Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ بِلَا شَكٍّ، فَوَجَبَ إبْطَالُهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُمَا عَمَلٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة صَفْقَة جمعت حلالا وحراما]
١٥١٩ - مَسْأَلَةٌ:
وَكُلُّ صَفْقَةٍ جَمَعَتْ حَرَامًا وَحَلَالًا فَهِيَ بَاطِلٌ كُلُّهَا، لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ مِثْلُ: أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَبِيعِ مَغْصُوبًا، أَوْ لَا يَحِلُّ مِلْكُهُ، أَوْ عَقْدًا فَاسِدًا وَسَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ الصَّفْقَةِ، أَوْ أَكْثَرَهَا، أَوْ أَدْنَاهَا، أَوْ أَعْلَاهَا، أَوْ أَوْسَطَهَا وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ بَطَلَتْ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا بَطَلَ الْحَرَامُ، وَصَحَّ الْحَلَالُ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ.
وَمِنْ الْعَجَائِبِ احْتِجَاجُهُمْ لِذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ وَجْهَ الصَّفْقَةِ هُوَ الْمُرَادُ وَالْمَقْصُودُ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْتُمْ؟ وَمَا هُوَ إلَّا قَوْلُكُمْ احْتَجَجْتُمْ لَهُ بِقَوْلِكُمْ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَصِحُّ الْحَلَالُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَيَبْطُلُ الْحَرَامُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَوَجَدْنَا هَذَا الْقَوْلَ يُبْطِلُهُ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَهَذَانِ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِبَعْضِ الصَّفْقَةِ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا تَرَاضَيَا بِجَمِيعِهَا، فَمَنْ أَلْزَمَهُمَا بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ فَقَدْ أَلْزَمَهُمَا مَا لَمْ يَتَرَاضَيَا بِهِ حِينَ الْعَقْدِ، فَخَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَكَمَ بِأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ حَرَامٌ بِالْقُرْآنِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا الْآنَ بِذَلِكَ لَمْ نَمْنَعْهُمَا، وَلَكِنْ بِعَقْدٍ مُجَرَّدٍ بِرِضَاهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَقَعْ هَكَذَا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ تِلْكَ الصَّفْقَةِ لَمْ يَتَعَاقَدَا صِحَّتَهُ إلَّا بِصِحَّةِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَا صِحَّةَ لَهُ، وَكُلُّ مَا لَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بِصِحَّةِ مَا لَا يَصِحُّ أَبَدًا فَلَا صِحَّةَ لَهُ أَبَدًا وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْحُرِّ]
١٥٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْحُرِّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 3117
قَالَ اللَّهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»
قَالَ عَلِيٌّ: وَفِي هَذَا خِلَافٌ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ، نُورِدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ مَا يَسَّرَ لِإِيرَادِهِ، لِيَعْلَمَ مُدَّعِي الْإِجْمَاعِ فِيمَا هُوَ أَخْفَى مِنْ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبٌ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَمُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، وَقَالَ مُعَاذٌ: نَا أَبِي ثُمَّ اتَّفَقَ هِشَامٌ، وَهَمَّامٌ، كِلَاهُمَا: عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ رَجُلًا بَاعَ نَفْسَهُ، فَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَنَّهُ عَبْدٌ كَمَا أَقَرَّ نَفْسَهُ، وَجَعَلَ ثَمَنَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَذَا لَفْظُ هَمَّامٍ وَأَمَّا لَفْظُ هِشَامٍ فَإِنَّهُ أَقَرَّ لِرَجُلٍ حَتَّى بَاعَهُ، وَاتَّفَقَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ فِي كِلَا اللَّفْظَيْنِ وَلَا بُدَّ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا شَرِيكٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ فَهُوَ عَبْدٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ سَاقَ إلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا حُرًّا؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: هُوَ رَهْنٌ بِمَا جَعَلَ فِيهِ حَتَّى يَفْتَكَّ نَفْسَهُ.
وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَاضِي الْبَصْرَةِ مِنْ التَّابِعِينَ: أَنَّهُ بَاعَ حُرًّا فِي دَيْنٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَهِيَ قَوْلَةٌ غَرِيبَةٌ لَا يَعْرِفُهَا مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا مَنْ تَبَحَّرَ فِي الْحَدِيثِ وَالْآثَارِ.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا قَضَاءُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَا يَعْتَرِضُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ مُعْتَرِضٌ، فَإِنْ شَنَّعُوا هَذَا؟ قُلْنَا: يَا هَؤُلَاءِ لَا عَلَيْكُمْ، وَاَللَّهِ لَقَدْ قُلْتُمْ بِأَشْنَعَ مِنْ هَذَا وَأَشَدَّ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا.
أَلَيْسَ الْحَنَفِيُّونَ يَقُولُونَ: إنْ ارْتَدَّ الْحَسَنِيُّ، أَوْ الْحُسَيْنِيُّ، أَوْ الْعَبَّاسِيُّ، أَوْ الْمَنَافِيُّ، أَوْ الْقُرَشِيُّ، فَلَحِقَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ فَإِنْ وُلِدَ وَلَدُهُ يُسْتَرَقُّونَ، وَإِنْ أَسْلَمُوا كَانُوا
стр. 3118
عَبِيدًا، وَأَنَّ الْقُرَشِيَّةَ إنْ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ سُبِيَتْ وَأُرِقَّتْ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً تُبَاحُ وَيُسْتَحَلُّ فَرْجُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ تُرِكَتْ عَلَى كُفْرِهَا، وَجَازَ أَنْ يَسْتَرِقَّهَا الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ؟ أَوَ لَيْسَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبَ مَالِكٍ يَقُولُ: إنْ تَذَمَّمَ أَهْلُ الْحَرْبِ وَفِي أَيْدِيهِمْ أَسْرَى مُسْلِمُونَ، وَمُسْلِمَاتٌ أَحْرَارٌ، وَحَرَائِرُ، فَإِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَبِيدًا لَهُمْ وَإِمَّا يَتَمَلَّكُونَهُمْ وَيَتَبَايَعُونَهُمْ، فَأُفٍّ لِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَتُفٍّ، فَأَيُّهُمَا أَشْنَعُ مِمَّا لَمْ يُقَلِّدُوا فِيهِ عُمَرَ، وَعَلِيًّا ﵄؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَنْ صَارَ حُرًّا بِعِتْقٍ، أَوْ بِأَنْ كَانَ ابْنَ حُرٍّ مِنْ أَمَةٍ لَهُ، أَوْ بِأَنْ حَمَلَتْ بِهِ حُرَّةٌ، أَوْ بِأَنْ أُعْتِقَتْ أَمَةٌ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ الْمُعْتِقُ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ، فَلَا تَبْطُلُ عَلَيْهِ، وَلَا عَمَّنْ تَنَاسَلَ مِنْهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ مِنْ الْوِلَادَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَبَدًا، لَا بِأَنْ يَرْتَدَّ، وَلَا بِأَنْ تَرْتَدَّ، وَلَا بِأَنْ يُسْبَى، وَلَا بِأَنْ يَرْتَدَّ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ وَإِنْ بَعُدَ، أَوْ جَدَّتُهُ وَإِنْ بَعُدَتْ وَلَا بِلَحَاقِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ أَحَدِ أَجْدَادِهِ، أَوْ جَدَّاتِهِ أَوْ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا: وَلَا بِإِقْرَارِهِ بِالرِّقِّ، وَلَا بِدَيْنٍ، وَلَا بِبَيْعِهِ نَفْسِهِ، وَلَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَبَدًا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَقَدْ جَاءَ أَثَرٌ بِأَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع أمة حملت مِنْ سيدها]
١٥٢١ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ أَمَةٍ حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا، لِمَا حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُصْعَبُ بْنُ سَعِيدٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ إبْرَاهِيمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحُ السَّنَدِ وَالْحُجَّةُ بِهِ قَائِمَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الثَّابِتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلُ بِجَوَازِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ رِوَايَتِهِ، فَمَا كَانَ لِيَتْرُكَ مَا رُوِيَ إلَّا لِضَعْفِهِ عِنْدَهُ، وَلِمَا هُوَ أَقْوَى عِنْدَهُ؟ قُلْنَا: لَسْنَا نُعَارَضُ - مَعْشَرَ الظَّاهِرِيِّينَ - بِهَذَا الْغُثَاءِ مِنْ الْقَوْلِ، وَلَا يَعْتَرِضُ بِهَذَا عَلَيْنَا إلَّا ضِعَافُ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ عِنْدَنَا فِي الرِّوَايَةِ، لَا فِي الرَّأْيِ، يُعَارِضُ بِهَذَا مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ إذَا عُورِضَ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ.
стр. 3119
وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا مِنْ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ، الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِالتَّنَاقُضِ فِي ذَلِكَ، مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا، وَاَلَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ يَدَّعُوا هَهُنَا الْإِجْمَاعَ ثُمَّ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ يَجْعَلُوا: ابْنَ مَسْعُودٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، مُخَالِفِينَ لِلْإِجْمَاعِ فَهَذِهِ صِفَةُ عِلْمِهِمْ بِالسُّنَنِ، وَهَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
١٥٢١ - مَسْأَلَةٌ:
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إذَا وَقَعَ مَنِيُّ السَّيِّدِ فِي فَرْجِ أَمَتِهِ فَأَمْرُهَا مُتَرَقَّبٌ، فَإِنْ بَقِيَ حَتَّى يَصِيرَ خَلْقًا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَهِيَ حَرَامٌ بَيْعُهَا مِنْ حِينِ سُقُوطِ الْمَنِيِّ فِي فَرْجِهَا وَيُفْسَخُ بَيْعُهَا إنْ بِيعَتْ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلْقًا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَلَدٌ، فَلَمْ يَحْرُمْ بَيْعُهَا قَطُّ.
وَبُرْهَانُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْتَحَقَّ الْمَنْعُ مِنْ الْبَيْعِ فِي الْحَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَكَانَ بَيْعُهَا حَلَالًا، لَوْ كَانَ بَيْعُهَا حَلَالًا لَحَلَّ فَرْجُهَا لِمُشْتَرِيهَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمَنِيُّ وَلَدًا وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ الْمَذْكُورِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَيِّتِ إثْرَ كَوْنِ مَنِيِّهِ فِي فَرْجِ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ مُتَرَقِّبٌ أَيْضًا، فَإِنْ وُلِدَ حَيًّا عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ مِيرَاثُهُ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَإِنْ وُلِدَ مَيِّتًا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَطُّ مِيرَاثٌ، إذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ هَذَا لَمَا حَدَثَ لَهُ حَقٌّ فِي مِيرَاثٍ قَدْ اسْتَحَقَّهُ غَيْرُهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْهَوَاءِ]
١٥٢٢ - مَسْأَلَةٌ:
وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْهَوَاءِ أَصْلًا، كَمَنْ بَاعَ مَا عَلَى سَقْفِهِ وَجُدْرَانِهِ لِلْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ لَا يَسْتَقِرُّ فَيُضْبَطُ بِمِلْكٍ أَبَدًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَمَوِّجٌ يَمْضِي مِنْهُ شَيْءٌ وَيَأْتِي آخَرُ أَبَدًا، فَكَانَ يَكُونُ بَيْعُهُ أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ، فَهُوَ بَيْعُ غَرَرٍ، وَبَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُ، وَبَيْعُ مَجْهُولٍ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا بِيعَ الْمَكَانُ لَا الْهَوَاءُ؟ قُلْنَا: لَيْسَ هُنَاكَ مَكَانٌ أَصْلًا غَيْرَ الْهَوَاءِ، فَلَوْ كَانَ مَا قُلْتُمْ لَكَانَ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ عَدَمٌ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ حَقًّا.
فَإِنَّ قِيلَ: إنَّمَا بَاعَ سَطْحَ سَقْفِهِ وَجُدْرَانِهِ؟
стр. 3120
قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ وَهُوَ أَيْضًا شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لَهُ أَنْ يَهْدِمَ شَيْئًا مِنْ سَقْفِهِ، وَلَا مِنْ رُءُوسِ جُدْرَانِهِ، وَهَذَا شَرْطٌ لَمْ يَأْتِ النَّصُّ بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ حَرَامٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا - وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الْقِسْمَةِ " وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَمْلِكَ أَحَدٌ شَيْئًا وَيَمْلِكُ غَيْرُهُ الْعُلُوَّ الَّذِي عَلَيْهِ - وَمَنْ بَاعَ سَقْفَهُ فَقَطْ فَحَلَالٌ، وَيُؤْخَذُ الْمُشْتَرِي بِإِزَالَةِ مَا اشْتَرَى عَنْ مَكَان مِلْكُهُ لِغَيْرِهِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ مَنْ لَا يَعْقِلُ لِسُكْرٍ أَوْ جُنُونٍ]
١٥٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَنْ لَا يَعْقِلُ لِسُكْرٍ، أَوْ جُنُونٍ، وَلَا يَلْزَمُهُمَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] .
