Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
وَإِنْ كَانَ مَالُ الْعَبْدِ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَا لَمْ يَبِعْهُ أَوْ يَنْتَزِعْهُ: فَقَدْ أَجَازُوا الرِّبَا صُرَاحًا.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]
فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، وَنَسْأَلُ مَنْ خَالَفَنَا: أَيُلْزِمُهُمْ دِينَ الْإِسْلَامِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ؟ وَهَلْ هُمْ عَلَى بَاطِلٍ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يُلْزِمُهُمْ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى بَاطِلٍ: كَفَرُوا بِلَا مِرْيَةٍ.
وَإِنْ قَالُوا: يَلْزَمُهُمْ دِينُ الْإِسْلَامِ وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ قَالُوا الْحَقَّ وَرَجَعُوا إلَى قَوْلِنَا، وَلَزِمَهُ إبْطَالُ الْبَاطِلِ، وَفَسْخُ الْحَرَامِ، فَيَهْتَدِي بِهَدْيِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ الْإِقْرَارُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ يُنَفِّذُ الْحُكْمَ بِالْبَاطِلِ، وَيُجِيزُ الْحَرَامَ، وَمَا أَوْرَدْنَا مِنْهُ كُلَّ هَذَا.
فَإِنْ قَالُوا: مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ أَشَدُّ؟ قُلْنَا: إنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ لَا يُفْسَحُ لَهُمْ فِي إعْلَانِهِ، وَقَدْ جَاءَ النَّصُّ بِأَنْ لَا نَجْبُرَهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ.
وَكَذَلِكَ جَاءَ بِأَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَلَا يَحِلُّ تَرْكُ أَحَدِ النَّصَّيْنِ لِلْآخَرِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْحَرْبِيِّ وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا.
[مَسْأَلَة بَيْع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ]
١٥٠٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَجَائِزٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَانَا أَوْ مِنْ نَوْعَيْنِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ نَوْعَيْنِ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا.
وَجَائِزٌ تَسْلِيمُ اللَّحْمِ فِي اللَّحْمِ كَذَلِكَ.
وَتَسْلِيمُ الْحَيَوَانِ فِي اللَّحْمِ، كَلَحْمِ كَبْشٍ بِلَحْمِ كَبْشٍ مُتَفَاضِلًا وَمُتَمَاثِلًا، يَدًا بِيَدٍ،
стр. 3082
وَإِلَى أَجَلٍ وَكَذَلِكَ بِاللَّحْمِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ أَيْضًا وَكَتَسْلِيمِ كَبْشٍ فِي أَرْطَالِ لَحْمِ كَبْشٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى أَجَلٍ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ حَلَالٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]
فَهَذَا كُلُّهُ بَيْعٌ لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ.
وَأَمَّا اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ فَلَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْهُ أَصْلًا، لَا صَحِيحٌ وَلَا سَقِيمٌ مِنْ أَثَرٍ.
وَأَمَّا اللَّحْمُ بِالْحَيَوَانِ فَجَاءَ فِيهِ أَثَرٌ لَا يَصِحُّ.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
وَاخْتَلَفَ الْحَاضِرُونَ عَلَى فِرَقٍ: فَطَائِفَةٌ مَنَعَتْ مِنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ جُمْلَةً، أَيَّ لَحْمٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا، بِأَيِّ حَيَوَانٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا، حَتَّى مَنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ بِاللَّحْمِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ فَرُوِيَ عَنْهُ: أَنْ يُجْمَعَ لُحُومُ الْحَيَوَانِ كُلِّهَا طَائِرَةً وَوَحْشِيَّةً، وَالْأَنْعَامِ، كُلِّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ لَحْمَ كُلِّ نَوْعٍ صِنْفٌ عَلَى حِيَالِهِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي أَنَّهُ لَا يُبَاعُ لَحْمٌ بِلَحْمٍ أَصْلًا حَتَّى يَتَنَاهَى جَفَافُهُ وَيَبَسُهُ؟ فَعَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يُبَاعُ قَدِيدُ غَنَمٍ بِقَدِيدِ إبِلٍ، أَوْ بِقَدِيدِ دَجَاجٍ، أَوْ إوَزٍّ أَوْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ قَدِيدُ غَنَمٍ بِقَدِيدِ غَنَمٍ، إلَّا يَدًا بِيَدٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَجَائِزٌ أَنْ يُبَاعَ بِقَدِيدِ الْبَقَرِ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جَائِزٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، جَائِزٌ كُلُّ ذَلِكَ، كَقَوْلِنَا سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: جَائِزٌ بَيْعُ لَحْمِ شَاةٍ بِشَاةٍ حَيَّةً، إذَا كَانَ اللَّحْمُ أَكْثَرَ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ الْحَيَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ بَيْعَ شَاةٍ بِبَقَرَةٍ حَيَّةً كَيْفَ شَاءُوا.
وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ بَيْعَ لَحْمِ شَاةٍ بِلَحْمِ شَاةٍ مُتَمَاثِلًا نَقْدًا وَلَا بُدَّ، وَكَذَلِكَ
стр. 3083
لَحْمُ كُلِّ صِنْفٍ بِلَحْمٍ مِنْ صِنْفِهِ وَأَبَاحُوا التَّفَاضُلَ يَدًا بِيَدٍ فِي كُلِّ لَحْمٍ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ، وَالْبَقَرُ عِنْدَهُمْ صِنْفٌ، وَالْغَنَمُ صِنْفٌ آخَرُ، وَالْإِبِلُ صِنْفٌ ثَالِثٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوَانٍ فِي صِنْفِهِ، إلَّا الْحِيتَانُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَإِلَّا لُحُومُ الطَّيْرِ، فَرَأَوْا بَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، لَا نَسِيئَةً، كَلَحْمِ دَجَاجٍ بِلَحْمِ دَجَاجٍ، أَوْ بِلَحْمِ صَيْدٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَرَأَى شَحْمَ الْبَطْنِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ صِنْفًا غَيْرَ لَحْمِهِ، وَغَيْرِ شَحْمِ ظَهْرِهِ.
وَرَأَى الْأَلْيَةَ صِنْفًا آخَرَ غَيْرَ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ.
وَهَذِهِ وَسَاوِسُ لَا نَظِيرَ لَهَا، وَأَقْوَالٌ لَا تُعْقَلُ، وَلَا تُعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ كُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ: الْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، وَالْإِبِلُ، وَالْأَرَانِبُ، وَالْأَيَايِلُ، وَحُمُرُ الْوَحْشِ، وَكُلُّ ذِي أَرْبَعٍ، فَلَا يَحِلُّ لَحْمُ شَيْءٍ مِنْهَا بِحَيٍّ مِنْهَا فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَحْمِ أَرْنَبٍ حَيٍّ بِلَحْمِ جَمَلٍ أَصْلًا، وَلَا لَحْمِ جَمَلٍ بِلَحْمِ كَبْشٍ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ.
وَرَأَى الطَّيْرَ كُلَّهُ صِنْفًا وَاحِدًا: الدَّجَاجُ، وَالْحَمَامُ، وَالنَّعَامُ، وَالْإِوَزُّ، وَالْحَجَلُ، وَالْقَطَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَمْ يَجُزْ أَيْضًا لَحْمُ شَيْءٍ مِنْهَا بِحَيٍّ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ وَأَجَازَ فِي لَحْمِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ: التَّمَاثُلَ يَدًا بِيَدٍ، وَمَنَعَ مِنْ التَّفَاضُلِ، فَلَمْ يُجِزْ التَّفَاضُلَ فِي لَحْمِ دَجَاجٍ بِلَحْمِ حُبَارَى وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا.
وَرَأَى الْحِيتَانَ كُلَّهَا صِنْفًا وَاحِدًا كَذَلِكَ أَيْضًا.
وَرَأَى الْجَرَادَ صِنْفًا رَابِعًا عَلَى حِيَالِهِ، هَذَا وَهُوَ عِنْدَهُ صَيْدٌ مِنْ الطَّيْرِ يُجْزِيهِ الْمُحَرَّمَ.
وَحَرَّمَ الْقَدِيدَ النِّيءَ بِاللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ، وَحَرَّمَهُمَا جَمِيعًا بِاللَّحْمِ النِّيءِ الطَّرِيِّ، وَأَجَازَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ بِاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ مِنْ صِنْفِهَا مُتَفَاضِلَةٍ وَمُتَمَاثِلَةٍ يَدًا بِيَدٍ، وَأَجَازَ اللَّحْمَ الْمَطْبُوخَ بِعَسَلٍ بِاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِلَبَنٍ مُتَمَاثِلًا وَمَنَعَ فِيهِ مِنْ التَّفَاضُلِ.
وَأَجَازَ شَاةً مَذْبُوحَةً بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ عَلَى التَّحَرِّي وَهَذَا ضِدُّ أَصْلِهِ.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهَا قَبْلَهُ وَلَوْ تَقَصَّيْنَا تَطْوِيلَهُمْ هَهُنَا وَتَنَاقُضَهُ، لَطَالَ جِدًّا وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ.
стр. 3084
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّونَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْتَاعَ الْحَيُّ بِالْمَيِّتِ» قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَا يَصْلُحُ بِشَاةٍ حَيَّةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنْ لَحْمِ بَعِيرٍ بِشَاةٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَا يَصْلُحُ هَذَا.
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنْ لَا يُبَاعَ حَيٌّ بِمَذْبُوحٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعِيرٍ بِغَنَمٍ مَعْدُودَةٍ إنْ كَانَ يُرِيدُ الْبَعِيرَ لِيَنْحَرَهُ.
وَقَالَ: كَانَ مِنْ مَيْسِرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ.
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: أَدْرَكْت النَّاسَ يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَيَكْتُبُونَهُ فِي عُهُودِ الْعُمَّالِ فِي زَمَنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ وَلَا يَتَرَخَّصُونَ فِيهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ فَمُرْسَلٌ لَمْ يُسْنَدْ قَطُّ، وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّ الْمُرْسَلَ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ، ثُمَّ أَخَذَ هَهُنَا بِالْمُرْسَلِ.
ثُمَّ عَجَبٌ آخَرُ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ الْقَائِلِينَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، ثُمَّ خَالَفُوا هَذَا الْمُرْسَلَ الَّذِي لَيْسَ فِي الْمَرَاسِيلِ أَقْوَى مِنْهُ وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ.
ثُمَّ الْمَالِكِيُّونَ: فَعَجَبٌ ثَالِثٌ؛ لِأَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَأَوْهَمُوا أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِهِ، وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَبَاحُوا لَحْمَ الطَّيْرِ بِالْغَنَمِ، وَهَذَا خِلَافُ الْخَبَرِ وَإِنَّمَا هُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ خَالَفَ مَالِكٌ أَيْضًا هَهُنَا مَا رُوِيَ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَعَمَلِ الْوُلَاةِ بِالْمَدِينَةِ، وَهَذَا يُعَظِّمُهُ جِدًّا إذَا وَافَقَ رَأْيَهُمْ وَاحْتَجُّوا بِخَبَرِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى إبْرَاهِيمَ،
стр. 3085
وَأَوَّلُ مَنْ أَمَرَ أَنْ لَا تُؤْخَذَ رِوَايَتُهُ فَمَالِكٌ، ثُمَّ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَهُ فَمَالِكٌ فَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْمُسْلِمِينَ إذَا رَوَى الثِّقَاتُ خَبَرًا يُخَالِفُ رَأْيَهُمْ تَحَيَّلُوا بِالْأَبَاطِيلِ فِي رَدِّهِ، وَإِذَا رَوَى مَنْ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِالْكَذِبِ مَا يُوَافِقُهُمْ احْتَجُّوا بِهِ، فَأَيُّ دِينٍ يَبْقَى مَعَ هَذَا؟ فَإِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّونَ: مَرَاسِيلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ حُجَّةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ؟ قُلْنَا لَهُمْ: السَّاعَةُ صَارَتْ حُجَّةً؟ فَدُونَكُمْ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ ابْنِ حَرْمَلَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الْحَيَوَانُ بِالْمَفَاطِيمِ مِنْ الْغَنَمِ فَقُولُوا بِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَلَاعَبْتُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ» .
