← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

وَكَمَا قَالُوا فِيمَا أَوْجَبُوا فِيهِ الْحُكُومَةَ فَرْضًا مِنْ الْخَرَاجِ - وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودِ الْقَدْرِ؟ فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ لَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ وَفِي ظَنِّهِمْ: أَنْ يَتَعَقَّبُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حُكْمَهُ بِمَا لَا يَتَعَقَّبُونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِيمَا يُشَرِّعُونَهُ فِي الدِّينِ بِآرَائِهِمْ -. وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. تَمَّ كِتَابُ الْكِتَابَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 3467

[كِتَابُ صُحْبَةِ مِلْكِ الْيَمِينِ] [ مَسْأَلَةٌ لَا يَقُولُ السَّيِّدِ لِغُلَامِهِ هَذَا عَبْدِي وَلَا لِمَمْلُوكَتِهِ هَذِهِ أَمَتِي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ كِتَابُ صُحْبَةِ مِلْكِ الْيَمِينِ ١٧٠٤ - مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَقُولَ لِغُلَامِهِ: هَذَا عَبْدِي، وَلَا لِمَمْلُوكَتِهِ: هَذِهِ أَمَتِي، لَكِنْ يَقُولُ: غُلَامِي، وَفَتَايَ، وَمَمْلُوكِي، وَمَمْلُوكَتِي وَخَادِمِي، وَفَتَاتِي. وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا رَبِّي، أَوْ مَوْلَايَ، أَوْ رَبَّتِي. وَلَا يَقُلْ أَحَدٌ لِمَمْلُوكٍ: هَذَا رَبُّك، وَلَا رَبَّتُك، لَكِنْ يَقُولُ: سَيِّدِي. وَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَ الْمَرْءُ لِآخَرَ: هَذَا عَبْدُك، وَهَذَا عَبْدُ فُلَانٍ، وَأَمَةُ فُلَانٍ، وَمَوْلَى فُلَانٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَا فَقَطْ. وَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَ: هَؤُلَاءِ عَبِيدُك، وَعِبَادُك، وَإِمَاؤُك. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي، وَأَمَتِي، وَلَا يَقُولَنَّ الْمَمْلُوكُ: رَبِّي، وَرَبَّتِي، وَلْيَقُلْ الْمَالِكُ: فَتَايَ، وَفَتَاتِي، وَلْيَقُلْ الْمَمْلُوكُ: سَيِّدِي، وَسَيِّدَتِي، فَإِنَّكُمْ: الْمَمْلُوكُونَ، وَالرَّبُّ: اللَّهُ » . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ

стр. 3468

رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ - اسْقِ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، وَلَا يَقُلْ: مَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ، فَتَاتِي، غُلَامِي» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو كُرَيْبٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «وَلَا يَقُلْ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلَايَ، فَإِنَّ مَوْلَاكُمْ اللَّهُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةُ النَّهْيِ عَنْ قَوْلِ: مَوْلَايَ، وَالنَّهْيُ هُوَ الزَّائِدُ، وَالْوَارِدُ بِرَفْعِ الْإِبَاحَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا ابْنُ السَّرْحِ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو - هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْخَبَرِ، فَأَسْنَدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَالِدُ الْعَلَاءِ - وَرَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ فُتْيَاهُ: أَبُو يُونُسَ غُلَامُهُ وَلَا يُعْلَمُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ يُوسُفَ ﵇ ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: ٢٣] وَقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فَتِلْكَ شَرِيعَةٌ، وَهَذِهِ أُخْرَى، وَتِلْكَ لُغَةٌ، وَهَذِهِ أُخْرَى، وَقَدْ كَانَ هَذَا مُبَاحًا عِنْدَنَا وَفِي شَرِيعَتِنَا حَتَّى نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ يُوسُفُ ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] وَقَدْ نُهِينَا عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ. [مَسْأَلَة كِسْوَة المملوك وطعامه] ١٧٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَكْسُوَ مَمْلُوكَهُ، وَمَمْلُوكَتَهُ، مِمَّا يَلْبَسُ - وَلَوْ شَيْئًا - وَأَنْ يُطْعِمَهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلَوْ لُقْمَةً - وَأَنْ يُشْبِعَهُ وَيَكْسُوَهُ بِالْمَعْرُوفِ، مِثْلَ مَا يُكْسَى وَيُطْعَمُ مِثْلُهُ، أَوْ مِثْلُهَا، وَأَنْ لَا يُكَلِّفَهُ مَا لَا يُطِيقُ.

стр. 3469

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ نا شُعْبَةُ نا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ سَمِعْتُ «الْمَعْرُورَ بْنَ سُوَيْد قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ لَهُ: إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى تَحْتَ أَيْدِيَكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، قَالَا جَمِيعًا: نا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ «عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْيَسْرِ وَقَدْ لَقِيَهُ وَعَلَيْهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْيُسْرِ: بَصَرَ عَيْنَايَ هَاتَانِ، وَسَمِعَ أُذُنَايَ هَاتَانِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي رَسُولَ اللَّهِ ﵌ وَهُوَ يَقُولُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَكْسُونَ» . قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: فَكَانَ إذَا أَعْطَيْته مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَرُوِّينَا مِثْلَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَصْلًا. [مَسْأَلَة تَسْمِيَة الْغُلَام والأولاد] ١٧٠٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَ غُلَامَهُ: أَفْلَحَ، وَلَا يَسَارَ، وَلَا نَافِعَ، وَلَا نَجِيحَ، وَلَا رَبَاحَ - وَلَهُ أَنْ يُسَمِّيَ أَوْلَادَهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ. وَلَهُ أَنْ يُسَمِّيَ مَمَالِيكَهُ بِسَائِرِ الْأَسْمَاءِ، مِثْلِ: نَجَاحٍ، وَمُنَجَّحٍ، وَنُفَيْعٍ، وَرُبَيْحٍ، وَيَسِيرٍ، وَفُلَيْحٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَا تُحَاشِ شَيْئًا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَنَّهُ سَمِعَ الْمُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ الرُّكَيْنَ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ عُمَيْلَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ نُسَمِّيَ رَقِيقَنَا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءَ: أَفْلَحَ، وَرَبَاحَ، وَيَسَارَ، وَنَافِعَ» .

стр. 3470

وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، نا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ عُمَيْلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَك يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَيَقُولُ: لَا إنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ، فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَرُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَخَالَفَ قَوْمٌ هَذَا وَدَفَعُوهُ بِأَنْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ يَقِينًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَرَادَ النَّبِيُّ ﵊ أَنْ يَنْهَى أَنْ يُسَمَّى بِ يَعْلَى وَبَرَكَةٍ، وَأَفْلَحَ وَنَافِعٍ، وَيَسَارٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ - ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، ثُمَّ قُبِضَ ﵌ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ» ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حُجَّةً عَلَى مَنْ عَلِمَ، جَابِرٌ يَقُولُ مَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ النَّهْيَ، وَسَمُرَةُ يَقُولُ مَا عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ سَمِعَ النَّهْيَ، وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا زَائِدًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ جَابِرٍ، وَلَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ إلَّا بِتَكْذِيبِ سَمُرَةَ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا، فَكَيْفَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا جَابِرٌ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا أَصْلًا؟ فَصَحَّ أَنَّ حَدِيثَ سَمُرَةَ لَيْسَ مُخَالِفًا لِأَكْثَرِ مَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ؛ لِأَنَّ جَابِرًا ذَكَرَ: أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَنْهَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي ذَكَرَ، وَصَدَقَ - وَذَكَرَ سَمُرَةُ: أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ بَعْضِهَا، وَصَدَقَ. وَقَالُوا: قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ لَهُ غُلَامٌ أَسْوَدُ اسْمُهُ: رَبَاحٌ، يَأْذَنُ عَلَيْهِ - وَقَدْ غَابَ عَنْ عُمَرَ أَمْرُ جِزْيَةِ الْمَجُوسِ - وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَغِيبَ عَنْ جَابِرٍ، وَطَائِفَةٍ مَعَهُ: النَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَقَدْ غَابَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ النَّهْيُ عَنْ كَرْيِ الْأَرْضِ - ثُمَّ بَلَغَهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فَرَجَعَ إلَيْهِ - وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ رَبَاحًا: فَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهِ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ

стр. 3471

وَهُوَ ضَعِيفٌ - فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مُوَافِقًا لِمَعْهُودِ الْأَصْلِ، وَكَانَ النَّهْيُ شَرْعًا زَائِدًا لَا يَحِلُّ الْخُرُوجُ عَنْهُ؟ وَقَالُوا: قَوْلَ النَّبِيِّ ﵌: " فَإِنَّك تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَيَقُولُ: لَا " بَيَانٌ بِالْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ عِلَّةٌ مَوْجُودَةٌ فِي: خِيرَةَ وَخَيْرٍ، وَسَعْدٍ وَسَعِيدٍ، وَمَحْمُودٍ، وَأَسْمَاءَ كَثِيرَةٍ: فَيَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهَا عِنْدَكُمْ أَيْضًا؟ قُلْنَا: هَذَا أَصْلُ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ، لَا أَصْلُنَا، وَإِنَّمَا نَجْعَلُ نَحْنُ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵊ سَبَبًا لِلْحُكْمِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ فَقَطْ، لَا نَتَعَدَّاهُ إلَى مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ بُرْهَانُنَا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّهُ ﵊ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عِلَّةً فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ لَمَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِأَخْصَرَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي أَتَى بِهِ: فَهَذَا حُكْمُ الْبَيَانِ، وَاَلَّذِي يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ ﵊ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فَتَكَلَّفَ ذِكْرَ بَعْضِهَا، وَعَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَ بِالسَّبَبِ فِي ذَلِكَ، وَسَكَتَ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ: هُوَ حُكْمُ التَّلْيِيسِ، وَعَدَمِ التَّبْلِيغِ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا. وَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاكُمْ إلَّا الدَّعْوَى فَقَطْ، وَالظَّنُّ الْكَاذِبُ. وَقَالُوا: قَدْ سَمَّى ابْنُ عُمَرَ غُلَامَهُ: نَافِعًا، وَسَمَّى أَبُو أَيُّوبَ غُلَامَهُ: أَفْلَحَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ؟ قُلْنَا: قَدْ غَابَ بِإِقْرَارِكُمْ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ الْإِيلَاجِ، وَغَابَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ حُكْمُ كَرْيِ الْأَرْضِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَيُّمَا أَشْنَعُ؟ مَغِيبُ مِثْلِ هَذَا، أَوْ مَغِيبُ النَّهْيِ عَنْ اسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ: فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌. تَمَّ كِتَابُ صُحْبَةِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

стр. 3472

[كِتَابُ الْمَوَارِيثِ] [ مَسْأَلَةٌ أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. كِتَابُ الْمَوَارِيثِ ١٧٠٧ - مَسْأَلَةٌ: أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ: دَيْنُ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ كُفِّنَ مِنْهُ الْمَيِّتُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ كَفَنُهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ، لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْجَنَائِزِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا. وَعُمْدَةُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَأَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ﵁ لَمْ يُوجَدْ لَهُ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَكُفِّنَ فِيهِ، وَلِأَنَّ تَكْلِيفَ الْغُرَمَاءِ خَاصَّةً أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ نَاقِصًا مِنْ حُقُوقِهِمْ: ظُلْمٌ لَهُمْ - وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْغُرَمَاءُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ. [مَسْأَلَة فَضَلَتْ فَضْلَةٌ مِنْ الْمَالِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ] ١٧٠٨ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ مِنْ الْمَالِ: كَانَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ، لَا يَتَجَاوَزُ بِهَا الثُّلُثَ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي " كِتَابِ الْوَصَايَا " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَكَانَ لِلْوَرَثَةِ مَا بَقِيَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] [مَسْأَلَة مِنْ يَرِث مِنْ الرجال] ١٧٠٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَرِثُ مِنْ الرِّجَالِ إلَّا الْأَبُ، وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، وَأَبُو الْجَدِّ الْمَذْكُورِ، وَهَكَذَا مَا وُجِدَ. وَلَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ جَدٌّ، وَلَا مَعَ الْجَدِّ أَبُو جَدٍّ، وَلَا مَعَ أَبِي الْجَدِّ جَدُّ جَدٍّ - وَلَا يَرِثُ جَدٌّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَلَا جَدٌّ مِنْ قِبَلِ جَدَّةٍ، وَلَا الْأَخُ الشَّقِيقُ أَوْ لِلْأَبِ فَقَطْ، أَوْ لِلْأُمِّ فَقَطْ، وَابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ.

стр. 3473

وَلَا يَرِثُ ابْنُ أَخٍ لِأُمٍّ، وَالِابْنُ، وَابْنُ الِابْنِ، وَابْنُ ابْنِ الِابْنِ، وَهَكَذَا مَا وُجِدَ، وَالْعَمُّ شَقِيقُ الْأَبِ، وَأَخُو الْأَبِ لِأَبِيهِ. وَلَا يَرِثُ أَخُو الْأَبِ لِأُمِّهِ، وَابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ، وَابْنُ الْعَمِّ أَخُو الْأَبِ لِأَبِيهِ، وَعَمُّ الْأَبِ الشَّقِيقِ، أَوْ الْأَبِ وَهَكَذَا مَا عَلَا، وَأَبْنَاؤُهُمْ الذُّكُورُ وَالزَّوْجُ وَالْمُعْتِقُ وَمُعْتِقُ الْمُعْتَقِ، وَهَكَذَا مَا عَلَا، لَا يَرِثُ مِنْ الرِّجَالِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا - وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَؤُلَاءِ يَرِثُونَ. وَلَا يَرِثُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا الْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ، وَالِابْنَةُ، وَابْنَةُ الِابْنِ، وَابْنَةُ ابْنِ الِابْنِ، وَهَكَذَا مَا وُجِدَتْ. وَلَا تَرِثُ ابْنَةُ ابْنَةٍ، وَلَا ابْنُ ابْنَةٍ، وَالْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ، أَوْ لِلْأَبِ، أَوْ لِلْأُمِّ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْمُعْتِقَةُ، وَمُعْتَقَةُ الْمُعْتِقَةِ، وَهَكَذَا مَا عَلَا. وَلَا يَرِثُ ابْنُ أُخْتٍ، وَلَا بِنْتُ أُخْتٍ، وَلَا ابْنَةُ أَخٍ، وَلَا ابْنَةُ عَمٍّ، وَلَا عَمَّةٌ، وَلَا خَالَةٌ، وَلَا خَالٌ، وَلَا جَدٌّ لِأُمٍّ، وَلَا ابْنَةُ ابْنَةٍ، وَلَا ابْنُ ابْنَةٍ، وَلَا بِنْتُ أَخٍ لِأُمٍّ، وَلَا ابْنُ أَخٍ لِأُمٍّ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ ذَكَرْنَا لَا يَرِثُ، وَلَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ جَدٌّ، وَلَا تَرِثُ مَعَ الْأُمِّ جَدَّةٌ، وَلَا يَرِثُ أَخٌ، وَلَا أُخْتٌ مَعَ ابْنٍ ذَكَرٍ، وَلَا مَعَ أَبٍ. وَلَا يَرِثُ ابْنُ أَخٍ مَعَ أَخٍ شَقِيقٍ، أَوْ لِأَبٍ، وَلَا يَرِثُ أَخٌ لِأُمٍّ مَعَ أَبٍ، وَلَا مَعَ ابْنٍ، وَلَا مَعَ ابْنَةٍ، وَلَا مَعَ جَدٍّ. وَلَا يَرِثُ عَمٌّ مَعَ أَبٍ، وَلَا مَعَ جَدٍّ، وَلَا مَعَ أَخٍ شَقِيقٍ، أَوْ لِأَبٍ، وَلَا مَعَ ابْنِ أَخٍ شَقِيقٍ، أَوْ لِأَبٍ - وَإِنْ سَفَلَ. بُرْهَانُ هَذَا كُلِّهِ. نُصُوصُ الْقُرْآنِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﵌ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَصْحَابِهَا، فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا أَيْضًا: فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَصْلًا، وَأَخَّرْنَا الَّذِي فِيهِ اخْتِلَافٌ لِنَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبْوَابِهِ.

