Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
فَهَذَا أَثَرٌ مُتَوَاتِرٌ رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ - وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، وَأَبُو حَازِمٍ.
وَرَوَاهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَبُو الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ. وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ: أَبُو قِلَابَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ.
وَرَوَاهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ أَبُو الْخَلِيلِ، وَابْنُ سِيرِينَ -. وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ: النَّاسُ.
وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيُّونَ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ «مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ وَقَالَ: بِعْهُ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا، فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةَ بَعْضِ صَاعٍ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ لَهُ مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ؛ وَلَا تَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنِّي كُنْتُ أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» قِيلَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ، قَالَ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارَعَ.
وَبِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ لِغُلَامِهِ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك طَعَامًا فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا، وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ غُلَامًا لَهُ بِصَاعٍ مِنْ بُرٍّ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، وَزَجَرَهُ إنْ زَادُوهُ أَنْ يَزْدَادَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا شَبَابَةُ عَنْ لَيْثٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِثْلُ هَذَا.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَيْقِيبٍ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا - وَهُوَ
стр. 3047
قَوْلُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ صَحَّ عَنْهُ ذَلِكَ، وَرُوِيَ - وَلَمْ يَصِحَّ - عَنْ الْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَصَحَّ عَنْ رَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالُوا: فَهَؤُلَاءِ، عُمَرُ، وَسَعْدٌ، وَمُعَيْقِيبٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَمَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: خَمْسَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
قَالَ عَلِيٌّ: وَجَسَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ -.
وَجَسَرَ آخَرُ مِنْهُمْ فَادَّعَى إجْمَاعَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ؟
قَالَ عَلِيٌّ: مَا لَهُمْ حُجَّةٌ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا.
فَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ التَّمْرَ طَعَامًا وَيُبِيحُونَ فِيهِ التَّفَاضُلَ بِالْبُرِّ، فَقَدْ خَالَفُوا الْحَدِيثَ عَلَى تَأْوِيلِهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا نُخَالِفُهُمْ فِيهِ وَفِي جَوَازِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّ الطَّعَامَ لَا يَجُوزُ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، بَلْ هَذَا مَسْكُوتٌ عَنْهُ جُمْلَةً فِي خَبَرِ مَعْمَرٍ، وَمَنْصُوصٌ عَلَى جَوَازِهِ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُبَادَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ جُمْلَةً، وَعَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَعْمَرٍ مِنْ رَأْيِهِ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الشَّعِيرَ لَيْسَ مِثْلَ الْقَمْحِ، لَكِنْ تَخَوَّفَ أَنْ يُضَارِعَهُ فَتَرَكَهُ احْتِيَاطًا لَا إيجَابًا.
وَأَمَّا عَنْ عُمَرَ فَمُنْقَطِعٌ، وَكَذَلِكَ عَنْ مُعَيْقِيبٍ.
وَكَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ، وَسَعْدًا، وَأَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَعَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالْقَوَدِ مِنْ الضَّرْبَةِ، وَاللَّطْمَةِ - وَغَيْرِ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، نَعَمْ، وَمَعَهُمْ السُّنَنُ الثَّابِتَةُ. وَقَدْ خَالَفَ مَنْ ذَكَرْنَا طَائِفَةً مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃:
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ: أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ - وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُ مِنْهُ - يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَصْلُحُ نَسِيئَةً - فَهَذَا عُبَادَةُ أَسْنَدَهُ وَأَفْتَى بِهِ.
стр. 3048
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ عُمَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا فِيمَا يُكَالُ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ، يَدًا بِيَدٍ إذَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِالْفَضْلِ يَدًا بِيَدٍ.
فَهَذِهِ أَسَانِيدُ أَصَحُّ مِنْ أَسَانِيدِهِمْ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ بِلَا شَكٍّ: أَنَّهُ صَحَّ عَنْهُمَا أَنَّهُ لَا رِبَا فِي التَّفَاضُلِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِجَرِيبَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ بِجَرِيبٍ مِنْ بُرٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ الْمُغِيرَةُ: سَأَلْته وَإِبْرَاهِيمَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَجْرِبَةٍ مِنْ شَعِيرٍ بِجَرِيبَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: لَا بَأْسَ بِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ يَدًا بِيَدٍ، أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ أُنَيْسِ بْنِ خَالِدٍ التَّمِيمِيُّ قَالَ: سَأَلْت عَطَاءً عَنْ الشَّعِيرِ بِالْحِنْطَةِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ - فَهَؤُلَاءِ خَمْسَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ صَحَّ عَنْهُمْ جَوَازُ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فَالْمَرْدُودُ إلَيْهِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَوَازُ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَهُ.
وَالْعَجَبُ مِنْ مَالِكٍ إذْ يَجْعَلُ هَهُنَا وَفِي الزَّكَاةِ: الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالسَّلْتُ صِنْفًا وَاحِدًا ثُمَّ لَا يُجِيزُ لِمَنْ يَتَقَوَّتُ الْبُرَّ إخْرَاجَ الشَّعِيرِ أَوْ السَّلْتَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَقَوْلُ: أَنْ يَخْرُجَ كُلُّ أَحَدٍ مِمَّا يَأْكُلُ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ. وَعَجَبٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فِي الزَّكَاةِ، وَيَرَى إخْرَاجَ
стр. 3049
أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ - وَيُجِيزُ هَهُنَا أَنْ يُبَاعَ الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلَيْنِ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا خَفَاءَ بِهِ.
وَمَا عَلِمَ قَطُّ أَحَدٌ، لَا فِي شَرِيعَةٍ، وَلَا فِي لُغَةٍ، وَلَا فِي طَبِيعَةٍ: أَنَّ الشَّعِيرَ بُرٌّ، وَلَا أَنَّ الْبُرَّ شَعِيرٌ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ يَشْهَدُ أَنَّهُمَا صِنْفَانِ مُخْتَلِفَانِ كَاخْتِلَافِ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتِّينِ.
وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُرًّا فَأَكَلَ شَعِيرًا - أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا فَأَكَلَ بُرًّا - أَوْ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بُرًّا فَاشْتَرَى شَعِيرًا - أَوْ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ شَعِيرًا فَاشْتَرَى بُرًّا: فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
فَهَذِهِ تَنَاقُضَاتٌ فَاحِشَةٌ، لَا وَجْهَ لَهَا أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ]
١٤٨٥ - مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الدَّنَانِيرُ بِالدَّرَاهِمِ، أَوْ بِالْحُلِيِّ، أَوْ بِالنِّقَارِ، وَبِالدَّرَاهِمِ بِحُلِيِّ الذَّهَبِ وَسَبَائِكِهِ، وَتِبْرِهِ، وَالْحُلِيُّ مِنْ الْفِضَّةِ بِحُلِيِّ الذَّهَبِ وَسَبَائِكِهِ، وَسَبَائِكُ الذَّهَبِ وَتِبْرُهُ بِنِقَارِ الْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا بُدَّ، عَيْنًا بِعَيْنٍ وَلَا بُدَّ، مُتَفَاضِلَيْنِ وَمُتَمَاثِلَيْنِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَجُزَافًا بِجُزَافٍ، وَوَزْنًا بِجُزَافٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَا تَحَاشٍ شَيْئًا - وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي ذَلِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لَا فِي بَيْعٍ وَلَا فِي سَلَمٍ.
وَيُبَاعُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ سَوَاءٌ كَانَ دَنَانِيرَ، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ سَبَائِكَ، أَوْ تِبْرًا، وَزْنًا بِوَزْنٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَحِلُّ التَّفَاضُلُ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا التَّأْخِيرُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لَا بَيْعًا وَلَا سَلَمًا.
وَتُبَاعُ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا أَوْ نِقَارًا، وَزْنًا بِوَزْنٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا التَّأْخِيرُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، لَا بَيْعًا وَلَا سَلَمًا.
وَلَا تَجُوزُ بُرَادَةُ أَحَدِهِمَا مِثْلُهَا مِنْ نَوْعِهَا كَيْلًا أَصْلًا، لَكِنْ بِوَزْنٍ وَلَا بُدَّ، وَلَا نُبَالِي كَانَ أَحَدُ الذَّهَبَيْنِ أَجْوَدَ مِنْ الْآخَرِ بِطَبْعِهِ أَوْ مِثْلَهُ.
وَكَذَلِكَ فِي الْفِضَّتَيْنِ؛ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، إلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَإِلَّا بَيْعَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، أَوْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا: أَجَازُوا فِيهِمَا التَّفَاضُلَ يَدًا بِيَدٍ - وَإِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيَّ: أَجَازَا بَيْعَ كُلِّ ذَلِكَ بِغَيْرِ
стр. 3050
عَيْنِهِ - وَأَجَازَا تَأْخِيرَ الْقَبْضِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ عُمَرَ قَبْلُ هَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ وَإِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ الْجُزَافَ فِي الدَّنَانِيرِ، وَلَا فِي الدَّرَاهِمِ، بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَيُجِيزُهُ فِي الْمَصُوغِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْمَصُوغِ مِنْ الْآخَرِ، وَيُجِيزُ إعْطَاءَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ وَزْنٍ مِنْهُ، عَلَى سَبِيلِ الْمُكَارَمَةِ.
فَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، فَلَا حُجَّةَ لِشَيْءٍ مِنْهَا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، بَلْ هُوَ خِلَافُ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ أَمْرِهِ ﵇ أَنْ نَبِيعَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا يَدًا بِيَدٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ «عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: بَاعَ شَرِيكٌ لِي وَرِقًا بِنَسِيئَةٍ فَجَاءَنِي فَأَخْبَرَنِي فَقُلْتُ: هَذَا لَا يَصْلُحُ فَقَالَ: قَدْ وَاَللَّهِ بِعْتُهُ فِي السُّوقِ وَمَا عَابَهُ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَأَتَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فَسَأَلْتُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَحْنُ نَبِيعُ هَذَا الْبَيْعَ، فَقَالَ: مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَهُوَ رِبًا ثُمَّ قَالَ لِي: ائْتِ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَأَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ أَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرٍو - هُوَ ابْنُ دِينَارٍ - عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ فِي حَدِيثٍ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» .
стр. 3051
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاوِيَةَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ الضَّرِيرُ - عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، لَا رِبَا فِي يَدٍ بِيَدٍ، وَالْمَاءِ مِنْ الْمَاءِ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ الصِّرْفِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنْ وَجَدْتَ مِائَةَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ نَقْدًا فَخُذْهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدِيثُ عُبَادَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، فِي أَنَّ الْأَصْنَافَ السِّتَّةَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا بِصِنْفِهِ: رِبًا إنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى وَزْنِ الْآخَرِ: هُوَ زَائِدٌ حُكْمًا عَلَى حَدِيثِ أُسَامَةَ، وَالْبَرَاءِ، وَزَيْدٍ - وَالزِّيَادَةُ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع الْقَمْح وَالشَّعِير وَغَيْرهمْ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة]
١٤٨٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ بَيْعُ الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ بِالذَّهَبِ، أَوْ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً - وَجَائِزٌ تَسْلِيمُ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ بِالْأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِإِبَاحَةِ كُلِّ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة القرض فِي الْقَمْح وَالشَّعِير وَغَيْرهمْ مِنْ الْأَصْنَاف]
١٤٨٧ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْقَرْضُ فَجَائِزٌ فِي الْأَصْنَافِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَغَيْرِهَا، وَفِي كُلِّ مَا يُتَمَلَّكُ، وَيَحِلُّ إخْرَاجُهُ عَنْ الْمِلْكِ، وَلَا يَدْخُلُ الرِّبَا فِيهِ، إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْرَضَ، أَوْ أَقَلَّ مِمَّا أَقْرَضَ، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَقْرَضَ، أَوْ أَدْنَى مِمَّا أَقْرَضَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، كَمَا أَوْرَدْنَا بِأَنَّهُ رِبًا وَهُوَ فِيمَا عَدَاهَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ - وَيَجُوزُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَمُؤَخَّرًا بِغَيْرِ ذِكْرِ أَجَلٍ، لَكِنْ حَالٌّ فِي الذِّمَّةِ مَتَى طَلَبَهُ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْتَفِعُ فِيهَا الْمُسْتَقْرِضُ بِمَا اسْتَقْرَضَ -.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ حَدٌّ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي سَاعَةٍ فَمَا فَوْقَهَا.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَالْقَرْضُ أَمَانَةٌ فَفُرِضَ أَدَاؤُهَا إلَى صَاحِبِهَا مَتَى طَلَبَهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 3052
[مَسْأَلَة بَيْع الذَّهَب مَعَ غَيْره أَوْ ممزوج بِغَيْرِهِ أَوْ مضاف فِيهِ أَوْ مَجْمُوع إلَيْهِ فِي دَنَانِير أَوْ غَيْرهَا]
مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الذَّهَبِ شَيْءٌ غَيْرَهُ - أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا -: مَمْزُوجٌ بِهِ، أَوْ مُضَافٌ فِيهِ، أَوْ مَجْمُوعٌ إلَيْهِ فِي دَنَانِيرَ، أَوْ فِي غَيْرِهَا: لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ مَعَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَا دُونَهُ بِذَهَبٍ أَصْلًا، لَا بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ وَلَا بِأَقَلَّ، وَلَا بِمِثْلِهِ، إلَّا حَتَّى يَخْلُصُ الذَّهَبُ وَحْدَهُ خَالِصًا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الْفِضَّةِ شَيْءٌ غَيْرُهَا: كَصُفْرٍ، أَوْ ذَهَبٍ، أَوْ غَيْرُهُمَا، مَمْزُوجٌ بِهَا، أَوْ مُلْصَقٌ مَعَهَا، أَوْ مَجْمُوعٌ إلَيْهَا: لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهَا مَعَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَا دُونَهُ بِفِضَّةٍ أَصْلًا - دَرَاهِمَ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ دَرَاهِمَ - لَا بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، وَلَا بِأَقَلَّ، وَلَا بِمِثْلِ وَزْنِهَا، إلَّا حَتَّى تَخْلُصَ الْفِضَّةُ وَحْدَهَا خَالِصَةً، سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا: السَّيْفُ الْمُحَلَّى، وَالْمُصْحَفُ الْمُحَلَّى، وَالْخَاتَمُ فِيهِ الْفَصُّ، وَالْحُلِيُّ فِيهِ الْفُصُوصُ، أَوْ الْفِضَّةُ الْمُذَهَّبَةُ، أَوْ الدَّنَانِيرُ فِيهَا خِلْطُ صُفْرٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ الدَّرَاهِمُ فِيهَا خِلْطٌ مَا، وَلَا رِبَا فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْقَمْحِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ مَخْلُوطٌ بِهِ، أَوْ مُضَافٌ إلَيْهِ مِنْ دَغَلٍ أَوْ غَيْرِهِ: لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَا دُونَهُ بِقَمْحٍ صَافٍ أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الشَّعِيرِ - فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ أَوْ مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ -: فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ بِشَعِيرٍ مَحْضٍ - وَفِي التَّمْرِ يَكُونُ مَعَهُ أَوْ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُهُ أَوْ مَعَهُ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ بِتَمْرٍ مَحْضٍ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمِلْحِ يَكُونُ فِيهِ أَوْ مَعَهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ -: فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ بِمِلْحٍ صَافٍ.
وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّهُ إذَا ظَهَرَ أَثَرُ الْخِلْطِ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا - وَأَمَّا مَا لَمْ يُؤَثِّرْ وَلَا ظَهَرَ لَهُ فِيهِ عَيْنٌ وَلَا نَظَرٌ أَيْضًا: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَحْضِ؛ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ إنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى حَسَبِ الصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا تَنْتَقِلُ الْحُدُودُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِمَا، إلَّا عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ» ، فَإِذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ خِلْطٌ أَوْ شَيْءٌ مُضَافٌ إلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِهِ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَلَا كَيْلًا بِكَيْلٍ، وَلَا وَزْنًا بِوَزْنٍ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا.
стр. 3053
فَقَالَ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ: إذَا عَلِمْنَا وَزْنَهُ أَوْ كَيْلَهُ: جَازَ بَيْعُهُ بِشَيْءٍ مِنْ نَوْعِهِ أَكْثَرَ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا مِنْهُ، فَيَكُونُ مِقْدَارُ وَزْنِهِ بِهِ، أَوْ مِقْدَارُ كَيْلِهِ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ الْفَضْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ -: مِثَالُ ذَلِكَ: دِينَارٌ فِيهِ حَبَّةُ فِضَّةٍ فَيُبَاعُ بِدِينَارٍ ذَهَبٍ صِرْفٍ، فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الدِّينَارِ الصِّرْفِ دِينَارٌ غَيْرُ حَبَّةٍ بِإِزَاءِ الذَّهَبِ الَّذِي فِي ذَلِكَ الدِّينَارِ الَّذِي فِيهِ حَبَّةُ فِضَّةٍ، وَيَكُونُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ذَهَبِ هَذَا الدِّينَارِ بِالْحَبَّةِ الْفِضَّةُ.
وَكَذَلِكَ الدِّرْهَمُ يَكُونُ فِيهِ رُبُعُهُ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ صُفْرًا فَيُبَاعُ بِدِرْهَمِ فِضَّةٍ مَحْضَةٍ، فَيَكُونُ مَا فِي هَذَا الدِّرْهَمِ مِنْ الْفِضَّةِ بِإِزَاءِ وَزْنِهِ مِنْ ذَلِكَ الدِّرْهَمِ الْآخَرِ مِنْ الْفِضَّةِ، وَيَكُونُ الصُّفْرُ الَّذِي مَعَ هَذِهِ الْفِضَّةِ بِإِزَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ الْآخَرِ مِنْ الْفِضَّةِ - وَهَكَذَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ الْبَاقِيَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَقُلْنَا: إنْ كُنْتُمْ تَخَلَّصْتُمْ بِهَذِهِ النِّيَّةِ مِنْ الْوَزْنِ، فَلَمْ تَتَخَلَّصُوا مِنْ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَيُّ فِضَّةٍ هَذَا الدِّرْهَمُ بِعْتُمْ بِفِضَّةِ ذَلِكَ الْآخَرِ؟ وَقَدْ افْتَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلَّا عَيْنًا بِعَيْنِ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا نَصٌّ؟ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ وَهِيَ مِنْ الْمَغَانِمِ تُبَاعُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ ﵇: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ - هُوَ أَبُو شُجَاعٍ - عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ؟ فَقَالَ ﵇: لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا، فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَيْنَهُمَا» .
стр. 3054
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى نِيَّتِهِ فِي أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ غَرَضُهُ الْخَرَزَ وَيَكُونُ الذَّهَبُ تَبَعًا، وَلَا رَاعَى كَثْرَةَ ثَمَنٍ مِنْ قِلَّتِهِ، وَأَوْجَبَ التَّمْيِيزَ وَالْمُوَازَنَةَ وَلَا بُدَّ - وَفِي هَذَا خِلَافٌ نَذْكُرُ مِنْهُ طَرَفًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَنَا عُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حُنَيْنٍ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ يَخْطُبُ - إذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ بِأَرْضِنَا قَوْمًا يَأْكُلُونَ الرِّبَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: يَبِيعُونَ جَامَاتٍ مَخْلُوطَةً بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِوَرِقٍ، فَنَكَّسَ عَلِيٌّ رَأْسَهُ، وَقَالَ: لَا - أَيْ لَا بَأْسَ بِهِ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ السَّمَّاكِ بْنِ مُوسَى عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ أَعْطَاهُ آنِيَةً خُسْرُوَانِيَّةً مَجْمُوعَةً بِالذَّهَبِ فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ فَبِعْهَا وَاشْتَرَطَ رِضَانَا، فَبَاعَهَا مِنْ يَهُودِيٍّ بِضِعْفِ وَزْنِهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اذْهَبْ فَارْدُدْهُ، لَا، إلَّا بِزِنَتِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ بَاعَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ زُيُوفًا بِدَرَاهِمَ دُونَ وَزْنِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ خَبَّابٌ قَيْنًا، وَكَانَ رُبَّمَا اشْتَرَى السَّيْفَ الْمُحَلَّى بِالْوَرِقِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ يَزِيدَ الدَّالَانِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ السَّيْفَ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ وَنَشْتَرِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالدَّرَاهِمِ.
فَهَؤُلَاءِ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأَنَسٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَطَارِقٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَخَبَّابٌ، إلَّا أَنَّ عَلِيًّا، وَخَبَّابًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَطَارِقًا، وَابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَخُصُّوا بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهَا مِنْ الْفِضَّةِ وَلَا أَقَلَّ - وَعُمَرُ رَاعَى وَزْنَ الْفِضَّةِ وَأَلْغَى الذَّهَبَ، إلَّا أَنَّهُ أَجَازَ الصَّرْفَ بِخِيَارِ رِضَاهُ بَعْدَ افْتِرَاقِ الْمُتَصَارِفِينَ - وَأَنَسٌ وَحْدَهُ رَاعَى أَكْثَرَ مِنْ الْوَزْنِ، وَأَجَازَ الْخِيَارَ فِي الصَّرْفِ.
стр. 3055
وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي غُنْيَةً سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةِ دَنَانِيرَ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ أَلْفٌ بِأَلْفٍ وَالْفَضْلُ بِالدَّنَانِيرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَحَيُّ بْنُ عُمَرَ قَالَ مَعْمَرٌ: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ سُفْيَانُ: عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ حَيٌّ: عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالشَّعْبِيُّ، قَالُوا كُلُّهُمْ: لَا بَأْسَ بِالسَّيْفِ فِيهِ الْحِلْيَةُ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَالْخَاتَمُ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ أَوْ بِأَقَلَّ وَنَسِيئَةً.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ سَأَلْت إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ الْخَاتَمِ أَبِيعُهُ نَسِيئَةً؟ فَقَالَ: أَفِيه فَصٌّ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَكَأَنَّهُ هَوَّنَ فِيهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ عَنْ هِشَامٍ - هُوَ ابْنُ حَسَّانٍ - وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ هِشَامٌ: عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَقَالَ سَعِيدٌ: عَنْ قَتَادَةَ ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ سِيرِينَ، وَقَتَادَةُ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ السَّيْفِ الْمُفَضَّضِ، وَالْخِوَانِ الْمُفَضَّضِ، وَالْقَدَحِ بِالدَّرَاهِمِ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ السَّيْفِ الْمُحَلَّى يُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ - وَرُوِيَ هَذَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَمَكْحُولٍ أَيْضًا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا حُصَيْنٌ - هُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالسَّيْفِ الْمُحَلَّى يُشْتَرَى نَقْدًا وَنَسِيئَةً وَيَقُولُ: فِيهِ الْحَدِيدُ، وَالْحَمَائِلُ وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَنْ السَّيْفِ الْمُحَلَّى يُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ أَكْثَرَ مِنْ الْحِلْيَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَرُوِّينَا مِثْلَهُ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ.
وَرُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ قَوْلًا ثَالِثًا، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَكُونَانِ جَمِيعًا؟ قَالَ: لَا يُبَاعُ إلَّا بِوَزْنٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
стр. 3056
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَأَنَّهُ يُلْغِي الْوَاحِدَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ تَبَعًا، وَكَانَ الْفَضْلُ فِي النَّصْلِ: جَازَ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ نَقْدًا وَتَأْخِيرًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَتْ فِضَّةُ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ، أَوْ الْمُصْحَفُ كَذَلِكَ، أَوْ الْمِنْطَقَةُ كَذَلِكَ، أَوْ خَاتَمُ الْفِضَّةِ كَذَلِكَ: يَقَعُ فِي الثُّلُثِ مِنْ قِيمَتِهَا مَعَ النَّصْلِ، وَالْغِمْدِ، وَالْحَمَائِلِ، وَمَعَ الْمُصْحَفِ، وَمَعَ الْفَصِّ، وَكَانَ حُلِيُّ النِّسَاءِ مِنْ الذَّهَبِ، أَوْ الْفِضَّةِ، يَقَعُ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ فِي ثُلُثِ قِيمَةِ الْجَمِيعِ مَعَ الْحِجَارَةِ فَأَقَلَّ: جَازَ بَيْعُ كُلِّ ذَلِكَ بِنَوْعِهِ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ وَمِثْلَهُ، وَأَقَلَّ نَقْدًا وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ أَصْلًا.
وَهَذَا تَنَاقُضٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ حَرَامٌ كَالتَّأْخِيرِ وَلَا فَرْقَ، فَإِنْ مَنَعَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَلْيَمْنَعْ مِنْ الْآخَرِ - وَإِنْ أَجَازَ أَحَدَهُمَا - لِأَنَّهُ تَبَعٌ فَلْيُجِزْ الْآخَرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ.
وَتَحْدِيدُهُ الثُّلُثَ عَجَبٌ آخَرُ؟ وَمَا عَقَلَ قَطُّ أَحَدٌ أَنَّ وَزْنَ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ فِضَّةً تَكُونُ ثُلُثَ قِيمَةِ مَا هِيَ فِيهِ يَكُونُ قَلِيلًا، وَوَزْنَ دِرْهَمٍ فِضَّةً يَكُونُ نِصْفَ قِيمَةِ مَا هِيَ فِيهِ يَكُونُ كَثِيرًا - وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ الْقَوْلِ جِدًّا، وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ قَبْلَهُ نَعْلَمُهُ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ، وَلَا احْتِيَاطٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا يَكُونُ فِيهِ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ بِنَوْعِ مَا فِيهِ مِنْهُمَا - قَلَّ أَوْ كَثُرَ - كَالسِّكِّينِ الْمُحَلَّاةِ بِالْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ، وَالسَّرْجُ كَذَلِكَ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ إذَا نُزِعَ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ لَهُ بَالٌ، فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ بِبَيْعِهِ بِنَوْعِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ نَقْدًا وَبِتَأْخِيرٍ، وَكَيْفَ شَاءَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: شَيْءٌ لَهُ بَالٌ كَلَامٌ لَا يَحْصُلُ، وَحَبَّةُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَهَا بَالٌ عِنْدَ الْمَسَاكِينِ، نَعَمْ، وَعِنْدَ التُّجَّارِ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَلَا يَحِلُّ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَنَا تَزِيدُهَا فِي الْمُوَازَنَةِ فِيمَا فِيهِ الرِّبَا، ثُمَّ تَفْرِيقُهُ بَيْنَ السَّيْفِ، وَالْمُصْحَفِ، وَالْخَاتَمِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَحُلِيِّ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ - وَبَيْنَ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَالْمَهَامِيزِ، وَالسِّكِّينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَجَبٌ جِدًّا؟
فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مُبَاحٌ اتِّخَاذُهُ؟
قُلْنَا: وَالدَّنَانِيرُ مُبَاحٌ اتِّخَاذُهَا فَأَجِيزُوا بَيْعَهَا مَعَ غَيْرِهَا بِذَهَبٍ إذَا كَانَتْ ثُلُثَ الْقِيمَةِ
стр. 3057
فَأَقَلَّ - وَأَجَازَ مَالِكٌ بَدَلَ الدَّنَانِيرِ الْمَحْضَةِ بِالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ بِالصُّفْرِ، أَوْ الْفِضَّةِ - كَثُرَ الْغِشُّ أَمْ قَلَّ - كَانَ الثُّلُثُ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ - مِثْلًا بِمِثْلٍ.