وَقَدْ رُوِيَتْ فِي هَذِهِ آثَارٌ أَيْضًا بِزِيَادَةٍ، فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ: أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ جَزُورًا فَجَعَلَ يَبِيعُ الْعُضْوَ بِالشَّاةِ، وَبِالْقَلُوصِ، إلَى أَجَلٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِصْمَةَ سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ عَمَّنْ اشْتَرَى عُضْوًا مِنْ جَزُورٍ قَدْ نُحِرَتْ بِرِجْلِ عِنَاقٍ وَشُرِطَ عَلَى صَاحِبِهَا أَنْ يُرْضِعَهَا حَتَّى تُفْطَمَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَصْلُحُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ اللَّحْمُ بِالشَّاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا عَنْ رَجُلٍ؟ قُلْنَا: وَخَبَرُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي يَحْيَى وَلَيْسَ بِأَوْثَقَ مِمَّنْ سَكَتَ عَنْهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: لَا بَأْسَ بِالشَّاةِ الْقَائِمَةِ بِالْمَذْبُوحَةِ.
[مَسْأَلَة بَيْع الشَّيْء قَبْل قبضه]
١٥٠٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَمَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِمَّا يَحِلُّ بَيْعُهُ، حَاشَ الْقَمْحَ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَقَبْضُهُ لَهُ: هُوَ أَنْ يُطْلِقَ يَدَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُدَّةٌ مَا قَلَّتْ أَمْ كَثُرَتْ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِغَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ: حَلَّ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَهُ، وَلَهُ أَنْ يَهَبَهُ، وَأَنْ يُؤَاجِرَ بِهِ، وَأَنْ يُصْدِقَهُ، وَأَنْ يُقْرِضَهُ، وَأَنْ يُسَلِّمَهُ، وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَقَبْلَ أَنْ تُطْلَقَ يَدُهُ عَلَيْهِ.
стр. 3086
فَإِنْ مَلَكَ شَيْئًا مَا أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِمَّا يَحِلُّ بَيْعُهُ بِغَيْرِ الْبَيْعِ، لَكِنْ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ سَلَمٍ، أَوْ أَرْشٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَأَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالْإِصْدَاقِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، حَاشَ الْقَمْحَ.
وَأَمَّا الْقَمْحُ: فَإِنَّهُ بِأَيِّ وَجْهٍ مَلَكَهُ مِنْ: بَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ إجَارَةٍ، أَوْ أَرْشٍ، أَوْ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا بِأَنْ لَا يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى الْقَمْحَ خَاصَّةً جُزَافًا، فَلَا يَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَحَتَّى يَنْقُلَهُ وَلَا بُدَّ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ إلَى مَكَان آخَرَ قَرِيبٍ مُلَاصِقٍ أَوْ بَعِيدٍ.
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَى الْقَمْحَ خَاصَّةً بِكَيْلٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ، فَإِذَا اكْتَالَهُ حَلَّ لَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ.
وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ فِي كَيْلِهِ وَحَتَّى لَوْ اكْتَالَهُ الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ يَرَاهُ وَيُشَاهِدُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكْتَالَ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ، وَجَائِزٌ لَهُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا أَنْ يَهَبَهُ، وَأَنْ يُصْدِقَهُ، وَأَنْ يُؤَاجِرَ بِهِ، وَأَنْ يُصَالِحَ، وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَأَنْ يُقْرِضَهُ قَبْلَ، أَنْ يَكْتَالَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يَنْقُلَهُ جُزَافًا اشْتَرَاهُ أَوْ بِكَيْلٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي غَيْرِ الْقَمْحِ أَصْلًا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا أُبَيٌّ أَنَا حَيَّانُ بْنُ هِلَالٍ أَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ حَدَّثَهُ: أَنَّ «حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَجُلٌ أَشْتَرِي هَذِهِ الْبُيُوعَ، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيَّ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ»
فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ بَيْعٍ، وَلِكُلِّ ابْتِيَاعٍ، وَتَخْصِيصٌ لَهُمَا مِمَّا لَيْسَا بَيْعًا وَلَا ابْتِيَاعًا، وَجَوَابٌ مِنْهُ ﵇ إذْ سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُمُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ هَذَا الْخَبَرَ مُضْطَرِبٌ.
لِأَنَّكُمْ رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيِّ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ إخْوَانِنَا حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِصْمَةَ الْجُشَمِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ نَذْكُرُ هَذَا الْخَبَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ مَتْرُوكٌ؟
стр. 3087
قُلْنَا: نَعَمْ، إلَّا أَنَّ هَمَّامَ بْنَ يَحْيَى رَوَاهُ كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَسَمَّى ذَلِكَ الرَّجُلَ مِنْ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ هِشَامٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ وَيَعْلَى ثِقَةٌ وَذَكَرَ فِيهِ: أَنَّ يُوسُفَ سَمِعَهُ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِذَا سَمِعَهُ مِنْ حَكِيمٍ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَسْمَعَهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ حَكِيمٍ عَنْ حَكِيمٍ، فَصَارَ حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ لَغْوًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَتْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ فَهُوَ الطَّعَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ: وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا مِثْلَهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَانِ صَحِيحَانِ: إلَّا أَنَّهُمَا بَعْضُ مَا فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَحَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ دَخَلَ فِيهِ: الطَّعَامُ وَغَيْرُ الطَّعَامِ، فَهُوَ أَعَمُّ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ حُكْمًا لَيْسَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا أَبُو بِشْرٍ هُوَ ابْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ «عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَسْأَلُنِي الْمَرْءُ الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَبِيعُهُ مِنْهُ ثُمَّ أَبْتَاعُ لَهُ مِنْ السُّوقِ؟ فَقَالَ ﵇: لَا تَبْتَعْ مَا لَيْسَ عِنْدِكَ»
стр. 3088
قُلْنَا: نَعَمْ، وَبِهِ نَقُولُ هُوَ بَيِّنٌ كَمَا تَسْمَعُ، إنَّمَا نَهْي عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ فِي مِلْكٍ كَمَا فِي الْخَبَرِ نَصًّا، وَإِلَّا فَكُلُّ مَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ فَهُوَ عِنْدَهُ وَلَوْ أَنَّهُ بِالْهِنْدِ يَقُولُ: عِنْدِي ضَيْعَةٌ سَرِيَّةٌ، وَعِنْدِي فَرَسٌ فَارَّةٌ وَسَوَاءٌ عِنْدَنَا كَانَ مَغْصُوبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ عِنْدَ صَاحِبِهِ، أَيْ فِي مِلْكِهِ وَلَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّكُمْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد أَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِيهِ حَتَّى ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحٍ مَا لَمْ يَضْمَنْ وَلَا بَيْعٌ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»
قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا صَحِيحٌ، وَبِهِ نَأْخُذُ، وَلَا نَعْلَمُ لِعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ حَدِيثًا مُسْنَدًا إلَّا هَذَا وَحْدَهُ، وَآخَرُ فِي الْهِبَاتِ رَوَاهُ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَنْعِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَاتِ إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا أَعْطَى وَلَدَهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ إلَّا الَّذِي فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ لَكَ فَقَطْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي هَذَا: ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ.
وَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَا تَبِعْ بَيْعًا حَتَّى تَقْبِضَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرُ لِعُمَرَ: إنَّهُ تُزَيَّفُ عَلَيْنَا أَوْرَاقٌ فَنُعْطِي الْخَبِيثَ وَنَأْخُذُ الطَّيِّبَ؟ قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا،
стр. 3089
وَلَكِنْ انْطَلِقْ إلَى الْبَقِيعِ فَبِعْ وَرِقَكَ بِثَوْبٍ أَوْ عَرَضٍ، فَإِذَا قَبَضَتْ وَكَانَ لَك فَبِعْهُ وَذَكَرَ الْخَبَرَ.
فَهَذَا عُمَرُ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْقَبْضَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ الشَّيْءُ لِلْمَرْءِ وَقَوْلُنَا فِي هَذَا كَقَوْلِ الْحَسَنِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ
وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا هُوَ فِي الطَّعَامِ فَقَطْ يَعْنِي أَنْ لَا يُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَقَطْ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: لَا بَأْسَ إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ الْبَيْعَ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مَا خَلَا الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَبْتَاعَ الرَّجُلُ بَيْعًا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ بِنَقْدٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَإِبْرَاهِيمَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَذَكَرَهُ النَّخَعِيُّ عَمَّنْ لَقِيَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: جَائِزٌ بَيْعُ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا مُلِكَ بِعَقْدٍ يُنْتَقَضُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ: كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، إلَّا الْعَقَارَ: فَجَائِزٌ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
قَالَ: وَكُلُّ مَا مُلِكَ بِعَقْدٍ لَا يُنْتَقَضُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ: فَجَائِزٌ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالصَّدَاقِ، وَالْجُعْلِ، وَالْخُلْعِ، وَنَحْوِهِ وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا يُؤْكَلُ وَالْمَاءُ: فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَمَا عَدَا هَذَيْنِ فَجَائِزٌ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: كُلُّ مَا يُؤْكَلُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْمَاءُ: فَبَيْعُهُ جَائِزٌ قَبْلَ قَبْضِهِ وَجَعَلَ فِي كِلَا قَوْلَيْهِ: زَرِيعَةَ الْفُجْلِ الْأَبْيَضِ، وَزَرِيعَةَ الْجَزَرِ، وَزَرِيعَةَ السَّلْقِ: لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا قَبْلَ الْقَبْضِ؟ فَقُلْنَا: هَذَا لَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ أَصْلًا، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرْتُمْ عَلَى
стр. 3090
الشَّافِعِيِّ فِي إدْخَالِهِ السَّقَمُونْيَا فِيمَا يُؤْكَلُ؟ فَقَالُوا: إنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهَا مَا يُؤْكَلُ؟ فَقُلْنَا: وَالشَّجَرُ يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يُؤْكَلُ فَامْنَعُوا مِنْ بَيْعِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، فَانْقَطَعُوا وَمَا نَعْلَمُ قَوْلَهُمْ هَذَا كُلَّهُ كَمَا هُوَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ.
وَخَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ هَهُنَا كُلَّ قَوْلٍ رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَلَمْ يُجِزْ بَيْعَ مَا مُلِكَ بِبَيْعٍ، أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خُلْعٍ، قَبْلَ الْقَبْضِ أَصْلًا وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ بِلَا دَلِيلٍ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا النِّكَاحَ وَالْخُلْعَ عَلَى الْبَيْعِ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ يَجُوزُ بِلَا مَهْرٍ يُذْكَرُ أَصْلًا، وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ يُذْكَرُ، وَالنِّكَاحُ لَمْ يُمْلَكْ بِصَدَاقِ رَقَبَةِ شَيْءٍ أَصْلًا، وَالْخُلْعُ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
أَمَّا حُكْمُ الْقَمْحِ: فَاَلَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا فِي الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بِهَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ فَهُوَ الطَّعَامُ، فَهَذَا تَخْصِيصٌ لِلطَّعَامِ فِي الْبَيْعِ خَاصَّةً وَعُمُومٌ لَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ مُلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ خَصَّصْتُمْ الْقَمْحَ بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الطَّعَامِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ فِي اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُطْلَقُ هَذَا إلَّا عَلَى الْقَمْحِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ بِإِضَافَةٍ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَأَرَادَ الذَّبَائِحَ لَا مَا يَأْكُلُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ، وَالدَّمَ، وَالْخِنْزِيرَ، وَلَمْ يَحِلَّ لَنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَطُّ.
وَقَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] فَذَكَرَ تَعَالَى الطُّعْمَ فِي الْمَاءِ بِإِضَافَةٍ، وَلَا يُسَمَّى الْمَاءُ طَعَامًا.