стр. 3474

[مَسْأَلَة أَوَّلُ مَا يُخْرَجُ مِمَّا تَرَكَهُ الْمَيِّتُ] ُ إنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ: دُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى، إنْ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ: كَالْحَجِّ، وَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ أُخْرِجَ مِنْهُ دُيُونُ الْغُرَمَاءِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كُفِّنَ مِنْهُ الْمَيِّتُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ كَفَنُهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ الْغُرَمَاءِ، أَوْ غَيْرِهِمْ - فَإِنْ فَضَلَ بَعْدَ الْكَفَنِ شَيْءٌ: نَفَذَتْ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَاتِ الْمَوَارِيثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى، اقْضُوا اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» ) وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِأَسَانِيدِهِ فِي " كِتَابِ الصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ فَالْآيَةُ تَعُمُّ دُيُونَ اللَّهِ تَعَالَى وَدُيُونَ الْخَلْقِ، وَالسُّنَنُ الثَّابِتَةُ بَيَّنَتْ أَنَّ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مُقَدَّمٌ عَلَى دُيُونِ الْخَلْقِ. وَأَمَّا الْكَفَنُ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَصَحَّ " أَنَّ حَمْزَةَ، وَالْمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ﵄: لَمْ يُوجَدْ لَهُمَا شَيْءٌ، إلَّا شَمْلَةٌ شَمْلَةٌ فَكُفِّنَا فِيهِمَا ". وَقَالَ قَوْمٌ: الْكَفَنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدُّيُونِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ بِتَقْدِيمِ الدَّيْنِ كَمَا تَلَوْنَا، فَإِذْ قَدْ صَارَ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْغُرَمَاءِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَمِنْ الظُّلْمِ أَنْ يُخَصَّ الْغُرَمَاءُ بِإِخْرَاجِ الْكَفَنِ مِنْ مَالِهِمْ دُونَ مَالِ سَائِرِ مَنْ حَضَرَ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ، وَلَا احْتِيَاطٌ، لَكِنَّ حُكْمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَصْلًا، وَمَنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَكَفَنُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «مَنْ وَلِيَ كَفَنَ أَخِيهِ أَنْ يُحْسِنَهُ» فَصَارَ إحْسَانُ الْكَفَنِ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ الْمَيِّتَ، فَهَذَا عُمُومٌ لِلْغُرَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ حَضَرَ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَنْفُذُ إلَّا بَعْدَ انْتِصَافِ الْغُرَمَاءِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ -

стр. 3475

«إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَمَالُ الْمَيِّتِ قَدْ صَارَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِلْغُرَمَاءِ بِمَوْتِهِ - كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ - فَحَرَامٌ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي مَالِهِ الَّذِي يَتَخَلَّفُ، فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيمَا يَبْقَى بَعْدَ الدَّيْنِ. [مَسْأَلَة مِيرَاث البنتين والأختين] ١٧١١ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ أُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ أَوْ لِأَبٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أُخْتَيْنِ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا، وَلَا أَخًا شَقِيقًا، وَلَا لِأَبٍ، وَلَا مَنْ يَحُطُّهُنَّ مِمَّا نَذْكُرُ فَلَهُمَا ثُلُثَا مَا تَرَكَ أَوْ لَهُنَّ - عَلَى السَّوَاءِ -. وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ ابْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا وَلَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا ذَكَرًا وَلَا مَنْ يَحُطُّهُنَّ: فَلَهُمَا أَوْ لَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ أَيْضًا. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ الْجَحْدَرِيُّ نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ - هُوَ الْهُجَيْمِيُّ - نا هِشَامٌ - هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - نا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «اشْتَكَيْت وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ لِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَنَفَخَ فِي وَجْهِي فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثَيْنِ - ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَنِي، ثُمَّ رَجَعَ إلَيَّ فَقَالَ: إنِّي لَا أَرَاك مَيِّتًا مِنْ وَجَعِكَ هَذَا، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فَبَيَّنَ الَّذِي لِأَخَوَاتِكَ: فَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ - فَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] » وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَأَمَّا الْبِنْتَانِ فَلَا خِلَافَ فِي الثَّلَاثِ فَصَاعِدًا، وَلَا وَلَدَ لِلْمَيِّتِ ذَكَرًا فِي أَنَّ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ

стр. 3476

إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَنْ يَحُطُّهُنَّ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] وَأَمَّا الْبِنْتَانِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا إلَّا النِّصْفُ كَمَا لِلْوَاحِدَةِ - وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسَدَّدٍ نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جِئْنَا امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْأَسْوَاقِ - وَهِيَ جَدَّةُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ: فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ بِنْتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ اسْتَقَى عَمُّهُمَا مَالَهُمَا فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا إلَّا أَخَذَهُ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ لَا يَنْكِحَانِ أَبَدًا إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُدْعُوَا لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا فَقَالَ لِعَمِّهِمَا: أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَلَكَ» . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﵌ أَعْطَى الِابْنَةَ النِّصْفَ، وَابْنَةَ الِابْنِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَقَدْ ادَّعَى أَصْحَابُ الْقِيَاسِ أَنَّ الثُّلُثَيْنِ إنَّمَا وَجَبَ لِلْبِنْتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْأُخْتَيْنِ، قَالُوا: وَالْبِنْتَانِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ الْأُخْتَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبِنْتَيْنِ أَحَقُّ مِنْ الْأُخْتَيْنِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَزِيدُوهُمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا أَوْلَى وَأَقْرَبُ، فَيُخَالِفُوا الْقُرْآنَ، أَوْ يُبْطِلُوا قِيَاسَهُمْ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ - نَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذَا الْقِيَاسِ - لَا يَخْتَلِفُونَ فِي عَشْرِ بَنَاتٍ وَأُخْتٍ لِأَبٍ: أَنَّ لِلْأُخْتِ الثُّلُثَ كَامِلًا، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَنَاتِ خُمُسُ الثُّلُثِ - فَقَدْ أَعْطُوا الْأُخْتَ الْوَاحِدَةَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطُوا أَرْبَعَ بَنَاتٍ، فَأَيْنَ قَوْلُهُمْ: إنَّ الْبَنَاتِ أَحَقُّ مِنْ الْأَخَوَاتِ؟ وَهَذَا مِنْهُمْ تَخْلِيطٌ فِي الدِّينِ، وَلَيْسَتْ الْمَوَارِيثُ عَلَى قَدْرِ التَّفَاضُلِ فِي الْقَرَابَةِ، إنَّمَا هِيَ كَمَا جَاءَتْ النُّصُوصُ فَقَطْ. وَلَا خِلَافَ فِيمَنْ تَرَكَ جَدَّهُ أَبَا أُمِّهِ، وَابْنَ بِنْتِهِ، وَبِنْتَ أَخِيهِ، وَابْنَ أُخْتِهِ، وَخَالَهُ وَخَالَتَهُ، وَعَمَّتَهُ وَابْنَ عَمٍّ لَهُ لَا يَلْتَقِي مَعَهُ إلَّا إلَى عِشْرِينَ جَدًّا: أَنَّ هَذَا الْمَالَ كُلَّهُ لِهَذَا