فَشَهِدَ بِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَالْبَيْعُ قَوْلٌ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ: مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَوْلِ مِمَّنْ بِهِ آفَةٌ مِنْ الْخَرَسِ، أَوْ بِفَمِهِ آفَةٌ، فَمَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ فَلَمْ يَبِعْ شَيْئًا وَلَا ابْتَاعَ شَيْئًا؟ وَأَجَازَهُ قَوْمٌ وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالُوا: هُوَ عَصَى اللَّهَ - تَعَالَى وَعَزَّ وَجَلَّ - وَأَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ؟ فَقُلْنَا نَعَمْ، وَحَقُّهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّارُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبِ إلْزَامِهِ حُكْمًا زَائِدًا لَمْ يُلْزِمْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - إيَّاهُ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي سَكْرَانَ عَرْبَدَ فَوَقَعَ فَانْكَسَرَتْ سَاقُهُ، فَإِنَّ لَهُ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي الصَّلَاةِ قَاعِدًا كَاَلَّذِي أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَا فَرْقَ.
وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ إذَا جُرِحَ جِرَاحَاتٍ تَمْنَعُهُ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ سَمِجٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَيَقُولُونَ فِيمَنْ تَنَاوَلَ الْبَلَاذِرَ عَمْدًا فَذَهَبَ عَقْلُهُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَجْنُونِ الَّذِي لَمْ يُدْخِلْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْبَيْعِ، وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَخْتَلِفُونَ مَعَنَا فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالُوا: وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ سَكْرَانُ؟ قُلْنَا: وَمَنْ يَدْرِي أَنَّهُ مَجْنُونٌ؟ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَحَامَقَ، وَإِنَّمَا الْقَوْلُ فِيمَنْ عُلِمَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ بِالْمُشَاهَدَةِ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ فَذَكَرَ الْمُبْتَلَى حَتَّى يُفِيقَ وَالصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ» .
стр. 3121
[مَسْأَلَة بَيْعُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ]
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، إلَّا فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ضَرُورَةً، كَطَعَامٍ لِأَكْلِهِ، وَثَوْبٍ يَطْرُدُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْبَرْدَ وَالْحَرَّ، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى إذَا أَغْفَلَهُ أَهْلُ مَحَلَّتِهِ وَضَيَّعُوهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَإِذَا ضَيَّعَهُ أَهْلُ مَحَلَّتِهِ فَاشْتَرَى مَا ذَكَرْنَا بِحَقِّهِ، فَقَدْ وَافَقَ الْوَاجِبَ، وَعَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ إمْضَاؤُهُ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ رَدُّ الْحَقِّ وَتَكُونُ مُبَايَعَتُهُ حِينَئِذٍ إنْ كَانَ جَائِزَ الْأَمْرِ هُوَ الَّذِي عَقَدَ ذَلِكَ الْعَقْدَ عَلَيْهِ، فَهُوَ عَقْدٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ كَانَ أَيْضًا غَيْرَ جَائِزِ الْأَمْرِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا عَمَلٌ وَافَقَ الْحَقَّ الْوَاجِبَ فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا بَيْعُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لِغَيْرِهِ بِأَمْرِ ذَلِكَ الْآخَرِ، وَابْتِيَاعُهُ لَهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ نَافِذٌ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ يَدَهُ وَعَقْدَهُ إنَّمَا هُمَا يَدُ الْآمِرِ وَعَقْدُهُ فَهُوَ جَائِزٌ، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع نصف هَذِهِ الدَّار مِنْ هَذِهِ الجهة]
١٥٢٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نِصْفِ هَذِهِ الدَّارِ، وَلَا هَذَا الثَّوْبِ أَوْ هَذِهِ الْأَرْضِ، أَوْ هَذِهِ الْخَشَبَةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَكَذَلِكَ ثُلُثُهَا أَوْ رُبُعُهَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَلَوْ عُلِمَ مُنْتَهَى كُلِّ ذَلِكَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بَيْعُ مَجْهُولٍ، وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّرَاضِيَ لَا يَقَعُ عَلَى مَجْهُولٍ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ دَارٍ أَوْ بَيْتٍ أَوْ أَرْضٍ لَا طَرِيقَ إلَيْهَا]
١٥٢٦ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَارٍ أَوْ بَيْتٍ أَوْ أَرْضٍ لَا طَرِيقَ إلَيْهَا لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْزَمَ طَرِيقًا لَمْ يَبِعْهُ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِمَالِ الْمُشْتَرِي جَازَ ذَلِكَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى مَا اشْتَرَى فَلَا تَضْيِيعَ، فَلَوْ اُسْتُحِقَّ مَالُ الْمُشْتَرِي بَطَلَ هَذَا الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فَاسِدًا إذَا كَانَ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ.
[مَسْأَلَة بَيْع جُمْلَة مَجْهُولَة الْقَدْر عَلَى أَنْ كُلّ صَاعٌ مِنْهَا بدرهم]
١٥٢٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ جُمْلَةٍ مَجْهُولَةِ الْقَدْرِ عَلَى أَنَّ كُلَّ صَاعٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ، أَوْ كُلَّ رَطْلٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ، أَوْ كُلَّ ذِرَاعٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ، أَوْ كُلَّ أَصْلٍ مِنْهَا، أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِكَذَا وَكَذَا - وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الْمَقَادِيرِ وَالْأَعْدَادِ، فَإِنْ عَلِمَا جَمِيعًا مِقْدَارَ مَا فِيهَا مِنْ الْعَدَدِ، أَوْ الْكَيْلِ، أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الذَّرْعِ، وَعَلِمَا قَدْرَ الثَّمَنِ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ: جَازَ ذَلِكَ، فَإِنْ بِيعَتْ الْجُمْلَةُ كَمَا هِيَ وَلَا مَزِيدَ، فَهُوَ جَائِزٌ.
стр. 3122
وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَتْ جُمْلَةٌ عَلَى أَنَّ فِيهَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الْكَيْلِ، أَوْ مِنْ الْوَزْنِ، أَوْ مِنْ الذَّرْعِ، أَوْ مِنْ الْعَدَدِ، فَهُوَ جَائِزٌ - فَإِنْ وُجِدَتْ كَذَلِكَ صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَهُوَ مَرْدُودٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ بَيْعَهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ كَيْلٍ مَذْكُورٍ مِنْهَا بِكَذَا، أَوْ كُلَّ وَزْنٍ بِكَذَا، أَوْ كُلَّ ذَرْعٍ بِكَذَا، أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ بِكَذَا، بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ لَا يَدْرِي الْبَائِعُ مَا يَجِبُ لَهُ، وَلَا الْمُشْتَرِي مَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَالَ الْعَقْدِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَالتَّرَاضِي لَا يُمْكِنُ إلَّا فِي مَعْلُومٍ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَبَيْعُ غَرَرٍ.
وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، فَإِذَا خَرَجَ كُلُّ ذَلِكَ إلَى حَدِّ الْعِلْمِ مِنْهُمَا مَعًا، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ حِينَ عَقْدِهِ، وَيَصِحَّ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ لَمْ يَتَعَاقَدَاهُ، وَلَا الْتَزَمَاهُ، فَإِذَا عَلِمَا جَمِيعًا قَدْرَ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ فَهُوَ تَرَاضٍ صَحِيحٌ لَا غَرَرَ فِيهِ.
فَإِنْ بِيعَتْ الْجُمْلَةُ هَكَذَا فَهُوَ بَيْعُ شَيْءٍ مَرْئِيٍّ مُحَاطٍ بِثَمَنٍ مَعْرُوفٍ، فَهُوَ تَرَاضٍ صَحِيحٌ لَا غَرَرَ فِيهِ، فَإِنْ بِيعَتْ الْجُمْلَةُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنَّ فِيهَا كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا بَيْعٌ بِصِفَةٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ وُجِدَ كَمَا عُقِدَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا وُجِدَ غَيْرُ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُعْقَدْ قَطُّ عَلَى الَّذِي وُجِدَ، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: إذَا قُلْت: أَبْتَاعُ مِنْك مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ مَا بَلَغَ، كُلُّ جُزْءٍ كَذَا بِكَذَا، فَهُوَ بَيْعٌ مَكْرُوهٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا بَاعَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ مِنْهَا إلَّا قَفِيزٌ وَاحِدٌ بِدِرْهَمٍ فَقَطْ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَلْزَمُهُ كُلُّهَا كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ - وَهَذَانِ رَأْيَانِ فَاسِدَانِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَهِبَتُهُ]
١٥٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، كُلِّهِمْ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ» .
стр. 3123
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ فِي هَذَا، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - " فِي الْعِتْقِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا - وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
[مَسْأَلَة بَيْعُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ]
١٥٢٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ عَفَا لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ؛ وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَرَاضٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، إلَّا بَيْعًا أَوْجَبَهُ النَّصُّ، كَالْبَيْعِ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَهُوَ غَائِبٌ، أَوْ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْإِنْصَافِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِنْصَافِ ذِي الْحَقِّ قِبَلَهُ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ.
وَبِمَنْعِهِ مِنْ الْمَطْلِ الَّذِي هُوَ الظُّلْمُ، وَإِذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَنْعِهِ مِنْ الظُّلْمِ إلَّا بِبَيْعِ بَعْضِ مَالِهِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِبَيْعِهِ.
وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى لِلْغَرِيمِ بِمَا يُمْكِنُ انْتِصَافُ ذِي الْحَقِّ مِنْهُ مِنْ عَيْنِ مَالِ الْمُمْتَنِعِ، أَوْ الْغَائِبِ، ثُمَّ بَاعَهَا الْمَقْضِيُّ لَهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لِتَوْصِيلِهِ إلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ رُدَّ إلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى، وَأَصَحُّ وَأَبْعَدُ مِنْ كُلِّ اعْتِرَاضٍ - وَقَدْ وَافَقَنَا الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، عَلَى إبْطَالِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْبَيْعِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة الْمُضْطَرّ إلَى الْبَيْع]
١٥٣٠ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْمُضْطَرُّ إلَى الْبَيْعِ، كَمَنْ جَاعَ وَخَشِيَ الْمَوْتَ فَبَاعَ فِيمَا يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ، وَكَمَنْ لَزِمَهُ فِدَاءُ نَفْسِهِ أَوْ حَمِيمِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَمَنْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ عَلَى غُرْمِ مَالِهِ بِالضَّغْطِ وَلَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الْبَيْعِ، لَكِنْ أَلْزَمَهُ الْمَالَ فَقَطْ، فَبَاعَ فِي أَدَاءِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا صَالِحُ بْنُ رُسْتُمَ نا شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ، أَوْ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: " سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ، قَالَ ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَيَنْهَدُ الْأَشْرَارُ، وَيُسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ، وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ وَقَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يُطْعَمَ» .
стр. 3124
وَبِهِ إلَى هُشَيْمٍ عَنْ كَوْثَرَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ بَعْدَ زَمَانِكُمْ هَذَا زَمَانًا عَضُوضًا يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وَيَنْهَدُ شِرَارُ خَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - يُبَايِعُونَ كُلَّ مُضْطَرٍّ، أَلَا إنَّ بَيْعَ الْمُضْطَرِّينَ حَرَامٌ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخُونُهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فَعُدْ بِهِ عَلَى أَخِيكَ وَلَا تَزِدْهُ هَلَاكًا إلَى هَلَاكِهِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَوْ اسْتَنَدَ هَذَانِ الْخَبَرَانِ لَقُلْنَا بِهِمَا مُسَارِعِينَ، لَكِنَّهُمَا مُرْسَلَانِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي الدِّينِ بِالْمُرْسَلِ.