وَكَذَلِكَ أَجَازَ بَدَلَ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ بِالصُّفْرِ وَغَيْرِهِ بِالدَّرَاهِمِ الْفِضَّةِ الْمَحْضَةِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ - كَانَ الْغِشُّ الثُّلُثَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاسْمِ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ يَرَى فِي الْمَغْشُوشَةِ الزَّكَاةَ إذَا بَلَغَ وَزْنُهَا بِغِشِّهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ بَلَغَ وَزْنُ الدَّنَانِيرِ عِشْرِينَ دِينَارًا، وَإِنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ فِيهِمَا أَقَلَّ مِنْ الْعُشْرِ.
وَهَذَا تَنَاقُضٌ آخَرُ، وَلَئِنْ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الصَّافِيَةِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَكَانَتْ وَرِقًا، فَإِنَّ بَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَوَرِقٌ وَلَئِنْ كَانَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ شَيْئًا وَاحِدًا، وَلَا هِيَ وَرِقٌ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا لَا تَجِبُ لِذَلِكَ سَوَاءً سَوَاءً.
ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَدَلِ، وَبَيْنَ الْبَيْعِ: عَجَبٌ آخَرُ مَا سَمِعْنَاهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ قَالَهُ؟ وَلَئِنْ كَانَ لِلْبَدَلِ هُنَا غَيْرُ حُكْمِ الْبَيْعِ لَيَجُوزَنَّ الدِّينَارُ بِالدِّينَارَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ، لَا عَلَى اسْمِ الْبَيْعِ، وَهَذِهِ عَجَائِبُ كَمَا تَسْمَعُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ شَيْءٍ مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ فَجَائِزٌ بَيْعُهُ بِنَوْعِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْمَبِيعِ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ، وَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بِأَقَلَّ.
قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ قَبْضِ مَا يَقَعُ لِلْفِضَّةِ أَوْ لِلذَّهَبِ مِنْ الثَّمَنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَكَانَ هَذَا طَرِيفًا جِدًّا، وَمُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ: إنْ كَانَ الثُّلُثَانِ هُوَ الصُّفْرُ، وَكَانَتْ الْفِضَّةُ الثُّلُثَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي إنْ خَلَصَتْ أَيَبْقَى الصُّفْرُ أَمْ يَحْتَرِقُ؟ فَلَا بَأْسَ يَبِيعُهَا بِوَزْنِ جَمِيعِهَا فِضَّةً مَحْضَةً.
وَبِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ جَمِيعِهَا أَيْضًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِمِثْلِ الْفِضَّةِ الَّتِي فِيهَا وَلَا بِأَقَلَّ مِنْهَا.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ نِصْفُهَا صُفْرًا أَوْ نِصْفُهَا فِضَّةً؟ فَإِنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ هِيَ الْغَالِبَةُ: جَازَ
стр. 3058
بَيْعُهَا بِوَزْنِ جَمِيعِهَا مِنْ الْفِضَّةِ الْمَحْضَةِ، وَلَا تُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْفِضَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا غَالِيًا لِلْآخَرِ جَازَ بَيْعُهَا حِينَئِذٍ بِمِثْلِ وَزْنِ جَمِيعِهَا فِضَّةً مَحْضَةً، وَبِأَكْثَرَ وَبِأَقَلَّ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِضَّةُ الثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْ الْفِضَّةِ الَّتِي فِي الدَّرَاهِمِ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيُّ الْفِضَّتَيْنِ أَكْثَرُ الَّتِي هِيَ ثَمَنٌ أَمْ الَّتِي فِي الدَّرَاهِمِ؟ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ ثُلُثَا الدَّرَاهِمِ وَثُلُثُهَا صُفْرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ بِالْفِضَّةِ الْمَحْضَةِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، لَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ.
وَهَذِهِ وَسَاوِسُ لَوْ قَالَهَا صَبِيٌّ فِي أَوَّلِ فَهْمِهِ لَيُئِسَ مِنْ فَلَاحِهِ، وَلَوَجَبَ أَنْ يُسْتَعَدَّ لَهُ بَغْلٌ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ وَجْهٌ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَلَا احْتِيَاطٍ، وَلَا سَمِعْتُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَالْعَجَبُ: أَنَّهُ مَرَّةً رَأَى الثُّلُثَ هَهُنَا قَلِيلًا.
وَمَرَّةً رَأَى الرُّبُعَ كَثِيرًا، فِيمَا يَنْكَشِفُ مِنْ بَطْنِ الْحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَمَرَّةً رَأَى مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ كَثِيرًا فِيمَا يَنْكَشِفُ مِنْ فَخِذِهَا أَوْ دُبُرِهَا.
وَمَرَّةً رَأَى النِّصْفَ قَلِيلًا.
وَمَرَّةً رَأَى مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَثِيرًا.
وَهَذِهِ تَخَالِيطُ لَا تُعْقَلُ، وَتَحَكُّمٌ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَاطِلِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِنَا عَنْ طَوَائِفَ مِنْ السَّلَفِ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَحْنُ بِأَرْضِ فَارِسٍ: لَا تَبِيعُوا سُيُوفًا فِيهَا حَلْقَةُ فِضَّةٍ بِالدَّرَاهِمِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ حَدَّثَنِي يَحْيَى الطَّوِيلُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ،
стр. 3059
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ يَكْسُدُ عَلَيَّ الْوَرِقُ أَفَأَصْرِفُهُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؟ قَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا الْعَجْلَانُ؟ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ السَّمَّانِينَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ دَرَاهِمُ لَا تُنْفَقُ فَلْيَبْتَعْ بِهَا ذَهَبًا، وَلْيَبْتَعْ بِالذَّهَبِ مَا شَاءَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ بَاعَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ زُيُوفًا وَقِسْيَانَ بِدَرَاهِمَ دُونَ وَزْنِهَا؟ فَنَهَاهُ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَوْقِدْ عَلَيْهَا حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِيهَا مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ وَتَخْلُصَ، ثُمَّ بِعْ الْفِضَّةَ بِوَزْنِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ يَحْيَى الْمَعَافِرِيَّ أَخْبَرَهُمْ «عَنْ حَنَشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فِي غَزْوَةٍ فَطَارَتْ لِي وَلِأَصْحَابِي قِلَادَةٌ فِيهَا ذَهَبٌ وَوَرِقٌ وَجَوْهَرٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ؟ فَقَالَ: انْزِعْ ذَهَبَهَا فَاجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ وَاجْعَلْ ذَهَبَكَ فِي كِفَّةٍ، ثُمَّ لَا تَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ.» . ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَبِيعُ سَرْجًا وَلَا سَيْفًا فِيهِ فِضَّةٌ حَتَّى يَنْزِعَهُ ثُمَّ يَبِيعَهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ: فَهَؤُلَاءِ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَمِنْ التَّابِعِينَ: كَمَا رُوِّينَا عَنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُشْتَرَى السَّيْفُ الْمُحَلَّى بِفِضَّةٍ، وَيَقُولُ: اشْتَرِهِ بِالذَّهَبِ يَدًا بِيَدٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ: كَانَ يَكْرَهُ شِرَاءَ السَّيْفِ الْمُحَلَّى إلَّا بِعَرَضٍ.
стр. 3060
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ فِضَّةً اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ ذَهَبًا اشْتَرَاهَا بِالْفِضَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً فَلَا يَشْتَرِيهَا بِذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَاشْتَرَاهَا بِعَرَضٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا الشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ أَتَى بِطَوْقٍ ذَهَبٍ فِيهِ جَوْهَرٌ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَزِيلُوا الذَّهَبَ مِنْ الْجَوْهَرِ فَبِيعُوا الذَّهَبَ يَدًا بِيَدٍ وَبِيعُوا الْجَوْهَرَ كَيْفَ شِئْتُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا زَكَرِيَّا هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سُئِلَ شُرَيْحٌ عَنْ طَوْقِ ذَهَبٍ فِيهِ فُصُوصٌ، أَتُبَاعُ بِدَنَانِيرَ؟ قَالَ: تُنْزَعُ الْفُصُوصُ ثُمَّ يُبَاعُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، ثُمَّ اتَّفَقَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، قَالَا جَمِيعًا: يُكْرَهُ أَنْ يُبَاعَ الْخَاتَمُ فِيهِ فِضَّةٌ بِالْوَرِقِ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُشْتَرَى ذَهَبٌ، وَفِضَّةٌ بِذَهَبٍ، وَقَالَ حَمَّادٌ: فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ؟ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ اشْتَرِ أَلْفَ دِرْهَمٍ غَيْرَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكُلُّ مَا قُلْنَا فَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع الذَّهَب نَسِيئَة]
١٤٨٩ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ كَانَ ذَهَبٌ وَشَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الْفِضَّةِ مَعَهُ أَوْ مُرَكَّبًا فِيهِ جَازَ بَيْعُهُ كَمَا هُوَ مَعَ مَا هُوَ مَعَهُ وَدُونَهُ بِالدَّرَاهِمِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً.
وَكَذَلِكَ الْفِضَّةُ مَعَهَا شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الذَّهَبِ أَوْ مُرَكَّبًا فِيهَا، أَوْ هِيَ فِيهِ: جَازَ بَيْعُهَا مَعَ مَا هِيَ مَعَهُ أَوْ دُونَهُ بِالدَّنَانِيرِ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً.
وَكَذَلِكَ الْقَمْحُ مَعَهُ تَمْرٌ أَوْ مِلْحٌ أَوْ شَيْءٌ آخَرُ: فَجَائِزٌ بَيْعُهُ مَعَ الْآخَرِ أَوْ دُونَهُ بِشَعِيرٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً.
стр. 3061
وَكَذَلِكَ الشَّعِيرُ مَعَهُ تَمْرٌ أَوْ مِلْحٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ: فَجَائِزٌ بَيْعُهُ وَمَا مَعَهُ أَوْ دُونَهُ بِقَمْحٍ نَقْدًا، لَا نَسِيئَةً وَكَذَلِكَ التَّمْرُ مَعَهُ شَعِيرٌ أَوْ مِلْحٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ: فَجَائِزٌ بَيْعُهُ مَعَهُ أَوْ دُونَهُ بِقَمْحٍ نَقْدًا، لَا نَسِيئَةً.
وَكَذَلِكَ الْمِلْحُ مَعَهُ قَمْحٌ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ: فَجَائِزٌ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ نَقْدًا، لَا بِنَسِيئَةٍ
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» فَسَقَطَتْ الْمُوَازَنَةُ، وَالْمُكَايَلَةُ، وَالْمُمَاثَلَةُ، وَبَقِيَ النَّقْدُ فَقَطْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّ أَبَاهُ اشْتَرَى مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ دِيبَاجَةً مُلْحَمَةً بِذَهَبٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِنِسَاءٍ فَأَحْرَقَهَا فَأَخْرَجَ مِنْهَا قِيمَةَ عِشْرِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَأَجَازَ رَبِيعَةُ بَيْعَ سَيْفٍ مُحَلَّى بِفِضَّةٍ بِذَهَبٍ إلَى أَجَلٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا مِمَّا تَنَاقَضَ فِيهِ الْمَالِكِيُّونَ: وَالْحَنَفِيُّونَ فَخَالَفُوا عَمَلَ عَلِيٍّ وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃.
[مَسْأَلَة بَيْع الدَّرَاهِم المنقوشة والمغشوشة]
١٤٩٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الْمَنْقُوشَةُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَغْشُوشَةُ فَإِنَّهُ إنْ تَبَايَعَ اثْنَانِ دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةً قَدْ ظَهَرَ الْغِشُّ فِيهَا بِدَرَاهِمَ مَغْشُوشَةٍ قَدْ ظَهَرَ الْغِشُّ فِيهَا: فَهُوَ جَائِزٌ إذَا تَعَاقَدَا الْبَيْعَ، عَلَى أَنَّ الصُّفْرَ الَّذِي فِي هَذِهِ بِالْفِضَّةِ الَّتِي فِي تِلْكَ، وَالْفِضَّةَ الَّتِي فِي هَذِهِ بِالصُّفْرِ الَّذِي فِي تِلْكَ: فَهَذَا جَائِزٌ حَلَالٌ، سَوَاءٌ تَبَايَعَا ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا، أَوْ مُتَمَاثِلًا، أَوْ جُزَافًا بِمَعْلُومٍ، أَوْ جُزَافًا بِجُزَافٍ، لِأَنَّ الصُّفْرَ بِالْفِضَّةِ حَلَالٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ تَبَايَعَا دَنَانِيرَ مَغْشُوشَةً بِدَنَانِيرَ مَغْشُوشَةٍ قَدْ ظَهَرَ الْغِشُّ فِي كِلَيْهِمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَإِنْ تَبَايَعَا ذَهَبَ هَذِهِ بِفِضَّةِ تِلْكَ وَذَهَبَ تِلْكَ بِفِضَّةِ هَذِهِ: فَهَذَا أَيْضًا حَلَالٌ مُتَمَاثِلًا، وَمُتَفَاضِلًا، وَجُزَافًا نَقْدًا وَلَا بُدَّ لِأَنَّهُ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ، فَالتَّفَاضُلُ جَائِزٌ، وَالتَّنَاقُدُ فَرْضٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 3062
[مَسْأَلَة بَيْع الْقَمْح بدقيقه وسويقه وخبزه وَغَيْر ذَلِكَ]
مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ بَيْعُ الْقَمْحِ بِدَقِيقِ الْقَمْحِ وَسَوِيقِ الْقَمْحِ وَبِخُبْزِ الْقَمْحِ وَدَقِيقِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِهِ وَبِسَوِيقِهِ وَخُبْزِهِ، وَسَوِيقِهِ بِسَوِيقِهِ وَبِخُبْزِهِ، وَخُبْزِ الْقَمْحِ بِخُبْزِ الْقَمْحِ، مُتَفَاضِلًا كُلُّ ذَلِكَ، وَمُتَمَاثِلًا، وَجُزَافًا وَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَالزَّيْتُونِ، وَالزَّيْتِ بِالزَّيْتِ، وَالْعِنَبِ بِالْعِنَبِ وَبِالْعَصِيرِ، وَبِخَلِّ الْعِنَبِ بِالْخَلِّ، يَدًا بِيَدٍ وَأَنْ يُسَلَّمَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا بَعْضُهُ فِي بَعْضِ.
