Полный текст (5 355 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ نا أَبِي، وَحُمَيْدٌ الرُّؤَاسِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ الرُّؤَاسِيُّ: عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ السُّدِّيِّ - رَدَّهُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ: - قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قَالَ: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ، قَالَ: وَقَالَ أَبِي: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ عَنْ الضَّحَّاكِ، قَالَ: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ.
وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ نَصْرٌ: نا أَبُو أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: نَا أَبِي نَا الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَكَمُ، وَمُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قَالَا جَمِيعًا: النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ. وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ نا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى نا ابْنُ نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قَالَ: نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يُعْطُوا النِّسَاءَ أَمْوَالَهُمْ، وَالسُّفَهَاءُ: مَنْ كُنَّ أَزْوَاجًا، أَوْ أُمَّهَاتٍ، أَوْ بَنَاتٍ.
وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ نا شَرِيكٌ عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قَالَ: النِّسَاءُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاتَّفَقَ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ - إمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ - عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ سُفَهَاءُ، وَأَنَّهُنَّ مِنْ الْمُرَادِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ.
وَصَرَّحَ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهُنَّ الْأُمَّهَاتُ وَالزَّوْجَاتُ، وَالْبَنَاتُ، فَأَيْنَ الْمُشَنِّعُونَ بِخِلَافِ الْجُمْهُورِ؟ وَجَمِيعُ الْحَاضِرِينَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الصِّبْيَانُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، بِأَنَّهُنَّ سُفَهَاءُ، بَلْ قَدْ ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ الرِّجَالِ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ فَقَالَ: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وَفِي سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 2767
وَأَمَّا تَحْرِيمُهُ تَعَالَى التَّبْذِيرَ، وَالْإِسْرَافَ، وَبَسْطَ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ فَحَقٌّ، وَهُوَ قَوْلُنَا، وَهُمْ مُخَالِفُونَ لِكُلِّ ذَلِكَ جَهْلًا، فَيُجِيزُونَ مِنْ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ إعْطَاءَ مَالِهِ كُلِّهِ إمَّا صَدَقَةً وَإِمَّا هِبَةً لِشَاعِرٍ، أَوْ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ، نَعَمْ، حَتَّى إنَّهُ لَيَكْتُبُ لَهَا عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ لَهَا عَنْ جَمِيعِ مَالِهِ الدَّيْنَ الثَّقِيلَ، وَهَذَا هُوَ التَّبْذِيرُ الْمُحَرَّمُ، وَالْإِسْرَافُ الْمُحَرَّمُ، وَبَسْطُ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ حَتَّى يَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، وَنَحْنُ نَمْنَعُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَنُبْطِلُهُ وَنَرُدُّهُ.
ثُمَّ يَمْنَعُونَ آخَرِينَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِدِرْهَمٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمَنْ عَتَقَ عَبْدَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ مِائَةُ عَبْدٍ، وَيُنْفِذُونَ وَصِيَّتَهُمْ وَإِنْ عَظُمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَيَحْجُرُونَ الصَّدَقَةَ، وَالْعِتْقَ بِالْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، عَلَى مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَحْجُرُونَ عَلَى مَنْ يَبْتَاعُ الْخُمُورَ، وَيُعْطِي أَجْرَ الْفِسْقِ، وَيُنْفِقُ عَلَى النُّدْمَانِ، وَفِي الْقِمَارِ، وَإِنْ أَكْثَرَ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَصِيرًا بِكَسْبِ الْمَالِ مِنْ ظُلْمٍ وَغَيْرِ ظُلْمٍ ضَابِطًا لَهُ مِنْ حَقٍّ وَغَيْرِ حَقٍّ، وَمَانِعًا مِنْ زَكَاةٍ وَصَدَقَةٍ، وَهَذِهِ تَنَاقُضَاتٌ فِي غَايَةِ السَّمَاجَةِ، وَظُهُورُ الْخَطَأِ بِغَيْرِ وَجْهٍ يُعْرَفُ، فَمَرَّةً يُطْلِقُونَ إتْلَافَ الْمَالِ جُمْلَةً فِي الْبَاطِلِ، وَمَرَّةً يَحْتَاطُونَ فَيَرُدُّونَ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ، وَعِتْقَ رَقَبَةٍ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَالِ فِيهِمَا.
وَمَرَّةً يُجِيزُونَ الْخَدِيعَةَ فِي الْأُلُوفِ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَكْرَهُونَهَا وَيَقُولُونَ: الْبَيْعُ خُدْعَةٌ، وَمَرَّةً يُبْطِلُونَ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا خَدِيعَةَ فِيهِ خَوْفَ أَنْ يُخْدَعَ مَرَّةً أُخْرَى، وَهَذَا فِي التَّنَاقُضِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، وَفِي الْقَوْلِ بِمَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَنَرُدُّ الْخَدِيعَةَ وَالْغِشَّ حَيْثُ وُجِدَا، وَمِمَّنْ وُجِدَا - قَلَّا أَمْ كَثُرَا - وَنُجِيزُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا خَدِيعَةَ فِيهِ حَيْثُ وُجِدَ، وَمِمَّنْ وُجِدَ، وَنَرُدُّ كُلَّ عَطِيَّةٍ فِي بَاطِلٍ - قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ - وَنُمْضِي كُلَّ عَطِيَّةٍ فِي حَقٍّ - قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ - وَبِهَذَا جَاءَتْ النُّصُوصُ، وَلَهُ شَهِدَتْ الْعُقُولُ، وَالْآرَاءُ الصِّحَاحُ الَّتِي إلَيْهِمَا يَنْتَمُونَ، وَبِهَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى يَقْضُونَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ نُفَسِّرُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى التَّبْذِيرَ، وَالْإِسْرَافَ، وَبَسْطَ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَزَجَرَ عَنْهَا، لَا كَتَفْسِيرِهِمْ الَّذِي لَا يَفْهَمُونَهُ، وَلَا يَفْهَمُونَهُ أَصْلًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ الْأَعْمَالُ الْمُحَرَّمَةُ مَعْنَاهَا كُلُّهَا وَاحِدٌ وَيَجْمَعُهُ أَنَّ كُلَّ نَفَقَةٍ أَبَاحَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَرَ بِهَا - كَثُرَتْ أَمْ قَلَّتْ - فَلَيْسَتْ إسْرَافًا وَلَا تَبْذِيرًا وَلَا بَسْطَ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 2768
تَعَالَى لَا يُحِلُّ مَا حَرَّمَ مَعًا، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الَّذِي أَبَاحَ هُوَ غَيْرُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ، وَهُوَ نَفْسُ قَوْلِنَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَكُلُّ نَفَقَةٍ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ - فَهِيَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ وَبَسْطُ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مُفَسَّرًا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ مُجْمَلًا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا، وَبِهَذَا جَاءَتْ الْآثَارُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُبَذِّرِ: هُوَ الَّذِي يُنْفِقُ فِي غَيْرِ حَقٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] قَالَ: الْإِنْفَاقُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قَالَ: لَا تَمْنَعْهُ مِنْ حَقٍّ وَلَا تُنْفِقْهُ فِي بَاطِلٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ هِيَ نَصُّ قَوْلِنَا وَأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهَا أَوْضَحَ خِلَافٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: كُلُّ شِرَاءِ لِمَأْكُولٍ، أَوْ مَلْبُوسٍ، أَوْ مَرْكُوبٍ، وَكُلُّ عِتْقٍ، وَصَدَقَةٍ، وَهِبَةٍ، أَبْقَى غِنًى فَهُوَ حَلَالٌ -. وَالْحَلَالُ هُوَ غَيْرُ التَّبْذِيرِ، وَالْإِسْرَافِ، وَبَسْطِ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ.
وَالْحَلَالُ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ وَكُلُّ مَا لَمْ يُبْقِ غِنًى مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِالْمَرْءِ عَنْهُ غِنًى فَهُوَ الْإِسْرَافُ وَالتَّبْذِيرُ، وَبَسْطُ الْيَدِ كُلَّ الْبَسْطِ فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ مَرْدُودٌ، وَهَكَذَا كُلُّ نَفَقَةٍ فِي مُحَرَّمٍ كَالْخَمْرِ، وَأُجْرَةِ الْفِسْقِ، وَالْقِمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَبَطَلَ عَنْهُمْ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ،
стр. 2769
وَأَمَّا نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ فَحَقٌّ وَهُوَ قَوْلُنَا، وَإِضَاعَتُهُ هُوَ صَبُّهُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ إنْفَاقُهُ فِي مُحَرَّمٍ كَمَا قُلْنَا فِي التَّبْذِيرِ، وَالْإِسْرَافِ، وَبَسْطِ الْيَدِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فِي " الْمُزَارَعَةِ «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ» فَلَمْ يَجْعَلْ ﵇ تَرْكَ الْأَرْضِ لَا تَعْمُرُ إضَاعَةً لِلْمَالِ إذَا لَمْ يَحْتَجْ صَاحِبُهَا إلَى ذَلِكَ.
وَمَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ تَرْكَ التَّزَيُّدِ مِنْ كَسْبِ الْمَالِ لِمَنْ مَعَهُ الْكَفَافُ لَهُ وَلِعِيَالِهِ مُبَاحٌ، وَأَنَّ إقْبَالَهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ إكْبَابِهِ عَلَى طَلَبِ التَّزَيُّدِ مِنْ الْمَالِ - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَأَعْجَبُ شَيْءٍ قَوْلُهُمْ: إنَّ مَنْ لَمْ يُثَمِّرْ مَالَهُ فَهُوَ سَفِيهٌ، ثُمَّ أَبَاحُوا لِمَنْ تَعَدَّى فَأَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ ظُلْمًا أَوْ غَصْبًا، وَبِالْبَيْعِ، وَبِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ، فَلَمَّا طَلَبَ بِالْحُقُوقِ، وَأَخَذَ مَا وُجِدَ لَهُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ أَنْ يَقْعُدَ مَكَانَهُ فَلَا يَتَكَسَّبُ شَيْئًا يُنْصِفُ مِنْهُ أَهْلَ الْحُقُوقِ قَبْلَهُ - وَهَذِهِ ضِدُّ الْحَقَائِقِ، مَرَّةً يَمْنَعُونَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقِ، وَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ تَثْمِيرَ مَالِهِ، وَمَرَّةً يُطْلِقُونَ لَهُ أَنْ لَا يُثَمِّرَ مَالَهُ وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْحُقُوقِ قِبَلَهُ، فَوَاخِلَافَاهُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ نا ابْنُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ أَبِي عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؟ فَقَالَ: أَنْ يَرْزُقَك اللَّهُ تَعَالَى مَالًا فَتُنْفِقَهُ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْك.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَوْلَادُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هُمْ ثَلَاثَةٌ، عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَإِسْحَاقُ: كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مَشَاهِيرُ، فَأَيُّهُمْ كَانَ فَهُوَ ثِقَةٌ -.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الْإِسْرَافَ هُوَ النَّفَقَةُ فِي الْمَعَاصِي - فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ هُوَ قَوْلُنَا، وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الْآخَرُ «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَزَنَى فَالْإِثْمُ بَيْنَهُمَا» .
فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ أَعْظَمَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَأَشَدَّ خِلَافًا لِقَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا نَهْيُ الْوَلِيِّ عَنْ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْيَتِيمِ وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ بِأَشَدِّ الْوَعِيدِ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ
стр. 2770
يَأْمُرُونَ وَلِيَّ الْيَتِيمِ بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّزْوِيجِ وَيَرُدُّونَ زَوَاجَهُ إنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ حَتَّى يَكُونَ وَلِيُّهُ هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهُ مِمَّنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ، لَا مِمَّنْ أَرَادَ الْمُولَى عَلَيْهِ.
فَأَيُّ عَجَبٍ أَعْجَبُ مِنْ احْتِجَاجِ قَوْمٍ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ، أَوْ بِرِوَايَةٍ أَصْلًا وَلَاحَ أَنَّ الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ مُخَالِفَانِ لِأَقْوَالِهِمْ هَهُنَا.
وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَكُلُّهَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا، بَلْ هِيَ عَلَيْهِمْ -: أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُثْمَانَ مِنْ قَوْلِهِ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَحْجُرُ عَلَى ابْنِ أَخِيك وَتَأْخُذُ عَلَى يَدِهِ اشْتَرَى سَبَخَةً بِسِتِّينَ أَلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّهَا لِي بِنَعْلِي؟ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ قَطُّ، فَإِنْ كَانَ الْحَجْرُ وَاجِبًا فَلِمَ تَرَكَهُ عُثْمَانُ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الرَّأْيِ يَرَاهُ؟ فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْحَجْرَ وَاجِبًا وَلَوْ رَآهُ عَلِيٌّ، أَوْ عُثْمَانُ وَاجِبًا، لَمَا حَلَّ لَهُمَا أَنْ لَا يُمْضِيَاهُ - وَهَذَا خَبَرٌ نَاقِصٌ رُوِّينَاهُ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِعَلِيٍّ: خُذْ عَلَى يَدِ ابْنِ أَخِيك اشْتَرَى سَبَخَةَ آلِ فُلَانٍ بِسِتِّينَ أَلْفًا، مَا أُحِبُّ أَنَّهَا لِي بِنَعْلِي فَأَقَلَّ، قَالَ: فَجَزَّأَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَلْقَى فِيهَا الْعُمَّالَ فَأَقْبَلَتْ الْأَرْضُ، فَمَرَّ بِهَا عُثْمَانُ فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي وَلِّنِي جُزْأَيْنِ مِنْهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِاَلَّذِينَ سَفَّهْتنِي عِنْدَهُمْ فَيَطْلُبُونَ إلَيَّ؟ فَفَعَلَ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَنْقُصُك جُزْأَيْنِ مِنْهَا مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا؟ قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ أَخَذْتُهُمَا -.
فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ مِنْ عُثْمَانَ رَأْيٌ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَصْلًا مَا بَيْنَ إنْكَارِهِ لِلشِّرَاءِ إلَى أَنْ أَقْبَلَتْ الْأَرْضُ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ ذَكَرَ لِعُثْمَانَ أَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فِي بَيْعٍ ابْتَاعَهُ فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ فِيهِ، فَرِوَايَةٌ نُنْكِرُهَا جِدًّا، وَلَا يَخْلُو ذَلِكَ الْبَيْعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَى صَاحِبِهِ أَوْ لَا يُوجِبُهُ، فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الْحَجْرَ، فَالْحَجْرُ وَاجِبٌ عَلَى الزُّبَيْرِ، كَمَا هُوَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ عَلَى الزُّبَيْرِ فَمَا يُوجِبُهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ عُثْمَانَ ﵁ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَتْرُكُ حَقًّا وَاجِبًا مِنْ
стр. 2771
أَجْلِ أَنَّ الزُّبَيْرَ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ الزُّبَيْرَ ﵁ مِنْ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْحَقِّ وَبَيْنَ إنْفَاذِهِ، وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ عَلِيًّا ﵁ فِي أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا تَرَكَ عُثْمَانُ الْحَجْرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ الزُّبَيْرِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الزُّبَيْرَ لَا يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ فَعَلِمَ بِدُخُولِ الزُّبَيْرِ فِيهِ أَنَّهُ بَيْعٌ لَا يَحْجُرُ فِي مِثْلِهِ؟ قُلْنَا: فَقَدْ مَشَى عَلِيٌّ فِي خَطَأٍ إذَا أَرَادَ الْحَجْرَ فِي بَيْعٍ لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ فِيهِ، وَصَحَّ بِهَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ رَأْيٌ مِمَّنْ رَآهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ خَالَفَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَلَمْ يَرَ الْحَجْرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ صَاحِبٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَطَامَّةُ الْأَبَدِ، لَا نَدْرِي كَيْفَ اسْتَحَلَّ مُسْلِمٌ أَنْ يَحْتَجَّ بِخَطِيئَةٍ، وَوَهْلَةٍ، وَزَلَّةٍ كَانَتْ مِنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ إذْ أَرَادَ مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى مِثْلِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا أَعْظَمَ الثَّنَاءِ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ وَهُوَ لَا يَكَادُ يَتَجَزَّأُ مِنْهَا فِي الْفَضْلِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ أَخِي عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لِأُمِّهَا أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْ " أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ: وَاَللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَوْ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَلِمَةً أَبَدًا - ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَتَشَفُّعَهُ إلَيْهَا، وَبُكَاهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزَّهْرِيَّيْنِ حَتَّى كَلَّمَتْهُ وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ بَلَغَتْ بِهِ عَائِشَةُ ﵂ الْإِنْكَارَ حَيْثُ بَلَغَتْهُ فَلَا يَخْلُو الْأَمْرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَخْطَأَ وَأَصَابَتْ هِيَ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِلَا شَكٍّ، فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلٍ أَخْطَأَ فِيهِ صَاحِبُهُ - أَوْ يَكُونُ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَصَابَ وَأَخْطَأَتْ هِيَ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا، وَمِنْ أَنْ تَكُونَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُوصَفُ بِسَفَهٍ وَتَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهَا - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ.
فَصَحَّ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا اخْتَلَفُوا فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ: إبَاحَةُ الْبَيْعِ الَّذِي لَا خَدِيعَةَ فِيهِ وَلَا غِشَّ، وَالْحَضُّ عَلَى الصَّدَقَةِ،
стр. 2772
وَالْعِتْقِ: فِيمَا أَبْقَى غِنًى وَالْمَنْعُ مِمَّا عَدَا ذَلِكَ - فَوَاجِبٌ إمْضَاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ كُلِّ مَنْ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَنْدُوبٌ إلَى ذَلِكَ، مُبَاحٌ لَهُ ذَلِكَ، وَوَاجِبٌ رَدُّ كُلِّ بَيْعٍ فِيهِ خَدِيعَةٌ وَغِشٌّ، وَكُلِّ صَدَقَةٍ وَعَطِيَّةٍ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُمَا غِنًى مِنْ كُلِّ مَنْ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ قَدْ تَنْبُتُ اللِّحْيَةُ لِمَنْ هُوَ ضَعِيفُ الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، وَأَنَّهُ إذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ انْقَضَى يُتْمُهُ - وَهَكَذَا نَقُولُ إذَا عُقِلَ الرُّشْدُ مِنْ الْفَتَى فَقَدْ أَخَذَ لِنَفْسِهِ بِأَصْلَحَ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ، فَإِنَّمَا هُمْ - كَمَا أَوْرَدْنَا - سَبْعَةٌ: عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ
وَقَدْ رُوِّينَا أَيْضًا فِي ذَلِكَ كَلَامًا مُوَافِقًا لِقَوْلِنَا نَذْكُرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ رُوِيَ عَنْهُمْ الْإِشَارَةُ بِالْحَجْرِ وَلَا مَزِيدَ، وَلَا بَيَانَ عَنْهُمْ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ: مَا صِفَةُ ذَلِكَ الْحَجْرِ؟ فَإِنْ كَانَ هُوَ رَدُّ الْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الْغَبْنُ فَهَكَذَا نَقُولُ - وَهَذَا هُوَ قَوْلُنَا لَا قَوْلُ الْمُخَالِفِينَ، وَهُمْ: عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ، فِيهِ رَدُّ صَدَقَةٍ، وَلَا عِتْقٍ، وَلَا نِكَاحٍ وَلَا بَيْعٍ، لَا غَبْنَ فِيهِ - وَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ جَاءَ عَنْهُمْ إنْكَارُ الْحَجْرِ، وَالْقَوْلِ بِهِ، وَهُمْ: عَائِشَةُ، وَابْنُ جَعْفَرٍ، وَالزُّبَيْرُ.
وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَلَيْسَ عَنْهُ شَيْءٌ يُوَافِقُ الْمُخَالِفِينَ لَنَا، بَلْ إنَّمَا قَالَ فِي الشَّيْخِ الَّذِي يُنْكَرُ عَقْلُهُ أَنَّهُ يُحْجَرُ عَلَيْهِ - وَهَذَا قَوْلُنَا نَفْسُهُ فِيمَنْ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ، فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ كَمَا أَوْرَدْنَا، وَلَوْ اتَّفَقُوا فَمَا فِي أَحَدٍ حُجَّةٌ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْهُمْ؟ وَأَقْرَبُ ذَلِكَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَفْسُهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَطْعًا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ إبْطَالِ الْعِتْقِ.
وَرَدِّ الصَّدَقَةِ فِي الْمَحْجُورِ - فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُوَافِقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - وَقَدْ خَالَفُوا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَقَدْ اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا، فَمَا الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ عَطَاءٍ، وَالْقَاسِمِ، وَرَبِيعَةَ، وَشُرَيْحٍ: أَوْلَى مِنْ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟
стр. 2773
هَذَا وَلَيْسَ عَنْ الْقَاسِمِ، وَشُرَيْحٍ إبْطَالُ صَدَقَةٍ، وَلَا عِتْقٍ، وَلَا بَيْعٍ، وَإِنَّمَا عَنْهُمَا إمْسَاكُ مَالٍ عَنْهُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا جَاءَ إبْطَالُ الْبَيْعِ، وَالْعِتْقِ، وَالنِّكَاحِ عَنْ رَبِيعَةَ، وَعَطَاءٍ فَقَطْ.
وَقَدْ جَاءَ كَمَا أَوْرَدْنَا عَنْ سَبْعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، وَوَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: أَنَّ السُّفَهَاءَ هُمْ النِّسَاءُ، وَهُمْ: الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَخَالَفُوهُمْ كُلَّهُمْ - فَمَنْ جَعَلَ قَوْلَ اثْنَيْنِ مِنْ التَّابِعِينَ قَدْ خَالَفَهُمْ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ حُجَّةً، وَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَ سَبْعَةٍ مِنْهُمْ حُجَّةً.
وَأَمَّا الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: فَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُمَا شَيْءٌ يُخَالِفُ قَوْلَنَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: الرُّشْدُ صَلَاحُ الدِّينِ، وَحِفْظُ الْمَالِ - وَكَذَلِكَ نَقُولُ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ فَلَهُ حَظٌّ مِنْ الصَّلَاحِ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ صَلَاحَ الدِّينِ أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا بُدَّ مِنْ نَقْصٍ عَنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُنْفِقْ مَالَهُ فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ حَفِظَهُ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَشْمَطُ وَمَا أُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ، وَصَدَقَ: قَدْ يَبْلُغُ الشَّيْخُ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ: مَهْمَا أَقَلْتَ السُّفَهَاءَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَلَا تُقِلْهُمْ فِي ثَلَاثٍ: عِتْقٍ، وَطَلَاقٍ، وَنِكَاحٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَقُولُ لَهُمْ: مَتَى تَحْجُرُونَ عَلَى الْمَرْءِ؟ أَبِأَوَّلِ مَرَّةٍ يُغْبَنُ فِيهَا فِي الْبَيْعِ أَمْ بِأَنْ يُغْبَنَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: بِأَوَّلِ مَرَّةٍ؟ قُلْنَا: فَمَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ عِنْدَكُمْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ، إذْ لَا سَبِيلَ أَنْ يُوجَدَ أَحَدٌ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي إلَّا وَهُوَ يُغْبَنُ.
وَإِنْ قَالُوا بَلْ لِلْمَرَّةِ بَعْدَ الْمَرَّةِ؟ قُلْنَا: حُدُّوا لَنَا الْعَدَدَ الَّذِي مَنْ بَلَغَهُ فُسِخَ مَنْعُهُ مِنْ الْبَيْعِ، وَفُسِخَ عِتْقُهُ وَنِكَاحُهُ، وَرُدَّتْ صَدَقَتُهُ - فَهَذِهِ عَظَائِمُ لَا تُسْتَسْهَلُ مُطَارَفَةً، وَلَا مُسَامَحَةً، بَلْ النَّارُ فِي طَرَفِهَا - فَإِنْ حَدُّوهُ كُلِّفُوا الْبُرْهَانَ، وَكَانُوا قَدْ زَادُوا تَحَكُّمًا بِالْبَاطِلِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَحُدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا كَانُوا قَدْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَتَى يَلْزَمُهُمْ الْحُكْمُ بِمَا بِهِ يَحْكُمُونَ وَلَا مَتَى لَا يَلْزَمُهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَحْكُمُونَ بِالْجَهَالَاتِ وَالْعَمَى.
стр. 2774
وَكَذَلِكَ نَسْأَلُهُمْ: مَتَى يَحْجُرُونَ عَلَيْهِ إذَا غُبِنَ بِمَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ بِمِثْلِهِ أَمْ إذَا غُبِنَ بِالْكَثِيرِ؟ فَإِنْ قَالُوا: بَلْ بِمَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؟ قُلْنَا: مَا عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَجْرِ عِنْدَكُمْ، إذْ لَيْسَ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ يُغْبَنُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِمَّنْ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، وَإِنْ قَالُوا: بَلْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ كُلِّفُوا أَنْ يُبَيِّنُوا الْحَدَّ الَّذِي عِنْدَهُ تَجِبُ هَذِهِ الْعَظَائِمُ مِنْ فَسْخِ بُيُوعِهِ، وَأَنْ لَا يُعْدَى عَلَيْهِ فِيمَا أَكَلَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالشِّرَاءِ وَمَنْعِ الثَّمَنِ، وَأَنْ تُرَدَّ صَدَقَاتُهُ، وَعِتْقُهُ، وَنِكَاحُهُ، وَمَتَى لَا تَجِبُ؟ فَإِنْ حَدُّوا زَادُوا شَنْعًا وَحُكْمًا بِالْبَاطِلِ، وَإِنْ لَمْ يَحُدُّوا كَانُوا حَاكِمِينَ بِمَا لَا يَدْرُونَ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ.
وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ - إلَى مُنْتَهَى الْأَبَدِ - عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِرِوَايَةٍ مَعْرُوفَةٍ غَيْرِ مَوْضُوعَةٍ فِي الْوَقْتِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عَهْدِ عُمَرَ. نَعَمْ، وَلَا عَهْدِ عُثْمَانَ، وَلَا عَهْدِ عَلِيٍّ ﵃ إنْسَانٌ مُسْلِمٌ يَفْهَمُ الدِّينَ يَمْنَعُ بِالْحَجْرِ مِنْ صَدَقَةٍ، وَعِتْقٍ، وَنِكَاحٍ، لَا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَالِهِ، وَلَا مِنْ بَيْعٍ لَا غَبْنَ فِيهِ - هَذَا مَا لَا يَجِدُونَهُ أَبَدًا، فَأُفٍّ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ تَفَطَّنَ لَهَا مَنْ بَعْدَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمِنْ طَوَامِّ الدُّنْيَا وَشَنْعِهَا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لَا يُكَفِّرُ فِي ظِهَارِهِ، وَلَا فِي وَطْئِهِ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي قَتْلِهِ الْخَطَأَ، وَلَا فِي أَيْمَانِهِ إلَّا بِالصِّيَامِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ أَمْوَالٍ لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، خِلَافًا لِلْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَهُمْ يُلْزِمُونَهُ الزَّكَاةَ، وَالنَّفَقَاتِ عَلَى الْأَقَارِبِ، وَعَلَى الزَّوْجَةِ، فَهَلْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ؟ وَقَدْ جَاءَ إيجَابُ الْعِتْقِ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْقُرْآنِ، كَمَا جَاءَتْ الزَّكَاةُ سَوَاءً سَوَاءً فَلَيْتَ، شِعْرِي مِنْ أَيْنَ خَرَجَ هَذَا التَّقْسِيمُ الْفَاسِدُ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ قَوْلِنَا مِمَّا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوْا النَّبِيَّ فَقَالُوا: يَا
стр. 2775
نَبِيَّ اللَّهِ اُحْجُرْ عَلَيْهِ؟ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَهَاهُ؟ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي لَا أَصْبِرُ عَلَى الْبَيْعِ فَقَالَ ﵇: إذَا بِعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: «ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» ؟ قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِلَابَةَ ".
وَمِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ مُنْقِذًا سُقِعَ فِي رَأْسِهِ مَأْمُومَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَخَبَلَتْ لِسَانَهُ، فَكَانَ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بِعْ، وَقُلْ: لَا خِلَابَة، ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ بَيْعِكَ» ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَمِعْته يَقُولُ إذَا بَايَعَ: لَا خِلَابَةَ لَا خِلَابَةَ ".
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَانِ أَثَرَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَمَا يَقُولُ بَعْدَ سَمَاعِهِمَا بِالْحَجْرِ عَلَى مَنْ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، أَوْ بِإِنْفَاذِ بَيْعٍ فِيهِ خَدِيعَةٌ إلَّا ذَاهِلٌ عَنْ الْحَقِّ، مُقْدِمٌ عَلَى الْعَظَائِمِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِهِمْ: اُحْجُرْ عَلَيْهِ، وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ، وَلَا مَنَعَهُ مِنْ الْبَيْعِ، بَلْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ فِيمَا اشْتَرَى ثَلَاثًا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُبَايِعَ إلَّا بِبَيَانِ: أَنْ لَا خِلَابَةَ، وَهَكَذَا نَقُولُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ: نا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَتْ فِيهِ إتْيَانَهُ إلَى الْمَدِينَةِ إذْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ رَكِبَ -. تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ فَسَارَ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِهِ ﵇ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ
стр. 2776
أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: بَلْ نَهَبُهُ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا» .
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمَا فِي حِجْرِ غَيْرِهِمَا يَتِيمَانِ فَلَمْ يُسَاوِمْهُ وَلَا شَاوَرَهُ، وَلَا ابْتَاعَهُ مِنْهُ، بَلْ سَاوَمَهُمَا وَأَنْفَذَ بَيْعَهُمَا فِيهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلَّذِي كَانَا فِي حِجْرِهِ فِي ذَلِكَ أَمْرًا.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَقْبَلْ هِبَتَهُمَا إيَّاهُ؟ قُلْنَا: قَدْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِأَبِي بَكْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ، أَوْ شَهْرٍ، «إذْ أَرَادَ ﵇ الْهِجْرَةَ فَقَدَّمَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إحْدَى نَاقَتَيْنِ لَهُ، وَقَالَ لَهُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبَهَا إلَّا بِالثَّمَنِ فَابْتَاعَهَا مِنْهُ» فَرَدُّهُ ﵇ هِبَةَ الْيَتِيمَيْنِ كَرَدِّهِ هِبَةَ أَبِي بَكْرٍ وَلَا فَرْقَ - لَيْسَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ، لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ.
وَبُرْهَانُ هَذَا إجَازَتُهُ ﵇ بَيْعَهُمَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ بَيْعُهُ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ هِبَتُهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَرِيضِ، وَالْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ، فِي الْمُحَابَاةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ خَاصَّةً - وَهَذَا أَثَرٌ صَحِيحٌ لَا مَغْمَزَ فِيهِ، وَعُقَيْلٌ أَحَدُ الْمُخْتَصِّينَ بِالزُّهْرِيِّ، الْمُتَحَقِّقِينَ بِهِ، الْمُلَازِمِينَ لَهُ - وَكَذَلِكَ عُرْوَةُ بِعَائِشَةَ ﵂.
وَقَدْ رُوِّينَا خَبَرًا لَوْ ظَفِرُوا بِمِثْلِهِ لَبَغَوْا، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نا يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ أَنَّهُ سَمِعَ شُيُوخَهُ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ خَالِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا الْأَثَرِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَهُوَ خِلَافٌ لِمَا تَعَلَّقُوا بِهِ عَنْهُ فِي الْحَجْرِ الَّذِي لَا بَيَانَ فِيهِ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
стр. 2777
وَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذْرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حُبَابَةَ بِبَغْدَادَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيّ نا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ نَا أَبِي عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ " أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِصُهَيْبٍ: يَا صُهَيْبُ مَا فِيك شَيْءٌ أَعِيبُهُ عَلَيْك إلَّا ثَلَاثَ خِصَالٍ، وَلَوْلَاهُنَّ مَا قَدَّمْت عَلَيْك أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: مَا هُنَّ فَإِنَّك طَعَّانٌ؟ فَقَالَ عُمَرُ بَعْدَ كَلَامٍ: أَرَاك تُبَذِّرُ مَالَك، وَتُكْتَنَى بِاسْمِ نَبِيٍّ، وَتُنْتَسَبُ عَرَبِيًّا، وَلِسَانُك أَعْجَمِيٌّ، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: أَمَّا تَبْذِيرِي مَالِي فَمَا أُنْفِقُهُ إلَّا فِي حَقِّهِ، وَأَمَّا اكْتِنَائِي فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَنَّانِي بِأَبِي يَحْيَى، أَفَأَتْرُكُهَا لِقَوْلِك؟ وَأَمَّا انْتِسَابِي إلَى الْعَرَبِ فَإِنَّ الرُّومَ سَبَتْنِي وَأَنَا صَغِيرٌ، فَإِنِّي لَا أَذْكُرُ أَهْلَ أَبْيَاتِي وَلَوْ انْفَلَقَتْ عَنِّي رَوْثَةٌ لَانْتَسَبْت إلَيْهَا - فَهَذَا عُمَرُ يَرَى فِعْلَ صُهَيْبٍ تَبْذِيرًا وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَرِيضُ وَالْحَامِلُ وَالْمَوْقُوفُ لِلْقَتْلِ وَالْأَسِيرُ فِي الْحَجَر سَوَاءٌ]
١٣٩٥ - مَسْأَلَةٌ: وَالْمَرِيضُ مَرَضًا يَمُوتُ مِنْهُ أَوْ يَبْرَأُ مِنْهُ، وَالْحَامِلُ مُذْ تَحْمِلُ إلَى أَنْ تَضَعَ أَوْ تَمُوتَ، وَالْمَوْقُوفُ لِلْقَتْلِ بِحَقٍّ فِي قَوَدٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ، وَالْأَسِيرُ عِنْدَ مَنْ يَقْتُلُ الْأَسْرَى أَوْ مَنْ لَا يَقْتُلُهُمْ، وَالْمُشْرِفُ عَلَى الْعَطَبِ، وَالْمُقَاتِلُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَلَا فَرْقَ فِي صَدَقَاتِهِمْ، وَبُيُوعِهِمْ، وَعِتْقِهِمْ وَهِبَاتِهِمْ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بِالْحَجْرِ عَلَى هَؤُلَاءِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وَأَصْحَابُنَا كَقَوْلِنَا إلَّا فِي الْعِتْقِ خَاصَّةً فَقَطْ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عِتْقُ الْمَرِيضِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا لَا يَنْفُذُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، سَوَاءً أَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ مَاتَ مِنْهُ - أَيِّ مَرَضٍ كَانَ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ؟ فَقَالَ مَسْرُوق: أُجِيزُهُ بِرُمَّتِهِ، شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لَا أَرُدُّهُ - وَقَالَ شُرَيْحٌ: أُجِيزَ ثُلُثَهُ وَأَسْتَسْعِيهِ فِي ثُلُثَيْهِ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: قَوْلُ مَسْرُوقٍ أَحَبُّ إلَيَّ فِي الْفُتْيَا، وَقَوْلُ شُرَيْحٍ أَحَبُّ إلَيَّ فِي الْقَضَاءِ - وَقَوْلُ النَّخَعِيِّ كَقَوْلِ شُرَيْحٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: اعْتِقْ ثُلُثَهُ.
стр. 2778
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً فِي مَرَضِهِ فَأَعْتَقَهَا عِنْدَ مَوْتِهِ فَجَاءَ الَّذِينَ بَاعُوهَا بِثَمَنِهَا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ مَالًا فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اسْعِي فِي ثَمَنِك.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ سُئِلَ عَلِيٌّ عَمَّنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالَ: يَعْتِقُ وَيَسْعَى فِي الْقِيمَةِ
وَقَالَ النَّخَعِيُّ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عِنْدَ مَوْتِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ: أَنَّهُ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ فَيَقْضِي الدِّينَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلَهُ ثُلُثُهُ وَلِلْوَرَثَةِ ثُلُثَاهُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ: عِتْقُ الْمَرِيضِ مِنْ الثُّلُثِ - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَمَكْحُولٍ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِنْ مُرِقٍّ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَمِنْ مُعْتَقٍ لِجَمِيعِهِ وَيَسْتَسْعِيهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ.
وَأَمَّا بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ: فِي الْمَرِيضِ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، قَالَ: هُوَ فِي الثُّلُثِ وَإِنْ مَكَثَ عَشْرَ سِنِينَ.
وَأَمَّا الْحَامِلُ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى مَا صَنَعَتْ الْحَامِلُ فِي حَمْلِهَا مِنْ الثُّلُثِ؟ قَالَ سُفْيَانُ: وَنَحْنُ لَا نَأْخُذُ بِهَذَا، بَلْ نَقُولُ: مَا صَنَعَتْ فَهُوَ جَائِزٌ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَرِيضَةً مِنْ غَيْرِ الْحَمْلِ، أَوْ يَدْنُوَ مَخَاضُهَا - يُرِيدُ أَنْ يَضُرَّ بِهَا الطَّلْقُ وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا صَنَعَتْ الْحَامِلُ فِي حَمْلِهَا فَهُوَ وَصِيَّةٌ؟ قُلْتُ: أَرَأْيٌ؟ قَالَ: بَلْ سَمِعْنَاهُ - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ: وَعِكْرِمَةَ - وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيِّ: عَطِيَّةُ الْحَامِلِ كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: مَا أَعْطَتْ الْحَامِلُ لِوَارِثٍ، أَوْ لِزَوْجٍ، فَمِنْ رَأْسِ مَالِهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَرِيضَةً - وَقَالَ رَبِيعَةُ: كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَثْقُلَ، أَوْ يَحْضُرَهَا نِفَاسٌ.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرْت بِهَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَابْنِ حُجَيْرَةَ الْخَوْلَانِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ - وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ
стр. 2779
وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي عَطِيَّةِ الْحَامِلِ كَقَوْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: عَطِيَّةُ الْغَازِي مِنْ الثُّلُثِ - وَقَالَ مَكْحُولٌ: بَلْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، إلَّا أَنْ تَقَعَ الْمُسَايَفَةُ وَعَطِيَّةُ رَاكِبِ الْبَحْرِ كَذَلِكَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ كَالصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ رَاكِبُ الْبَحْرِ، وَمَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ قَدْ وَقَعَ فِيهِ الطَّاعُونُ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: كَذَلِكَ فِي رَاكِبِ الْبَحْرِ مَا لَمْ يَهِجْ الْبَحْرُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَبَسَهُ الْحَجَّاجُ: لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ، إلَّا الثُّلُثُ، فَقَالَ إيَاسٌ إذْ بَلَغَهُ قَوْلُهُ: مَا فَقِهَ أَحَدٌ إلَّا سَاءَ ظَنُّهُ بِالنَّاسِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا صَنَعَ الْمُسَافِرُ فَمِنْ الثُّلُثِ مِنْ حَيْثُ يَقَعُ رَحْلُهُ فِي الْغَرْزِ - قَالَ النَّخَعِيُّ: بَلْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا صَنَعَ الْأَسِيرُ فَمِنْ الثُّلُثِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ.