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ رَدِّ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِرِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَيَقُولُ: الْمُرْسَلُ كَالْمُسْنَدِ مِنْ الْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ أَنْ يَقُولَ بِهَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَشَيْخٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَمْكَنُ وَأَوْضَحُ، ثُمَّ هِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مُضْطَرِبُونَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَانِ الْخَبَرَانِ فَلْنَطْلُبْ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ غَيْرِهِمَا -: فَوَجَدْنَا كُلَّ مَنْ يَبْتَاعُ قُوتَ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ لِلْأَكْلِ وَاللِّبَاسِ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى ابْتِيَاعِهِ بِلَا شَكٍّ، فَلَوْ بَطَلَ ابْتِيَاعُ هَذَا الْمُضْطَرِّ لَبَطَلَ بَيْعُ كُلِّ مَنْ لَا يُصِيبُ الْقُوتَ مِنْ ضَيْعَتِهِ - وَهَذَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ، وَبِضَرُورَةِ النَّقْلِ مِنْ الْكَوَافِّ وَقَدْ ابْتَاعَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْوُعًا مِنْ شَعِيرٍ لِقُوتِ أَهْلِهِ، وَمَاتَ ﵇ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ فِي ثَمَنِهَا فَصَحَّ أَنَّ بَيْعَ الْمُضْطَرِّ إلَى قُوتِهِ وَقُوتِ أَهْلِهِ، وَبَيْعَهُ مَا يَبْتَاعُ بِهِ الْقُوتَ بَيْعٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ، فَهُوَ أَيْضًا بَيْعُ تَرَاضٍ لَمْ يُجْبِرْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ صَحِيحٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَنْ بَاعَ فِي إنْقَاذِ نَفْسِهِ، أَوْ حَمِيمِهِ، مِنْ يَدِ كَافِرٍ أَوْ ظُلْمِ ظَالِمٍ -: فَوَجَدْنَا الْكَافِرَ وَالظَّالِمَ لَمْ يُكْرِهَا فَادِيَ الْأَسِيرِ، وَلَا الْأَسِيرَ، وَلَا الْمَضْغُوطَ عَلَى بَيْعِ مَا بَاعُوا فِي اسْتِنْقَاذِ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ مَنْ يَسْعَوْنَ لِاسْتِنْقَاذِهِ وَإِنَّمَا أَكْرَهُوهُمْ عَلَى إعْطَاءِ الْمَالِ فَقَطْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَتَوْهُمَا بِمَالٍ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ مَا أَلْزَمُوهُمَا الْبَيْعَ - فَصَحَّ أَنَّهُ بَيْعُ تَرَاضٍ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ طُلِبَ بِبَاطِلٍ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يُغَيِّرَ الْمُنْكَرَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ
стр. 3125
لَا أَنْ يُعْطِيَ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ: فَصَحَّ أَنَّ بَيْعَهُ صَحِيحٌ لَازِمٌ لَهُ، وَأَنَّ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ دَفْعِ الْمَالِ فِي ذَلِكَ هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ، فَهُوَ بَاقٍ فِي مِلْكِهِ، كَمَا كَانَ يَقْضِي لَهُ بِهِ مَتَى قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَأْخُذُهُ مِنْ الظَّالِمِ، وَمِنْ الْحَرْبِيِّ الْكَافِرِ، مَتَى أَمْكَنَهُ، أَوْ مَتَى وَجَدَهُ فِي مَغْنَمٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ، مِنْ يَدِ مَنْ وَجَدَهُ فِي يَدِهِ، مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ، أَوْ مِنْ يَدِ ذَلِكَ الْكَافِرِ، لَوْ تَذَمَّمَ، أَوْ أَسْلَمَ أَبَدًا - هَذَا إذَا وَجَدَ ذَلِكَ الْمَالَ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ كَمَا كَانَ، وَلَا يُطْلَبُ الْكَافِرُ بِغَيْرِهِ بَدَلًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا أَسْلَمَ أَوْ تَذَمَّمَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِمَا سَلَفَ مِنْ ظُلْمٍ أَوْ قَتْلٍ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُ الظَّالِمُ فَيَتْبَعُهُ بِهِ أَبَدًا، أَوْ بِمِثْلِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ خَارِجِيًّا أَوْ مُحَارِبًا، أَوْ بَاغِيًا، أَوْ سُلْطَانًا، أَوْ مُتَغَلِّبًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
[مَسْأَلَة بَيْع الْحَيَوَان]
١٥٣١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الْحَيَوَانِ إلَّا لِمَنْفَعَةٍ، إمَّا لِأَكْلٍ، وَإِمَّا لِرُكُوبٍ، وَإِمَّا لِصَيْدٍ، وَإِمَّا لِدَوَاءٍ.
فَإِنْ كَانَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ، وَلَا مِلْكُهُ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ مِنْ الْمُبْتَاعِ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ مِنْ الْبَائِعِ.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، أَوْ لِغَيْرِهِ جَازَ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ عَنْ تَرَاضٍ، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَلَيْسَ إضَاعَةَ مَالٍ، وَلَا أَكْلَ مَالٍ بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة الْبَيْع مِنْ غَيْر تَسْمِيَة الثَّمَن]
١٥٣٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ مُسَمًّى، كَمَنْ بَاعَ بِمَا يَبْلُغُ فِي السُّوقِ، أَوْ بِمَا اشْتَرَى فُلَانٌ، أَوْ بِالْقِيمَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ غَرَرٍ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ التَّرَاضِي، وَلَا يَكُونُ التَّرَاضِي إلَّا بِمَعْلُومِ الْمِقْدَارِ، وَقَدْ يَرْضَى؛ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ ثَمَنًا مَا فَإِنْ بَلَغَ أَكْثَرَ لَمْ يَرْضَ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ بَلَغَ أَقَلَّ لَمْ يَرْضَ الْبَائِعُ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: مَنْ بَاعَ بِالرِّبْحِ، أَوْ بِالْكَعْبَةِ، أَوْ بِلَا ثَمَنٍ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ، فَإِنْ بَاعَ بِالْمَيْتَةِ، أَوْ بِالدَّمِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا.
وَلَا يَجُوزُ عِتْقُهُ لَهُ - وَإِنْ قَبَضَهُ بِإِذْنِ بَائِعِهِ - فَإِنْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ لَمْ يُسَمِّيَاهُ، أَوْ بَاعَهُ بِخَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ فَقَبَضَهُ بِإِذْنِ بَائِعِهِ فَأَعْتَقَهُ: جَازَ عِتْقُهُ لَهُ.
стр. 3126
قَالَ عَلِيٌّ: مَا فِي الْجُنُونِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ.
فَإِنْ قَالَ: إنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَمَلَّكُ الْخَمْرَ، وَالْخِنْزِيرَ - وَهُمْ الْكُفَّارُ مِنْ النَّصَارَى - قُلْنَا: إنَّهُمْ يَتَمَلَّكُونَ أَيْضًا الْمَيْتَةَ، وَالدَّمَ كَذَلِكَ، وَالْمَجُوسُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَلَا فَرْقَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ النَّرْدِ]
١٥٣٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ النَّرْدِ؛ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ فَمِلْكُهَا حَرَامٌ، وَبَيْعُهَا حَرَامٌ» .
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا أَخَذَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ضَرَبَهُ وَكَسَرَهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهَا بَلَغَهَا أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ فِي دَارِهَا كَانُوا سُكَّانًا فِيهَا أَنَّ عِنْدَهُمْ نَرْدًا فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِمْ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجُوهَا لَأُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ دَارِي، وَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِمْ.
[مَسْأَلَة بَيْع اثْنَانِ سِلْعَتَيْنِ لَهُمَا مِنْ إنْسَان وَاحِد بِثَمَنِ وَاحِد]
١٥٣٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَ اثْنَانِ سِلْعَتَيْنِ مُتَمَيِّزَتَيْنِ لَهُمَا لَيْسَا فِيهِمَا شَرِيكَيْنِ مِنْ إنْسَانٍ وَاحِدٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ بِالْقِيمَةِ، وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَقَعُ لِسِلْعَتِهِ حِينَ الْعَقْدِ، فَهُوَ بَيْعُ غَرَرٍ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الشَّرِيكَيْنِ، أَوْ الشُّرَكَاءِ مِنْ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ أَكْثَرَ، أَوْ ابْتِيَاعُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، مِنْ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ شَرِيكَيْنِ: فَحَلَالٌ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَعْلُومَةُ الثَّمَنِ، مَحْدُودَتُهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة تبين الثَّمَن]
١٥٣٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ تَجْرِي فِيهِ سِكَكٌ كَثِيرَةٌ شَتَّى، فَلَا يَحِلُّ الْبَيْعُ إلَّا بِبَيَانٍ مِنْ أَيِّ سِكَّةٍ يَكُونُ الثَّمَنُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا ذَلِكَ -: فَهُوَ بَيْعٌ مَفْسُوخٌ، مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَنْ غَيْرِ تَرَاضٍ بِالثَّمَنِ، وَهُوَ أَيْضًا بَيْعُ غَرَرٍ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ]
١٥٣٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا خِدْمَةُ الْمُدَبَّرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
стр. 3127
وَأَجَازَ مَالِكٌ كِلَا الْأَمْرَيْنِ: أَمَّا الْمُدَبَّرُ فَمِنْ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَمِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَأَجَازَ بَيْعَهُمَا جُمْلَةً: الزُّهْرِيُّ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ.
وَرُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ عَنْ عَطَاءٍ، وَابْنِ سِيرِينَ؛ لِأَنَّ كِتَابَةَ الْمُكَاتَبِ إنَّمَا تَجِبُ بِالنُّجُومِ، وَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَنْ بَاعَهَا فَقَدْ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ بَعْدُ، وَلَا يَدْرِي أَيَجِبُ لَهُ أَمْ لَا؟ وَأَيْضًا: فَلَيْسَتْ عَيْنًا مُعَيَّنَةً، فَلَا يَدْرِي الْبَائِعُ أَيَّ شَيْءٍ بَاعَ مِنْ نَوْعِ مَا بَاعَ، وَلَا يَدْرِي الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى، فَهُوَ بَيْعُ غَرَرٍ، وَمَجْهُولُ الْعَيْنِ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ أَجَازَ بَيْعَهَا؟ قُلْنَا: وَكَمْ قِصَّةٍ رُوِيَتْ عَنْ جَابِرٍ خَالَفْتُمُوهَا -: مِنْهَا: قَوْلُهُ الَّذِي قَدْ أَوْرَدْنَا أَنْ لَا يُبَاعَ شَيْءٌ اُشْتُرِيَ كَائِنًا مَا كَانَ إلَّا حَتَّى يُقْبَضَ وَقَوْلُهُ: الْعُمْرَةُ فَرِيضَةٌ، وَقَوْلُهُ: لَا يُحْرِمُ أَحَدٌ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِالْحَجِّ وَقَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ ثَمَنُ الْهِرِّ.
وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي ذَلِكَ، فَالْآنَ صَارَ حُجَّةً وَهُنَالِكَ لَا؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُنَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا خِدْمَةُ الْمُدَبَّرِ فَبَيْعُهَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْدِمُ وَلَعَلَّهُ سَيَخْدِمُ خَمْسِينَ سَنَةً، أَوْ لَعَلَّهُ يَمُوتُ غَدًا، أَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ، أَوْ يَخْرُجُ حُرًّا كَذَلِكَ - فَهَذَا هُوَ الْحَرَامُ الْبَحْتُ، وَأَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَبَيْعُ الْغَرَرِ، وَبَيْعُ مَا لَيْسَ عَيْنًا، وَبَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، فَقَدْ جَمَعَ كُلَّ بَلَاءٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ» رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ؟
стр. 3128
قُلْنَا: هَذَا مُرْسَلٌ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ - وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ خِدْمَةِ الْمُخْدِمِ أَصْلًا، لِمَا ذَكَرْنَا فِي خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ وَلَا فَرْقَ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ السَّمْنِ الْمَائِعِ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ]
١٥٣٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمْنِ الْمَائِعِ يَقَعُ فِيهِ الْفَأْرُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَرْقِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الطَّهَارَةِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا وَفِي " كِتَابِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ " فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ جَامِدًا أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَيْتَةٌ غَيْرُ الْفَأْرِ أَوْ نَجَاسَةٌ فَلَمْ تُغَيِّرْ لَوْنَهُ، وَلَا طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ، أَوْ وَقَعَ الْفَأْرُ الْمَيِّتُ أَوْ الْحَيُّ، أَوْ أَيُّ نَجَاسَةٍ، أَوْ أَيُّ مَيْتَةٍ كَانَتْ فِي مَائِعٍ غَيْرِ السَّمْنِ، فَلَمْ تُغَيِّرْ طَعْمًا وَلَا لَوْنًا وَلَا رِيحًا: فَبَيْعُهُ حَلَالٌ، وَأَكْلُهُ حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي الْكُتُبِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ: جَازَ بَيْعُهُ أَيْضًا، كَمَا يُبَاعُ الثَّوْبُ النَّجِسُ.
وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ الطَّاهِرَ لَا يُنَجَّسُ بِمُلَاقَاتِهِ النَّجِسَ وَلَوْ أَمْكَنَنَا أَنْ نَفْصِلَهُ مِنْ الْحَرَامِ لَحَلَّ أَكْلُهُ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ نَصٌّ فَهُوَ مُبَاحٌ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، يَعْنِي مَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ الَّتِي حَلَّتْهَا النَّجَاسَاتُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُبَاعُ الشَّيْءُ الَّذِي حَلَّتْهُ النَّجَاسَةُ لَا النَّجَاسَةُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الصُّوَرِ]
١٥٣٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ الصُّوَرِ إلَّا لِلَعِبِ الصَّبَايَا فَقَطْ، فَإِنَّ اتِّخَاذَهَا لَهُنَّ حَلَالٌ حَسَنٌ، وَمَا جَازَ مِلْكُهُ جَازَ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ.
قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ اتِّخَاذُ الصُّوَرِ إلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ
стр. 3129
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ يَعُودُهُ قَالَ: فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ فَأَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ بِنَزْعِ نَمَطٍ كَانَ تَحْتَهُ؟ فَقَالَ لَهُ سَهْلٌ: لِمَ نَزَعْتَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَا قَدْ عَلِمْت؟ قَالَ سَهْلٌ: أَلَمْ يَقُلْ إلَّا مَا كَانَ رَقْمًا؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: حَرَامٌ عَلَيْنَا تَنْفِيرُ الْمَلَائِكَةِ عَنْ بُيُوتِنَا، وَهُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَالْمُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِقُرْبِهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَأْتِينِي صَوَاحِبِي فَكُنَّ يَتَقَمَّعْنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُسَرِّبُهُنَّ إلَيَّ» فَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ الْبَنَاتِ لِلصَّبَايَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الصُّوَرِ.
وَأَمَّا الصُّلُبُ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُهَا فِي ثَوْبٍ، وَلَا فِي غَيْرِهِ -: لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ فِي بَيْتِهِ ثَوْبًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إلَّا نَقَضَهُ» .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ السِّتْرَ الْمُعَلَّقَ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَجُعِلَتْ لَهُ مِنْهُ
стр. 3130
وِسَادَةً فَلَمْ يُنْكِرْهَا - فَصَحَّ أَنَّ الصُّوَرَ فِي السُّتُورِ مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، وَفِي الْوَسَائِدِ، وَغَيْرِ السُّتُورِ لَيْسَتْ مَكْرُوهَةَ الِاسْتِخْدَامِ بِهَا.
