Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
حَفَرُوا سَاقِيَةً وَبَنَوْهَا، فَلَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوا مَاءَهَا بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ فِيهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَبُو الْوَلِيدِ - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - أَنَا اللَّيْثُ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ «خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلزُّبَيْرِ: سَرِّحْ الْمَاءَ يَمُرُّ؟ فَأَبَى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إلَى جَارِكَ؟ فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَ ابْنُ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: اسْقِ ثُمَّ احْتَبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجَدْرِ.»
[مَسْأَلَةٌ غَرَسَ أَشْجَارًا فِي أَرْض مَوَات]
١٣٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ غَرَسَ أَشْجَارًا فَلَهُ مَا أَظَلَّتْ أَغْصَانُهَا عِنْدَ تَمَامِهَا، فَإِنْ انْتَثَرَتْ عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ أَخَذَ بِقَطْعِ مَا انْتَثَرَ مِنْهَا عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «اخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ فَأَمَرَ ﵇ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرِيدِهَا فَذُرِعَتْ فَقَضَى بِذَلِكَ» يَعْنِي بِمَبْلَغِهَا. وَأَمَّا انْتِثَارُهَا عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ الِانْتِفَاعُ بِمَالِ غَيْرِهِ إلَّا مَا دَامَتْ نَفْسُهُ لَهُ طَيِّبَةً بِذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَرَكَ دَابَّتَهُ بِفَلَاةٍ فَأَخَذَهَا إنْسَانٌ فَقَامَ عَلَيْهَا فَصَلَحَتْ]
١٣٥٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ دَابَّتَهُ بِفَلَاةٍ ضَائِعَةً فَأَخَذَهَا إنْسَانٌ فَقَامَ عَلَيْهَا فَصَلَحَتْ، أَوْ عَطِبَ فِي بَحْرٍ أَوْ نَهْرٍ فَرَمَى الْبَحْرُ مَتَاعَهُ فَأَخَذَهُ إنْسَانٌ أَوْ غَاصَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ فَأَخَذَهُ، فَكُلُّ
стр. 2697
ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ الْأَوَّلِ وَلَا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا مَنْصُورٌ - هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: سَمِعْت الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ فَتَرَكَهَا فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا: فَقُلْت لَهُ: عَمَّنْ يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: إنْ شِئْت عَدَّدَتْ لَك كَذَا وَكَذَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا خَالِدٌ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ الْوَاسِطِيُّ - أَنَا مُطَرِّفٌ - هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ - عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي رَجُلٍ سَيَّبَ دَابَّتَهُ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَأَصْلَحَهَا؟ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هَذَا قَدْ قَضَى فِيهِ إنْ كَانَ سَيَّبَهَا فِي كَلَأٍ، وَأَمْنٍ، وَمَاءٍ، فَصَاحِبُهَا أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ سَيَّبَهَا فِي مَخَافَةٍ أَوْ مَفَازَةٍ فَاَلَّذِي أَخَذَهَا أَحَقُّ بِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ عَمَّنْ تَرَكَ دَابَّتَهُ بِأَرْضِ قَفْرٍ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَقَامَ عَلَيْهَا حَتَّى صَلَحَتْ؟ قَالَ: هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا. قَالَ: وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ السَّفِينَةِ تَغْرَقُ فِي الْبَحْرِ فِيهَا مَتَاعٌ لِقَوْمٍ شَتَّى؟ فَقَالَ: مَا أَلْقَى الْبَحْرُ عَلَى سَاحِلِهِ، وَمَنْ غَاصَ عَلَى شَيْءٍ فَاسْتَخْرَجَهُ فَهُوَ لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ شَنَّعَ بِقَوْلِ الصَّاحِبِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ أَنْ يَقُولَ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَلْزَمُ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهِ]
١٣٥٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ إذَا أَخَذَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الَّذِي وَجَدَهُ عِنْدَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِمَا أَنْفَقَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَضَلَّ بَعِيرًا لَهُ نِضْوًا فَأَخَذَهُ رَجُلٌ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ حَتَّى صَلَحَ وَسَمُنَ، فَوَجَدَهُ صَاحِبُهُ عِنْدَهُ فَخَاصَمَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَضَى لَهُ بِالنَّفَقَةِ وَرَدِّ الدَّابَّةِ إلَى صَاحِبِهَا - قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: يَأْخُذُ مَالَهُ حَيْثُ وَجَدَهُ سَمِينًا أَوْ مَهْزُولًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
[الْمَرْفِقُ]
[مَسْأَلَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ فِي حَائِطِهِ]
الْمَرْفِقُ ١٣٥٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ فِي حَائِطِهِ مِنْ كُوَّةٍ أَوْ بَابٍ، أَوْ أَنْ
стр. 2698
يَهْدِمَهُ إنْ شَاءَ فِي دَارِ جَارِهِ، أَوْ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ أَوْ نَافِذٍ، وَيُقَالُ لِجَارِهِ: ابْنِ فِي حَقِّك مَا تَسْتُرُ بِهِ عَلَى نَفْسِك؟ إلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الِاطِّلَاعِ فَقَطْ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُمْنَعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ أَوْلَى بِحَقِّهِ. وَلَا يَحِلُّ لِلْجَارِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِحَائِطِ جَارِهِ إلَّا حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِذَلِكَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَهْدِمَ حَائِطَهُ فَلَا يُكَلَّفُ بُنْيَانَهُ وَيَقُولُ لِجَارِهِ: اُسْتُرْ عَلَى نَفْسِك إنْ شِئْت، وَبَيْنَ أَنْ يَهْدِمَ هُوَ حَائِطُ نَفْسِهِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّقْفِ وَالِاطِّلَاعِ مِنْهُ وَبَيْنَ قَاعِ الدَّارِ وَالِاطِّلَاعِ مِنْهُ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ فَتْحِ كُوَّةٍ لِلضَّوْءِ وَبَيْنَ فَتْحِهَا هَكَذَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ، يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ مِنْهُ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ يَمْنَعُ الْمَرْءَ مِنْ أَنْ يَفْتَحَ فِي حَقِّهِ وَفِي حَائِطِهِ مَا شَاءَ. فَإِنْ احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ مُرْسَلًا، أَوْ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا زُهَيْرُ بْنُ ثَابِتٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - إلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ. وَلَا ضَرَرَ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُمْنَعَ الْمَرْءُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ نَفْسِهِ مُرَاعَاةً لِنَفْعِ غَيْرِهِ فَهَذَا هُوَ الضَّرَرُ حَقًّا. وَأَمَّا الِاطِّلَاعُ فَمَنْعُهُ وَاجِبٌ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِعَصًا فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى «بِحَصَاةٍ» هُوَ أَصَحُّ.
стр. 2699
[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُرْسِلَ مَاءَ سَقْفِهِ أَوْ دَارِهِ عَلَى أَرْضِ جَارِهِ]
مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُرْسِلَ مَاءَ سَقْفِهِ أَوْ دَارِهِ عَلَى أَرْضِ جَارِهِ أَصْلًا، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَإِطْلَاقُهُ مَاءَ دَارِهِ عَلَى أَرْضِ جَارِهِ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ - وَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ - وَالْإِذْنُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَا دَامَ إذْنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلِّكْهُ الرَّقَبَةَ، وَالْإِذْنُ فِي شَيْءٍ مَا الْيَوْمَ غَيْرُ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ غَدًا بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُدَخِّنَ عَلَى جَارِهِ]
١٣٥٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُدَخِّنَ عَلَى جَارِهِ؛ لِأَنَّهُ أَذًى، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَذَى الْمُسْلِمِ. وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُعَلِّيَ بُنْيَانَهُ مَا شَاءَ - وَإِنْ مَنَعَ جَارَهُ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ - لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ مَنْعَهُ بِغَيْرِ مَا أُبِيحَ لَهُ. وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَبْنِيَ فِي حَقِّهِ مَا شَاءَ مِنْ حَمَّامٍ، أَوْ فُرْنٍ، أَوْ رَحًى، أَوْ كَمَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِالْمَنْعِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَمْنَعُ جَارَهُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ خَشَبًا فِي جِدَارِهِ]
١٣٥٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِنْ أَنْ يُدْخِلَ خَشَبًا فِي جِدَارِهِ وَيُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْحَائِطِ هَدْمَ حَائِطِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لِجَارِهِ: دَعِّمْ خَشَبَك أَوْ انْزَعْهُ فَإِنِّي أَهْدِمُ حَائِطِي، وَيُجْبَرُ صَاحِبُ الْخَشَبِ عَلَى ذَلِكَ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ فَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا.
стр. 2700
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خِلَافٌ مُجَرَّدٌ لِلْخَبَرِ وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
قَالَ عَلِيٌّ: الَّذِي قَالَ هَذَا هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ كُلُّهُ حَقٌّ وَعَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا السَّمْعُ لَهُ وَالطَّاعَةُ، وَلَيْسَ بَعْضُهُ مُعَارِضًا لِبَعْضٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَاَلَّذِي قَضَى بِالشُّفْعَةِ وَإِسْقَاطِ الْمِلْكِ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَإِبْطَالِ الشِّرَاءِ بَعْدَ صِحَّتِهِ وَقَضَى بِالْعَاقِلَةِ، وَأَنْ يَغْرَمُوا مَا لَمْ يَجْنُوا، وَأَبَاحَ أَمْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ - أَحَبُّوا أَمْ كَرِهُوا - هُوَ الَّذِي قَضَى بِأَنْ يَغْرِزَ الْجَارُ خَشَبَهُ فِي جِدَارِ جَارِهِ، وَنَهَى عَنْ مَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوا هَذَا الْحُكْمَ حَيْثُ أَبَاحُوا ثَمَرَ النَّخْلِ، وَكِرَاءِ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ -: كُلُّ ذَلِكَ لِمَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَاصِبِ بِالْبَاطِلِ لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ، وَالْوَاجِبُ اسْتِعْمَالُ جَمِيعِ السُّنَنِ. فَنَقُولُ: أَمْوَالُنَا حَرَامٌ عَلَى غَيْرِنَا، إلَّا حَيْثُ أَبَاحَهَا الَّذِي حَرَّمَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ «خَشَبَةً» بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ؟ فَقُلْنَا: فَأَنْتُمْ لَا تُجِيزُونَ لَهُ لَا وَاحِدَةً وَلَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؟ وَكُلُّ خَشَبَةٍ فِي الْعَالَمِ فَهِيَ خَشَبَةٌ، وَلَيْسَ لِلْجَارِ مَنْعُ جَارِهِ مِنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي جِدَارِهِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِي كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ مَلَكَ مَاءً فِي نَهْرٍ حَفَرَهُ أَوْ سَاقِيَةٍ حَفَرَهَا]
١٣٥٩ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ مَاءً فِي نَهْرٍ حَفَرَهُ، أَوْ سَاقِيَةٍ حَفَرَهَا، أَوْ عَيْنٍ اسْتَخْرَجَهَا، أَوْ بِئْرٍ اسْتَنْبَطَهَا - فَهُوَ أَحَقُّ بِمَاءِ كُلِّ ذَلِكَ مَا دَامَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ مَنْعُ الْفَضْلِ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِهِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْهُ، لَا بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» .