стр. 3477

الِابْنِ الْعَمِّ الْبَعِيدِ، وَلَا شَيْءَ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا، وَأَيْنَ قَرَابَتُهُ مِنْ قَرَابَتِهِمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ١٧١٢ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ تَرَكَ أُخْتًا شَقِيقَةً، وَأُخْتًا وَاحِدَةً لِلْأَبِ أَوْ اثْنَتَيْنِ لِلْأَبِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ: فَلِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ، وَلِلَّتِي لِلْأَبِ، أَوْ اللَّوَاتِي، لِلْأَبِ: السُّدُسُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَى الْأُخْتَ النِّصْفَ، وَأَعْطَى الْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَيْنِ. فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَخَوَاتِ اللَّوَاتِي لِلْأَبِ، أَوْ اللَّوَاتِي لِلْأَبِ وَالْأُمِّ - وَإِنْ كَثُرْنَ - إلَّا الثُّلُثَانِ فَقَطْ، وَإِذَا وَجَبَ لِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقِّنِ فِي أَنْ لَا يُشَارِكَهَا فِيهِ الَّتِي لَيْسَتْ شَقِيقَةً، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا السُّدُسُ، فَهُوَ لِلَّتِي لِلْأَبِ، أَوْ اللَّوَاتِي لِلْأَبِ. ١٧١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَرِثُ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ وَلَا غَيْرُ شَقِيقَةٍ مَعَ ابْنٍ ذَكَرٍ وَلَا مَعَ ابْنَةٍ أُنْثَى، وَلَا مَعَ ابْنِ ابْنٍ وَإِنْ سَفَلَ، وَلَا مَعَ بِنْتِ ابْنٍ وَإِنْ سَفَلَتْ، وَالْبَاقِي بَعْدَ نَصِيبِ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ لِلْعَصَبَةِ كَالْأَخِ، وَابْنِ الْأَخِ، وَالْعَمِّ، وَابْنِ الْعَمِّ، وَالْمُعْتَقِ وَعَصَبَتِهِ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَيِّتِ عَاصِبٌ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَا بَقِيَ لِلْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ، أَوْ لِلَّتِي لِلْأَبِ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ شَقِيقَةً، وَلِلْأَخَوَاتِ كَذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ - وَبِهِ نَأْخُذُ. وَهُنَا قَوْلَانِ غَيْرَ هَذَا. أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْأَخَوَاتِ عَصَبَةُ الْبَنَاتِ، وَأَنَّ الْأُخْتَ الْمَذْكُورَةَ أَوْ الْأَخَوَاتِ الْمَذْكُورَاتِ يَأْخُذْنَ مَا فَضَلَ عَنْ الِابْنَةِ، أَوْ بِنْتِ الِابْنِ، أَوْ مَا فَضَلَ عَنْ الْبِنْتَيْنِ أَوْ بِنْتَيْ الِابْنِ فَصَاعِدًا - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهَا. وَصَحَّ فِي الْأُخْتِ وَالْبِنْتِ عَنْ مُعَاذٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَسَلْمَانَ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ كَذَلِكَ أَيْضًا. وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا تَرِثُ أُخْتٌ أَصْلًا مَعَ ابْنَةٍ، وَلَا مَعَ ابْنَةِ ابْنٍ - وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَهُوَ أَوَّلُ قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى الْأَخَوَاتِ عَصَبَةَ الْبَنَاتِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ - هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ - عَنْ الْهُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ؟ فَقَالَ: لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ - «فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ

стр. 3478

وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى؟ فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﵌ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ أُخْتًا مَعَ ابْنَةٍ وَلَا مَعَ ابْنَةِ ابْنٍ بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وَاسْمُ الْوَلَدِ يَقَعُ عَلَى الِابْنَةِ، وَبِنْتِ الِابْنِ، كَمَا يَقَعُ عَلَى الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ فِي اللُّغَةِ وَفِي الْقُرْآنِ - وَالْعَجَبُ مِنْ مُجَاهَرَةِ بَعْضِ الْقَائِلِينَ هَاهُنَا: إنَّمَا عَنَى وَلَدًا ذَكَرًا - وَهَذَا إقْدَامٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْبَاطِلِ، وَقَوْلٌ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعْلَمُ، بَلْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ. وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَاتِ: أَنَّ الْوَلَدَ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ وَلَدَ الْوَلَدِ كَذَلِكَ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ. ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فِي مِيرَاثِ الْأُخْتِ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الذَّكَرَ وَ ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩] ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] . وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ أُخْتًا مَعَ ابْنَةٍ، وَلَا مَعَ ابْنَةِ ابْنٍ: بِالثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَصْحَابِهَا فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ تَوْرِيثَهُمْ الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ، وَبِنْتَ الِابْنِ إنَّمَا هُوَ بِالتَّعْصِيبِ، لَا بِفَرْضٍ مُسَمًّى، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي بِنْتٍ، وَزَوْجٍ، وَأُمٍّ، وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ أَوْ لِأَبٍ، أَوْ أَخَوَاتٍ كَذَلِكَ: إنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وَلِلزَّوْجِ الرُّبُعَ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسَ، وَلَيْسَ لِلْأُخْتِ أَوْ الْأَخَوَاتِ - إلَّا نِصْفُ السُّدُسِ.

стр. 3479

فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَكَانَتْ ابْنَتَانِ: لَمْ تَرِثْ الْأُخْتُ وَلَا الْأَخَوَاتُ شَيْئًا -: وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ ابْنَتَهُ، وَأُخْتَه لِأَبِيهِ، وَأُمِّهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِابْنَتِهِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَلَيْسَ لِأُخْتِهِ شَيْءٌ مِمَّا بَقِيَ، وَهُوَ لِعَصَبَتِهِ، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إنَّ عُمَرَ قَضَى بِغَيْرِ ذَلِكَ، جَعَلَ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ طَاوُسٍ قَالَ لِي ابْنُ طَاوُسٍ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: لَهَا النِّصْفُ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمْرٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا فِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَسَتَجِدُونَهُ فِي النَّاسِ كُلِّهِمْ: مِيرَاثُ الْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يُرِيَك أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَرَ مَا فَشَا فِي النَّاسِ وَاشْتَهَرَ فِيهِمْ حُجَّةً، وَأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْقَوْلَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَتَكَلَّمَ أَصْحَابُنَا فِي أَبِي قَيْسٍ. قَالَ عَلِيٌّ: أَبُو قَيْسٍ ثِقَةٌ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَرَحَهُ بِجُرْحَةٍ يَجِبُ بِهَا إسْقَاطُ رِوَايَتِهِ، فَالْوَاجِبُ الْأَخْذُ بِمَا رَوَى - وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُسْنَدِ الَّذِي ذَكَرْنَا. فَوَجَبَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ عَاصِبٌ أَنْ يَكُونَ مَا فَضَلَ عَنْ فَرِيضَةِ الِابْنَةِ، أَوْ الْبِنْتَيْنِ، أَوْ بِنْتِ الِابْنِ، أَوْ بِنْتَيْ الِابْنِ لِلْعَصَبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ، وَلَيْسَتْ الْأُخْتُ هَاهُنَا مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِإِلْحَاقِ فَرَائِضِهِمْ بِهِمْ - وَهَذَا وَاضِحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ رَجُلٌ عَاصِبٌ أَصْلًا أَخَذْنَا بِحَدِيثِ أَبِي قَيْسٍ وَجَعَلْنَا الْأُخْتَ عَصَبَةً كَمَا فِي نَصِّهِ وَلَمْ نُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ. وَالْمُعْتَقُ، وَمَنْ تَنَاسَلَ مِنْهُ مِنْ الذُّكُورِ أَوْ عَصَبَتِهِ مِنْ الذُّكُورِ هُمْ بِلَا شَكٍّ مِنْ الرِّجَالِ الذُّكُورِ: فَهُمْ أَوْلَى مِنْ الْأَخَوَاتِ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ ابْنَةٌ أَوْ ابْنَةُ ابْنٍ