стр. 3091
وَقَالَ لَقِيطُ بْنُ مَعْمَرٍ الْإِيَادِيُّ جَاهِلِيٌّ فَصِيحٌ فِي شِعْرٍ لَهُ مَشْهُورٌ:
لَا يَطْعَمُ النَّوْمَ إلَّا رَيْثَ يَبْعَثُهُ ... هَمٌّ يَكَادُ جَوَاهُ يَحْطِمُ الضِّلْعَا
فَأَضَافَ الطُّعْمَ إلَى النَّوْمِ وَالنَّوْمُ لَيْسَ طَعَامًا بِلَا شَكٍّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ، فَذَكَرَ الطَّعَامَ فِي الشَّعِيرِ فِي إضَافَةٍ لَا بِإِطْلَاقٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَوْلَهُ: كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ: صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ فَلَمْ يُطْلِقْ الطَّعَامَ إلَّا عَلَى الْقَمْحِ وَحْدَهُ.
لَا عَلَى الشَّعِيرِ وَلَا غَيْرِهِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا يَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: عَرَضَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ زَيْتًا لَهُ؟ فَقُلْت لَهُ: إنَّ أَصْحَابَ الزَّيْتِ قَلَّمَا يَسْتَوْفُونَ حَتَّى يَبِيعُونَ، فَقَالَ: إنَّمَا سُمِّيَ الطَّعَامُ أَيْ إنَّمَا أَمَرَ بِالْبَيْعِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ فِي الطَّعَامِ فَلَمْ يَرَ الزَّيْتَ طَعَامًا.
وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: حُجَّتَانِ فِي اللُّغَةِ قَاطِعَتَانِ؛ لَا سِيَّمَا وَعَبْدُ اللَّهِ هُذَلِيٌّ قَبِيلَةٌ مُجَاوِرَةٌ لِلْحَرَمِ فَلُغَتُهُمْ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا: إنَّ الطَّعَامَ بِإِطْلَاقٍ إنَّمَا هُوَ الْقَمْحُ وَحْدَهُ: أَبُو ثَوْرٍ
وَأَمَّا الْقَمْحُ يُشْتَرَى جُزَافًا فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ حَتَّى يُقْبَضَ وَيُنْقَلَ عَنْ مَوْضِعِهِ: فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَنَا إِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ «عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ» .
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ أَنَا أَبِي أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ
стр. 3092
قَالَ وَكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ»
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جُزَافًا أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ ﵇ يَضْرِبُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى شَرِيعَةٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا فِي الْأَسْوَاقِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ أَصْلًا فَصَحَّ أَنَّهُ جُرْمٌ كَبِيرٌ لَا يُرَخِّصُ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ فِي بَعْضِ مَا رَوَيْتُمْ " حَتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ "؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَكُلُّ مَكَان رَحَّلَهُ إلَيْهِ فَهُوَ رَحْلٌ لَهُ إذَا كَانَ مُبَاحًا لَهُ أَنْ يُرَحِّلَهُ إلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْجُزَافَ؟ قُلْنَا: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَ مَالِكٍ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُوَ دُونَهُ أَصْلًا وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرَ فِيهِ الْجُزَافَ.
وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ كَمَا أَوْرَدْنَا فَذَكَرَ فِيهِ الْجُزَافَ وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ بِلَا شَكٍّ.
وَجُمْهُورُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ ذَكَرُوا فِيهِ عَنْهُ الْجُزَافَ، كَمَا ذَكَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ، وَإِنَّمَا أَسْقَطَ ذِكْرَ الْجُزَافِ: الْقَعْنَبِيُّ، وَيَحْيَى، فَقَطْ فَصَحَّ أَنَّهُمَا وَهُمَا فِيهِ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ خَبَرُ وَاحِدٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَإِنَّمَا كَانَ يَصِحُّ الْأَخْذُ بِرِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، وَيَحْيَى، لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَا خَبَرَيْنِ اثْنَيْنِ عَنْ مُوَطِّئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَقَوْلُنَا هَهُنَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ، وَلَا نَعْلَمُ لِمُقَلِّدِهِ وَلَا لَهُ حُجَّةً أَصْلًا
стр. 3093
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الْقَمْحُ يَبْتَاعُهُ الْمَرْءُ بِكَيْلٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَكْتَالُهُ الَّذِي يَبِيعُ مِنْهُ وَلَا بُدَّ سَوَاءً حَضَرَا كِلَاهُمَا كَيْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَحْضُرَا، فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَا مُسْلِمٌ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ أَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ الزِّيَادَةُ وَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ» .
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا شَرِيكٌ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَيَانٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ اشْتَرَى الطَّعَامَ وَقَدْ شَهِدَ كَيْلَهُ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُطَرِّفٍ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ قُلْت لِلشَّعْبِيِّ: أَكُونُ شَاهِدَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُكَالُ فَأَشْتَرِيهِ، آخُذُهُ بِكَيْلِهِ؟ فَقَالَ: مَعَ كُلِّ صَفْقَةٍ كَيْلَةٌ
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا مَرْوَانُ عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى آلِ سَعْدٍ قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: رَجُلٌ ابْتَاعَ طَعَامًا فَاكْتَالَهُ، أَيَصْلُحُ لِي أَنْ اشْتَرِيهِ بِكَيْلِ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يُكَالَ بَيْنَ يَدَيْك وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: هَذَا رِبًا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ حَيَّانَ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا طَعَامًا وَالْآخَرُ مَعَهُ؟ فَقَالَ: قَدْ شَهِدْت الْبَيْعَ وَالْقَبْضَ؟ فَقَالَ: خُذْ مِنِّي رِبْحًا وَأَعْطِنِيهِ فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، فَتَكُونُ لَك زِيَادَتُهُ وَعَلَيْك نُقْصَانُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ عُمَرَ أَبِي حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْت الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَسُئِلَ عَمَّنْ اشْتَرَى طَعَامًا مَا وَهُوَ يَنْظُرُ إلَى كَيْلِهِ؟ قَالَ: لَا، حَتَّى يَكِيلَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: فِي السَّنَةِ الَّتِي مَضَتْ: إنَّ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا أَوْ وَدَكًا كَيْلًا أَنْ يَكْتَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ، فَإِذَا بَاعَهُ
стр. 3094
اُكْتِيلَ مِنْهُ أَيْضًا إذَا بَاعَهُ كَيْلًا وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا بِيعَ بِالنَّقْدِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَدِّقَ الْبَائِعَ فِي كَيْلِهِ وَلَا يَكْتَالُهُ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَخَالَفَ فِيهِ صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ، وَخَالَفَ فِيهِ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ، وَمَا نَعْلَمُ لِقَوْلِهِ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ نَصِّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْفٍ الطَّائِيِّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ أَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِي، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِكَ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعَ حَتَّى تَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ» ؟ قُلْنَا: هَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَبِاَللَّهِ لَوْ صَحَّ عِنْدَنَا لَسَارَعْنَا إلَى الْأَخْذِ بِهِ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا يَسَّرَنَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَمَنْ فَعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ فُسِخَ أَبَدًا، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ الْخَبَرَ ضَرَبَ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَرَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَ ﵇: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»
[مَسْأَلَة الشَّرِكَة وَالْإِقَالَة والتولية كُلّهَا بُيُوع مُبْتَدَأَة]
١٥٠٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَالشَّرِكَةُ، وَالْإِقَالَةُ، وَالتَّوْلِيَةُ: كُلُّهَا بُيُوعٌ مُبْتَدَأَةٌ لَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الْبُيُوعِ لَا تَحَاشَ، شَيْئًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِنَا فِي الشَّرِكَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ.
وَقَالُوا: الْإِقَالَةُ فَسْخُ بَيْعٍ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا، وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ: كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ
стр. 3095
الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ قَبْلَ الِاكْتِيَالِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ فِيهِ بِالشَّرِكَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَالْإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقَبْلَ الِاكْتِيَالِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ فِي التَّوْلِيَةِ فَقَطْ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ حَدِيثًا مُسْتَفَاضًا فِي الْمَدِينَةِ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَيَسْتَوْفِيَهُ، إلَّا أَنْ يُشْرِكَ فِيهِ أَوْ يُوَلِّيَهُ أَوْ يَقْبَلَهُ» .
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ، وَالْإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ يَعْنِي قَبْلَ الْقَبْضِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَا نَعْلَمُ رُوِيَ هَذَا إلَّا عَنْ رَبِيعَةَ، وَعَنْ طَاوُسٍ فَقَطْ - وَقَوْلُهُ عَنْ الْحَسَنِ فِي التَّوْلِيَةِ قَدْ جَاءَ عَنْهُ خِلَافُهَا.
قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا خَبَرُ رَبِيعَةَ فَمُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، وَلَوْ اسْتَنَدَ لَسَارَعْنَا إلَى الْأَخْذِ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ اسْتِفَاضَتُهُ عَنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ لَكَانَ الزُّهْرِيُّ أَوْلَى بِأَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ مِنْ رَبِيعَةَ، فَبَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْبَابِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وَالزُّهْرِيُّ مُخَالِفٌ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: التَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا تَوْلِيَةَ حَتَّى يُقْبَضَ وَيُكَالَ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ قَالَ: سَأَلْت الْحَسَنَ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيُوَلِّيهِ الرَّجُلَ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الشَّعْشَاعِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَبِرَأْيِك تَقُولُهُ؟ قَالَ: لَا أَقُولُهُ بِرَأْيِي، وَلَكِنَّا أَخَذْنَاهُ عَنْ سَلَفِنَا، وَأَصْحَابِنَا
قَالَ عَلِيٌّ: سَلَفُ الْحَسَنِ هُمْ الصَّحَابَةُ ﵃، أَدْرَكَ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةِ صَاحِبٍ وَأَكْثَرَ، وَغَزَا مَعَ مِئِينَ مِنْهُمْ وَأَصْحَابُهُ هُمْ أَكَابِرُ التَّابِعِينَ، فَلَوْ أَقْدَمَ امْرُؤٌ عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ هَهُنَا لَكَانَ أَصَحَّ مِنْ الْإِجْمَاعِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ بِلَا شَكٍّ وَمِنْ طَرِيقِ
стр. 3096
عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ وَفِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ، قَالَ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَقَالَ فِطْرٌ: عَنْ الْحَكَمِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ: عَلَى أَنَّ التَّوْلِيَةَ بَيْعٌ، قَالَ سُفْيَانُ: وَنَحْنُ نَقُولُ: وَالشَّرِكَةُ بَيْعٌ، وَلَا يُشْرِكُ حَتَّى يَقْبِضَ فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ كَمَا تَرَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الشَّرِكَةُ، وَالتَّوْلِيَةُ، إنَّمَا هُوَ نَقْلُ مِلْكِ الْمَرْءِ عَيْنًا مَا صَحَّ مِلْكُهُ لَهَا، أَوْ بَعْضَ عَيْنٍ مَا صَحَّ مِلْكُهُ لَهَا إلَى مِلْكٍ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ مُسَمًّى وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ نَفْسُهُ، لَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ أَلْبَتَّةَ إلَّا لِلْبَيْعِ، وَلَا يَكُونُ بَيْعٌ أَصْلًا إلَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَصَحَّ أَنَّهُمَا بَيْعٌ صَحِيحٌ، وَهُمْ لَا يُخَالِفُونَنَا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَا هَهُنَا فَقَطْ وَهَذَا تَخْصِيصٌ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ: فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالْمُرْسَلِ وَنَقَضُوا هَهُنَا أَصْلَهُمْ، فَتَرَكُوا مُرْسَلَ رَبِيعَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَمَا نَعْلَمُ الْمَالِكِيِّينَ احْتَجُّوا بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: الشَّرِكَةُ، وَالتَّوْلِيَةُ، وَالْإِقَالَةُ مَعْرُوفٌ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَالْبَيْعُ أَيْضًا مَعْرُوفٌ، وَمَا عَهِدَنَا الْمَعْرُوفَ تُبَاحُ فِيهِ مُحَرَّمَاتٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ مُنْكَرًا لَا مَعْرُوفًا.
وَسَنَتَكَلَّمُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِقَالَةِ إثْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَسْأَلَةٍ مُفْرَدَةٍ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
[مَسْأَلَة الْإِقَالَة بَيْع أُمّ فَسْخ]
١٥١٠ - مَسْأَلَةٌ:
وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَضُّ عَلَيْهَا: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ»
стр. 3097
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَيْسَتْ بَيْعًا، إنَّمَا هِيَ فَسْخُ بَيْعٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ بَعْدَ الْقَبْضِ بَيْعٌ، وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهَا بَيْعٌ.
وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَسْخُ بَيْعٍ: فَأَمَّا تَقْسِيمُ أَبِي يُوسُفَ فَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَتَقْسِيمٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لَيْسَتْ بَيْعًا، فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّاهَا بِاسْمِ الْإِقَالَةِ، وَاتَّبَعَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُسَمِّهَا ﵇ بَيْعًا، وَالتَّسْمِيَةُ فِي الدِّينِ لَا تُؤْخَذُ إلَّا عَنْهُ ﵇، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى بَيْعًا؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يُسَمِّهَا هَذَا الِاسْمَ.
وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ، وَالْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ، فَصَحَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بَيْعًا، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَاتَيْنِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتِجَاجُهُمْ بِالتَّسْمِيَةِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَوْلُهُمْ حَقٌّ، إلَّا أَنَّنَا لَا نُسَلِّمُ لَهُمْ أَنَّهُ ﵇ سَمَّى إقَالَةً: فِعْلَ مَنْ بَاعَ مِنْ آخَرَ بَيْعًا ثُمَّ اسْتَقَالَهُ فِيهِ، فَرَدَّ إلَيْهِ مَا ابْتَاعَ مِنْهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ ﵇ لَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ بَيْعًا، وَلَا يَجِدُونَ هَذَا أَبَدًا، لَا فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ وَهَذَا الْخَبَرُ الْمُرْسَلُ مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ لَوْ شِئْنَا أَنْ نَسْتَدِلَّ مِنْهُ بِأَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ لَفَعَلْنَا؛ لِأَنَّهُ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا مَنْ أَشْرَكَ، أَوْ وَلَّى، أَوْ أَقَالَ فَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهَا بُيُوعٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْبُيُوعِ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَكَرْنَا فَإِنَّمَا فِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْإِقَالَةِ فَقَطْ، وَالْإِقَالَةُ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ، لَكِنْ فِي الْهِبَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَا فِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تُسَمَّى بَيْعًا، وَلَا لَهَا حُكْمُ الْبَيْعِ فَبَطَلَ مَا صَدَّرُوا بِهِ مِنْ هَذَا الِاحْتِجَاجِ الصَّحِيحِ أَصْلَهُ الْمَوْضُوعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَبَاطِلٌ، وَإِقْدَامٌ عَلَى الدَّعْوَى عَلَى الْأُمَّةِ، وَمَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ قَطُّ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ، فَكَيْفَ عَلَى الْإِقَالَةِ فِيهِ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ،
стр. 3098
وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ وَطَاوُسٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَةَ: أَنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ أَخْذِ بَعْضِ السَّلَمِ، وَالْإِقَالَةِ فِي بَعْضِهِ، فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ؟ فَلَيْتَ شِعْرِي هَلْ تُقِرُّوا جَمِيعَ الصَّحَابَةِ أَوَّلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ حَتَّى أَيْقَنُوا بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ؟ أَمْ تُقِرُّوا جَمِيعَ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ مِنْ أَقْصَى خُرَاسَانَ إلَى الْأَنْدَلُسِ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ هَذَا وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَبَدًا فَمَا يَخْتَلِفُ مُسْلِمَانِ فِي أَنَّ مِنْ الْجِنِّ قَوْمًا صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَآمَنُوا بِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ، لِتَكْذِيبِهِ الْقُرْآنَ، فَلِأُولَئِكَ الْجِنِّ مِنْ الْحَقِّ وَوُجُوبِ التَّعْظِيمِ مِنَّا، وَمِنْ مَنْزِلَةِ الْعِلْمِ، وَالدِّينِ، مَا لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ ﵃، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَمَنْ لَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ؟ وَرَحِمَ اللَّهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَلَقَدْ صَدَقَ إذْ يَقُولُ: مَنْ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ، مَا يُدْرِيهِ لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا؟ لَكِنْ لِيَقُلْ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا، هَذِهِ أَخْبَارُ الْمَرِيسِيِّ، وَالْأَصَمِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا تَحِلُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا تُيُقِّنَ أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ ﵃ عَرَفُوهُ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ عَنْهُمْ وَأَقَرُّوا بِهِ وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ مَنْ خَالَفَهُ كَافِرًا خَارِجًا عَنْ الْإِسْلَامِ، كَشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَالْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَجُمْلَةِ الزَّكَاةِ، وَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَمِنْ الْجَنَابَةِ، وَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ؛ وَالدَّمِ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ فَقَطْ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ لَكَانَ بَيْعًا مُسْتَثْنًى بِالْإِجْمَاعِ مِنْ جُمْلَةِ الْبُيُوعِ، فَكَيْفَ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا أَسْلَفْت فِي شَيْءٍ إلَى أَجَلٍ فَسَمِّي فَجَاءَ ذَلِكَ الْأَجَلُ وَلَمْ تَجِدْ الَّذِي أَسْلَفْت فِيهِ: فَخُذْ عَرَضًا بِأَنْقَصَ وَلَا تَرْبَحْ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ يُفْتِ بِالْإِقَالَةِ.
стр. 3099
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ فِي السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ، وَبَيْعُ غَرَرٍ، وَبَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعٌ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي أَيَّمَا فِي الْعَالَمِ هُوَ؟ وَهَذَا هُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِجَوَازِهِ نَصٌّ فَيَسْتَثْنِيهِ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ مَا أَسَلَفَ فِيهِ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يُوجَدَ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِصَاصًا وَمُعَاقَبَةً مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَتَرَاضَيَا بِهِ: قِيمَةَ مَا وَجَبَ لَهُ عِنْدَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَحَرِيمَةُ الْمَالِ حُرْمَةٌ مُحَرَّمَةٌ يَجِبُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهَا، فَإِنْ أَرَادَ الْإِحْسَانَ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ عِنْدَهُ، أَوْ يَأْخُذَ بَعْضَ مَا لَهُ عِنْدَهُ، أَوْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا شَاءَ مِنْهُ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ فِي الْمُفْلِسِ إذْ قَالَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ» ثُمَّ قَالَ ﵇: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ»
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ " فِي التَّفْلِيسِ " وَفِي " الْجَوَائِحِ " مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذَا بَطَلَ كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ فَلِنَقُلْ عَلَى تَصْحِيحِ قَوْلِنَا بِعَوْنِ اللَّه تَعَالَى، فَنَقُولُ، وَبِهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ: إنَّ الْإِقَالَةَ لَوْ كَانَتْ فَسْخُ بَيْعٍ لَمَا جَازَتْ إلَّا بِرَدِّ عَيْنِ الثَّمَنِ نَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ وَلَا بُدَّ لَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ حَبِيبٍ: كُنَّا نَخْتَلِفُ إلَى السَّوَادِ فِي الطَّعَامِ وَهُوَ أَكْدَاسٌ قَدْ حُصِدَ فَنَشْتَرِيهِ مِنْهُمْ الْكُرَّ بِكَذَا وَكَذَا، وَنَنْقُدُ أَمْوَالَنَا، فَإِذَا أَذِنَ لَهُمْ الْعُمَّالُ فِي الدِّرَاسِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَفِي لَنَا بِمَا سُمِّيَ لَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَقَصَ طَعَامُهُ فَيَطْلُبُ إلَيْنَا أَنْ نَرْتَجِعَ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ رُءُوسُ أَمْوَالِنَا، فَسَأَلْت الْحَسَنَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَكَرِهَهُ إلَّا أَنْ يُسْتَوْفَى مَا سُمِّيَ لَنَا، أَوْ نَرْتَجِعَ أَمْوَالَنَا كُلَّهَا، وَسَأَلْت ابْنَ سِيرِينَ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ دَرَاهِمُك بِأَعْيَانِهَا فَلَا بَأْسَ، وَسَأَلْت عَطَاءً؟ فَقَالَ: مَا أَرَاك إلَّا قَدْ رَفَقْت وَأَحْسَنْت إلَيْهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ صِفَةُ الْفَسْخِ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقُولُ: إنَّ الْبَيْعَ عَقْدٌ صَحِيحٌ بِالْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ الْمَقْطُوعِ بِهِ مِنْ كُلِّ
стр. 3100
مُسْلِمٍ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ بِالْيَقِينِ لَا بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ، فَلَا يَحِلُّ فَسْخُ عَقْدٍ صَحَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ إلَّا بِنَصٍّ آخَرَ، وَلَا نَصَّ فِي جَوَازِ فَسْخِهِ مُطَارَفَةً بِتَرَاضِيهِمَا، إلَّا فِيمَا جَاءَ نَصٌّ بِفَسْخِهِ، كَالشُّفْعَةِ، وَمَا فِيهِ الْخِيَارُ بِالنَّصِّ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَالِك، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ مَنْ أَجَازَ الْفَسْخَ نَصٌّ أَصْلًا فَقَدْ صَحَّ: أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ بِتَرَاضِيهِمَا، يَجُوزُ فِيهَا مَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، وَيَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ فِي الْبُيُوعِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخُ بَيْعٍ لَزِمَهُ أَنْ لَا يُجِيزَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إذْ لَمْ تَكُنْ بَيْعًا فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَأَمَّا مَنْ رَآهَا بَيْعًا فَإِنَّهُ يُجِيزُهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعِ أَوَّلًا، وَبِأَقَلَّ، وَبِغَيْرِ مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ، وَحَالًّا، وَفِي الذِّمَّةِ، وَإِلَى أَجَلٍ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَجَلُ، وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع دِين يَكُون لِإِنْسَانِ عَلَى غَيْره]
١٥١١ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ دَيْنٍ يَكُونُ لِإِنْسَانٍ عَلَى غَيْرِهِ، لَا بِنَقْدٍ، وَلَا بِدَيْنٍ، لَا بِعَيْنٍ، وَلَا بِعَرَضٍ، كَانَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ مُقِرًّا بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ: كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ.
وَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ الْحَلَالَ: أَنْ يَبْتَاعَ فِي ذِمَّتِهِ مِمَّنْ شَاءَ مَا شَاءَ، مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ، ثُمَّ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ بِالتَّفَرُّقِ أَوْ التَّخَيُّرِ، ثُمَّ يُحِيلُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ الدَّيْنُ، فَهَذَا حَسَنٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّهُ بَيْعٌ مَجْهُولٌ، وَمَا لَا يَدْرِي عَيْنَهُ، وَهَذَا هُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَمَّنْ اشْتَرَى صَكًّا فِيهِ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ بِثَوْبٍ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ، قَالَ وَكِيعٌ: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هُوَ غَرَرٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مُقِرًّا بِمَا عَلَيْهِ جَازَ بَيْعُهُ بِعَرَضٍ نَقْدًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لِأَنَّهُ شِرَاءُ خُصُومَةٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَقَرَّ الْيَوْمَ فَيُمْكِنُ أَنْ يُنْكِرَ غَدًا، فَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الْبَيِّنَةِ بِإِقْرَارِهِ، فَيَحْصُلُ عَلَى شِرَاءِ خُصُومَةٍ وَلَا فَرْقَ.
стр. 3101
وَاحْتَجَّ الْمُجِيزُونَ لَهُ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا الْأَسْلَمِيُّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ وَهُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ فَيَبِيعُهُ فَيَكُونُ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَحَقَّ بِهِ» .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَحَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي مُكَاتَبٍ اشْتَرَى مَا عَلَيْهِ بِعَرَضٍ فَجَعَلَ الْمُكَاتَبَ أَوْلَى بِنَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ابْتَاعَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فَصَاحِبُ الدَّيْنِ أَوْلَى إذَا أَدَّى مِثْلَ الَّذِي أَدَّى صَاحِبُهُ»
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ نا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَمَّنْ لَهُ دَيْنٌ فَابْتَاعَ بِهِ غُلَامًا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَدِيثَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُرْسَلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَنْ الْأَسْلَمِيِّ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى وَهُوَ مَتْرُوكٌ مُتَّهَمٌ. وَالْآخَرُ أَيْضًا: عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَهَذَا مِمَّا تَرَكَ فِيهِ الشَّافِعِيُّونَ صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ.