[مَسْأَلَة الْبَيْع يَوْم الْجُمُعَةَ]
١٥٣٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْبَيْعُ مُذْ تَزُولُ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَى مِقْدَارِ تَمَامِ الْخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ، لَا لِمُؤْمِنٍ، وَلَا لِكَافِرٍ، وَلَا لِامْرَأَةٍ، وَلَا لِمَرِيضٍ، وَأَمَّا مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ فَإِلَى أَنْ تَتِمَّ صَلَاتُهُمْ لِلْجُمُعَةِ، وَكُلُّ بَيْعٍ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ مَفْسُوخٌ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - وَأَجَازَ الْبَيْعَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ: الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ، وَالسَّلَمُ وَالْإِجَارَةُ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ - فَجَائِزَةٌ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِكُلِّ أَحَدٍ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ - وَلَمْ يُجِزْهَا مَالِكٌ.
بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فَهُمَا أَمْرَانِ مُفْتَرَضَانِ: السَّعْيُ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَتَرْكُ الْبَيْعِ، فَإِذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا بِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ كَالْمَرِيضِ، وَالْخَائِفِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْمَعْذُورِ، لَمْ يَسْقُطْ الْآخَرُ، إذْ لَمْ يُوجِبْ سُقُوطَهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ - وَجَبَ إلْزَامُ الْكُفَّارِ كَذَلِكَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .
وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وَأَمَّا إدْخَالُ مَالِكٍ النِّكَاحَ، وَالْإِجَارَةَ فِي ذَلِكَ، فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إنَّمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ، وَلَوْ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ النِّكَاحِ، وَالْإِجَارَةِ لَمَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا كَتَمْنَا مَا أَلْزَمَنَا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَتَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا يَحِلُّ.
وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إنَّمَا هُوَ أَنْ يُقَاسَ الشَّيْءُ عَلَى نَظِيرِهِ، وَلَيْسَ الْبَيْعُ نَظِيرَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ.
وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ ذِكْرِ ثَمَنٍ، وَالْمُتَنَاكِحَانِ لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا فِي النِّكَاحِ نَقْلُ مِلْكٍ، وَالْبَيْعُ نَقْلُ مِلْكٍ.
стр. 3131
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَإِنَّمَا هِيَ مُعَاوَضَةٌ فِي مَنَافِعَ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ - تَعَالَى - بَعْدُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَاجِرَ الْحُرُّ نَفْسَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ، فَلَا شَبَهَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ.
فَإِنْ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ بِمَا يُشَاغِلُ عَنْ السَّعْيِ: صَارَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَ مِنْ الْبَيْعِ مَا لَا تَشَاغَلَ مِنْهُ عَنْ السَّعْيِ، وَلَا قِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إلَّا عَلَى عِلَّةٍ، فَإِنْ لَمْ يُعَلِّلْ بَطَلَ الْقِيَاسُ - وَمَا نَعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِي هَذَا الْقَوْلِ.
وَأَمَّا إجَازَةُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ: الْبَيْعَ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فَخِلَافٌ لِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالُوا: إنَّمَا نَهَى عَنْ التَّشَاغُلِ عَنْ السَّعْيِ إلَى الصَّلَاةِ فَقَطْ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأً بَاعَ فِي الصَّلَاةِ لَصَحَّ الْبَيْعُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ فَاسِدَانِ مِنْ الْقَوْلِ جِدًّا -: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِذَلِكَ التَّشَاغُلَ عَنْ السَّعْيِ فَقَطْ، فَعَظِيمٌ مِنْ الْقَوْلِ جِدًّا، لَيْتَ شِعْرِي مَنْ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ يَسْمَعُونَ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] .
وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرَادَ مَا قَالُوا لَمَا نَهَانَا عَنْ الْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَلَا عَجَزَ عَنْ بَيَانِ مُرَادِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا هَهُنَا ضَرُورَةٌ تُوجِبُ فَهْمَ هَذَا وَلَا نَصٌّ، فَهُوَ بَاطِلٌ مَحْضٌ، وَدَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَوْ بَاعَ فِي الصَّلَاةِ لَجَازَ الْبَيْعُ: فَتَمْوِيهٌ بَارِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِأَوَّلِ أَخْذِهِ فِي الْكَلَامِ فِي الْمُسَاوَمَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَصَارَ غَيْرَ مُصَلٍّ - فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ جُمْلَةً.
فَإِنْ قَالُوا: هَذَا نَدْبٌ؟ قُلْنَا: مَا دَلِيلُكُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: افْعَلْ، فَيَقُولُونَ: مَعْنَاهُ - لَا تَفْعَلْ إنْ شِئْت؟ أَمْ كَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: لَا تَفْعَلْ، فَيَقُولُونَ: مَعْنَاهُ: افْعَلْ إنْ شِئْت؟ وَهَذَا إبْطَالُ الْحَقَائِقِ، وَنَفْسُ الْمَعْصِيَةِ، وَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ وَجَدْنَا أَوَامِرَ وَنَوَاهِيَ مَعْنَاهَا: النَّدْبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ بِنَصٍّ آخَرَ بَيَّنَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ وَجَدْنَا آيَاتٍ مَنْسُوخَاتٍ بِنَصٍّ آخَرَ وَلَمْ يَجِبْ
стр. 3132
بِذَلِكَ حَمْلُ آيَةٍ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَلَا عَلَى أَنَّهَا نَدْبٌ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَبْطَلَ مَا شَاءَ بِلَا دَلِيلٍ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي - نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد نا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ نا سِمَاكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَصْلُحُ الْبَيْعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يُنَادَى لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا قُضِيَتْ فَاشْتَرِ وَبِعْ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ فَسَخَ بَيْعًا وَقَعَ بَيْنَ نِسَاءٍ وَبَيْنَ عَطَّارٍ بَعْدَ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ.
١٥٤٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ إلَّا مِقْدَارَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ بَعْدُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصَّلَاةِ، عَارِفٌ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْتِ، فَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ حِينَئِذٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ: بَاطِلٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ، مَأْمُورٌ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِذَلِكَ: جَازَ كُلُّ مَا عَمِلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ لِلنَّاسِي مُمْتَدٌّ أَبَدًا.
وَأَمَّا مَنْ سَهَا فَسَلَّمَ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاتِهِ فَمَا أَنْفَذَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ: فَمَرْدُودٌ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ، لَكِنْ عُفِيَ لَهُ عَنْ النِّسْيَانِ، فَهُوَ إنَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ بَاعَ وَلَمْ يَبِعْ؛ لِأَنَّهُ غَيَّرَ الْبَيْعَ الَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ، فَإِذًا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَعَ شَرِيكِهِ]
١٥٤١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَعَ شَرِيكِهِ لَا مَا يَنْقَسِمُ وَلَا مَا لَا يَنْقَسِمُ، وَلَا عَلَى أَنْ يُقَاوِمَهُ فَيَبِيعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، لَكِنْ مَا شَاءَ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ: فَلَهُ ذَلِكَ، وَمَنْ أَبَى لَمْ يُجْبَرْ، فَإِنْ أَجْبَرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَاكِمٌ أَوْ غَيْرُهُ: فُسِخَ حُكْمُهُ أَبَدًا، وَحُكِمَ فِيهِ بِحُكْمِ الْغَصْبِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
стр. 3133
وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ حَقِّهِ فَلَمْ يَرْضَ فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ إلَّا حَيْثُ أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ كَالشُّفْعَةِ، وَعَلَى الْغَائِبِ، وَعَلَى الصَّغِيرِ، وَعَلَى الظَّالِمِ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِإِجْبَارِ الشَّرِيكِ عَلَى الْبَيْعِ مَعَ شَرِيكِهِ بِخَبَرٍ رُوِيَ فِيهِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَهَذَا خَبَرٌ لَمْ يَصِحَّ قَطُّ، إنَّمَا جَاءَ مُرْسَلًا، أَوْ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى - وَهُوَ مَجْهُولٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ أَعْظَمَ الضِّرَارِ وَالضَّرَرِ: هُوَ الَّذِي فَعَلُوهُ مِنْ إجْبَارِهِمْ إنْسَانًا عَلَى بَيْعِ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَبِغَيْرِ أَنْ يُوجِبَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَمَا أَبَاحَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَطُّ أَنْ يُرَاعَى رِضَا أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِإِسْخَاطِ شَرِيكِهِ فِي مَالِهِ نَفْسِهِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ الصُّرَاحُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُجَابَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إلَى قَوْلِهِ: لَا بُدَّ أَنْ يَبِيعَ شَرِيكِي مَعِي لِأَسْتَجْزِلَ الثَّمَنَ فِي حِصَّتِي، وَبَيْنَ أَنْ يُجَابَ الْآخَرُ إلَى قَوْلِهِ: لَا بُدَّ أَنْ يُمْنَعَ شَرِيكِي مَعَ بَيْعِ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيَّ فِي حِصَّتِي، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ، لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ كِلَيْهِمَا مُمَكَّنٌ مِنْ حِصَّتِهِ، مَنْ شَاءَ بَاعَ حِصَّتَهُ وَمَنْ شَاءَ أَمْسَكَ حِصَّتَهُ.
وَقَدْ مَوَّهُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا أَبُو بِشْرٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: «أَنَّ نَخْلَةً كَانَتْ لِإِنْسَانٍ فِي حَائِطِ آخَرَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ، فَأَبَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا ضَرَرَ فِي الْإِسْلَامِ» وَهَذَا مُرْسَلٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّنَا نَقُولُ لَهُمْ نَعَمْ، وَهَذَا مَنْعٌ مِنْ أَنْ يُجْبَرَ الْآخَرُ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ شَرِيكِهِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ، أَوْ عَلَى الْبَيْعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ -: فَهَذَانِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ.
وَذَكَرُوا أَيْضًا: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْعَتَكِيُّ نا حَمَّادٌ نا
стр. 3134
وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يُحَدِّثُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ: وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ فَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ إلَى نَخْلِهِ فَيَتَأَذَّى بِهِ، فَطَلَبَ إلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَطَلَبَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَهُ، فَأَبَى، فَطَلَبَ إلَيْهِ يُنَاقِلُهُ، فَأَبَى قَالَ: فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا وَكَذَا أَمْرًا رَغَّبَهُ فِيهِ، فَأَبَى، فَقَالَ: أَنْتَ مُضَارٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِيِّ: اذْهَبْ فَاقْلَعْ نَخْلَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ لَا سَمَاعَ لَهُ مِنْ سَمُرَةَ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ لَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُمْ لَا يُجْبِرُونَ غَيْرَ الشَّرِيكِ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ جَارِهِ، وَلَا عَلَى الْبَيْعِ مَعَهُ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ خِلَافُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي - قَلْعُ نَخْلِهِ - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْع مَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ]
١٥٤٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ لَا مِنْ رَقِيقٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ - وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْجِهَادِ ".
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ أُمِّ مُوسَى قَالَتْ: أَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِآنِيَةٍ مُخَوَّصَةٍ بِالذَّهَبِ مِنْ آنِيَةِ الْعَجَمِ فَأَرَادَ أَنْ يَكْسِرَهَا وَيُقَسِّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ نَاسٌ مِنْ الدَّهَاقِينَ: إنْ كَسَرْت هَذِهِ كَسَرْت ثَمَنَهَا، وَنَحْنُ نُغْلِي لَك بِهَا؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَمْ أَكُنْ لِأَرُدَّ لَكُمْ مِلْكًا نَزَعَهُ اللَّهُ مِنْكُمْ، فَكَسَرَهَا وَقَسَّمَهَا بَيْنَ النَّاسِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مِنْ الصَّغَارِ، وَكُلُّ صَغَارٍ فَوَاجِبٌ حَمْلُهُ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الرَّقِيقُ: فَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الدُّعَاءَ إلَى الْإِسْلَامِ وَاجِبٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَمِنْ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ كَوْنُ الْكَافِرِ وَالْكَافِرَةِ فِي مِلْكِ الْمُسْلِمِ، وَمِنْ الْأَسْبَابِ الْمُبْعِدَةِ عَنْ الْإِسْلَامِ كَوْنُهُمَا عِنْدَ كَافِرٍ يُقَوِّي بَصَائِرَهُمَا فِي الْكُفْرِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
стр. 3135
[مَسْأَلَة بَيْعُ شَيْءٍ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْصِي اللَّهَ بِهِ أَوْ فِيهِ]
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْصِي اللَّهَ بِهِ أَوْ فِيهِ، وَهُوَ مَفْسُوخٌ أَبَدًا.
كَبَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ يُنْبَذُ أَوْ يُعْصَرُ مِمَّنْ يُوقَنُ بِهَا أَنَّهُ يَعْمَلُهُ خَمْرًا.
وَكَبَيْعِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يُدَلِّسُ بِهَا.
وَكَبَيْعِ الْغِلْمَانِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِهِمْ أَوْ يُخْصِيهِمْ، وَكَبَيْعِ الْمَمْلُوكِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يُسِيءُ مَلَكَتَهُ.
