِيَةُ تَبَعًا، وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ إجَارَةٍ مَعَ الدَّاخِلِ فِيهِ، لَكِنْ يُعْطَى مُكَارَمَةً، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ بِمَا أُعْطِي أُلْزِمَ بَعْدَ الْخُرُوجِ مَا يُسَاوِي بَقَاؤُهُ فِيهِ فَقَطْ لِأَنَّ مُدَّةَ بَقَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مَجْهُولَةٌ، وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الْكِرَاءِ عَلَى مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ لِجَهْلِهِمَا، بِمَا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتَأْجَرَ دَارًا]
١٣٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا دَالِيَةٌ، أَوْ شَجَرَةٌ، لَمْ يَجُزْ دُخُولُهَا فِي الْكِرَاءِ أَصْلًا - قَلَّ خَطَرُهَا أَمْ كَثُرَ، ظَهَرَ حَمْلُهَا أَوْ لَمْ يَظْهَرْ - طَابَ أَوْ لَمْ
стр. 2641
يَطِبْ -: لِأَنَّهَا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الثَّمَرَةُ، وَقَبْلَ أَنْ تَطِيبَ لَا يَحِلُّ فِيهَا عَقْدٌ أَصْلًا إلَّا الْمُسَاقَاةُ فَقَطْ وَبَعْدَ ظُهُورِ الطِّيبِ لَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا الْبَيْعُ، لَا الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تُمْلَكُ بِهَا الْعَيْنُ وَلَا تُسْتَهْلَكُ أَصْلًا، وَالْبَيْعُ تُمْلَكُ بِهِ الْعَيْنُ وَالرَّقَبَةُ، فَهُوَ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَإِجَارَةٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، فَهُوَ حَرَامٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
[مَسْأَلَةٌ إجَارَةُ الْمُشَاعِ]
١٣٢٤ - مَسْأَلَةٌ: وَإِجَارَةُ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ فِيمَا يَنْقَسِمُ، وَمَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الشَّرِيكِ وَمِنْ غَيْرِ الشَّرِيكِ، وَمَعَ الشَّرِيكِ وَدُونَهُ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ - لَا مَا يَنْقَسِمُ وَلَا مَا لَا يَنْقَسِمُ إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ - كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ - لَا عِنْدَ الشَّرِيكِ فِيهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ. فَإِنْ ارْتَهَنَ اثْنَانِ مَعًا رَهْنًا مِنْ وَاحِدٍ جَازَ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمُشَاعِ إنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ كَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ، وَيَجُوزُ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ كَالسَّيْفِ، وَاللُّؤْلُؤَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَجَازَ بَيْعَ الْمُشَاعِ - مَا انْقَسَمَ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ - مِنْ الشَّرِيكِ وَغَيْرِ الشَّرِيكِ وَلَمْ يُجِزْ زُفَرُ إجَارَةَ الْمُشَاعِ - لَا مِنْ الشَّرِيكِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
وَهَذِهِ تَقَاسِيمُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالدَّعْوَى بِالْبَاطِلِ وَالتَّنَاقُضِ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا، وَلَا نَعْلَمُهَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ قَالُوا: الِانْتِفَاعُ بِالْمُشَاعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إلَّا بِالْمُهَايَأَةِ، وَفِي ذَلِكَ انْتِفَاعٌ بِحِصَّةِ شَرِيكِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا دَاخِلٌ عَلَيْهِمْ فِي الْبَيْعِ وَفِي التَّمَلُّكِ، وَلَا فَرْقَ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَلَمْ يَخُصَّ مُشَاعًا مِنْ غَيْرِ مُشَاعٍ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] . وَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَقَدْ تَمَّ الدِّينُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَنَحْنُ فِي غِنًى عَنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ]
١٣٢٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ، وَلَا عَلَى صَانِعٍ أَصْلًا، وَلَا مَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَدَّى فِيهِ أَوْ أَضَاعَهُ - وَالْقَوْلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ - قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالتَّعَدِّي، أَوْ الْإِضَاعَةِ ضَمِنَ، وَلَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ الْأُجْرَةُ
стр. 2642
فِيمَا أَثْبَتَ أَنَّهُ كَانَ عَمِلَهُ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَمِلَ مَا يَدَّعِي أَنَّهُ عَمِلَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.
وَبُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] فَمَالُ الصَّانِعِ وَالْأَجِيرِ حَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ اعْتَدَى أَوْ أَضَاعَ لَزِمَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْتَدَى عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى، وَالْإِضَاعَةُ لِمَا يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ تَعَدٍّ وَهُوَ مُلْزَمٌ حِفْظَ مَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَحُكْمِهِ ﵇ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ ادَّعَى عَلَى الْمَطْلُوبِ إذَا أَنْكَرَ، وَمَنْ طُلِبَ بِغَرَامَةِ مَالٍ أَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ غَرَامَةً فَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ بِحُكْمِ اللَّهِ ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ حَقًّا فِي مَالِ غَيْرِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا قُلْنَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا يَضْمَنُ الصَّائِغُ، وَلَا الْقَصَّارُ، أَوْ قَالَ الْخَيَّاطُ، وَأَشْبَاهُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا جَبَلَةُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ فِي حَمَّالٍ اُسْتُؤْجِرَ لِحَمْلِ قُلَّةِ عَسَلٍ فَانْكَسَرَتْ قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَزْهَرُ السَّمَّانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَضْمَنُ الْأَجِيرُ إلَّا مِنْ تَضْيِيعٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَيْسَ عَلَى أَجِيرِ الْمُشَاهَرَةِ ضَمَانٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَا يَضْمَنُ الْقَصَّارُ إلَّا مَا جَنَتْ يَدُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا أَعْنَتَ بِيَدِهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا سِوَى ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَضْمَنُ الْمَلَّاحُ غَرَقًا وَلَا حَرَقًا.
стр. 2643
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إذَا أَفْسَدَ الْقَصَّارُ فَهُوَ ضَامِنٌ وَكَانَ لَا يُضَمِّنُهُ غَرَقًا وَلَا حَرَقًا وَلَا عَدُوًّا مُكَابِرًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا -: وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْ الْقَصَّارَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا يَضْمَنُ الصَّانِعُ إلَّا مَا أَعْنَتَ بِيَدِهِ - وَقَالَ قَتَادَةُ: يَضْمَنُ إذَا ضَيَّعَ.
وَبِهِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ كَانَ لَا يُضَمِّنُ أَحَدًا مِنْ الصُّنَّاعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَزُفَرَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالْمُزَنِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الصُّنَّاعُ كُلُّهُمْ ضَامِنُونَ مَا جَنَوْا وَمَا لَمْ يَجْنُوا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ ضَمَّنَ الصُّنَّاعَ - يَعْنِي: مَنْ عَمِلَ بِيَدِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُضَمِّنُ الْأَجِيرَ.
وَصَحَّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يُضَمِّنُ الْقَصَّارَ، وَالصَّوَّاغَ، وَقَالَ: لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا ذَلِكَ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّنَ نَجَّارًا.
وَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ تَضْمِينُ الْأَجِيرِ وَالْقَصَّارِ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَيْضًا تَضْمِينُ الصُّنَّاعِ - وَكَذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ -
стр. 2644
وَعَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ كُلَّ أَجِيرٍ حَتَّى صَاحِبَ الْفُنْدُقِ الَّذِي يَحْبِسُ لِلنَّاسِ دَوَابَّهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى حَتَّى إنَّهُ يُضَمِّنُ صَاحِبَ السَّفِينَةِ إذَا عَطِبَتْ الْأَمْتِعَةُ الَّتِي تَلِفَتْ فِيهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَضْمَنُ كُلُّ مَنْ أَخَذَ أَجْرًا - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ - وَهُوَ الْعَامُّ - وَهُوَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَلَا يَضْمَنُ الْخَاصُّ، وَهُوَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ لِمُدَّةٍ مَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ يَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ لَا يَضْمَنُ الْخَاصُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا غَابَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ تَلِفَ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا يَضْمَنُ، وَلَا يَضْمَنُ مَا ظَهَرَ أَصْلًا، إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ تَعَدَّى - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لَهُ وَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ شُبْهَةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِلنَّاسِ. فَقُلْنَا لَهُمْ: فَضَمَّنُوا الْوَدَائِعَ احْتِيَاطًا لِلنَّاسِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ ضَمَّنَهَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
وَأَيْضًا فَمَنْ جَعَلَ الْمُسْتَصْنِعِينَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ لَهُمْ مِنْ الصُّنَّاعِ وَالْكُلُّ مُسْلِمُونَ، وَلَوْ عَكَسَ عَاكِسٌ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ لَمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَضْلٌ كَمَنْ قَالَ: بَلْ أَضْمَنُ مَا ظَهَرَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَتَعَدِّيهِ، وَلَا أَضْمَنُ مَا بَطَنَ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةُ عَدْلٍ بِأَنَّهُ هَلَكَ مِنْ تَعَدِّيهِ، بَلْ لَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ أَحْوَطُ فِي النَّظَرِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى خَالَفُوا فِيهِ عُمَرَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ﵃، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا إذَا وَافَقَ آرَاءَهُمْ وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ: وَجَدْنَا مَا يَدْفَعُهُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً لَا رَابِعَ لَهَا -:
стр. 2645
فَقِسْمٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الدَّافِعُ وَحْدَهُ لَا الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ فَقَدْ اتَّفَقْنَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي بَعْضِهِ كَالْوَدِيعَةِ، فَوَجَبَ رَدُّ كُلِّ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا إلَيْهَا.
وَقِسْمٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الدَّافِعُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ - فَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي بَعْضِهِ كَالْقِرَاضِ، فَوَجَبَ رَدُّ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الرَّهْنُ، وَمَا دُفِعَ إلَى الصُّنَّاعِ.
وَقِسْمٌ ثَالِثٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَحْدَهُ - فَقَدْ اتَّفَقْنَا فِي بَعْضِهِ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ كَالْقَرْضِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْعَارِيَّةُ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ صَحَّ قِيَاسٌ فِي الْعَالَمِ لَكَانَ هَذَا، وَلَكِنَّهُمْ لَا الْآثَارَ اتَّبَعُوا، وَلَا الْقِيَاسَ عَرَفُوا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إلَّا بِمَضْمُونٍ مُسَمًّى مَحْدُودٍ فِي الذِّمَّةِ]
١٣٢٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ إلَّا بِمَضْمُونٍ مُسَمًّى مَحْدُودٍ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ بِعَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ مَعْرُوفَةِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ - وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ ﵁ وَغَيْرِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَجِيرِ بِطَعَامِهِ - وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُنْت أَجِيرًا لِابْنَةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وَعُقْبَةِ رِجْلِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ يَكُونُ هَذَا تَكَارُمًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ لَازِمٍ - وَأَمَّا الْعُقُودُ الْمَقْضِيُّ بِهَا فَلَا تَكُونُ إلَّا بِمَعْلُومٍ، وَالطَّعَامُ يَخْتَلِفُ: فَمِنْهُ اللَّيِّنُ، وَمِنْهُ الْخَشِنُ وَمِنْهُ الْمُتَوَسِّطُ - وَيَخْتَلِفُ الْأُدْمُ، وَتَخْتَلِفُ النَّاسُ فِي الْأَكْلِ اخْتِلَافًا مُتَفَاوِتًا فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يَجُوزُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
تَمَّتْ " الْإِجَارَةُ " بِحَمْدِ اللَّهِ.
стр. 2646
[كِتَابُ الْجُعْلِ فِي الْآبِقِ وَغَيْرِهِ] [ مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْجُعْلِ عَلَى أَحَدٍ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْجُعْلِ فِي الْآبِقِ وَغَيْرِهِ ١٣٢٧ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْجُعْلِ عَلَى أَحَدٍ، فَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: إنْ جِئْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ عَلَيَّ دِينَارٌ، أَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَلَكَ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا فَجَاءَهُ بِذَلِكَ - أَوْ هَتَفَ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ: مَنْ جَاءَنِي بِكَذَا فَلَهُ كَذَا، فَجَاءَهُ بِهِ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَيُسْتَحَبُّ لَوْ وَفَّى بِوَعْدِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ جَاءَهُ بِآبِقٍ، فَلَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ سَوَاءٌ عَرَفَ بِالْمَجِيءِ بِالْإِبَاقِ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلك، إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى طَلَبِهِ مُدَّةً مَعْرُوفَةً، أَوْ لِيَأْتِيَهُ بِهِ مِنْ مَكَان مَعْرُوفٍ، فَيَجِبُ لَهُ مَا اسْتَأْجَرَهُ بِهِ.
وَأَوْجَبَ قَوْمٌ الْجُعْلَ وَأَلْزَمُوهُ الْجَاعِلَ - وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
وَبِقَوْلِ يُوسُفَ ﷺ وَخَدَمَتُهُ عَنْهُ: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] .