стр. 3480

قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَنْ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ: أَنَّهُمْ وَرَّثُوا الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ مَعَ وُجُودِ عَاصِبٍ ذَكَرٍ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الْأُمّ] ١٧١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَالْأُمُّ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَى، أَوْ ابْنِ الِابْنِ، أَوْ بِنْتِ الِابْنِ - وَإِنْ سَفَلَ: السُّدُسُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ الْقُرْآنِ، كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ١٧١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ أَخٌ، أَوْ أَخَوَانِ، أَوْ أُخْتَانِ أَوْ أُخْتٌ، أَوْ أَخٌ، وَأُخْتٌ - وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ ذَكَرٍ. فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْإِخْوَةِ ذُكُورٍ أَوْ إنَاثٍ، أَوْ بَعْضُهُمْ ذَكَرٌ، وَبَعْضُهُمْ أُنْثَى: فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ تُرَدُّ الْأُمُّ إلَى السُّدُسِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تُرَدُّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِأَخٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِأُخْتٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا فِي أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى السُّدُسِ بِثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِخْوَةِ - كَمَا ذَكَرْنَا - إنَّمَا الْخِلَافُ فِي رَدِّهَا إلَى السُّدُسِ بِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ. حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ قَالَ: نا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَمْرُوسٍ الْأَسْتَجِيُّ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ السَّعِيدِيّ نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ بْنِ بَادِيٍّ الْعَلَّافُ نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ نا الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ - هُوَ أَبُو الْحَارِثِ - عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ لَهُ: إنَّ الْأَخَوَيْنِ لَا يَرُدَّانِ الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] وَالْأَخَوَانِ فِي لِسَانِ قَوْمِك لَيْسُوا بِإِخْوَةٍ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، تَوَارَثَهُ النَّاسُ وَمَضَى فِي الْأَمْصَارِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ وَقَّفَ عُثْمَانَ عَلَى الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عُثْمَانُ ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَ عُثْمَانَ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ حُجَّةٌ مِنْ اللُّغَةِ لَعَارَضَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِهَا مَا فَعَلَ، بَلْ تَعَلَّقَ بِأَمْرٍ كَانَ قَبْلَهُ، تَوَارَثَهُ النَّاسُ وَمَضَى فِي

стр. 3481

الْأَمْصَارِ، فَعُثْمَانُ رَأَى هَذَا حُجَّةً، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَرَهُ حُجَّةً، وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ، وَنَصُّهُمَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَمْ قَضِيَّةٍ خَالَفُوا فِيهَا عُثْمَانَ، وَعُمَرَ: كَتَقْوِيمِهِمَا الدِّيَةَ بِالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَالْحُلَلِ، وَإِضْعَافِهَا فِي الْحَرَمِ - وَالْقَضَاءِ بِوَلَدِ الْغَارَةِ رَقِيقًا لِسَيِّدِ أُمِّهِمْ فِي كَثِيرٍ جِدًّا. وَمَنْ ادَّعَى مِثْلَ هَذَا إجْمَاعًا - وَمُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ - عِنْدَهُمْ كَافِرٌ: فَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى قَوْلِهِمْ كَافِرٌ، إذْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا، بَلْ مُكَفِّرُهُ أَحَقُّ بِالْكُفْرِ وَأَوْلَى. وَأَمَّا الْخَطَأُ مَعَ قَصْدِ الْحَقِّ فَلَا يُرْفَعُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَخَوَانِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ إخْوَةٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ: حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَبِنْيَةُ اللُّغَةِ مُكَذِّبَةٌ لِهَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ بِنْيَةَ التَّثْنِيَةِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي بِهَا خَاطَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵊ غَيْرُ بِنْيَةِ الْجَمْعِ بِالثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: الرَّجُلَانِ قَامُوا، وَلَا الْمَرْأَتَانِ قُمْنَ. وَاحْتَجُّوا فِي هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَيْنِ، وَالْوَاجِبُ قَطْعُهُمَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ يُخْبَرُ عَنْهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، قَالَ الرَّاجِزُ: وَمَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرَّتَيْنِ ... ظَهْرَاهُمَا مِثْلَ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ فَهَذَا بَابٌ مَضْبُوطٌ لَا يُتَعَدَّى وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا نُكْرَةَ فِي دُخُولِهِمَا وَمَعَهُمَا غَيْرُهُمَا. وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] وَهَذَا عَلَيْهِمْ، لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةً: يُوسُفُ، وَأَخُوهُ الْأَصْغَرُ الْمُحْتَبَسُ عَنْ الصُّوَاعِ، وَكَبِيرُهُمْ الَّذِي قَالَ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠] .

стр. 3482

وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لِآخَرَ بِدَرَاهِمَ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِثَلَاثَةٍ، لَا بِدِرْهَمَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] قَالَ: وَالْحُكْمُ فِي الْأُخْتِ، وَالْأَخِ هَكَذَا، فَصَحَّ أَنَّ الْأَخَ وَالْأُخْتَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] كَذَلِكَ أَيْضًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْآيَتَانِ فَحَقٌّ، وَأَمَّا هَذَا الِاسْتِدْلَال فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَهَذَا جَلِيٌّ مِنْ النَّصِّ فِي حُكْمِ الْأَخِ، وَالْأُخْتِ فَقَطْ. فَإِنْ أَوْجَدْنَا مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَجْبِ الْأُمِّ فَهُوَ قَوْلُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُبْطَلٌ مُدَّعًى بِلَا بُرْهَانٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَدْنَا كُلَّ مَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ حُكْمُ الْفَرْضِ فِيمَا بَعْدَ الْوَاحِدِ يَسْتَوِي فِيهِ الِاثْنَانِ، مَا زَادَ عَلَيْهِمَا كَالْبِنْتَيْنِ مِيرَاثُهُمَا كَمِيرَاثِ الثَّلَاثِ، وَكَالْأُخْتَيْنِ مِيرَاثُهُمَا كَمِيرَاثِ الثَّلَاثِ، وَكَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ إنَّمَا هُوَ الثُّلُثُ لِلِاثْنَيْنِ كَمَا هُوَ لِلثَّلَاثِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَجْبُ الْأُمِّ بِالِاثْنَيْنِ كَحَجْبِهَا بِالثَّلَاثِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْنَا: مَا وَجَبَ هَذَا قَطُّ كَمَا تَقُولُ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْك لَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُلُّ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَحَقٌّ، وَكُلُّ مَا قُلْت أَنْتَ مِمَّا لَمْ يَقُلْهُ فَكَذِبٌ، وَبَاطِلٌ، فَهَاتِ بُرْهَانًا عَلَى صِحَّةِ تَشْبِيهِك هَذَا؟ وَإِلَّا فَهُوَ بَاطِلٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ وَجَبَ لِلْأُمِّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ: الثُّلُثُ وَلَمْ يَحُطَّهَا اللَّهُ تَعَالَى إلَى السُّدُسِ إلَّا بِوَلَدٍ لِلْمَيِّتِ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ إخْوَةٌ فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهَا مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا، إلَّا بِيَقِينٍ مِنْ سُنَّةٍ وَارِدَةٍ؟ وَلَا سُنَّةَ فِي ذَلِكَ وَلَا إجْمَاعَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ١٧١٦ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ تَرَكَ زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ، أَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَتَرَكَتْ زَوْجًا وَأَبَوَيْنِ: فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَامِلًا - وَلِلْأَبِ مِنْ ابْنَتِهِ السُّدُسُ، وَمِنْ ابْنِهِ الثُّلُثُ، وَرُبُعُ الثُّلُثِ.