أَوْ كَبَيْعِ السِّلَاحِ أَوْ الْخَيْلِ: مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَعْدُو بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
أَوْ كَبَيْعِ الْحَرِيرِ مِمَّنْ يُوقَنُ أَنَّهُ يَلْبَسُهُ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وَالْبُيُوعُ الَّتِي ذَكَرْنَا تَعَاوُنٌ ظَاهِرٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ بِلَا تَطْوِيلٍ، وَفَسْخُهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
فَإِنْ لَمْ يُوقَنْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعِنْ عَلَى إثْمٍ، فَإِنْ عَصَى الْمُشْتَرِي اللَّهَ - تَعَالَى - بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَا تَبِعْهُ مِمَّنْ يَجْعَلُهُ خَمْرًا.
[مَسْأَلَة بَيْع الجزاف]
١٥٤٤ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ بَاعَ شَيْئًا جُزَافًا كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ أَوْ زَرْعُهُ أَوْ عَدَدُهُ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ هَذَا الْبَيْعِ نَهْيٌ فِي نَصٍّ أَصْلًا، وَلَا فِيهِ غِشٌّ وَلَا خَدِيعَةٌ - وَمَنَعَ مِنْهُ: طَاوُسٌ، وَمَالِكٌ - وَأَجَازَهُ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ كَيْلَهُ أَوْ وَزْنَهُ، أَوْ زَرْعَهُ أَوْ عَدَدَهُ، وَلَا يَعْلَمُهُ الْمُشْتَرِي، وَبَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ مَنْ نَسَجَ الثَّوْبَ، وَلِمَنْ كَانَ، وَمَتَى نُسِجَ، وَأَيْنَ أُصِيبَ هَذَا الْبُرُّ، وَهَذَا التَّمْرُ؟ وَلَا يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مُخْطِئٌ وَقَائِلٌ بِلَا دَلِيلٍ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا جُزَافًا قَدْ عَلِمَ كَيْلَهُ حَتَّى يَعْلَمَ صَاحِبُهُ» وَهَذَا مُنْقَطِعٌ فَاحِشُ الِانْقِطَاعِ.
стр. 3136
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَى الْمَالِكِيِّينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَخُصُّونَ بِهَذَا الْحُكْمِ الطَّعَامَ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمُرْسَلِ إلَّا الطَّعَامُ فَقَطْ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا عَلَى الطَّعَامِ غَيْرَ الطَّعَامِ؟ قُلْنَا: فَهَلَّا قِسْتُمْ عَلَى الطَّعَامِ غَيْرَ الطَّعَامِ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ حَتَّى يُقْبَضَ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَأْتِ النَّصُّ إلَّا فِي الطَّعَامِ.
قُلْنَا: وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ إلَّا الطَّعَامُ، فَإِمَّا اتَّبِعُوا النَّصَّيْنِ مَعًا دُونَ الْقِيَاسِ، وَإِمَّا قِيسُوا عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَمَا عَدَا هَذَا فَبَاطِلٌ مُتَيَقَّنٌ، فَكَيْفَ وَالنَّصُّ قَدْ جَاءَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ فِي كُلِّ مَا اُبْتِيعَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ فَخَالَفُوهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
١٥٤٥ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ الْحِيتَانِ - الْكِبَارِ أَوْ الصِّغَارِ - أَوْ الْأُتْرُجِّ - الْكِبَارِ أَوْ الصِّغَارِ - أَوْ الدُّلَّاعِ، أَوْ الثِّيَابِ، أَوْ الْخَشَبِ، أَوْ الْحَيَوَانِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ جُزَافًا: حَلَالٌ لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ، وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْكِبَارِ مِنْ الْحِيتَانِ، وَالْخَشَبِ، وَأَجَازَهُ فِي الصِّغَارِ - وَهَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَهَذَا بَيْعٌ حَلَالٌ وَلَمْ يَأْتِ تَفْصِيلٌ بِتَحْرِيمِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَاسِدٌ، إذْ لَمْ يَجِدْ الْكَبِيرَ الَّذِي مُنِعَ بِهِ مِنْ بَيْعِ الْجُزَافِ مِنْ الصَّغِيرِ الَّذِي أَبَاحَهُ بِهِ - وَهَذَا رَدِيءٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ وَحَلَّلَ، ثُمَّ لَمْ يُبَيِّنْ مَا الْحَرَامُ فَيَجْتَنِبُهُ مَنْ يَبِيعُهُ، وَمَا الْحَلَالُ فَيَأْتِيهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا كَبِيرَ إلَّا بِإِضَافَتِهِ إلَى مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، وَلَا صَغِيرَ إلَّا بِإِضَافَتِهِ إلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، فَالشَّابِلُ صَغِيرٌ جِدًّا بِالْإِضَافَةِ إلَى الشَّوْلِيِّ وَكَبِيرٌ جِدًّا بِالْإِضَافَةِ إلَى السَّرْدِينِ، وَالْمَدَارِي كِبَارٌ جِدًّا بِالْإِضَافَةِ إلَى السِّهَامِ وَصِغَارٌ جِدًّا بِالْإِضَافَةِ إلَى الصَّوَارِي، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَهُ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا: بَيْعُ الضَّيَاعِ، وَفِيهَا النَّخْلُ الْكَثِيرُ، وَالشَّجَرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، بِغَيْرِ عَدَدٍ،
стр. 3137
لَكِنْ جُزَافًا - وَهُوَ أَحَدُ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ هُنَالِكَ، وَيَمْنَعُهُ هَهُنَا - وَمَا نَعْلَمُ لَهُ مُتَعَلِّقًا أَصْلًا، وَلَا أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُ.
[مَسْأَلَة بَيْع ألبان النِّسَاء والشعور وَبَيْع العذرة والزبل والبول]
١٥٤٦ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ أَلْبَانِ النِّسَاءِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الشُّعُورُ، وَبَيْعُ الْعَذِرَةِ وَالزِّبْلِ لِلتَّزْبِيلِ، وَبَيْعُ الْبَوْلِ لِلصَّبَّاغِ: جَائِزٌ - وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ مِنْ بَيْعِ كُلِّ هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحْلُبَ لَبَنَهَا فِي إنَاءٍ وَتُعْطِيَهُ لِمَنْ يَسْقِيهِ صَبِيًّا، وَهَذَا تَمْلِيكٌ مِنْهَا لَهُ، وَكُلُّ مَا صَحَّ مِلْكُهُ وَانْتِقَالُ الْإِمْلَاكِ فِيهِ: حَلَّ بَيْعُهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلَّا مَا جَاءَ فِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِ هَذَا.
وَأَمَّا الشُّعُورُ، وَالْعَذِرَةُ، وَالْبَوْلُ: فَكُلُّ ذَلِكَ يُطْرَحُ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ أَحَدٌ: هَذَا عَمَلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِذَا تُمُلِّكَ لِأَحَدٍ جَازَ بَيْعُهُ كَمَا ذَكَرْنَا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَمْتِعَ بِشُعُورِ النَّاسِ، كَانَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ النَّحْلِ وَدُودِ الْحَرِيرِ وَالضَّبِّ وَالضَّبُعِ]
١٥٤٧ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ النَّحْلِ، وَدُودِ الْحَرِيرِ، وَالضَّبِّ، وَالضَّبُعِ: جَائِزٌ حَسَنٌ -: أَمَّا الضَّبُّ وَالضَّبُعُ: فَحَلَالٌ أَكْلُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ وَصَيْدٌ مِنْ الصَّيُودِ، وَمَا جَازَ تَمَلُّكُهُ جَازَ بَيْعُهُ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَأَمَّا النَّحْلُ، وَدُودُ الْحَرِيرِ: فَلَهُمَا مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَهُمَا مَمْلُوكَانِ: فَبَيْعُهُمَا جَائِزٌ.
وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ - وَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا، وَلَا أَحَدًا سَبَقَهُ إلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ النَّحْلِ، وَدُودِ الْقَزِّ - وَأَمَّا مَا عَسَّلَتْ النَّحْلُ فِي غَيْرِ خَلَايَا مَالِكِهَا: فَهُوَ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضَهَا، وَلَا مُتَوَلِّدًا مِنْهَا كَالْبَيْضِ، وَالْوَلَدِ، وَاللَّبَنِ، وَالصُّوفِ، لَكِنَّهُ كَسْبٌ لَهَا، كَصَيْدِ الْجَارِحِ، وَهُمَا غَيْرُ النَّحْلِ وَالْجَارِحِ: فَهُوَ لِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ - وَأَمَّا مَا وَضَعَتْ فِي خَلَايَا صَاحِبِهَا: فَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لِذَلِكَ وَضَعَ الْخَلَايَا، فَمَا صَارَ فِيهَا فَهُوَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَضَعَ حِبَالَةً لِلصَّيْدِ، أَوْ قُلَّةً لِلْمَاءِ، أَوْ حَظِيرًا لِلسَّمَكِ: فَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَلَّكَهُ بِوَضْعِ مَا ذَكَرْنَا لَهُ -، وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة ابتياع الْحَرِير]
١٥٤٨ - مَسْأَلَةٌ: وَابْتِيَاعُ الْحَرِيرِ جَائِزٌ، وَقَالَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ بَعْضُ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا
стр. 3138
مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّهُ كَرِهَ التِّجَارَةَ فِي الشَّابِرِيِّ الرَّقِيقِ، وَالْحَرِيرِ وَلُبْسَهُ.
جَاءَ فِي ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ ﵎ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا وَحَرَّمَ الْحَرِيرَ وَثَمَنَهُ» .
وَهَذَا فِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي حُلَّةِ الْحَرِيرِ الَّتِي كَسَاهَا عُمَرَ «لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا، وَلَكِنْ لِتَبِيعَهَا» أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ.
[مَسْأَلَة ابتياع وَلَد الزِّنَا والزانية]
١٥٤٩ - مَسْأَلَةٌ: وَابْتِيَاعُ وَلَدِ الزِّنَى، وَالزَّانِيَةِ حَلَالٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: وَلَدُ الزِّنَى لَا تَبِعْهُ وَلَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَأْكُلْ ثَمَنَهُ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَقَدْ أَمَرَ ﵊ بِبَيْعِ الْأَمَةِ الْمَحْدُودَةِ فِي الزِّنَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا زَنَتْ الرَّابِعَةَ.
[مَسْأَلَة بَيْع جُلُود الميتات]
١٥٥٠ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ جُلُودِ الْمَيْتَاتِ كُلِّهَا حَلَالٌ إذَا دُبِغَتْ، وَكَذَلِكَ جِلْدُ الْخِنْزِيرِ - وَأَمَّا شَعْرُهُ وَعَظْمُهُ فَلَا.
وَلَا يَحِلُّ عِظَامُ الْمَيْتَةِ أَصْلًا - وَمَنَعَ مَالِكٌ مِنْ بَيْعِ جُلُودِهَا وَإِنْ دُبِغَتْ - وَأَبَاحَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَأَبَاحَ مَالِكٌ بَيْعَ صُوفِ الْمَيْتَةِ - وَمَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ.
بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «هَلَّا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟
стр. 3139
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيْتَةٌ، قَالَ إنَّهَا حَرُمَ أَكْلُهَا» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي " كِتَابِ الطَّهَارَةِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ.
فَأَمَرَ ﵇ بِأَنْ يُنْتَفَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ أَكْلَهَا حَرَامٌ، وَالْبَيْعُ مَنْفَعَةٌ بِلَا شَكٍّ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّحْلِيلِ، وَخَارِجٌ عَنْ التَّحْرِيمِ إذْ لَمْ يُفَصَّلْ تَحْرِيمُهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] أَمَّا الْخِنْزِيرُ: فَحَرَامٌ كُلُّهُ، حَاشَا طَهَارَةَ جِلْدِهِ بِالدِّبَاغِ فَقَطْ.
وَمِنْ عَجَائِبِ احْتِجَاجِ الْمَالِكِيِّينَ هَهُنَا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْجِلْدَ يَمُوتُ، وَكَذَلِكَ الرِّيشُ تُسْقِيهِ الْمَيْتَةُ، وَأَمَّا الصُّوفُ وَالشَّعْرُ فَلَا يَمُوتُ - فَلَوْ عُكِسَ قَوْلُهُمْ، فَقِيلَ لَهُمْ: بَلْ الْجُلُودُ لَا تَمُوتُ وَكَذَلِكَ الرِّيشُ، وَأَمَّا الصُّوفُ وَالشَّعْرُ فَتُسْقِيهِ الْمَيْتَةُ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا يَنْفَصِلُونَ، وَهَلْ هِيَ إلَّا دَعْوَى كَدَعْوَى؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ، وَأَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِعَظْمِ الْفِيلِ وَبَيْعَهُ: طَاوُسٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ - وَمَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ]
١٥٥١ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ جَائِزٌ، وَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَدَّى مِنْهَا شَيْئًا حَرُمَ بَيْعُ مَا قَابَلَ مِنْهُ مَا أَدَّى، وَجَازَ بَيْعُ مَا قَابَلَ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ، وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ، وَبَقِيَ مَا قَابَلَ مِنْهُ مَا أَدَّى حُرًّا - مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَدَّى عُشْرَ كِتَابَتِهِ، فَإِنَّ عُشْرَهُ حُرٌّ - وَيَجُوزُ بَيْعُ تِسْعَةِ أَعْشَارِهِ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ جُزْءٍ - كَثُرَ أَوْ قَلَّ - وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ دِرْهَمٌ مِنْ كِتَابَتِهِ أَوْ أَقَلُّ، وَبَيْعُهُ جَائِزٌ مَا دَامَ عَبْدًا وَتُنْتَقَضُ الْكِتَابَةُ بِذَلِكَ، وَالْمُكَاتَبُ عِنْدَهُمْ مُعْتَقٌ بِصِفَةٍ - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ أَوْ أَقَلُّ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَعْجِزَ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ - وَهَذَا قَوْلٌ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا فَبَيْعُهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يَأْتِ بِنَصٍّ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ، وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ.