وَكَذَلِكَ دَقِيقُ الشَّعِيرِ بِالْقَمْحِ وَبِالشَّعِيرِ وَبِدَقِيقِ الشَّعِيرِ وَبِخُبْزِهِ، وَالتِّينِ بِالتِّينِ، وَالزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ، وَالْأُرْزِ بِالْأُرْزِ، كَيْفَ شِئْت مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا؛ وَيُسَلَّمُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ.
وَلَا رِبَا أَلْبَتَّةَ، وَلَا حَرَامَ، إلَّا فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا وَفِي الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَيَجُوزُ وَزْنًا كَيْفَ شِئْت.
وَفِي الزَّرْعِ الْقَائِمِ بِالْقَمْحِ كَيْلًا، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ لَيْسَ قَمْحًا وَلَا شَعِيرًا وَلَا سَنْبَلَ بَعْدُ: فَقَدْ جَازَ بَيْعُهُ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا وَبِكُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الْقَمْحِ كَيْلًا.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيُّونَ السَّوِيقَ مِنْ الْقَمْحِ بِالْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا.
وَأَجَازَ الْحَنَفِيُّونَ خُبْزَ الْقَمْحِ بِالْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا وَكُلُّ ذَلِكَ أَصْلُهُ الْقَمْحُ، وَلَا فَرْقَ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّهُ لَا رِبَا وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
«وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّلَفَ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]
فَصَحَّ بِأَوْضَحِ مِنْ الشَّمْسِ أَنَّ كُلَّ تِجَارَةٍ، وَكُلَّ بَيْعٍ، وَكُلَّ سَلَفٍ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ: فَحَلَالٌ مُطْلَقٌ لَا مِرْيَةَ فِي ذَلِكَ، إلَّا مَا فَصَّلَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا تَحْرِيمَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇.
وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَبِتُّ وَنَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى عِبَادِهِ شَيْئًا
стр. 3063
كَتَمَهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ رَسُولُهُ ﵇ لَهُمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكِلْنَا فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا إلَى ظُنُونِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، الشَّافِعِيِّ، أَوْ غَيْرِهِمْ، وَلَا إلَى ظُنُونِنَا وَلَا إلَى ظَنِّ أَحَدٍ، وَلَا إلَى دَعَاوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا.
وَمَا وَجَدْنَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إذَا كَانَ الزَّيْتُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الزَّيْتُونِ مِنْ الزَّيْتِ وَإِلَّا فَلَا.
فَإِنْ قَالُوا: هِيَ مُزَابَنَةٌ؟ قُلْنَا: قُلْتُمْ الْبَاطِلَ، قَدْ فَسَّرَ الْمُزَابَنَةَ: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ عُمَرَ ﵃ وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِاللُّغَةِ وَبِالدِّينِ فَلَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فِيهِ أَصْلًا
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ هَذِهِ مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ الزَّبِيبَ هُوَ عَيْنُ الْعِنَبِ نَفْسِهِ، إلَّا أَنَّهُ يَبِسَ، وَالتَّمْرُ هُوَ عَيْنُ الرُّطَبِ إلَّا أَنَّهُ يَابِسٌ وَالزَّيْتُ هُوَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الزَّيْتُونِ لَكِنَّهُ خَارِجٌ مِنْهُ كَخُرُوجِ اللَّبَنِ مِنْ الْغَنَمِ، وَالتَّمْرِ مِنْ النَّخْلِ، وَبَيْعُ كُلِّ ذَلِكَ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ: جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ. فَهَذَا أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ يَوْمًا مَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَنَاقِضَةَ وَكُلُّ قَوْلٍ مِنْهَا يُكَذِّبُ قَوْلَ الْآخَرِ وَيُبْطِلُهُ، وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْخَطَأِ، كُلُّ ذَلِكَ بِلَا بُرْهَانٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا كَثِيرًا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ السَّوِيقِ بِالْحِنْطَةِ؟ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ رِبًا فَهُوَ رِيبَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْحِنْطَةِ بِالسَّوِيقِ، وَالدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ وَالسَّوِيقِ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُمَاثَلَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْمُزَابَنَةِ فَأَغْنَى عَنْ تَكْرَارِهِ
[مَسْأَلَة أَخَذَ الدَّرَاهِم عَنْ الدَّنَانِير أَوْ الدَّنَانِير عَنْ الدَّرَاهِم]
١٤٩٢ -
стр. 3064
مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ آخَرَ دَنَانِيرُ، أَوْ دَرَاهِمُ، أَوْ قَمْحٌ، أَوْ شَعِيرٌ، أَوْ مِلْحٌ، أَوْ تَمْرٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا إمَّا مِنْ بَيْعٍ، إمَّا مِنْ قَرْضٍ، أَوْ مِنْ سَلَمٍ، أَوْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَهُ حَالًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَالٍّ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ عِنْدَهُ أَصْلًا.
فَإِنْ أَخَذَ دَنَانِيرَ عَنْ دَرَاهِمَ، أَوْ دَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ، أَوْ شَعِيرًا عَنْ بُرٍّ، أَوْ دَرَاهِمَ عَنْ عَرَضٍ، أَوْ نَوْعًا عَنْ نَوْعٍ لَا تَحَاشَ شَيْئًا: فَهُوَ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا رِبًا مَحْضٌ، وَفِيمَا لَا يَقَعُ فِي الرِّبَا حَرَامٌ بَحْتٌ وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَفْسُوخٌ مَرْدُودٌ أَبَدًا مَحْكُومٌ فِيهِ بِحُكْمِ الْغَصْبِ، إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الِانْتِصَافِ أَلْبَتَّةَ فَيَأْخُذُ مَا أَمْكَنَهُ، مِمَّا يَحِلُّ مِلْكُهُ، لَا تَحَاشَ شَيْئًا، بِمِقْدَارِ حَقِّهِ، وَلَا مَزِيدَ، فَهَذَا حَلَالٌ لَهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ تَحْرِيمِ النَّبِيِّ ﷺ الذَّهَبَ، وَالْفِضَّةَ، وَالْبُرَّ، وَالتَّمْرَ، وَالشَّعِيرَ، وَالْمِلْحَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ ﵇: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»
وَالْعَمَلُ الَّذِي وَصَفْنَا لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ، بَلْ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَعْدِنِهِ بَعْدُ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ كَلَامِهِ ﵇.
وَأَيْضًا: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ «أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ: أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ، إلَّا يَدًا بِيَدٍ»
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ هُوَ الْحَوْضِيُّ أَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا الْمِنْهَالِ قَالَ: سَأَلْت الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، عَنْ الصَّرْفِ؟ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا»
стр. 3065
وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَصْحَابُنَا، إلَى جَوَازِ أَخْذِ الذَّهَبِ مِنْ الْوَرِق، وَالْوَرِقِ مِنْ الذَّهَبِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ: بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، وَآخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَبَرٌ لَا حُجَّةٌ فِيهِ، لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - أَنَّ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ ضَعِيفٌ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شُعْبَةُ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ: حَدَّثَك فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فِيمَ سُئِلَ عَنْهُ.
وَثَانِيهَا - أَنَّهُ قَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ بِهَذَا السَّنَدِ بِبَيَانِ غَيْرِ مَا ذَكَرُوا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ أَوْ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: إذَا بَايَعْت صَاحِبَكَ فَلَا تُفَارِقْهُ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبْسٌ» وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ، وَهُوَ كُلُّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ.
وَثَالِثُهَا - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَهُمْ كَمَا يُرِيدُونَ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ اشْتِرَاطَ أَخْذِهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَهُمْ يُجِيزُونَ أَخْذَهَا بِغَيْرِ سِعْرِ يَوْمِهَا، فَقَدْ اطَّرَحُوا مَا يَحْتَجُّونَ بِهِ.
وَمِمَّا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ هَهُنَا أَنَّهُ قَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ لَا يَدْرِي أَخُلِقَ بَعْدُ أَمْ لَمْ يُخْلَقْ؟ وَلَا أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ بِمِثْلِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ بَيْعُ غَرَرٍ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَالسَّلْمُ لَا يَجُوزُ إلَّا إلَى أَجَلٍ: فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ بَيْعًا أَوْ سَلَمًا فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ إنَّمَا جَاءَ فِي الْبَيْعِ، فَمِنْ أَيْنَ أَجَازُوهُ فِي الْقَرْضِ؟ وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِهِ بَيْنَ الْقَرْضِ فِي الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ فِي
стр. 3066
ذَلِكَ: بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحَسَنِ، قَالَ: أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ أَتَقَاضَاهُ؟ فَقَالَ لِي: إذَا خَرَجَ خَازِنُنَا أَعْطَيْنَاك، فَلَمَّا خَرَجَ بَعَثَهُ مَعِي إلَى السُّوقِ وَقَالَ: إذَا قَامَتْ عَلَى ثَمَنٍ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِقِيمَتِهَا أَخَذَهَا: وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ أَنَا إسْمَاعِيلُ السُّدِّيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ عَنْ يَسَارِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَرَاهِمُ فَعَرَضَ عَلَيَّ دَنَانِيرَ فَقُلْت: لَا آخُذُهَا حَتَّى أَسْأَلَ عُمَرَ فَسَأَلْته؟ فَقَالَ: ائْتِ بِهَا الصَّيَارِفَةَ فَأَعْرِضْهَا، فَإِذَا قَامَتْ عَلَى سِعْرٍ، فَإِنْ شِئْت فَخُذْهَا، وَإِنْ شِئْت فَخُذْ مِثْلَ دَرَاهِمِك وَصَحَّتْ إبَاحَةُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ، وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءٍ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ نَاجِزٌ هَذَا صَحِيحٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ اقْتِضَاءَ الذَّهَبِ مِنْ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ مِنْ الذَّهَبِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا الشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَرِهَ اقْتِضَاءَ الذَّهَبِ مِنْ الْوَرِقِ مِنْ الذَّهَبِ وَهَذَا صَحِيحٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ كِدَامٍ قَالَ: حَلَفَ لِي مَعْنٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابِ أَبِيهِ بِخَطِّهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ دَرَاهِمَ مَكَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَنَانِيرَ مَكَانَ دَرَاهِمَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الْمِنْهَالِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ لَهُ: نَهَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي أَبَاهُ أَنْ نَبِيعَ الدَّيْنَ بِالْعَيْنِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.
стр. 3067
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَنَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ زَيْنَبَ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ بَاعَتْ جَارِيَةً لَهَا إمَّا بِذَهَبٍ وَإِمَّا بِفِضَّةٍ فَعُرِضَ عَلَيْهَا النَّوْعُ الْآخَرُ فَسُئِلَ عُمَرُ؟ فَقَالَ: لِتَأْخُذْ النَّوْعَ الَّذِي بَاعَتْ بِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الطَّحَّانُ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِدَرَاهِمَ، أَيَأْخُذُ بِالدَّرَاهِمِ طَعَامًا؟ فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَقْبِضَ دَرَاهِمَك وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ عُمَرَ بِإِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيمَنْ أَقْرَضَ دَرَاهِمَ أَيَأْخُذُ بِثَمَنِهَا طَعَامًا؟ فَكَرِهَهُ
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إسْمَاعِيلَ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ اقْتِضَاءَ الدَّنَانِيرِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ الدَّنَانِيرِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنَا وَكِيعٌ أَنَا مُوسَى بْنُ نَافِعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الدَّنَانِيرَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّرَاهِمَ مِنْ الدَّنَانِيرِ
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: لَا تَأْخُذْ الذَّهَبَ مِنْ الْوَرِقِ يَكُونُ لَك عَلَى الرَّجُلِ وَلَا تَأْخُذَنَّ الْوَرِقَ مِنْ الذَّهَبِ
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ لَك عِنْدَ آخَرَ قَرْضٌ دَرَاهِمُ فَتَأْخُذَ مِنْهُ دَنَانِيرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ فَأَخَذَ مِنْهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِقِيمَتِهَا دَنَانِيرَ فَكَرِهَهُ
стр. 3068
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ الْفَزَارِيّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْ بُرْدٍ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ نَاقَةً بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَجَاءَ يَلْتَمِسُ حَقَّهُ؟ فَقُلْت: عِنْدِي دَرَاهِمُ لَيْسَ عِنْدِي دَنَانِيرُ؟ فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَاسْتَأْمَرَهُ؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: خُذْ مِنْهُ دَنَانِيرَ عَيْنًا، فَإِنْ أَبَى فَمَوْعِدُهُ اللَّهُ، دَعْهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ ابْنِ حَرْمَلَةَ قَالَ: بِعْت جَزُورًا بِدَرَاهِمَ إلَى الْحَصَادِ، فَلَمَّا حَلَّ قَضَوْنِي حِنْطَةً، وَشَعِيرًا، وَسَلْتًا، فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ؟ فَقَالَ: لَا يَصْلُحُ، لَا تَأْخُذْ إلَّا الدَّرَاهِمَ.
