← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

عَامًا» قَالَ: فَعَرَّفْتُهَا، فَلَمْ تُعْتَرَفْ، فَرَجَعْت فَقَالَ: «عَرِّفْهَا عَامًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» فَهَذَا شَكٌّ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ. ثُمَّ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ نا غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْت سُوَيْدٌ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَذَكَرَ. الْحَدِيثَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا» ، وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ: قَالَ شُعْبَةُ: فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلٌ وَاحِدٌ فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ بِالشَّكِّ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تُؤْخَذُ بِالشَّكِّ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ نا بَهْزُ - هُوَ ابْنُ أَسَدٍ - نا شُعْبَةُ نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْت سُوَيْدٌ بْنَ غَفَلَةَ فَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ - قَالَ شُعْبَةُ: فَسَمِعْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ يَقُولُ: عَرِّفْهَا عَامًا وَاحِدًا. فَصَحَّ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ تَثَبَّتَ وَاسْتَذْكَرَ، فَثَبَتَ عَلَى عَامٍ وَاحِدٍ، بَعْدَ أَنْ شَكَّ، فَصَحَّ أَنَّهُ وَهْمٌ ثُمَّ اسْتَذْكَرَ، فَشَكَّ ثُمَّ اسْتَذْكَرَ فَتَيَقَّنَ، وَثَبَتَ وُجُوبُ تَعْرِيفِ الْعَامِ وَبَطَلَ تَعْرِيفُ مَا زَادَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَهُنَا أَثَرَانِ آخَرَانِ - أَحَدُهُمَا: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ - عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ عَلِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِدِينَارٍ وَجَدَهُ فِي السُّوقِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَرِّفْهُ ثَلَاثًا فَفَعَلَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَعْتَرِفُهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : كُلْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ - وَفِي آخِرِهِ فَجَعَلَ أَجَلَ الدِّينَارِ وَشَبَهَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا نَدْرِي مِنْ كَلَامِ مَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَهَذَا خَبَرُ سُوءٍ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَالْكَذِبِ، عَنْ شَرِيكٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ يُدَلِّسُ الْمُنْكَرَاتِ عَنْ الضُّعَفَاءِ إلَى الثِّقَاتِ.

стр. 2732

وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى عَنْ جَدَّتِهِ حَكِيمَةَ عَنْ أَبِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً يَسِيرَةً دِرْهَمًا أَوْ حَبْلًا أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلْيُعَرِّفْهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ» وَهَذَا لَا شَيْءَ: إسْرَائِيلُ ضَعِيفٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، وَحَكِيمَةُ عَنْ أَبِيهَا أَنْكَرُ وَأَنْكَرُ، ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ تَعْرِيفَ اللُّقَطَةِ سَنَةً - وَهُوَ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَيْضًا: تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي شَيْخٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ الْعَبْدِيِّ أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَنْ يُعَرِّفَ قِلَادَةً الْتَقَطَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَإِلَّا وَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ - فَهَذِهِ عَنْ عُمَرَ ﵁ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مَنْ الْتَقَطَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْهُ: أَنَّ مَا بَلَغَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ سَنَةً. وَاخْتَلَفَا فِيمَا كَانَ أَقَلَّ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يُعَرَّفُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعَرَّفُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْمُلْتَقِطُ - وَهَذِهِ آرَاءٌ فَاسِدَةٌ كَمَا تَرَى، وَمِنْهَا: دَفْعُ اللُّقَطَةِ إلَى مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ، وَالْوِكَاءَ، وَالْعَدَدَ، وَالْوِعَاءَ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَمَا قُلْنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَدْفَعُهَا إلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُ صَاحِبَهَا يَصِفُهَا فَيَعْرِفُ صِفَتَهَا فَيَأْتِي بِهَا -. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَنَهَى عَنْ أَنْ يُعْطَى أَحَدٌ بِدَعْوَاهُ. وَقَالَ ﵇: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ» .

стр. 2733

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ حَقٌّ، وَاَلَّذِي قَالَهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِأَنْ تُعْطَى اللُّقَطَةُ مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ، وَالْوِكَاءَ، وَالْعَدَدَ، وَالْوِعَاءَ، وَلَيْسَ كَلَامُهُ مُتَعَارِضًا، وَلَا حُكْمُهُ مُتَنَاقِضًا، وَلَا يَحِلُّ ضَرْبُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَا تَرْكُ بَعْضِهِ وَأَخْذُ بَعْضٍ، فَكُلُّهُ حَقٌّ، وَكُلُّهُ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ قُضِيَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَقَدْ جَعَلُوا لِلْمُدَّعِي شَيْئًا غَيْرَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ؟ قُلْنَا: وَقَدْ صَحَّ دَفْعُ اللُّقَطَةِ بِأَنْ يَصِفَ الْمُدَّعِي وِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَعِفَاصَهَا وَوِعَاءَهَا، وَلَا فَرْقَ، وَلَيْسَ كُلُّ الْأَحْكَامِ تُوجَدُ فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ تُضَمُّ السُّنَنُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَيُؤْخَذُ بِهَا كُلُّهَا، وَلَوْ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ اعْتَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ فِي قَبُولِهِمْ امْرَأَةً وَاحِدَةً فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ، وَالْوِلَادَةِ، وَلَوْ عَارَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا فِي حُكْمِهِمْ لِلزَّوْجَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ أَنَّ مَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ لِلرِّجَالِ كَانَ لِلرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَمَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ لِلنِّسَاءِ كَانَ لِلْمَرْأَةِ بِيَمِينِهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ فِي الْأُخْتِ وَالْأَخِ يَخْتَلِفَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ الَّذِي هُمَا فِيهِ، وَلَوْ عَارَضُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الِاعْتِرَاضِ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ مَنْ ادَّعَى لَقِيطًا هُوَ وَغَيْرُهُ فَأَتَى بِعَلَامَاتٍ فِي جَسَدِهِ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَلَا يَقْضُونَ بِذَلِكَ فِيمَنْ ادَّعَى مَعَ آخَرَ عَبْدًا فَأَتَى أَحَدُهُمَا بِعَلَامَاتٍ فِي جَسَدِهِ؟ وَفِي قَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ مُسْتَأْجِرَ الدَّارِ تَدَاعَى مَعَ صَاحِبِ الدَّارِ فِي جُذُوعٍ مَوْضُوعَةٍ فِي الدَّارِ وَأَحَدِ مِصْرَاعَيْنِ فِي الدَّارِ: أَنَّ تِلْكَ الْجُذُوعَ إنْ كَانَتْ تُشْبِهُ الْجُذُوعَ الَّتِي فِي الْبِنَاءِ وَالْمِصْرَاعِ الْقَائِمِ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الدَّارِ بِلَا بَيِّنَةٍ - وَسَائِرُ تِلْكَ التَّخَالِيطِ الَّتِي لَا تُعْقَلُ، ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِمُعَارَضَةِ أَوَامِرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَضَى فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ فِي مَحَلَّةِ أَقْوَامٍ أَعْدَاءٌ لَهُ أَنَّ الْمُدَّعِينَ بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ يُقْضَى لَهُمْ بِالدِّيَةِ فَأَعْطَاهُمْ بِدَعْوَاهُمْ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِهَذَا؟ قُلْنَا لَهُمْ: وَالسُّنَّةُ جَاءَتْ بِدَفْعِ اللُّقَطَةِ إلَى مَنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِعَاءَهَا - وَلَا فَرْقَ. وَقَالُوا: قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ»

стр. 2734

قُلْنَا: نَعَمْ، وَصَاحِبُهَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ ﵇ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ إذَا وَصَفَ مَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: قَدْ يَسْمَعُهَا مُتَحَيِّلٌ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: وَقَدْ تَكْذِبُ الشُّهُودُ وَلَا فَرْقَ. وَقَالُوا: قَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ - فَإِنْ عَرَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ -: غَيْرَ مَحْفُوظَةٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ مُسْنَدًا: هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ - وَلَا يَعْجِزُ أَحَدٌ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا شَاءَ مِنْ السُّنَنِ الثَّوَابِتِ. وَقَدْ أَخَذَ الْحَنَفِيُّونَ بِزِيَادَةٍ جَاءَتْ فِي حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي الزَّكَاةِ - وَهِيَ سَاقِطَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - وَلَوْ صَحَّ إسْنَادُهَا مَا قُلْنَا فِيهِ: غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَأَخَذُوا بِخَبَرِ الِاسْتِسْعَاءِ، وَقَدْ قَالَ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَبِي دَاوُد: وَلَيْسَ الِاسْتِسْعَاءُ مَحْفُوظًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. وَأَخَذُوا بِالْخَبَرِ «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ فَهُوَ حُرٌّ» وَجُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: إنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِاللَّفْظَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ «مِمَّنْ تَعُولُونَ» وَهِيَ بِلَا شَكٍّ سَاقِطَةٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - وَلَوْ صَحَّتْ مِنْ طَرِيقِ الْإِسْنَادِ مَا اسْتَحْلَلْنَا أَنْ نَقُولَ فِيهَا: غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ. ثُمَّ نَقُولُ: أَخْطَأَ أَبُو دَاوُد فِي قَوْلِهِ: هِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ - بَلْ هِيَ مَحْفُوظَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ يَرْوِهَا إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحْدَهُ لَكَفَى، لِثِقَتِهِ وَإِمَامَتِهِ - وَكَيْفَ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . وَسُفْيَانُ أَيْضًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ، بَلْ هِيَ مَشْهُورَةٌ مَحْفُوظَةٌ. وَمِنْهَا تَمَلُّكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ -: رُوِّينَا قَوْلَنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَغَيْرِهِ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفْرِ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَمْرٍو، وَعَاصِمٍ: ابْنَيْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِمَا: أَنَّهُ

стр. 2735

الْتَقَطَ عَيْبَةً فَأَتَى بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا حَوْلًا، فَفَعَلَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ فَقَالَ: هِيَ لَك، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، قُلْت: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُلْقِيَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ مِنْ طُرُقٍ جَمَّةٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى تَمْرَةً مَطْرُوحَةً فِي السِّكَّةِ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ الْتَقَطَ حَبَّ رُمَّانٍ فَأَكَلَهُ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً مِنْ سَقْطِ الْمَتَاعِ: سَوْطًا، أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ عَصَا، أَوْ يَسِيرًا مِنْ الْمَتَاعِ، فَلْيَسْتَمْتِعْ بِهِ وَلْيُنْشِدْهُ، فَإِنْ كَانَ وَدَكًا فَلْيَأْتَدِمْ بِهِ وَلْيُنْشِدْهُ، وَإِنْ كَانَ زَادًا فَلْيَأْكُلْهُ وَلْيُنْشِدْهُ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَلِيَغْرَمْ لَهُ. وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ - وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَإِنْ عُرِّفَتْ خُيِّرَ صَاحِبُهَا بَيْنَ الْأَجْرِ وَالضَّمَانِ. رُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا: عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَا آمُرُك أَنْ تَأْكُلَهَا - وَعَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا، وَعِكْرِمَةَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَسُفْيَانَ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا خَالِدُ بْنُ يُوسُفَ نا أَبِي نا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ نا سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: لَا تَحِلُّ اللُّقَطَةُ، فَمَنْ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَلْيَرُدَّهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ فَلْيُخَيِّرْهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَبَيْنَ الَّذِي لَهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ بْنَ خَالِدٍ، وَأَبَاهُ، مَجْهُولَانِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّ قَوْلَ لَا تَحِلُّ اللُّقَطَةُ حَقٌّ، وَلَا تَحِلُّ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، وَأَمْرُهُ بِالصَّدَقَةِ بِهَا مَضْمُومٌ إلَى أَمْرِهِ ﵇ بِاسْتِنْفَاقِهَا وَبِكَوْنِهَا مِنْ جُمْلَةِ مَالِهِ، إذْ لَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ بَعْضُ أَمْرِهِ ﵇ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَحِلُّ مُخَالَفَةُ شَيْءٍ مِنْ أَوَامِرِهِ ﵇ لِآخَرَ مِنْهَا، بَلْ كُلُّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ اسْتِعْمَالُهُ، وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ وَاجِدَهَا مِنْ الصَّدَقَةِ بِهَا إنْ أَرَادَ فَيُحْتَجُّ عَلَيْنَا بِهَذَا؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ لَوْ صَحَّ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ؟