стр. 2701
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد، نا النُّفَيْلِيُّ نا دَاوُد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ عَنْ إيَاسِ بْنِ عَبْدٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ»
[مَسْأَلَةٌ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ نَهْرٍ، أَوْ نَشْعٍ أَوْ سَيْلٍ فَاسْتَغَارَ]
١٣٦٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ نَهْرٍ، أَوْ نَشْعٍ، أَوْ سَيْلٍ، فَاسْتَغَارَ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ كَمَا كَانَ، فَإِنْ انْتَقَلَ عَنْهُ يَوْمًا مَا - وَلَوْ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ - فَهُوَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ، وَمَا رَمَى النَّهْرُ مِنْ أَحَدِ عَدْوَتَيْهِ إلَى أُخْرَى فَهُوَ بَاقٍ بِحَسْبِهِ كَمَا كَانَ لِمَنْ كَانَ لَهُ.
وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: بِخِلَافِ ذَلِكَ - وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ تَبَدُّلَ مَجْرَى الْمَاءِ لَا يُسْقِطُ مِلْكًا عَنْ مَالِكِهِ، وَلَا يُحِلُّ مَالًا مُحَرَّمًا لِمَنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَهَذَا حُكْمٌ فِي الدِّينِ بِلَا بُرْهَانٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
[مَسْأَلَةٌ لَا تَكُونُ الْأَرْضُ بِالْإِحْيَاءِ إلَّا لِمُسْلِمٍ]
١٣٦١ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا تَكُونُ الْأَرْضُ بِالْإِحْيَاءِ إلَّا لِمُسْلِمٍ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وَنَحْنُ أُولَئِكَ لَا الْكُفَّارُ، فَنَحْنُ الَّذِينَ أَوْرَثَنَا اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْضَ - فَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيرًا.
стр. 2702
[كِتَابُ الْوَكَالَةِ] [ مَسْأَلَةٌ الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَكَالَةِ ١٣٦٢ - مَسْأَلَةٌ: الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ فِي الْقِيَامِ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَالتَّذْكِيَةِ، وَطَلَبِ الْحُقُوقِ وَإِعْطَائِهَا، وَأَخْذِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونِهَا، وَتَبْلِيغِ الْإِنْكَاحِ، وَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالِاسْتِئْجَارِ -: كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْحَاضِرِ، وَالْغَائِبِ سَوَاءٌ، وَمِنْ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ، وَطَلَبُ الْحَقِّ كُلُّهُ وَاجِبٌ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ، إلَّا أَنْ يُبْرِئَ صَاحِبَ الْحَقِّ مِنْ حَقِّهِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: «بِعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوُلَاةَ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْحُقُوقِ عَلَى النَّاسِ، وَلِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا» . وَقَدْ كَانَ بِلَالٌ عَلَى نَفَقَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ كَانَ لَهُ نُظَّارٌ عَلَى أَرْضِهِ بِخَيْبَرَ، وَفَدَكَ؛ وَقَدْ رُوِّينَا فِي " كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ " مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ» . وَذَكَرْنَا فِي " الْحَجِّ " مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ أُقَسِّمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ نا [عَمِّي - هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ] نَا أَبِي - هُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى
стр. 2703
خَيْبَرُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي بِخَيْبَرَ فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا فَإِنْ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ» . وَفِي هَذَا الْخَبَرِ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ إذَا عَلِمَ الْوَالِي بِصِدْقِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ نا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ نا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَذَكَرَ حَدِيثَ التَّمْرِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بِيعُوا تَمْرَهَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الثَّقَفِيُّ حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَبَعَثَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ - وَهَذَا خَبَرٌ مَنْقُولٌ نَقْلَ الْكَافَّةِ.
«وَأَمَرَ ﵇ بِأَخْذِ الْقَوَدِ، وَبِالرَّجْمِ، وَالْجَلْدِ، وَبِالْقَطْعِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْكُبْرَ الْكُبْرَ أَوْ قَالَ: لِيَبْدَأْ الْأَكْبَرُ؟ فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا» .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا أَقْبَلُ تَوْكِيلَ حَاضِرٍ، وَلَا مَنْ كَانَ غَائِبًا عَلَى أَقَلَّ مِنْ مَسِيرَةِ
стр. 2704
ثَلَاثٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ، أَوْ مَنْ ذَكَرْنَا مَرِيضًا، إلَّا بِرِضَى الْخَصْمِ - وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَتَحْدِيدٌ بِلَا بُرْهَانٍ وَقَوْلٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ قَبْلَهُ.
وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: لَا نَتَكَلَّمُ فِي الْحُقُوقِ إلَّا بِتَوْكِيلِ صَاحِبِهَا - وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا - وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فَوَاجِبٌ بِمَا ذَكَرْنَا إنْكَارُ الظُّلْمِ، وَطَلَبُ الْحَقِّ لِحَاضِرٍ وَغَائِبٍ، مَا لَمْ يَتْرُكْ حَقَّهُ الْحَاضِرَ - سَوَاءٌ بِتَوْكِيلٍ أَوْ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ. وَطَلَبُ الْحَقِّ قَدْ وَجَبَ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ طَلَبِهِ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَعَلَّ صَاحِبَهُ لَا يُرِيدُ طَلَبَهُ، وَيُقَالُ لَهُ: قَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَلَبِهِ، فَلَا يُسْقِطُ هَذَا الْيَقِينَ مَا يَتَوَقَّعُهُ بِالظَّنِّ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَكَالَة عَلَى طَلَاقٍ]
١٣٦٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ وَكَالَةٌ عَلَى طَلَاقٍ، وَلَا عَلَى عِتْقٍ، وَلَا عَلَى تَدْبِيرٍ، وَلَا عَلَى رَجْعَةٍ، وَلَا عَلَى إسْلَامٍ، وَلَا عَلَى تَوْبَةٍ، وَلَا عَلَى إقْرَارٍ، وَلَا عَلَى إنْكَارٍ، وَلَا عَلَى عَقْدِ الْهِبَةِ، وَلَا عَلَى الْعَفْوِ، وَلَا عَلَى الْإِبْرَاءِ، وَلَا عَلَى عَقْدِ ضَمَانٍ، وَلَا عَلَى رِدَّةٍ، وَلَا عَلَى قَذْفٍ، وَلَا عَلَى صُلْحٍ، وَلَا عَلَى إنْكَاحٍ مُطَاقٍ بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمُنْكَحَةِ وَالنَّاكِحِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إلْزَامُ حُكْمٍ لَمْ يَلْزَمْ قَطُّ، وَحَلُّ عَقْدٍ ثَابِتٍ، وَنَقْلُ مِلْكٍ بِلَفْظٍ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا حَيْثُ أَوْجَبَ ذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا نَصَّ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَجُوزَ قَوْلُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا حُكْمُهُ عَلَى غَيْرِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا كَسْبٌ عَلَى غَيْرِهِ وَحُكْمٌ بِالْبَاطِلِ يُمْضِيهِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْوَكِيلِ تَعَدِّي مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوَكِّلُهُ]
١٣٦٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْوَكِيلِ تَعَدِّي مَا أَمَرَهُ بِهِ مُوَكِّلُهُ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَنْفُذْ فِعْلُهُ فَإِنْ فَاتَ ضَمِنَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَوَجَبَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ أَمَرَهُ مُوَكِّلُهُ بِأَنْ يَبْتَاعَ لَهُ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُسَمًّى، أَوْ يَبِيعَهُ لَهُ
стр. 2705
بِثَمَنٍ مُسَمًّى، فَبَاعَهُ أَوْ ابْتَاعَهُ بِأَكْثَرَ أَوْ بِأَقَلَّ - وَلَوْ بِفَلْسٍ - فَمَا زَادَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ، وَلَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ لَهُ أَصْلًا، وَلَمْ يَنْفُذْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ.
فَلَوْ وَكَّلَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ أَوْ يَبْتَاعَ لَهُ، فَإِنْ ابْتَاعَ لَهُ بِمَا يُسَاوِي، أَوْ بَاعَ بِذَلِكَ لَزِمَ، وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ - وَكَذَلِكَ مَنْ ابْتَاعَ لِآخَرَ، أَوْ بَاعَ لَهُ بِغَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ لَمْ يَلْزَمْ فِي الْبَيْعِ أَصْلًا، وَلَا جَازَ لِلْآخَرِ إمْضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ إمْضَاءٌ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ، وَكَانَ الشِّرَاءُ لَازِمًا لِلْوَكِيلِ - وَمَا عَدَا هَذَا فَقَوْلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَحُكْمٌ بِالْبَاطِلِ.
وَاحْتَجَّ قَوْمٌ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ يَبْتَاعَ لَهُ شَاةً بِدِينَارٍ فَابْتَاعَ شَاتَيْنِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا بِدِينَارٍ وَأَتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِالشَّاةِ» وَهُمَا خَبَرَانِ مُنْقَطِعَانِ لَا يَصِحَّانِ.
стр. 2706
[مَسْأَلَةٌ فِعْلُ الْوَكِيلِ]
مَسْأَلَةٌ: وَفِعْلُ الْوَكِيلِ نَافِذٌ فِيمَا أَمَرَ بِهِ الْمُوَكِّلُ لَازِمٌ لِلْمُوَكِّلِ مَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ عَزَلَهُ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ مِنْ حِينَئِذٍ وَيَفْسَخُ مَا فَعَلَ.
وَأَمَّا كُلُّ مَا فَعَلَ مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ الْمُوَكِّلُ مِنْ حِينِ عَزْلِهِ إلَى حِينِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ فَهُوَ نَافِذٌ طَالَتْ الْمُدَّةُ بَيْنَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَتْ.