стр. 3140
وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ إنْ أَدَّى رُبُعَ كِتَابَتِهِ فَهُوَ حُرٌّ - وَهُوَ غَرِيمٌ يُتْبَعُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا الْمُغِيرَةُ، قَالَ: سَمِعْت إبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيَّ يَقُولَانِ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي الْمُكَاتَبِ إذَا أَدَّى رُبُعَ قِيمَتِهِ فَهُوَ غَرِيمٌ لَا يُسْتَرَقُّ.
وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ: هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَيُرَقُّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَيُحْجَبُ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَمِّهِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: تُكَاتِبُونَ مُكَاتَبِينَ فَأَيُّهُمْ - مَا - أَدَّى الشَّطْرَ فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا: إذْ أَدَّى الثُّلُثَ فَهُوَ غَرِيمٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ كَانَ يُقَالُ: إذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ الرُّبُعَ فَهُوَ غَرِيمٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ إذَا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ رُبُعُ كِتَابَتِهِ وَأَدَّى سَائِرَهَا فَهُوَ غَرِيمٌ، وَلَا يَعُودُ عَبْدًا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ خَمْسُ أَوَاقٍ: أَوْ خَمْسُ ذَوْدٍ، أَوْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ: فَهُوَ غَرِيمٌ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا إذَا أَخَذَ الصَّكَّ فَهُوَ غَرِيمٌ.
وَبِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
قَالَ عَلِيٌّ: الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ - إنْ كُنَّا مُؤْمِنِينَ - مِنْ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا قُتَيْبَةُ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهُ «أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إلَى أَهْلِكِ فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكَ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ؟ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا؟ فَأَبَوْا وَقَالُوا: إنْ شَاءَتْ أَنْ
стр. 3141
تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونُ لَنَا وَلَاؤُكِ؟ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ الْمَكِّيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: «دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرِينِي فَإِنَّ أَهْلِي يَبِيعُونِي فَأَعْتِقِينِي؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَتْ: إنَّ أَهْلِي لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي؟ فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ بَلَغَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُ بَرِيرَةَ اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا وَلْيَشْتَرِطُوا مَا شَاءُوا؟ قَالَتْ فَاشْتَرَيْتُهَا فَأَعْتَقْتُهَا وَذَكَرَتْ بَاقِيَ الْخَبَرِ» .
فَأَمْرُ بَيْعِ بَرِيرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ - عَلَى تِسْعِ أَوَاقِيَّ فِي تِسْعِ سِنِينَ، كُلَّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ، أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَدَّتْ بَعْدُ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، وَأَنَّهَا بِيعَتْ كَذَلِكَ، وَأَنَّ أَهْلَهَا عَرَضُوهَا لِلْبَيْعِ - وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ - بِعِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلْ أَمَرَ بِشِرَائِهَا وَعِتْقِهَا وَالْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَهَا، وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ، فَبَلَّحُوا عِنْدَهَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّهَا كَانَتْ عَجَزَتْ - وَهَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ مُجَرَّدٌ، مَا رَوَى قَطُّ أَحَدٌ أَنَّهَا كَانَتْ عَجَزَتْ، وَلَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْهَا فِي الْخَبَرِ، وَأَيْنَ الْعَجْزُ مِنْهَا وَهِيَ فِي اسْتِقْبَالِ تِسْعَةِ أَعْوَامٍ، وَعَائِشَةُ بَعْدُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَائِزَةُ الْأَمْرِ تَبْتَاعُ وَتُعْتِقُ، وَلَمْ تُقِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا تِسْعَةَ أَعْوَامٍ فَقَطْ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَقُلْنَا: نَعَمْ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ لَكِنْ إذَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بَطَلَ عَقْدُهُ عَنْ غَيْرِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا يَرَوْنَ الرُّجُوعَ فِي الْعِتْقِ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَحْتَجُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَلَيْسَ إجْمَاعًا فَإِنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ لَا يَرَى الرُّجُوعَ فِي الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ، وَكُلُّهُمْ يُجِيزُ بَيْعَ الْعَبْدِ يَقُولُ لَهُ سَيِّدُهُ: إنْ جَاءَ أَبِي فَأَنْتَ
стр. 3142
حُرٌّ، وَيُبْطِلُونَ بَيْعَهُ بِهَذَا الْعَقْدِ، وَلَا يُجِيزُونَ لَهُ فِي الْعَقْدِ بِغَيْرِ إخْرَاجِهِ عَنْ مِلْكِهِ فَظَهَرَ عَظِيمُ تَنَاقُضِهِمْ، وَفَسَادُ قَوْلِهِمْ.
فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرُ الْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» فَإِنَّهَا كُلُّهَا سَاقِطَةٌ -: أَحَدُهَا - مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَهِيَ صَحِيفَةٌ، وَكَمْ خَالَفُوا هَذِهِ الطَّرِيقَ إذَا خَالَفَتْ مَذْهَبَهُمْ.
وَالْآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَا سَمَاعَ لَهُ مِنْهُ - وَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِمَا إلَّا تَحْدِيدٌ: أَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ عُشْرُ مُكَاتَبَتِهِ أَوْ عُشْرُ عُشْرِهَا.
وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ مَكْذُوبٌ - فَسَقَطَتْ كُلُّهَا.
وَأَمَّا إذَا أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الدِّمَشْقِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، كِلَاهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَيُورَثُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا عَابَهُ إلَّا بِأَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ فَكَانَ هَذَا عَجَبًا لِأَنَّ الْمُعْتَرِضِينَ بِهَذَا يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ أَقْوَى مِنْ الْمُسْنَدِ، أَوْ مِثْلُهُ، فَالْآنَ صَارَ إرْسَالُ مَنْ أَرْسَلَ يَبْطُلُ، وَيَبْطُلُ بِهِ الْإِسْنَادُ مِمَّنْ أَسْنَدَهُ، وَمَا يَسْلُكُ فِي دِينِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَ إلَّا مَنْ لَا دِينَ لَهُ، وَلَا حَيَاءَ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ]
١٥٥٢ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ الْمُدَبَّرِ، وَالْمُدَبَّرَةِ، حَلَالٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلِغَيْرِ دَيْنٍ لَا كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ بِالْبَيْعِ، كَمَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِبَيْعِ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ وَلَا فَرْقَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
стр. 3143
وَقَالَ أَحْمَدُ: يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ - كَمَا قُلْنَا - وَلَا تُبَاعُ الْمُدَبَّرَةُ -.
وَهَذَا تَفْرِيقٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا الْمُدَبَّرَةُ إلَّا فِي الدَّيْنِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ بِيعَا فِيهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ لَمْ يُبَاعَا فِيهِ فِي حَيَاةِ الْمُدَبِّر، وَبِيعَا فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثَ الْمُدَبَّرُ، وَلَا دَيْنَ هُنَالِكَ: أُعْتِقَ مِنْهُ مَا يَحْمِلُ الثُّلُثَ وَرَقَّ سَائِرُهُ.
قَالَ: فَإِنْ بِيعَ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ دَيْنٍ فَأَعْتَقَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ نَفَذَ الْبَيْعُ وَجَازَ.
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ، وَلَئِنْ كَانَ بَيْعُهُ حَرَامًا فَمَا يَحِلُّ بَيْعُهُ لَا فِي دَيْنٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ - أُعْتِقَ أَوْ لَمْ يُعْتَقْ - كَمَا لَا تُبَاعُ أُمُّ الْوَلَدِ وَلَا يَنْفُذُ بَيْعُهَا - وَإِنْ أُعْتِقَتْ - وَلَئِنْ كَانَ بَيْعُهُ حَلَالًا فَمَا يَحْرُمُ مَتَى شَاءَ سَيِّدُهُ بَيْعَهُ.
وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ حُجَّةً لَا مِنْ نَصٍّ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ - لَا فِي دَيْنٍ وَلَا فِي غَيْرِ دَيْنٍ لَا فِي الْحَيَاةِ وَلَا بَعْدَ الْمَوْتِ -: وَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ اسْتَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَقَالَ زُفَرُ: هُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] .
أَمَّا الْمَالِكِيُّونَ فَأَجَازُوا بَيْعَهُ فِي مَوَاضِعَ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فَلَمْ يَفُوا بِالْعُقُودِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيُّونَ فَاسْتَسْعُوهُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ فَلَمْ يَفُوا بِالْعُقُودِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجُّوا بِأَشْيَاءَ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -: مِنْهَا: خَبَرٌ رَوَاهُ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ عَنْ مُوسَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ثِقَةٌ عَنْ عَمِّهِ عُبَيْدَةَ بْنِ حَسَّانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الْمُدَبَّرُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ» .
стр. 3144
وَهَذَا خَبَرٌ مَوْضُوعٌ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْبَاقِي رَاوِي كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَقَدْ تُرِكَ حَدِيثُهُ، إذْ ظَهَرَ فِيهِ الْبَلَاءُ.
ثُمَّ سَائِرُ مَنْ رَوَاهُ إلَى أَيُّوبَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، كُلُّهُمْ مَجْهُولُونَ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ إنْ كَانَ هُوَ السِّنْجَارِيَّ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَهُوَ مَجْهُولٌ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَالِكِيُّونَ قَدْ خَالَفُوهُ.
وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيُّونَ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي عَبْدٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ: فَإِنَّ عَلَى الَّذِي دَبَّرَ نَصِيبَهُ أَنْ يَضْمَنَ قِيمَةَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ الَّذِي أَعْتَقَ حِصَّتَهُ - وَهَذَا بَيْعٌ لِلْمُدَبَّرِ - فَقَدْ خَالَفُوا هَذَا الْخَبَرَ الْمَوْضُوعَ مَعَ احْتِجَاجِهِمْ بِهِ.
وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَكْثُرُ مِمَّنْ يَرُدُّ حَدِيثَ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ، وَحَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ، وَحَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ، مَعَ صِحَّةِ أَسَانِيدِهَا وَانْتِشَارِهَا ثُمَّ يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْكَذِبَةِ.
وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ» وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَى الْحَنَفِيِّينَ وَالْمَالِكِيِّينَ، أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ بَيْعَ خِدْمَةِ الْمُدَبَّرِ: مَا لَهُمْ أَثَرٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا.
وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَةٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي أَوْلَادِ الْمُدَبَّرَةِ: إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا مَا نَرَاهُمْ إلَّا أَحْرَارًا، وَوَلَدُهَا كَذَلِكَ مِنْهَا فَكَأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْهَا.
стр. 3145
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَبِيعَةَ، قَالَا جَمِيعًا: إنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا فِي الْأَعْرَابِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عُمَرُ فَبَعَثَ فِي طَلَبِ الْجَارِيَةِ فَلَمْ يَجِدْهَا، فَأَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ فَأَخَذَ الثَّمَنَ فَاشْتَرَى بِهِ جَارِيَةً فَجَعَلَهَا مَكَانَهَا عَلَى تَدْبِيرِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ - هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ.
أَمَّا خَبَرُ عُمَرَ: فَسَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ، وَرَبِيعَةَ، لَمْ يُولَدَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَزِيَادَةً، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ -.
وَأَيْضًا: فَفِيهِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِوُجُوهٍ -: أَوَّلُهَا - أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ خَالَفَتْهُ فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَيْهَا، وَلَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهَا، وَهَذَا تَنَازُعٌ، فَالْوَاجِبُ عِنْدَ التَّنَازُعِ الرَّدُّ إلَى الْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ، وَهُمَا يُبِيحَانِ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ.
وَالثَّانِي -
أَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الثَّمَنَ فَابْتَاعَ بِهِ جَارِيَةً فَجَعَلَهَا مُدَبَّرَةً مَكَانَهَا، وَيُعِيذُ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ الْفَاسِدِ، الظَّاهِرِ الْعَوَارِ، إذْ يَحْرُمُ بَيْعُ مَمْلُوكَةٍ مِنْ أَجْلِ مَمْلُوكَةٍ أُخْرَى بِيعَتْ لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا.
وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَنْ بَاعَ حُرًّا أَنْ يَبْتَاعَ بِالثَّمَنِ عَبْدًا فَيُعْتِقَهُ مَكَانَهُ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَكَيْفَ إنْ ذَهَبَ الثَّمَنُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ بِهِ رَقَبَةٌ أَوْ وُجِدَتْ بِهِ رِقَابٌ أَوْ وُجِدَتْ الْمَبِيعَةُ بَعْدَ أَنْ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأُخْرَى مُدَبَّرَةً مَكَانَهَا، وَلَعَلَّ هَذِهِ تَمُوتُ مَمْلُوكَةً، فَكَيْفَ الْعَمَلُ؟ أَوْ لَعَلَّهَا تَعِيشُ وَتَمُوتُ الْمَبِيعَةُ مَمْلُوكَةً فَكَيْفَ الْعَمَلُ فِي هَذَا التَّخْلِيطِ؟ حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِقَوْلِ عُمَرَ.