стр. 2736

فَإِنْ ادَّعُوا إجْمَاعًا عَلَى الصَّدَقَةِ بِهَا كُذِّبُوا، لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْأَخْنَسِ الْخُزَاعِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: وَجَدْت لُقَطَةً أَفَأَتَصَدَّقُ بِهَا؟ قَالَ: لَا تُؤْجَرُ أَنْتَ وَلَا صَاحِبُهَا؟ قُلْت: أَفَأَدْفَعُهَا إلَى الْأُمَرَاءِ؟ قَالَ: إذًا يَأْكُلُونَهَا أَكْلًا سَرِيعًا، قُلْت: فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ اعْتَرَفَتْ، وَإِلَّا فَهِيَ لَك. وَالْعَجَبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ احْتَجَّ لِمَذْهَبِهِ الْخَطَأِ فِي هَذَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] . قَالَ عَلِيٌّ: احْتِجَاجُ هَذَا الْجَاهِلِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ دَلِيلٌ عَلَى رِقَّةِ دِينِهِ، إذْ جَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَاطِلًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ دِينٌ لَمَا عَارَضَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلَوْ أَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْمُعَارَضَةَ لِقَوْلِهِمْ الْمَلْعُونِ: أَنَّ الْغَاصِبَ لِدُورِ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَاعِهِمْ يَسْكُنُهَا وَيُكْرِيهَا، فَالْكِرَاءُ لَهُ حَلَالٌ، وَاحْتِرَاثُ ضِيَاعِهِمْ لَهُ حَلَالٌ لَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. وَقَوْلُهُمْ: مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً فَاسِدًا فَقَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا فَاسِدًا وَأَبَاحُوا لَهُ التَّصَرُّفَ فِيمَا اشْتَرَى بِالْبَاطِلِ بِالْوَطْءِ، وَالْعِتْقِ، وَسَائِرِ أَقْوَالِهِمْ الْخَبِيثَةِ لَكَانُوا قَدْ وَافَقُوا. ثُمَّ أَعْجَبُ شَيْءٍ أَمْرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ضَمَّنُوا الْمَسَاكِينَ إنْ وَجَدُوهُمْ، فَعَلَى أَصْلِهِمْ هُوَ أَيْضًا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ. وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْوَاجِدُ وَضَمَانُهَا عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْكُلُوهَا الْمَسَاكِينُ وَضَمَانُهَا عَلَيْهِمْ؟ فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا فَعَلَيْهِ، وَلَئِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّ الْآخَرَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَلَا فَرْقَ، وَلَئِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْلَ مَالٍ بِحَقٍّ، فَإِنَّ الْآخَرَ أَكْلُ مَالٍ بِالْحَقِّ، وَلَا فَرْقَ، إذْ الضَّمَانُ فِي الْعَاقِبَةِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ ضَالَّةِ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ، وَلَا يَأْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ، وَلَوْ صَحَّا لَكَانَا عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُمْ يُبِيحُونَ أَخْذَ ضَوَالِّ الْإِبِلِ الَّتِي فِيهَا وَرَدَ النَّصُّ الْمَذْكُورُ، فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ الْعُقُولِ وَأَعْجَبُ شَيْءٍ احْتِجَاجُهُمْ هَهُنَا بِرِوَايَةٍ خَبِيثَةٍ رَوَاهَا أَبُو يُوسُفَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْعَرْزَمِيِّ

стр. 2737

عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ: أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «فَإِنَّكَ ذُو حَاجَةٍ إلَيْهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ سَلَمَةَ لَمْ يُدْرِكْ أُبَيًّا، ثُمَّ الْعَرْزَمِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَأَبُو يُوسُفَ لَا يَبْعُدُ عَنْهُ، فَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَرُدُّ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيّ ﷺ وَيَأْخُذُ بِمَا رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ الْمَغْمُوزُ عَنْ الْعَرْزَمِيِّ الضَّعِيفِ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أُبَيٍّ وَهُوَ لَمْ يَلْقَ أُبَيًّا قَطُّ، فَفِي مِثْلِ هَذَا فَلْيَعْتَبِرْ أُولُو الْأَبْصَارِ. ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَهُمْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي لَا تَصِحُّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا إبَاحَةُ اللُّقَطَةِ لِلْمُحْتَاجِ وَلَسْنَا نُنْكِرُ هَذَا، بَلْ هُوَ قَوْلُنَا، وَلَيْسَ فِيهَا مَنْعُ الْغَنِيِّ مِنْهَا لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ. ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ رَدُّهُمْ كُلُّهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ نَفْسِهِ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْتِقَاطِهِ الدِّينَارَ وَإِبَاحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ اسْتِنْفَاقَهُ بِأَنْ قَالُوا هُوَ مُرْسَلٌ، وَرَوَاهُ شَرِيكٌ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - فَالْمُرْسَلُ الَّذِي يَرْوِيه الضَّعِيفُ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ إذَا خَالَفَ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُرْسَلُ الَّذِي رَوَاهُ الْعَرْزَمِيُّ - وَهُوَ الْغَايَةُ فِي الضَّعْفِ - لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إذَا وَافَقَ رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَاَللَّهِ لَتَطُولُنَّ نَدَامَةُ مَنْ هَذَا سَبِيلُهُ فِي دِينِهِ يَوْمَ لَا يُغْنِي النَّدَمُ عَنْهُ شَيْئًا، وَمَا هَذِهِ طَرِيقُ مَنْ يَدِينُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، لَكِنَّهُ الضَّلَالُ وَالْإِضْلَالُ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. ثُمَّ قَدْ كَذَبُوا، بَلْ قَدْ رُوِيَ حَدِيثُ عَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ شَرِيكٍ، وَأُسْنِدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ نا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ - هُوَ مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ - عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَدَ الْحُسَيْنَ وَالْحَسَنَ يَبْكِيَانِ مِنْ الْجُوعِ، فَخَرَجَ فَوَجَدَ دِينَارًا بِالسُّوقِ، فَجَاءَ بِهِ إلَى فَاطِمَةَ فَأَخْبَرَهَا؟ فَقَالَتْ لَهُ: اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَخُذْ لَنَا دَقِيقًا؟ فَذَهَبَ إلَى الْيَهُودِيِّ فَاشْتَرَى بِهِ دَقِيقًا؟ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنْتَ خَتَنُ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَخُذْ دِينَارَكَ وَلَكَ الدَّقِيقُ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ حَتَّى جَاءَ بِهِ فَاطِمَةَ، فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ لَهُ اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ الْجَزَّارِ فَخُذْ لَنَا بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَذَهَبَ فَرَهَنَ الدِّينَارَ بِدِرْهَمِ لَحْمٍ، فَجَاءَ بِهِ فَعَجَنَتْ وَنَصَبَتْ وَخَبَزَتْ، وَأَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُمْ؟ فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَذْكُرُ لَك، فَإِنْ رَأَيْتَهُ لَنَا حَلَالًا أَكَلْنَا وَأَكَلْتَ مَعَنَا مِنْ شَأْنِهِ

стр. 2738

كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ ﵇ كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَكَلُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ مَكَانَهُمْ إذَا غُلَامٌ يَنْشُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَالْإِسْلَامَ الدِّينَارَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَدُعِيَ لَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: سَقَطَ مِنِّي فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَلِيُّ اذْهَبْ إلَى الْجَزَّارِ فَقُلْ لَهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ لَكَ: أَرْسِلْ إلَيَّ بِالدِّينَارِ، وَدِرْهَمُكَ عَلَيَّ، فَأَرْسَلَ بِهِ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَا بَيِّنَةٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ خَيْرٌ مِنْ خَبَرِهِمْ، وَهُوَ ﵇، وَعَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ ﵃: لَا تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ أَغْنِيَاءَ كَانُوا أَوْ فُقَرَاءَ. وَقَدْ أَبَاحَ فِي هَذَا الْخَبَرِ شِرَاءَ الدَّقِيقِ بِالدِّينَارِ، فَإِنَّمَا أَخَذَهُ ابْتِيَاعًا، ثُمَّ أَهْدَى إلَيْهِ الْيَهُودِيُّ الدِّينَارَ، وَكَذَلِكَ رَهَنَ الدِّينَارَ فِي اللَّحْمِ، وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ يَكْفِي مِنْ كُلِّ هَذَا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ نا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَطْرُوحَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيٌّ لَا فَقِيرٌ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ إذْ يَقُولُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] يَسْتَحِلُّ أَكْلَ اللُّقَطَةِ، وَإِنَّمَا تَوَقَّعَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا عَلَى تَحْقِيقِ الصِّفَةِ أَنَّهَا مِنْ الصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ - وَهَذَا كَلَامُ إنْسَانٍ عَدِيمِ عَقْلٍ وَحَيَاءٍ وَدِينٍ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَا يُعْقَلُ، وَخِلَافٌ لِمَفْهُومِ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَذِبٌ مُجَاهَرٌ بِهِ، بَارِدٌ غَثٌّ - وَأَعْجَبُ شَيْءٍ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطِيهَا غَنِيًّا غَيْرُهُ، فَكَانَ هُوَ كَذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا شَيْءَ أَسْهَلَ مِنْ الْكَذِبِ الْمَفْضُوحِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، ثُمَّ كَذِبُهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى الْعُقُولِ، وَالْحَوَاسِّ، لَيْتَ شِعْرِي مَتَى أُجْمِعُ مَعَهُمْ عَلَى هَذَا، وَمَنْ أَجْمَعَ مَعَهُمْ عَلَى هَذَا، أَبْقِيَةِ

стр. 2739

الْجَنْدَلِ، وَالْكَثْكَثِ وَأَيْنَ وَجَدُوا هَذَا الْإِجْمَاعَ؟ بَلْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ وَإِذَا أُدْخِلَتْ اللُّقَطَةُ فِي مِلْكِهِ بِانْقِضَاءِ الْحَوْلِ الَّذِي عَرَّفَهَا فِيهِ، فَإِنْ أَعْطَاهَا غَنِيًّا، أَوْ أَغْنِيَاءَ، أَوْ قَارُونُ - لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا - أَوْ سُلَيْمَانُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَوْ كَانَ فِي عَصْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَا شَيْءَ مِنْ الْكَرَاهِيَةِ فِيهِ. وَقَالُوا: قَدْ شَكَّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي أَمْرِ الْمُلْتَقِطِ بِأَنْ يَسْتَنْفِقَهَا، أَهُوَ مِنْ قَوْلِ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ؟ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؟ وَقَطَعَ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ يَزِيدَ قُلْنَا: وَقَدْ أَسْنَدَهُ يَحْيَى أَيْضًا - وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مَرَّةً مُسْنَدًا، وَسَمِعَ يَزِيدَ يَقُولُ: مِنْ فَتَيَاهُ أَيْضًا. ثُمَّ يَقُولُ: لَكِنَّ رَبِيعَةَ لَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَشُكَّ بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌. رَوَى مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» . وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَهَا فَادْفَعْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» . وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَنَّ رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ وَإِلَّا فَاخْلِطْهَا بِمَالِكَ.» وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيق سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ -

стр. 2740

سَمِعْت رَبِيعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَاصْنَعْ بِهَا مَا تَصْنَعُ بِمَالِكَ» . وَرَوَاهُ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عَمْرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي اللُّقَطَةِ قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ لَمْ تَعْتَرِفْ فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ كُلْهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ» . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ: أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ لَهُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ فِي اللُّقَطَةِ: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرِّفْ عَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَوِعَاءَهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» . وَعَلَى هَذَا دَلَّ حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، لَا مِثْلَ تِلْكَ الْمُلَفَّقَاتِ الْمَكْذُوبَةِ مِنْ مُرْسَلٍ، وَمَجْهُولٍ، وَمِنْ لَا خَيْرَ فِيهِ -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ جَاءَ خَبَرٌ مِنْ طَرِيقٍ لَا يَزَالُ الْمُخَالِفُونَ يَحْتَجُّونَ بِهَا إذَا وَافَقْتهمْ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى مَا وُجِدَ فِي الطَّرِيقِ الْمِيْتَاءِ، أَوْ فِي الْقَرْيَةِ الْمَسْكُونَةِ؟ قَالَ: عَرِّفْ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ بَاغِيهِ فَادْفَعْهُ إلَيْهِ وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ، وَمَا كَانَ فِي الطَّرِيقِ غَيْرَ الْمِيْتَاءِ، وَفِي الْقَرْيَةِ غَيْرَ الْمَسْكُونَةِ: فَفِيهِ، وَفِي الرِّكَازِ: الْخُمْسُ» . وَأَمَّا نَحْنُ فَهَذِهِ صَحِيفَةٌ لَا نَأْخُذُ بِهَا، فَهَذَا حُكْمُ اللُّقَطَةِ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ. وَأَمَّا الضَّوَالُّ مِنْ الْحَيَوَانِ فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ -: أَمَّا الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ فَقَطْ - كِبَارُهَا وَصِغَارُهَا - تُوجَدُ بِحَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهَا الذِّئْبَ، أَوْ مَنْ يَأْخُذُهَا مِنْ النَّاسِ، وَلَا حَافِظَ لَهَا، وَلَا هِيَ بِقُرْبِ مَاءٍ مِنْهَا: فَهِيَ حَلَالٌ لِمَنْ أَخَذَهَا سَوَاءٌ جَاءَ صَاحِبُهَا، أَوْ لَمْ يَجِئْ، وَجَدَهَا حَيَّةً، أَوْ مَذْبُوحَةً، أَوْ مَطْبُوخَةً، أَوْ مَأْكُولَةً - لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا. وَأَمَّا الْإِبِلُ الْقَوِيَّةُ عَلَى الرَّعْيِ، وَوُرُودِ الْمَاءِ: فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُهَا، وَإِنَّمَا حُكْمُهَا: أَنْ تُتْرَكَ وَلَا بُدَّ، فَمَنْ أَخَذَهَا ضَمِنَهَا - إنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ تَلِفَتْ - وَكَانَ