وَرَأَوْا مُحَابَاتَهُ فِي الْبَيْعِ، وَهِبَاتِهِ، وَصَدَقَاتِهِ، وَعِتْقِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، إلَّا أَنَّ الْعِتْقَ يَنْفُذُ كُلُّهُ وَيُسْتَسْعَى فِيمَا لَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ مِنْهُ، فَإِنْ أَفَاقَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ نَفَذَ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
وَأَمَّا الْمَحْصُورُ، وَالْوَاقِفُ فِي صَفِّ الْحَرْبِ فَكَالصَّحِيحِ. وَأَمَّا الَّذِي يُقَدَّمُ لِلْقَتْلِ فِي قِصَاصٍ، أَوْ رَجْمٍ فَكَالْمَرِيضِ.
وَمَنْ اشْتَرَى ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقَ وَوَرِثَهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْهُ، وَاسْتَسْعَى فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَسَائِرِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَحِقَ بِهِ وَوَرِثَهُ، وَإِنْ وَطِئَ أَمَةً فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَحَمَلَتْ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَيَرِثُهُ وَلَدُهَا. وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، إلَّا أَنَّ الَّذِي يَشْتَرِي وَلَدَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَإِنَّهُمَا قَالَا: يَرِثُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيُسْتَسْعَى فِيمَا يَقَعُ مِنْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ فَيَأْخُذُونَهُ.
стр. 2780
وَقَالُوا كُلُّهُمْ: إنَّمَا هَذَا فِي الْمَرَضِ الْمُخِيفِ كَالْحُمَّى الصَّالِبِ وَالْبِرْسَامِ، وَالْبَطْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ فِي الْجُذَامِ، وَلَا حُمَّى الرِّبْعِ، وَلَا السُّلِّ وَلَا مَنْ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فِي مَرَضِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي الْحَامِلِ فَإِنَّ أَفْعَالَهَا عِنْدَهُ كَالصَّحِيحِ إلَى أَنْ تُتِمَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا أَتَمَّتْهَا فَأَفْعَالُهَا فِي مَالِهَا كَالْمَرِيضِ. حَتَّى أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْ مُرَاجَعَةِ زَوْجِهَا الَّذِي طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ وَإِلَّا الِاسْتِسْعَاءُ فَلَمْ يَرَهُ، بَلْ أَرَقَّ مَا لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ مِنْهُ، وَإِلَّا فِيمَنْ اشْتَرَى ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ فَإِنَّهُ أَعْتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَأَرَقَّ الْبَاقِيَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِعْلُ الْمَرِيضِ مَرَضًا مُخِيفًا مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ أَفَاقَ فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ - وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الَّذِي يُقَدَّمُ لِلْقَتْلِ؟ فَمَرَّةً قَالَ: هُوَ كَالصَّحِيحِ وَمَرَّةً قَالَ: هُوَ كَالْمَرِيضِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ -: فَخَطَأٌ فِي تَفْرِيقِهِمَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحِيحِ، وَالْمَرِيضِ، وَالْحَقُّ فِي
стр. 2781
ذَلِكَ هُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِأَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَهُوَ فِي إنْصَافِهِ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ مُعْطِي ذَلِكَ الَّذِي أَنْصَفَ حَقَّهُ، وَمَنْ فَعَلَ مَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَالْإِحْسَانُ لَا يُرَدُّ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يُنْصِفْهُ حَاضِرًا طَالِبًا حَقَّهُ فَهُوَ عَاصٍ فِي أَنَّهُ لَمْ يُنْصِفْهُ، وَهُمَا قَضِيَّتَانِ أَصَابَ فِي إحْدَاهُمَا، وَظَلَمَ فِي الْأُخْرَى - وَالْحَقُّ لَا يُبْطِلُهُ ظُلْمُ فَاعِلِهِ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى وَحَقُّ الْغَرِيمِ إنَّمَا هُوَ فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ لَا فِي عَيْنِ مَالِهِ مَا دَامَ حَيًّا لَمْ يُفْلِسْ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَفَذَ الَّذِي أَعْطَى مَا أَعْطَاهُ بِحَقٍّ وَلَزِمَهُ أَنْ يُنْصِفَ مَنْ بَقِيَ إذْ حَقُّهُ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي عَيْنِ مَا أَعْطَى الْآخَرَ - وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ صَحِيحٍ، وَمَرِيضٍ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمَا فِي قَوْلِهِمَا هَذَا سَلَفًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمَا فِيمَنْ اشْتَرَى وَلَدَهُ فِي مَرَضِهِ فَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ، فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ عَتَقَ وَوَرِثَ -: فَقَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْمُنَاقَضَةِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا فِيهِ سَلَفًا مُتَقَدِّمًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ وَصِيَّةً، فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ - فَيَنْبَغِي عَلَى أَصْلِهِمْ أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُ أَصْلًا حَمَلَهُ الثُّلُثُ أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ - وَقَدْ قَالَ بِهَذَا بَعْضُ الشَّافِعِيِّينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: الشِّرَاءُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ وَصِيَّةً فَمَا بَالُهُ لَا يَرِثُ وَقَدْ صَارَ حُرًّا بِمِلْكِ أَبِيهِ لَهُ، ثُمَّ مُنَاقَضَتُهُمْ فِي الْمَرِيضِ يَطَأُ أَمَتَهُ فَتَحْمِلُ أَنَّهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ حُرَّةً وَيَرِثُهُ وَلَدُهَا، فَإِنْ قَالُوا: حَمْلُهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ؟ قُلْنَا: لَكِنَّ وَطْأَهُ لَهَا مِنْ فِعْلِهِ، وَإِقْرَارَهُ بِوَلَدِهَا مِنْ فِعْلِهِ، وَعِتْقَ الْوَلَدِ فِي كُلِّ حَالٍ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْحَامِلِ فَقَوْلٌ أَيْضًا لَا نَعْلَمُ لَهُ فِيهِ سَلَفًا، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلِّدِيهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إيهَامٌ مِنْهُمْ لِلِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ إنَّ الْإِثْقَالَ لَمْ تَكُنْ إلَّا بِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ -: فَظَهَرَ تَمْوِيهُهُمْ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ.
ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي مَنْ لَهُمْ بِأَنَّ الْإِثْقَالَ جُمْلَةً يُدْخِلُهَا فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ، وَقَدْ يَحْمِلُ الْحَمَّالُ حِمْلًا ثَقِيلًا فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمَرِيضِ عِنْدَهُمْ.
стр. 2782
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ تَلِدُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ؟ قُلْنَا، وَقَدْ تُسْقِطُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْإِسْقَاطُ أَخْوَفُ مِنْ الْوِلَادَةِ أَوْ مِثْلُهَا - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ جُمْلَةً. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ نَأْخُذُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: بِأَنَّ أَفْعَالَ الْمَرِيضِ، وَمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ مِنْ الثُّلُثِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ الْمَشْهُورِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَبِي لْمُهَلَّبِ، كِلَاهُمَا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» .
وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ ﵇ قَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا. وَبِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ الثَّابِتِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ؛ وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغَنِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي. أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ ﵇: لَا، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ قَالَ ﵇: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ
قَالُوا: فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ ﵇ بِالصَّدَقَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ.
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُقَيْلِيُّ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ
стр. 2783
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ مَوْتِكُمْ رَحْمَةً لَكُمْ وَزِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ وَحَسَنَاتِكُمْ»
وَمِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى سَمِعْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «جُعِلَ لَكُمْ ثُلُثُ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَبَرٍ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى: أَنَّهُ قَالَ: جَعَلْتُ لَكَ طَائِفَةً مِنْ مَالِكَ عِنْدَ مَوْتِكَ أَرْحَمُكَ بِهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ابْتَاعُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إنَّهُ لَيْسَ لِامْرِئٍ شَيْءٌ، أَلَا لَا أَعْرِفَنَّ امْرَأً بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ حَتَّى إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ يُذَعْذِعُ مَالَهُ هَهُنَا هَهُنَا» .
стр. 2784
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ طَلْحَةَ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ - عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِالثُّلُثِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا حَجَّاجٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْتَقَ غُلَامًا عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْتَقَ مِنْهُ الثُّلُثَ وَاسْتَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ» : وَقَالُوا قَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ عِنْدَ مَوْتِهِ " إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَحُزْتِيهِ لَكَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ " قَالُوا: فَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ أَنَّ مَنْ قَارَبَ الْمَوْتَ فَمَالُهُ مَالُ الْوَارِثِ.
وَقَالُوا: قَدْ جَاءَ مَا أَوْرَدْنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَقَالُوا: قِسْنَاهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ -: أَمَّا حَدِيثُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ: فَمُرْسَلٌ، وَعَنْ مَجْهُولٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَرَيَانِ الِاسْتِسْعَاءَ.
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي يَحْيَى الْمَالِكِيِّ: فَهَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَعَنْ حَجَّاجٍ، وَهُوَ سَاقِطٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو الْمَكِّيُّ وَهُوَ كَذَّابٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ قَتَادَةَ: فَمُرْسَلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْبُخْلَ بِحَقِّ
стр. 2785
اللَّهِ تَعَالَى لَا نُخَالِفُهُمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَأَنَّ ذَعْذَعَةَ الْمَالِ هَهُنَا وَهَهُنَا لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا، لَا فِي صِحَّةٍ، وَلَا فِي مَرَضٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مُخَالِفًا لِقَوْلِنَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ: فَمُرْسَلٌ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ فَسَنَدُهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَلَا نَدْرِي حَالَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ هُوَ وَجَمِيعُ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُجَّةٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا كُلِّهَا إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْنَا عِنْدَ مَوْتِنَا بِثُلُثِ أَمْوَالِنَا -: فَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى أَنَّهُ الْوَصِيَّةُ الَّتِي هِيَ بِلَا خِلَافٍ نَافِذَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: كَانَ أَمْرُ كَذَا عِنْدَ مَوْتِ فُلَانٍ، وَارْتَدَّتْ الْعَرَبُ عِنْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُلِّيَ عُمَرُ عِنْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ - هَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ. فَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ خَارِجَةٌ عَلَى هَذَا أَحْسَنَ خُرُوجٍ، وَمُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، حَاشَا خَبَرَ الْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْمَكِّيِّ، فَإِنَّهُ لَا يُخَرَّجُ لَا عَلَى قَوْلِنَا وَلَا عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا بِخَبَرٍ يُخَالِفُونَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا يَسْعَى فِي الدَّيْنِ فَقَطْ، ثُمَّ فِي ثُلُثَيْ مَا يَبْقَى مِنْ قِيمَتِهِ بَعْدَ الدَّيْنِ فَقَطْ - وَهُوَ قَوْلُنَا إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ قِيمَتِهِ؛ فَالْعِتْقُ بَاطِلٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
فَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَدْ خَالَفَتْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. ثُمَّ جَمِيعُهُمْ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْآثَارِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا: " عِنْدَ مَوْتِهِ، وَعِنْدَ مَوْتِكُمْ " وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذِكْرٌ لِمَرَضٍ أَصْلًا، فَالْمَرَضُ شَيْءٌ زَادُوهُ بِآرَائِهِمْ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ نَصٌّ مِنْهُ، وَلَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَمُوتُ الصَّحِيحُ فَجْأَةً، وَمِنْ مَرَضٍ خَفِيفٍ، فَاقْتِصَارُهُمْ عَلَى الْمَرَضِ مِنْ أَيْنَ خَرَجَ؟ وَهَلَّا رَاعُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ مِنْ لَفْظِ " عِنْدَ مَوْتِهِ " فَجَعَلُوا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ " عِنْدَ مَوْتِهِ " صَحِيحًا فَعَلَهُ؟ أَوْ مَرِيضًا مِنْ الثُّلُثِ، وَجَعَلُوا مَا فَعَلُوا فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ مِمَّا تَأَخَّرَ عَنْهُ مَوْتُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؟ فَظَهَرَ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْآثَارِ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ، وَأَنَّهَا مِنْ النَّوْعِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ لِأَقْوَالٍ لَهُمْ، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِيمَا احْتَجُّوا لَهُ بِهِ، وَهَذَا إيهَامٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، وَتَدْلِيسٌ فِي الدِّينِ - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا.
стр. 2786
وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدٍ: فَإِنَّا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعْدٍ
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كُلُّهُمْ قَالَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَفَأُوصِي بِمَالِي أَوْ بِثُلُثَيْ مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ثُمَّ بِنِصْفِهِ - وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ. فَصَحَّ أَنَّ الَّذِينَ رَوَوْا لَفْظَ " أَفَأَتَصَدَّقُ " عَنْ الزُّهْرِيِّ إنَّمَا عَنَوْا بِهِ الْوَصِيَّةَ بِلَا شَكٍّ، لَا الصَّدَقَةَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ، عَنْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ؛ وَكُلُّ وَصِيَّةٍ صَدَقَةٌ. وَلَيْسَ كُلُّ صَدَقَةٍ وَصِيَّةً. نَعَمْ: وَرُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «مَرِضْتُ مَرَضًا شَدِيدًا فَأُشْفِيتُ مِنْهُ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَإِنَّمَا تَرِثُنِي ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَأُوصِي بِالشَّطْرِ، قَالَ: لَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِمَ أُوصِي؟ قَالَ: الثُّلُثَ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .
стр. 2787
فَرَوَى مَالِكٌ؛ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَفَأَتَصَدَّقُ؟ وَرَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرَّةَ: أَفَأَتَصَدَّقُ، وَمَرَّةً: أَفَأُوصِي؟ وَرَوَى مَعْمَرٌ، وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَفَأُوصِي؟ وَلَيْسَا دُونَ مَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ.
وَاتَّفَقَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى لَفْظِ: " أُوصِي " فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً.
وَأَيْضًا: فَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي الْمَرَضِ خَاصَّةً دُونَ الصِّحَّةِ، فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ فِي الْمَرَضِ خَاصَّةً فَقَدْ كَذَبَ وَقَوَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
وَأَيْضًا: فَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ سَعْدًا سَيَبْرَأُ وَتَكُونُ لَهُ آثَارٌ فِي الْإِسْلَامِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الْمَرَضِ الَّذِي يَمُوتُ الْمَرْءُ مِنْهُ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمًا فَمَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إلَّا أَخْبَرَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ أَنَّهُ لِيَكُونَ مِنِّي الشَّيْءُ فَأَعْرِفُهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إذَا غَابَ عَنْهُ فَإِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَسَعْدٌ قَدْ فَتَحَ أَعْظَمَ الْفُتُوحِ، وَأَنْزَلَ مَلِكَ الْفُرْسِ عَنْ سَرِيرِهِ، وَافْتَتَحَ قُصُورَهُ، وَدُورَهُ، وَمَدَائِنَهُ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا.
وَأَمَّا خَبَرُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فِي السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ، فَأَوْلَى النَّاسِ أَنْ لَا يُحْتَجَّ بِهِ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ لَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ قِمَارٌ، وَإِنَّهُ فِعْلٌ بَاطِلٌ، وَحُكْمُ جَوْرٍ؟ شَاهَ وَجْهُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَقِيَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ، وَأَصْحَابِنَا الْقَائِلِينَ بِهِ -: قَالَ عَلِيٌّ: فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: إنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْعِتْقُ وَحْدَهُ، فَإِقْحَامُهُمْ مَعَ الْعِتْقِ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْمَرِيضِ خَطَأٌ وَتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَهُنَا بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُمْ
стр. 2788
يُفَرِّقُونَ بَيْنَ حُكْمِ الْعِتْقِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، فَيُوجِبُونَ فِيمَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ فَيَعْتِقُهُ، وَلَا يَرَوْنَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ عَبْدِهِ أَوْ أَوْقَفَ نِصْفَ دَارِهِ، أَوْ نِصْفَ فَرَسِهِ، أَوْ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ ثَوْبِهِ أَوْ بِنِصْفِ ضَيْعَتِهِ: أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ بَاقِي ذَلِكَ، وَيَنْفُذَ فِعْلُهُ فِي جَمِيعِهِ -: فَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْعِتْقِ هَهُنَا؟ وَلَمْ يَجِبْ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ هُنَالِكَ؟ إنَّ هَذَا لَتَحَكُّمٌ فَاسِدٌ؟ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: مِنْ فِعْلِ الْمَرِيضِ كَلِمَةٌ، وَلَا دَلَالَةٌ، وَلَا إشَارَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ: إنَّمَا فِيهِ " أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ " فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ: أَنْ يَجْعَلُوا هَذَا الْحُكْمَ فِيمَنْ أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ - صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا. فَمَاتَ إثْرَ ذَلِكَ، لَا فِيمَنْ أَعْتَقَ مَرِيضًا، أَوْ صَحِيحًا، ثُمَّ تَرَاخَى مَوْتُهُ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَ مَوْتِهِ بِلَا شَكٍّ - وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْخَبَرَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِيمَا فِيهِ، وَأَقْحَمُوا فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَاحْتَجُّوا بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَهَذِهِ قَبَائِحُ مُوبِقَةٌ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ قَاطِعَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ لَمْ يُبْقِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا أَصْلًا، هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، وَهَذَا عِنْدَنَا مَرْدُودُ الْفِعْلِ - صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَرِيضًا - وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِي مَالِهِ عِتْقُ تَطَوُّعٍ، وَلَا صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، وَلَا هِبَةٌ يَبُتُّ بِهَا إلَّا فِيمَا أَبْقَى غِنًى، كَمَا قَالَ ﵇ «الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» .
وَقَدْ أَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِتْقَ إنْسَانٍ صَحِيحٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ نا أَبِي وَعَمِّي - هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - ثُمَّ اتَّفَقَ عَاصِمٌ، وَسَعْدٌ، وَيَعْقُوبُ أَبْنَاءُ إبْرَاهِيمَ، قَالُوا كُلُّهُمْ: نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ» قَالَ الزُّهْرِيُّونَ فِي رِوَايَتِهِمْ: فَرَدَّهُ ﵇: فَهَذَا إسْنَادٌ كَالشَّمْسِ لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ.
فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا رَدَّ عِتْقَ أُولَئِكَ الْأَعْبُدِ؛ لِأَنَّ مُعْتِقَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، وَكَانَ عِتْقُهُ ﵇ لِثُلُثِهِمْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - كَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ إذْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ إذْ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ: يُجْزِيك مِنْ ذَلِكَ
стр. 2789
الثُّلُثُ» وَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ لَا يَصِحُّ، لَكِنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» ؛ فَأَمْسَكَ سَهْمَهُ بِخَيْبَرَ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمُعْتِقُ لَهُ فِي أَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ غِنًى.
وَبُرْهَانُ هَذَا -: أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ: أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا أَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَلَمْ يَذْكُرْ قِيمَةً، وَالثُّلُثُ عِنْدَ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا الْخَبَرِ لَا يَكُونُ هَكَذَا أَصْلًا، وَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْقِيمَةِ.
وَوَجْهٌ رَابِعٌ - وَهُوَ أَنَّنَا رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - وَابْنُ أَبِي عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ الثَّقَفِيِّ - هُوَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ: «أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا» . فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ الْعِتْقَ إنَّمَا كَانَ وَصِيَّةً، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا الصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ سَوَاءٌ، وَلَا تَجُوزُ إلَّا بِالثُّلُثِ، فَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَتَانِ حَدِيثًا وَاحِدًا - وَهُوَ الْأَظْهَرُ الَّذِي لَا يَكَادُ يُمْكِنُ وَلَا يَجُوزُ غَيْرُهُ - فَقَدْ ارْتَفَعَ الْكَلَامُ، وَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَا خَبَرَيْنِ - وَهَذَا مُمْكِنٌ بَعِيدٌ - فَكِلَاهُمَا لَنَا، وَمُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا وَمُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ذِكْرٌ لِمَرَضٍ وَلَا لِفِعْلٍ فِي مَرَضٍ أَصْلًا، وَلَا لِأَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ فِي مَرَضٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَبَطَلَ عَنْهُمْ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ الْآثَارِ الَّتِي هُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لَهَا، وَعَادَتْ كُلُّهَا لَنَا عَلَيْهِمْ حُجَّةً.
وَأَمَّا مَا رَوَوْا فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا هُمْ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ -: فَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّمَا تَعَلَّقُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ وَهَذَا لَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ - وَهُمْ مَعَنَا أَيْضًا - فِي أَنَّهُ ﵁ إنَّمَا عَنَى أَنَّهُ مَالُ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْمَرِيضِ الَّذِي يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ لِلْوَارِثِ مَا دَامَ شَيْءٌ مِنْ الرُّوحِ فِي الْمَرِيضِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ أَسْمَاءَ لَوْ مَاتَتْ - إذْ قَالَ
стр. 2790
أَبُو بَكْرٍ هَذَا الْقَوْلَ لَهَا - لَمَا وَرِثَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعُرْوَةُ، وَالْمُنْذِرُ، أَوْلَادُهَا مِنْ مَالِ أَبِي بَكْرٍ حَبَّةَ خَرْدَلٍ، وَلَا قِيمَتَهَا، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ مَالُ الْمَرِيضِ. قَدْ صَارَ مَالًا لِلْوَارِثِ فِي مَرَضِهِ لَوَرِثَهُ عَنْهُ إنْ مَاتَ وَرَثَتُهُ فِي حَيَاةِ الْمَرِيضِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، وَلَا أَحْمَقُ، وَلَا عَاقِلٌ.
وَأَيْضًا فَلَا خِلَافَ - مِنَّا وَمِنْهُمْ - فِي أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ وَطِئَ أَمَةَ الْمَرِيضِ قَبْلَ مَوْتِهِ لَكَانَ زَانِيًا يُحَدُّ حَيْثُ يُحَدُّ لَوْ وَطِئَهَا وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَا فَرْقَ وَأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ شَيْئًا فِي مِثْلِهِ الْقَطْعُ لَقُطِعَتْ يَدُهُ حَيْثُ تُقْطَعُ يَدُهُ لَوْ سَرَقَ مِنْهُ وَهُوَ صَحِيحٌ -: فَظَهَرَ تَمْوِيهُهُمْ وَبُرْدُهُمْ وَتَدْلِيسُهُمْ فِي الدِّينِ بِإِيهَامِهِمْ الْبَاطِلَ مَنْ اغْتَرَّ بِهِمْ، وَأَحْسَنَ الظَّنَّ بِطُرُقِهِمْ.
فَإِنْ أَتَوْنَا فِي صَرْفِ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ عَنْ ظَاهِرِهَا بِبُرْهَانٍ مِثْلِ هَذَا وَجَبَ الِانْقِيَادُ لِلْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَأْتُونَا إلَّا بِالْكَذِبِ الْبَحْتِ، وَبِالظَّنِّ الْفَاسِدِ، وَبِالتَّمْوِيهِ الْمُلْبِسِ، فَعَارُ ذَلِكَ وَنَارُهُ لَا زِمَانِ لَهُمْ، لَا لَنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِخَبَرِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ جُمْلَةً.
وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَمُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ، وَالْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَمْ يُدْرِكَاهُ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: أَنَّهُ ابْتَاعَهَا فِي مَرَضِهِ، فَأَجَازَ بَيْعَهُ وَأَعْتَقَهَا عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَمَرَهَا بِأَنْ تَسْعَى فِي ثَمَنِهَا لِلْغَرِيمِ.
وَفِي الْأُخْرَى أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَتَقَ، ثُلُثَهُ - وَالْقَوْلُ فِي هَذَا كَالْقَوْلِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَرَاعَى مَا أَبْقَى لَهُ غِنًى.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصٌ - هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ جَارِيَةً لَهَا لَيْسَ لَهَا مَالٌ غَيْرُهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا - فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ قَدْ رَأَى السَّعْيَ فِي قِيمَتِهَا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالُ غَيْرُهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضٍ أَصْلًا، فَعَادَ فِعْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ - لَوْ صَحَّ - حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ وَلَا فِعْلِهِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِابْنِ مَسْعُودٍ وَلَاحَ خِلَافُهُمْ لَهُ؟
стр. 2791
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فَمُنْقَطِعَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَلِيٍّ شَيْئًا، ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ لَهُمْ بِهَا مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلِيٌّ ﵁ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ أَلْبَتَّةَ وَلَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضٍ لَا بِنَصٍّ وَلَا بِدَلِيلٍ، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُ أَعْتَقَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَقَطْ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ عَلِيًّا إنَّمَا أَوْجَبَ الِاسْتِسْعَاءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَهَذَا هُوَ نَصُّ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَوْلُنَا لَا قَوْلُهُمْ كُلُّهُمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ بِالِاسْتِسْعَاءِ فِي هَذَا إذَا فَضَلَ مِنْ قِيمَةِ الْعِتْقِ عَنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ خِلَافٌ لِهَذَا، فَلَاحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ كَثِيرًا أَنَّ كُلَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ أَثَرٍ صَحِيحٍ أَوْ سَقِيمٍ، أَوْ عَنْ صَاحِبٍ فَلَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا مُوَافِقًا لِقَوْلِهِمْ، وَأَنَّ إيرَادَهُمْ لِكُلِّ ذَلِكَ تَمْوِيهٌ، وَإِيهَامٌ بِالْبَاطِلِ، وَالظَّنِّ الْكَاذِبِ، وَأَنَّ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ حُجَّةٌ لَنَا، وَمُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِالتَّابِعِينَ، وَدَعْوَاهُمْ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ فَغَيْرُ مُنْكَرٍ مِنْ اسْتِسْهَالِهِمْ الْكَذِبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي صَدْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ خِلَافَ قَوْلِهِمْ، وَأَنَّ عِتْقَ الْمَرِيضِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُرَدُّ.
فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ الْمَرِيضُ لِلَّهِ تَعَالَى فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ عَاشَ، فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ عِنْدَ مَسْرُوقٍ، فَظَهَرَ كَذِبُهُمْ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا جَاءَتْ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ التَّابِعِينَ فَقَطْ؟ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، أَكْثَرُ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَمِثْلِهِ.
ثُمَّ هُمْ مُخْتَلِفُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْمُسَافِرَ مِنْ حِينِ يَضَعُ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لَا يَنْفُذُ لَهُ أَمْرٌ فِي مَالٍ إلَّا مِنْ ثُلُثِهِ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى ذَلِكَ فِي الْحَامِلِ جُمْلَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى ذَلِكَ فِي الْأَسِيرِ جُمْلَةً، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: مُخَالِفُونَ لِكُلِّ هَذَا. ثُمَّ قَوْلُهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْأَمْرَاضِ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِهِمْ، فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ إجْمَاعًا فَقَدْ أَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ إجْمَاعًا فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ
стр. 2792
دُونَ الصَّحَابَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا عِنْدَهُمْ، فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالشَّعْبِيِّ، خِلَافَ هَذَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا أَبْرَأَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ صَدَاقِهَا فِي مَرَضِهَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا يَجُوزُ -: فَصَحَّ أَنَّ إبْرَاهِيمَ إنَّمَا عَنَى مَرَضَهَا الَّذِي تَمُوتُ مِنْهُ، وَلَمْ يُرَاعِ ثُلُثًا، وَلَا رَآهُ وَصِيَّةً.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ؟ قَالَ: إذَا وَضَعَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي حَقٍّ فَلَا أَحَدَ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْهُ، وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَخْلُو عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الصَّحِيحَ، وَالْمَرِيضَ مَعًا، أَوْ الْمَرِيضَ وَحْدَهُ، أَوْ الصَّحِيحَ وَحْدَهُ -: فَإِنْ أَرَادَ الصَّحِيحَ فَقَطْ فَقَدْ رَدَّ فِعْلَهُ فِي صَدَقَتِهِ بِمَالِهِ كُلِّهِ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْمَرِيضَ -: فَقَدْ أَمْضَى فِعْلَهُ فِي مَالِهِ كُلِّهِ - فَهَذَا خِلَافٌ ظَاهِرٌ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ: أَنَّهُ يَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَطَلَّقَ نِسَاءَهُ طَلْقَةً طَلْقَةً، وَقَسَّمَ مَالَهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَهُ: أَجَاءَك الشَّيْطَانُ فِي مَنَامِك فَأَخْبَرَك: أَنَّك تَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَطَلَّقْتَ نِسَاءَك وَقَسَّمْتَ مَالَك؟ رُدَّهُ وَلَوْ مِتَّ لَرَجَمْتُ قَبْرَك كَمَا يُرْجَمُ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ؟ فَرَدَّ مَالَهُ وَنِسَاءَهُ، وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَرَاك تَلْبَثُ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى تَمُوتَ؟ وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ امْرَأَةً رَأَتْ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّهَا تَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَشَذَّبَتْ مَالَهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ، ثُمَّ مَاتَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَأَمْضَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فِعْلَهَا.
فَإِنْ كَانَ لِلْمُوقِنِ بِالْمَوْتِ حُكْمُ الْمَرِيضِ فِي مَالِهِ فَقَدْ أَمْضَاهُ أَبُو مُوسَى، فَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ فَقَدْ رَدَّهُ عُمَرُ، وَلَمْ يُمْضِ مِنْهُ ثُلُثًا وَلَا شَيْئًا، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
стр. 2793
وَمَنْ أَقْبَحُ مُجَاهِرَةً مِمَّنْ يَجْعَلُ مِثْلَ مَنْ ذَكَرْنَا قَبْلُ إجْمَاعًا ثُمَّ لَا يُبَالِي بِمُخَالِفَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَطَوَائِفَ مِنْ التَّابِعِينَ فِي الْقِصَاصِ مِنْ اللَّطْمَةِ، وَضَرْبَةِ السَّوْطِ، لَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا قَدْ تَقَصَّيْنَا مِنْهُ جُزْءًا صَالِحًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الْوَصِيَّةِ، فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَنْفُذُ بَعْدَ الْمَوْتِ - وَهِيَ مِنْ الْمَرِيضِ.
وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ - بِلَا خِلَافٍ - لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، فَإِذَا قِيسَ فِعْلُ الْمَرِيضِ عَلَيْهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيَاةِ فِعْلُ الْمَرِيضِ كَفِعْلِ الصَّحِيحِ سَوَاءً سَوَاءً.
وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ لَا شَيْءَ أَشْبَهَ بِشَيْءٍ وَأَوْلَى بِأَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْئَيْنِ شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا -: وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا قُتَيْبَةُ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الَّذِي يَعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَاَلَّذِي يُهْدِي بَعْدَ مَا يَشْبَعُ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الَّذِي يُهْدِي بَعْدَ مَا يَشْبَعُ فَهَدِيَّتُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا فَالْمُعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِثْلُهُ سَوَاءً سَوَاءً، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ - وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١٠ - ١١]
وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا عَلَى جَوَازِ الصَّدَقَةِ لِلصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ مَا لَمْ يَأْتِهِ الْمَوْتُ وَيَجِئْ حُلُولُ أَجَلِهِ دُونَ تَأْخِيرٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ، وَلَكِنَّهُمْ لَا النُّصُوصَ يَتَّبِعُونَ وَلَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ. وَأَيْضًا: فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَصْلًا فِي أَنَّ مَا اشْتَرَاهُ الْمَرِيضُ مِنْ فَاكِهَةٍ، وَلَحْمٍ، وَنَحْوِ
стр. 2794
ذَلِكَ مِمَّا هُوَ عَنْهُ فِي غِنًى، وَمَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى سَائِلٍ بِالْبَابِ، فَإِنَّهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، فَلَوْ كَانَ فَعَلَهُ فِي مَرَضِهِ مِنْ الثُّلُثِ لَكَانَ هَذَا مِنْ الثُّلُثِ، بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا الثُّلُثُ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ مِنْهُ لَمَا وَجَبَ أَنْ يُعَدَّ أَكْلَهُ وَنَفَقَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ بَاقِيَ ذَلِكَ لَا حُكْمَ لَهُ فِيهِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - فَظَهَرَ مِنْ تَخَاذُلِهِمْ وَتَنَاقُضِهِمْ وَفَسَادِ أَقْوَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا بَعْضُهُ يَكْفِي - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْحَجْرُ عَلَى امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ]
١٣٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْحَجْرُ أَيْضًا عَلَى امْرَأَةٍ ذَاتِ زَوْجٍ؛ وَلَا بِكْرٍ ذَاتِ أَبٍ، وَلَا غَيْرِ ذَاتِ أَبٍ - وَصَدَقَتُهُمَا، وَهِبَتُهُمَا -: نَافِذٌ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إذَا حَاضَتْ كَالرَّجُلِ سَوَاءً سَوَاءً - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِذَاتِ الزَّوْجِ إلَّا الثُّلُثُ فَقَطْ تَهَبُهُ وَتَتَصَدَّقُ بِهِ - أَحَبَّ زَوْجُهَا أَمْ كَرِهَ - فَإِذَا مَضَتْ لَهَا مُدَّةٌ جَازَ لَهَا فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ أَيْضًا أَنْ تَفْعَلَ فِيهِ مَا شَاءَتْ - أَحَبَّ زَوْجُهَا أَمْ كَرِهَ - وَهَكَذَا أَبَدًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِنْ فِعْلِهَا فِي الْأَوَّلِ: فُسِخَ - فَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ رَدَّ الْكُلَّ أَوَّلَهُ عَنْ آخِرِهِ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ إنْ شَاءَ زَوْجُهَا أَنْ يَرُدَّهُ، وَإِنْ أَنْفَذَهُ نَفَذَ، فَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَنْ زَوْجِهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ يُطَلِّقَهَا نَفَذَ كُلُّهُ - قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبُهُ: بَلْ لَا يَرُدُّ الزَّوْجُ إلَّا مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَقَطْ، وَيَنْفُذُ لَهَا الثُّلُثُ كَالْمَرِيضِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا. مَالَهَا كُلَّهُ نَفَذَ ذَلِكَ، وَأَمَّا بَيْعُهَا وَابْتِيَاعُهَا فَجَائِزٌ - أَحَبَّ زَوْجُهَا أَمْ كَرِهَ - إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ.
قَالَ: وَأَمَّا الْبِكْرُ فَمَحْجُورَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ - ذَاتَ أَبٍ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ أَبٍ - لَا يَجُوزُ لَهَا فِعْلٌ فِي مَالِهَا، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا أَنْ تَضَعَ عَنْ زَوْجِهَا مِنْ الصَّدَاقِ وَإِنْ عَنَسَتْ حَتَّى تَدْخُلَ بَيْتَ زَوْجِهَا، وَيُعْرَفُ مِنْ حَالِهَا فَإِنْ وَهَبَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ: كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَتْ إلَّا إنْ كَانَ يَسِيرًا، قَالَ: وَأَمَّا الَّتِي كَانَ لَهَا زَوْجٌ ثُمَّ تَأَيَّمَتْ فَكَالرَّجُلِ فِي نَفَاذِ حُكْمِهَا فِي مَالِهَا كُلِّهِ.
وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ: فَرُوِّينَا عَنْهُمْ أَقْوَالًا: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ إسْمَاعِيلِ بْنِ خَالِدٍ، وَزَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: عَهِدَ إلَيَّ
стр. 2795
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا أُجِيزَ عَطِيَّةَ جَارِيَةٍ حَتَّى تَلِدَ وَلَدًا، أَوْ تَحُولَ فِي بَيْتِهَا حَوْلًا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ نا الشَّعْبِيُّ قَالَ: قَالَ شُرَيْحٌ: أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا أُجِيزَ لِجَارِيَةٍ مُمَلَّكَةٍ عَطِيَّةً حَتَّى تَحِيلَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا أَوْ تَلِدَ وَلَدًا، قَالَ: فَقُلْت لِلشَّعْبِيِّ: كَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: بَلْ شَافَهَهُ بِهِ مُشَافَهَةً.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَرَأْت كِتَابَ عُمَرَ إلَى شُرَيْحٍ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ جَارِيَةً مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ لَهَا أَخُوهَا وَهِيَ مُمَلَّكَةٌ: تَصَدَّقِي عَلَيَّ بِمِيرَاثِك مِنْ أَبِيك؟ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ طَلَبَتْ مِيرَاثَهَا فَرَدَّهُ عَلَيْهَا
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُجِيزُوا نَحْلَ امْرَأَةٍ بِكْرٍ حَتَّى تَحِيلَ حَوْلًا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا أَوْ تَلِدَ وَلَدًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا وَهَبَتْ مِنْ مَالِهَا: فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهَا هِبَتُهَا حَتَّى تَلِدَ وَلَدًا، أَوْ تَبْلُغَ، أَنَّى ذَلِكَ وَهُوَ سُنَّةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ حَتَّى تَحُولَ حَوْلًا أَوْ تَلِدَ وَلَدًا، فَقَالَ الْحَسَنُ: حَتَّى تَلِدَ وَلَدًا أَوْ تَبْلُغَ، أَنَّى ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ قَالَا جَمِيعًا: لِلْيَتِيمَةِ خِنَاقَانِ لَا يَجُوزُ لَهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِهَا حَتَّى تَلِدَ وَلَدًا، أَوْ تَمْضِيَ عَلَيْهَا سَنَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا - وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالشَّعْبِيِّ، إلَّا أَنَّهُ اخْتَلَفَ عَنْهُ إذَا عَنَسَتْ قَبْلَ ذَلِكَ - فَرُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْت لِلشَّعْبِيِّ: أَرَأَيْت إنْ عَنَسَتْ أَيَجُوزُ - يَعْنِي هِبَتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَرُوِّينَا عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قُلْت لِلشَّعْبِيِّ: أَرَأَيْت إنْ عَنَسَتْ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ، كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ
стр. 2796
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا حَالَتْ فِي بَيْتِهَا حَوْلًا جَازَ لَهَا مَا صَنَعَتْ، قَالَ الْمُغِيرَةُ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ أَوْ وَلَدَ مِثْلُهَا جَازَتْ هِبَتُهَا - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ.
وَقَوْلٌ آخَرُ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَاتِ زَوْجٍ عَطِيَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَرْزَمِيِّ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ كَانَتْ لَا تَعْتِقُ - وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً إلَّا بِإِذْنِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى لَهَا ذَلِكَ جَائِزًا دُونَ إذْنِهِ، لَكِنَّهُ عَلَى حُسْنِ الصُّحْبَةِ فَقَطْ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا تَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمْ يُجِزْ لِذَاتِ الزَّوْجِ عِتْقًا، وَلَا حُكْمًا فِي صَدَاقِهَا وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا - إلَّا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ فِي صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ .
وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغَبَرِيُّ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَتْ: كُنْت أَخْدِمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ، وَأَسُوسُ فَرَسَهُ، كُنْت أَحْتَشُّ لَهُ، وَأَقُومُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ - ثُمَّ جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ سَبِيٌّ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا، ثُمَّ ذَكَرَتْ حَدِيثًا وَفِيهِ أَنَّهَا بَاعَتْهَا، قَالَتْ: فَدَخَلَ الزُّبَيْرُ وَثَمَّنَهَا فِي حِجْرِي فَقَالَ: هَبِيهَا إلَيَّ؟ قَالَتْ: أَنَّى، لَكِنْ تَصَدَّقْت بِهَا - فَهَذَا الزُّبَيْرُ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، قَدْ أَنْفَذَتْ الصَّدَقَةَ بِثَمَنِ خَادِمِهَا، وَبَيْعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ شَيْئًا غَيْرَهَا، أَوْ كَانَ أَكْثَرَ مَا مَعَهَا - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ ابْنُ الصَّبَّاحِ - عَنْ حَجَّاجٍ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ
стр. 2797
اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فِي أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ قَالَ: ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتُ وَلَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكَ» فَلَمْ يُنْكِرْ الزُّبَيْرُ ذَلِكَ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ امْرَأَةً رَأَتْ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنَّهَا تَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَقْبَلَتْ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا فَتَعَلَّمَتْهُ، وَشَذَّبَتْ مَالَهَا، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ دَخَلَتْ عَلَى جَارَاتِهَا فَجَعَلَتْ تَقُولُ: يَا فُلَانَةُ أَسْتَوْدِعُك اللَّهَ، وَأَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ؟ فَجَعَلْنَ يَقُلْنَ لَهَا: لَا تَمُوتِينَ الْيَوْمَ، لَا تَمُوتِينَ الْيَوْمَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - فَمَاتَتْ، فَسَأَلَ زَوْجُهَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَيُّ امْرَأَةٍ كَانَتْ امْرَأَتُك؟ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَحْرَى مِنْهَا أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا الشَّهِيدَ، وَلَكِنَّهَا فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: هِيَ كَمَا تَقُولُ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَلَمْ يَرُدَّهُ أَبُو مُوسَى.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ قَالَ: كَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَسْأَلُهُ عَنْ الْمَرْأَةِ تُعْطِي مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا؟ فَكَتَبَ: إمَّا هِيَ سَفِيهَةٌ أَوْ مُضَارَّةٌ؟ فَلَا يَجُوزُ لَهَا، وَإِمَّا هِيَ غَيْرُ سَفِيهَةٍ وَلَا مُضَارَّةٍ فَيَجُوزُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي امْرَأَةٍ أَعْطَتْ مِنْ مَالِهَا: إنْ كَانَتْ غَيْرَ سَفِيهَةٍ وَلَا مُضَارَّةٍ فَأَجِزْ عَطِيَّتَهَا.
وَعَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُحَالُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَنْ تَأْتِيَ الْقَصْدَ فِي مَالِهَا فِي حِفْظِ رُوحٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَوْ فِي مَوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ، إذَا لَمْ يَجُزْ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعْطِيَ مِنْ مَالِهَا شَيْئًا، كَانَ خَيْرًا لَهَا أَنْ لَا تُنْكَحَ، وَأَنَّهَا إذًا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَمَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسٍ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - قَالَ: قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: تَجُوزُ عَطِيَّةُ الْمَرْأَةِ فِي مَالِهَا.
стр. 2798
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إذَا أَعْطَتْ الْمَرْأَةُ الْحَدِيثَةُ السِّنِّ ذَاتُ الزَّوْجِ قَبْلَ السَّنَةِ عَطِيَّةً، فَلَمْ تَرْجِعْ حَتَّى تَمُوتَ، فَهُوَ جَائِزٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إذَا أَعْطَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِهَا فِي غَيْرِ سَفَهٍ وَلَا ضِرَارٍ جَازَتْ عَطِيَّتُهَا، وَإِنْ كَرِهَ زَوْجُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَمَا نَعْلَمُ لَهُ مُتَعَلِّقًا، لَا مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا مِنْ السُّنَنِ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، وَلَا أَحَدَ قَبْلَهُ نَعْلَمُهُ، إلَّا رِوَايَةً عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُهَا كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ أَيْضًا تَقْسِيمُهُمْ الْمَذْكُورُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، بَلْ كَانَ مَا ذَكَرْنَا مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ هَهُنَا - عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِلْمَرْأَةِ إذَا قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أَصِلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؟ وَقَالَ زَوْجُهَا: هِيَ تُضَارُّنِي؟ فَأَجَازَ لَهَا الثُّلُثَ فِي حَيَاتِهَا.
وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سُجُودِهِ: إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَفِي عَشَرَاتٍ مِنْ الْقَضَايَا - وَهُمْ قَدْ خَالَفُوا هَهُنَا: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَالزُّبَيْرَ، وَأَسْمَاءَ، وَجَمِيعَ الصَّحَابَةِ - عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَشُرَيْحًا، وَالشَّعْبِيَّ، وَالنَّخَعِيَّ، وَعَطَاءً وَطَاوُسًا، وَمُجَاهِدًا، وَالْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرَهُمْ.
وَالْعَجَبُ مِنْ تَقْلِيدِهِمْ عُمَرَ ﵁ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ، وَفِي مَا يَدَّعُونَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَمِنْ تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ سَنَةً، وَمِنْ تَحْرِيمِهِ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ فِي الْعِدَّةِ وَدَخَلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْأَبَدِ - وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَرَجَعَ هُوَ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يُقَلِّدُوهُ هَهُنَا.
وَهَلَّا قَالُوا هَهُنَا: مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، كَمَا قَالُوهُ فِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فَإِنَّ عُمَرَ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ أَبْطَلُوا فِعْلَ الْمَرْأَةِ جُمْلَةً قَبْلَ أَنْ تَلِدَ، أَوْ تَبْقَى فِي بَيْتِ زَوْجِهَا سَنَةً، ثُمَّ أَجَازَ بَعْدَ ذَلِكَ جُمْلَةً وَلَمْ يَجْعَلْ لِلزَّوْجِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَدْخَلًا، وَلَا حَدَّ ثُلُثًا مِنْ أَقَلَّ، وَلَا مِنْ أَكْثَرَ.
стр. 2799
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُ هَذَا سَوَاءً سَوَاءً؛ لِأَنَّهُمْ قَلَّدُوا عُمَرَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، وَفِي تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ سَنَةً، وَفِيمَا ادَّعَوْا عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ - وَكَذَبُوا فِي ذَلِكَ، فَهَلَّا قَلَّدُوهُ هَهُنَا وَقَالُوا: مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ فِي غَيْرِ حَقِيقَةٍ - وَنَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَوَّهَ الْمَالِكِيُّونَ بِأَنْ قَالُوا: صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَدِينِهَا» قَالُوا: فَإِذَا نَكَحَهَا لِمَالِهَا فَلَهُ فِي مَالِهَا مُتَعَلَّقٌ؛ وَقَالُوا: قِسْنَاهَا عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُوصِي.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِلسُّنَّةِ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَأَغَثُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِيَاسِ وَأَشَدُّهُ بُطْلَانًا -: أَمَّا الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ فَلَا مَدْخَلَ فِيهِ لِشَيْءٍ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي إجَازَةِ الثُّلُثِ وَإِبْطَالِ مَا زَادَ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَطَاوُسٍ، وَاللَّيْثِ تَعَلُّقًا مُمَوَّهًا أَيْضًا عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ الْمَرْأَةَ عَلَى الْمَرِيضِ فَهُوَ قِيَاسٌ لِلْبَاطِلِ عَلَى الْبَاطِلِ، وَاحْتِجَاجٌ لِلْخَطَأِ بِالْخَطَأِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ فِي الْمَرِيضِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ لَكَانُوا قَدْ أَخْطَئُوا مِنْ وُجُوهٍ -: أَحَدُهَا - أَنَّ الْمَرْأَةَ صَحِيحَةٌ وَإِنَّمَا احْتَاطُوا بِزَعْمِهِمْ عَلَى الْمَرِيضِ لَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيَاسُ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَرِيضِ بَاطِلٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَقِيسُونَ الشَّيْءَ عَلَى مِثْلِهِ لَا عَلَى ضِدِّهِ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا عِلَّةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الصَّحِيحَةِ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ وَلَا شَبَهَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا، وَالْعِلَّةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إمَّا عَلَى عِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ، وَإِمَّا عَلَى شَبَهٍ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُمْ يُمْضُونَ فِعْلَ الْمَرِيضِ فِي الثُّلُثِ، وَيُبْطِلُونَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، وَهَهُنَا يُبْطِلُونَ الثُّلُثَ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ - فَقَدْ أَبْطَلُوا قِيَاسَهُمْ.
وَالرَّابِعُ - أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ لِلْمَرْأَةِ ثُلُثًا بَعْدَ ثُلُثٍ، وَلَا يُجِيزُونَ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ - فَجَمَعُوا فِي هَذَا الْوَجْهِ مُنَاقَضَةَ الْقِيَاسِ، وَإِبْطَالَ أَصْلِهِمْ فِي الْحِيَاطَةِ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَزَالُ تُعْطِي ثُلُثًا بَعْدَ ثُلُثٍ حَتَّى تُذْهِبَ الْمَالَ إلَّا مَا لَا قَدْرَ لَهُ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ لَا نَظِيرَ لَهُ.
стр. 2800
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَاهَا عَلَى الْمُوصِي؟ قُلْنَا: الْمُنَفِّذُ غَيْرُ الْمُوصِي وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا أَدْخَلْنَاهُ آنِفًا فِي قِيَاسِهِمْ عَلَى الْمَرِيضِ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ لِلزَّوْجِ طَرِيقًا فِي مَالِهَا إذْ قَدْ تَزَوَّجَ بِالْمَالِ؟ فَسَنَذْكُرُ مَا يَفْسُدُ بِهِ هَذَا الْقَوْلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إثْرَ هَذَا فِي كَلَامِنَا عَلَى مَنْ يَمْنَعُهَا مِنْ الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِجَاجَ إنَّمَا هُوَ لَهُمْ، لَا لِلْمَالِكِيِّينَ، بَلْ هُوَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مُوجِبًا لِلْمَنْعِ مِنْ قَلِيلِ مَالِهَا وَكَثِيرِهِ. لَكِنْ نَسْأَلُهُمْ عَنْ الْحُرَّةِ لَهَا زَوْجٌ عَبْدٌ، وَالْكَافِرَةِ لَهَا زَوْجٌ مُسْلِمٌ، وَاَلَّتِي تُسْلِمُ تَحْتَ كَافِرٍ، هَلْ لِهَؤُلَاءِ مَنْعُهُنَّ مِنْ الصَّدَقَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا، تَنَاقَضُوا، وَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، زَادُوا أُخْلُوقَةً.
فَإِنْ قَالُوا: هِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهَا مِنْ جَمِيعِ مَالِهَا، وَكَانَ الثُّلُثُ قَلِيلًا؟ قُلْنَا: هَذَا يَفْسُدُ مِنْ وُجُوهٍ: - أَحَدُهَا: أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَى مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ تُمْنَعَ مِنْ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ كَغَيْرِهَا، وَلَا فَرْقَ؟ وَثَانِيهَا: أَنْ نَقُولَ لَهُمْ: وَالْمَحْجُورُ السَّفِيهُ بِإِقْرَارِكُمْ إلَى مَا يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ كَمَا تُوجِبُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ. وَالصِّيَامَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَسَائِرَ الشَّرَائِعِ فَأَبِيحُوا لَهُ الثُّلُثَ أَيْضًا بِهَذَا الدَّلِيلِ السَّخِيفِ نَفْسِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: الْمَرْأَةُ لَيْسَتْ سَفِيهَةً.