стр. 3483

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ لِلْأُمِّ فِي كِلْتَيْهِمَا إلَّا ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ مِيرَاثِ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجَةِ - وَهَذَا قَوْلٌ رُوِّينَاهُ صَحِيحًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَبَوَيْنِ، وَالزَّوْجِ وَالْأَبَوَيْنِ - وَصَحَّ عَنْ زَيْدٍ، وَرُوِّينَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَالْحَسَنِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. وَهَا هُنَا قَوْلٌ آخَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ قَالَ فِي رَجُلٍ تَرَكَ امْرَأَتَهُ وَأَبَوَيْهِ: لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ، وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ وَقَالَ فِي امْرَأَةٍ تَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأَبَوَيْهَا: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ، وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ - قَالَ: إذَا فَضَلَ الْأَبُ الْأُمَّ بِشَيْءٍ فَإِنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَا بِهِ: فَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لِلْأُمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ. فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ، وَزَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ أَهْلُ الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَرَانِي أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ. وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْعَقِيمِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَهْلَ الصَّلَاةِ فِي زَوْجٍ، وَأَبَوَيْنِ. وَقَالُوا: مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] أَيْ مِمَّا يَرِثُهُ أَبَوَاهُ. مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. أَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نُكْرَةَ فِي تَفْضِيلِ

стр. 3484

الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ: فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صُحْبَتِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» فَفَضَّلَ الْأُمَّ ﵊ عَلَى الْأَبِ فِي حُسْنِ الصُّحْبَةِ - وَقَدْ سَوَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ بِإِجْمَاعِنَا وَإِجْمَاعِهِمْ فِي الْمِيرَاثِ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ فَ ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فَمِنْ أَيْنَ تَمْنَعُونَ مِنْ تَفْضِيلِهَا عَلَيْهِ إذَا أَوْجَبَ ذَلِكَ نَصٌّ؟ . ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَجِّينَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا أَوَّلُ مُخَالِفِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَا يُفَضِّلَانِ أُمًّا عَلَى جَدٍّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْمُمَوِّهُونَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يُخَالِفُونَهُ، وَيُخَالِفُونَ عُمَرَ، فَيُفَضِّلُونَ الْأُمَّ عَلَى الْجَدِّ، وَهُمْ يُفَضِّلُونَ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ فِي بَعْضِ الْمَوَارِيثِ. فَيَقُولُونَ فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا، وَأُمَّهَا، وَأَخَوَيْنِ شَقِيقَيْنِ، وَأُخْتَهَا لِأُمٍّ: إنَّ لِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ السُّدُسَ كَامِلًا، وَلِلذَّكَرَيْنِ الْأَخَوَيْنِ الشَّقِيقَيْنِ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ السُّدُسِ. وَيَقُولُونَ بِآرَائِهِمْ فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا، أَوْ أُخْتَهَا شَقِيقَتَهَا وَأَخًا لِأَبٍ: إنَّ الْأَخَ لَا يَرِثُ شَيْئًا - فَلَوْ كَانَ مَكَانَهُ أُخْتٌ: فَلَهَا السُّدُسُ، يُعَالُ لَهَا بِهِ، فَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ تَفْضِيلَ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ ثُمَّ يُمَوِّهُونَ بِتَشْنِيعِ تَفْضِيلِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ حَيْثُ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ: خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَهْلَ الصَّلَاةِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ، فَإِنْ كَانَ خِلَافُ أَهْلِ الصَّلَاةِ كُفْرًا أَوْ فِسْقًا فَلْيَنْظُرُوا فِيمَا يَدْخُلُونَ؟ وَالْمُعَرِّضُ بِابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا أَحَقُّ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالْعَجَبُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ هَذَا إبْرَاهِيمُ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. مُوَافَقَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ كَمَا أَوْرَدْنَا؟

стр. 3485

وَمَا وَجَدْنَا قَوْلَ الْمُخَالِفِينَ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ إلَّا عَنْ زَيْدٍ وَحْدَهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا - وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ - وَلَيْسَ يُقَالُ فِي إضْعَافِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ: خَالَفَ أَهْلَ الصَّلَاةِ - فَبَطَلَ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ هَذَا - وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] أَيْ مِمَّا يَرِثُهُ أَبَوَاهُ: فَبَاطِلٌ، وَزِيَادَةٌ فِي الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهَا. بُرْهَانُ ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَسْأَلُهُ عَنْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ؟ فَقَالَ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَقُولُهُ بِرَأْيِك أَمْ تَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ زَيْدٌ: أَقُولُهُ بِرَأْيِي، وَلَا أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَوْ كَانَ لِزَيْدٍ بِالْآيَةِ مُتَعَلَّقٌ مَا قَالَ: أَقُولُهُ بِرَأْيِي لَا أُفَضِّلُ أُمًّا عَلَى أَبٍ، وَلَقَالَ: بَلْ أَقُولُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ الرَّأْيُ حُجَّةً، وَنَصُّ الْقُرْآنِ يُوجِبُ صِحَّةَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لَا مِمَّا يَرِثُهُ الْأَبَوَانِ، ثُمَّ يَقُولُونَ هَاهُنَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] إنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَرِثُ الْأَبَوَانِ - وَهَذَا تَحَكُّمٌ فِي الْقُرْآنِ وَإِقْدَامٌ عَلَى تَقْوِيلِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَقُلْ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ: فَأَصَابَ فِي الْوَاحِدَةِ وَأَخْطَأَ فِي الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ النَّصِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّصُّ مَجِيئًا وَاحِدًا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الزَّوْجَيْنِ] ١٧١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنْ وَلَدٍ ذَكَرٍ وَإِنْ سَفَلَ - سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.