стр. 2741

عَاصِيًا بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ لُقَطَةٍ، أَوْ ضَالَّةٍ، يُعَرِّفُ صَاحِبَهَا، فَحُكْمُ كُلِّ ذَلِكَ أَنْ تُرَدَّ إلَيْهِ وَلَا تُعَرَّفُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا كُلُّ مَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ إبِلٍ لَا قُوَّةَ بِهَا عَلَى وُرُودِ الْمَاءِ وَالرَّعْيِ وَسَائِرُ الْبَقَرِ، وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَالصُّيُودِ كُلِّهَا، الْمُتَمَلَّكَةِ، وَالْأُبَّاقِ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وَمَا أَضَلَّ صَاحِبُهُ مِنْهَا، وَالْغَنَمِ الَّتِي تَكُونُ ضَوَالَّ بِحَيْثُ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا الذِّئْبَ، وَلَا إنْسَانٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ - كُلِّهِ - فَفَرَضَ أَخْذَهُ وَضَمَّهُ وَتَعْرِيفَهُ أَبَدًا، فَإِنْ يَئِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ صَاحِبِهَا أَدْخَلَهَا الْحَاكِمُ أَوْ وَاجِدُهَا فِي جَمِيعِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. سَوَاءٌ كَانَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِمَّا أَهْمَلَهُ صَاحِبُهُ لِضَرُورَةٍ، أَوْ لِخَوْفٍ، أَوْ لِهُزَالٍ أَوْ مِمَّا ضَلَّ وَلَا فَرْقَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ فَغَضِبَ ﵇ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ وَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ نا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» فَأَمَرَ ﵇ بِأَخْذِ ضَالَّةِ الْغَنَمِ الَّتِي يَخَافُ عَلَيْهَا الذِّئْبَ أَوْ الْعَادِي وَيَتْرُكُ الْإِبِلَ الَّتِي تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ،

стр. 2742

وَخَصَّهَا بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ اللُّقَطَاتِ وَالضَّوَالِّ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَا عَرَفَ رَبُّهُ فَلَيْسَ ضَالَّةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَضِلَّ جُمْلَةً، بَلْ هِيَ مَعْرُوفَةٌ وَإِنَّمَا الضَّالَّةُ مَا ضَلَّتْ جُمْلَةً فَلَمْ يَعْرِفْهَا صَاحِبُهَا أَيْنَ هِيَ؟ وَلَا عَرَفَ وَاجِدُهَا لِمَنْ هِيَ، وَهِيَ الَّتِي أَمَرَ ﵇ بِنَشْدِهَا. وَبَقِيَ حُكْمُ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ حَاشَا مَا ذَكَرْنَا مَوْقُوفًا عَلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَمِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى إحْرَازُ مَالِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ مَالِ أَحَدٍ إلَّا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى عُمَّالِهِ لَا تَضُمُّوا الضَّوَالَّ فَلَقَدْ كَانَتْ الْإِبِلُ تَتَنَاتَجُ هَمَلًا وَتَرِدُ الْمِيَاهَ لَا يَعْرِضُ لَهَا أَحَدٌ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَعْتَرِفُهَا فَيَأْخُذُهَا، حَتَّى إذَا كَانَ عُثْمَانُ كَتَبَ: أَنْ ضُمُّوهَا وَعَرِّفُوهَا؟ فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا وَإِلَّا فَبِيعُوهَا وَضَعُوا أَثْمَانَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْتَرِفُهَا فَادْفَعُوا إلَيْهَا الْأَثْمَانَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ سَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الشَّاةِ تُوجَدُ بِالْأَرْضِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، فَقَالَ لِي: عَرِّفْهَا مَنْ دَنَا لَك، فَإِنْ عُرِفَتْ فَادْفَعْهَا إلَى مَنْ عَرَفَهَا وَإِلَّا فَشَاتُك وَشَاةُ الذِّئْبِ فَكُلْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ وَرْدَانَ قَالَ: سَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ؟ فَقَالَ: مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا دَعْهَا إلَّا أَنْ تَعْرِفَ صَاحِبَهَا فَتَدْفَعُهَا إلَيْهِ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَتِهِ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ: إنِّي وَجَدْت شَاةً؟ فَقَالَتْ: اعْلِفِي وَاحْلِبِي وَعَرِّفِي، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَتْ: تُرِيدِينَ أَنْ آمُرُك بِذَبْحِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةٍ وَجَدَهَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَصْلِحْ إلَيْهَا وَانْشُدْ، قَالَ: فَهَلْ عَلَيَّ إنْ شَرِبْت مِنْ لَبَنِهَا؟ قَالَ: مَا أَرَى عَلَيْك فِي ذَلِكَ.

стр. 2743

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: تُؤْخَذُ ضَالَّةُ الْإِبِلِ كَمَا تُؤْخَذُ غَيْرُهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا كَانَ مِنْ الْخَيْلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْبِغَالِ، قَوِيًّا يَرِدُ الْمَاءَ، وَيَرْعَى لَمْ يُؤْخَذْ قِيَاسًا عَلَى الْإِبِلِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ لَا يَمْتَنِعُ أُخِذَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً مِنْ الْغَنَمِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا إنْ أَكَلَهَا - وَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا ضَالَّةُ الْغَنَمِ فَمَا كَانَ بِقُرْبِ الْقُرَى فَلَا يَأْكُلُهَا، وَلَكِنْ يَضْمَنُهَا إلَى أَقْرَبِ الْقُرَى، فَيُعَرِّفُهَا هُنَالِكَ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْفَلَوَاتِ وَالْمَهَامِهِ، فَإِنَّهُ يَأْكُلُهَا أَوْ يَأْخُذُهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَوَجَدَهَا حَيَّةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ وَجَدَهَا مَأْكُولَةً فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا يَضْمَنُهَا لَهُ وَاجِدُهَا الَّذِي أَكَلَهَا. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيهَا إنْ وَجَدَهَا مَذْبُوحَةً لَمْ تُؤْكَلْ بَعْدُ. قَالَ: وَأَمَّا الْبَقَرُ فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهَا السَّبْعَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْغَنَمِ، وَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا السَّبْعَ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْإِبِلِ يُتْرَكُ كُلُّ ذَلِكَ وَلَا يُعْتَرَضُ لَهُ وَلَا يُؤْخَذُ. وَأَمَّا الْخَيْلُ، وَالْبِغَالُ، وَالْحَمِيرُ، فَلْتُعَرَّفْ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا تَقْسِيمُ مَالِكٍ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ النَّصَّ، إذْ فَرَّقَ بَيْنَ أَحْوَالِ وُجُودِ ضَالَّةِ الْغَنَمِ، وَلَيْسَ فِي النَّصِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تَفْرِيقُهُ بَيْنَ وُجُودِ الشَّاةِ صَاحِبُهَا حَيَّةً أَوْ مَأْكُولَةً، فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا - لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ وَلَا الْقِيَاسَ طَرَدَ - وَلَا قَوْلٍ مُتَقَدِّمٍ الْتَزَمَ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا يُبِيحَ الشَّاةَ لِوَاجِدِهَا أَصْلًا، كَمَا لَا يُبِيحُ سَائِرَ اللُّقَطَاتِ، إلَّا إنْ كَانَ فَقِيرًا بَعْدَ تَعْرِيفِ عَامٍ - وَلَا نَعْلَمُ فُرُوقَهُ هَذِهِ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا نَعْلَمُ لِقَوْلِهِ حُجَّةً أَصْلًا. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهُ جِهَارًا فَمَنَعَ مِنْ الشَّاةِ جُمْلَةً، وَأَمَرَ بِأَخْذِ ضَالَّةِ الْإِبِلِ - وَقَدْ غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا احْمَرَّ لَهُ وَجْهُهُ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا هُوَ - يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ - فَيُعْذَرُ لِجَهْلِهِ بِالْآثَارِ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْخَاسِرُونَ فَوَاَللَّهِ مَا لَهُمْ عُذْرٌ، بَلْ هُمْ قَدْ أَقْدَمُوا عَلَى مَا أَغْضَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ عَلَانِيَةً، فَحَصَلُوا فِي جُمْلَةِ مَنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] فَمَا أَخْوَفُنَا عَلَيْهِمْ مِنْ تَمَامِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ.

стр. 2744

فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْأَمْوَالَ حَرَامٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا، وَوَاجِبٌ حِفْظُهَا، فَلَا نَأْخُذُ بِخِلَافِ ذَلِكَ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ؟ قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ أَخَذْتُمْ بِذَلِكَ الْخَبَرِ بِعَيْنِهِ فِيمَا أَنْكَرْتُمُوهُ نَفْسَهُ فَأَمَرْتُمْ بِإِتْلَافِهَا بِالصَّدَقَةِ بِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِ سَنَةً، فَمَرَّةً صَارَ عِنْدَكُمْ الْخَبَرُ حُجَّةً، وَمَرَّةً صَارَ عِنْدَكُمْ بَاطِلًا، وَهُوَ ذَلِكَ الْخَبَرُ بِعَيْنِهِ فَمَا هَذَا الضَّلَالُ؟ وَقَدْ رُوِّينَا لَهُمْ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ: إبَاحَةَ شُرْبِ لَبَنِ الضَّالَّةِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَنَقَضَ أَصْلَهُ وَلَمْ يَرَ أَخْذَ الشَّاةِ، وَأَقْحَمَ فِي حُكْمِ الْخَبَرِ مَا لَيْسَ فِيهِ، فَأَلْحَقَ بِالْإِبِلِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي النَّصِّ، وَجَعَلَ وُرُودَ الْمَاءِ، وَرَعْيَ الشَّجَرِ عِلَّةً قَاسَ عَلَيْهَا، وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، وَإِنَّ الشَّاةَ لَتَرِدُ الْمَاءَ، وَتَرْعَى مَا أَدْرَكَتْ مِنْ الشَّجَرِ، كَمَا تَفْعَلُ الْإِبِلُ، وَيَمْتَنِعُ مِنْهَا مَا لَمْ تُدْرِكْهُ، كَمَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْإِبِلِ مَا لَا تُدْرِكُهُ، وَإِنَّ الذِّئْبَ لَيَأْكُلُ الْبَعِيرَ كَمَا يَأْكُلُ الشَّاةَ، وَلَا مَنَعَةَ عِنْدَ الْبَعِيرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْبَقَرُ فَقَطْ - هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ. وَقَالُوا: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» لَيْسَ تَمْلِيكًا لِلذِّئْبِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ تَمْلِيكًا لِلْوَاجِدِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ قَوْلِكُمْ، لِأَنَّ الذِّئْبَ لَا يَمْلِكُ وَالْوَاجِدُ يَمْلِكُ، وَالْوَاجِدُ مُخَاطَبٌ، وَالذِّئْبُ لَيْسَ مُخَاطَبًا، وَقَدْ أُمِرَ الْوَاجِدُ بِأَخْذِهَا، فَزِيَادَتُكُمْ كَاذِبَةٌ مَرْدُودَةٌ عَلَيْكُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَظَهَرَ سُقُوطُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا بِتَيَقُّنٍ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخَذَ بِبَعْضِ الْخَبَرِ وَجَعَلَهُ حُجَّةً وَتَرَكَ بَعْضَهُ وَلَمْ يَرَهُ حُجَّةً. وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَأَخَذَ هَذَا مَا تَرَكَ هَذَا، وَتَرَكَ هَذَا مَا أَخَذَ الْآخَرُ، وَهَذَا مَا لَا طَرِيقَ لِلصَّوَابِ إلَيْهِ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَئِنْ كَانَ الْخَبَرُ حُجَّةً فِي مَوْضِعٍ فَإِنَّهُ لَحُجَّةٌ فِي كُلِّ مَا فِيهِ، إلَّا أَنْ تَأْتِيَ مُخَالَفَةٌ لَهُ بِنَاسِخٍ مُتَيَقَّنٍ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ حُجَّةً فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَكُلُّهُ لَيْسَ حُجَّةً، وَالتَّحَكُّمُ فِي أَوَامِرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَجُوزُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2745

[كِتَابُ اللَّقِيطِ] [ مَسْأَلَةٌ وَجَدَ صَغِيرًا مَنْبُوذًا] ِ ١٣٨٤ - مَسْأَلَةٌ: إنْ وُجِدَ صَغِيرٌ مَنْبُوذٌ فَفَرْضٌ عَلَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ وَلَا بُدَّ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] . وَلَا إثْمَ أَعْظَمَ مِنْ إثْمِ مَنْ أَضَاعَ نَسَمَةً مَوْلُودَةً عَلَى الْإِسْلَامِ - صَغِيرَةً لَا ذَنْبَ لَهَا - حَتَّى تَمُوتَ جُوعًا وَبَرْدًا أَوْ تَأْكُلَهُ الْكِلَابُ هُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ عَمْدًا بِلَا شَكٍّ. وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ» [مَسْأَلَةٌ اللَّقِيطُ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ] ١٣٨٥ - مَسْأَلَةٌ: وَاللَّقِيطُ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَوْلَادُ آدَمَ وَزَوْجِهِ حَوَّاءَ ﵉ وَهُمَا حُرَّانِ وَأَوْلَادُ الْحُرَّةِ أَحْرَارٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ فَكُلُّ أَحَدٍ فَهُوَ حُرٌّ إلَّا أَنْ يُوجِبَ نَصُّ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ وَلَا نَصَّ فِيهِمَا يُوجِبُ إرْقَاقَ اللَّقِيطِ، وَإِذْ لَا رِقَّ عَلَيْهِ فَلَا وَلَاءَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ رِقٍّ عَلَى الْمَرْءِ، أَوْ عَلَى أَبٍ لَهُ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ بِنَسَبِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَدَاوُد. وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سِنِينَ أَبِي جَمِيلَةَ أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذًا فَأَتَى بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لَك، وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