وَلَا حُجَّةَ لِلْمَالِكِيِّينَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، وَلَا فِي خَبَرِ جَابِرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ بِإِقْرَارٍ دُونَ بَيِّنَةٍ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع الْمَاء]
١٥١٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَا فِي سَاقِيَةٍ وَلَا مِنْ نَهْرٍ أَوْ مِنْ عَيْنٍ وَلَا مِنْ بِئْرٍ، وَلَا فِي بِئْرٍ، وَلَا فِي صِهْرِيجٍ، وَلَا مَجْمُوعًا فِي قِرْبَةٍ، وَلَا فِي إنَاءٍ، لَكِنْ مَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ عُنْصُرِ الْمَاءِ، وَمِنْ جُزْءٍ مُسَمًّى مِنْهَا، أَوْ بَاعَ الْبِئْرَ كُلَّهَا أَوْ جُزْءًا مُسَمًّى مِنْهَا، أَوْ بَاعَ السَّاقِيَةَ كُلَّهَا أَوْ الْجُزْءَ الْمُسَمَّى مِنْهَا: جَازَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمَاءُ بَيْعًا لَهُ.
وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ الْمَاءَ الْجَارِيَ إلَّا مَا دَامَ فِي سَاقِيَتِهِ وَنَهْرِهِ، فَإِذَا فَارَقَهُمَا بَطَلَ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَصَارَ لِمَنْ صَارَ فِي أَرْضِهِ وَهَكَذَا أَبَدًا.
فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَاءٍ لِسَقْيِهِ، أَوْ لِحَاجَتِهِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعَامَلَ عَلَى سَوْقِهِ إلَيْهِ، أَوْ
стр. 3102
عَلَى صَبِّهِ عِنْدَهُ فِي إنَائِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ فَقَطْ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَاشُهُ مِنْ الْمَاءِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَامَلَ أَيْضًا عَلَى صَبِّهِ أَوْ جَلْبِهِ كَذَلِكَ فَقَطْ.
وَمَنْ مَلَكَ بِئْرًا بِحَفْرٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِمَائِهَا مَا دَامَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ مَنْعُهُ عَمَّنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ النَّهْرِ، وَالسَّاقِيَةِ وَلَا فَرْقَ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ نا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ نا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ أُسَامَةَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلَأُ»
وَحَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نَا أَبِي عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَخْبَرَهُ أَبُو الْمِنْهَالِ أَنَّ إيَاسَ بْنَ عَبْدٍ الْمُزَنِيَّ قَالَ لِرَجُلٍ: لَا تَبِعْ الْمَاءَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ»
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: سَمِعَ «إيَاسَ بْنَ عَبْدٍ الْمُزَنِيَّ وَرَأَى أُنَاسًا يَبِيعُونَ الْمَاءَ فَقَالَ: لَا تَبِيعُوا الْمَاءَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ» .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُمْنَعَ نَقْعُ الْبِئْرِ» يَعْنِي الْمَاءَ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ.
فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، فَهُوَ نَقْلٌ تَوَاتَرَ، وَلَا تَحِلُّ مُخَالَفَتُهُ.
стр. 3103
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ إيَاسِ بْنِ عَبْدٍ مِنْ فُتْيَاهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا الْمَسْعُودِيُّ هُوَ أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: مَنَعَنِي جَارِي فَضْلَ مَائِهِ فَسَأَلْت عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؟ فَقَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ نا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ غُلَامًا لَهُمْ بَاعَ فَضْلَ مَاءٍ لَهُمْ مِنْ عَيْنٍ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: لَا تَبِعْهُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: يُكْرَهُ بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ: فَهَذَا إيَاسُ بْنُ عَبْدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: يُحَرِّمُونَ بَيْعَ الْمَاءِ جُمْلَةً، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَاثْنَانِ مِنْ التَّابِعِينَ: الْقَاسِمُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ
وَرُوِّينَا إبَاحَةَ بَيْعِ الْمَاءِ فِي الْآنِيَةِ، وَبَيْعَهُ فِي الشُّرْبِ: عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِبَاحَةَ بَيْعِهِ كَذَلِكَ، وَفِي الشُّرْبِ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ مَسْرُوقٍ إبَاحَةَ ثَمَنِ الْمَاءِ جُمْلَةً وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَبُرْهَانٌ زَائِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ مَاءِ الشُّرْبِ: وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، فَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الشُّرْبِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَفِي السَّمَاءِ هُوَ أَمْ لَا؟ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي إلَى الْعَيْنِ، وَالنَّهْرِ، وَالْبِئْرِ: مِنْ خُرُوقٍ، وَمَنَافِسَ فِي الْأَرْضِ بَعِيدَةٍ هِيَ فِي غَيْرِ مِلْكِ صَاحِبِ الْمُفَجِّرِ، فَإِنَّمَا يَبِيعُ مَا لَمْ يَمْلِكْ بَعْدُ، وَهَذَا بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع الْخَمْر]
١٥١٣ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْخَمْرِ، لَا لِمُؤْمِنٍ، وَلَا لِكَافِرٍ، وَلَا بَيْعُ الْخَنَازِيرِ كَذَلِكَ، وَلَا شُعُورِهَا، وَلَا شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا بَيْعُ صَلِيبٍ، وَلَا صَنَمٍ، وَلَا مَيْتَةٍ، وَلَا دَمٍ إلَّا الْمِسْكَ وَحْدَهُ، فَهُوَ حَلَالٌ بَيْعُهُ وَمِلْكُهُ، فَمَنْ بَاعَ مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي ذَكَرْنَا شَيْئًا فُسِخَ أَبَدًا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو كُرَيْبٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ مُسْلِمٍ هُوَ أَبُو الضُّحَى
стр. 3104
عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَسْجِدِ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ» .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ: أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا لَيْثٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، " أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شَحْمَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ، قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَوَّهَ قَوْمٌ بِهَذَا الْخَبَرِ فِي تَصْحِيحِ الْقِيَاسِ، وَلَيْسَ فِيهِ لِلْقِيَاسِ أَثَرٌ، لَكِنْ فِيهِ: أَنَّ الْأَوَامِرَ عَلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ أَخْبَرَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الشُّحُومَ عَلَى الْيَهُودِ فَاسْتَحَلُّوا بَيْعَهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، إذْ خَصُّوا التَّحْرِيمَ وَلَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَى عُمُومِهِ.
فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّهُ مَتَى حُرِّمَ شَيْءٌ فَحَرَامٌ مِلْكُهُ، وَبَيْعُهُ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، وَأَكْلُهُ عَلَى عُمُومِ تَحْرِيمِهِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ بِتَخْصِيصِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ.
وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى: الْخِنْزِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَيْتَةَ، وَالدَّمَ، فَحَرَّمَ مِلْكَ كُلِّ ذَلِكَ، وَشُرْبَهُ، وَالِانْتِفَاعَ بِهِ، وَبَيْعَهُ.
وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى دِينَ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ إنْسٍ وَجِنٍّ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]
فَوَجَبَ الْحُكْمُ عَلَى الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، وَالْمَجُوس: بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، أَحَبُّوا أَمْ كَرِهُوا.
стр. 3105
وَمَنْ أَجَازَ لَهُمْ بَيْعَ الْخَمْرِ ظَاهِرًا وَشِرَاءَهَا كَذَلِكَ، وَتَمَلُّكَهَا عَلَانِيَةً، وَتَمَلُّكَ الْخَنَازِيرِ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ مِنْ دِينِهِمْ بِزَعْمِهِ، وَصَدَّقَهُمْ فِي ذَلِكَ: لَزِمَهُ أَنْ يَتْرُكَهُمْ أَنْ يُقِيمُوا شَرَائِعَهُمْ فِي بَيْعِ مَنْ زَنَى مِنْ النَّصَارَى الْأَحْرَارِ، وَخِصَاءِ الْقِسِّيسِ إذَا زَنَى، وَقَتْلِ مَنْ يَرَوْنَ قَتْلَهُ وَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَمَرَ الْمُسْلِمُ نَصْرَانِيًّا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ خَمْرًا: جَازَ ذَلِكَ وَهَذِهِ مِنْ شُنْعِهِ الَّتِي نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِهَا.
وَأَمَّا الْمِسْكُ: فَقَدْ صَحَّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التَّطَيُّبُ بِالْمِسْكِ وَتَفْضِيلُهُ عَلَى الطِّيبِ» وَأَيْضًا: فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الدَّمِ وَصِفَاتِهِ وَحْدَهُ، فَلَيْسَ دَمًا، وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْأَسْمَاءِ، وَالْأَسْمَاءُ إنَّمَا هِيَ عَلَى الصِّفَاتِ، وَالْحُدُودِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا عُمَرُ الْمُكْتِبُ أَنَا حِزَامٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ زَكَا أَوْ زَكَّارٍ قَالَ: نَظَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إلَى زُرَارَةَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْقَرْيَةُ؟ قَالُوا: قَرْيَةٌ تُدْعَى زُرَارَةَ يُلْحَمُ فِيهَا، وَيُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ؟ قَالَ: أَيْنَ الطَّرِيقُ إلَيْهَا؟ قَالُوا: بَابُ الْجِسْرِ، قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَأْخُذُ لَك سَفِينَةً؟ قَالَ: لَا، تِلْكَ شَجَرَةٌ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي الشَّجَرَةِ، انْطَلِقُوا بِنَا إلَى بَابِ الْجِسْرِ، فَقَامَ يَمْشِي حَتَّى أَتَاهَا، فَقَالَ عَلَيَّ بِالنِّيرَانِ أَضْرِمُوهَا فِيهَا، فَاحْتَرَقَتْ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا هِشَامٌ وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ أَثْرَى فِي تِجَارَةِ الْخَمْرِ، فَكَتَبَ: أَنْ اكْسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ قَدَرْتُمْ لَهُ عَلَيْهِ، وَسَيِّرُوا كُلَّ مَاشِيَةٍ لَهُ، وَلَا يُؤْوِيَنَّ أَحَدٌ لَهُ شَيْئًا.
فَهَذَا حُكْمُ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِيمَنْ بَاعَ الْخَمْرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَخَالَفُوهُمَا.
[مَسْأَلَة بَيْع الْكَلْب واقتنائه]
١٥١٤ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ كَلْبٍ أَصْلًا، لَا كَلْبَ صَيْدٍ وَلَا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، وَلَا غَيْرَهُمَا، فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعْطِيه إيَّاهُ فَلَهُ ابْتِيَاعُهُ، وَهُوَ حَلَالٌ لِلْمُشْتَرِي حَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ يَنْتَزِعُ مِنْهُ الثَّمَنَ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ، كَالرِّشْوَةِ فِي دَفْعِ الظُّلْمِ، وَفِدَاءِ الْأَسِيرِ، وَمُصَانَعَةِ الظَّالِمِ وَلَا فَرْقَ.
стр. 3106
وَلَا يَحِلُّ اتِّخَاذُ كَلْبٍ أَصْلًا، إلَّا لِمَاشِيَةٍ، أَوْ لِصَيْدٍ، أَوْ لِزَرْعٍ، أَوْ لِحَائِطٍ وَاسْمُ الْحَائِطِ يَقَعُ عَلَى الْبُسْتَانِ وَجِدَارِ الدَّارِ فَقَطْ.
وَلَا يَحِلُّ أَيْضًا: قَتْلُ الْكِلَابِ، فَمَنْ قَتَلَهَا ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا، أَوْ بِمَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنْهُ، إلَّا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، أَوْ الْأَسْوَدَ ذَا النُّقْطَتَيْنِ أَيْنَمَا كَانَتْ النُّقْطَتَانِ مِنْهُ فَإِنْ عَظُمَتَا حَتَّى لَا تُسَمَّيَا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ نُقْطَتَيْنِ، لَكِنْ تُسَمَّى لَمْعَتَيْنِ: لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، فَلَا يَحِلُّ مِلْكُهُ أَصْلًا لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، وَقَتْلُهُ وَاجِبٌ حَيْثُ وُجِدَ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ قَارِظٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» فَهَذَانِ صَاحِبَانِ فِي نَسَقٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ»
وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَأَبِي جُحَيْفَةَ
فَهَذَا نَقْلٌ تَوَاتَرَ لَا يَسَعُ تَرْكُهُ وَلَا يَحِلُّ خِلَافُهُ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبِيبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُمَيْرٍ نا أَسْبَاطٌ نا الْأَعْمَشُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «أَرْبَعٌ مِنْ السُّحْتِ، ضِرَابُ الْفَحْلِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ» .