فَهَؤُلَاءِ: عُمَرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالنَّخَعِيُّ
وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ
وَهَذَا مِمَّا تَرَكُوا فِيهِ الْقُرْآنَ فِي تَحْرِيمِهِ أَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ لِخَبَرٍ سَاقِطٍ مُضْطَرِبٍ وَقَوْلُنَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِانْتِصَافِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَا أَمْكَنَ الْمَمْنُوعُ حَقُّهُ أَنْ يَنْتَصِفَ بِهِ، أَوْ بِأَنْ يُوَكِّلَ غَرِيمَهُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ عِنْدَهُ، وَبِأَنْ يَبْتَاعَ لَهُ مَا يُرِيدُ: فَهَذَا جَائِزٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع دقيق الْقَمْح]
١٤٩٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَاسْتَدْرَكْنَا مُنَاقَضَاتٍ لَهُمْ يُعَارِضُونَ بِهَا أَنْ شَنَّعُوا عَلَيْنَا بِبَيْعِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِهِ وَدَقِيقِ غَيْره مُتَفَاضِلًا، وَتَسْلِيمِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ دَقِيقِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِ الْقَمْحِ، وَبِالْخُبْزِ وَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ وَبِالزَّيْتِ، وَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ، وَبِالْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَكُلِّ شَيْءٍ، مَا عَدَا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مِنْ السُّنَّةِ.
وَلَا شُنْعَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا حَرَّمْنَا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﵇، وَإِنَّمَا الشَّنِيعُ فِيمَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى:
стр. 3069
قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ مِنْ الْقَمْحِ بِالْقَمْحِ كَيْلًا بِكَيْلٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ دَقِيقِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِ الْقَمْحِ كَيْلًا بِكَيْلٍ، لَكِنْ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ.
قَالَ عَلِيٌّ فَإِنْ كَانَ دَقِيقُ الْقَمْحِ نَوْعًا وَاحِدًا مَعَ الْقَمْحِ؟ فَمَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَ دَقِيقَ قَمْحٍ بِدَقِيقِ قَمْحٍ إلَّا كَيْلًا بِكَيْلٍ كَمَا يَبِيعُ الدَّقِيقَ بِالْقَمْحِ؛ لِأَنَّهُمَا قَمْحٌ مَعًا وَإِنْ كَانَ دَقِيقُ الْقَمْحِ صِنْفًا غَيْرَ الْقَمْحِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُجِيزَهُ بِالْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا، وَأَجَازَ الْقَمْحَ بِسَوِيقِ الْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا؟ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ دَقِيقِ قَمْحٍ وَبَيْنَ سَوِيقِ قَمْحٍ بِقَمْحٍ؟ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا احْتِجَاجُهُمْ فِي ذَلِكَ: بِأَنَّ السَّوِيقَ دَخَلَتْهُ صَنْعَةٌ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ دَخَلَتْهُ صَنْعَةٌ؟ نَعَمْ، وَالدَّقِيقُ أَيْضًا دَخَلَتْهُ، صَنْعَةٌ وَلَا فَرْقَ.
وَقَالُوا أَيْضًا: إنَّمَا يُرَاعَى تَقَارُبُ الْمَنَافِعِ؟ فَقُلْنَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَكُمْ أَنْ تُرَاعُوا تَقَارُبَ الْمَنَافِعِ؟ وَهَلْ هِيَ إلَّا دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ؟ وَقَوْلٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْهِ، وَتَعْلِيلٌ فَاسِدٌ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمَنَافِعَ فِي جَمِيعِ الْمَأْكُولَاتِ وَاحِدَةٌ لَسْنَا نَقُولُ: مُتَقَارِبَةً، بَلْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ طَرْدُ الْجُوعِ، أَوْ التَّأَدُّمِ، أَوْ التَّفَكُّهُ، أَوْ التَّدَاوِي، وَلَا مَزِيدَ.
وَمَنَعُوا مِنْ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْيَابِسَةِ، وَأَجَازُوا الْحِنْطَةَ الْمَقْلِيَّةَ بِالْيَابِسَةِ وَكِلْتَاهُمَا مُخْتَلِفَةٌ مَعَ الْأُخْرَى.
وَمَنَعُوا مِنْ الدَّقِيقِ بِالْعَجِينِ وَقَدْ دَخَلَتْ الْعَجِينَ صَنْعَةٌ.
وَأَبَاحُوا الْقَمْحَ بِالْخُبْزِ مِنْ الْقَمْحِ مُتَفَاضِلًا.
وَمَنَعُوا مِنْ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ جُمْلَةً؟ نَعَمْ، وَمَنَعُوا مِنْ اللَّبَنِ بِالْجُبْنِ وَهَلْ الْجُبْنُ مِنْ اللَّبَن إلَّا كَالْخُبْزِ مِنْ الْقَمْحِ؟ وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ لَبَنِ شَاةٍ بِشَاةٍ لَبُونٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا لَبَنَ الْآنَ فِي ضَرْعِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُسْتُنْفِذَ بِالْحَلْبِ.
وَأَجَازُوا بَيْعَ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ إذَا كَانَتْ لَا تَمْرَ فِيهَا.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّبَنَ يَخْرُجُ مِنْ ضَرْعِ الشَّاةِ، وَأَنَّ السَّمْنَ يُعْمَلُ مِنْ اللَّبَنِ؟ فَقُلْنَا: وَالتَّمْرُ يَخْرُجُ مِنْ النَّخْلِ، وَالْخُبْزُ يُعْمَلُ مِنْ الْقَمْحِ.
стр. 3070
وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالْعَصِيرِ، وَأَجَازُوهُ بِالْخَلِّ وَهَذِهِ عَجَائِبُ لَا نَظِيرَ لَهَا، لَوْ تَقَصَّيْنَاهَا لَا تَسَعُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ، وَهُوَ كُلُّهُ كَمَا ذَكَرْنَا لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلًا وَمُتَمَاثِلًا.
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ: فَإِنَّهُمْ أَبَاحُوا الرِّبَا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ جِهَارًا فَأَحَلُّوا بَيْعَ تَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ، وَحَرَّمُوا بَيْعَ رِطْلِ كَتَّانٍ أَسْوَدَ أَخَرْشَ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِقُلْفَةِ الْمَرَاكِبِ بِرِطْلِ كَتَّانٍ أَبْيَضَ مِصْرِيٍّ أَمْلَسَ كَالْحَرِيرِ
وَكَذَلِكَ حَرَّمُوا بَيْعَ رِطْلِ قُطْنٍ طَيِّبٍ غَزْلِيٍّ بِرِطْلِ قُطْنٍ خَشِنٍ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْحَشْوِ، وَقَالُوا: الْقُطْنُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَالْكَتَّانُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ.
قَالُوا: وَأَمَّا الثِّيَابُ الْمَعْمُولَةُ مِنْ الْقُطْنِ فَأَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ فِي بَعْضِهَا بِبَعْضٍ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ فَأَجَازُوا بَيْعَ ثَوْبِ قُطْنٍ مَرْوِيٍّ خُرَاسَانِيٍّ بِثَوْبَيْ قُطْنٍ مَرْوِيٍّ بَغْدَادِيٍّ نَقْدًا وَنَسِيئَةً قَالُوا: وَأَمَّا غَزْلُ الْقُطْنِ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَصِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَلَا النَّسِيئَةُ.
قَالُوا: شَحْمُ بَطْنِ الْكَبْشِ صِنْفٌ، وَشَحْمُ ظَهْرِهِ وَشَحْمُ سَائِرِ جَسَدِهِ صِنْفٌ آخَرُ، فَأَجَازُوا بَيْعَ رِطْلَيْنِ مِنْ شَحْمِ بَطْنِهِ بِرِطْلٍ مِنْ شَحْمِ ظَهْرِهِ نَقْدًا.
قَالُوا: وَأَلْيَةُ الشَّاةِ صِنْفٌ، وَسَائِرُ لَحْمِهَا صِنْفٌ آخَرُ، فَجَائِزٌ بَيْعُ رِطْلٍ مِنْ أَلْيَتِهَا بِرِطْلَيْنِ مِنْ سَائِرِ لَحْمِهَا.
قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِطْلٍ مِنْ لَحْمِ كَبْشٍ إلَّا بِرِطْلٍ مِنْ لَحْمِهِ وَلَا مَزِيدَ، وَزْنًا بِوَزْنٍ نَقْدًا، وَلَا بُدَّ وَأَجَازُوهُ بِرِطْلَيْنِ مِنْ لَحْمِ الثَّوْرِ نَقْدًا وَلَا بُدَّ.
وَأَمَّا لَحْمُ الْإِوَزِّ، وَلَحْمُ الدَّجَاجِ، فَيَجُوزُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِطْلٌ بِرِطْلَيْنِ مِنْ نَوْعِهِ فَأَجَازُوا رِطْلَ لَحْمِ دَجَاجٍ بِرِطْلَيْنِ مِنْ لَحْمِ دَجَاجٍ نَقْدًا أَوْ بِرِطْلَيْنِ مِنْ لَحْمِ الْإِوَزِّ نَقْدًا وَنَسِيئَةً.
وَقَالُوا: النَّسِيئَةُ فِي كُلِّ مَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا مِنْ التَّمْرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، إنَّمَا هِيَ مَا اُشْتُرِطَ فِيهِ الْأَجَلُ فِي حِينِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا مَا تَأَخَّرَ قَبْضُهُ إلَى أَنْ تَفَرَّقَا وَلَمْ يَكُنْ اُشْتُرِطَ
стр. 3071
فِيهِ التَّأْخِيرُ، فَلَا يَضُرُّ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، إلَّا فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فَقَطْ، فَإِنْ تَأَخَّرَ الْقَبْضُ فِيهِمَا رَبَا اُشْتُرِطَ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا إجَازَتُهُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ، وَمَنْعُهُ مِنْ الدَّقِيقِ أَوْ السَّوِيقِ بِالْقَمْحِ جُمْلَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ أَصْلًا، فَلَوْ عَكَسَ قَوْلَهُ لَأَصَابَ.
وَهَذِهِ كُلُّهَا وَسَاوِسُ، وَسَخَافَاتٌ، وَمُنَاقَضَاتٌ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَأَقْوَالٌ لَا تُحْفَظُ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّونَ: فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ رِطْلِ سَقَمُونْيَا بِرِطْلَيْنِ مِنْ سَقَمُونْيَا؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ، وَأَبَاحُوا وَزْنَ دِرْهَمِ زَعْفَرَانً بِوَزْنِ دِرْهَمَيْنِ مِنْهُ نَقْدًا وَنَسِيئَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ عِنْدَهُمْ.
وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَ عَسَلٍ مُشْتَارٍ بِشَمْعِهِ كَمَا هُوَ بِعَسَلٍ مُشْتَارٍ بِشَمْعِهِ كَمَا هُوَ أَصْلًا، إلَّا حَتَّى يُصَفَّى كِلَاهُمَا وَأَجَازُوا بَيْعَ الْجَوْزِ بِقِشْرِهِ بِالْجَوْزِ بِقِشْرِهِ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ إخْرَاجَ الْعَسَلِ مِنْ شَمْعِهِ صَلَاحٌ لَهُ، وَإِخْرَاجَ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ مِنْ قِشْرِهِ، وَنَزْعَ النَّوَى مِنْ التَّمْرِ فَسَادٌ لَهُ.
فَقُلْنَا: كَلًّا، مَا الصَّلَاحُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ إلَّا كَالْفَسَادِ فِيمَا وَصَفْتُمْ، وَمَا فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ، وَلَا فِي هَذَا فَسَادٌ، وَلَوْ كَانَ فَسَادًا لَمَا حَلَّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]
وَهَذِهِ أَيْضًا مُنَاقَضَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَقْوَالٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُمْ إلَيْهَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَنَعَ مِنْ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ يَدًا بِيَدٍ، سَوَاءٌ كَانَ أَكْثَرَ مَا فِي الزَّيْتُونِ مِنْ الزَّيْتِ، أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَقِيقَةُ الَّتِي تَشْهَدُ لَهَا اللُّغَةُ، وَالشَّرِيعَةُ، وَالْحِسُّ، فَهُوَ أَنَّ الدَّقِيقَ لَيْسَ قَمْحًا وَلَا شَعِيرًا، لَا فِي اسْمِهِ، وَلَا فِي صِفَتِهِ، وَلَا فِي طَبِيعَتِهِ.
فَهَذِهِ الدَّوَابُّ تُطْعَمُ الدَّقِيقَ وَالْخُبْزَ فَلَا يَضُرُّهَا بَلْ يَنْفَعُهَا، وَتُطْعَمُ الْقَمْحَ فَيُهْلِكُهَا، وَالدَّبْسُ لَيْسَ تَمْرًا، لَا فِي لُغَةٍ، وَلَا فِي شَرِيعَةٍ، وَلَا فِي مُشَاهَدَةٍ.
وَلَا فِي اسْمِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ.