стр. 2746

وَرُوِّينَا أَيْضًا هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ جَعَلَ وَلَاءَ اللَّقِيطِ لِمَنْ الْتَقَطَهُ وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: اللَّقِيطُ عَبْدٌ. وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ - عَنْ حَوْطٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: هُمْ مَمْلُوكُونَ - يَعْنِي اللُّقَطَاءَ -. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ: إنَّ عَمْرًا أَعْتَقَ لَقِيطًا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا الْأَعْمَشُ عَنْ زُهَيْرٍ الْعَنْسِيّ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَتَى بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَعْتَقَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَعْتِقُ إلَّا مَمْلُوكٌ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَكَمَ عَنْ اللَّقِيطِ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: هُوَ حُرٌّ فَقُلْت: عَمَّنْ؟ فَقَالَ الْحَكَمُ: عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ. وَرَوَيْتُمْ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، وَمُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ مُوسَى: رَأَيْت وَلَدَ زِنًا أَلْحَقَهُ عَلِيٌّ فِي مَائِهِ. وَقَالَ زُهَيْرٌ عَنْ ذُهْلِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ مَسِيحٍ قَالَ: وَجَدْت لَقِيطًا فَأَتَيْت بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَأَلْحَقَهُ فِي مَائِهِ؟ قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عُمَرَ هُوَ حُرٌّ، وَقَوْلَ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيٍّ هُوَ حُرٌّ، إذَا ضُمَّ إلَى مَا رُوِيَ عَنْهُمَا مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعْتَقَ اللَّقِيطَ، مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُمْ مَمْلُوكُونَ، وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِمَنْ وَجَدَهُ، اتَّفَقَ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمَا ﵄ هُوَ حُرٌّ -: أَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْهُمَا لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَطُولُ مِمَّنْ تَرَكَ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ لِرِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ " الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ " وَلَوْ سَمِعْنَا هَذَا مِنْ عُمَرَ لَمَا كَانَ خِلَافًا لِلسُّنَّةِ فِي أَنَّ الْبَيْعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، بَلْ كَانَ يَكُونُ مُوَافِقًا

стр. 2747

لِلسُّنَّةِ، فَالصَّفْقَةُ التَّفَرُّقُ، وَالْخِيَارُ التَّخْيِيرُ، ثُمَّ لَا يَجْعَلُ مَا رَوَى سُنَيْنٌ - وَلَهُ صُحْبَةٌ - عَنْ عُمَرَ حُجَّةً، وَمَا رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ حُجَّةٌ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ وَاَللَّهِ أَجَلُّ وَأَوْضَحُ مِنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لِعُمَرَ، وَعَلِيٍّ هَهُنَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَ أَثَرٌ هُمْ أَبَدًا يَأْخُذُونَ بِمَا دُونَهُ -: وَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ نا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ نا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْخَوْلَانِيِّ نا عُمَرُ بْنُ رُؤْبَةَ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ الْوَاحِدِ النَّصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْت وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تُحْرِزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ، لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَا عَنَتْ عَلَيْهِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عُمَرُ بْنُ رُؤْبَةَ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ النَّصْرِيُّ مَجْهُولَانِ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَأَمَّا هُمْ فَلَا يُبَالُونَ بِهَذَا، وَلَا أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ مِنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَقَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ لِرِوَايَتِهِ. فَإِنْ قَالُوا: وَبِأَيِّ وَجْهٍ يَرِقُّ وَأَصْلُهُ الْحُرِّيَّةُ؟ قُلْنَا: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ: مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيتُمْ أَنْفُسَكُمْ، أَوَ لَسْتُمْ الْقَائِلِينَ: إنَّ رَجُلًا قُرَشِيًّا لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا هُوَ وَامْرَأَتُهُ الْقُرَشِيَّةُ مُرْتَدَّةً، فَوَلَدَتْ هُنَالِكَ أَوْلَادًا، فَإِنَّ أَوْلَادَهُمْ أَرِقَّاءُ مَمْلُوكُونَ يُبَاعُونَ؟ . وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: إنَّ تِلْكَ الْقُرَشِيَّةَ تُبَاعُ وَتُتَمَلَّكُ، أَوْ لَيْسَ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إمَّا عَنْ مَالِكٍ وَإِمَّا عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ لَوْ صَارُوا ذِمَّةً سُكَّانًا بَيْنَنَا، أَوْ بِأَيْدِيهِمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَارٌ وَحَرَائِرُ، أَسَرُوهُمْ وَبَقُوا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَالِ أَسْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ مَمْلُوكُونَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَتَبَايَعُونَهُمْ مَتَى شَاءُوا، وَهَذَا مَنْصُوصٌ عَنْهُ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ، فَأَيُّمَا أَشْنَعُ وَأَفْظَعُ، هَذَا كُلُّهُ، أَوْ إرْقَاقُ لَقِيطٍ لَا يَدْرِي عَنْ أُمِّهِ أَحُرَّةٌ أَمْ أَمَةٌ؟ حَتَّى لَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيُّ التَّدْمِيرِيُّ وَمَا عَلِمْت فِيهِمْ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَلَا أُصَدِّقُ عَنْ شَيْخٍ مِنْ كِبَارِهِمْ: أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي: أَنَّ التَّاجِرَ،

стр. 2748

أَوْ الرَّسُولَ، إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَأَعْطَوْهُ أُسَرَاءَ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِرِهِمْ عَطِيَّةً، فَهُمْ عَبِيدٌ وَإِمَاءٌ لَهُ يَطَأُ وَيَبِيعُ كَسَائِرِ مَا يَمْلِكُ، شَاهَ وَجْهُ هَذَا الْمُفْتِي وَمَنْ اتَّبَعَهُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ قَوْلًا آخَرَ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي اللَّقِيطِ، قَالَ: لَهُ نِيَّتُهُ إنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ حُرًّا فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَهُوَ عَبْدٌ. وَقَوْلُنَا: بِأَنَّهُ لَا رِقَّ عَلَيْهِ -: هُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَهِدِنَا بِهِمْ يَقُولُونَ فِيمَا خَالَفَ الْأُصُولَ، وَالْقِيَاسَ إذَا وَافَقَ آرَاءَهُمْ: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَهَلَّا قَالُوا هَهُنَا هَذَا؟ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ مَا وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ مِنْ مَالٍ] ١٣٨٦ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ يَمْلِكُ، وَكُلُّ مَنْ يَمْلِكُ فَكُلُّ مَا كَانَ بِيَدِهِ فَهُوَ لَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ [مَسْأَلَةٌ ادَّعَى أَنَّ اللَّقِيطَ ابْنُهُ] ١٣٨٧ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ اللَّقِيطَ ابْنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرًّا كَانَ، أَوْ عَبْدًا: صُدِّقَ، إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ حَقًّا، فَإِنْ تُيُقِّنَ كَذِبُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الْوِلَادَاتِ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِقَوْلِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَهَكَذَا أَنْسَابُ النَّاسِ كُلِّهِمْ، مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ الْكَذِبُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا - لِلْمُسْلِمِينَ - لِلثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَعَلَى الْمِلَّةِ» وَقَوْلِهِ ﵇ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ» . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] . فَإِنْ ادَّعَاهُ كَافِرٌ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ فِي تَصْدِيقِهِ إخْرَاجَهُ عَنْ مَا قَدْ صَحَّ لَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا حَيْثُ أَجَازَهُ النَّصُّ مِمَّنْ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ كَافِرٍ مِنْ كَافِرَةٍ فَقَطْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِيمَا ذَكَرْنَا

стр. 2749

وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ: لَا يُصَدَّقُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ فِي تَصْدِيقِهِ إرْقَاقَ الْوَلَدِ - وَكَذَبُوا فِي هَذَا وَلَدُ الْعَبْدِ مِنْ الْحُرَّةِ حُرٌّ، لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَسَرَّى وَأَمَّا نَحْنُ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّ النَّاسَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَلَا تَحْمِلُ امْرَأَةُ الْعَبْدِ إلَّا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدُهُ حُرٌّ، حَتَّى يَثْبُتَ انْتِقَالُهُ عَنْ أَصْلِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2750

[كِتَابُ الْوَدِيعَةِ] [ مَسْأَلَةٌ مَنْ أَوْدَعْت عِنْدَهُ وَدِيعَةً] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَدِيعَةِ ١٣٨٨ - مَسْأَلَةٌ: فَرْضٌ عَلَى مَنْ أَوْدَعْت عِنْدَهُ وَدِيعَةً حِفْظُهَا وَرَدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا إذَا طَلَبَهَا مِنْهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَمِنْ الْبِرِّ حِفْظُ مَالِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ، وَقَدْ صَحَّ «نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» ، وَهَذَا عُمُومٌ لِمَالِ الْمَرْءِ وَمَالِ غَيْرِهِ. [مَسْأَلَةٌ تَلَف الْوَدِيعَة مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ] ١٣٨٩ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا تَضْيِيعٍ لَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا حَفِظَهَا وَلَمْ يَتَعَدَّ وَلَا ضَيَّعَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَمَالُ هَذَا الْمُودِعِ حَرَامٌ عَلَى غَيْرِهِ مَا لَمْ يُوجِبْ أَخْذَهُ مِنْهُ نَصٌّ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَضْمِينُ الْوَدِيعَةِ - وَرُوِيَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ أَنْ لَا تُضَمَّنَ. [مَسْأَلَةٌ صِفَةُ حِفْظِ الْوَدِيعَة] ١٣٩٠ - مَسْأَلَةٌ: وَصِفَةُ حِفْظِهَا هُوَ أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا مِنْ الْحِفْظِ مَا يَفْعَلُ بِمَالِهِ، وَأَنْ لَا يُخَالِفَ فِيهَا مَا حَدَّ لَهُ صَاحِبُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيمَا حَدَّ لَهُ يَقِينُ هَلَاكِهَا: فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ صِفَةُ الْحِفْظِ وَمَا عَدَاهُ هُوَ التَّعَدِّي فِي اللُّغَةِ وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَعَدَّى الْمُودَعُ فِي الْوَدِيعَةِ فَتَلِفَتْ] ١٣٩١ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ تَعَدَّى الْمُودَعُ فِي الْوَدِيعَةِ أَوْ أَضَاعَهَا فَتَلِفَتْ لَزِمَهُ ضَمَانُهَا، وَلَوْ تَعَدَّى عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ لَزِمَهُ ضَمَانُ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِضَاعَةِ أَيْضًا مُتَعَدٍّ لِمَا أُمِرَ بِهِ.

стр. 2751

وَالتَّعَدِّي هُوَ التَّجَاوُزُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَبِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَيُضَمَّنُ ضَمَانَ الْغَاصِبِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا فِي حُكْمِ الْغَصْبِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْقَوْلُ فِي هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ أَوْ فِي رَدِّهَا إلَى صَاحِبِهَا] ١٣٩٢ - مَسْأَلَةٌ: وَالْقَوْلُ فِي هَلَاكِ الْوَدِيعَةِ أَوْ فِي رَدِّهَا إلَى صَاحِبِهَا، أَوْ فِي دَفْعِهَا إلَى مَنْ أَمَرَهُ صَاحِبُهَا بِدَفْعِهَا إلَيْهِ: قَوْلُ الَّذِي أُودِعَتْ عِنْدَهُ مَعَ يَمِينِهِ، سَوَاءً دُفِعَتْ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُحَرَّمٌ كَمَا ذَكَرْنَا فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وُجُوبُ غَرَامَةٍ، وَقَدْ «حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى مِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ» . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَهَهُنَا خِلَافٌ فِي مَوَاضِعَ -: مِنْهَا أَنَّ مَالِكًا فَرَّقَ بَيْنَ الثِّقَةِ وَغَيْرِ الثِّقَةِ، فَرَأَى أَنْ لَا يَمِينَ عَلَى الثِّقَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذْ أَوْجَبَ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ثِقَةٍ وَغَيْرِ ثِقَةٍ، وَالْمَالِكِيُّونَ مُوَافِقُونَ لَنَا فِي أَنَّ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا، أَوْ فَاسِقًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ - مُعْلِنًا لِلْفِسْقِ - يَدَّعِي دَيْنًا عَلَى صَاحِبٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ: وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الصَّاحِبِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَعْوَى جَحْدِ الدِّينِ، وَبَيْنَ دَعْوَى جَحْدِ الْوَدِيعَةِ أَوْ تَضْيِيعِهَا، وَالْمُقْرَضُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا أُقْرِضَ، وَعَلَى مَا عُومِلَ فِيهِ، كَمَا أَنَّ الْمُودَعَ مُؤْتَمَنٌ وَلَا فَرْقَ، وَفَرْقٌ أَيْضًا بَيْنَ الْوَدِيعَةِ تُدْفَعُ بِبَيِّنَةٍ وَبَيْنَهَا إذَا دُفِعَتْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَرَأَى إيجَابَ الضَّمَانِ فِيهَا إذَا دُفِعَتْ بِبَيِّنَةٍ - وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ: قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَالْأَيْمَانُ لَا تَسْقُطُ، وَالْغَرَامَةُ لَا تَجِبُ، إلَّا حَيْثُ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﷺ : أَوْ حَيْثُ أَسْقَطَهَا اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ رَسُولُهُ ﷺ . وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ قَوْلِ الْمُودَعِ: هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ، فَصَدَّقُوهُ: إمَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِمَّا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: قَدْ صَرَفْتهَا إلَيْك -: فَأَلْزَمُوهُ الضَّمَانَ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: أَمَرْتنِي بِدَفْعِهَا إلَى فُلَانٍ - فَضَمِنُوهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ ذَلِكَ: قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ - وَالْوَجْهُ فِي هَذَا هُوَ أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ الْمُودَعُ، مِمَّا يُسْقِطُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْغَرَامَةَ، وَلَا تَخْرُجُ عَيْنُ الْوَدِيعَةِ عَنْ مِلْكِ الْمُودِعِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُحَرَّمٌ، إلَّا بِقُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، سَوَاءٌ