وَرُوِّينَاهُ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا.
стр. 3107
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ «ثَمَنُ الْكَلْبِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَثَمَنُ الْخَمْرِ حَرَامٌ» وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَخْبَثُ الْكَسْبِ كَسْبُ الزَّمَّارَةِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ.
الزَّمَارَةُ: الزَّانِيَةُ، سَمِعْت أَبَا عُبَيْدَةَ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: مَا أُبَالِي ثَمَنَ كَلْبٍ أَكَلْتُ، أَوْ ثَمَنَ خِنْزِيرٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ إدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْت الْحَكَمَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ يَكْرَهَانِ ثَمَنَ الْكَلْبِ وَلَا يَصِحُّ خِلَافُهُمَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَخَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ السُّنَنَ فِي ذَلِكَ، وَأَبَاحُوا بَيْعَ الْكِلَابِ، وَأَكْلَ أَثْمَانِهَا.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْمِصِّيصِيُّ نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ»
وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «ثَمَنُ الْكَلْبِ سُحْتٌ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ»
وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ هُنَّ سُحْتٌ: حُلْوَانُ الْكَاهِنِ، وَمَهْرُ الزَّانِيَةِ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ.»
стр. 3108
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ الشِّمْرِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا حَدِيثَا ابْنِ وَهْبٍ هَذَانِ فَأَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهِمَا إلَّا جَاهِلٌ بِالْحَدِيثِ، أَوْ مُكَابِرٌ يَعْلَمُ الْحَقَّ فَيُولِيَهُ ظَهْرَهُ، لِأَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ وَالِاطِّرَاحِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ النَّقْلِ، وَالْآخَرَ مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعَيْنِ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِمَا حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا إلَّا النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ فَقَطْ وَهَذَا حَقٌّ، وَلَيْسَ فِيهِ إبَاحَةُ ثَمَنِ مَا سِوَاهُ مِنْ الْكِلَابِ وَجَاءَتْ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ الَّتِي قَدَّمْنَا بِزِيَادَةٍ عَلَى هَذَيْنِ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَفِي غَايَةِ السُّقُوطِ لِأَنَّ فِيهِ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ، وَالْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ جِدًّا قَدْ شَهِدَ مَالِكٌ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ بِالْكَذِبِ، وَجَرَحَهُ أَحْمَدُ
وَأَمَّا الْمُثَنَّى: فَجَرَّحَهُ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ أَحْمَدُ، وَتَرَكَهُ يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا اسْتِثْنَاءَ كَلْبِ الصَّيْدِ فَقَطْ، وَهُمْ يُبِيحُونَ مَا حُرِّمَ فِيهِ مِنْ ثَمَنِ كَلْبِ الزَّرْعِ، وَكَلْبِ الْمَاشِيَةِ، وَسَائِرِ الْكِلَابِ فَهُمْ مُخَالِفُونَ لِمَا فِيهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ: فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ بِإِقْرَارِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ، حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ نا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ الْعُقَيْلِيُّ نا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْحَلْوَانِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ نا أَبِي نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: إنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ دَفَعَ إلَيَّ كِتَابَيْنِ، فَقُلْت فِي نَفْسِي: لَوْ سَأَلْته أَسْمَعُ هَذَا كُلَّهُ مِنْ جَابِرٍ؟ فَرَجَعْت إلَيْهِ فَقُلْت: هَذَا كُلُّهُ سَمِعْته مِنْ جَابِرٍ؟ فَقَالَ: مِنْهُ مَا سَمِعْته، وَمِنْهُ مَا حَدَّثْت عَنْهُ، فَقُلْت لَهُ: أَعْلِمْ لِي عَلَى مَا سَمِعْتَ؟ فَأَعْلَمَ لِي عَلَى هَذَا الَّذِي عِنْدِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ، أَوْ حَدَّثَهُ بِهِ جَابِرٌ أَوْ لَمْ يَرْوِهِ اللَّيْثُ عَنْهُ عَنْ جَابِرٍ فَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ بِإِقْرَارِهِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ، وَلَا هُوَ مِمَّا عِنْدَ اللَّيْثِ فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ، فَحَصَلَ مُنْقَطِعًا.
стр. 3109
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبَاحَةُ ثَمَنِ شَيْءٍ مِنْ الْكِلَابِ غَيْرَ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَالنَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ سَائِرِهَا وَهُمْ يُبِيحُونَ أَثْمَانَ سَائِرِ الْكِلَابِ الْمُتَّخَذَةِ لِغَيْرِ الصَّيْدِ: فَبَطَلَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ الْآثَارِ.
وَأَمَّا النَّظَرُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِهَا حِينَ الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا، فَلَمَّا حُرِّمَ قَتْلُهَا وَأُبِيحَ اتِّخَاذُ بَعْضِهَا انْتَسَخَ النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ مَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ مِنْهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ ﵇، لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْبَاطِلِ، وَبِمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ قَطُّ نَصٌّ، وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَيْسَ نَسْخُ شَيْءٍ بِمُوجِبِ نَسْخِ شَيْءٍ آخَرَ، وَلَيْسَ إبَاحَةُ اتِّخَاذِ شَيْءٍ بِمُبِيحٍ لِبَيْعِهِ، فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْقَوْمُ الْمُبِيحُونَ اتِّخَاذَ دُودِ الْقَزِّ، وَنَحْلِ الْعَسَلِ، وَلَا يُحِلُّونَ ثَمَنَهُمَا إضْلَالًا وَخِلَافًا لِلْحَقِّ، وَاِتِّخَاذُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ حِلٌّ، وَلَا يَحِلُّ بِيَعُهُنَّ: فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الِاحْتِجَاجِ.
وَقَالُوا: حُرِّمَ ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ، فَلَمَّا نُسِخَ تَحْرِيمُ كَسْبِ الْحَجَّامِ نُسِخَ تَحْرِيمُ ثَمَنِ الْكَلْبِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَذِبٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، وَكَلَامٌ فَاسِدٌ، وَدَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ.
وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا: أَنْ يُنْسَخَ أَيْضًا تَحْرِيمُ مَهْرِ الزَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ مَعَهُمَا، ثُمَّ مَنْ لَهُمْ بِنَسْخِ تَحْرِيمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
فَوَضَحَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ الْآثَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ، وَصَاحِبَيْنِ لَا يَصِحُّ خِلَافُهُمَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
فَإِنْ ذَكَرُوا قَضَاءَ عُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِقِيمَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ؟ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْعًا، وَلَا ثَمَنًا، إنَّمَا هُوَ قِصَاصُ مَالٍ عَنْ فَسَادِ مَالٍ فَقَطْ، وَلَا ثَمَنَ لِمَيِّتٍ أَصْلًا.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي الْمُهَزِّمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمَا كَرِهَا ثَمَنَ الْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، وَكَرِهَا ثَمَنَ الْهِرِّ وَأَبُو الْمُهَزِّمِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَقَدْ خَالَفُوهُمَا فِي ثَمَنِ الْهِرِّ كَمَا تَرَى.
стр. 3110
وَقَدْ رُوِّينَا إبَاحَةَ ثَمَنِ الْكَلْبِ عَنْ عَطَاءٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةَ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ إبَاحَةَ ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَمَّا مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَمَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وَتَحِلُّ هِبَتُهُ، فَإِمْسَاكُ مَنْ عِنْدَهُ مِنْهُ فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِ ذَلِكَ: الْفَضْلُ عَمَّنْ هُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ ظُلْمٌ لَهُ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمْهُ وَلَا يُسْلِمْهُ» وَالظُّلْمُ وَاجِبٌ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا: فَإِنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ نا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، وَأَيُّمَا قَوْمٍ اتَّخَذُوا كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ حَرْثٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يُنْقَصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ
стр. 3111
صَيْدٍ، وَلَا مَاشِيَةٍ، وَلَا أَرْضٍ، فَإِنَّهُ يُنْقَصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ» وَتَدْخُلُ الدَّارُ فِي جُمْلَةِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهَا أَرْضٌ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا نَصُّ مَا قُلْنَا.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أُمِرْنَا بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي " كِتَابِ الصَّيْدِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع الْهِرّ والوصية بِهِ]
١٥١٥ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْهِرِّ فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ لِأَذَى الْفَأْرِ فَوَاجِبٌ وَعَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْهَا فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهَا مَا يَدْفَعُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الضَّرَرَ: كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْكَلْبِ وَلَا فَرْقَ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ: نا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ نا مَعْقِلٌ عَنْ «أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ؟ فَقَالَ: زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الزَّجْرُ أَشَدُّ النَّهْيِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ.
فَهَذِهِ فُتْيَا جَابِرٍ لِمَا رُوِيَ وَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنَّ يُسْتَمْتَعَ بِمُسُوكِ السَّنَانِيرِ، وَأَثْمَانِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا بَيْعَ الْهِرِّ، وَثَمَنَهُ، وَأَكْلَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ؛ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا.
وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَلَا وَرَعَ يَزْجُرُهُ عَنْ الْكَذِبِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ: رَوَيَا «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إبَاحَةَ ثَمَنِ الْهِرِّ»
стр. 3112
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا نَعْلَمُهُ أَصْلًا مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ تُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَأَمَّا صَحِيحَةٍ فَنَقْطَعُ بِكَذِبِ مَنْ ادَّعَى ذَلِكَ جُمْلَةً.
وَأَمَّا الْوَضْعُ فِي الْحَدِيثِ فَبَاقٍ مَا دَامَ إبْلِيسُ وَأَتْبَاعُهُ فِي الْأَرْضِ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مُوَافِقًا لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ بِلَا شَكٍّ، وَلَا مِرْيَةَ فِي أَنَّ حِينَ زَجْرِهِ ﵇ عَنْ ثَمَنِهِ بَطَلَتْ الْإِبَاحَةُ السَّالِفَةُ، وَنُسِخَتْ بِيَقِينٍ لَا مَجَالَ لِلشَّكِّ فِيهِ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ قَدْ عَادَ فَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى وَأَفِكَ وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَعُودَ مَا نَسَخَ، ثُمَّ لَا يَأْتِي بَيَانٌ بِذَلِكَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَسَخَ وَفِيمَا بَقِيَ عَلَى الْمَأْمُورِينَ بِذَلِكَ مِنْ عِبَادِهِ.
هَيْهَاتَ دِينُ اللَّهِ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَحْرَزُ.
وَقَالَ الْمُبِيحُونَ لَهُ: لَمَّا صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ دُخُولِ الْهِرِّ، وَالْكَلْبِ الْمُبَاحِ اتِّخَاذُهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْمِلْكِ: جَازَ بَيْعُهُمَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا جَاهَرُوا فِيهِ بِالْبَاطِلِ، وَبِخِلَافِ أُصُولِهِمْ: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ ثُمَّ إنَّهُمْ يُجِيزُونَ دُخُولَ النَّحْلِ، وَدُودِ الْحَرِيرِ فِي الْمِيرَاثِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْكَلْبِ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُجِيزُونَ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَيُجِيزُونَ الْوَصِيَّةَ بِمَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ وَغَيْرِهَا، وَيُدْخِلُونَهُ فِي الْمِيرَاثِ.
وَلَا يُجِيزُونَ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَظَهَرَ تَخَاذُلُهُمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة الْبَيْع عَلَى أَنْ تربحني للدينار درهما وَلَا عَلَى أني أربح معك فِيهِ كَذَا]
١٥١٦ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ الْبَيْعُ عَلَى أَنْ تُرْبِحَنِي لِلدِّينَارِ دِرْهَمًا، وَلَا عَلَى أَنِّي أَرْبَحُ مَعَك فِيهِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا.