وَبِحَدِيثِ الَّذِي رَقَى عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " الْإِجَارَاتِ " فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ -:
стр. 2647
أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْقِدَ فِي دَمِهِ، وَلَا فِي مَالِهِ، وَلَا فِي عِرْضِهِ، وَلَا فِي بَشَرَتِهِ عَقْدًا، وَلَا أَنْ يَلْتَزِمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمًا، إلَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِإِيجَابِهِ بِاسْمِهِ، أَوْ بِإِبَاحَتِهِ بِاسْمِهِ. فَصَحَّ أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِهَا إنَّمَا هِيَ الْعُقُودُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا بِأَسْمَائِهَا، وَأَنَّ كُلَّ مَا عَدَاهَا فَحَرَامٌ عَقْدُهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] . فَصَحَّ أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا وَلَمْ يَقُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَلْزَمْهُ عَقْدٌ خَالَفَ فِيهِ أَمْرَ رَبِّهِ ، بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ مِنْهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَإِنْ قَالَ: إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا عِلْمَ ضَرُورَةٍ إذْ قَدْ عَقَدَ ذَلِكَ الْعَقْدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يُنَفِّذْهُ وَلَا فَعَلَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَشَأْهُ، إذْ لَوْ شَاءَهُ اللَّهُ لَأَنْفَذَهُ وَأَتَمَّهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَمَّا الْتَزَمَ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْعَقْدِ إنْ شَاءَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْفَذَهُ وَأَتَمَّهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي هَذَا لَا يَرَوْنَ جَمِيعَ الْعُقُودِ لَازِمَةً، وَلَا يَأْخُذُونَ بِعُمُومِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، بَلْ يَقُولُونَ فِيمَنْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَصْبُغَ ثَوْبَهُ أَصْفَرَ، أَوْ أَنْ يَمْشِيَ إلَى السُّوقِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، فَقَدْ نَقَضُوا احْتِجَاجَهُمْ بِعُمُومِهَا، وَلَزِمَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِالْحَدِّ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ مَا يَلْزَمُونَهُ مِنْ الْعُقُودِ وَبَيْنَ مَا لَا يَلْزَمُونَهُ، وَبِالْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِّ، وَذَلِكَ الْفَرْقُ وَإِلَّا فَقَوْلُهُمْ مَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] .
стр. 2648
وَالْعَجَبُ: أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَنَا يَقُولُونَ: إنْ وَكَّدَ كُلَّ عَقْدٍ عَقَدَهُ بِيَمِينٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ إنْ لَمْ يَفِ بِهِ فَقَطْ، ثُمَّ يُلْزِمُونَهُ إيَّاهُ إذَا لَمْ يُؤَكِّدْهُ، فَتَرَاهُمْ كُلَّمَا أَكَّدَ الْعَاقِدُ عَقْدَهُ انْحَلَّ عَنْهُ، وَإِذَا يُؤَكِّدُهُ لَزِمَهُ، وَهَذَا مَعْكُوسٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُ يُوسُفَ ﵇ فَلَا يَلْزَمُ لِوُجُوهٍ -:
أَحَدُهَا: أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لَا تَلْزَمُنَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ، فَذَكَرَ ﵇ مِنْهَا: وَأُرْسِلْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً» .
وَقَالَ ﵇ أَيْضًا: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي» فَذَكَرَ ﵇ مِنْهَا: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» رُوِّينَا هَذَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا فَلَمْ يُبْعَثُوا إلَيْنَا، وَإِذْ لَمْ يُبْعَثُوا إلَيْنَا فَلَا يَلْزَمُنَا شَرْعٌ لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُنَا الْإِيمَانُ بِأَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ لَازِمٌ لِمَنْ بُعِثُوا إلَيْهِ فَقَطْ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُلْزِمُونَ مَنْ قَالَ: لِمَنْ جَاءَنِي بِكَذَا حِمْلُ بَعِيرٍ الْوَفَاءَ بِمَا قَالَ لِأَنَّ هَذَا الْحِمْلَ لَا يُدْرَى مِمَّ هُوَ؟ أَمِنْ اللُّؤْلُؤِ، أَوْ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ مِنْ رَمَادٍ، أَوْ مِنْ تُرَابٍ؟ وَلَا أَيُّ الْبُعْرَانِ هُوَ؟ وَمِنْ الْبُعْرَانِ الضَّعِيفُ الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ بِعِشْرِينَ صَاعًا، وَمِنْهُمْ الْقَوِيُّ وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِثَلَاثِمِائَةِ صَاعٍ، وَلَا أَشَدَّ مُجَاهِرَةً بِالْبَاطِلِ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِشَيْءٍ هُوَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ قَطُّ ذَلِكَ الْأَصْلَ.
وَأَيْضًا: فَحَتَّى لَوْ كَانَ فِي شَرِيعَتِنَا لَمَا كَانَ حُجَّةً عَلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
стр. 2649
إلْزَامُ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِيهَا: أَنَّهُ جُعِلَ ذَلِكَ الْجُعْلُ فَقَطْ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا خَالَفْنَاهُمْ فِيهِ. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْآيَتَيْنِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ الرَّاقِي فَصَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إبَاحَةُ أَخْذِ مَا أَعْطَى الْجَاعِلَ عَلَى الرُّقْيَةِ فَقَطْ، وَهَكَذَا نَقُولُ، وَلَيْسَ فِيهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْجَاعِلِ بِمَا جَعَلَ إنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ وَعْدٌ. قُلْنَا: قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي الْوَعْدِ وَالْإِخْلَافِ فِي آخِرِ " كِتَابِ النُّذُورِ " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَكَلَامُنَا هَهُنَا فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وَعْدٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ بِالْوَاجِبِ الَّذِي افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَطْ، وَلَا يُلْزِمُ أَحَدًا مَا الْتَزَمَهُ، لَكِنْ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ فَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُ - سَوَاءٌ الْتَزَمَهُ الْمَرْءُ أَوْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
وَمِنْ الْعَجَائِبِ أَنَّ الْمُلْزِمِينَ الْوَفَاءَ بِالْجُعْلِ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَجْعُولُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا جُعِلَ لَهُ فِيهِ ذَلِكَ الْجُعْلُ، وَهُمْ بِزَعْمِهِمْ أَصْحَابُ أُصُولٍ يَرُدُّونَ إلَيْهَا فُرُوعَهُمْ فَفِي أَيِّ الْأُصُولِ وَجَدُوا عَقْدًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، أَوْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَلْزَمُ أَحَدُهُمَا وَلَا يَلْزَمُ الْآخَرُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَا جَاءَ بِالْآبِقِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِطَلَبِ الْإِبَاقِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ لَهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِ الْمَوْضِعِ وَبُعْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ وَلَا عَمَلُهُ، فَلَا جُعْلَ لَهُ، لَكِنْ يُعْطَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ فَقَطْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ الْجُعَلُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي رَدِّ الْآبِقِ فَقَطْ - الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ سَوَاءٌ - فَمَنْ رَدَّ آبِقًا، أَوْ آبِقَةً مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، فَإِنْ رَدَّهُمَا مَنْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ رُضِخَ لَهُ، وَلَا يَبْلُغُ بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، فَإِنْ جَاءَ بِأَحَدِهِمَا مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَصَاعِدًا، وَهُوَ يُسَاوِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَأَقَلَّ نَقْصٍ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ فَقَطْ.
ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَلَوْ لَمْ يُسَاوِ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا.
стр. 2650
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَخَطَأٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ بَيْنَ مَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ بِلَا بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، وَمَا نَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَانَ بَنَّاءً فَمَرَّ عَلَى حَائِطٍ مَائِلٍ فَأَصْلَحَهُ وَبَنَاهُ: أَنَّ لَهُ أُجْرَةً عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنَّاءً وَبَنَاهُ فَلَا أَجْرَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسَجَ غَزْلًا لِآخَرَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ نَسَّاجًا فَلَهُ الْأُجْرَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسَّاجًا فَلَا أُجْرَةَ لَهُ - وَالْبَابُ يَتَّسِعُ هَهُنَا جِدًّا، فَإِمَّا أَنْ يَتَزَيَّدُوا مِنْ التَّحَكُّمِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَنَاقَضُوا، لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالتَّخْلِيطِ؛ لِأَنَّهُمْ حَدُّوا حَدًّا لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ وَلَا تَابِعٍ، وَلَا أَحَدٍ قَبْلَهُمْ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ يُعْقَلُ.
ثُمَّ فِيهِ مِنْ التَّخَاذُلِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةِ عَقْلٍ، وَهُمْ قَدْ قَالُوا: مَنْ قَتَلَ جَارِيَةً تُسَاوِي مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا، أَوْ أَقَلَّ إلَى خَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا خَمْسَةُ آلَافٍ غَيْرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ - وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا يُسَاوِي عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا، أَوْ أَقَلَّ إلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ غَيْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ سَوَّوْا فِي جُعْلِ الْآبِقِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ، وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ دِرْهَمًا مِنْ قِيمَتِهِ إنْ لَمْ يُسَاوِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، فَهَلَّا أَسْقَطَ مِنْ ثَمَنِ الذَّكَرِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَمِنْ ثَمَنِ الْأَمَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ كَمَا فَعَلَ فِي الْقَتْلِ؟ أَوْ هَلَّا أَسْقَطَ هُنَالِكَ دِرْهَمًا كَمَا أَسْقَطَ هُنَا؟ وَلَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ قَصَدُوا إلَى الدِّرْهَمِ؟ وَلَعَلَّهُ بَغْلِيٌّ أَيْضًا كَاَلَّذِي حَدَّ بِهِ النَّجَاسَاتِ، وَهَلَّا حَدَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِرُبُعِ دِرْهَمٍ أَوْ بِفَلْسٍ؟ ثُمَّ إيجَابُ أَبِي يُوسُفَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فِي جُعْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ إلَّا دِرْهَمًا فَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ مَنْ أَضَلُّ طَرِيقَةً، أَوْ أَبْعَدُ عَنْ الْحَقِيقَةِ، أَوْ أَقَلُّ مُرَاقَبَةً مِمَّنْ يُعَارِضُ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُصَرَّاةِ فِي أَنْ تُرَدَّ وَصَاعِ تَمْرٍ لِحَمَاقَتِهِمْ وَآرَائِهِمْ الْمُنْتِنَةِ فَقَالُوا: أَرَأَيْت إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِنِصْفِ صَاعِ تَمْرٍ؟ ثُمَّ يُوجِبُ مِثْلَ هَذَا فِي الْجُعْلِ الَّذِي لَمْ يَصِحَّ فِيهِ سُنَّةٌ قَطُّ.
стр. 2651
وَهَلَّا إذْ حَمَّقُوا هَهُنَا؟ قَالُوا فِي الْمُصَرَّاةِ: يَرُدُّهَا وَقِيمَتَهَا مِنْ صَاعِ تَمْرٍ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ صَاعٍ إلَّا تَمْرَتَيْنِ، أَوْ إلَّا نِصْفَ مُدٍّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
ثُمَّ مَوَّهُوا بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ أَثَرًا مُرْسَلًا، وَرِوَايَاتٍ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، بَلْ خَالَفُوا الْأَثَرَ الْمُرْسَلَ فِي ذَلِكَ، وَخَالَفُوا كُلَّ رِوَايَةٍ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ عَنْ صَاحِبٍ أَوْ تَابِعٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ صَحَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ إجْمَاعًا فَقَدْ خَالَفُوهُ، وَمَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ عِنْدَهُمْ كَفَرَ ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا فَقَدْ كَذَبُوا عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَعَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصٌ - هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ - أَوْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَا جَمِيعًا: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ يُوجَدُ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ دِينَارًا أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَا جَمِيعًا: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْآبِقِ إذَا جِيءَ بِهِ خَارِجَ الْحَرَمِ دِينَارًا» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْآبِقِ يُوجَدُ فِي الْحَرَمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» .
وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الطَّائِفَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، وَلَا مُرْسَلَ أَصَحَّ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّ عَمْرًا، وَعَطَاءً، وَابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ ثِقَاتٌ أَئِمَّةٌ نُجُومٌ، وَكُلُّهُمْ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ، فَعَطَاءٌ أَدْرَكَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَصَحِبَهَا فَمَنْ دُونَهَا وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَسَمِعَ مِنْهُمْ وَجَالَسَهُمْ.
وَعَمْرٌو أَدْرَكَ جَابِرًا، وَابْنَ عَبَّاسٍ وَصَحِبَهُمَا، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا - لَا نُبَالِي أَيَّهُمَا كَانَا -: أَنَّهُمَا مَا زَالَا يَسْمَعَانِ ذَلِكَ.
فَهَانَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مُخَالَفَةُ كُلِّ ذَلِكَ تَقْلِيدًا لِخَطَأِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَسَهُلَ عِنْدَهُمْ فِي رَدِّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِتَقْلِيدِ رِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ عَنْ عُمَرَ: الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ - وَسَائِرُ الْمُرْسَلَاتِ الْوَاهِيَةِ إذَا وَافَقَتْ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، فَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ طَرِيقَتُهُ فِي دِينِهِ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
стр. 2652
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَيُّوبَ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي هَاشِمٍ، كِلَاهُمَا قَالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي جُعْلِ الْآبِقِ إذَا أُصِيبَ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، فَإِنْ أُصِيبَ فِي الْمِصْرِ فَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جُعْلِ الْآبِقِ دِينَارٌ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا - وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافَ قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ وَالْحَنَفِيِّينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا جَمِيعًا: نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ دِينَارٌ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا - زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ: إذَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ - وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ وَالْحَنَفِيِّينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أُعْطِيت الْجُعَلَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ.
ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَضَى بِذَلِكَ، وَلَا أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ وَلَا فِي أَيِّ شَيْءٍ أَعْطَاهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ تَطَوَّعَ بِذَلِكَ، وَلَا يُدْرَى فِي أَيِّ شَيْءٍ، فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَذَا أَصْلًا - وَلَعَلَّهُ أَعْطَاهُ فِي جُعْلٍ شَرْطِيٍّ وَكَّلَهُ عَلَيْهِ زِيَادٌ ظُلْمًا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ رَبَاحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ بِإِبَاقٍ، أَوْ بِآبِقٍ فَقَالَ: الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ قُلْت: هَذَا الْأَجْرُ، فَمَا الْغَنِيمَةُ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ آبِقًا بِعَيْنِ التَّمْرِ فَجَاءَ بِهِ فَجَعَلَ فِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ نا شَيْخٌ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْكُوفَةِ فَأَرْبَعِينَ، وَإِذَا كَانَ بِالْكُوفَةِ فَعَشَرَةً - هَذَا كُلُّ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكُلُّهُ مُخَالِفٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ
стр. 2653
وَمَالِكٌ، وَلَمْ يَحِدَّ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَا أَحَدٌ قَبْلَهُ مَسِيرَةَ ثَلَاثٍ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ.
أَمَّا عَنْ عُمَرَ فَأَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ مُنْقَطِعٌ، وَالْأُخْرَى، وَاَلَّتِي عَنْ عَلِيٍّ، فَكِلَاهُمَا عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ سَاقِطٌ - وَاَلَّتِي عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ شَيْخٍ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْقُرَشِيِّ وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ بِالْعَدَالَةِ.
وَأَمَّا التَّابِعُونَ -: فَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَزِيَادٍ: أَنَّ الْآبِقَ إنْ وُجِدَ فِي الْمِصْرِ فَجُعْلُ وَاجِدِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ - وَإِنْ وُجِدَ خَارِجَ الْمِصْرِ فَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ - وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ
- وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي جُعْلِ الْآبِقِ إذْ أُخِذَ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْآبِقِ فِي يَوْمٍ دِينَارًا، وَفِي يَوْمَيْنِ دِينَارَيْنِ، وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَمَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَرْبَعَةٌ - وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: جُعْلُ الْآبِقِ قَدْ كَانَ يُجْعَلُ فِيهِ وَهُوَ الَّذِي يُعْمَلُ فِيهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا - فَهَذَا عُمُومٌ، وَخِلَافُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ - وَقَدْ جَاءَ عَنْ إبْرَاهِيمَ خِلَافُ هَذَا، وَمِثْلُ قَوْلِنَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إنْ وُجِدَ فِي الْمِصْرِ فَلَا شَيْءَ، وَإِنْ وُجِدَ خَارِجَ الْمِصْرِ فَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَيْضًا مُخْتَلِفُونَ، وَهُمْ خَمْسَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ مُخْتَلِفُونَ، فَلَمْ يَسْتَحِ الْحَنَفِيُّونَ مِنْ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى جُعْلِ الْآبِقِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَطُّ وَلَا جَاءَ إلَّا عَنْ ثَلَاثَةٍ فَقَطْ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ خَالَفُوهُمْ مَعَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إجْمَاعًا - إجْمَاعُهُمْ بِيَقِينٍ عَلَى
стр. 2654
الْمُسَاقَاةِ " فِي خَيْبَرَ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ، وَقَدْ اتَّفَقُوا بِلَا شَكٍّ، عَلَى ذَلِكَ عَصْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصْرُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵃، وَلَا بَالَوْا بِمُخَالَفَةِ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃: صَحَّ عَنْهُمْ الْقِصَاصُ مِنْ اللَّطْمَةِ، وَمِنْ ضَرْبَةٍ بِالسَّوْطِ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالْعِمَامَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَدْ رُوِّينَا خِلَافَ هَذَا كُلِّهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْإِبَاقِ قَالَ: الْمُسْلِمُونَ يَرُدُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: الْمُسْلِمُ يَرُدُّ عَلَى الْمُسْلِمِ -: يَعْنِي فِي الْآبِقِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ فِي الْآبِقِ: الْمُسْلِمُ يَرُدُّ عَلَى الْمُسْلِمِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كُلُّهُمْ يَقُولُ: لَا جُعْلَ فِي الْآبِقِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا مِسْعَرٌ - هُوَ ابْنُ كَدَّامٍ - عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَيُجْتَعَلُ فِي الْآبِقِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: الْحُرُّ قَالَ: لَا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: إنْ لَمْ يُعْطِهِ جُعْلًا فَلْيُرْسِلْهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فَفَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ حِفْظَ مَالِ أَخِيهِ إذَا وَجَدَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ لِمَنْ أَتَى بِآبِقٍ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ، كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَوْ أَعْطَاهُ بِطِيبِ نَفْسِهِ لَكَانَ حَسَنًا، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ يُرَتِّبُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَطَاهُ لَكَانَ حَسَنًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
تَمَّ " كِتَابُ الْجُعْلِ " بِحَمْدِ اللَّهِ [وَعَوْنِهِ] .