стр. 2752

كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مَعْرُوفَةً لِلْمُودِعِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِعِلْمِ الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا فَرَّقُوا بَيْنَهُ بِآرَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ. وَأَمَّا إذَا ادَّعَى الْمُودَعُ شَيْئًا يَنْقُلُ بِهِ الْوَدِيعَةَ عَنْ مِلْكِ الْمُودِعِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ لَا تُعْرَفُ لِلْمُودِعِ إلَّا بِقَوْلِ الْمُودَعِ، فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُ الْمُودَعِ مَعَ يَمِينِهِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ إيَّاهُ بِبَيْعِهَا، أَوْ الصَّدَقَةِ بِهَا، أَوْ بِهِبَتِهَا، أَوْ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ وَسَائِرِ الْوُجُوهِ وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ فِي مَالِهِ، وَلَا بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ، لَا بِدَيْنٍ وَلَا بِتَعَدٍّ، وَلَا قَامَتْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِحَقٍّ وَلَا بِتَعَدٍّ، وَمَالُهُ مُحَرَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مَعْرُوفَةَ الْعَيْنِ لِلْمُودِعِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِعِلْمِ الْحَاكِمِ فَإِنَّ الْمُودَعَ مُدَّعٍ نَقْلَ مِلْكِ الْمُودِعِ عَنْهَا، فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَقَدْ أَقَرَّ حِينَئِذٍ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِمَا قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ إذْ يَقُولُ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَهُوَ ضَامِنٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَةٌ لَقِيَ الْمُودِعُ مَنْ أَوْدَعَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَوْدَعَهُ فِيهِ] ١٣٩٣ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ لَقِيَ الْمُودِعُ مَنْ أَوْدَعَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَوْدَعَهُ فِيهِ مَا أَوْدَعَهُ، فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ الْوَدِيعَةِ، وَنَقْلُ الْوَدِيعَةِ بِالْحَمْلِ، وَالرَّدِّ عَلَى الْمُودِعِ لَا عَلَى الْمُودَعِ، وَإِنَّمَا عَلَى الْمُودَعِ أَنْ لَا يَمْنَعَهَا مِنْ صَاحِبِهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّ بَشَرَتَهُ وَمَالَهُ مُحَرَّمَانِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَاصِبِ، وَالْمُتَعَدِّي فِي الْوَدِيعَةِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَأَخْذُ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَرَدُّهُ عَلَى الْمُتَعَدِّي وَالْغَاصِبِ، وَأَخْذُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَى صَاحِبِهِ حَيْثُ لَقِيَهُ مِنْ بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ الظُّلْمِ وَالْمَطْلِ فِي كُلِّ أَوَانٍ وَمَكَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 2753

[كِتَابُ الْحَجْرِ] [ مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَى أَحَدٍ فِي مَالِهِ] ِ ١٣٩٤ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَى أَحَدٍ فِي مَالِهِ إلَّا عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ أَوْ عَلَى مَجْنُونٍ فِي حَالِ جُنُونِهِ -: فَهَذَانِ خَاصَّةً لَا يَنْفُذُ لَهُمَا أَمْرٌ فِي مَالِهِمَا، فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ جَازَ أَمْرُهُمَا فِي مَالِهِمَا كَغَيْرِهِمَا وَلَا فَرْقَ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالذَّكَرُ، وَالْأُنْثَى، وَالْبِكْرُ ذَاتُ الْأَبِ وَغَيْرُ ذَاتِ الْأَبِ، وَذَاتُ الزَّوْجِ، وَاَلَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، فِعْلُ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ عِتْقٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: نَافِذٌ إذَا وَافَقَ الْحَقَّ مِنْ الْوَاجِبِ، أَوْ الْمُبَاحَ - وَمَرْدُودٌ فِعْلُ كُلِّ أَحَدٍ فِي مَالِهِ إذَا خَالَفَ الْمُبَاحَ، أَوْ الْوَاجِبَ، وَلَا فَرْقَ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَبٍ، وَلَا لِزَوْجٍ، وَلَا لِحَاكِمٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا كَانَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ. وَمِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى: الصَّدَقَةُ، وَالْعَطِيَّةُ، بِمَا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ لِلْمُتَصَدِّقِ أَوْ الْوَاهِبِ غِنًى، فَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ إبْطَالَ فِعْلِ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ فَلْيُعْلِنْ بِانْتِزَاعِهِ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ حِينَئِذٍ تَصَرُّفٌ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ وَهُوَ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدَبٍ الْجَنْبِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَوَ مَا تَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا وُهَيْبٌ - هُوَ ابْنُ خَالِدٍ - عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ

стр. 2754

عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُهُ، أَبُو ظَبْيَانَ ثِقَةٌ، لَقِيَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَسَمِعَ مِنْهُ، وَمِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد أَيْضًا نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ» . قَالَ عَلِيٌّ: مَعْنَى ثَلَاثٍ: ثَلَاثُ نُفُوسٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] وَحَضَّ عَلَى الْعِتْقِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّفَقَةِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ لِيَقِيَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ نَارَ جَهَنَّمَ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ عَبْدٍ، وَذَاتِ أَبٍ، وَبِكْرٍ، وَذَاتِ زَوْجٍ، مَأْمُورُونَ، مَنْهِيُّونَ، مُتَوَعَّدُونَ بِالنَّارِ، مَنْدُوبُونَ مَوْعُودُونَ بِالْجَنَّةِ، فُقَرَاءُ إلَى إنْقَاذِ أَنْفُسِهِمْ مِنْهَا كَفَقْرِ غَيْرِهِمْ سَوَاءً سَوَاءً، وَلَا مَزِيَّةَ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ إلَّا مَنْ أَخْرَجَهُ النَّصُّ، وَلَمْ يُخْرِجْ النَّصُّ إلَّا الْمَجْنُونَ مَا دَامَ فِي حَالِ جُنُونِهِ - وَاَلَّذِي لَمْ يَبْلُغْ إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَقَطْ، فَكَانَ الْمُفَرِّقَ بَيْنَ مَنْ ذَكَرْنَا فَيُطْلِقُ بَعْضًا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالنِّكَاحِ، وَيَمْنَعُ بَعْضًا بِغَيْرِ نَصٍّ مُبْطِلٍ، مُحَرِّمًا مَا نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ، مَانِعًا مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا يُحْجَرُ عَلَى حُرٍّ

стр. 2755

وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْحَجْرَ عَلَى الْحُرِّ شَيْئًا - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُحْجَرُ عَلَى حُرٍّ لَا لِتَبْذِيرٍ، وَلَا لِدَيْنٍ، وَلَا لِتَفْلِيسٍ، وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَرَى حَجْرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ لَازِمًا - وَيَرَى تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ وَإِقْرَارَهُ بَعْدَ حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ لَازِمًا [وَيَرَى تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ وَإِقْرَارَهُ بَعْدَ حَجْرِ الْقَاضِي] وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ، كُلُّ ذَلِكَ نَافِذٌ إلَّا أَنَّهُ زَادَ فَقَالَ: مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشْدٌ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ بَاعَ شَيْئًا - كَثُرَ أَوْ قَلَّ - نَفَذَ بَيْعُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ فِيهِ - كَثُرَ أَوْ قَلَّ - نَفَذَ إقْرَارُهُ، حَتَّى إذَا تَمَّتْ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ - وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنْهُ رُشْدٌ -: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَا قَبْلَهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ فَأَيُّ مَعْنًى لِلْمَنْعِ لَهُ مِنْ مَالِهِ - هَذَا تَخْلِيطٌ لَا نَظِيرَ لَهُ. ثُمَّ تَحْدِيدُهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ إحْدَى عَجَائِبِ الدُّنْيَا، وَمَا نَدْرِي بِأَيِّ وَجْهٍ يَسْتَحِلُّ فِي الدِّينِ مَنْعَ مَالٍ وَإِطْلَاقِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْآرَاءِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَأَعْجَبُ شَيْءٍ احْتِجَاجُ بَعْضِ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَقْلِيدِهِ إيَّاهُ فَقَالَ: يُولَدُ لِلْمَرْءِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا وَنِصْفٍ فَيَصِيرُ أَبًا، ثُمَّ يُولَدُ لِابْنِهِ كَذَلِكَ فَيَصِيرُ جَدًّا، وَلَيْسَ بَعْدَ الْجَدِّ مَنْزِلَةٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ أَحْمَقُ بَارِدٌ - وَيُقَالُ لَهُ: هَبْك أَنَّهُ كَمَا تَقُولُ فَكَانَ مَاذَا؟ وَمَتَى فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ مَنْ يَكُونُ جَدًّا وَبَيْنَ مَنْ يَكُونُ أَبًا فِي أَحْكَامِ مَالِهِمَا، وَفِي أَيِّ عَقْلٍ وُجِدَ تَمَّ هَذَا؟ وَأَيْضًا: فَقَدْ يُولَدُ لَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا، وَلِابْنِهِ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا. وَأَيْضًا: فَبَعْدَ الْجَدِّ أَبُو جَدٍّ، فَبَلَّغُوهُ هَكَذَا إلَى سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، أَوْ إلَى أَرْبَعِينَ

стр. 2756

سَنَةً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] فَظَهَرَ فَسَادُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى الْحَجْرِ فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ وَلَا يُحْسِنُ ضَبْطَ مَالِهِ: حُجِرَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ عِتْقٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا بَيْعٌ، وَلَا هِبَةٌ، وَلَا نِكَاحٌ، وَلَا يَكُونُ وَلِيًّا لِابْنَتِهِ فِي النِّكَاحِ وَكُلُّ مَا أَخَذَهُ قَرْضًا لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ وَلَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِهِ - وَإِنْ رَشَدَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ: مَا فَعَلَ قَبْلَ أَنْ يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فَفِعْلُهُ نَافِذٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ إلَى أَنْ يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَيْهِ - وَأَجَازَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَدْفَعَ نَفَقَةَ شَهْرٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ الرُّشْدُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ نَافِذَ الْأَمْرِ حَتَّى يَفُكَّ الْقَاضِي عَنْهُ الْحَجْرَ، وَأَجَازَ لِمَنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ إعْطَاءَ كُلِّ مَا يَمْلِكُ فِي ضَرْبَةٍ وَفِي مَرَّاتٍ وَأَنْفَذَهُ عَلَيْهِ - وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ وَتَنَاقُضٌ شَدِيدٌ فِي وُجُوهٍ جَمَّةٍ -: أَحَدُهَا وَأَعْظَمُهَا - إبْطَالُهُ أَعْمَالَ الْبِرِّ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهَا وَجَعَلَهَا مُنْقِذَاتٍ مِنْ النِّيرَانِ: كَالْعِتْقِ، وَالصَّدَقَةِ، وَإِبْطَالُهُ الْبَيْعَ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، لَا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ. وَثَانِيهَا - إبْطَالُهُ الْوَلَايَةَ لِمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلِيًّا لَهَا فِي الْإِنْكَاحِ - فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي حُكْمِ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، اللَّذَيْنِ هُمَا غَيْرُ مُخَاطَبَيْنِ، وَلَا مُكَلَّفَيْنِ إنْقَاذَ أَنْفُسِهِمَا مِنْ النَّارِ، وَلَا وَلَايَةَ لَهُمَا، فَلْيُسْقِطُوا عَنْهُ الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مُكَلَّفًا مُخَاطَبًا مَأْمُورًا مَنْهِيًّا مَنْدُوبًا مَوْعُودًا مُتَوَعَّدًا: فَمَا بَالُهُمْ يَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَدَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ، وَجَعَلَهُ فِي يَدَيْهِ مِنْ الْوَلَايَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَمَا الَّذِي أَسْقَطَ عَنْهُ هَذَا الْخِطَابَ وَأَوْقَعَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ الصَّلَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالتَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ؟ وَمَا نَدْرِي مَا هَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ يَقْصِدُ بِذَلِكَ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ نَمْنَعْهُ. قُلْنَا لَهُمْ: مَا عِلْمُكُمْ بِهَذَا مِنْهُ، وَلَا جَهْلُكُمْ بِهِ مِنْهُ، إلَّا كَعِلْمِكُمْ بِهِ وَجَهْلِكُمْ مِنْ غَيْرِهِ، مِمَّنْ تُطْلِقُونَهُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ وَتُنَفِّذُونَهُ مِنْهُ، وَلَعَلَّهُ أَبْعَدُ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَقَلُّ

стр. 2757

اهْتِبَالًا بِالدِّينِ، وَأَطْغَى مِنْ هَذَا الَّذِي حُلْتُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُقِرُّ بِهِ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى بِالظُّنُونِ الْكَاذِبَةِ. وَثَالِثُهَا - إبْطَالُهُمْ أَمْوَالَ النَّاسِ الَّتِي يَأْخُذُهَا بِالْبَيْعِ أَوْ الْقَرْضِ اللَّذَيْنِ أَبَاحَهُمَا اللَّهُ وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ مِنْ الْعَظَائِمِ مَا نَدْرِي أَيْنَ وَجَدُوا هَذَا الْحُكْمَ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ، وَهَذَا إيكَالٌ لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا أَيْضًا وَإِذَا أَسْقَطُوا عَنْهُ حُقُوقَ النَّاسِ اللَّازِمَةَ لَهُ مِنْ أَثْمَانِ الْبَيْعِ وَرَدِّ الْقَرْضِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَلْيُسْقِطُوا عَنْهُ قِصَاصَ الْجِنَايَاتِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَدِمَائِهِمْ، وَإِلَّا فَقَدْ تَنَاقَضُوا أَقْبَحَ تَنَاقُضٍ - وَهَذَا هُوَ التَّعَاوُنُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ جِهَارًا. وَرَابِعُهَا - وَهُوَ أَفْحَشُهَا فِي التَّنَاقُضِ: إنْفَاذُهُ مَا فَعَلَ مِنْ التَّبْذِيرِ الْمُفْسِدِ حَقًّا، وَبُيُوعِ الْغَبْنِ قَبْلَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، وَرَدِّهِ مَا فَعَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ بَعْدَ حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، فَكَانَ حُكْمُ الْقَاضِي أَنْفَذَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا كَرَامَةَ لِوَجْهِ الْقَاضِي كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ حُكْمَ الْقَاضِي مُحَلِّلًا وَلَا مُحَرِّمًا، إنَّمَا الْقَاضِي مُنَفِّذٌ بِسُلْطَانِهِ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ فَقَطْ - لَا خَصْلَةَ لَهُ غَيْرُهَا وَلَا مَعْنًى سِوَى هَذَا - وَإِلَّا فَلْيَأْتُونَا بِآيَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ، بِخِلَافِ هَذَا، وَيَأْبَى اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ - وَهَذَا كُلُّهُ لَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخَذُوهُ؟ وَخَامِسُهَا - إبْطَالُهُ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ رُشْدًا مَا لَمْ يَفُكَّ الْقَاضِي عَنْهُ الْحَجْرَ - وَهَذِهِ كَالَّتِي قَبْلَهَا. وَسَادِسُهَا - إجَازَتُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْوَلِيُّ نَفَقَةَ شَهْرٍ يُطْلِقُ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَلَيْتَ شَعْرِي مِنْ أَيْنَ خَرَجَ هَذَا التَّقْسِيمُ الْعَجِيبُ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ إطْلَاقِ يَدِهِ عَلَى نَفَقَةِ شَهْرٍ وَبَيْنَ إطْلَاقِهَا عَلَى نَفَقَةِ سَنَةٍ أَوْ نَفَقَةِ سَنَتَيْنِ؟ فَإِنْ قَالُوا: نَفَقَةُ شَهْرٍ قَلِيلَةٌ؟ قُلْنَا: قَدْ يَكُونُ مَالٌ تَكُونُ نَفَقَةُ شَهْرٍ فِيهِ كَثِيرًا وَيَكُونُ مَالٌ نَفَقَةُ عَشْرَةِ أَعْوَامٍ فِيهِ قَلِيلًا، وَلَا يَخْلُو دَفْعُ مَالِهِ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، أَوْ حَرَامًا، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَدَفْعُهُ كُلُّهُ إلَيْهِ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فَقَلِيلٌ الْحَرَامِ حَرَامٌ - وَهَذَا بِعَيْنِهِ أَنْكَرُوا عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إبَاحَتِهِمْ قَلِيلَ الْمُسْكِرِ وَتَحْرِيمِهِمْ كَثِيرَهُ؟ وَسَابِعُهَا - إنْفَاذُهُمْ أَفْعَالَ الْفُسَّاقِ الظَّلَمَةِ الْمُتَعَدِّينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِكُلِّ بَائِقَةٍ الْمُبْتَاعِينَ لِلْخُمُورِ الْمُنْهَمِكِينَ فِي أَجْرِ الْفِسْقِ إذَا كَانُوا جَمَّاعِينَ لِلْمَالِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ

стр. 2758

بِالظُّلْمِ وَغَيْرِهِ، فَيُجِيزُونَ بَيْعَهُمْ وَشِرَاءَهُمْ وَهِبَاتِهِمْ - وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَغْلَبِ وَالْأَظْهَرِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى - وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَا يَمْلِكُونَهُ وَبَقَوْا بَعْدَهُ فُقَرَاءَ مُتَكَفِّفِينَ -: فَأَنْفَذُوا مِنْهُ التَّبْذِيرَ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْبَسْطَ الَّذِي يَقْعُدُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ مَلُومًا مَحْسُورًا، وَرَدَّهُمْ الْعِتْقَ، وَالصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَظِيمٍ مِمَّنْ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ وَيَصِفُونَهُ بِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ ضَبْطَ مَالِهِ - فَأَيُّ تَنَاقُضٍ أَفْحَشُ مِمَّنْ يُجْعَلُ أَصْلُهُ بِزَعْمِهِ ضَبْطَ الْمَالِ وَحِفْظَهُ؟ ثُمَّ يُجِيزُونَ مِنْ وَاحِدٍ إعْطَاءَ مَالِهِ كُلِّهِ حَتَّى يَبْقَى هُوَ وَعِيَالُهُ جَاعَةً وَيُنْفِذُونَهُ عَلَيْهِ، وَيَمْنَعُونَ آخَرَ مِنْ عِتْقِ: عَبْدٍ، وَصَدَقَةٍ بِدِرْهَمٍ، وَابْتِيَاعِ فَاكِهَةٍ يَأْكُلُهَا، وَوَرَاءَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَقُومُ بِأَمْثَالِهِ وَأَمْثَالِ عِيَالِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ أَصْلَهُ بِزَعْمِهِمْ دَفْعَ الْخَدِيعَةِ لَهُ عَنْ مَالِهِ. وَهُمْ يُجِيزُونَ الْخَدِيعَةَ الْمَكْشُوفَةَ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ لِغَيْرِهِ - فَمَا هَذَا الْبَلَاءُ، وَمَا هَذَا التَّخَاذُلُ، وَكَمْ هَذَا التَّنَاقُضُ؟ وَالْحُكْمُ فِي الدِّينِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِلَا قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ يُعْقَلُ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِثْلِ هَذَا كُلِّهِ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ مُفْسِدًا فَجَمِيعُ أَفْعَالِهِ مَرْدُودَةٌ - حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَوْ لَمْ يَحْجُرْ، وَإِذَا رَشَدَ فَجَمِيعُ أَفْعَالِهِ نَافِذَةٌ - حَلَّ عَنْهُ الْقَاضِي الْحَجْرَ أَوْ لَمْ يَحِلَّ - وَكُلُّ مَا أَدْخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ، حَاشَا مَا يَدْخُلُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَقَطْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَقُّ الْوَاضِحُ هُوَ مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ بَالِغٍ مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ، فَحُكْمُهُمْ، كُلُّهُمْ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُمْ مَنْدُوبُونَ إلَى الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، مُبَاحٌ لَهُمْ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَالشِّرَاءُ، مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ إتْلَافُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَإِضَاعَتُهُ وَالْخَدِيعَةُ عَنْهُ وَالصَّدَقَةُ بِمَا لَا يُبْقِي لَهُمْ غِنًى كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» . وَكَمَا قَالَ ﵇: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ؟ قِيلَ لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . وَكَمَا قَالَ ﵇: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا» . وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩]

стр. 2759

وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] وَكُلُّ مَنْ تَصَدَّقَ وَأَعْتَقَ، وَفَعَلَ الْخَيْرَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى -: نَفَذَ، وَلَمْ يَحِلَّ رَدُّهُ وَكُلُّ مَنْ أَعْتَقَ وَتَصَدَّقَ عَنْ غَيْرِ ظَهْرِ غِنًى -: رَدَّ وَبَطَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ إلَّا مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَلَا مَعْصِيَةَ إلَّا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَالصَّدَقَةُ بِمَا لَا يُبْقِي غِنًى مَعْصِيَةٌ، وَالصَّدَقَةُ بِمَا يُبْقِي غِنًى طَاعَةٌ. وَكُلُّ مَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَخُدِعَ أَوْ خَدَعَ -: فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَدِيعَةَ وَالْغِشَّ، وَكُلُّ مَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فَلَمْ يَغْبِنْ وَلَا غَشَّ فَنَافِذٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْبَيْعَ. وَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ فِي مَعْصِيَةٍ فَلْسًا فَمَا فَوْقَهُ - فَمَرْدُودٌ. وَكُلُّ مَنْ أَنْفَقَ كَمَا أُمِرَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ -: فَنَافِذٌ لَازِمٌ، وَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ إبْطَالَ حَقٍّ وَلَا الْمَنْعَ مِنْ الطَّاعَةِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَةٍ عَصَاهَا ذَلِكَ الْمَمْنُوعُ، أَوْ خِيفَ أَنْ يَعْصِيَهَا وَلَمْ يَعْصِ بَعْدُ كَمَا لَمْ يُبِحْ أَنْ تَنْفُذَ مَعْصِيَةٌ، وَأَنْ يَمْضِيَ بَاطِلٌ مِنْ أَجْلِ بَاطِلٍ عَمِلَ بِهِ ذَلِكَ الْمُخِلُّ وَمَعْصِيَتِهِ، بَلْ الْبَاطِلُ مُبْطَلٌ قَلَّ وُجُودُهُ مِنْ الْمَرْءِ أَوْ كَثُرَ، وَالْحَقُّ نَافِذٌ قَلَّ وُجُودُهُ مِنْ الْمَرْءِ أَوْ كَثُرَ -. هَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ وَشَهِدَتْ لَهُ الْعُقُولُ، وَمَا عَدَا هَذَا فَبَاطِلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَتَنَاقُضٌ لَا يَحِلُّ، وَقَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَالْعُقُولِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إنْ أَعْتَقَ الْمَحْجُورُ نَفَذَ عِتْقُهُ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى لَهُ فِي قِيمَتِهِ - فَكَانَتْ هَذِهِ طَرِيفَةً جِدًّا وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ اسْتَحَلَّ إلْزَامَ الْعَبْدِ السَّعْيَ هَهُنَا فِي هَذِهِ الْغَرَامَةِ؟ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا: مَنْ بَلَغَ مُبَذِّرًا فَهُوَ عَلَى الْحَجْرِ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ مَجُورٌ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ فَلَا يُفَكُّ عَنْهُ إلَّا بِيَقِينٍ آخَرَ. قَالُوا: فَإِنْ رَشَدَ ثُمَّ ظَهَرَ تَبْذِيرُهُ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَنْفُذُ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَيُرَدُّ مِمَّا خَالَفَ الْحَقَّ كَغَيْرِهِ سَوَاءٌ.