стр. 2707
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي عَزْلِ الْإِمَامِ لِلْأَمِيرِ، وَلِلْوَالِي، وَلِلْقَاضِي، وَفِي عَزْلِ هَؤُلَاءِ لِمَنْ جُعِلَ إلَيْهِمْ أَنْ يُوَلُّوهُ وَلَا فَرْقَ - لِأَنَّهُ عَزَلَهُ بِغَيْرِ أَنْ يُعْلِمَهُ بَعْدَ أَنْ وَلَّاهُ وَأَطْلَقَهُ عَلَى الْبَيْعِ، وَعَلَى الِابْتِيَاعِ، وَعَلَى التَّذْكِيَةِ، وَالْقِصَاصِ، وَالْإِنْكَاحِ لِمُسَمَّاةٍ وَمُسَمًّى -: خَدِيعَةٌ وَغِشٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فَعَزْلُهُ لَهُ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ، أَوْ يَكْتُبَ إلَيْهِ أَوْ يُوصِي إلَيْهِ: إذَا بَلَغَك رَسُولِي فَقَدْ عَزَلْتُك - فَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي حُقُوقِ نَفْسِهِ كَمَا يَشَاءُ، فَإِذَا بَلَغَهُ فَقَدْ صَحَّ عَزْلُهُ، وَلَيْسَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يُخَاصِمُهُ مِنْ عَزْلِ وَكِيلِهِ وَتَوْلِيَةِ آخَرَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي ذَلِكَ قَدْ صَحَّ، وَلَا بُرْهَانَ عَلَى أَنَّ لِلْخَصْمِ مَنْعَهُ مِنْ عَزْلِ مَنْ شَاءَ وَتَوْلِيَةِ مَنْ شَاءَ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْخَصْمِ؟ قُلْنَا: لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، بَلْ الضَّرَرُ كُلُّهُ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمَرْءِ فِي طَلَبِ حُقُوقِهِ بِغَيْرِ قُرْآنٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَلَا سُنَّةٍ - وَهَذَا هُوَ الشَّرْعُ الَّذِي لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَكَالَةُ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ]
١٣٦٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَالْوَكَالَةُ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ بَلَغَ ذَلِكَ إلَى الْوَكِيلِ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِخِلَافِ مَوْتِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ إنْ مَاتَ فَالْوُلَاةُ كُلُّهُمْ نَافِذَةٌ أَحْكَامُهُمْ حَتَّى يَعْزِلَهُمْ الْإِمَامُ الْوَالِي، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَالْمَالُ قَدْ انْتَقَلَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ إلَى وَرَثَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ فِي مَالِهِمْ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَكِّلُوهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِمَّنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، «وَقَدْ قُتِلَ أُمَرَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2708
وَرَضِيَ عَنْهُمْ بِمُؤْتَةِ كُلُّهُمْ فَتَوَلَّى الْأَمْرَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَمِّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَجَعَ بِالْمُسْلِمِينَ وَصَوَّبَ ﵇ ذَلِكَ» وَقَدْ مَاتَ ﵇ وَوُلَاتُهُ بِالْيَمَنِ، وَمَكَّةَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَغَيْرِهَا، فَنَفَذَتْ أَحْكَامُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمْ مَوْتُهُ ﵇ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2709
[كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ وَهِيَ الْقِرَاضُ] [ مَسْأَلَةٌ الْقِرَاضُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ]
ُ ١٣٦٧ - مَسْأَلَةٌ: الْقِرَاضُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ أَهْلَ تِجَارَةٍ لَا مَعَاشَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهَا وَفِيهِمْ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ السَّفَرَ، وَالْمَرْأَةُ وَالصَّغِيرُ، وَالْيَتِيمُ، فَكَانُوا وَذَوُو الشُّغْلِ وَالْمَرَضِ يُعْطُونَ الْمَالَ مُضَارَبَةً لِمَنْ يَتَّجِرُ بِهِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْ الرِّبْحِ فَأَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَمَلًا مُتَيَقَّنًا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَوْ وُجِدَ فِيهِ خِلَافٌ مَا الْتَفَتَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ كَافَّةٍ بَعْدَ كَافَّةٍ إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِلْمِهِ بِذَلِكَ.
«وَقَدْ خَرَجَ ﷺ فِي قِرَاضٍ بِمَالِ خَدِيجَةَ ﵂» .
[مَسْأَلَةٌ الْقِرَاضُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ]
١٣٦٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالْقِرَاضُ إنَّمَا هُوَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ - وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا بِأَنْ يُعْطِيَهُ الْعَرَضَ فَيَأْمُرُهُ بِبَيْعِهِ بِثَمَنٍ مَحْدُودٍ، وَبِأَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ فَيَعْمَلُ بِهِ قِرَاضًا، لِأَنَّ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا نَصَّ بِإِيجَابِهِ، وَلَا حُكْمَ لِأَحَدٍ فِي مَالِهِ إلَّا بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ النَّصُّ.
وَمِمَّنْ مَنَعَ مِنْ الْقِرَاضِ بِغَيْرِ الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ: الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَغَيْرُهُمْ.
[مَسْأَلَةٌ الْقِرَاضُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى]
١٣٦٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَصْلًا إلَّا مَا جَاءَ بِهِ نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَبْدًا يَعْمَلُ مَعَهُ، أَوْ أَجِيرًا يَعْمَلُ مَعَهُ، أَوْ جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ لِفُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
стр. 2710
وَأَمَّا الْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: فَتَنَاقَضُوا هَهُنَا فَقَالُوا فِي الْقِرَاضِ كَمَا قُلْنَا، وَقَالُوا فِي " الْمُسَاقَاةِ " لَا تَجُوزُ أَلْبَتَّةَ إلَّا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي " الْمُزَارَعَةِ " فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَجَازُوهَا فِيهِ - وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَعَ خِلَافِهِمْ فِي " الْمُزَارَعَةِ " و " الْمُسَاقَاةِ " السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ أَيْضًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَسْمِيَة السَّهْمَ الَّذِي يَتَقَارَضَانِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّبْحِ]
١٣٧٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ إلَّا بِأَنْ يُسَمِّيَا السَّهْمَ الَّذِي يَتَقَارَضَانِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّبْحِ، كَسُدُسٍ، أَوْ رُبْعٍ، أَوْ ثُلُثٍ، أَوْ نِصْفٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَيُبَيِّنَا مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ قِرَاضًا وَلَا عُرْفًا مَا يَعْمَلُ الْعَامِلُ عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِلٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِعَامِلِ الْقِرَاض أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الْمَالِ شَيْئًا]
١٣٧١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الْمَالِ شَيْئًا وَلَا أَنْ يَلْبَسَ مِنْهُ شَيْئًا، لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: مَا أَكَلَ الْمُضَارِبُ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ.
وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَالْحَسَنِ: أَنَّ نَفَقَتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ - قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَكِسْوَتُهُ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُنَا هَهُنَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: أَمَّا فِي الْحَضَرِ فَكَمَا قُلْنَا، وَأَمَّا فِي السَّفَرِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَكْتَسِي مِنْهُ وَيَرْكَبُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ - إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا - وَإِلَّا فَلَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَهُ فِي الْحَضَرِ أَنْ يَتَغَذَّى مِنْهُ بِالْأَفْلُسُ.
وَهَذَا تَقْسِيمٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَا مِقْدَارُ الْمَالِ الْكَثِيرِ الَّذِي أَبَاحُوا هَذَا فِيهِ؟ وَمَا مِقْدَارُ الْقَلِيلِ الَّذِي مَنَعُوهُ فِيهِ؟ وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ - فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
ثُمَّ أَيْضًا يَعُودُ الْمَالُ إلَى الْجَهَالَةِ فَلَا يَدْرِي مَا يَخْرُجُ مِنْهُ؟ وَلَا مَا يَبْقَى مِنْهُ؟ وَقَلِيلُ الْحَرَامِ حَرَامٌ - وَلَوْ أَنَّهُ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ، وَكَثِيرُ الْحَلَالِ حَلَالٌ - وَلَوْ أَنَّهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
فَإِنْ قَالُوا هُوَ سَاعٍ فِي مَصْلَحَةِ الْمَالِ؟
стр. 2711
قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَإِنَّمَا هُوَ سَاعٍ لِرِبْحٍ يَرْجُوهُ، فَإِنَّمَا يَسْعَى فِي حَظِّ نَفْسِهِ.
[مَسْأَلَةٌ صَاحِب الْمَال وَالْعَامِل اقْتَسَمَا الرِّبْحَ]
١٣٧٢ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ رِبْحٍ رَبِحَاهُ فَلَهُمَا أَنْ يَتَقَاسَمَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا وَتَرَكَا الْأَمْرَ بِحَسَبِهِ ثُمَّ خَسِرَ فِي الْمَالِ فَلَا رِبْحَ لِلْعَامِلِ، وَأَمَّا إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ فَقَدْ مَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَارَ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ مِلْكُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى هَذَا تَعَامَلَا، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَظٌّ مِنْ الرِّبْحِ، فَإِذَا اقْتَسَمَاهُ فَهُوَ عَقْدُهُمَا الْمُتَّفَقُ عَلَى جَوَازِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَسِمَاهُ فَقَدْ تَطَوَّعَا بِتَرْكِ حَقِّهِمَا وَذَلِكَ مُبَاحٌ.
[مَسْأَلَةٌ لَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْمَالِ]
١٣٧٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْمَالِ - وَلَوْ تَلِفَ كُلُّهُ - وَلَا فِيمَا خَسِرَ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُضَيِّعَ فَيَضْمَنُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
[مَسْأَلَةٌ رَبّ الْمَال وَعَامِل الْقِرَاض أَيُّهُمَا أَرَادَ تَرْكَ الْعَمَلِ فَلَهُ ذَلِكَ]
١٣٧٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَيُّهُمَا أَرَادَ تَرْكَ الْعَمَلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ الْعَامِلُ عَلَى بَيْعِ السِّلَعِ مُعَجِّلًا - خَسِرَ أَوْ رَبِحَ - لِأَنَّهُ لَا مُدَّةَ فِي الْقِرَاضِ، فَإِذْ لَيْسَ فِيهِ مُدَّةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ الْآبِي مِنْهُمَا عَلَى التَّمَادِي فِي عَمَلٍ لَا يُرِيدُهُ أَحَدُهُمَا فِي مَالِهِ، وَلَا يُرِيدُهُ الْآخَرُ فِي عَمَلِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَكُونُ التَّأْخِيرُ؟ وَقَدْ تَسْمُو قِيمَةُ السِّلَعِ، وَقَدْ تَنْحَطُّ، فَإِيجَابُ التَّأْخِيرِ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ، وَلَا يَلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يُبِيحَ مَالَهُ لِغَيْرِهِ لِيُمَوِّلَهُ بِهِ. وَالْعَجَبُ مِمَّنْ أَلْزَمَ هَهُنَا إجْبَارَ صَاحِبِ الْمَالِ عَلَى الصَّبْرِ حَتَّى يَكُونَ لِلسِّلَعِ سُوقٌ لِيُمَوِّلَ بِذَلِكَ الْعَامِلَ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَرَى إجْبَارَهُ عَلَى تَدَارُكِ مَنْ يَمُوتُ جُوعًا مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، أَوْ غَيْرِهِمْ، بِمَا يُقِيمُ رَمَقَهُ، وَهَذَا عَكْسُ الْحَقَائِقِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَعَدَّى عَامِلُ الْمُضَارَبَة فَرَبِحَ]
١٣٧٥ - مَسْأَلَةٌ:
وَإِنْ تَعَدَّى الْعَامِلُ فَرَبِحَ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ وَوَزَنَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ - وَقَدْ صَارَ ضَامِنًا لِلْمَالِ إنْ تَلِفَ أَوْ لِمَا تَلِفَ مِنْهُ بِالتَّعَدِّي، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَهُ، لِأَنَّ الشِّرَى لَهُ.
وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى بِمَالِ الْقِرَاضِ نَفْسِهِ فَالشِّرَى فَاسِدٌ مَفْسُوخٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُهُ الْبَائِع مِنْهُ فَالرِّبْحُ لِلْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ صَاحِبٌ.
وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2712
[مَسْأَلَةٌ مَاتَ رَبّ الْمَال وَعَامِل الْقِرَاض]
مَسْأَلَةٌ: وَأَيُّهُمَا مَاتَ بَطَلَ الْقِرَاضُ -: أَمَّا فِي مَوْتِ صَاحِبِ الْمَالِ فَلِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
أَمَّا فِي مَوْتِ الْعَامِلِ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَعَقْدُ الَّذِي لَهُ الْمَالُ إنَّمَا كَانَ مَعَ الْمَيِّتِ لَا مَعَ وَارِثِهِ، إلَّا أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِ الْمَالِ لَيْسَ تَعَدِّيًا، وَعَمَلَ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْعَامِلِ إصْلَاحٌ لِلْمَالِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ، وَلَا عَلَى وَارِثِهِ إنْ تَلِفَ الْمَالُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، أَوْ لِوَارِثِهِ، وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ هَهُنَا أَوْ لِوَرَثَتِهِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَحُرْمَةُ عَمَلِهِ يَجِبُ لَهُ أَنْ يُقَاصَّ بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ مُعِينٌ عَلَى بِرٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى عَامِلُ الْقِرَاض مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا]
١٣٧٧ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ اشْتَرَى الْعَامِلُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَهُوَ زَانٍ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْهَا رَقِيقٌ لِصَاحِبِ الْمَالِ.
وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَاشِيَةِ، وَمَمَرُّ الشَّجَرِ، وَكِرَى الدُّورِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ حَدَثَ فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا لِلْعَامِلِ حَظُّهُ مِنْ الرِّبْحِ فَقَطْ، وَلَا يُسَمَّى رِبْحًا إلَّا مَا نَمَا بِالْبَيْعِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2713
[كِتَابُ الْإِقْرَارِ] [ مَسْأَلَةٌ أَقَرَّ لِآخَرَ أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى بِحَقٍّ فِي مَالٍ]
ِ ١٣٧٨ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَقَرَّ لِآخَرَ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى بِحَقٍّ فِي مَالٍ، أَوْ دَمٍ، أَوْ بَشَرَةٍ - وَكَانَ الْمُقِرُّ عَاقِلًا بَالِغًا غَيْرَ مُكْرَهٍ - وَأَقَرَّ إقْرَارًا تَامًّا، وَلَمْ يَصِلْهُ بِمَا يُفْسِدُهُ -: فَقَدْ لَزِمَهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ رَجَعَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِرُجُوعِهِ وَقَدْ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ دَمٍ، أَوْ حَدٍّ، أَوْ مَالٍ.
فَإِنْ وَصَلَ الْإِقْرَارُ بِمَا يُفْسِدُهُ بَطَلَ كُلُّهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لَا مِنْ مَالٍ، وَلَا قَوَدٍ، وَلَا حَدٍّ -: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ، أَوْ يَقُولُ: قَذَفْت فُلَانًا بِالزِّنَى، أَوْ يَقُولُ زَنَيْت، أَوْ يَقُولُ: قَتَلْت فُلَانًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ -: فَقَدْ لَزِمَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْتَفِتْ.
فَإِنْ قَالَ: كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ وَقَدْ قَضَيْته إيَّاهَا، أَوْ قَالَ: قَذَفْت فُلَانًا وَأَنَا فِي غَيْرِ عَقْلِي، أَوْ قَتَلْت فُلَانًا؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلِي وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِي، أَوْ قَالَ: زَنَيْت وَأَنَا فِي غَيْرِ عَقْلِي، أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَسْقُطُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى - ذَاتُ الزَّوْجِ، وَالْبِكْرُ ذَاتُ الْأَبِ، وَالْيَتِيمَةُ فِيمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ - وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةُ فَإِذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ فَلَا مَعْنَى لِلْإِنْكَارِ، وَلَا لِلْإِقْرَارِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ نا هَمَّامٌ - هُوَ ابْنُ يَحْيَى - نا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ؟ فُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ نا اللَّيْثُ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، فَذَكَرَ
стр. 2714
الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قَوْلُ الْقَائِلِ: «إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ» فَقُتِلَ ﵇ بِالْإِقْرَارِ وَرُجِمَ بِهِ، وَرُدَّ بِهِ الْمَالُ مِمَّنْ كَانَ بِيَدِهِ إلَى غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إذَا وَصَلَ بِهِ مَا يُفْسِدُهُ فَلَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزَمَ بَعْضَ إقْرَارِهِ وَلَا يُلْزَمَ سَائِرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ.
وَقَدْ تَنَاقَضَ هَهُنَا الْمُخَالِفُونَ فَقَالُوا: إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ فَهُوَ كَمَا قَالَ - وَإِنْ قَالَ: ابْتَعْت مِنْهُ دَارِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَنْكَرَ الْآخَرُ الْبَيْعَ وَقَالَ: قَدْ أَقَرَّ لِي بِمِائَةِ دِينَارٍ وَادَّعَى ابْتِيَاعَ دَارِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَقُصُّونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا - وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَ فُلَانٍ فَإِنَّهُ أَسْلَفَنِي مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَأَمْهَلَنِي حَتَّى أَدَّيْتهَا كُلَّهَا إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي لِذَلِكَ الْفُلَانِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إنْ طَلَبَهُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ.
وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قَالَ: قَتَلْتُ رَجُلًا مُسْلَمًا الْآنَ أَمَامَكُمْ، أَوْ قَالَ: أَخَذْت مِنْ هَذَا مِائَةَ دِينَارٍ الْآنَ بِحَضْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ - وَلَمْ يَقُولُوا: إنْ أَقَرَّ، ثُمَّ نَدِمَ، وَلَا أَخَذُوا بِبَعْضِ قَوْلٍ دُونَ بَعْضٍ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّ رَجُلًا اسْتَضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ فَأَرْسَلُوا جَارِيَةً تَحْتَطِبُ فَأَعْجَبَتْ الضَّيْفَ فَتَبِعَهَا فَأَرَادَهَا فَامْتَنَعَتْ، فَعَارَكَهَا فَانْفَلَتَتْ فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَفَضَّتْ كَبِدَهُ فَمَاتَ، فَأَتَتْ أَهْلَهَا فَأَخْبَرَتْهُمْ، فَأَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَخْبَرُوهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: قَتِيلُ اللَّهِ لَا يُودَى وَاَللَّهِ أَبَدًا؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَحُمَيْدٍ، وَمُطَرِّفٍ، كُلِّهِمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: غَزَا رَجُلٌ فَخَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ يَقُولُ:
стр. 2715
وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنِّي ... جَلَوْت بِعُرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ
أَبِيت عَلَى تَرَائِبِهَا وَيُمْسِي ... عَلَى جَرْدَاءَ لَاحِقَةِ الْحِزَامِ
كَأَنَّ مَجَامِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا ... قِيَامٌ يَنْهَضُونَ إلَى فِئَامِ
فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى قَتَلَهُ فَجَاءَتْ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ دَمَهُ فَجَاءَ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ، فَأَبْطَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَمَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ نا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ أُتِيتُ وَأَنَا بِالْيَمَنِ بِامْرَأَةٍ فَسَأَلْتهَا؟ فَقَالَتْ: مَا تَسْأَلُ عَنْ امْرَأَةٍ حُبْلَى ثَيِّبٍ مِنْ غَيْرِ بَعْلٍ، أَمَا وَاَللَّهِ مَا خَالَلْت خَلِيلًا وَلَا خَادَنْتُ خِدْنًا، مُذْ أَسْلَمْت، وَلَكِنِّي بَيْنَمَا أَنَا نَائِمَةٌ بِفِنَاءِ بَيْتِي، فَوَاَللَّهِ مَا أَيْقَظَنِي إلَّا الرَّجُلُ حِينَ رَكِبَنِي وَأَلْقَى فِي بَطْنِي مِثْلَ الشِّهَابِ؟ فَقَالَ: فَكَتَبْت فِيهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إلَيَّ: أَنْ وَافِنِي بِهَا وَبِنَاسٍ مِنْ قَوْمِهَا؟ فَوَافَيْته بِهَا فِي الْمَوْسِمِ، فَسَأَلَ عَنْهَا قَوْمَهَا؟ فَأَثْنَوْا خَيْرًا، وَسَأَلَهَا؟ فَأَخْبَرَتْهُ كَمَا أَخْبَرَتْنِي، فَقَالَ عُمَرُ: شَابَّةٌ تِهَامِيَّةٌ تَنَوَّمَتْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ يُفْعَلُ، فَمَارَّهَا عُمَرُ وَكَسَاهَا، وَأَوْصَى بِهَا قَوْمَهَا خَيْرًا - هَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَامِرِ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَارْتَفَعُوا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَانِ فَأَبْطَلَ دَمَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَا جَمِيعًا: إنَّ رَجُلًا أَتَى امْرَأَةً لَيْلًا فَجَعَلَتْ تَسْتَصْرِخُ فَلَمْ يُصْرِخْهَا أَحَدٌ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ قَالَتْ: رُوَيْدَك حَتَّى أَسْتَعِدَّ وَأَتَهَيَّأَ، فَأَخَذَتْ فِهْرًا فَقَامَتْ خَلْفَ الْبَابِ، فَلَمَّا دَخَلَ ثَلَغَتْ بِهِ رَأْسَهُ فَارْتَفَعُوا إلَى الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَبْطَلَ دَمَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو عُقْبَةَ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَاخْتَصَمَا إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى فَقَالَ: قَدْ كَانَتْ لَهُ عِنْدِي أَلْفُ دِرْهَمٍ
стр. 2716
فَقَضَيْته فَقَالَ: أَصْلَحَك اللَّهُ قَدْ أَقَرَّ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى: إنْ شِئْت أَخَذْت بِقَوْلِهِ أَجْمَعَ، وَإِنْ شِئْت أَبْطَلْته أَجْمَعَ - عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى مِنْ التَّابِعِينَ - وَلِيَ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: كُلُّ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - وَقَوْلُنَا فِيمَا ذَكَرْنَا هُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا - الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ: فَكُلُّهُمْ مُتَّفِقٌ عَلَى مَا قُلْنَا، إلَّا فِي الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، قَالُوا: إنْ رَجَعَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ - وَهَذَا بَاطِلٌ، وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَاسُوا الْإِقْرَارَ بِالْحَدِّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ سَوَاءً؟ وَأَيْضًا - فَإِنَّ الْحَدَّ قَدْ لَزِمَهُ بِإِقْرَارِهِ، فَمَنْ ادَّعَى سُقُوطَهُ بِرُجُوعِهِ فَقَدْ ادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ؛ وَاحْتَجُّوا بِشَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ مَاعِزٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ قَالُوا: إنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا حَدِيثُ مَاعِزٍ - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ مَاعِزًا رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ أَلْبَتَّةَ، لَا بِنَصٍّ، وَلَا بِدَلِيلٍ - وَلَا فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ أَيْضًا أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ يَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ أَنْ يُمَوِّهَ عَلَى أَهْلِ الْغَفْلَةِ بِخَبَرٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَزْعُمُ؟ وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَاعِزًا، وَالْغَامِدِيَّةَ لَوْ رَجَعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا، أَوْ لَمْ يَرْجِعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا لَمْ يَطْلُبْهُمَا -: هَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ - وَهَذَا ظَنٌّ، وَالظَّنُّ لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ بِهِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَوْ فَعَلَ فُلَانٌ كَذَا لَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرًا كَذَا -: لَيْسَ بِشَيْءِ، إذْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الْفُلَانُ، وَلَا غَيْرُهُ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَطُّ وَلَا فَعَلَهُ ﵇ قَطُّ، وَقَدْ قَالَ جَابِرٌ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَمْرِ مَاعِزٍ إنَّمَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ وَجِئْتُمُونِي بِهِ» ؟ لِيَسْتَثْبِتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ، فَأَمَّا لِتَرْكِ حَدٍّ فَلَا -: هَذَا نَصُّ
стр. 2717
كَلَامِ جَابِرٍ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ مَاعِزٌ قَطُّ عَنْ إقْرَارِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي، وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ قَاتِلِي - هَكَذَا رُوِّينَا كُلَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَهُ: كُلُّ مَا ذَكَرْنَا عَلَى نَصِّهِ - فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِحَدِيثِ مَاعِزٍ.