стр. 3486

فَإِنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ ابْنٌ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَوْ ابْنُ ابْنٍ ذَكَرٍ، أَوْ بِنْتُ ابْنٍ ذَكَرٍ - وَإِنْ سَفَلَ كَمَا ذَكَرْنَا. فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إلَّا الرُّبُعُ. وَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ ابْنٌ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى، وَلَا ابْنُ ابْنٍ ذَكَرٍ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ ذَكَرٍ، أَوْ بِنْتُ ابْنِ ابْنٍ ذَكَرٍ وَإِنْ سَفَلَ مَنْ ذَكَرْنَا - سَوَاءٌ مِنْ تِلْكَ الزَّوْجَةِ كَانَ الْوَلَدُ الْمَذْكُورُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. فَإِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ وَلَدٌ، أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ ذَكَرٍ - كَمَا ذَكَرْنَا - فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ إلَّا الثُّمُنُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ اثْنَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ، أَوْ أَرْبَعٌ: هُنَّ شُرَكَاءُ فِي الرُّبُعِ، أَوْ الثُّمُنِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ نَصُّ الْقُرْآنِ الْمَحْفُوظِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا أَصْلًا، وَلَا حُكْمَ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَمْوَاتٌ تَرَكُوا بَنِي بَنَاتٍ، فَاتَّسَقَ نَقْلُ الْجَمِيعِ - عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَرِثُوا، وَلَا حُجِبُوا، بَلْ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا، بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْوَطْءِ الْمَنْقُولِ - عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ - بِلَا خِلَافٍ أَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي بَنِي الْبَنَاتِ، وَبَنِي الْبَنِينَ، وَبِخِلَافِ وُجُوبِ الْحَقِّ، وَالْعِتْقِ، وَالنَّفَقَةِ الَّتِي أَوْجَبَتْهُ النُّصُوصُ. [مَسْأَلَة لَا عَوْلَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَارِيثِ الْفَرَائِضِ] ١٧١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا عَوْلَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَارِيثِ الْفَرَائِضِ وَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْمِيرَاثِ ذَوُو فَرَائِضَ مُسَمَّاةٍ لَا يَحْتَمِلُهَا الْمِيرَاثُ، مِثْلُ: زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ، وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ وَأُخْتٍ لِأُمٍّ، أَوْ أُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ أَوْ لِأَبٍ، وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ، أَوْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ وَابْنَةٍ، أَوْ ابْنَتَيْنِ فَإِنَّ هَذِهِ فَرَائِضَ ظَاهِرُهَا أَنَّهُ يَجِبُ النِّصْفُ وَالنِّصْفُ وَالثُّلُثُ، أَوْ نِصْفٌ وَنِصْفٌ وَثُلُثَانِ، أَوْ نِصْفٌ وَنِصْفٌ وَسُدُسٌ، وَنَحْوُ هَذَا. فَاخْتَلَفَ النَّاسُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحُطُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ فَرْضِهِ شَيْئًا حَتَّى يَنْقَسِمَ الْمَالُ عَلَيْهِمْ، وَرَتَّبُوا ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَجْمَعُوا سِهَامَهُمْ كَامِلَةً، ثُمَّ يُقْسَمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا اجْتَمَعَ، مِثْلُ: زَوْجٍ وَأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ، فَهَذِهِ: ثُلُثَانِ وَثُلُثٌ وَنِصْفٌ وَسُدُسٌ - وَلَا يَصِحُّ هَذَا فِي بِنْيَةِ الْعَالَمِ. قَالُوا: فَيُجْعَلُ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ سِتَّةٍ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ سِهَامٍ،

стр. 3487

وَلِلشَّقِيقَتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَهُمَا أَرْبَعَةٌ مِنْ سِتَّةٍ، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِلْأُخْتَيْنِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَهُوَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ - فَهَذِهِ عَشَرَةٌ، يُقْسَمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَشَرَةِ أَسْهُمٍ، فَلِلزَّوْجِ الَّذِي لَهُ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَهُوَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ. وَلِلْأُمِّ الَّتِي لَهَا السُّدُسُ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُوَ الْعُشْرُ. وَلِلشَّقِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَهُمَا الثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَذَلِكَ خُمُسَانِ. وَلِلْأُخْتَيْنِ لِلْأُمِّ اللَّتَيْنِ لَهُمَا الثُّلُثُ اثْنَانِ مِنْ عَشَرَةٍ، فَهُوَ الْخُمُسُ - وَهَكَذَا فِي سَائِرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَهُوَ قَوْلٌ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَصَحَّ عَنْهُ هَذَا، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ غَيْرَ مُسْنَدٍ، وَذُكِرَ عَنْ الْعَبَّاسِ وَلَمْ يَصِحَّ، وَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ، وَنَفَرٍ مِنْ التَّابِعِينَ يَسِيرٍ. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إذَا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَانَ أَسْهَلُ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِمْ مُؤْنَةٌ مِنْ دَعْوَى: أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ خِلَافَهُ شُذُوذٌ، وَأَنَّ خُصُومَهُمْ لَيَرْثُونَ لَهُمْ مِنْ تَوَرُّطِهِمْ فِي هَذِهِ الدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِهَا. وَأَيْمُ اللَّهِ لَا أَقْدَمُ عَلَى أَنْ يُنْسَبَ إلَى أَحَدٍ قَوْلٌ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَرْءَ قَالَهُ إلَّا مُسْتَسْهِلُ الْكَذِبِ، مَقْدِمٌ عَلَيْهِ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنْ صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ إنْسَانٍ أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا نَسَبْنَاهُ إلَيْهِ، وَإِنْ رُوِّينَاهُ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا، قُلْنَا: رُوِيَ عَنْ فُلَانٍ، فَإِنْ لَمْ يُرْوَ لَنَا عَنْهُ قَوْلٌ لَمْ نَنْسُبْ إلَيْهِ قَوْلًا لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُ، وَلَا نَتَكَثَّرُ بِالْكَذِبِ، وَلَمْ نَذْكُرْهُ لَا عَلَيْنَا وَلَا لَنَا. رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَالَ فِي الْفَرَائِضِ، وَأَكْثَرُ مَا بَلَغَ بِالْعَوْلِ مِثْلُ ثُلُثَيْ رَأْسِ الْفَرِيضَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا يَكْفِي مِنْ إبْطَالِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ مُحْدَثٌ لَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ احْتِيَاطٌ مِمَّنْ رَآهُ مِنْ السَّلَفِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، قَصَدُوا بِهِ الْخَيْرَ.

стр. 3488

وَقَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْفَرَائِضَ لَا تَعُولُ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَعُولُ فَرِيضَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَرَوْنَ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا جَعَلَ فِي مَالٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا، إنَّمَا هُوَ نِصْفَانِ، وَثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ، وَأَرْبَعَةُ أَرْبَاعٍ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَرَجْت أَنَا، وَزُفَرُ بْنُ أَوْسٍ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَحَدَّثْنَا عِنْدَهُ حَتَّى عَرَضَ ذِكْرُ فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ أَتَرَوْنَ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا جَعَلَ فِي مَالٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا: النِّصْفَانِ قَدْ ذَهَبَا بِالْمَالِ، أَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟ فَقَالَ لَهُ زُفَرُ: يَا ابْنَ الْعَبَّاسِ مَنْ أَوَّلُ مَنْ أَعَالَ الْفَرَائِضَ؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، لَمَّا الْتَقَتْ عِنْدَهُ الْفَرَائِضُ، وَدَافَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَكَانَ امْرَأً وَرِعًا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّكُمْ قَدَّمَ اللَّهُ وَلَا أَيُّكُمْ أَخَّرَ، فَمَا أَجِدُ شَيْئًا هُوَ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ هَذَا الْمَالَ بِالْحِصَصِ، فَأَدْخَلَ عَلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَوْلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ قَدَّمَ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ؟ فَقَالَ لَهُ زُفَرُ: وَأَيُّهَا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ قَدَّمَ اللَّهُ ؟ قَالَ: كُلُّ فَرِيضَةٍ لَمْ يُهْبِطْهَا اللَّهُ عَنْ فَرِيضَةٍ إلَّا إلَى فَرِيضَةٍ، فَهَذَا مَا قَدَّمَ، وَأَمَّا مَا أَخَّرَ فَكُلُّ فَرِيضَةٍ إذَا زَالَتْ عَنْ فَرْضِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا مَا بَقِيَ، فَذَلِكَ الَّذِي أَخَّرَ.