стр. 2760

قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: قَدْ لَزِمَهُ الْحَجْرُ بِيَقِينٍ، فَلَا يَنْحَلُّ عَنْهُ إلَّا بِيَقِينٍ آخَرَ -: فَقَوْلٌ صَحِيحٌ، وَالْيَقِينُ قَدْ وَرَدَ، وَهُوَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالصَّدَقَةِ، وَأَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ بِالْعِتْقِ، بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْبَيْعِ إذَا بَلَغَ، وَعَلَى النِّكَاحِ إذَا كَانَ مُخَاطَبًا بِسَائِرِ الشَّرَائِعِ وَلَا فَرْقَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِأَشْيَاءَ يَجِبُ إيرَادُهَا، وَبَيَانُ فَاسِدِ احْتِجَاجِهِمْ بِهَا، وَوَضْعِهِمْ النُّصُوصَ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالُوا: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] قَالُوا: فَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ نَدْفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ إينَاسِ الرُّشْدِ مِنْهُمْ، لَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥] فَنَهَى عَنْ إيتَاءِ السُّفَهَاءِ الْمَالَ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إلَّا أَنْ يُرْزَقُوا مِنْهَا فِي الْأَكْلِ وَيُكْسَوْا، وَيُقَالَ لَهُمْ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ. وَقَالَ : ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأَوْجَبَ الْوَلَايَةَ عَلَى السَّفِيهِ، وَالضَّعِيفِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى السَّرَفَ، وَالتَّقْتِيرَ، وَالتَّبْذِيرَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] هَذَا كُلُّ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْقُرْآنِ، وَكُلُّهُ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَمُخَالِفٌ لِأَقْوَالِهِمْ - عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا نَعْلَمُ مِنْ الْقُرْآنِ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا. وَذَكَرُوا مِنْ السُّنَّةِ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ» . وَذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا عَمْرُو بْنُ هَارُونَ عَنْ

стр. 2761

يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَزَنَى فَالْإِثْمُ بَيْنَهُمَا» . مَا نَعْلَمُ لَهُمْ خَبَرًا غَيْرَ هَذَيْنِ، وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَمُخَالِفٌ لِأَقْوَالِهِمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُ [بَعْدَ هَذَا] إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَكَرُوا عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مَا رُوِّينَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ لَهُ: إنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ اشْتَرَى بَيْعًا كَذَا وَكَذَا فَاحْجُرْ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ فِي الْبَيْعِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ فِي بَيْعٍ شَرِيكُهُ فِيهِ الزُّبَيْرُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ حَدَّثَنِي عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَأْخُذُ عَلَى يَدَيْ ابْنِ أَخِيك - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ - وَتَحْجُرُ عَلَيْهِ؟ اشْتَرَى سَبْخَةً بِسِتِّينَ أَلْفًا مَا يَسُرُّنِي أَنَّهَا لِي بِنَعْلِي. وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ الطُّفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: بَلَغَ ابْنَ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ بَيْعَ رُبَاعِهَا: فَقَالَ: لَتَنْتَهِيَنَّ، أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا؟ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا سَعِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إذَا نَشَأَ مِنَّا نَاشِئٌ حَجَرَ عَلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ يُنْكَرُ عَقْلُهُ أَيُحْجَرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَتَبَ إلَى نَجْدَةَ بْنِ عُوَيْمِرٌ وَكَتَبْت تَسْأَلُنِي عَنْ الْيَتِيمِ مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُهُ؟ فَلَعَمْرِي، إنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ لِحْيَتُهُ، وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ، ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا، وَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَصَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْيُتْمُ، وَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْ الْيَتِيمِ الْيُتْمُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَإِذَا بَلَغَ النِّكَاحَ وَأُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ: دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ، فَقَدْ انْقَضَى عَنْهُ يُتْمُهُ.

стр. 2762

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: جَمَعْنَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّهَا مِمَّا رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا رَاجِعٌ إلَى يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَاقْتَصَرْنَا عَلَى ذِكْرِ مَنْ رُوِيَ جَمِيعُهَا عَنْهُ فَقَطْ، وَكُلُّهَا صَحِيحُ السَّنَدِ. وَمِنْ طَرِيقٍ فِيهَا شَرِيكٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] قَالَ: الْيَتِيمُ يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ بِحُلُمٍ وَعَقْلٍ وَوَقَارٍ - مَا نَعْلَمُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَكُلُّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَأَكْثَرُهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا. وَعَنْ التَّابِعِينَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] قَالَ: صَلَاحٌ فِي دِينِهِ وَحِفْظٌ لِمَالِهِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ لِيَشْمُطُ وَمَا أُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ. وَرُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِهِمْ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَرَبِيعَةَ، وَعَطَاءٍ. وَرُوِّينَا عَنْ الضَّحَّاكِ: أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالٌ حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ صَلَاحٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ، عَنْ شُرَيْحٍ، وَلَا عَنْ الْقَاسِمِ مَنْعُهُ مِنْ عِتْقٍ، وَصَدَقَةٍ، وَبَيْعٍ، لَا يَضُرُّ مَالَهُ، إنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ، وَعَطَاءٍ فَقَطْ. قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ عَنْ التَّابِعِينَ غَيْرَ هَذَا، وَبَعْضُهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ مَا الرُّشْدُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ أُونِسَ مِنْهُ بِدَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ؟ فَنَظَرْنَا فِي الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّنُ لَنَا مَا أَلْزَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ، فَوَجَدْنَاهُ كُلَّهُ لَيْسَ الرُّشْدُ فِيهِ إلَّا الدِّينَ، وَخِلَافَ الْغَيِّ فَقَطْ، لَا الْمَعْرِفَةَ بِكَسْبِ الْمَالِ أَصْلًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] . فَصَحَّ أَنَّ مَنْ بَلَغَ مُمَيِّزًا لِلْإِيمَانِ مِنْ الْكُفْرِ فَقَدْ أُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ الَّذِي لَا رُشْدَ سِوَاهُ أَصْلًا، فَوَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إلَيْهِ، وَمَا يَشُكُّ مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ أَنَّ فِرْعَوْنَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا أَشَدَّ

стр. 2763

عِنَايَةً بِالْمَالِ، وَأَضْبَطَ لَهُ، وَأَكْثَرَ وَأَعْرَفَ بِوُجُوهِ جَمْعِهِ مِنْ مُوسَى ﵇، وَأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَغْبُونًا فِي مَالِهِ. وَلَقَدْ أَتَى مُوسَى ﵇، وَالْخَضِرُ ﵇، إلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ فَاسْتَطْعَمَاهُمْ؟ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَبَاتَا لَيْلَتَهُمَا بِغَيْرِ قِرًى، وَمَا بَلَغَ فِرْعَوْنَ فِي مِلْكِهِ قَطُّ هَذَا الْمَبْلَغَ. وَكَذَلِكَ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْمُقَنْطِرَ مِنْ قُرَيْشٍ كَأَبِي لَهَبٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَابْنِ جُدْعَانَ: كَانُوا أَبْصَرَ وَأَسْرَعَ إلَى كَسْبِ الْمَالِ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ مِنْ مُسَاعَاةِ الْإِمَاءِ، وَالرِّبَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ هِشَامٌ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ ثَابِتٌ: عَنْ أَنَسٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَسٌ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَذَكَرَا حَدِيثَ تَلْقِيحِ النَّخْلِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» . فَصَحَّ أَنَّ الرُّشْدَ لَيْسَ هُوَ كَسْبَ الْمَالِ، وَلَا مَنْعَهُ مِنْ الْحُقُوقِ، وَوُجُوهِ الْبِرِّ، بَلْ هَذَا هُوَ السَّفَهُ، وَإِنَّمَا الرُّشْدُ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَسْبُ الْمَالِ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَثْلِمُ الدِّينَ، وَلَا تَخْلَقُ الْعِرْضَ، وَإِنْفَاقُهُ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَفِيمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ، وَإِبْقَاءُ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ، وَالْعِيَالِ، عَلَى التَّوَسُّطِ وَالْقَنَاعَةِ، فَهَذَا هُوَ الرُّشْدُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ [الأعراف: ١٤٦] وَهَكَذَا كُلُّ مَكَان فِي الْقُرْآنِ ذُكِرَ فِيهِ الرُّشْدُ. وَكَذَلِكَ لَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ: أَنَّ الرُّشْدَ هُوَ الْكَيِّسُ فِي جَمْعِ الْمَالِ وَضَبْطِهِ، فَبَطَلَ تَأْوِيلُهُمْ فِي الرُّشْدِ بِالْآيَةِ، وَفِي دَفْعِ الْمَالِ بِإِينَاسِهِ. وَصَحَّ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا، وَأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى يَقِينًا بِهَا: إنَّمَا هُوَ أَنَّ مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا مُسْلِمًا وَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إلَيْهِ، وَجَازَ فِيهِ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ مَا يَجُوزُ مِنْ فِعْلِ سَائِرِ النَّاسِ

стр. 2764

كُلِّهِمْ، وَيُرَدُّ مِنْ أَفْعَالِهِ مَا يُرَدُّ مِنْ أَفْعَالِ سَائِرِ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَلَا فَرْقَ، وَأَنَّ مَنْ بَلَغَ غَيْرَ عَاقِلٍ، وَلَا مُمَيِّزٍ لِلدِّينِ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مَالُهُ. وَلَوْ كَانَ الَّذِي قَالُوا فِي الرُّشْدِ، وَفِي السَّفَهِ قَوْلًا صَحِيحًا - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - لَكَانَ طَوَائِفُ مِنْ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَعُبَّادِ الْأَوْثَانِ ذَوِي رُشْدٍ، وَلَكَانَ طَوَائِفُ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ سُفَهَاءَ، وَحَاشَ لِلَّهِ مِنْ هَذَا. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَإِنَّ السَّفَهَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَبِهَا خُوطِبْنَا، لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ لَا رَابِعَ لَهَا أَصْلًا -: أَحَدُهَا - الْبَذَاءُ وَالسَّبُّ بِاللِّسَانِ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ - فَسَقَطَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْوَجْهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي - الْكُفْرُ، قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] . وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى ﵇: أَنَّهُ قَالَ لِلَّهِ تَعَالَى ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] يَعْنِي كَفَرَةَ بَنِي إسْرَائِيلَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] . وَقَالَ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُؤْمِنِي الْجِنِّ الَّذِينَ صَدَّقَهُمْ وَرَضِيَ عَنْهُمْ قَوْلَهُمْ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] فَهَذَا مَعْنًى ثَانٍ، وَلَا خِلَافَ مِنْهُمْ وَلَا مَنَّا فِي أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُمْنَعُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَأَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَهِبَاتِهِمْ جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] لَمْ يُرِدْ بِهِ تَعَالَى قَطُّ الْكُفَّارَ، وَلَا ذَوِي الْبَذَاءِ فِي أَلْسِنَتِهِمْ. وَالْمَعْنَى الثَّالِثُ - وَهُوَ عَدَمُ الْعَقْلِ الرَّافِعِ لِلْمُخَاطَبَةِ كَالْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ فَقَطْ، وَهَؤُلَاءِ بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ هُمْ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَتَيْنِ، وَأَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الصِّفَةِ لَا

стр. 2765

يُؤْتَوْنَ أَمْوَالَهُمْ، لَكِنْ يُكْسَوْنَ فِيهَا، وَيُرْزَقُونَ، وَيُرْفَقُ بِهِمْ فِي الْكَلَامِ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُمْ، لَكِنْ يُقِرُّ عَنْهُمْ وَلِيُّهُمْ النَّاظِرُ لَهُمْ، فَصَحَّ هَذَا بِيَقِينٍ. فَمَنْ قَالَ: إنَّ مَنْ يُغْبَنُ فِي الْبَيْعِ وَلَا يُحْسِنُ حِفْظَ مَالِهِ - وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا مُخَاطَبًا بِالدِّينِ مُمَيِّزًا لَهُ -: دَاخِلٌ فِي " اسْمِ السَّفَهِ " الْمَذْكُورِ فِي الْآيَتَيْنِ، فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ، وَقَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا لَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَى صِحَّتِهِ - وَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] فَإِذْ لَا بُرْهَانَ لَهُمْ فَلَيْسُوا صَادِقِينَ فِيهِ بِلَا شَكٍّ. فَصَحَّ أَنَّ الْآيَتَيْنِ مُوَافَقَتَانِ لِقَوْلِنَا مُخَالِفَتَانِ لِقَوْلِهِمْ، وَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ فِي الْقُرْآنِ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَا الْعَرَبِيُّ الْجَاهِلَ بِكَسْبِ مَالِهِ، أَوْ الْمَغْبُونَ فِي الْبَيْعِ: سَفِيهًا. " وَالسَّفِيهُ " الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَةِ هُوَ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ لِجُنُونِهِ، وَالضَّعِيفُ الَّذِي لَا قُوَّةَ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم: ٥٤] وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ: هُوَ مِنْ بِهِ آفَةٌ فِي لِسَانِهِ تَمْنَعُهُ كَخَرَسٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَسَّرَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِكَلَامِهِ، أَوْ بِكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ أَوْ بِلُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ أَنْزَلَ بِهَا الْقُرْآنَ، وَبِالْيَقِينِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى - فَهَذِهِ طَرِيقُ النَّجَاةِ، وَأَمَّا بِالظُّنُونِ، وَمَا لَا بُرْهَانَ عَلَيْهِ، فَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] قَالَ: الْعَقْلُ، لَا يُدْفَعُ إلَى الْيَتِيمِ مَالُهُ - وَإِنْ شَمِطَ - حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُتَيَقَّنُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قَالَ: السُّفَهَاءُ: الصِّغَارُ، وَالنِّسَاءُ: مِنْ السُّفَهَاءِ. وَبِهِ إلَى سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا عَوْنُ بْنُ مُوسَى سَمِعْت مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ يَقُولُ: عَوِّدُوا النِّسَاءَ " لَا " فَإِنَّهَا سَفِيهَةٌ إنْ أَطَعْتهَا أَهْلَكَتْك

стр. 2766

وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ نا أَبِي، وَحُمَيْدٌ الرُّؤَاسِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ الرُّؤَاسِيُّ: عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ السُّدِّيِّ - رَدَّهُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ: - قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قَالَ: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ، قَالَ: وَقَالَ أَبِي: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ عَنْ الضَّحَّاكِ، قَالَ: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ. وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ نَصْرٌ: نا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: نَا أَبِي نَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَكَمُ، وَمُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قَالَا جَمِيعًا: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ. وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ نا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى نا ابْنُ نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قَالَ: نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يُعْطُوا النِّسَاءَ أَمْوَالَهُمْ، وَالسُّفَهَاءُ: مَنْ كُنَّ أَزْوَاجًا، أَوْ أُمَّهَاتٍ، أَوْ بَنَاتٍ. وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ نا شَرِيكٌ عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قَالَ: النِّسَاءُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاتَّفَقَ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ - إمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ - عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ سُفَهَاءُ، وَأَنَّهُنَّ مِنْ الْمُرَادِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَصَرَّحَ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهُنَّ الْأُمَّهَاتُ وَالزَّوْجَاتُ، وَالْبَنَاتُ، فَأَيْنَ الْمُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الْجُمْهُورِ؟ وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الصِّبْيَانُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، بِأَنَّهُنَّ سُفَهَاءُ، بَلْ قَدْ ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ الرِّجَالِ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ فَقَالَ: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وَفِي سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 2767