وَأَمَّا " ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ " فَمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَطُّ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا خَيْرٌ، وَلَا نَعْلَمُهُ أَيْضًا جَاءَ عَنْهُ ﵇ أَيْضًا، لَا مُسْنَدًا، وَلَا مُرْسَلًا وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُمَرَ، فَقَطْ - وَلَوْ صَحَّ لَكَانُوا أَوَّلَ مُخَالِفٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَشَدَّ إقَامَةً لِلْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ مِنْهُمْ.
فَالْمَالِكِيُّونَ يَحُدُّونَ فِي الزِّنَى بِالرَّجْمِ وَالْجَلْدِ بِالْحَبَلِ فَقَطْ - وَهِيَ مُنْكِرَةٌ - وَقَدْ تُسْتَكْرَهُ وَتُوطَأُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ لَمْ يَشْتَهِرْ، أَوْ وَهِيَ فِي غَيْرِ عَقْلِهَا، وَيَقْتُلُونَ بِدَعْوَى الْمَرِيضِ: أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ، وَفُلَانٌ مُنْكِرٌ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ.
وَيَحُدُّونَ فِي الْخَمْرِ بِالرَّائِحَةِ، وَقَدْ تَكُونُ رَائِحَةَ تُفَّاحٍ، أَوْ كُمَّثْرَى شَتْوِيٍّ.
وَيَقْطَعُونَ فِي السَّرِقَةِ مَنْ يَقُولُ: صَاحِبُ الْمَنْزِلِ بَعَثَنِي فِي هَذَا الشَّيْءِ - وَصَاحِبُ الْمَنْزِلِ مُقِرٌّ لَهُ بِذَلِكَ.
وَيَحُدُّونَ فِي الْقَذْفِ بِالتَّعْرِيضِ - وَهَذَا كُلُّهُ هُوَ إقَامَةُ - الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يَقْطَعُونَ مَنْ دَخَلَ مَعَ آخَرَ فِي مَنْزِلِ إنْسَانٍ لِلسَّرِقَةِ فَلَمْ يَتَوَلَّ أَخْذَ شَيْءٍ وَلَا إخْرَاجَهُ، وَإِنَّمَا سَرَقَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فَقَطْ، فَيَقْطَعُونَهُمَا جَمِيعًا - فِي كَثِيرٍ لَهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ.
فَمَنْ أَعْجَبُ شَأْنًا مِمَّنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ قَائِلٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ هُوَ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَسْوِيَتُنَا بَيْنَ الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى ذَاتِ الْأَبِ الْبِكْرِ، وَغَيْرِ الْبِكْرِ، وَالْيَتِيمَةِ، وَذَاتِ الزَّوْجِ فَلِأَنَّ الدِّينَ وَاحِدٌ عَلَى الْجَمِيعِ، وَالْحُكْمَ وَاحِدٌ عَلَى الْجَمِيعِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ: قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ - وَلَا قُرْآنَ، وَلَا سُنَّةَ، وَلَا قِيَاسَ، وَلَا إجْمَاعَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَبِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ
стр. 2718
الْأَرْضِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا خِطَابًا قَصَدَ بِهِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَاتِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]
فَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا مَأْمُورٌ بِالْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إقْرَارُ الْعَبْدِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فَإِنَّمَا هُوَ مُقِرٌّ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]
قَالَ عَلِيٌّ: هُوَ وَإِنْ كَانَ مَالًا فَهُوَ إنْسَانٌ تَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الدِّيَانَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ حُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَاسِبٌ عَلَى نَفْسِهِ بِإِقْرَارِهِ.
وَقَدْ وَافَقُونَا: لَوْ أَنَّ أَجِيرًا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِحَدٍّ لَلَزِمَهُ، وَفِي إقْرَارِهِ بِذَلِكَ إبْطَالُ إجَارَتِهِ إنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ قَتْلًا أَوْ قَطْعًا وَلَيْسَ بِذَلِكَ كَاسِبًا عَلَى غَيْرِهِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[إقْرَار الْأَجِير]
١٣٧٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَبِإِقْرَارِهِ مَرَّةً يَلْزَمُ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدٍّ، أَوْ قَتْلٍ، أَوْ مَالٍ - وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: لَا يَلْزَمُ الْحَدُّ فِي الزِّنَى إلَّا بِإِقْرَارِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَلْزَمُ فِي السَّرِقَةِ إلَّا بِإِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ، وَأَقَامُوا ذَلِكَ مَقَامَ الشَّهَادَةِ - وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيُّونَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «رَدَّ مَاعِزًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» .
قَالَ عَلِيٌّ: قَدْ صَحَّ هَذَا وَجَاءَ أَنَّهُ رَدَّهُ أَقَلَّ، وَرُوِيَ أَكْثَرَ - إنَّمَا رَدَّهُ ﵇ لِأَنَّهُ اتَّهَمَ عَقْلَهُ، وَاتَّهَمَهُ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا الزِّنَى؟ هَكَذَا فِي نَصِّ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَنْكِهُوهُ هَلْ شَرِبَ خَمْرًا؟ أَوْ كَمَا قَالَ ﵇؟ «وَأَنَّهُ ﵇ بَعَثَ إلَى قَوْمِهِ يَسْأَلُهُمْ عَنْ عَقْلِهِ» ؟ وَأَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: «أَتَدْرِي مَا الزِّنَى؟ لَعَلَّكَ غَمَزْتَ أَوْ قَبَّلْتَ» ؟ فَإِذْ قَدْ صَحَّ هَذَا كُلُّهُ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: لَا يُحَدُّ حَتَّى يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ هَذَا الشَّرْطُ فِيمَا تُقَامُ بِهِ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَيَلْزَمُهُمْ إذْ أَقَامُوا الْإِقْرَارَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يُقِيمُوهُ مَقَامَهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، فَلَا يَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ أَقَرَّ بِمَالٍ حَتَّى يُقِرَّ
стр. 2719
مَرَّتَيْنِ - وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ هَذَا، وَقَدْ «قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودِيَّ الَّذِي قَتَلَ الْجَارِيَةَ» بِإِقْرَارٍ غَيْرِ مُرَدَّدٍ، وَالْقَتْلُ أَعْظَمُ الْحُدُودِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ إقْرَارُ الْمَرِيضِ]
١٣٨٠ - مَسْأَلَةٌ: وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَفِي مَرَضٍ أَفَاقَ مِنْهُ لِوَارِثٍ وَلِغَيْرِ وَارِثٍ - نَافِذٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَإِقْرَارِ الصَّحِيحِ وَلَا فَرْقَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ - فَعَمَّ ابْنُ عُمَرَ وَلَمْ يَخُصَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: إذَا أَقَرَّ لِوَارِثٍ بِدَيْنٍ جَازَ - يَعْنِي فِي الْمَرَضِ -.
وَبِهِ إلَى ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أُحَمِّلُهَا إيَّاهُ وَلَا أَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ بِدَيْنٍ، قَالَ: جَائِزٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ الْمَوْصِلِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ - هُوَ ابْنُ بُرْقَانَ - عَنْ مَيْمُونٍ هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ - إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ، فَأَرَى أَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهِ - وَهُوَ صَحِيحٌ - جَازَ وَأَصْدَقُ مَا يَكُونُ عِنْدَ مَوْتِهِ - وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ أَصْلًا، كَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنْ الثُّلُثِ. وَقَسَّمَتْ طَائِفَةٌ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ اعْتِرَافَ الْمَرِيضِ عِنْدَ مَوْتِهِ بِالدَّيْنِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ، وَلَا يُجِيزُهُ لِلْوَارِثِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ، وَابْنِ أُذَيْنَةَ - صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ الْحَكَمِ، وَالشَّعْبِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - إلَّا أَنَّ دَيْنَ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْمَرَضِ.
стр. 2720
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الصَّحِيحِ لِلْوَارِثِ وَلِغَيْرِ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ - كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ -.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِوَارِثٍ فَأَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ فَهُوَ لَازِمٌ لَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
وَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ فَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ - وَرَوَى أَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ لَا يُؤَثَّرُ بِهِ لِتَفَاهَتِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا: أَنَّهُ إنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ بِإِرْبِهِ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ لَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ عَاقٍّ جَازَ إقْرَارُهُ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَقَالَ فِي إقْرَارِهِ لِزَوْجَتِهِ بِدَيْنٍ أَوْ مَهْرٍ: فَإِنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهَا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ انْقِطَاعٌ إلَى الزَّوْجَةِ، وَلَا مَيْلٌ إلَيْهَا فَإِقْرَارُهُ لَهَا جَائِزٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَيْلٌ إلَيْهَا - وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا تَفَاقُمٌ - لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ لَهَا.
قَالَ: وَلَيْسَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ كَالزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَّهِمُ فِي الزَّوْجَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَيْهَا مَيْلٌ أَنْ يَصْرِفَ مَالَهُ عَنْ وَلَدِهِ إلَيْهَا، قَالَ: فَإِنْ وَرِثَهُ بَنُونَ أَوْ إخْوَةٌ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ فِي مَرَضِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا ابْنَةً، وَعَصَبَةً، فَأَقَرَّ لِبَعْضِ الْعَصَبَةِ جَازَ ذَلِكَ.
وَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ إذَا وَرِثَهُ أَبَوَاهُ أَوْ عَصَبَتُهُ، فَإِنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ: جَازَ إقْرَارُهُ لَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ أَقْوَالٌ مَبْنِيَّةٌ - بِلَا خِلَافٍ - عَلَى الظُّنُونِ الزَّائِغَةِ وَعَلَى التُّهْمَةِ الْفَاسِدَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] .
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَلَا يَخْلُو إقْرَارُ الْمَرِيضِ عِنْدَهُمْ إذَا اتَّهَمُوهُ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ هِبَةً أَوْ يَكُونَ وَصِيَّةً -:
стр. 2721
فَإِنْ كَانَ هِبَةً، فَالْهِبَةُ عِنْدَهُمْ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ جَائِزَةٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَمَا جَاءَ قَطُّ فَرْقٌ بَيْنَ هِبَةِ مَرِيضٍ وَلَا هِبَةِ صَحِيحٍ.
وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةً: فَوَصِيَّةُ الصَّحِيحِ، وَالْمَرِيضِ، سَوَاءٌ لَا تَجُوزُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ - فَظَهَرَ أَنَّ تَفْرِيقَهُمْ فَاسِدٌ.
فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ عِتْقِ السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ، وَإِقْرَاعُ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْإِقْرَارِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا - وَالْإِقْرَارُ إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ بِحَقٍّ ذَكَرَهُ - وَلَيْسَ عَطِيَّةً أَصْلًا، وَلَا وَصِيَّةً - وَحَدِيثُ السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " الْعِتْقِ " بِإِسْنَادِهِ مُبَيَّنًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ هَذَا الشَّيْءُ كَانَ لِفُلَانٍ وَوَهَبَهُ لِي]
١٣٨١ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ قَالَ: هَذَا الشَّيْءُ - لِشَيْءٍ فِي يَدِهِ - كَانَ لِفُلَانٍ، وَوَهَبَهُ لِي، أَوْ قَالَ: بَاعَهُ مِنِّي -: صَدَقَ، وَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَلِأَنَّ الْأَمْوَالَ، وَالْأَمْلَاكَ بِلَا شَكٍّ مُنْتَقِلَةٌ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ: هَذَا أَمْرٌ نَعْلَمُهُ يَقِينًا.
فَلَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَعْضِ إقْرَارِهِ هُنَا دُونَ سَائِرِهِ لَوَجَبَ إخْرَاجُ جَمِيعِ أَمْلَاك النَّاسِ عَنْ أَيْدِيهِمْ، أَوْ أَكْثَرِهَا؛ لِأَنَّك لَا تَشُكُّ فِي الدُّورِ، وَالْأَرَضِينَ، وَالثِّيَابِ الْمَجْلُوبَةِ وَالْعَبِيدِ، وَالدَّوَابِّ: أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلُ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ بِلَا شَكٍّ، وَإِنْ أَمْكَنَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ أَنْ يُنْتِجَهُ فَإِنَّ الْأُمَّ وَأُمَّ الْأُمِّ - بِلَا شَكٍّ - كَانَتْ لِغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ الزَّرِيعَةُ مِمَّا بِيَدِهِ مِمَّا يَنْبُتُ - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ جُمْلَةً.
فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، أَوْ مِمَّا لَمْ يُقِرَّ بِهِ: أَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِهِ قَضَى بِهِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى انْتِقَالِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لِإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ أَلْبَتَّةَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ - وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَضَى بِالْبَيِّنَةِ لِلْمُدَّعِي»
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِفُلَانٍ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ دَيْنٌ وَلِي عِنْدَهُ مِائَةُ قَفِيزِ قَمْحٍ]
١٣٨٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ قَالَ: لِفُلَانٍ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ دَيْنٌ وَلِي عِنْدَهُ مِائَةُ قَفِيزِ قَمْحٍ، أَوْ قَالَ: إلَّا مِائَةَ قَفِيزِ تَمْرٍ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ إلَّا جَارِيَةً - وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَا لَهُ - قُوِّمَ الْقَمْحُ الَّذِي ادَّعَاهُ، فَإِنْ سَاوَى الْمِائَةَ الدِّينَارَ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا، أَوْ سَاوَى أَكْثَرَ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَإِنْ سَاوَى أَقَلَّ: قُضِيَ بِالْفَضْلِ فَقَطْ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ قَطُّ إقْرَارًا تَامًّا، بَلْ وَصَلَهُ بِمَا أَبْطَلَ بِهِ أَوَّلَ كَلَامِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ قَطُّ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا.
стр. 2722
وَلَوْ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ بِبَعْضِ كَلَامِهِ دُونَ بَعْضٍ لَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّ نِصْفَ كَلَامِهِ إذَا انْفَرَدَ -: كُفْرٌ صَحِيحٌ - وَهُوَ قَوْلُهُ " لَا إلَهَ " فَيُقَالُ لَهُ: كَفَرْت، ثُمَّ نَدِمْت - وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ جِدًّا
وَلَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يَبْطُلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ بِمِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِمَا أَثْبَتَهُ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مَا اسْتَثْنَى.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ نَوْعِ مَا قَبْلَهُ لَا مِنْ نَوْعِ غَيْرِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] ﴿إِلا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١١] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] فَاسْتَثْنَى إبْلِيسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، بَلْ مِنْ الْجِنِّ الَّذِينَ يَنْسِلُونَ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَنْسِلُ، وَاسْتَثْنَى تَعَالَى: ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١١] مِنْ الْمُرْسَلِينَ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ صِفَتِهِمْ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
وَلَيْسَ " الْيَعَافِيرُ " وَ " الْعِيسُ " مِنْ " الْأَنِيسِ " وَقَدْ اسْتَثْنَاهُمْ الشَّاعِرُ الْعَرَبِيُّ الْفَصِيحُ.
стр. 2723
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ وَالضَّالَّةِ وَالْآبِقِ] [ مَسْأَلَةٌ وَجَدَ مَالًا فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ]
ِ ١٣٨٣ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ وَجَدَ مَالًا فِي قَرْيَةٍ - أَوْ مَدِينَةٍ، أَوْ صَحْرَاءَ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ، أَوْ أَرْضِ الْعَرَبِ الْعَنْوَةِ أَوْ الصُّلْحِ مَدْفُونًا أَوْ غَيْرَ مَدْفُونٍ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ عَلَامَةً أَنَّهُ مِنْ ضَرْبِ مُدَّةِ الْإِسْلَامِ - أَوْ وَجَدَ مَالًا - قَدْ سَقَطَ - أَيَّ مَالٍ كَانَ -: فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَفُرِضَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، وَأَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ عَدْلًا وَاحِدًا فَأَكْثَرَ، ثُمَّ يُعَرِّفُهُ وَلَا يَأْتِي بِعَلَامَتِهِ، لَكِنَّ تَعْرِيفَهُ هُوَ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَجَامِعِ الَّذِي يَرْجُو وُجُودَ صَاحِبِهِ فِيهَا أَوْ لَا يَرْجُو: مَنْ ضَاعَ لَهُ مَالٌ فَلْيُخْبِرْ بِعَلَامَتِهِ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ سَنَةً قَمَرِيَّةً، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، أَوْ مَنْ يَصِفُ عِفَاصَهُ وَيُصَدَّقُ فِي صِفَتِهِ، وَيَصِفُ وِعَاءَهُ وَيُصَدَّقُ فِيهِ، وَيَصِفُ رِبَاطَهُ وَيُصَدَّقُ فِيهِ، وَيَعْرِفُ عَدَدَهُ وَيُصَدَّقُ فِيهِ، أَوْ يَعْرِفُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ هَذَا.
أَمَّا الْعَدَدُ، وَالْوِعَاءُ، إنْ كَانَ لَا عِفَاصَ لَهُ وَلَا وِكَاءَ، أَوْ الْعَدَدُ إنْ كَانَ مَنْثُورًا فِي غَيْرِ وِعَاءٍ -: دَفَعَهَا إلَيْهِ - كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَيُجْبَرُ الْوَاجِدُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلَوْ جَاءَ مَنْ يُثْبِتُهُ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَصْدُقُ فِي صِفَتِهِ بِمَا ذَكَرْنَا وَلَا بَيِّنَةَ فَهُوَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ مَالٌ مِنْ مَالِ الْوَاجِدِ - غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا يَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ، وَيُورَثُ عَنْهُ، إلَّا أَنَّهُ مَتَى قَدِمَ مَنْ يُقِيمُ فِيهِ بَيِّنَةً أَوْ يَصِفُ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا فَيَصْدُقُ ضَمِنَهُ لَهُ - إنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ ضَمِنَهُ لَهُ الْوَرَثَةُ - إنْ كَانَ الْوَاجِدُ لَهُ مَيِّتًا.
فَإِنْ كَانَ مَا وَجَدَ شَيْئًا وَاحِدًا كَدِينَارٍ وَاحِدٍ، أَوْ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ، أَوْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ كَذَلِكَ لَا رِبَاطَ لَهُ، وَلَا وِعَاءَ، وَلَا عِفَاصَ -: فَهُوَ لِلَّذِي يَجِدُهُ مِنْ حِينِ يَجِدُهُ وَيُعَرِّفُهُ أَبَدًا طُولَ حَيَاتِهِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً قَطُّ: ضَمِنَهُ لَهُ
стр. 2724
فَقَطْ - هُوَ أَوْ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ - وَإِلَّا فَهُوَ لَهُ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ وَلَا يُرَدُّ مَا أَنَفَذُوا فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ فِي رُفْقَةِ قَوْمٍ نَاهِضِينَ إلَى الْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ: عَرَّفَ أَبَدًا، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ تَمَلُّكُهُ، بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا - فَإِنْ يَئِسَ بِيَقِينٍ عَنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهِ فَهُوَ فِي جَمِيعِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ عَنْ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى - هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إلَّا مُنْشِدٌ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَكَّةُ هِيَ الْحَرَمُ كُلُّهُ فَقَطْ، وَهِيَ ذَاتُ الْحُرْمَةِ الْمَذْكُورَةِ، لَا مَا عَدَا الْحَرَمَ بِلَا خِلَافٍ -.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني أَبُو الطَّاهِرِ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْمَحَجَّةُ مَحَجَّةً، فَالْقَاصِدُ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ هُوَ فَاعِلٌ لِلْقَصْدِ الَّذِي هُوَ الْحَجُّ إلَى أَنْ يُتِمَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَإِذَا تَمَّتْ فَلَيْسَ حَاجًّا، لَكِنَّهُ كَانَ حَاجًّا، وَقَدْ حَجَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 2725
وَرُوِّينَا هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ عَنْ أَبِي نَوْفَلٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي عَقْرَبٍ - عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَصَابَ بَدْرَةً بِالْمَوْسِمِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ فَأَتَى بِهَا عُمَرُ عِنْدَ النَّفَرِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ عَرَّفْتُهَا فَأَغْنِهَا عَنِّي قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَمْسِكْهَا حَتَّى تُوَافِيَ بِهَا الْمَوْسِمَ قَابِلًا فَفَعَلَ، فَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ، فَأَتَى بِهَا عُمَرُ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَدْ وَافَاهُ بِهَا كَمَا أَمَرَهُ، وَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا أَحَدٌ، وَقَالَ لَهُ: أَغْنِهَا عَنِّي؟ قَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، وَلَكِنْ إنْ شِئْت أَخْبَرْتُك بِالْمَخْرَجِ مِنْهَا، أَوْ سَبِيلِهَا: إنْ شِئْت تَصَدَّقْت بِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا خَيَّرْتَهُ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمَالَ رَدَدْت عَلَيْهِ الْمَالَ، وَكَانَ الْأَجْرُ لَك، وَإِنْ اخْتَارَ الْأَجْرَ كَانَ لَك نِيَّتُك فَهَذَا فِعْلُ عُمَرُ فِي لُقَطَةِ الْمَوْسِمِ.