стр. 3072
وَالْمَاءُ لَيْسَ مِلْحًا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ بِالْمِلْحِ.
وَلَيْسَ تَوْلِيدُ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ بِمُوجِبِ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ هُوَ الَّذِي عَنْهُ تُوُلِّدَ، فَنَحْنُ خُلِقْنَا مِنْ تُرَابٍ، وَنُطْفَةٍ، وَمَاءٍ، وَلَسْنَا نُطْفَةً، وَلَا تُرَابًا، وَلَا مَاءً.
وَالْخَمْرُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْعَصِيرِ وَهِيَ حَرَامٌ وَالْعَصِيرُ حَلَالٌ.
وَاللَّبَنُ مُتَوَلِّدٌ عَنْ الدَّمِ وَاللَّبَنُ حَلَالٌ وَالدَّمُ حَرَامٌ.
وَالْعَذِرَةُ تَسْتَحِيلُ تُرَابًا حَلَالًا طَيِّبًا.
وَالدَّجَاجَةُ تَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ فَيَصِيرَانِ فِيهَا لَحْمًا حَلَالًا طَيِّبًا.
وَالْخَلُّ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْخَمْرِ وَهُوَ حَلَالٌ وَهِيَ حَرَامٌ.
وَأَمَّا حُلِيُّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهُمَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ بِاسْمَيْهِمَا وَصِفَاتِهِمَا وَطَبِيعَتِهِمَا فِي اللُّغَةِ وَفِي الشَّرِيعَةِ ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]
[مَسْأَلَة بَاعَ ذهب أَوْ غَيْره بمثلة ثُمَّ وجد أَحَدهمَا بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا]
١٤٩٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ بَيْعًا حَلَالًا، أَوْ فِضَّةً بِفِضَّةٍ كَذَلِكَ، أَوْ فِضَّةً بِذَهَبٍ كَذَلِكَ، مَسْكُوكًا بِمِثْلِهِ أَوْ مَصُوغَيْنِ، أَوْ مَصُوغًا بِمَسْكُوكٍ، أَوْ تِبْرًا أَوْ نَقَّارًا، فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا بِمَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ عَيْبًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، وَقَبْلَ أَنْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ
فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَبْدَلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ بَعْدُ، فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَأْنِفٌ لِبَيْعٍ عَنْ تَرَاضٍ أَوْ تَارِكٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
١٤٩٥ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْبَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ، أَوْ بَعْدَ التَّخْيِيرِ وَاخْتَارَ الْمُخَيَّرُ إتْمَامَ الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ خَلْطٍ وَجَدَهُ مِنْ غَيْرِ مَا اشْتَرَى، لَكِنْ كَفِضَّةٍ أَوْ صُفْرٍ فِي ذَهَبٍ، أَوْ صُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي فِضَّةٍ، فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا مَفْسُوخَةٌ، مَرْدُودَةٌ، كَثُرَتْ أَمْ قَلَّتْ، قَلَّ ذَلِكَ الْخَلْطُ أَمْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى، وَلَا الَّذِي عَقَدَ عَلَيْهِ الصَّفْقَةَ، فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي تَرَاضَى بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ وَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ صِحَّةِ الْبَيْعِ. وَلَا يَجُوزُ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا إلَّا صِحَّةُ الْبَيْعِ بِالتَّفَرُّقِ، وَلَا خِيَارَ فِي إمْضَائِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
١٤٩٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضُ مَا اشْتَرَى أَقَلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ، أَوْ لَوْ تَأَخَّرَ قَبْضُ شَيْءٍ مِمَّا تَبَايَعَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ صَحِيحًا وَمَا لَمْ يَصِحَّ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَكُلُّ عَقْدٍ اخْتَلَطَ الْحَرَامُ فِيهِ بِالْحَلَالِ فَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْقَدْ صِحَّةُ الْحَلَالِ مِنْهُ إلَّا
стр. 3073
بِصِحَّةِ الْحَرَامِ، وَكُلُّ مَا لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِصِحَّةِ مَا لَا يَصِحُّ، فَلَا صِحَّةَ لَهُ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُلْزَمَ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ وَحْدَهُ. دُونَ غَيْرِهِ.
١٤٩٧ - مَسْأَلَةٌ:
فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي نَفْسِ مَا اشْتَرَى كَكَسْرٍ، أَوْ كَانَ الذَّهَبُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ بِطَبْعِهِ، وَالْفِضَّةُ كَذَلِكَ، كَالذَّهَبِ الْأَشْقَرِ وَالْأَخْضَرِ بِطَبْعِهِ.
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ السَّلَامَةَ فَالصَّفْقَةُ كُلُّهَا مَفْسُوخَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ غَيْرَ مَا اشْتَرَى، فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَالُ غَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ بَيْعًا.
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطْ السَّلَامَةَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْسَاكِ الصَّفْقَةِ كَمَا هِيَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ، وَإِمَّا فَسْخُهَا كُلِّهَا وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الْعَيْنَ، فَهُوَ عَقْدٌ صَحِيحٌ ثُمَّ وَجَدَ غَبْنًا، وَالْغَبْنُ إذَا رَضِيَهُ الْبَائِعُ وَعَرَفَ قَدْرَهُ جَائِزٌ لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ.
وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَاضَ الْبَيْعَ مِنْ صَاحِبِهِ إلَّا عَلَى جَمِيعِهَا، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ مَا تَرَاضِيًا بِهِ مَعًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»
فَلَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إلَّا مَا تَرَاضِيًا بِهِ مَعًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْخَلْفُ وَالسَّلَفُ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ الْأَشْعَثِ الْحَرَّانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يَشْتَرِي الدَّرَاهِمَ وَيَشْتَرِطُ إنْ كَانَ فِيهَا زَائِفٌ أَنْ يَرُدَّهُ: أَنَّهُ كَرِهَ الشَّرْطَ، وَقَالَ: ذَلِكَ لَهُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ.
قَالَ عَلِيٌّ: ظَاهِرُ هَذَا رَدُّ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ رَدَّ الزَّائِفِ وَحْدَهُ لَذَكَرَ بُطْلَانَ مَا قَابَلَهُ، وَصِحَّةُ الْعَقْدِ فِي سَائِرِ الصَّفْقَةِ، أَوْ لَذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ كُلَّهُ شَيْئًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ مَا لَمْ يَقُلْ فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ قَوْلُنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا هَمَّامٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى قَالَ: زَعَمَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَأَخْطَئُوا فِيهَا بِدِرْهَمٍ سَتُّوقٍ فَكَرِهَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْحَاضِرِينَ قَالَ بِهِ، وَلَا نَعْلَمُ الْآنَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا.
стр. 3074
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَ الصَّرْفَ فِي مِقْدَارِ مَا وَجَدَ رَدِيئًا فَقَطْ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: يَسْتَبْدِلُ كُلَّ مَا وَجَدَ زَائِفًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ قَالَ ابْنُ حَيٍّ وَالسَّتُّوقُ كَذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ: السَّتُّوقُ هُوَ الْمَغْشُوشُ بِشَيْءٍ غَيْرِهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ كُلُّهُ رَصَاصًا، أَوْ يَكُونَ الدِّينَارُ كُلُّهُ فِضَّةً أَوْ نُحَاسًا.
وَالزَّائِفُ الرَّدِيءُ مِنْ طَبْعِهِ الَّذِي فِيهِ غِشٌّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ وُجِدَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ نِصْفُ الْجَمِيعِ فَأَكْثَرَ زُيُوفًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ أَلْبَتَّةَ، لَكِنْ إنْ رَدَّ الزُّيُوفَ بَطَلَ الصَّرْفُ فِي مِقْدَارِهَا مِنْ الصَّفْقَةِ وَصَحَّ فِيمَا سِوَاهَا.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ، فَإِنْ وَجَدَهَا أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ فَلَهُ أَنْ يَمْسِكَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ مَا وَجَدَ زَائِفًا فَقَطْ، وَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْبِضَ الْبَدَلَ، فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ وَلَوْ أَنَّهُ دِرْهَمٌ أَوْ أَكْثَرُ وَصَحَّ فِيمَا قَبَضَ وَلَوْ أَنَّهُ دِرْهَمٌ أَوْ أَقَلُّ.
فَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ سُتُّوقًا انْتَقَضَ الصَّرْفُ فَقَطْ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا فَأَكْثَرَ وَصَحَّ فِي بَاقِي الصَّفْقَةِ وَيَكُونُ هُوَ وَالْبَائِعُ شَرِيكَيْنِ فِي الدِّينَارِ الَّذِي انْتَقَضَ الصُّفْرُ فِي بَعْضِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْتَ شِعْرِي، أَيُّ بَعْضٍ مِنْهُ انْتَقَضَ فِيهِ الصَّرْفُ، وَأَيُّ بَعْضٍ، مِنْهُ صَحَّ فِيهِ الصَّرْفُ هَذَا الْمَجْهُولُ وَالْغَرَرُ بِعَيْنِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ حَدَّ مَا يَسْتَبْدِلُهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ الِاسْتِبْدَالُ بِالثُّلُثِ وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَتَقْسِيمٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَحُكْمُ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ مِنْهُمَا سَوَاءٌ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ بِفَرْقٍ وَتَحْدِيدٍ فَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَسْتَبْدِلُ مَا وَجَدَ زَائِدًا أَوْ سُتُّوقًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ، أَوْ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ غَيْرَ يَدٍ بِيَدٍ، وَهَذَا الرِّبَا الْمَحْضُ وَقَالَ زُفَرُ: يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ وَلَا بُدَّ فِيمَا وَجَدَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَيَصِحُّ فِي السَّالِمِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا تَبْعِيضُ صَفْقَةٍ لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ قَطُّ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، فَهُوَ أَكْلُ
стр. 3075
مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ وَجَدَ سُتُّوقًا أَوْ زَائِفًا فَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ صَرْفَ دِينَارٍ انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ، وَصَحَّ سَائِرُ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ صَرْفُهُ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ أَوْ دَنَانِيرَ: انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِيمَا قَابَلَ مَا وَجَدَهُ فَإِنْ شَرَعَ الِانْتِقَاضُ فِي دِينَارٍ انْتَقَضَ ذَلِكَ الدِّينَارُ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَيْتَ شِعْرِي أَيُّ دِينَارٍ هُوَ الَّذِي يُنْتَقَضُ، أَيُّهَا هُوَ الَّذِي لَا يُنْتَقَضُ؟ هَذَا بَيْعُ الْغَرَرِ، وَالْمَجْهُولِ وَأَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ.
ثُمَّ عَجَبٌ آخَرُ وَهُوَ إجَازَتُهُ بَعْضَ الصَّفْقَةِ دُونَ بَعْضِهَا وَإِبْطَالُهُ صَرْفَ جَمِيعِ الدِّينَارِ الَّذِي شَرَعَ الِانْتِقَاضُ فِي بَعْضِهِ وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ، وَكِلَاهُمَا تَبْعِيضٌ لِمَا لَمْ يَتَرَاضَيَا بِتَبْعِيضِهِ فِي الْعَقْدِ، وَقَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّرْفَ كُلَّهُ يُنْتَقَضُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَبْدَلُ، كَقَوْلِ اللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ قَوْلَ صَاحِبَيْنِ، لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
[مَسْأَلَة بَيْع تمر بتمر أجود مِنْهُ أَوْ أردأ مِنْهُ]
١٤٩٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَمِنْ الْحَلَالِ الْمَحْضِ بَيْعُ مُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ أَحَدُهُمَا جَيِّدٌ غَايَةً، وَالْآخَرُ رَدِيءٌ غَايَةً: بِمُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ أَجْوَدَ مِنْهُمَا، أَوْ أَدْنَى مِنْهُمَا، أَوْ دُونَ الْجَيِّدِ مِنْهُمَا، وَفَوْقَ الرَّدِيءِ مِنْهُمَا، أَوْ مِثْلَ أَحَدِهِمَا، أَوْ بَعْضُهُمَا جَيِّدٌ وَالْبَعْضُ رَدِيءٌ كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ، وَفِي دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ، وَقَمْحٍ بِقَمْحٍ، وَفِي شَعِيرٍ بِشَعِيرٍ، وَفِي مِلْحٍ بِمِلْحٍ وَلَا فَرْقَ، لِإِبَاحَةِ النَّبِيِّ ﷺ كُلِّ صِنْفٍ مِمَّا ذَكَرْنَا بِصِنْفِهِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فِي الْمُكَايَلَةِ، فِي الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ وَالْمُوَازَنَةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا الْقَعْنَبِيُّ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ حَدَّثَاهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خَيْبَرَ فَقَدِمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا
стр. 3076
رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنْ الْجَمْعِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ»
فَأَبَاحَ ﵇ نَصًّا: بَيْعَ الْجَنِيبِ مِنْ التَّمْرِ وَهُوَ الْمُتَخَيَّرُ كُلُّهُ بِالْجَمْعِ مِنْ التَّمْرِ وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ جَيِّدًا وَرَدِيئًا وَوَسَطًا.
مَنَعَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ مُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ أَحَدُهُمَا جَيِّدٌ وَالْآخَرُ رَدِيءٌ بِمُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ مُتَوَسِّطَيْنِ أَدْنَى مِنْ الْجَيِّدِ وَأَجْوَدَ مِنْ الرَّدِيءِ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَ الْمُمَاثَلَةَ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لَنَا فِي جَوَازِ صَاعٍ بِصَاعِ تَمْرٍ رَدِيءٍ بِصَاعِ تَمْرٍ جَيِّدٍ وَلَيْسَ مِثْلَهُ فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَرَادَ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْكَيْلِ أَوْ فِي الْوَزْنِ فَقَطْ وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ.
وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ صِحَاحٍ فِي الْجَنِيبِ بِالْجَمْعِ فِيهَا: «بِيعُوا الْجَمْعَ وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ الْجَنِيبِ» وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرْنَا زَائِدٌ عَلَى تِلْكَ الْأَخْبَارِ حُكْمًا، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ زِيَادَةِ الْعَدْلِ.
وَعُمْدَةُ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا رَضِيَ الْبَائِعُ هَهُنَا لِلْمُدَّيْنِ: اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا جَيِّدٌ وَالْآخَرُ رَدِيءٌ، بِأَنْ يُعْطِيَ الْجَيِّدَ أَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ، وَأَنْ يُعْطِيَ الْأَرْدَأَ بِأَقَلَّ مِنْ مُدٍّ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ: فَحَصَلَ التَّفَاضُلُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَحَتَّى لَوْ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ لَكَانَ عَمَلُهُ مُخَالِفًا لِإِرَادَتِهِ، فَحَصَلُوا عَلَى التَّكَهُّنِ، وَالظَّنِّ الْكَاذِبِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي الدِّينِ الْكَلَامُ وَالْعَمَلُ، فَإِذَا جَاءَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵇ فَمَا نُبَالِي بِمَا فِي قُلُوبِهِمَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ أُبْعَثْ لِأَشُقَّ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ»
فَإِنْ قَالُوا: فَقَدْ قَالَ ﵇: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَكِنَّ مَنْ لَكُمْ بِأَنَّ هَذَيْنِ نَوَيَا مَا ذَكَرْتُمْ، وَهَذَا مِنْكُمْ ظَنُّ سُوءٍ بِمُسْلِمٍ
стр. 3077
لَمْ يُخْبِرْكُمْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِي الظُّلْمِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُفْسِدُوا صَفْقَةَ مُسْلِمٍ بِتَوَهُّمِكُمْ: أَنَّهُ أَرَادَ الْبَاطِلَ، وَهُوَ لَمْ يُخْبِرْكُمْ ذَلِكَ فَقَطْ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا ظَهَرَ مِنْ فِعْلِهِ إلَّا الْحَلَالُ الْمُطْلَقُ.
وَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَشْتَرِي تَمْرًا أَوْ تِينًا أَوْ عِنَبًا أَنْ تَفْسَخُوا صَفْقَتَهُ وَتَقُولُوا لَهُ: إنَّمَا تَنْوِي فِيهِ عَمَلَ الْخَمْرِ مِنْهُ، وَمَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا أَنْ تَفْسَخُوهُ وَتَقُولُوا: إنَّمَا تُرِيدُ تَلْبَسُهُ فِي الْمَعَاصِي.
وَمَنْ اشْتَرَى سَيْفًا أَنْ تَفْسَخُوا وَتَقُولُوا: إنَّمَا تُرِيدُ بِهِ قَتْلَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا هَوَسٌ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَبَيْنَ مَا أَفْسَدْتُمْ بِهِ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَنَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَأْتِي بِالدَّرَاهِمِ السُّودِ الْجِيَادِ، وَبِالنُّفَايَةِ: يَأْخُذُ بِوَزْنِهَا غَلَّةً.
قَالَ عَلِيٌّ: السُّودُ أَجْوَدُ مِنْ الْغَلَّةِ، وَالنُّفَايَةُ أَدْنَى مِنْ الْغَلَّةِ وَهَذَا نَفْسُ مَسْأَلَتِنَا.
[مَسْأَلَة صارف آخِر دَنَانِير بِدَرَاهِم فعجز عَنْ تَمَام مُرَاده]
١٤٩٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ صَارَفَ آخَرَ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِم فَعَجَزَ عَنْ تَمَامِ مُرَادِهِ فَاسْتَقْرَضَ مِنْ مَصَارِفِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مَا أَتَمَّ بِهِ صَرْفَهُ فَحَسَنٌ، مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَرْطٍ فِي الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ هَذَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ.
[مَسْأَلَة بَاعَ مِنْ آخِر دَنَانِير بِدَرَاهِم ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بتلك الدَّرَاهِم دَنَانِير]
١٥٠٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ بَاعَ مِنْ آخَرَ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فَلَمَّا تَمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا بِالتَّفَرُّقِ أَوْ التَّخَيُّرِ اشْتَرَى مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ تِلْكَ، أَوْ غَيْرِهَا أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَكُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَرْطٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عَقْدٌ صَحِيحٌ، وَعَمَلٌ مَنْصُوصٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَأَمَّا الشَّرْطُ فَحَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَمَنَعَ مِنْ هَذَا قَوْمٌ وَقَالُوا: إنَّهُ بَاعَ مِنْهُ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ مُتَفَاضِلَةً؟ فَقُلْنَا: هَذَا كَذِبٌ، وَمَا فَعَلَ قَطُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، بَلْ هُمَا صَفْقَتَانِ، وَلَكِنْ أَخْبِرُونَا: هَلْ لَهُ أَنْ يُصَارِفَهُ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ وَتِلْكَ الدَّنَانِيرِ عَنْ غَيْرِ شَرْطٍ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ: نَعَمْ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَأَجَزْتُمْ التَّفَاضُلَ وَالنَّسِيئَةَ مَعًا وَمَنَعْتُمْ مِنْ النَّقْدِ، هَذَا عَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا الْأَمْرَ بِبَيْعِ التَّمْرِ الْجَمْعِ بِسِلْعَةٍ ثُمَّ يَبْتَاعُ بِالسِّلْعَةِ جَنِيبًا مِنْ التَّمْرِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي مَنَعُوا نَفْسَهُ.
стр. 3078
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ التُّسْتَرِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: أَلَا إنَّ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارَ بِالدِّينَارِ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: تُزَيِّفُ عَلَيْنَا أَوْرَاقُنَا فَنُعْطِي الْخَبِيثَ وَنَأْخُذُ الطَّيِّبَ؟ قَالَ عُمَرُ: لَا، وَلَكِنْ ابْتَعْ بِهَا عَرَضًا، فَإِذَا قَبَضَتْهُ وَكَانَ لَك فَبِعْهُ وَاهْضِمْ مَا شِئْت، وَخُذْ أَيَّ نَقْدٍ شِئْت.
فَهَذَا عُمَرُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ يَأْمُرُ بِبَيْعِ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ يَبِيعُهَا بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ إثْرَ ابْتِيَاعِهِ لِلْعَرَضِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ غَيْرِ مَنْ تُبْتَاعُ مِنْهُ الْعَرَضُ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَعْطَانِي الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ دَرَاهِمَ وَقَالَ لِي: اشْتَرِ لِي بِهَا دَنَانِيرَ، ثُمَّ اشْتَرِ لِي بِالدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَبِعْتهَا مِنْ رَجُلٍ فَقَبَضْت الدَّنَانِيرَ، وَطَلَبْت فِي السُّوقِ حَتَّى عَرَفْت السِّعْرَ، فَرَجَعْت إلَى بَيْعَتِي فَبِعْتُهَا مِنْهُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي أَرَدْت؟ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا الرِّبَا عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْبِيَ وَيُنْسِئَ وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُمَرَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَمِنْ عَجَائِبِ حُجَجِهِمْ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا أَرَادَ بِالرِّبَا دَرَاهِمَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، فَتَخَيَّلَ بِأَنْ صَرْفَهَا بِدَنَانِيرَ، ثُمَّ صَرَفَ الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ؟ فَقُلْت بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ وَرِعٍ، خَائِفٍ لِمَقَامِ رَبِّهِ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أَرَادَ الرِّبَا فَتَرَكَهُ وَهَرَبَ عَنْهُ إلَى الْحَلَالِ، هَذَا فَاضِلٌ جِدًّا وَعَمَلٌ جَيِّدٌ لَا عَدِمْنَاهُ، فَنَرَاكُمْ جَعَلْتُمْ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا؟ وَهَلْ هَذَا إلَّا كَمَنْ أَرَادَ الزِّنَى بِامْرَأَةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ، لَكِنْ تَزَوَّجَهَا، أَوْ اشْتَرَاهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا، أَمَّا هَذَا فَحَسَنٌ مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى
[مَسْأَلَة التواعد فِي بَيْع الذَّهَب بِالذَّهَبِ وَفِي سَائِر الْأَصْنَاف الأربعة]
١٥٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّوَاعُدُ فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ، وَفِي بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَفِي سَائِرِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جَائِزٌ تَبَايَعَا بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَتَبَايَعَا؛ لِأَنَّ التَّوَاعُدَ لَيْسَ بَيْعًا.
стр. 3079
وَكَذَلِكَ الْمُسَاوَمَةُ أَيْضًا جَائِزَةٌ تَبَايَعَا أَوْ لَمْ يَتَبَايَعَا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا فَقَدْ فُصِّلَ بِاسْمِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]
فَكُلُّ مَا لَمْ يُفَصَّلُ لَنَا تَحْرِيمُهُ فَهُوَ حَلَالٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، إذْ لَيْسَ فِي الدِّينِ إلَّا فَرْضٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ، فَالْفَرْضُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالْحَرَامُ مُفَصَّلٌ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ فَلَيْسَ فَرْضًا وَلَا حَرَامًا فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ: حَلَالٌ إذْ لَيْسَ هُنَالِكَ قِسْمٌ رَابِعٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقِ.
[مَسْأَلَة بَيْع بدل دَرَاهِم بأوزن مِنْهَا]
١٥٠٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَدَلُ دَرَاهِمَ بِأَوْزَنَ مِنْهَا لَا بِالْمَعْرُوفِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُنْكَرُ لَا الْمَعْرُوفُ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا آنِفًا عَنْ عُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُوَ قَوْلُ النَّاسِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَمَا نَعْلَمُ لَهُ مُوَافِقًا قَبْلَهُ مِمَّنْ رَأَى الرِّبَا فِي النَّقْدِ.
[مَسْأَلَة بَيْع آنِيَة ذهب أَوْ فِضَّة قَبْل كسرها]
١٥٠٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ آنِيَةٍ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ إلَّا بَعْدَ كَسْرِهَا لِصِحَّةِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الطَّهَارَةِ " فَلَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهَا فَإِذْ لَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهَا فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهَا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع نصف درهم بِعَيْنِهِ]
١٥٠٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ الْمَرْءُ نِصْفَ دِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ نِصْفَ دَرَاهِمَ بِأَعْيَانِهَا، أَوْ نِصْفَ دِينَارٍ كَذَلِكَ، أَوْ نِصْفَ دَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا مُشَاعًا: يَبْتَاعُ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ، وَالذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى إقْرَارِهَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا أَوْ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ.
وَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ أَصْلًا، وَلَا فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ أَصْلًا، لِأَنَّهُ يَصِيرُ عَيْنًا بِغَيْرِ عَيْنٍ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ إلَّا عَيْنًا بِعَيْنٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا وَأَمَّا الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ مُشَاعًا، فَلَمْ يَأْتِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ نَصٌّ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]
[مَسْأَلَة الْبَيْع بِدِينَارِ إلَّا درهما]
١٥٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعٌ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا؛ فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ بَاطِلٌ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ لَقِيمَةِ الدِّرْهَمِ مِنْ الدِّينَارِ، فَصَارَ اسْتِثْنَاءً مَجْهُولًا، إذْ بَاعَ بِدِينَارٍ إلَّا قِيمَةَ دِرْهَمٍ مِنْهُ.
стр. 3080
فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدِّرْهَمِ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمَا فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُمَا شَرَطَا إخْرَاجَ الدِّرْهَمِ بِعَيْنِهِ مِنْ الدِّينَارِ، وَهَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ بَعْضٌ لِلدِّينَارِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ، فَهُوَ بَاطِلٌ بِكُلِّ حَالٍ وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَجَازَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَة بَيْع الْأَصْنَاف الربوية بَيْن الْعَبْد وسيده وَبَيْن الْمُسْلِم والكافر]
١٥٠٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَالرِّبَا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ كَمَا هُوَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ، وَبَيْنَ الذِّمِّيَّيْنِ كَمَا هُوَ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ، وَلَا فَرْقَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي الْعَوَّامِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبِيعُ مِنْ غِلْمَانِهِ النَّخْلَ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَمَا عَلِمْت نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَإِنَّمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَصْلِهِمْ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ إفْسَادُنَا لَهُ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَذَكَرْنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرَى الْعَبْدَ يَمْلِكُ، وَهَذَا جَابِرٌ قَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: مَرَّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ بِرَاعٍ فَأَهْدَى الرَّاعِي إلَيْهِ شَاةً؟ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: حُرٌّ أَنْتَ أَمْ مَمْلُوكٌ؟ فَقَالَ: مَمْلُوكٌ، فَرَدَّهَا الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَمْلُوكُ: إنَّهَا لِي، فَقِبَلهَا مِنْهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَاشْتَرَى الْغَنَمَ، فَأَعْتَقَهُ، وَجَعَلَ الْغَنَمَ لَهُ.
فَهَذَا الْحُسَيْنُ تَقَبَّلَ هَدِيَّةَ الْمَمْلُوكِ إذَا أَخْبَرَهُ أَنَّهَا لَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَهُوَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ لَا مَنْ سِوَاهُ وَإِذَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّبَا وَتَوَعَّدَ فِيهِ فَمَا خَصَّ عَبْدًا مِنْ حُرٍّ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]
وَالْعَجَبُ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَأَبَا حَنِيفَةَ: لَا يُجِيزَانِ أَنْ يَبِيعَ الْمَرْءُ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ فَقَدْ نَقَضُوا أَصْلَهُمْ، وَأَجَازُوا لَهُ بَيْعَ مَالِ نَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ.