وَأَمَّا تَحْرِيمُهُ تَعَالَى التَّبْذِيرَ، وَالْإِسْرَافَ، وَبَسْطَ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ فَحَقٌّ، وَهُوَ قَوْلُنَا، وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِكُلِّ ذَلِكَ جَهْلًا، فَيُجِيزُونَ مِنْ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ إعْطَاءَ مَالِهِ كُلِّهِ إمَّا صَدَقَةً وَإِمَّا هِبَةً لِشَاعِرٍ، أَوْ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ، نَعَمْ، حَتَّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ لَهَا عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ لَهَا عَنْ جَمِيعِ مَالِهِ الدَّيْنَ الثَّقِيلَ، وَهَذَا هُوَ التَّبْذِيرُ الْمُحَرَّمُ، وَالْإِسْرَافُ الْمُحَرَّمُ، وَبَسْطُ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ حَتَّى يَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، وَنَحْنُ نَمْنَعُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَنُبْطِلُهُ وَنَرُدُّهُ. ثُمَّ يَمْنَعُونَ آخَرِينَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِدِرْهَمٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمَنْ عَتَقَ عَبْدَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِائَةُ عَبْدٍ، وَيُنْفِذُونَ وَصِيَّتَهُمْ وَإِنْ عَظُمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَيَحْجُرُونَ الصَّدَقَةَ، وَالْعِتْقَ بِالْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، عَلَى مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَحْجُرُونَ عَلَى مَنْ يَبْتَاعُ الْخُمُورَ، وَيُعْطِي أَجْرَ الْفِسْقِ، وَيُنْفِقُ عَلَى النُّدْمَانِ، وَفِي الْقِمَارِ، وَإِنْ أَكْثَرَ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَصِيرًا بِكَسْبِ الْمَالِ مِنْ ظُلْمٍ وَغَيْرِ ظُلْمٍ ضَابِطًا لَهُ مِنْ حَقٍّ وَغَيْرِ حَقٍّ، وَمَانِعًا مِنْ زَكَاةٍ وَصَدَقَةٍ، وَهَذِهِ تَنَاقُضَاتٌ فِي غَايَةِ السَّمَاجَةِ، وَظُهُورُ الْخَطَأِ بِغَيْرِ وَجْهٍ يُعْرَفُ، فَمَرَّةً يُطْلِقُونَ إتْلَافَ الْمَالِ جُمْلَةً فِي الْبَاطِلِ، وَمَرَّةً يَحْتَاطُونَ فَيَرُدُّونَ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ، وَعِتْقَ رَقَبَةٍ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَالِ فِيهِمَا. وَمَرَّةً يُجِيزُونَ الْخَدِيعَةَ فِي الْأُلُوفِ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَكْرَهُونَهَا وَيَقُولُونَ: الْبَيْعُ خُدْعَةٌ، وَمَرَّةً يُبْطِلُونَ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا خَدِيعَةَ فِيهِ خَوْفَ أَنْ يُخْدَعَ مَرَّةً أُخْرَى، وَهَذَا فِي التَّنَاقُضِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، وَفِي الْقَوْلِ بِمَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ. وَأَمَّا نَحْنُ فَنَرُدُّ الْخَدِيعَةَ وَالْغِشَّ حَيْثُ وُجِدَا، وَمِمَّنْ وُجِدَا - قَلَّا أَمْ كَثُرَا - وَنُجِيزُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا خَدِيعَةَ فِيهِ حَيْثُ وُجِدَ، وَمِمَّنْ وُجِدَ، وَنَرُدُّ كُلَّ عَطِيَّةٍ فِي بَاطِلٍ - قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ - وَنُمْضِي كُلَّ عَطِيَّةٍ فِي حَقٍّ - قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ - وَبِهَذَا جَاءَتْ النُّصُوصُ، وَلَهُ شَهِدَتْ الْعُقُولُ، وَالْآرَاءُ الصِّحَاحُ الَّتِي إلَيْهِمَا يَنْتَمُونَ، وَبِهَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى يَقْضُونَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نُفَسِّرُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى التَّبْذِيرَ، وَالْإِسْرَافَ، وَبَسْطَ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَزَجَرَ عَنْهَا، لَا كَتَفْسِيرِهِمْ الَّذِي لَا يَفْهَمُونَهُ، وَلَا يَفْهَمُونَهُ أَصْلًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ الْأَعْمَالُ الْمُحَرَّمَةُ مَعْنَاهَا كُلُّهَا وَاحِدٌ وَيَجْمَعُهُ أَنَّ كُلَّ نَفَقَةٍ أَبَاحَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَرَ بِهَا - كَثُرَتْ أَمْ قَلَّتْ - فَلَيْسَتْ إسْرَافًا وَلَا تَبْذِيرًا وَلَا بَسْطَ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ؛ لِأَنَّهُ

стр. 2768

تَعَالَى لَا يُحِلُّ مَا حَرَّمَ مَعًا، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الَّذِي أَبَاحَ هُوَ غَيْرُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ، وَهُوَ نَفْسُ قَوْلِنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَكُلُّ نَفَقَةٍ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ - فَهِيَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ وَبَسْطُ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مُفَسَّرًا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مُجْمَلًا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا، وَبِهَذَا جَاءَتْ الْآثَارُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُبَذِّرِ: هُوَ الَّذِي يُنْفِقُ فِي غَيْرِ حَقٍّ. وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] قَالَ: الْإِنْفَاقُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قَالَ: لَا تَمْنَعْهُ مِنْ حَقٍّ وَلَا تُنْفِقْهُ فِي بَاطِلٍ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ هِيَ نَصُّ قَوْلِنَا وَأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهَا أَوْضَحَ خِلَافٍ. قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ شِرَاءِ لِمَأْكُولٍ، أَوْ مَلْبُوسٍ، أَوْ مَرْكُوبٍ، وَكُلُّ عِتْقٍ، وَصَدَقَةٍ، وَهِبَةٍ، أَبْقَى غِنًى فَهُوَ حَلَالٌ -. وَالْحَلَالُ هُوَ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، وَالْإِسْرَافِ، وَبَسْطِ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ. وَالْحَلَالُ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ وَكُلُّ مَا لَمْ يُبْقِ غِنًى مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِالْمَرْءِ عَنْهُ غِنًى فَهُوَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ، وَبَسْطُ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ مَرْدُودٌ، وَهَكَذَا كُلُّ نَفَقَةٍ فِي مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ، وَأُجْرَةِ الْفِسْقِ، وَالْقِمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَبَطَلَ عَنْهُمْ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ،

стр. 2769

وَأَمَّا نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ فَحَقٌّ وَهُوَ قَوْلُنَا، وَإِضَاعَتُهُ هُوَ صَبُّهُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ إنْفَاقُهُ فِي مُحَرَّمٍ كَمَا قُلْنَا فِي التَّبْذِيرِ، وَالْإِسْرَافِ، وَبَسْطِ الْيَدِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فِي " الْمُزَارَعَةِ «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» فَلَمْ يَجْعَلْ ﵇ تَرْكَ الْأَرْضِ لَا تَعْمُرُ إضَاعَةً لِلْمَالِ إذَا لَمْ يَحْتَجْ صَاحِبُهَا إلَى ذَلِكَ. وَمَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَرْكَ التَّزَيُّدِ مِنْ كَسْبِ الْمَالِ لِمَنْ مَعَهُ الْكَفَافُ لَهُ وَلِعِيَالِهِ مُبَاحٌ، وَأَنَّ إقْبَالَهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ إكْبَابِهِ عَلَى طَلَبِ التَّزَيُّدِ مِنْ الْمَالِ - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَأَعْجَبُ شَيْءٍ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَنْ لَمْ يُثَمِّرْ مَالَهُ فَهُوَ سَفِيهٌ، ثُمَّ أَبَاحُوا لِمَنْ تَعَدَّى فَأَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ ظُلْمًا أَوْ غَصْبًا، وَبِالْبَيْعِ، وَبِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ، فَلَمَّا طَلَبَ بِالْحُقُوقِ، وَأَخَذَ مَا وُجِدَ لَهُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ أَنْ يَقْعُدَ مَكَانَهُ فَلَا يَتَكَسَّبُ شَيْئًا يُنْصِفُ مِنْهُ أَهْلَ الْحُقُوقِ قَبْلَهُ - وَهَذِهِ ضِدُّ الْحَقَائِقِ، مَرَّةً يَمْنَعُونَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ تَثْمِيرَ مَالِهِ، وَمَرَّةً يُطْلِقُونَ لَهُ أَنْ لَا يُثَمِّرَ مَالَهُ وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْحُقُوقِ قِبَلَهُ، فَوَاخِلَافَاهُ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ نا ابْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ أَبِي عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؟ فَقَالَ: أَنْ يَرْزُقَك اللَّهُ تَعَالَى مَالًا فَتُنْفِقَهُ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْك. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَوْلَادُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هُمْ ثَلَاثَةٌ، عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَإِسْحَاقُ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مَشَاهِيرُ، فَأَيُّهُمْ كَانَ فَهُوَ ثِقَةٌ -. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْإِسْرَافَ هُوَ النَّفَقَةُ فِي الْمَعَاصِي - فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ هُوَ قَوْلُنَا، وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ. وَأَمَّا الْخَبَرُ الْآخَرُ «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَزَنَى فَالْإِثْمُ بَيْنَهُمَا» . فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ أَعْظَمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَأَشَدَّ خِلَافًا لِقَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا نَهْيُ الْوَلِيِّ عَنْ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْيَتِيمِ وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ بِأَشَدِّ الْوَعِيدِ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ

стр. 2770

يَأْمُرُونَ وَلِيَّ الْيَتِيمِ بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ وَيَرُدُّونَ زَوَاجَهُ إنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ حَتَّى يَكُونَ وَلِيُّهُ هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهُ مِمَّنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ، لَا مِمَّنْ أَرَادَ الْمُولَى عَلَيْهِ. فَأَيُّ عَجَبٍ أَعْجَبُ مِنْ احْتِجَاجِ قَوْمٍ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ، أَوْ بِرِوَايَةٍ أَصْلًا وَلَاحَ أَنَّ الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ مُخَالِفَانِ لِأَقْوَالِهِمْ هَهُنَا. وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَكُلُّهَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، بَلْ هِيَ عَلَيْهِمْ -: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُثْمَانَ مِنْ قَوْلِهِ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَحْجُرُ عَلَى ابْنِ أَخِيك وَتَأْخُذُ عَلَى يَدِهِ اشْتَرَى سَبَخَةً بِسِتِّينَ أَلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّهَا لِي بِنَعْلِي؟ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ قَطُّ، فَإِنْ كَانَ الْحَجْرُ وَاجِبًا فَلِمَ تَرَكَهُ عُثْمَانُ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الرَّأْيِ يَرَاهُ؟ فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْحَجْرَ وَاجِبًا وَلَوْ رَآهُ عَلِيٌّ، أَوْ عُثْمَانُ وَاجِبًا، لَمَا حَلَّ لَهُمَا أَنْ لَا يُمْضِيَاهُ - وَهَذَا خَبَرٌ نَاقِصٌ رُوِّينَاهُ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِعَلِيٍّ: خُذْ عَلَى يَدِ ابْنِ أَخِيك اشْتَرَى سَبَخَةَ آلِ فُلَانٍ بِسِتِّينَ أَلْفًا، مَا أُحِبُّ أَنَّهَا لِي بِنَعْلِي فَأَقَلَّ، قَالَ: فَجَزَّأَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَلْقَى فِيهَا الْعُمَّالَ فَأَقْبَلَتْ الْأَرْضُ، فَمَرَّ بِهَا عُثْمَانُ فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَلِّنِي جُزْأَيْنِ مِنْهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِاَلَّذِينَ سَفَّهْتنِي عِنْدَهُمْ فَيَطْلُبُونَ إلَيَّ؟ فَفَعَلَ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَنْقُصُك جُزْأَيْنِ مِنْهَا مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا؟ قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ أَخَذْتُهُمَا -. فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ مِنْ عُثْمَانَ رَأْيٌ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَصْلًا مَا بَيْنَ إنْكَارِهِ لِلشِّرَاءِ إلَى أَنْ أَقْبَلَتْ الْأَرْضُ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ ذَكَرَ لِعُثْمَانَ أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي بَيْعٍ ابْتَاعَهُ فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ فِيهِ، فَرِوَايَةٌ نُنْكِرُهَا جِدًّا، وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ الْبَيْعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَى صَاحِبِهِ أَوْ لَا يُوجِبُهُ، فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْحَجْرَ، فَالْحَجْرُ وَاجِبٌ عَلَى الزُّبَيْرِ، كَمَا هُوَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَى الزُّبَيْرِ فَمَا يُوجِبُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَتْرُكُ حَقًّا وَاجِبًا مِنْ
следующие страницы →