وَفَعَلَ فِي لُقَطَةِ غَيْرِ الْمَوْسِمِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ - قَالَ إسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ لَهُ صُحْبَةً - أَقْبَلَ مِنْ الشَّامِ فَوَجَدَ صُرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ مِائَةٌ فَأَخَذَهَا، فَجَاءَ بِهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اُنْشُدْهَا الْآنَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ، وَإِلَّا فَهِيَ لَك، قَالَ: فَعَلْت فَلَمْ تُعْرَفْ، فَقَسَّمْتهَا بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ لِي.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كُنْت أَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَوَطِئْت عَلَى ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، فَلَمْ آخُذْهُ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؟ فَقَالَ: بِئْسَ مَا صَنَعْت، كَانَ يَنْبَغِي لَك أَنْ تَأْخُذَهُ تُعَرِّفَهُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ رَدَدْتَهُ إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى ذِي فَاقَةٍ مِمَّنْ لَا تَعُولُ.
وَقَالَ فِي لُقَطَةِ غَيْرِ الْحَرَمِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْأَخْنَسِ الْخُزَاعِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: وَجَدْت لُقَطَةً أَفَأَتَصَدَّقُ بِهَا؟ قَالَ: لَا تُؤْجَرُ أَنْتَ وَلَا صَاحِبُهَا، قُلْت: أَفَأَدْفَعُهَا إلَى الْأُمَرَاءِ؟ قَالَ: إذًا يَأْكُلُونَهَا أَكْلًا سَرِيعًا قُلْت: وَكَيْفَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ وَإِلَّا فَهِيَ لَك كَمَالِك فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: بِإِيجَابِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ وَلَا بُدَّ، وَيَرَاهَا بَعْدَ الْحَوْلِ قَدْ صَارَتْ مِنْ مَالِ الْمُلْتَقِطِ، إلَّا لُقَطَةَ مَكَّةَ.
стр. 2726
وَقَوْلُنَا فِي لُقَطَةِ مَكَّةَ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، نَا بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنُ رِفَاعَةَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ بِذَلِكَ - وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ قَوْلِهِ.
وَأَمَّا مَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَرَمِ، وَالْحَاجِّ، فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُسَدَّدٌ نا خَالِدٌ - هُوَ الْحَذَّاءُ - عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ - هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ - عَنْ مُطَرِّفٍ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ، أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلَا يَكْتُمُ، وَلَا يَغِيبُ، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ شَاءَ» .
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ: «فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَزَادَ مُسَدَّدٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَيْسَ شَكًّا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ شَيْءٌ مِمَّا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّهُ شَكٌّ إلَّا بِيَقِينِ أَنَّهُ شَكٌّ، وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ الْإِسْنَادُ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَعِدَّتَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ نا ابْنُ وَهْبٍ
стр. 2727
نا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ - هُوَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تُعْتَرَفْ فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ كَمِّلْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ لَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اعْرِفْ عَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَوِعَاءَهَا، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَ عَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ»
وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا وِكَاءَ لَهُ، وَلَا عِفَاصَ، وَلَا وِعَاءَ فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا أَمَرَ بِتَعْرِيفِ السَّنَةِ فِيمَا لَهُ عَدَدٌ، وَعِفَاصٌ، وَوِكَاءٌ، أَوْ بَعْضُ هَذِهِ - فَأَمَّا مَا لَا عِفَاصَ لَهُ، وَلَا وِعَاءَ، وَلَا وِكَاءَ، وَلَا عَدَدَ: فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ، وَحُكْمُهُ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ: فَحُكْمُهُ أَنْ يُنْشَدَ ذَلِكَ أَبَدًا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ» وَلِقَوْلِهِ ﵇ «هُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» فَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ وَاجِدَهُ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الْعَزِيزِ - هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ - الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: كَانَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَثَالِثٌ مَعَهُمَا فِي سَفَرٍ فَوَجَدَ أَحَدُهُمْ - هُوَ سُوَيْدٌ بِلَا شَكٍّ - سَوْطًا فَأَخَذَهُ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ: أَلْقِهِ فَقَالَ: أَسْتَمْتِعُ بِهِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ أَدَّيْته إلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ - فَلَقِيَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَصَبْت وَأَخْطَآ - فَفِي هَذَا أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَأَى وُجُوبَ أَخْذِ اللُّقَطَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِيمَا ذَكَرْنَا اخْتِلَافٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا تُؤْخَذُ اللُّقَطَةُ أَصْلًا، وَقَالَ آخَرُونَ: مُبَاحٌ أَخْذُهَا وَتَرْكُهَا مُبَاحٌ، فَأَمَّا مَنْ نَهَى عَنْ أَخْذِهَا فَلِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا.
وَكَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ سَعْدٍ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَرَأَيْت دِينَارًا فَذَهَبْت لِآخُذَهُ فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ يَدِي وَقَالَ: مَا لَك وَلَهُ اُتْرُكْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَابُوسِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَرْفَعْ اللُّقَطَةَ لَسْت مِنْهَا فِي شَيْءٍ، تَرْكُهَا خَيْرٌ مِنْ أَخْذِهَا.
стр. 2728
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ الْفَاكِهَةِ تُوجَدُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا. وَعَنْ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَخْذَ اللُّقَطَةِ. وَعَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ مَرَّ بِدِرْهَمٍ فَتَرَكَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ، وَالْأَفْضَلُ أَخْذُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً: أَخْذُهَا أَفْضَلُ - وَمَرَّةً قَالَ: الْوَرَعُ تَرْكُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ أَبَاحَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا، فَإِنْ حَمَلُوا أَمْرَهُ ﵇ بِأَخْذِهَا عَلَى النَّدْبِ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَاحْمِلُوا أَمْرَهُ بِتَعْرِيفِهَا عَلَى النَّدْبِ وَلَا فَرْقَ.
فَإِنْ قَالُوا: أَمْوَالُ النَّاسِ مُحَرَّمَةٌ؟ قُلْنَا: وَإِضَاعَتُهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَا فَرْقَ. وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا؟ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَقُلْنَا لَهُمْ: نَعَمْ، وَمَا أَمَرْنَاهُ بِاسْتِحْلَالِهَا أَصْلًا، لَكِنْ أَمَرْنَاهُ بِالْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهَا وَتَرْكِ إضَاعَتِهَا الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلْنَاهَا لَهُ حَيْثُ جَعَلَهَا لَهُ الَّذِي حَرَّمَ أَمْوَالَنَا عَلَيْنَا إلَّا بِمَا أَبَاحَهَا لَنَا، لَا يَجُوزُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ أَوَامِرِهِ ﷺ فَهُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَقَدْ كَفَرَ مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا قَضَى.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» وَبِحَدِيثِ أَبِي مُسْلِمٍ الْجَرْمِيِّ - أَوْ الْحَرَمِيِّ - عَنْ الْجَارُودِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ» .
стр. 2729
وَهَذَانِ خَبَرَانِ لَا يَصِحَّانِ؛ لِأَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ جَرِيرٍ، وَأَبَا مُسْلِمٍ الْجَرْمِيَّ أَوْ الْحَرَمِيَّ - غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ، لَكِنْ «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ» قَدْ صَحَّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَهَذَا لَفْظٌ مُجْمَلٌ فَسَّرَهُ سَائِرُ الْآثَارِ - وَهُوَ خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ضَوَالِّ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ ﵇: «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ» وَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ، فَأَمَرُوا بِأَخْذِ ضَوَالِّ الْإِبِلِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِمَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ إيوَاءَ الضَّالَّةِ بِخِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حَرْقُ النَّارِ، وَضَلَالٌ بِلَا شَكٍّ، وَمَا أَمَرْنَاهُ قَطُّ بِإِيوَائِهَا مُطْلَقًا، لَكِنْ بِتَعْرِيفِهَا وَضَمَانِهَا فِي الْأَبَدِ، وَقَدْ جَاءَ بِهَذَا حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِهِمْ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيَشَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [أَنَّهُ قَالَ] : «مَنْ أَخَذَ لُقَطَةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا» .
[مُدَّةُ تَعْرِيفِ اللُّقَطَة]
وَمِنْهَا مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ ﵁ التَّعْرِيفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ سَنَةً - وَبِهِ يَقُولُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
وَيُحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ نا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ نا اللَّيْثُ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - حَدَّثَنِي مَنْ أَرْضَى عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الضَّالَّةِ -: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» . وَهَذَا حَدِيثٌ هَالِكٌ؛ لِأَنَّ اللَّيْثَ لَمْ يُسَمِّ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ وَقَدْ يَرْضَى الْفَاضِلُ مَنْ لَا
стр. 2730
يَرْضَى، هَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: لَمْ أَرَ أَصْدَقَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ - وَجَابِرٌ مَشْهُورٌ بِالْكَذِبِ.
ثُمَّ هُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ يَزِيدَ لَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ.
وَوَجْهٌ آخَرُ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ - هُوَ الْأَنْصَارِيُّ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ قَالَ: وَجَدَ أَبِي فِي مَبْرَكِ بَعِيرٍ مِائَةَ دِينَارٍ فَسَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: عَرِّفْهَا عَامًا، فَعَرَّفَهَا عَامًا فَلَمْ يَجِدْ لَهَا عَارِفًا؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: عَرِّفْهَا ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ، فَلَمْ يَجِدْ لَهَا عَارِفًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هِيَ لَك.
وَيُحْتَجُّ لِهَذَا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ لِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ: «الْتَقَطْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَّفْتُهَا حَوْلًا فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً أُخْرَى فَعَرَّفْتُهَا سَنَةً أُخْرَى ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَّفْتُهَا سَنَةً فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً أُخْرَى فَعَرَّفْتُهَا سَنَةً أُخْرَى ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ ﵇ بِذَلِكَ، فَقَالَ: انْتَفِعْ بِهَا وَاعْرِفْ وِكَاءَهَا وَخِرْقَتَهَا وَاحْصِ عَدَدَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا» قَالَ جَرِيرٌ: لَمْ أَحْفَظْ مَا بَعْدَ هَذَا.
وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الرَّقِّيَّيْنِ كِلَاهُمَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا حَدِيثٌ ظَاهِرُهُ صِحَّةُ السَّنَدِ، إلَّا أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ أَخْطَأَ فِيهِ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ فِيهِ: فَلَمْ أَجِدْ لَهَا عَارِفًا عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ فِيهِ: «عَرِّفْهَا
стр. 2731
عَامًا» قَالَ: فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ تُعْتَرَفْ، فَرَجَعْت فَقَالَ: «عَرِّفْهَا عَامًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» فَهَذَا شَكٌّ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ.
ثُمَّ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ نا غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْت سُوَيْدٌ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَذَكَرَ.
الْحَدِيثَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا» ، وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ: قَالَ شُعْبَةُ: فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلٌ وَاحِدٌ
فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ بِالشَّكِّ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تُؤْخَذُ بِالشَّكِّ.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ نا بَهْزُ - هُوَ ابْنُ أَسَدٍ - نا شُعْبَةُ نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْت سُوَيْدٌ بْنَ غَفَلَةَ فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ - قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرِّفْهَا عَامًا وَاحِدًا.
فَصَحَّ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ تَثَبَّتَ وَاسْتَذْكَرَ، فَثَبَتَ عَلَى عَامٍ وَاحِدٍ، بَعْدَ أَنْ شَكَّ، فَصَحَّ أَنَّهُ وَهْمٌ ثُمَّ اسْتَذْكَرَ، فَشَكَّ ثُمَّ اسْتَذْكَرَ فَتَيَقَّنَ، وَثَبَتَ وُجُوبُ تَعْرِيفِ الْعَامِ وَبَطَلَ تَعْرِيفُ مَا زَادَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَهُنَا أَثَرَانِ آخَرَانِ - أَحَدُهُمَا: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ - عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ عَلِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِدِينَارٍ وَجَدَهُ فِي السُّوقِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَرِّفْهُ ثَلَاثًا فَفَعَلَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَعْتَرِفُهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : كُلْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ - وَفِي آخِرِهِ فَجَعَلَ أَجَلَ الدِّينَارِ وَشَبَهَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَدْرِي مِنْ كَلَامِ مَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَهَذَا خَبَرُ سُوءٍ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَالْكَذِبِ، عَنْ شَرِيكٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ يُدَلِّسُ الْمُنْكَرَاتِ عَنْ الضُّعَفَاءِ إلَى الثِّقَاتِ.
стр. 2732
وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى عَنْ جَدَّتِهِ حَكِيمَةَ عَنْ أَبِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً يَسِيرَةً دِرْهَمًا أَوْ حَبْلًا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلْيُعَرِّفْهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ» وَهَذَا لَا شَيْءَ: إسْرَائِيلُ ضَعِيفٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، وَحَكِيمَةُ عَنْ أَبِيهَا أَنْكَرُ وَأَنْكَرُ، ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ تَعْرِيفَ اللُّقَطَةِ سَنَةً - وَهُوَ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا: تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي شَيْخٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ الْعَبْدِيِّ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَنْ يُعَرِّفَ قِلَادَةً الْتَقَطَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَإِلَّا وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ - فَهَذِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَنْ الْتَقَطَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ: أَنَّ مَا بَلَغَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ سَنَةً. وَاخْتَلَفَا فِيمَا كَانَ أَقَلَّ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يُعَرَّفُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعَرَّفُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْمُلْتَقِطُ - وَهَذِهِ آرَاءٌ فَاسِدَةٌ كَمَا تَرَى، وَمِنْهَا: دَفْعُ اللُّقَطَةِ إلَى مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ، وَالْوِكَاءَ، وَالْعَدَدَ، وَالْوِعَاءَ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَمَا قُلْنَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَدْفَعُهَا إلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُ صَاحِبَهَا يَصِفُهَا فَيَعْرِفُ صِفَتَهَا فَيَأْتِي بِهَا -. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَنَهَى عَنْ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ. وَقَالَ ﵇: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ» .
стр. 2733
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ حَقٌّ، وَاَلَّذِي قَالَهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِأَنْ تُعْطَى اللُّقَطَةُ مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ، وَالْوِكَاءَ، وَالْعَدَدَ، وَالْوِعَاءَ، وَلَيْسَ كَلَامُهُ مُتَعَارِضًا، وَلَا حُكْمُهُ مُتَنَاقِضًا، وَلَا يَحِلُّ ضَرْبُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَا تَرْكُ بَعْضِهِ وَأَخْذُ بَعْضٍ، فَكُلُّهُ حَقٌّ، وَكُلُّهُ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ قُضِيَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقَدْ جَعَلُوا لِلْمُدَّعِي شَيْئًا غَيْرَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ؟ قُلْنَا: وَقَدْ صَحَّ دَفْعُ اللُّقَطَةِ بِأَنْ يَصِفَ الْمُدَّعِي وِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَعِفَاصَهَا وَوِعَاءَهَا، وَلَا فَرْقَ، وَلَيْسَ كُلُّ الْأَحْكَامِ تُوجَدُ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ تُضَمُّ السُّنَنُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَيُؤْخَذُ بِهَا كُلُّهَا، وَلَوْ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ اعْتَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ فِي قَبُولِهِمْ امْرَأَةً وَاحِدَةً فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَالْوِلَادَةِ، وَلَوْ عَارَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا فِي حُكْمِهِمْ لِلزَّوْجَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ أَنَّ مَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ لِلرِّجَالِ كَانَ لِلرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ لِلنِّسَاءِ كَانَ لِلْمَرْأَةِ بِيَمِينِهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ فِي الْأُخْتِ وَالْأَخِ يَخْتَلِفَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ، وَلَوْ عَارَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْ ادَّعَى لَقِيطًا هُوَ وَغَيْرُهُ فَأَتَى بِعَلَامَاتٍ فِي جَسَدِهِ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَلَا يَقْضُونَ بِذَلِكَ فِيمَنْ ادَّعَى مَعَ آخَرَ عَبْدًا فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِعَلَامَاتٍ فِي جَسَدِهِ؟ وَفِي قَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ مُسْتَأْجِرَ الدَّارِ تَدَاعَى مَعَ صَاحِبِ الدَّارِ فِي جُذُوعٍ مَوْضُوعَةٍ فِي الدَّارِ وَأَحَدِ مِصْرَاعَيْنِ فِي الدَّارِ: أَنَّ تِلْكَ الْجُذُوعَ إنْ كَانَتْ تُشْبِهُ الْجُذُوعَ الَّتِي فِي الْبِنَاءِ وَالْمِصْرَاعِ الْقَائِمِ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الدَّارِ بِلَا بَيِّنَةٍ - وَسَائِرُ تِلْكَ التَّخَالِيطِ الَّتِي لَا تُعْقَلُ، ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِمُعَارَضَةِ أَوَامِرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَضَى فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ فِي مَحَلَّةِ أَقْوَامٍ أَعْدَاءٌ لَهُ أَنَّ الْمُدَّعِينَ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ يُقْضَى لَهُمْ بِالدِّيَةِ فَأَعْطَاهُمْ بِدَعْوَاهُمْ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِهَذَا؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِدَفْعِ اللُّقَطَةِ إلَى مَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِعَاءَهَا - وَلَا فَرْقَ. وَقَالُوا: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ»
стр. 2734
قُلْنَا: نَعَمْ، وَصَاحِبُهَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ ﵇ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ إذَا وَصَفَ مَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: قَدْ يَسْمَعُهَا مُتَحَيِّلٌ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: وَقَدْ تَكْذِبُ الشُّهُودُ وَلَا فَرْقَ. وَقَالُوا: قَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ - فَإِنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ -: غَيْرَ مَحْفُوظَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ مُسْنَدًا: هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ - وَلَا يَعْجِزُ أَحَدٌ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا شَاءَ مِنْ السُّنَنِ الثَّوَابِتِ. وَقَدْ أَخَذَ الْحَنَفِيُّونَ بِزِيَادَةٍ جَاءَتْ فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي الزَّكَاةِ - وَهِيَ سَاقِطَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - وَلَوْ صَحَّ إسْنَادُهَا مَا قُلْنَا فِيهِ: غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَأَخَذُوا بِخَبَرِ الِاسْتِسْعَاءِ، وَقَدْ قَالَ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَبِي دَاوُد: وَلَيْسَ الِاسْتِسْعَاءُ مَحْفُوظًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. وَأَخَذُوا بِالْخَبَرِ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَهُوَ حُرٌّ» وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ.
وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِاللَّفْظَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ «مِمَّنْ تَعُولُونَ» وَهِيَ بِلَا شَكٍّ سَاقِطَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - وَلَوْ صَحَّتْ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ مَا اسْتَحْلَلْنَا أَنْ نَقُولَ فِيهَا: غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ.
ثُمَّ نَقُولُ: أَخْطَأَ أَبُو دَاوُد فِي قَوْلِهِ: هِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - بَلْ هِيَ مَحْفُوظَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ يَرْوِهَا إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحْدَهُ لَكَفَى، لِثِقَتِهِ وَإِمَامَتِهِ - وَكَيْفَ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَسُفْيَانُ أَيْضًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ، بَلْ هِيَ مَشْهُورَةٌ مَحْفُوظَةٌ.
وَمِنْهَا تَمَلُّكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ -: رُوِّينَا قَوْلَنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفْرِ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَمْرٍو، وَعَاصِمٍ: ابْنَيْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِمَا: أَنَّهُ
стр. 2735
الْتَقَطَ عَيْبَةً فَأَتَى بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا حَوْلًا، فَفَعَلَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ فَقَالَ: هِيَ لَك، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، قُلْت: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُلْقِيَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ طُرُقٍ جَمَّةٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى تَمْرَةً مَطْرُوحَةً فِي السِّكَّةِ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ الْتَقَطَ حَبَّ رُمَّانٍ فَأَكَلَهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً مِنْ سَقْطِ الْمَتَاعِ: سَوْطًا، أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ عَصَا، أَوْ يَسِيرًا مِنْ الْمَتَاعِ، فَلْيَسْتَمْتِعْ بِهِ وَلْيُنْشِدْهُ، فَإِنْ كَانَ وَدَكًا فَلْيَأْتَدِمْ بِهِ وَلْيُنْشِدْهُ، وَإِنْ كَانَ زَادًا فَلْيَأْكُلْهُ وَلْيُنْشِدْهُ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَلِيَغْرَمْ لَهُ.
وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَإِنْ عُرِّفَتْ خُيِّرَ صَاحِبُهَا بَيْنَ الْأَجْرِ وَالضَّمَانِ. رُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا: عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَهَا - وَعَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا، وَعِكْرِمَةَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَسُفْيَانَ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ نا أَبِي نا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ نا سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ اللُّقَطَةُ، فَمَنْ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَلْيَرُدَّهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ فَلْيُخَيِّرْهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَبَيْنَ الَّذِي لَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ بْنَ خَالِدٍ، وَأَبَاهُ، مَجْهُولَانِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ قَوْلَ لَا تَحِلُّ اللُّقَطَةُ حَقٌّ، وَلَا تَحِلُّ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، وَأَمْرُهُ بِالصَّدَقَةِ بِهَا مَضْمُومٌ إلَى أَمْرِهِ ﵇ بِاسْتِنْفَاقِهَا وَبِكَوْنِهَا مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ، إذْ لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ بَعْضُ أَمْرِهِ ﵇ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَحِلُّ مُخَالَفَةُ شَيْءٍ مِنْ أَوَامِرِهِ ﵇ لِآخَرَ مِنْهَا، بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ اسْتِعْمَالُهُ، وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ وَاجِدَهَا مِنْ الصَّدَقَةِ بِهَا إنْ أَرَادَ فَيُحْتَجُّ عَلَيْنَا بِهَذَا؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ لَوْ صَحَّ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ؟
следующие страницы →