стр. 3081
وَإِنْ كَانَ مَالُ الْعَبْدِ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَا لَمْ يَبِعْهُ أَوْ يَنْتَزِعْهُ: فَقَدْ أَجَازُوا الرِّبَا صُرَاحًا.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]
فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، وَنَسْأَلُ مَنْ خَالَفَنَا: أَيُلْزِمُهُمْ دِينَ الْإِسْلَامِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ؟ وَهَلْ هُمْ عَلَى بَاطِلٍ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يُلْزِمُهُمْ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى بَاطِلٍ: كَفَرُوا بِلَا مِرْيَةٍ.
وَإِنْ قَالُوا: يَلْزَمُهُمْ دِينُ الْإِسْلَامِ وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالُوا الْحَقَّ وَرَجَعُوا إلَى قَوْلِنَا، وَلَزِمَهُ إبْطَالُ الْبَاطِلِ، وَفَسْخُ الْحَرَامِ، فَيَهْتَدِي بِهَدْيِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ الْإِقْرَارُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ يُنَفِّذُ الْحُكْمَ بِالْبَاطِلِ، وَيُجِيزُ الْحَرَامَ، وَمَا أَوْرَدْنَا مِنْهُ كُلَّ هَذَا.
فَإِنْ قَالُوا: مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ أَشَدُّ؟ قُلْنَا: إنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ لَا يُفْسَحُ لَهُمْ فِي إعْلَانِهِ، وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِأَنْ لَا نَجْبُرَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ.
وَكَذَلِكَ جَاءَ بِأَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ أَحَدِ النَّصَّيْنِ لِلْآخَرِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْحَرْبِيِّ وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا.
[مَسْأَلَة بَيْع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ]
١٥٠٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَانَا أَوْ مِنْ نَوْعَيْنِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ نَوْعَيْنِ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا.
وَجَائِزٌ تَسْلِيمُ اللَّحْمِ فِي اللَّحْمِ كَذَلِكَ.
وَتَسْلِيمُ الْحَيَوَانِ فِي اللَّحْمِ، كَلَحْمِ كَبْشٍ بِلَحْمِ كَبْشٍ مُتَفَاضِلًا وَمُتَمَاثِلًا، يَدًا بِيَدٍ،
стр. 3082
وَإِلَى أَجَلٍ وَكَذَلِكَ بِاللَّحْمِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ أَيْضًا وَكَتَسْلِيمِ كَبْشٍ فِي أَرْطَالِ لَحْمِ كَبْشٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى أَجَلٍ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ حَلَالٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]
فَهَذَا كُلُّهُ بَيْعٌ لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ.
وَأَمَّا اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ فَلَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْهُ أَصْلًا، لَا صَحِيحٌ وَلَا سَقِيمٌ مِنْ أَثَرٍ.
وَأَمَّا اللَّحْمُ بِالْحَيَوَانِ فَجَاءَ فِيهِ أَثَرٌ لَا يَصِحُّ.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
وَاخْتَلَفَ الْحَاضِرُونَ عَلَى فِرَقٍ: فَطَائِفَةٌ مَنَعَتْ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ جُمْلَةً، أَيَّ لَحْمٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا، بِأَيِّ حَيَوَانٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا، حَتَّى مَنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ بِاللَّحْمِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنْ يُجْمَعَ لُحُومُ الْحَيَوَانِ كُلِّهَا طَائِرَةً وَوَحْشِيَّةً، وَالْأَنْعَامِ، كُلِّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ لَحْمَ كُلِّ نَوْعٍ صِنْفٌ عَلَى حِيَالِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي أَنَّهُ لَا يُبَاعُ لَحْمٌ بِلَحْمٍ أَصْلًا حَتَّى يَتَنَاهَى جَفَافُهُ وَيَبَسُهُ؟ فَعَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يُبَاعُ قَدِيدُ غَنَمٍ بِقَدِيدِ إبِلٍ، أَوْ بِقَدِيدِ دَجَاجٍ، أَوْ إوَزٍّ أَوْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ قَدِيدُ غَنَمٍ بِقَدِيدِ غَنَمٍ، إلَّا يَدًا بِيَدٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يُبَاعَ بِقَدِيدِ الْبَقَرِ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جَائِزٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ، كَقَوْلِنَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: جَائِزٌ بَيْعُ لَحْمِ شَاةٍ بِشَاةٍ حَيَّةً، إذَا كَانَ اللَّحْمُ أَكْثَرَ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ الْحَيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ بَيْعَ شَاةٍ بِبَقَرَةٍ حَيَّةً كَيْفَ شَاءُوا.
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ بَيْعَ لَحْمِ شَاةٍ بِلَحْمِ شَاةٍ مُتَمَاثِلًا نَقْدًا وَلَا بُدَّ، وَكَذَلِكَ
стр. 3083
لَحْمُ كُلِّ صِنْفٍ بِلَحْمٍ مِنْ صِنْفِهِ وَأَبَاحُوا التَّفَاضُلَ يَدًا بِيَدٍ فِي كُلِّ لَحْمٍ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ، وَالْبَقَرُ عِنْدَهُمْ صِنْفٌ، وَالْغَنَمُ صِنْفٌ آخَرُ، وَالْإِبِلُ صِنْفٌ ثَالِثٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوَانٍ فِي صِنْفِهِ، إلَّا الْحِيتَانُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَإِلَّا لُحُومُ الطَّيْرِ، فَرَأَوْا بَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، لَا نَسِيئَةً، كَلَحْمِ دَجَاجٍ بِلَحْمِ دَجَاجٍ، أَوْ بِلَحْمِ صَيْدٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَرَأَى شَحْمَ الْبَطْنِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ صِنْفًا غَيْرَ لَحْمِهِ، وَغَيْرِ شَحْمِ ظَهْرِهِ.
وَرَأَى الْأَلْيَةَ صِنْفًا آخَرَ غَيْرَ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ.
وَهَذِهِ وَسَاوِسُ لَا نَظِيرَ لَهَا، وَأَقْوَالٌ لَا تُعْقَلُ، وَلَا تُعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ: الْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، وَالْإِبِلُ، وَالْأَرَانِبُ، وَالْأَيَايِلُ، وَحُمُرُ الْوَحْشِ، وَكُلُّ ذِي أَرْبَعٍ، فَلَا يَحِلُّ لَحْمُ شَيْءٍ مِنْهَا بِحَيٍّ مِنْهَا فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَحْمِ أَرْنَبٍ حَيٍّ بِلَحْمِ جَمَلٍ أَصْلًا، وَلَا لَحْمِ جَمَلٍ بِلَحْمِ كَبْشٍ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ.
وَرَأَى الطَّيْرَ كُلَّهُ صِنْفًا وَاحِدًا: الدَّجَاجُ، وَالْحَمَامُ، وَالنَّعَامُ، وَالْإِوَزُّ، وَالْحَجَلُ، وَالْقَطَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَمْ يَجُزْ أَيْضًا لَحْمُ شَيْءٍ مِنْهَا بِحَيٍّ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ وَأَجَازَ فِي لَحْمِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ: التَّمَاثُلَ يَدًا بِيَدٍ، وَمَنَعَ مِنْ التَّفَاضُلِ، فَلَمْ يُجِزْ التَّفَاضُلَ فِي لَحْمِ دَجَاجٍ بِلَحْمِ حُبَارَى وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا.
وَرَأَى الْحِيتَانَ كُلَّهَا صِنْفًا وَاحِدًا كَذَلِكَ أَيْضًا.
وَرَأَى الْجَرَادَ صِنْفًا رَابِعًا عَلَى حِيَالِهِ، هَذَا وَهُوَ عِنْدَهُ صَيْدٌ مِنْ الطَّيْرِ يُجْزِيهِ الْمُحَرَّمَ.
وَحَرَّمَ الْقَدِيدَ النِّيءَ بِاللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ، وَحَرَّمَهُمَا جَمِيعًا بِاللَّحْمِ النِّيءِ الطَّرِيِّ، وَأَجَازَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ بِاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ مِنْ صِنْفِهَا مُتَفَاضِلَةٍ وَمُتَمَاثِلَةٍ يَدًا بِيَدٍ، وَأَجَازَ اللَّحْمَ الْمَطْبُوخَ بِعَسَلٍ بِاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِلَبَنٍ مُتَمَاثِلًا وَمَنَعَ فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ.
وَأَجَازَ شَاةً مَذْبُوحَةً بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ عَلَى التَّحَرِّي وَهَذَا ضِدُّ أَصْلِهِ.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهَا قَبْلَهُ وَلَوْ تَقَصَّيْنَا تَطْوِيلَهُمْ هَهُنَا وَتَنَاقُضَهُ، لَطَالَ جِدًّا وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ.
стр. 3084
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّونَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْتَاعَ الْحَيُّ بِالْمَيِّتِ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَا يَصْلُحُ بِشَاةٍ حَيَّةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنْ لَحْمِ بَعِيرٍ بِشَاةٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَا يَصْلُحُ هَذَا.
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنْ لَا يُبَاعَ حَيٌّ بِمَذْبُوحٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعِيرٍ بِغَنَمٍ مَعْدُودَةٍ إنْ كَانَ يُرِيدُ الْبَعِيرَ لِيَنْحَرَهُ.
وَقَالَ: كَانَ مِنْ مَيْسِرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: أَدْرَكْت النَّاسَ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَيَكْتُبُونَهُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ فِي زَمَنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ وَلَا يَتَرَخَّصُونَ فِيهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ فَمُرْسَلٌ لَمْ يُسْنَدْ قَطُّ، وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ الْمُرْسَلَ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ هَهُنَا بِالْمُرْسَلِ.
ثُمَّ عَجَبٌ آخَرُ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ الْقَائِلِينَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، ثُمَّ خَالَفُوا هَذَا الْمُرْسَلَ الَّذِي لَيْسَ فِي الْمَرَاسِيلِ أَقْوَى مِنْهُ وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ.
ثُمَّ الْمَالِكِيُّونَ: فَعَجَبٌ ثَالِثٌ؛ لِأَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَأَوْهَمُوا أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِهِ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَبَاحُوا لَحْمَ الطَّيْرِ بِالْغَنَمِ، وَهَذَا خِلَافُ الْخَبَرِ وَإِنَّمَا هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ خَالَفَ مَالِكٌ أَيْضًا هَهُنَا مَا رُوِيَ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَعَمَلِ الْوُلَاةِ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا يُعَظِّمُهُ جِدًّا إذَا وَافَقَ رَأْيَهُمْ وَاحْتَجُّوا بِخَبَرِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى إبْرَاهِيمَ،
стр. 3085
وَأَوَّلُ مَنْ أَمَرَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ رِوَايَتُهُ فَمَالِكٌ، ثُمَّ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَهُ فَمَالِكٌ فَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ إذَا رَوَى الثِّقَاتُ خَبَرًا يُخَالِفُ رَأْيَهُمْ تَحَيَّلُوا بِالْأَبَاطِيلِ فِي رَدِّهِ، وَإِذَا رَوَى مَنْ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ مَا يُوَافِقُهُمْ احْتَجُّوا بِهِ، فَأَيُّ دِينٍ يَبْقَى مَعَ هَذَا؟ فَإِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّونَ: مَرَاسِيلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ حُجَّةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: السَّاعَةُ صَارَتْ حُجَّةً؟ فَدُونَكُمْ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ ابْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الْحَيَوَانُ بِالْمَفَاطِيمِ مِنْ الْغَنَمِ فَقُولُوا بِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَلَاعَبْتُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ» .
وَقَدْ رُوِيَتْ فِي هَذِهِ آثَارٌ أَيْضًا بِزِيَادَةٍ، فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ: أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ جَزُورًا فَجَعَلَ يَبِيعُ الْعُضْوَ بِالشَّاةِ، وَبِالْقَلُوصِ، إلَى أَجَلٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِصْمَةَ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ عَمَّنْ اشْتَرَى عُضْوًا مِنْ جَزُورٍ قَدْ نُحِرَتْ بِرِجْلِ عِنَاقٍ وَشُرِطَ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يُرْضِعَهَا حَتَّى تُفْطَمَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَصْلُحُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ اللَّحْمُ بِالشَّاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا عَنْ رَجُلٍ؟ قُلْنَا: وَخَبَرُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي يَحْيَى وَلَيْسَ بِأَوْثَقَ مِمَّنْ سَكَتَ عَنْهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: لَا بَأْسَ بِالشَّاةِ الْقَائِمَةِ بِالْمَذْبُوحَةِ.
[مَسْأَلَة بَيْع الشَّيْء قَبْل قبضه]
١٥٠٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِمَّا يَحِلُّ بَيْعُهُ، حَاشَ الْقَمْحَ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَقَبْضُهُ لَهُ: هُوَ أَنْ يُطْلِقَ يَدَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُدَّةٌ مَا قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِغَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ: حَلَّ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ، وَلَهُ أَنْ يَهَبَهُ، وَأَنْ يُؤَاجِرَ بِهِ، وَأَنْ يُصْدِقَهُ، وَأَنْ يُقْرِضَهُ، وَأَنْ يُسَلِّمَهُ، وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَقَبْلَ أَنْ تُطْلَقَ يَدُهُ عَلَيْهِ.
следующие страницы →