فَلَوْ تَعَاقَدَا الْبَيْعَ دُونَ هَذَا الشَّرْطِ، لَكِنْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِأَنَّهُ اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِكَذَا وَكَذَا، وَأَنَّهُ لَا يَرْبَحُ مَعَهُ فِيهَا إلَّا كَذَا وَكَذَا فَقَدْ وَقَعَ الْبَيْعُ صَحِيحًا، فَإِنْ وَجَدَهُ قَدْ كَذَبَ فِيمَا قَالَ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ شَيْئًا، وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ أَصْلًا، إلَّا مِنْ عَيْبٍ فِيهِ، أَوْ غَبْنٍ ظَاهِرٍ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ، وَالْكَاذِبُ آثِمٌ فِي كَذِبِهِ فَقَطْ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى أَنْ تُرْبِحَنِي كَذَا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ بِهِ بَاطِلٌ وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، لِأَنَّهُمَا إنَّمَا تَعَاقَدَا الْبَيْعَ عَلَى أَنَّهُ
стр. 3113
يَرْبَحُ مَعَهُ لِلدِّينَارِ دِرْهَمًا، فَإِنْ كَانَ شِرَاؤُهُ دِينَارًا غَيْرَ رُبُعٍ كَانَ الشِّرَاءُ بِذَلِكَ، وَالرِّبْحُ دِرْهَمًا غَيْرَ رُبُعِ دِرْهَمٍ فَهَذَا بَيْعُ الْغَرَرِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ لَا يَدْرِي مِقْدَارَهُ.
فَإِذَا سَلِمَ الْبَيْعُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ فَقَدْ وَقَعَ صَحِيحًا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكِذْبَةُ الْبَائِعِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مَعْقُودًا عَلَيْهَا الْبَيْعُ، لَكِنْ كَزِنَاهُ لَوْ زَنَى، أَوْ شُرْبِهِ لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَلَا فَرْقَ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ " ده دوازده " مَعْنَاهُ أُرْبِحُك لِلْعَشَرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ وَهُوَ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ رِبًا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعًا: أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: بَيْعُ " ده دوازده " رِبًا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ حَرَامٌ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَكَرِهَهُ مَسْرُوقٌ وَقَالَ: بَلْ أَشْتَرِيهِ بِكَذَا أَوْ أَبِيعُهُ بِكَذَا.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَجَازَهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا.
وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٌ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ " ده دوازده " وَتُحْسَبُ النَّفَقَةُ عَلَى الثِّيَابِ.
وَلِمَنْ أَجَازَهُ تَطْوِيلٌ كَثِيرٌ فِيمَنْ ابْتَاعَ نَسِيئَةً، وَبَاعَ نَقْدًا، وَفِيمَنْ اشْتَرَى فِي نَفَاقٍ، وَبَاعَ فِي كَسَادٍ، وَمَا يُحْسَبُ كِرَاءِ الشَّدِّ وَالطَّيِّ، وَالصَّبَّاغِ، وَالْقَصَّارَةِ، وَمَا أُطْعِمَ الْحُرْفَا، وَأُجْرَةِ السِّمْسَارِ، وَإِذَا ادَّعَى غَلَطًا، وَإِذَا انْكَشَفَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَكُلُّهُ رَأْيٌ فَاسِدٌ.
لَكِنْ نَقُولُ: مَنْ اُمْتُحِنَ بِالتِّجَارَةِ فِي بَلَدٍ لَا ابْتِيَاعَ فِيهِ إلَّا هَكَذَا فَلْيَقُلْ: قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا، وَبِحَسَبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ أَوْ يَقُولُ: ابْتَعْته بِكَذَا، وَلَا يَحْسِبُ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً، ثُمَّ يَقُولُ: لَكِنِّي لَا أَبِيعُهُ عَلَى شِرَائِي، تُرِيدُ أَخْذَهُ مِنِّي بَيْعًا بِكَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَدَعْ فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا جَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ أَبِي سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ «مَرَّ رَجُلٌ بِقَوْمٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ ثَوْبٌ، فَقَالَ لَهُ
стр. 3114
بَعْضُهُمْ بِكَمْ ابْتَعْتَهُ؟ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: كَذَبْتَ وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا بِدُونِ مَا كَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَصَدَّقْ بِالْفَضْلِ» وَهُمْ يَقُولُونَ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ، وَهَذَا مُرْسَلٌ قَدْ خَالَفُوهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ بَيْعَهُ، وَلَا حَطَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ.
[مَسْأَلَة الْبَيْع عَلَى الرقم أَوْ أَنْ يغري أحدا بِمَا يرقم عَلَى سلعته]
١٥١٧ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ عَلَى الرَّقْمِ وَلَا أَنْ يُغْرِ أَحَدًا بِمَا يُرَقِّمُ عَلَى سِلْعَتِهِ، لَكِنْ يُسَوِّمُ وَيُبَيِّنُ الزِّيَادَةَ الَّتِي يَطْلُبُ عَلَى قِيمَةِ مَا يَبِيعُ، وَيَقُولُ: إنْ طَابَتْ نَفْسُك بِهَذَا، وَإِلَّا فَدَعْ.
[مَسْأَلَة البيعتان فِي بيعة]
١٥١٨ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، مِثْلُ: أَبِيعُك سِلْعَتِي بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي بِالدِّينَارَيْنِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا.
أَوْ كَمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دَنَانِيرَ كُلَّ دِينَارٍ بِعَدَدٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَمِثْلُ: أَبِيعُك سِلْعَتِي هَذِهِ بِدِينَارَيْنِ نَقْدًا أَوْ بِثَلَاثَةٍ نَسِيئَةً.
وَمِثْلِ أَبِيعُك سِلْعَتِي هَذِهِ بِكَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي سِلْعَتَك هَذِهِ بِكَذَا وَكَذَا.
فَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا مَحْكُومٌ فِيهِ بِحُكْمِ الْغَصْبِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ نا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» .
وَرُوِّينَا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ وَمَا نَعْلَمُ لِلْمَالِكِيِّينَ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: الْبَيْعَةُ الْأُولَى لَغْوٌ فَهَذَا الِاحْتِجَاجُ أَفْسَدُ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي احْتَجُّوا لَهُ بِهِ، وَأَفْقَرُ إلَى حُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، عَلَى أَنَّهُمْ أَتَوْا بِعَظَائِمَ طَرْدًا مِنْهُمْ لِهَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ: فَأَجَازُوا بَيْعَ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِخِنْزِيرٍ، أَوْ بِقِسْطِ خَمْرٍ، عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا بِالْخِنْزِيرِ، أَوْ الْخَمْرِ: دِينَارَيْنِ وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ، وَيَكْفِي ذِكْرُهَا عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَمَا الدَّيَّانَةُ كُلُّهَا إلَّا بِأَسْمَائِهَا وَأَعْمَالِهَا، لَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
стр. 3115
وَنَحْنُ نَجِدُ الْمُسْتَقْرِضَ يَقُولُ: أَقْرِضْنِي دِينَارَيْنِ عَلَى أَنْ أَرُدَّ لَك دِينَارَيْنِ إلَى شَهْرٍ لَكَانَ قَوْلًا حَسَنًا، وَعَمَلًا صَحِيحًا، فَلَوْ قَالَ لَهُ يَعْنِي دِينَارَيْنِ بِدِينَارَيْنِ إلَى شَهْرٍ لَكَانَ قَوْلًا خَبِيثًا، وَعَمَلًا فَاسِدًا، حَرَامًا، وَالْعَمَلُ وَاحِدٌ وَالصِّفَةُ وَاحِدَةٌ وَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا اللَّفْظُ.
وَلَوْ قَالَ امْرُؤٌ لِآخَرَ: أَبِحْنِي وَطْءَ ابْنَتِك بِدِينَارٍ مَا شِئْت؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ لَكَانَ قَوْلًا حَرَامًا: وَزِنًا مُجَرَّدًا، فَلَوْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْنِيهَا بِدِينَارٍ، لَكَانَ قَوْلًا صَحِيحًا، وَعَمَلًا صَحِيحًا، وَالصِّفَةُ وَاحِدَةٌ، وَالْعَمَلُ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الِاسْمُ.
وَقَوْلُهُمْ هَذَا جَمَعَ وُجُوهًا مِنْ الْبَلَاءِ، وَأَنْوَاعًا مِنْ الْحَرَامِ: مِنْهَا: تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَشَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَبَيْعُ مَا لَا يَحِلُّ وَابْتِيَاعُهُ مَعًا، وَبَيْعُ غَائِبٍ بِنَاجِزٍ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا وَبَيْعُ الْغَرَرِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: تَقُولُونَ فِيمَا رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوَكْسُهُمَا أَوْ الرِّبَا» وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا شُرَيْحٌ: كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَيَّاشُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا عَبْدُ الْأَعْلَى نا حَمَّادٌ عَنْ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: شَرْطَيْنِ فِي بَيْعِ أَبِيعُك إلَى شَهْرٍ بِعَشَرَةٍ، فَإِنْ حَبَسْته شَهْرًا فَتَأْخُذُ عَشَرَةً، قَالَ شُرَيْحٌ: أَقَلُّ الثَّمَنَيْنِ، وَأَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ أَوْ الرِّبَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَسَأَلْت أَبِي؟ فَقَالَ: هَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ فَإِنْ حَبَسْته شَهْرًا آخَرَ فَتَأْخُذُ عَشَرَةً أُخْرَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَقُولُ: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَقَدْ كَانَ الرِّبَا، وَبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَالشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ: كُلُّ ذَلِكَ مُطْلَقًا غَيْرُ حَرَامٍ إلَى أَنْ حُرِّمَ كُلُّ ذَلِكَ، فَإِذْ حُرِّمَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا فَقَدْ نُسِخَتْ الْإِبَاحَةُ بِلَا شَكٍّ، فَهَذَا خَبَرٌ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ
стр. 3116
بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ بِلَا شَكٍّ، فَوَجَبَ إبْطَالُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا عَمَلٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة صَفْقَة جمعت حلالا وحراما]
١٥١٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَكُلُّ صَفْقَةٍ جَمَعَتْ حَرَامًا وَحَلَالًا فَهِيَ بَاطِلٌ كُلُّهَا، لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ مِثْلُ: أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَبِيعِ مَغْصُوبًا، أَوْ لَا يَحِلُّ مِلْكُهُ، أَوْ عَقْدًا فَاسِدًا وَسَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ الصَّفْقَةِ، أَوْ أَكْثَرَهَا، أَوْ أَدْنَاهَا، أَوْ أَعْلَاهَا، أَوْ أَوْسَطَهَا وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ بَطَلَتْ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا بَطَلَ الْحَرَامُ، وَصَحَّ الْحَلَالُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ.