قُلْنَا: فَأَطْلِقُوهَا عَلَى مَالِهَا وَدَعُوا هَذَا التَّخْلِيطَ بِمَا لَا يُعْقَلُ؟ وَثَالِثُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» فَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: إنَّهُ قَلِيلٌ - وَحَسْبُكُمْ هَذَا الَّذِي نَسْتَعِيذُ اللَّهَ مِنْ مِثْلِهِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ الثُّلُثَ عِنْدَكُمْ مَرَّةً كَثِيرٌ فَتَرُدُّونَهُ كَالْجَوَائِحِ، وَمَرَّةً قَلِيلٌ فَتُنْفِذُونَهُ مِثْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ وَشِبْهَهُ - فَكَمْ هَذَا التَّنَاقُضُ وَالْقَوْلُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْآرَاءِ؟ وَخَامِسُهَا: أَنَّ حُجَّةَ الزَّوْجِ فِي مَالِهَا كَحُجَّةِ الْوَلَدِ، أَوْ الْوَالِدِ، أَوْ الْأَخِ، بَلْ مِيرَاثُ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَعَ الْوَلَدِ لَيْسَ لَهُ إلَّا الرُّبْعُ، وَلِلْوَلَدِ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ - وَالْوَالِدُ وَالْوَلَدُ كَالزَّوْجِ فِي أَنَّهُمْ لَا يَحْجُبُهُمْ أَحَدٌ عَنْ الْمِيرَاثِ أَصْلًا، فَامْنَعُوهَا مَعَ الْوَلَدِ،
стр. 2801
وَالْوَالِدِ، مِنْ الصَّدَقَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ بِهَذَا الِاحْتِيَاطِ الْفَاسِدِ، لَا سِيَّمَا وَحَقُّ الْأَبَوَيْنِ فِيمَا أُوجِبَ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَنَا مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ إنْ افْتَقَرَا قَضَوْا بِنَفَقَتِهِمَا وَكِسْوَتِهِمَا وَإِسْكَانِهِمَا وَخِدْمَتِهِمَا عَلَيْهَا فِي مَالِهَا أَحَبَّتْ أَمْ كَرِهَتْ - وَلَا يَقْضُونَ لِلزَّوْجِ فِي مَالِهَا بِشَيْءٍ - وَلَوْ مَاتَ جُوعًا وَبَرْدًا - فَكَيْفَ احْتَاطُوا لِلْأَقَلِّ حَقًّا وَلَمْ يَحْتَاطُوا لِلْأَكْثَرِ حَقًّا - فَلَاحَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي لَا نَدْرِي كَيْفَ يَنْشَرِحُ صَدْرُ مَنْ لَهُ أَدْنَى تَمْيِيزٍ لِتَقْلِيدِ مَنْ أَخْطَأَ فِيهِ الْخَطَأَ الَّذِي لَا خَفَاءَ بِهِ، وَخَالَفَ فِيهِ كُلَّ مُتَقَدِّمٍ نَعْلَمُهُ، إلَّا رِوَايَةً عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلَافُهَا لَيْسَ أَيْضًا فِي تَقْسِيمِهِمْ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَهَا مِنْ أَنْ تُنَفِّذَ فِي مَالِهَا شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] . وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّذِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ» .
وَبِمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ نُوحٍ الْأَصْبَهَانِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَدِينِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ دَاوُد نا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ - قَالَ الصَّائِغُ: لَيْسَ هُوَ الْعَرْزَمِيُّ - عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ؟ قَالَ: لَا تَصَدَّقُ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ. وَكَانَ عَلَيْهَا الْوِزْرُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ خَطَبَ فَقَالَ: لَا تَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ فِي مَالِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ قَالَ الرَّجُلُ: عَنْ عِكْرِمَةَ، وَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ اتَّفَقَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ
стр. 2802
لِامْرَأَةٍ شَيْءٌ فِي مَالِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا» هَذَا لَفْظُ طَاوُسٍ، وَلَفْظُ عِكْرِمَةَ " فِي مَالِهَا شَيْءٌ " مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا أَصْلًا
وَكُلُّ هَذِهِ النُّصُوصِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ مَا صَحَّ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَصِحَّ فَحُجَّةٌ عَلَى الْمَالِكِيِّينَ، وَمُبْطِلٌ لِقَوْلِهِمْ فِي إبَاحَةِ الثُّلُثِ وَمَنْعِهِمْ مِمَّا زَادَ.
فَأَمَّا الْخَبَرُ «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ» فَلَيْسَ فِيهِ التَّغْبِيطُ بِذَلِكَ، وَلَا الْحَضُّ عَلَيْهِ، وَلَا إبَاحَتُهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ فِيهِ الزَّجْرُ عَنْ أَنْ تُنْكَحَ لِغَيْرِ الدِّينِ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ» فَقَصَرَ أَمْرَهُ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ، فَصَارَ مَنْ نَكَحَ لِلْمَالِ غَيْرَ مَحْمُودٍ فِي نِيَّتِهِ تِلْكَ.
ثُمَّ هَبْكَ أَنَّهُ مُبَاحٌ مُسْتَحَبٌّ؟ أَيُّ دَلِيلٍ فِيهِ عَلَى أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ مَالِهَا بِكَوْنِهِ أَحَدَ الطَّمَّاعِينَ فِي مَالٍ لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا مَا يَحِلُّ مِنْ مَالِ جَارِهِ؟ وَهُوَ مَا طَابَتْ لَهُ بِهِ نَفْسُهَا وَنَفْسُ جَارِهِ وَلَا مَزِيدَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي أَجْمَعَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمَا إجْمَاعًا مَقْطُوعًا بِهِ مُتَيَقَّنًا أَنَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ؛ وَكِسْوَتَهُنَّ، وَإِسْكَانَهُنَّ، وَصَدُقَاتِهِنَّ، وَجَعَلَ لَهُنَّ الْمِيرَاثَ مِنْ الرِّجَالِ كَمَا جَعَلَهُ لِلرِّجَالِ مِنْهُنَّ سَوَاءً سَوَاءً - فَصَارَ بِيَقِينٍ مِنْ كُلِّ ذِي مَسْكَةِ عَقْلٍ حَقُّ الْمَرْأَةِ فِي مَالِ زَوْجِهَا وَاجِبًا لَازِمًا، حَلَالًا يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَشَهْرًا بِشَهْرٍ، وَعَامًا بِعَامٍ، وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَكَرَّةِ الطَّرَفِ، لَا تَخْلُو ذِمَّتُهُ مِنْ حَقٍّ لَهَا فِي مَالِهِ. بِخِلَافِ مَنْعِهِ مِنْ مَالِهَا جُمْلَةً، وَتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ، إلَّا مَا طَابَتْ لَهُ نَفْسُهَا بِهِ، ثُمَّ تَرْجُو مِنْ مِيرَاثِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا يَرْجُو الزَّوْجُ فِي مِيرَاثِهَا وَلَا فَرْقَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلرَّجُلِ مَنْعَهَا مِنْ مَالِهَا فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ أَوْجَبُ، وَأَحَقُّ فِي مَنْعِهِ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِأَنَّ لَهَا شِرْكًا وَاجِبًا فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي مَالِهَا إلَّا التَّبُّ وَالزَّجْرُ، فَيَا لَلْعَجَبِ فِي عَكْسِ الْأَحْكَامِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا لَهَا مَنْعَهُ مِنْ مَالِهِ خَوْفَ أَنْ يَفْتَقِرَ فَيَبْطُلُ حَقُّهَا اللَّازِمُ؟ فَأُبْعِدَ وَاَللَّهِ وَأُبْطِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُوجِبًا لَهُ مَنْعَهَا مِنْ مَالٍ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ، وَلَا حَظَّ إلَّا حَظُّ الْفِيلِ مِنْ الطَّيَرَانِ.
وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ إطْلَاقِهِمْ لَهُ الْمَنْعَ مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ - وَهُوَ لَوْ
стр. 2803
مَاتَ جُوعًا، أَوْ جَهْدًا، أَوْ هُزَالًا، أَوْ بَرْدًا، لَمْ يَقْضُوا لَهُ فِي مَالِهَا بِنَوَاةٍ يَزْدَرِدُهَا، وَلَا بِجِلْدٍ يَسْتَتِرُ بِهِ، فَكَيْفَ اسْتَجَازُوا هَذَا؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ؟ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ جُمْلَةً.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤] فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ بِهَذَا الْكَلَامِ زَوْجًا مِنْ أَبٍ، وَلَا مِنْ أَخٍ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌّ عَلَى الْأَزْوَاجِ دُونَ غَيْرِهِمْ لَمَا كَانَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ مَالِهَا، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِيهِ أَنْ يَقُومُوا بِالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِهِنَّ - وَهُمْ لَا يَجْعَلُونَ هَذَا لِلزَّوْجِ أَصْلًا بَلْ لَهَا عِنْدَهُمْ أَنْ تُوَكِّلَ فِي النَّظَرِ فِي مَالِهَا مَنْ شَاءَتْ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ زَوْجِهَا؟ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا يَنْفُذُ عَلَيْهَا بَيْعُ زَوْجِهَا لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا - لَا مَا قَلَّ وَلَا مَا كَثُرَ - لَا لِنَظَرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا ابْتِيَاعِهِ لَهَا أَصْلًا - فَصَارَتْ الْآيَةُ مُخَالِفَةً لَهُمْ فِيمَا يَتَأَوَّلُونَهُ فِيهَا. وَصَحَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ وُجُوبِ نَفَقَتِهِنَّ وَكِسْوَتِهِنَّ عَلَيْهِمْ، فَذَاتُ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجِ، وَغَيْرُ ذَاتِ الزَّوْجِ إنْ احْتَاجَتْ عَلَى أَهْلِهَا فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - فَصَارَتْ الْآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَكَاسِرَةً لِقَوْلِهِمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ بُكَيْرٍ رَوَاهُ عَنْ اللَّيْثِ - وَهُوَ أَوْثَقُ النَّاسِ فِيهِ - عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ فِيهِ: «وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ» .
وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - نَا ابْنُ عَجْلَانَ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خَيْرِ النِّسَاءِ؟ قَالَ: الَّتِي تُطِيعُ إذَا أَمَرَ، وَتَسُرُّ إذَا نَظَرَ، وَتَحْفَظُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» ثُمَّ لَوْ صَحَّ - وَمَالِهَا دُونَ مُعَارِضٍ - لَمَا كَانَ لَهُمْ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ مُتَعَلَّقٌ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا فِيهِ النَّدْبُ فَقَطْ لَا الْإِيجَابُ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الطَّاعَةِ، وَالْمَنْعُ مِنْ
стр. 2804
الصَّدَقَةِ، وَفِعْلِ الْخَيْرِ لَيْسَ طَاعَةً، بَلْ هُوَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ.
وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ: فَهَالِكٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُوسَى بْنَ أَعْيَنَ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - وَلَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ - وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ - وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: فَصَحِيفَةٌ مُنْقَطِعَةٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَنْسُوخًا بِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا خَبَرُ طَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ فَمُرْسَلَانِ - فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ قَدْ سَقَطَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ فَالتَّحْدِيدُ الْوَارِدُ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَمَنْ اتَّبَعَهُ فِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهَا عَطِيَّةٌ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَلِدَ. أَوْ تَبْقَى فِي بَيْتِ زَوْجِهَا سَنَةً، فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّجُوعَ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، لَا إلَى قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَبَطَلَتْ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا إلَّا قَوْلُنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.
وَمِنْ الْحُجَّةُ لِقَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] فَبَطَلَ بِهَذَا مَنْعُهَا مِنْ مَالِهَا طَمَعًا فِي أَنْ يَحْصُلَ لِلْمَانِعِ بِالْمِيرَاثِ أَبًا كَانَ، أَوْ زَوْجًا. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرِّجَالِ فِي الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَبَيْنَ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، وَلَا بَيْنَ ذَاتِ أَبٍ بِكْرٍ، أَوْ غَيْرِ ذَاتِ أَبٍ ثَيِّبٍ، وَلَا بَيْنَ ذَاتِ زَوْجٍ. وَلَا أَرْمَلَةٍ - فَكَانَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَلِكَ بَاطِلًا مُتَيَقَّنًا، وَظُلْمًا ظَاهِرًا مِمَّنْ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَقَلَّدَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ «أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْمَاءَ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهَا إذْنَ الزُّبَيْرِ، وَلَا ثُلُثًا فَمَا دُونَ فَمَا فَوْقَ، بَلْ قَالَ لَهَا: ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ وَلَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ سَمِعْت عَطَاءً قَالَ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ
стр. 2805
يَقُولُ: «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ - ثُمَّ خَطَبَ فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ النِّسَاءَ فَأَتَاهُنَّ فَذَكَّرَهُنَّ وَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي: الْخَاتَمَ، وَالْخُرْصَ، وَالشَّيْءَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ نا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ «أَمَرَ أَنْ يَخْرُجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، وَكَانَ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ» فَهَذَا أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ النِّسَاءَ بِالصَّدَقَةِ عُمُومًا.
نَعَمْ، وَجَاءَ «وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» ، وَفِيهِنَّ الْعَوَاتِقُ الْمُخَدَّرَاتُ ذَوَاتُ الْآبَاءِ وَذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ " فَمَا خَصَّ مِنْهُنَّ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَفِيهِنَّ الْمُقِلَّةُ، وَالْغَنِيَّةُ فَمَا خَصَّ مِقْدَارًا دُونَ مِقْدَارٍ، وَهَذَا آخِرُ فِعْلِهِ ﵇، وَبِحَضْرَةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، وَآثَارٌ ثَابِتَةٌ - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.
[مَسْأَلَةٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا]
١٣٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلِلْمَرْأَةِ حَقٌّ زَائِدٌ، وَهُوَ أَنَّ لَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، وَهِيَ مَأْجُورَةٌ بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِهَا بِشَيْءٍ أَصْلًا إلَّا بِإِذْنِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] فَبَطَلَ بِهَذَا حُكْمُ أَحَدٍ فِي مَالِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ وَجَبَ أَنْ يَخُصَّ مِنْ ذَلِكَ مَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَصُمْ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا.
следующие страницы →