стр. 2655
[كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُغَارَسَةِ] [ مَسْأَلَةٌ الْإِكْثَارُ مِنْ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ]
١٣٢٨ - مَسْأَلَةٌ: الْإِكْثَارُ مِنْ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ حَسَنٌ وَأَجْرٌ، مَا لَمْ يُشْغِلْ ذَلِكَ عَنْ الْجِهَادِ - وَسَوَاءٌ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ، أَوْ الْأَرْضِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، أَوْ أَرْضِ الصُّلْحِ، أَوْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ الْمَقْسُومَةِ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ الْمَوْقُوفَةِ بِطِيبِ الْأَنْفُسِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَائِرٌ أَوْ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ - فَعَمَّ ﵇ وَلَمْ يَخُصَّ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ الزَّرْعَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ - وَهَذَا خَطَأٌ، وَتَفْرِيقٌ بِلَا دَلِيلٍ - وَاحْتَجَّ لِهَذَا بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ «عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ: أَنَّهُ رَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ
стр. 2656
الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ تَزَلْ الْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ، وَكُلُّ مَنْ قَسَّمَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَرْضًا مِنْ فُتُوحِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَمَنْ أَقْطَعَهُ أَرْضًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَزْرَعُونَ وَيَغْرِسُونَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانَ، وَالْيَمَنِ، وَالطَّائِفِ، فَمَا حَضَّ ﵇ قَطُّ عَلَى تَرْكِهِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ عُمُومٌ كَمَا تَرَى لَمْ يَخُصَّ بِهِ غَيْرَ أَهْلِ بِلَادِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ بِلَادِ الْعَرَبِ، وَكَلَامُهُ ﵇ لَا يَتَنَاقَضُ.
فَصَحَّ أَنَّ الزَّرْعَ الْمَذْمُومَ الَّذِي يُدْخِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِهِ الذُّلَّ هُوَ مَا تُشُوغِلَ بِهِ عَنْ الْجِهَادِ، وَهُوَ غَيْرُ الزَّرْعِ الَّذِي يُؤَجِّرُ صَاحِبَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنُهُ وَمَذْمُومُهُ سَوَاءٌ - كَانَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ أَوْ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ - إذْ السُّنَنُ فِي ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهَا.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ زَرَعُوا بِالشَّامِ، فَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَمَرَ بِإِحْرَاقِهِ وَقَدْ ابْيَضَّ، فَأُحْرِقَ، وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ تَوَلَّى حَرْقَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرَادِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِقَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الْمَرَادِيِّ: لَا آذَنُ لَك بِالزَّرْعِ إلَّا أَنْ تُقِرَّ بِالذُّلِّ، وَأَمْحُو اسْمَك مِنْ الْعَطَاءِ - وَأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الشَّامِ مَنْ زَرَعَ وَاتَّبَعَ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ جَعَلْت عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُرْسَلٌ، وَأَسَدٌ ضَعِيفٌ، وَيُعِيذُ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْ يُحْرِقَ زُرُوعَ الْمُسْلِمِينَ وَيُفْسِدَ أَمْوَالَهُمْ، وَمِنْ أَنْ يَضْرِبَ الْجِزْيَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِهَذَا، وَهُوَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهُ
[مَسْأَلَةٌ كِرَاءُ الْأَرْضِ]
١٣٢٩ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ أَصْلًا لَا بِدَنَانِيرَ، وَلَا بِدَرَاهِمَ، وَلَا بِعَرْضٍ، وَلَا بِطَعَامِ مُسَمًّى، وَلَا بِشَيْءٍ أَصْلًا.
стр. 2657
وَلَا يَحِلُّ فِي زَرْعِ الْأَرْضِ إلَّا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ -:
إمَّا أَنْ يَزْرَعَهَا الْمَرْءُ بِآلَتِهِ وَأَعْوَانِهِ وَبَذْرِهِ وَحَيَوَانِهِ.
وَإِمَّا أَنْ يُبِيحَ لِغَيْرِهِ زَرْعَهَا وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْآلَةِ وَالْحَيَوَانِ، وَالْبَذْرِ، وَالْأَعْوَانِ دُونَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ لِلْأَرْضِ كِرَاءً فَحَسَنُ.
وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ أَرْضَهُ لِمَنْ يَزْرَعُهَا بِبَذْرِهِ وَحَيَوَانِهِ وَأَعْوَانِهِ وَآلَتِهِ بِجُزْءٍ وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مِمَّا يُخْرِجُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا مُسَمًّى، إمَّا نِصْفٌ، وَإِمَّا ثُلُثٌ، أَوْ رُبُعٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ، وَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ أَلْبَتَّةَ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْبَاقِي لِلزَّارِعِ قَلَّ مَا أَصَابَ أَوْ كَثُرَ فَإِنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ جَائِزَةٌ، فَمَنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّنَا قَدْ رُوِّينَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ رَافِعٍ عَنْ عَمٍّ لَهُ بَدْرِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ قَالَ: فَذَهَبَ إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَافِعٌ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ نا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيّ نا خَالِدٌ - وَهُوَ الْحَذَّاءُ - نا الشَّيْبَانِيُّ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤْخَذَ لِلْأَرْضِ أَجْرٌ أَوْ حَظٌّ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو تَوْبَةَ - هُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ - نا مُعَاوِيَةُ - هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ - عَنْ
стр. 2658
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ قَالَ: وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الْأَرْضِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْت عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» .
فَهَؤُلَاءِ شَيْخَانِ بَدْرِيَّانِ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَجَابِرٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ كُلُّهُمْ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ ﵇ النَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ جُمْلَةً، وَأَنَّهُ لَيْسَ إلَّا أَنْ يَزْرَعَهَا صَاحِبُهَا أَوْ يَمْنَحَهَا غَيْرَهُ أَوْ يَمْسِكَ أَرْضَهُ فَقَطْ، فَهُوَ نَقْلُ تَوَاتُرٍ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ الْمُتَيَقَّنِ فَأَخَذَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ بُكَيْرًا - هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ - حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُكْرِي أَرْضَنَا، ثُمَّ تَرَكْنَا ذَلِكَ حِينَ سَمِعْنَا حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَرِهَ كِرَاءَ الْأَرْضِ.
стр. 2659
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ قَرَأْت عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالَقَانِيِّ قُلْت: أُحَدِّثُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدٍ أَبِي شُجَاعٍ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: إنِّي يَتِيمٌ فِي حِجْرِ جَدِّي رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَحَجَجْت مَعَهُ، فَجَاءَهُ أَخِي عِمْرَانُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: أَكْرَيْنَا أَرْضَنَا فُلَانَةَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» وَعَنْ عَمِّي رَافِعٍ نَحْوُهُ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ -: كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ مِنْ الزَّرْعِ إلَّا أَرْضٌ تُمَلَّكُ رَقَبَتُهَا، أَوْ أَرْضٌ يَمْنَحُكَهَا رَجُلٌ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كَرِهَ إجَارَةَ الْأَرْضِ.
وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَرِهَ كِرَاءَ الْأَرْضِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ كِرَاءَ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ أَنَّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ كِرَاءُ الْأَرْضِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا أَبُو عَاصِمٍ نا عُثْمَانُ بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَأَلْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَأَفْتَى مَنْ اسْتَفْتَاهُ بِالنَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْجَهْمِ نا إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ نا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ نا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ كِرَاءَ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَبِهِ إلَى إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ نا دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ نا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: كَانَ عَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُونَ: لَا تَصْلُحُ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ بِالدَّرَاهِمِ وَلَا بِالدَّنَانِيرِ وَلَا مُعَامَلَةً إلَّا أَنْ يَزْرَعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ أَوْ يَمْنَحَهَا.
стр. 2660
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ نا أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الزَّرْعَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنِي وَلَقَدْ كُنْت مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ السَّوَادِ ضَيْعَةً - وَهَذَا يَقْتَضِي - وَلَا بُدَّ - ضَرُورَةً أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ إجَارَةَ الْأَرْضِ جُمْلَةً.
فَهَؤُلَاءِ: عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَسْرُوقٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، كُلُّهُمْ، لَا يَرَى كِرَاءَ الْأَرْضِ أَصْلًا لَا بِدَنَانِيرَ وَلَا بِدَرَاهِمَ، وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. فَصَحَّ النَّهْيُ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ جُمْلَةً، ثُمَّ وَجَدْنَا قَدْ صَحَّ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ نا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا جُوَيْرِيَةُ - هُوَ ابْنُ أَسْمَاءَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ عَلَى أَنْ يُعْمِلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا ابْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِصْفُ ثَمَرِهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إخْرَاجَ الْيَهُودِ عَنْهَا، فَسَأَلُوهُ ﵇ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجَلَاهُمْ عُمَرُ» .
стр. 2661
فَفِي هَذَا أَنَّ آخِرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى أَنْ مَاتَ كَانَ إعْطَاءَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ الزَّرْعِ وَمِنْ الثَّمَرِ وَمِنْ الشَّجَرِ، وَعَلَى هَذَا مَضَى أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ج وَجَمِيعُ الصَّحَابَةِ ﵃ مَعَهُمْ، فَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ أَنْ تُكْرَى الْأَرْضُ أَوْ يُؤْخَذُ لَهَا أَجْرٌ أَوْ حَظٌّ، وَكَانَ هَذَا الْعَمَلُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلنَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ إعْطَاءِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ قَدْ صَحَّ، فَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ صَحَّ لَقُلْنَا: لَيْسَ نَسْخًا، لَكِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ لَمَا قَطَعْنَا بِالنَّسْخِ، لَكِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ آخِرُ عَمَلِهِ ﵇. فَصَحَّ أَنَّهُ نَسْخٌ صَحِيحٌ مُتَيَقَّنٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَبَقِيَ النَّهْيُ عَنْ الْإِجَارَةِ جُمْلَةً بِحَسَبِهِ، إذْ لَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يَنْسَخُهُ وَلَا يُخَصِّصُهُ أَلْبَتَّةَ إلَّا بِالْكَذِبِ الْبَحْتِ، أَوْ الظَّنِّ السَّاقِطِ الَّذِي لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الدِّينِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يُؤْخَذَ لِلْأَرْضِ أَجْرٌ أَوْ حَظٌّ، وَعَنْ أَنْ تُكْرَى بِثُلُثٍ أَوْ بِرُبُعٍ، وَصَحَّ أَنَّهُ أَعْطَاهُ بِالنِّصْفِ فَأَجِيزُوا إعْطَاءَهَا بِالنِّصْفِ خَاصَّةً وَامْنَعُوا مِنْ إعْطَائِهَا بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؟ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَبَاحَ ﵇ إعْطَاءَهَا بِالنِّصْفِ لَهُمْ وَالنِّصْفِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَهُ ﵇، فَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ، وَالْمُشَاهَدَةِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ الثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ، وَفَوْقَ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ مِمَّا دُونَ النِّصْفِ دَاخِلٌ فِي النِّصْفِ، فَقَدْ أَعْطَاهَا ﵇ بِالرُّبُعِ وَزِيَادَةٍ وَبِالثُّلُثِ وَزِيَادَةٍ، فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِمَّنْ أَجَازَ إعْطَاءَ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ زَائِدَةَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: «عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ» .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: عَامَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ عَلَى إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا.
стр. 2662
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ حُصَيْرَةَ حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ عَمْرِو بْنِ صُلَيْعٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَخَذْت أَرْضًا بِالنِّصْفِ أَكْرِي أَنْهَارَهَا وَأُصْلِحُهَا وَأَعْمُرُهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَا بَأْسَ بِهَا.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كِرَاءُ الْأَنْهَارِ هُوَ حَفْرُهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَأَعْطَى الْأَرْضَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَنَحْنُ نَعْمَلُهَا إلَى الْيَوْمِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذٌ بِالْيَمَنِ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي أَرْضَهُ بِالثُّلُثِ، وَهَذَا عَنْهُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُ رُجُوعَهُ عَنْ إبَاحَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ؟ فَقُلْت: أَرْضٌ تَقَبَّلْتهَا لَيْسَ فِيهَا نَهْرٌ جَارٍ وَلَا نَبَاتٌ عَشْرَ سِنِينَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كُلَّ سَنَةٍ كَرَيْت أَنْهَارَهَا، وَعَمَّرْت فِيهَا قُرَاهَا، وَأَنْفَقْت فِيهَا نَفَقَةً كَثِيرَةً، وَزَرَعْتهَا لَمْ تَرُدَّ عَلَيَّ رَأْسَ مَالِي زَرَعْتهَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَأُضْعِفُ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا يَصْلُحُ لَك إلَّا رَأْسُ مَالِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، كِلَاهُمَا عَنْ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ، وَمَاءٌ، لَيْسَ لَهُ بَذْرٌ، وَلَا بَقَرٌ، فَأَعْطَانِي أَرْضَهُ بِالنِّصْفِ، فَزَرَعْتهَا بِبَذْرِي وَبَقَرِي، ثُمَّ قَاسَمْته؟ قَالَ: حَسَنٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو الْأَحْوَصِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إيَادِ بْنِ لَقِيطٍ كِلَاهُمَا عَنْ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ مِثْلُهُ أَيْضًا - فَهَذَانِ إسْنَادَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَهُ كُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالدَّرَاهِمِ؟ فَلَمْ يُجِزْهُ وَلَا أَجَازَ مَا أَصَابَ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ مَا أَنْفَقَ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَخْذِهَا بِالنِّصْفِ مِمَّا يَخْرُجُ فِيهَا، لَا يَجْعَلُ صَاحِبُهَا فِيهَا لَا بَذْرًا وَلَا عَمَلًا وَيَكُونُ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ وَالْبَذْرُ؟ فَأَجَازَهُ - وَهَذَا هُوَ نَفْسُ قَوْلِنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَأَبِي الْأَحْوَصِ وَغَيْرِهِمْ كُلُّهُمْ
стр. 2663
عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ شَاهَدَ جَارَيْهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُعْطِيَانِ أَرْضَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ: أَنَّ خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَابْنَ مَسْعُودٍ كَانُوا يُعْطُونَ أَرْضَهُمْ الْبَيَاضَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ.
فَهَؤُلَاءِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَخَبَّابٌ، وَحُذَيْفَةُ، وَمُعَاذٌ بِحَضْرَةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ -: مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ أَخْبَرَنِي مَنْ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ الْأَرْضِ تُعْطَى بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ نَهْيَهُ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ - هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا أَنْ يُعْطِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الثُّلُثَ، أَوْ الرُّبُعَ، وَالْعُشْرَ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ شَيْءٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ نا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ يَكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَرَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بَأْسًا وَهَذَا نَصُّ قَوْلِنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَابْنَ سِيرِينَ كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِالْإِجَارَةِ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ - يَعْنِي فِي الْأَرْضِ -.
وَقَدْ ذَكَرْنَا نَهْيَ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ فَقَوْلُهُ هُوَ قَوْلُنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: أَنْ أَعْطُوا الْأَرْضَ عَلَى الرُّبُعِ، وَالثُّلُثِ، وَالْخُمُسِ، إلَى الْعُشْرِ، وَلَا تَدَعُوا الْأَرْضَ خَرَابًا.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَفْصٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ
стр. 2664
ثُمَّ اتَّفَقَ يَحْيَى، وَخَالِدٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَمَرَ بِإِعْطَاءِ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا شَرِيكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى قَالَ: كَانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي لَيْلَى أَرْضٌ بِالْفَوَّارَةِ فَكَانَ يَدْفَعُهَا بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ فَيُرْسِلُنِي فَأُقَاسِمُهُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ إعْطَاءِ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إلَّا وَهُمْ يُعْطُونَ أَرْضَهُمْ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا وَكِيعٌ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: آلُ أَبِي بَكْرٍ، وَآلُ عُمَرَ، وَآلُ عَلِيٍّ يَدْفَعُونَ أَرْضَهُمْ بِالثُّلُثِ، أَوْ الرُّبُعِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْت أُزَارِعُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَأَحْمِلُهُ إلَى عَلْقَمَةَ، وَالْأَسْوَدِ، فَلَوْ رَأَيَا بِهِ بَأْسًا لَنَهَيَانِي عَنْهُ.
وَرُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ اللَّيْثِ، وَأَجَازَهَا أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: إنَّ الْبَذْرَ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا عَلَى الْعَامِلِ الْبَقَرُ، وَالْآلَةُ، وَالْعَمَلُ - وَأَجَازَهَا بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُبَالِ مَنْ جَعَلَ الْبَذْرَ مِنْهُمَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي اشْتِرَاطِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَنْ يَعْمَلُوهَا بِأَمْوَالِهِمْ: بَيَانٌ أَنَّ الْبَذْرَ وَالنَّفَقَةَ كُلُّهَا عَلَى الْعَامِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَطَوَّعَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِأَنْ يُقْرِضَ الْعَامِلَ الْبَذْرَ، أَوْ بَعْضَهُ أَوْ مَا يَبْتَاعُ بِهِ الْبَقَرَ، أَوْ الْآلَةَ، أَوْ مَا يَتَّسِعُ فِيهِ
стр. 2665
مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ، وَالْقَرْضُ أَجْرٌ وَبِرٌّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَاتَّفَقَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَزُفَرُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ عَلَى جَوَازِ كِرَاءِ الْأَرْضِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا، وَفِي الْمُزَارَعَةِ فَأَجَازَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا - حَاشَا مَالِكًا وَحْدَهُ - كِرَاءَ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَبِالطَّعَامِ الْمُسَمَّى كَيْلُهُ فِي الذِّمَّةِ - مَا لَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَخْرُجُهُ تِلْكَ الْأَرْضُ - وَبِالْعُرُوضِ كُلِّهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ كِرَاءَ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا: كَالْعَسَلِ، وَالْمِلْحِ، وَالْمُرِّيِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَجَازَ كِرَاءَهَا بِالْخَشَبِ وَالْحَطَبِ وَإِنْ كَانَا يَخْرُجَانِ مِنْهَا - وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَتَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ - وَمَا نَعْلَمُ لِقَوْلِهِ هَذَا مُتَعَلَّقًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ مُتَقَدِّمٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ - يَعْنِي اسْتِثْنَاءَهُ الْعَسَلَ، وَالْمِلْحَ، وَإِجَازَتَهُ الْخَشَبَ، وَالْحَطَبَ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إعْطَاءَ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يُزْرَعُ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ - وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضٌ وَشَجَرٌ، فَيَكُونُ مِقْدَارُ الْبَيَاضِ مِنْ الْأَرْضِ ثُلُثَ مِقْدَارِ الْجَمِيعِ، وَيَكُونُ السَّوَادُ مِقْدَارَ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْجَمِيعِ، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ تُعْطَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ عَلَى مَا يُعْطَى بِهِ ذَلِكَ السَّوَادُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا تُخْرِجُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي خِلَالِ الشَّجَرِ لَا يُمْكِنُ سَقْيُهَا وَلَا عَمَلُهَا إلَّا بِعَمَلِ الشَّجَرِ وَحَفْرِهَا وَسَقْيِهَا، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ إعْطَاؤُهَا بِثُلُثٍ، أَوْ رُبُعٍ أَوْ نِصْفٍ عَلَى مَا تُعْطَى بِهِ الشَّجَرُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد: لَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا أَنْ تُعْطَى هِيَ وَالشَّجَرُ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حُجَّةُ جَمِيعِهِمْ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ «نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ إعْطَاءِ الْأَرْضِ بِالنِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَلَسْنَا نُخَارِجُهُمْ الْآنَ فِي أَلْفَاظِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ بَلْ يَقُولُ: نَعَمْ، قَدْ صَحَّ
следующие страницы →