وَمِنْ الْعَجَائِبِ احْتِجَاجُهُمْ لِذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ وَجْهَ الصَّفْقَةِ هُوَ الْمُرَادُ وَالْمَقْصُودُ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْتُمْ؟ وَمَا هُوَ إلَّا قَوْلُكُمْ احْتَجَجْتُمْ لَهُ بِقَوْلِكُمْ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَصِحُّ الْحَلَالُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَيَبْطُلُ الْحَرَامُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَجَدْنَا هَذَا الْقَوْلَ يُبْطِلُهُ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَهَذَانِ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِبَعْضِ الصَّفْقَةِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا تَرَاضَيَا بِجَمِيعِهَا، فَمَنْ أَلْزَمَهُمَا بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ فَقَدْ أَلْزَمَهُمَا مَا لَمْ يَتَرَاضَيَا بِهِ حِينَ الْعَقْدِ، فَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَكَمَ بِأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ حَرَامٌ بِالْقُرْآنِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا الْآنَ بِذَلِكَ لَمْ نَمْنَعْهُمَا، وَلَكِنْ بِعَقْدٍ مُجَرَّدٍ بِرِضَاهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَقَعْ هَكَذَا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ تِلْكَ الصَّفْقَةِ لَمْ يَتَعَاقَدَا صِحَّتَهُ إلَّا بِصِحَّةِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا صِحَّةَ لَهُ، وَكُلُّ مَا لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِصِحَّةِ مَا لَا يَصِحُّ أَبَدًا فَلَا صِحَّةَ لَهُ أَبَدًا وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْحُرِّ]
١٥٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْحُرِّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 3117
قَالَ اللَّهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»
قَالَ عَلِيٌّ: وَفِي هَذَا خِلَافٌ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ، نُورِدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ مَا يَسَّرَ لِإِيرَادِهِ، لِيَعْلَمَ مُدَّعِي الْإِجْمَاعِ فِيمَا هُوَ أَخْفَى مِنْ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبٌ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، وَقَالَ مُعَاذٌ: نَا أَبِي ثُمَّ اتَّفَقَ هِشَامٌ، وَهَمَّامٌ، كِلَاهُمَا: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ رَجُلًا بَاعَ نَفْسَهُ، فَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَنَّهُ عَبْدٌ كَمَا أَقَرَّ نَفْسَهُ، وَجَعَلَ ثَمَنَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَذَا لَفْظُ هَمَّامٍ وَأَمَّا لَفْظُ هِشَامٍ فَإِنَّهُ أَقَرَّ لِرَجُلٍ حَتَّى بَاعَهُ، وَاتَّفَقَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ فِي كِلَا اللَّفْظَيْنِ وَلَا بُدَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا شَرِيكٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ فَهُوَ عَبْدٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ سَاقَ إلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا حُرًّا؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: هُوَ رَهْنٌ بِمَا جَعَلَ فِيهِ حَتَّى يَفْتَكَّ نَفْسَهُ.
وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَاضِي الْبَصْرَةِ مِنْ التَّابِعِينَ: أَنَّهُ بَاعَ حُرًّا فِي دَيْنٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَهِيَ قَوْلَةٌ غَرِيبَةٌ لَا يَعْرِفُهَا مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا مَنْ تَبَحَّرَ فِي الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا قَضَاءُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَا يَعْتَرِضُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ مُعْتَرِضٌ، فَإِنْ شَنَّعُوا هَذَا؟ قُلْنَا: يَا هَؤُلَاءِ لَا عَلَيْكُمْ، وَاَللَّهِ لَقَدْ قُلْتُمْ بِأَشْنَعَ مِنْ هَذَا وَأَشَدَّ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا.
أَلَيْسَ الْحَنَفِيُّونَ يَقُولُونَ: إنْ ارْتَدَّ الْحَسَنِيُّ، أَوْ الْحُسَيْنِيُّ، أَوْ الْعَبَّاسِيُّ، أَوْ الْمَنَافِيُّ، أَوْ الْقُرَشِيُّ، فَلَحِقَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ فَإِنْ وُلِدَ وَلَدُهُ يُسْتَرَقُّونَ، وَإِنْ أَسْلَمُوا كَانُوا
стр. 3118
عَبِيدًا، وَأَنَّ الْقُرَشِيَّةَ إنْ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ سُبِيَتْ وَأُرِقَّتْ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً تُبَاحُ وَيُسْتَحَلُّ فَرْجُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ تُرِكَتْ عَلَى كُفْرِهَا، وَجَازَ أَنْ يَسْتَرِقَّهَا الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ؟ أَوَ لَيْسَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ مَالِكٍ يَقُولُ: إنْ تَذَمَّمَ أَهْلُ الْحَرْبِ وَفِي أَيْدِيهِمْ أَسْرَى مُسْلِمُونَ، وَمُسْلِمَاتٌ أَحْرَارٌ، وَحَرَائِرُ، فَإِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَبِيدًا لَهُمْ وَإِمَّا يَتَمَلَّكُونَهُمْ وَيَتَبَايَعُونَهُمْ، فَأُفٍّ لِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَتُفٍّ، فَأَيُّهُمَا أَشْنَعُ مِمَّا لَمْ يُقَلِّدُوا فِيهِ عُمَرَ، وَعَلِيًّا ﵄؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَنْ صَارَ حُرًّا بِعِتْقٍ، أَوْ بِأَنْ كَانَ ابْنَ حُرٍّ مِنْ أَمَةٍ لَهُ، أَوْ بِأَنْ حَمَلَتْ بِهِ حُرَّةٌ، أَوْ بِأَنْ أُعْتِقَتْ أَمَةٌ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ الْمُعْتِقُ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَلَا تَبْطُلُ عَلَيْهِ، وَلَا عَمَّنْ تَنَاسَلَ مِنْهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ مِنْ الْوِلَادَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَبَدًا، لَا بِأَنْ يَرْتَدَّ، وَلَا بِأَنْ تَرْتَدَّ، وَلَا بِأَنْ يُسْبَى، وَلَا بِأَنْ يَرْتَدَّ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ وَإِنْ بَعُدَ، أَوْ جَدَّتُهُ وَإِنْ بَعُدَتْ وَلَا بِلَحَاقِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ أَحَدِ أَجْدَادِهِ، أَوْ جَدَّاتِهِ أَوْ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا: وَلَا بِإِقْرَارِهِ بِالرِّقِّ، وَلَا بِدَيْنٍ، وَلَا بِبَيْعِهِ نَفْسِهِ، وَلَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَبَدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ أَثَرٌ بِأَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع أمة حملت مِنْ سيدها]
١٥٢١ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ أَمَةٍ حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، لِمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إبْرَاهِيمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحُ السَّنَدِ وَالْحُجَّةُ بِهِ قَائِمَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الثَّابِتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلُ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ رِوَايَتِهِ، فَمَا كَانَ لِيَتْرُكَ مَا رُوِيَ إلَّا لِضَعْفِهِ عِنْدَهُ، وَلِمَا هُوَ أَقْوَى عِنْدَهُ؟ قُلْنَا: لَسْنَا نُعَارَضُ - مَعْشَرَ الظَّاهِرِيِّينَ - بِهَذَا الْغُثَاءِ مِنْ الْقَوْلِ، وَلَا يَعْتَرِضُ بِهَذَا عَلَيْنَا إلَّا ضِعَافُ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ عِنْدَنَا فِي الرِّوَايَةِ، لَا فِي الرَّأْيِ، يُعَارِضُ بِهَذَا مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ إذَا عُورِضَ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ.
стр. 3119
وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا مِنْ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِالتَّنَاقُضِ فِي ذَلِكَ، مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا، وَاَلَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ يَدَّعُوا هَهُنَا الْإِجْمَاعَ ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ يَجْعَلُوا: ابْنَ مَسْعُودٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، مُخَالِفِينَ لِلْإِجْمَاعِ فَهَذِهِ صِفَةُ عِلْمِهِمْ بِالسُّنَنِ، وَهَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
١٥٢١ - مَسْأَلَةٌ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا وَقَعَ مَنِيُّ السَّيِّدِ فِي فَرْجِ أَمَتِهِ فَأَمْرُهَا مُتَرَقَّبٌ، فَإِنْ بَقِيَ حَتَّى يَصِيرَ خَلْقًا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَهِيَ حَرَامٌ بَيْعُهَا مِنْ حِينِ سُقُوطِ الْمَنِيِّ فِي فَرْجِهَا وَيُفْسَخُ بَيْعُهَا إنْ بِيعَتْ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلْقًا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَلَدٌ، فَلَمْ يَحْرُمْ بَيْعُهَا قَطُّ.
وَبُرْهَانُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْتَحَقَّ الْمَنْعُ مِنْ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَكَانَ بَيْعُهَا حَلَالًا، لَوْ كَانَ بَيْعُهَا حَلَالًا لَحَلَّ فَرْجُهَا لِمُشْتَرِيهَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمَنِيُّ وَلَدًا وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ الْمَذْكُورِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَيِّتِ إثْرَ كَوْنِ مَنِيِّهِ فِي فَرْجِ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ مُتَرَقِّبٌ أَيْضًا، فَإِنْ وُلِدَ حَيًّا عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ مِيرَاثُهُ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَإِنْ وُلِدَ مَيِّتًا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَطُّ مِيرَاثٌ، إذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ هَذَا لَمَا حَدَثَ لَهُ حَقٌّ فِي مِيرَاثٍ قَدْ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْهَوَاءِ]
١٥٢٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْهَوَاءِ أَصْلًا، كَمَنْ بَاعَ مَا عَلَى سَقْفِهِ وَجُدْرَانِهِ لِلْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ لَا يَسْتَقِرُّ فَيُضْبَطُ بِمِلْكٍ أَبَدًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَمَوِّجٌ يَمْضِي مِنْهُ شَيْءٌ وَيَأْتِي آخَرُ أَبَدًا، فَكَانَ يَكُونُ بَيْعُهُ أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ، فَهُوَ بَيْعُ غَرَرٍ، وَبَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُ، وَبَيْعُ مَجْهُولٍ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا بِيعَ الْمَكَانُ لَا الْهَوَاءُ؟ قُلْنَا: لَيْسَ هُنَاكَ مَكَانٌ أَصْلًا غَيْرَ الْهَوَاءِ، فَلَوْ كَانَ مَا قُلْتُمْ لَكَانَ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ عَدَمٌ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ حَقًّا.
فَإِنَّ قِيلَ: إنَّمَا بَاعَ سَطْحَ سَقْفِهِ وَجُدْرَانِهِ؟
стр. 3120
قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ وَهُوَ أَيْضًا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ أَنْ يَهْدِمَ شَيْئًا مِنْ سَقْفِهِ، وَلَا مِنْ رُءُوسِ جُدْرَانِهِ، وَهَذَا شَرْطٌ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ حَرَامٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا - وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الْقِسْمَةِ " وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَمْلِكَ أَحَدٌ شَيْئًا وَيَمْلِكُ غَيْرُهُ الْعُلُوَّ الَّذِي عَلَيْهِ - وَمَنْ بَاعَ سَقْفَهُ فَقَطْ فَحَلَالٌ، وَيُؤْخَذُ الْمُشْتَرِي بِإِزَالَةِ مَا اشْتَرَى عَنْ مَكَان مِلْكُهُ لِغَيْرِهِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ مَنْ لَا يَعْقِلُ لِسُكْرٍ أَوْ جُنُونٍ]
١٥٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَنْ لَا يَعْقِلُ لِسُكْرٍ، أَوْ جُنُونٍ، وَلَا يَلْزَمُهُمَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] .
فَشَهِدَ بِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَالْبَيْعُ قَوْلٌ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ: مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَوْلِ مِمَّنْ بِهِ آفَةٌ مِنْ الْخَرَسِ، أَوْ بِفَمِهِ آفَةٌ، فَمَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ فَلَمْ يَبِعْ شَيْئًا وَلَا ابْتَاعَ شَيْئًا؟ وَأَجَازَهُ قَوْمٌ وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالُوا: هُوَ عَصَى اللَّهَ - تَعَالَى وَعَزَّ وَجَلَّ - وَأَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ فَقُلْنَا نَعَمْ، وَحَقُّهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّارُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبِ إلْزَامِهِ حُكْمًا زَائِدًا لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - إيَّاهُ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي سَكْرَانَ عَرْبَدَ فَوَقَعَ فَانْكَسَرَتْ سَاقُهُ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ قَاعِدًا كَاَلَّذِي أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَا فَرْقَ.
وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ إذَا جُرِحَ جِرَاحَاتٍ تَمْنَعُهُ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ سَمِجٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَيَقُولُونَ فِيمَنْ تَنَاوَلَ الْبَلَاذِرَ عَمْدًا فَذَهَبَ عَقْلُهُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَجْنُونِ الَّذِي لَمْ يُدْخِلْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْبَيْعِ، وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَخْتَلِفُونَ مَعَنَا فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالُوا: وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ سَكْرَانُ؟ قُلْنَا: وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ مَجْنُونٌ؟ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَحَامَقَ، وَإِنَّمَا الْقَوْلُ فِيمَنْ عُلِمَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ بِالْمُشَاهَدَةِ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ فَذَكَرَ الْمُبْتَلَى حَتَّى يُفِيقَ وَالصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ» .
следующие страницы →