وَأَمَّا خَبَرُ جَابِرٍ: فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْوِيهٌ مِنْهُمْ مُجَرَّدٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرَةِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا فِيهِ حُكْمُ وَلَدِهَا إنْ عَتَقَتْ هِيَ فَقَطْ.
وَلَوْ كَانَ لَهُمْ حَيَاءٌ مَا مَوَّهُوا فِي الدِّينِ بِمِثْلِ هَذَا، فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ عَنْ جَابِرٍ خِلَافُ قَوْلِهِمْ؟
стр. 3146
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ بِمَنْزِلَتِهَا يُرَقُّونَ بِرِقِّهَا، وَيُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرِهِمْ، مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - فَهَذَا جَابِرٌ يَرَى إرْقَاقَ الْمُدَبَّرَةِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُرْسَلٌ؟ قُلْنَا: بِالْمُرْسَلِ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْنَا فَخُذُوهُ أَوْ فَلَا تَحْتَجُّوا بِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّمَا فِيهِ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ - وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بَيَانُ جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرَةِ، كَمَا رُوِّينَا بِأَصَحِّ سَنَدٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا يَطَأُ الرَّجُلُ وَلِيدَةً إلَّا وَلِيدَةً: إنْ شَاءَ بَاعَهَا، وَإِنْ شَاءَ وَهَبَهَا، وَإِنْ شَاءَ صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ، فَكَانَ يَطَؤُهُمَا حَتَّى وَلَدَتْ إحْدَاهُمَا فَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ مِنْ ابْنِ عُمَرَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرَةِ.
فَإِنْ ادَّعَوْا إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ وَطْئِهَا؟ كَذَبُوا؛ لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ مُدَبَّرَتَهُ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَقُلْت لَهُ: لِمَ تَكْرَهُهُ؟ فَقَالَ: لِقَوْلِ عُمَرَ: لَا تَقْرَبْهَا وَفِيهَا شَرْطٌ لِأَحَدٍ.
فَظَهَرَ فَسَادُ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ جَاءَ عَنْهُمْ، وَمَوَّهُوا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَنْ قَالُوا: لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِ الْمُدَبَّرِ، وَاسْمِ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ، وَجَبَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَيْسَ كُلُّ اسْمَيْنِ اخْتَلَفَا وَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفَ مَعْنَاهُمَا وَحُكْمُهُمَا إذَا وُجِدَا فِي اللُّغَةِ مُتَّفِقِي الْمَعْنَى: فَإِنَّ " الْمُحَرَّرَ، وَالْمُعْتَقَ " اسْمَانِ مُخْتَلِفَانِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، " وَالزَّكَاةُ، وَالصَّدَقَةُ " كَذَلِكَ، " وَالزَّوَاجُ، وَالنِّكَاحُ " كَذَلِكَ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا.
وَحَتَّى لَوْ صَحَّ لَهُمْ هَذَا الْحُكْمُ الْفَاسِدُ لَكَانَ الْوَاجِبُ إذَا جَاءَ فِيهِمَا نَصٌّ أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ - وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي اخْتِلَافِ الِاسْمَيْنِ مَا يُوجِبُ أَنْ يُبَاعَ أَحَدُهُمَا وَلَا يُبَاعَ الْآخَرُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ اسْمُ: الْفَرَسِ، وَالْعَبْدِ، وَكِلَاهُمَا يُبَاعُ.
стр. 3147
قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ أَصْلًا - وَمِنْ الْبُرْهَانِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ: قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
فَصَحَّ أَنَّ بَيْعَ كُلِّ مُتَمَلَّكٍ جَائِزٌ إلَّا مَا فَصَّلَ لَنَا تَحْرِيمَ بَيْعِهِ، وَلَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وَالْمُدَبَّرَةِ، فَبَيْعُهُمَا حَلَالٌ.
وَمِنْ السُّنَّةِ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَاعَ الْمُدَبَّرَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَبْتَاعُهُ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ جَابِرٌ: غُلَامٌ قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، وَأَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ -: فَهَذَا أَثَرٌ مَشْهُورٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ، وَأَمْرٌ كَانَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ كُلُّهُمْ مُسَلِّمٌ رَاضٍ، فَلَوْ ادَّعَى الْمُسْلِمُ هَهُنَا الْإِجْمَاعَ لَمَا أَبْعَدَ، لَا كَدَعَاوِيهِمْ الْكَاذِبَةِ؟ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَذِبِ: بَيْعٌ فِي دَيْنٍ، وَإِلَّا فَلِأَيِّ وَجْهٍ بِيعَ؟ فَقُلْنَا: كَذَبْتُمْ وَأَفَكْتُمْ، وَإِنَّمَا بِيعَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمُدَبِّرِهِ مَالٌ غَيْرُهُ، فَلِهَذَا بَاعَهُ النَّبِيُّ ﷺ .
وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَيْعُهُ مُبَاحٌ لَا وَاجِبٌ كَسَائِرِ مَنْ تَمَلَّكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ أَنَّهُ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ قَبْل أَنْ يُدَبَّرَ، فَمَنْ مَنَعَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُدَبَّرَ فَقَدْ أَبْطَلَ وَادَّعَى مَا لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ الَّذِي لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَصَحَّ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَقَ بِصِفَةٍ لَا يَدْرِي أَيُدْرِكُهَا الْمُعْتَقُ بِهَا أَمْ لَا؟ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِ: لَا يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ مَجِيءِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَالْمُدَبَّرُ مُوصًى بِعِتْقِهِ، كِلَاهُمَا مِنْ الثُّلُثِ فَوَاجِبٌ إنْ صَحَّ
стр. 3148
الْقِيَاسُ أَنْ يُبَاعَ الْمُدَبَّرُ كَمَا يُبَاعُ الْآخَرَانِ، وَلَكِنْ لَا النُّصُوصَ يَتَّبِعُونَ، وَلَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ.
وَمِمَّنْ صَحَّ عَنْهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ جَدَّتِهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَا جَمِيعًا: الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةٌ.
وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، قَالَ: سَأَلَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ الْمُدَبَّرِ كَيْفَ كَانَ قَوْلُ أَبِي فِيهِ، أَيَبِيعُهُ صَاحِبُهُ؟ فَقُلْت: كَانَ أَبِي يَقُولُ: يَبِيعُهُ إنْ احْتَاجَ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ طَاوُسٌ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَعُودَ الرَّجُلُ فِي عَتَاقَتِهِ - قَالَ عَمْرٌو: يَعْنِي التَّدْبِيرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةٌ يَرْجِعُ فِيهِ إذَا شَاءَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَمِعْت عَطَاءً يَقُولُ: يُعَادُ فِي الْمُدَبَّرِ، وَفِي كُلِّ وَصِيَّةٍ - وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ: كَرَاهِيَةَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ يَبِيعُهُ الْجَرِيءُ، وَيَرَعُ عَنْهُ الْوَرِعُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بَلْ يَبِيعُهُ الْوَرِعُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقِفُ عَنْهُ الْجَاهِلُ، وَتَاللَّهِ مَا تُخَافُ تَبِعَةٌ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي أَمْرٍ لَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بَلْ نَخَافُ التَّبِعَةَ مِنْهُ فِي تَحْرِيمِنَا مَا لَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَهُ، أَوْ فِي تَوَقُّفِنَا فِيهِ خَوْفَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ هَذَا.
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
وَبَيْعُ الْمُدَبَّرِ مِمَّا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا قَضَى فِيهِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
стр. 3149
[مَسْأَلَة بَيْعُ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا]
مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا - حَمَلَتْ بِهِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ أَوْ بَعْدَهُ - حَلَالٌ - وَبَيْعُ مَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ قَبْلَ أَنْ تُكَاتَبَ وَبَعْدَ أَنْ كُوتِبَتْ مَا لَمْ تُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهَا: حَلَالٌ -.
وَبَيْعُ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ: حَلَالٌ.
هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، إلَّا مَا حَمَلَتْ بِهِ الْمُدَبَّرَةُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ.
وَأَمَّا مَا وَلَدَتْ أُمُّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ: فَحَرَامٌ بَيْعُهُ، وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ أُمِّهِ.
وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - حُكْمَ مَا حَمَلَتْ بِهِ الْمُكَاتَبَةُ بَعْدَ أَنْ تُؤَدِّيَ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهَا فِي " كِتَابِ الْمُكَاتَبِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ .
بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ الَّتِي تَحْمِلُ بِهِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ: هُوَ أَنَّهُ وَلَدُ أَمَةٍ جَائِزٌ بَيْعُهَا، فَهُوَ عَبْدٌ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ عَبْدٌ -.
وَرُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِنَا هَذَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: أَوْلَادُ الْمُدَبَّرَةِ لَا عِتْقَ لَهُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: وَابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَطَاءٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، قَالَ: أَوْلَادُ الْمُدَبَّرَةِ عَبِيدٌ، وَأَمَّا مَا حَمَلَتْ بِهِ ثُمَّ أَدْرَكَهَا الْعِتْقُ قَبْلَ أَنْ تَضَعَهُ فَهُوَ حُرٌّ مَعَهَا مَا لَمْ يَسْتَثْنِهِ السَّيِّدُ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ: مِنْ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا فَهُوَ تَبَعٌ لَهَا.
وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِمْ بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدٍ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافَهُمْ لِطَوَائِفَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، كَاَلَّذِي صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ مِنْ أَنَّ الْبَيْعَ لِدَارٍ وَاشْتِرَاطَ سُكْنَاهَا مُدَّةَ عُمُرِ الْبَائِعِ، وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا.
стр. 3150
وَأَمَّا وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ فَلَا خِلَافَ فِيهِ.
وَأَمَّا مَا - حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُمْ، لِأَنَّهَا حَرَامٌ بَيْعُهَا وَهُوَ إذَا - حَمَلَتْ بِهِ بَعْضُهَا: فَحَرَامٌ بَيْعُهُ، وَمَا حَرُمَ بَيْعُهُ بِيَقِينٍ فَلَا يَحِلُّ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا نَصَّ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لَهَا.
فَإِنْ ذَكَرُوا " كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا " فَهُوَ لَيْسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ - ثُمَّ هُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا فِي وَلَدِ الْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ، وَوَلَدُ الْمُعْتَقَةِ إلَى أَجَلٍ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة بَيْعُ الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِصِفَةٍ]
١٥٥٤ - مَسْأَلَةٌ: وَبَيْعُ الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ، أَوْ بِصِفَةٍ: حَلَالٌ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ الْعِتْقُ بِحُلُولِ تِلْكَ الصِّفَةِ، كَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ غَدًا، فَلَهُ بَيْعُهُ مَا لَمْ يُصْبِحْ الْغَدُ، أَوْ كَمَنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ إذَا أَفَاقَ مَرِيضِي: فَلَهُ بَيْعُهُ مَا لَمْ يُفِقْ مَرِيضُهُ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِتْقَ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كَذَلِكَ فِي الْمُعْتَقِ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ، وَيُمْكِنُ أَنْ لَا تَكُونَ، وَلَمْ يَقُلْهُ فِي الْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ إلَّا أَنَّهُ حَتَّى الْآنَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى وَاحْتِجَاجٌ لِقَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِمْ
[مَسْأَلَة بَيْع السِّلْعَة فِي السوق بِأَقَلّ مِنْ سعرها أَوْ بِأَكْثَر]
١٥٥٥ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِمَنْ أَتَى السُّوقَ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، أَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَهُ بِأَقَلَّ مِنْ سِعْرِهَا فِي السُّوقِ، وَبِأَكْثَرَ - وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَهْلِ السُّوقِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا لِلسُّلْطَانِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ سِعْرِهَا، وَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بِأَكْثَرَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ التَّرْخِيصِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُبِيحُونَ لَهُ التَّغْلِيَةَ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ وَمَا نَعْلَمُ قَوْلَهُمْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ.
ثُمَّ زَادُوا فِي الْعَجَبِ وَاحْتَجُّوا بِاَلَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبًا لَهُ بِالسُّوقِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ عَنْ سُوقِنَا.
стр. 3151
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ -: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَمْ قِصَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُمَرَ كَإِجْبَارِهِ بَنِي عَمٍّ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى ابْنِ عَمِّهِمْ، وَكَعِتْقِهِ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ إذَا مَلَكَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ؛ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ إلَّا نَعْيَهُ النُّعْمَانَ بْنَ مُقْرِنٍ فَقَطْ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانُوا قَدْ أَخْطَئُوا فِيهِ عَلَى عُمَرَ، فَتَأَوَّلُوهُ بِمَا لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ بِذَلِكَ لَوْ صَحَّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ إمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، يُرِيدُ أَنْ تَبِيعَ مِنْ الْمَكَايِيلِ أَكْثَرَ مِمَّا تَبِيعُ بِهَذَا الثَّمَنِ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ - هَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِعُمَرَ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ مُبَيَّنًا.
كَمَا رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: وَجَدَ عُمَرُ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَبِيعُ الزَّبِيبَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: كَيْفَ تَبِيعُ يَا حَاطِبٌ؟ فَقَالَ: مُدَّيْنِ، فَقَالَ عُمَرُ: تَبْتَاعُونَ بِأَبْوَابِنَا، وَأَفْنِيَتِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، تَقْطَعُونَ فِي رِقَابِنَا. ثُمَّ تَبِيعُونَ كَيْفَ شِئْتُمْ، بِعْ صَاعًا، وَإِلَّا فَلَا تَبِعْ فِي أَسْوَاقِنَا، وَإِلَّا فَسِيبُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اجْلِبُوا ثُمَّ بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ.
فَهَذَا خَبَرُ عُمَرَ مَعَ حَاطِبٍ فِي الزَّبِيبِ كَمَا يَجِبُ أَنْ يُظَنَّ بِعُمَرَ.
فَإِنْ قَالُوا: فِي هَذَا ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ؟ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، بَلْ فِي قَوْلِكُمْ أَنْتُمْ الضَّرَرُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ كُلِّهِمْ، وَعَلَى الْمَسَاكِينِ، وَعَلَى هَذَا الْمُحْسِنِ إلَى النَّاسِ، وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ شَاءُوا أَنْ يُرَخِّصُوا كَمَا فَعَلَ هَذَا فَلْيَفْعَلُوا، وَإِلَّا فَهُمْ أَمْلَكُ بِأَمْوَالِهِمْ كَمَا هَذَا أَمْلَكُ بِمَالِهِ.
وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
[مَسْأَلَة ابْتَاعَ سِلْعَة فِي السوق فَأَرَادَ أَهْلُ السُّوقِ أَنْ يشاركوه فِيهَا]
١٥٥٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُشْرِكُهُ فِيهَا أَهْلُ تِلْكَ السُّوقِ، وَهِيَ لِمُشْتَرِيهَا خَاصَّةً - وَهُوَ قَوْلُ النَّاسِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ: يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُشْرِكُوهُ فِيهَا، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَهُمْ وَهُوَ ظُلْمٌ
стр. 3152
ظَاهِرٌ، وَيُبْطِلُهُ قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَلَمْ يَتَرَاضَ الْبَائِعُ إلَّا مَعَ هَذَا الْمُبْتَاعِ لَا مَعَ غَيْرِهِ، فَالْحُكْمُ بِهِ لِغَيْرِهِ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
بَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ الْحُكْمُ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ بِهَذَا فِي غَيْرِهِمْ لَا لَهُمْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَدِمَ الْمَدِينَةَ طَعَامٌ فَخَرَجَ أَهْلُ السُّوقِ إلَيْهِ فَابْتَاعُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أَفِي سُوقِنَا هَذَا تَتَّجِرُونَ؟ أَشْرِكُوا النَّاسَ، أَوْ اُخْرُجُوا فَاشْتَرُوا ثُمَّ ائْتُوا فَبِيعُوا.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ أَعْظَمُ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الصِّنَاعَةِ مِنْ السُّوقِ يَتَوَاطَئُونَ عَلَى إمَاتَةِ السِّلْعَةِ الَّتِي يَبِيعُهَا الْجَالِبُ أَوْ الْمُضْطَرُّ، وَيَتَّفِقُونَ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدُوا فِيهَا، وَيَتْرُكُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ يَسُومُهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْمُضْطَرُّ عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَهَا بَيْنَهُمْ، وَهَذَا وَاجِبٌ مَنْعُهُمْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا» .
[مَسْأَلَة الْبَيْع بالبرائة مِنْ كُلّ عَيْب]
١٥٥٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَلَا عَلَى أَنْ لَا يُقَوَّمَ عَلَيَّ بِعَيْبٍ - وَالْبَيْعُ هَكَذَا فَاسِدٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ، وَلَمْ يَرَ لِلْمُشْتَرِي الْقِيَامَ بِعَيْبٍ أَصْلًا - عَلِمَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ.
وَذَهَبَ سُفْيَانُ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: إلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ - عَلِمَهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ عُيُوبِ الْحَيَوَانِ الْمَبِيعِ، وَلَا يَبْرَأُ مِمَّا عَلِمَهُ مِنْ عُيُوبِهِ فَكَتَمَهُ.
وَلِمَالِكٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ -: أَحَدُهَا - وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ حَرْفًا حَرْفًا؛ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّأِ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ إلَّا فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً، فَيَبْرَأُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ، وَلَا يَبْرَأُ مِمَّا عَلِمَ فَكَتَمَ، وَإِنَّمَا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَلَا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ عَيْبٍ أَصْلًا.
стр. 3153
وَالثَّالِثُ - وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِالْبَرَاءَةِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فَقَطْ -
وَهُوَ بَيْعُ السُّلْطَانِ لِلْمَغْنَمِ، أَوْ عَلَى مُفْلِسٍ.
وَالثَّانِي: الْعَيْبُ الْخَفِيفُ خَاصَّةً فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً لِكُلِّ أَحَدٍ.
وَالثَّالِثُ: فِيمَا يُصِيبُ الرَّقِيقَ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ خَاصَّةً.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ، مِنْهُمْ: عَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ، إلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ أَحَدٌ وَإِنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ، إلَّا مِنْ عَيْبٍ بَيَّنَهُ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الْقَوْلُ بِوَضْعِ الْيَدِ فَرُوِّينَاهُ عَنْ شُرَيْحٍ، وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: مَا رَأَيْتهمْ يُجِيزُونَ مِنْ الدَّاءِ إلَّا مَا بَيَّنْت وَوَضَعْت يَدَك عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَوْ وَجَدَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ مِثْلَ هَذَا لَطَارُوا بِهِ كُلَّ مَطَارٍ؛ لِأَنَّ أَبَا عُثْمَانَ أَدْرَكَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ - أَوَّلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ - وَأَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ.
فَلَوْ وَجَدُوا مِثْلَ هَذَا فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ لَقَالُوا: إنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَهَذَا إجْمَاعٌ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقْطَعُ بِالظُّنُونِ، وَلَا نَدْرِي لِوَضْعِ الْيَدِ مَعْنًى، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُؤْخَذُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا عَنْ غَيْرِهِ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: فَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُ قَلَّدَ مَا رُوِّينَا عَنْ عُثْمَانَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إنَّ أَبَاهُ بَاعَ غُلَامًا لَهُ بِالْبَرَاءَةِ فَخَاصَمَهُ الْمُشْتَرِي إلَى عُثْمَانَ وَقَالَ: بَاعَنِي عَبْدًا وَبِهِ دَاءٌ لَمْ يُسَمِّهِ لِي؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: بِعْته بِالْبَرَاءَةِ، فَقَضَى عُثْمَانُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِأَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ بَاعَهُ الْغُلَامَ وَمَا بِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ، فَأَبَى ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا إذْ قَلَّدَ عُثْمَانَ وَلَمْ يُقَلِّدْ ابْنَ عُمَرَ جَوَازَ الْبَيْعِ بِالْبَرَاءَةِ فِي الرَّقِيقِ، وَالشَّافِعِيُّ أَشَدُّ النَّاسِ إنْكَارًا لِلتَّقْلِيدِ.
ثُمَّ عَجَبٌ آخَرُ كَيْفَ قَلَّدَ عُثْمَانَ فِيمَا لَمْ يَقُلْهُ عُثْمَانُ قَطُّ، وَلَا صَحَّ عَنْهُ، وَلَمْ يُقَلِّدْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ فِي قَضَائِهِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِالنُّكُولِ وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ؟ إنَّ هَذَا هُوَ عَيْنُ الْعَجَبِ.
стр. 3154
وَاحْتَجَّ لِتَرْجِيحِهِ رَأْيَ عُثْمَانَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ عَيْبٍ بَاطِنٍ، وَأَنَّهُ يَتَغَذَّى بِالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ بِهَذَا أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْبَرَاءَةِ فِيهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ مِنْ الْعُيُوبِ وَلَا يَنْفَعُهُ مِمَّا عَلِمَ فَكَتَمَ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ؟ فَوَجَبَ رَفْضُ هَذَا الْقَوْلِ لِتَعَرِّيهِ مِنْ الدَّلَائِلِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ عُثْمَانَ ﵁ لَمْ يَقُلْ: إنَّ الْحُكْمَ بِمَا حَكَمَ بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَيَوَانِ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَمِنْ أَيْنَ خَرَجَ لَهُ تَخْصِيصُ الْحَيَوَانِ بِذَلِكَ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا حَكَمَ بِذَلِكَ فِي عَبْدٍ؟ قُلْنَا: فَلَا تَتَعَدَّوْا بِذَلِكَ الْعَبِيدَ، أَوْ الرَّقِيقَ.
فَإِنْ قَالُوا: قِسْنَا الْحَيَوَانَ عَلَى الْعَبْدِ؟ قُلْنَا: وَلِمَ لَمْ تَقِيسُوا جَمِيعَ الْمَبِيعَاتِ عَلَى الْعَبْدِ؟ فَحَصَلُوا عَلَى خَبَالِ الْقِيَاسِ، وَعَلَى مُخَالَفَةِ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ بَاعَ سِلْعَةً كَانَتْ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْخَبَرَ بِتَمَامِهِ، وَقَضَى عُثْمَانُ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ: أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَبِهِ دَاءٌ يَعْلَمُهُ فَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ الْيَمِينَ وَارْتَجَعَ السِّلْعَةَ.
فَهَذَا عُمُومٌ لِكُلِّ مَبِيعٍ وَإِسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ سَلَفًا فِي تَفْرِيقِهِمْ هَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا.
وَأَمَّا أَقْوَالُ مَالِكٍ: فَشَدِيدَةُ الِاضْطِرَابِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَكَى عَنْ أَحَدِهَا - وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ مُقَلِّدِيهِ مِنْ الْحُجَجِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا، وَفِي هَذَا عَجَبَانِ عَجِيبَانِ -:.
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ خِلَافُ هَذَا الْأَمْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ، وَمَا عَلِمْنَا إجْمَاعًا يَخْرُجُ مِنْهُ عُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ رَجَعَ مَالِكٌ نَفْسُهُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّهُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، فَلَئِنْ كَانَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حُجَّةً لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا، فَكَيْفَ اسْتَجَازَ مَالِكٌ أَنْ يُخَالِفَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ الْحَقُّ؟ فَلَقَدْ خَالَفَ الْحَقَّ وَتَرَكَهُ بَعْدَ
стр. 3155
أَنْ عَلِمَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ حُجَّةً، وَلَا يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ، فَمَا بَالُهُمْ يُغْرُونَ الضُّعَفَاءَ بِهِ، وَيَحْتَجُّونَ بِهِ فِي رَدِّ السُّنَنِ، أَمَا هَذَا عَجَبٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَرْجِعْ مَالِكٌ عَنْهُ إلَّا لِخِلَافٍ وَجَدَهُ هُنَالِكَ؟ فَقُلْنَا: فَقَدْ جَازَ الْوَهْمُ عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، وَوَجَدَ الْخِلَافَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا تُنْكِرُوا مِثْلَ هَذَا فِي سَائِرِ مَا ذُكِرَ فِيهِ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ، وَلَا تُنْكِرُوا وُجُودَ الْخِلَافِ فِيهِ، وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ بَيَّنَّا فِي إبْطَالِنَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ بُطْلَانَهُ - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - نَتَأَيَّدُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّانِي: فِي تَخْصِيصِهِ الرَّقِيقَ خَاصَّةً، فَمَا نَدْرِي لَهُ مُتَعَلَّقًا أَصْلًا لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ.
وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: إنَّهُ قَلَّدَ عُثْمَانَ؟ فَقُلْنَا: وَمَا بَالُ تَقْلِيدِ عُثْمَانَ دُونَ تَقْلِيدِ ابْنِ عُمَرَ وَكِلَاهُمَا صَاحِبٌ -.
وَأَيْضًا: فَمَا قَلَّدَ عُثْمَانَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَقُلْ إنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّقِيقِ خَاصَّةً، وَقَدْ خَالَفَهُ فِي قَضَائِهِ بِالنُّكُولِ، فَمَا حَصَلَ إلَّا عَلَى خِلَافِ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ - فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا لِتَعَرِّيهِ عَنْ الْأَدِلَّةِ جُمْلَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّالِثُ: الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ فَأَشَدُّهَا فَسَادًا لِأَنَّهُ لَا مُتَعَلَّقَ لَهُ بِقَوْلِ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ: لَا صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ.
ثُمَّ تَخْصِيصُهُ الْبَيْعَ عَلَى الْمُفْلِسِ عَجَبٌ، وَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ كَذَلِكَ، ثُمَّ تَخْصِيصُهُ بِالْعَيْبِ الْخَفِيفِ - وَهُوَ لَمْ يُبَيِّنْ مَا الْخَفِيفُ مِنْ الثَّقِيلِ - فَحَصَلَ مُقَلِّدُوهُ فِي أَضَالِيلَ لَا يَحْكُمُونَ بِهَا فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَّا بِالظَّنِّ.
فَسَقَطَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ الْمُتَيَقَّنُ عَلَى أَنَّهُ إذَا بَاعَ وَبَرِئَ مِنْ عَيْبٍ سَمَّاهُ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَفْصِيلِهِ عَيْبًا عَيْبًا وَبَيْنَ إجْمَالِهِ الْعُيُوبَ، وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ قَوْلُنَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ «بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
следующие страницы →