стр. 3489

فَأَمَّا الَّذِي قَدَّمَ، فَالزَّوْجُ لَهُ النِّصْفُ، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَا يُزِيلُهُ رَجَعَ إلَى الرُّبُعِ لَا يُزَايِلُهُ عَنْهُ شَيْءٌ. وَالزَّوْجَةُ لَهَا الرُّبُعُ، فَإِنْ زَالَتْ عَنْهُ صَارَتْ إلَى الثُّمُنِ لَا يُزَايِلُهَا عَنْهُ شَيْءٌ. وَالْأُمُّ لَهَا الثُّلُثُ فَإِنْ زَالَتْ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ وَدَخَلَ عَلَيْهَا صَارَتْ إلَى السُّدُسِ لَا يُزَايِلُهَا عَنْهُ شَيْءٌ، فَهَذِهِ الْفَرَائِضُ الَّتِي قَدَّمَ اللَّهُ . وَاَلَّتِي أَخَّرَ: فَرِيضَةُ الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ لَهُنَّ النِّصْفُ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَالثُّلُثَانِ، فَإِذَا أَزَالَتْهُنَّ الْفَرَائِضُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ إلَّا مَا يَبْقَى. فَإِذَا اجْتَمَعَ مَا قَدَّمَ اللَّهُ وَمَا أَخَّرَ: بُدِئَ بِمَنْ قَدَّمَ وَأُعْطِيَ حَقَّهُ كَمَلًا، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِمَنْ أَخَّرَ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ زُفَرُ: فَمَا مَنَعَك يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ تُشِيرَ عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّأْيِ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِبَتُهُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنَّهُ تَقَدَّمَهُ إمَامٌ عَادِلٌ لَكَانَ أَمْرُهُ عَلَى الْوَرَعِ فَأَمْضَى أَمْرًا مَضَى مَا اخْتَلَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اثْنَانِ فِيمَا قَالَ. وَبِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يَقُولُ عَطَاءٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْعَوْلِ فَوَجَدْنَا مَا ذَكَرَهُ عُمَرُ ﵁ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا مَنْ أَخَّرَ. زَادَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ أَنْ قَالُوا: لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِالْحَطِيطَةِ مِنْ بَعْضٍ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونُوا كَالْغُرَمَاءِ، وَالْمُوصَى لَهُمْ، يَضِيقُ الْمَالُ عَنْ حُقُوقِهِمْ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعَمُّوا بِالْحَطِيطَةِ، وَادَّعَوْا عَلَى مَنْ أَبْطَلَ الْعَوْلَ تَنَاقُضًا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فَقَطْ: مَا لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁ " مَا أَدْرِي أَيُّهُمْ قَدَّمَ اللَّهُ وَلَا أَيُّهُمْ أَخَّرَ " فَصَدَقَ:، وَمِثْلُهُ لَمْ يَدَعْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ، إلَّا أَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ وَثَلْجٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ

стр. 3490

يُكَلِّفْنَا مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَنَا، فَإِنْ كَانَ خَفِيَ عَلَى عُمَرَ فَلَمْ يَخْفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ مَغِيبُ الْحُكْمِ عَمَّنْ غَابَ عَنْهُ حُجَّةً عَلَى مَنْ عَلِمَهُ، وَقَدْ غَابَ عَنْ عُمَرَ ﵁ عِلْمُ جَوَازِ كَثْرَةِ الصَّدَاقِ، وَمَوْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌، وَمَا الْكَلَالَةُ، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، فَمَا كَدَحَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ مَنْ عَلِمَهَا. وَأَمَّا تَشْبِيهُهُمْ ذَلِكَ بِالْغُرَمَاءِ وَالْمُوصَى لَهُمْ، فَبَاطِلٌ وَتَشْبِيهٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ اتَّسَعَ عَلَى مَا هَوَّلُوا وَسِعَ الْغُرَمَاءَ وَالْمُوصَى لَهُمْ، وَلَوُجِدَ بَعْدَ التَّحَاصِّ مَالُ الْغَرِيمِ يُقْسَمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَالْمُوصَى لَهُمْ أَبَدًا، حَتَّى يَسَعَهُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمْرُ الْعَوْلِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْعَرْشِ لَا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِنْ: نِصْفَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَثْلَاثٍ، أَوْ أَرْبَعَةِ أَرْبَاعٍ، أَوْ سِتَّةِ أَسْدَاسٍ، أَوْ ثَمَانِيَةِ أَثْمَانٍ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُكَلِّفَنَا اللَّهُ الْمُحَالَ وَمَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يُكَلِّفَنَا مِنْ الْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ وَالْمُخَلِّصِ مِنْهُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ عَنَّا كَيْفَ نَعْمَلُ فِيهِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ " لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِالْحَطِيطَةِ مِنْ بَعْضٍ " فَكَلَامٌ صَحِيحٌ إنْ زِيدَ فِيهِ مَا يَنْقُصُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ لَا يُوجِبَ حَطَّ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ نَصٌّ أَوْ ضَرُورَةٌ. وَيُقَالُ لَهُمْ هَاهُنَا أَيْضًا: وَلَا لَكُمْ أَنْ تَحُطُّوا أَحَدًا مِنْ الْوَرَثَةِ مِمَّا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى بِاحْتِيَاطِك وَظَنِّك، لَكِنْ بِنَصٍّ أَوْ ضَرُورَةٍ. وَأَمَّا دَعْوَاهُمْ التَّنَاقُضِ مِنْ الْمَانِعِينَ بِالْعَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرُوا فَسَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَتَنَاقَضُوا فِيهَا أَصْلًا. فَإِذْ قَدْ بَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُبْطِلُونَ لِلْعَوْلِ. فَوَجَدْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي الْخَبَرِ الَّذِي قَدْ أَوْرَدْنَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ قَدْ انْتَظَمَ بِالْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الِاعْتِرَاضِ فِيهِ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ إخْبَارُهُ بِأَنَّ عُمَرَ أَوَّلُ مَنْ عَالَ الْفَرَائِضَ بِاعْتِرَافِهِ؛ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، فَصَحَّ أَنَّهُ رَأْيٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ سُنَّةٌ - وَهَذَا يَكْفِي فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهُ وَصَفَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ، فَهُوَ الْحَقُّ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَوْلِ لَا يَقَعُ إلَّا فِي فَرِيضَةٍ فِيهَا أَبَوَانِ وَزَوْجٌ وَزَوْجَةٌ وَأَخَوَاتٌ وَبَنَاتٌ فَقَطْ، أَوْ بَعْضُهُمْ.

стр. 3491

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةِ عَقْلٍ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ قَطُّ إعْطَاءَ فَرَائِضَ لَا يَسَعُهَا الْمَالُ، وَوَجَدْنَا ثَلَاثَ حُجَجٍ قَاطِعَةٍ مُوجِبَةٍ صِحَّةَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. إحْدَاهَا - الَّتِي ذَكَرَ مِنْ تَقْدِيمِ مَنْ لَمْ يَحُطَّهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ عَنْ فَرْضٍ مُسَمًّى، عَلَى مَنْ حَطَّهُ عَنْ الْفَرْضِ الْمُسَمَّى إلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إلَّا مَا بَقِيَ. وَالثَّانِيَةُ - أَنَّهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ عَرَفْنَا أَنَّ تَقْدِيمَ مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِيرَاثَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ مَانِعٌ أَصْلًا، إذَا كَانَ هُوَ وَالْمَيِّتُ حُرَّيْنِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، عَلَى مَنْ قَدْ يَرِثُ وَقَدْ لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ مِنْ الْمِيرَاثِ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ مِمَّا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَكُلُّ مَنْ قَدْ يَرِثُ وَقَدْ لَا يَرِثُ، فَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّهُ لَا يَرِثُ إلَّا بَعْدَ مَنْ يَرِثُ وَلَا بُدَّ. وَوَجَدْنَا الزَّوْجَيْنِ وَالْأَبَوَيْنِ يَرِثُونَ أَبَدًا عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَوَجَدْنَا الْأَخَوَاتِ قَدْ يَرِثْنَ وَقَدْ لَا يَرِثْنَ. وَوَجَدْنَا الْبَنَاتِ لَا يَرِثْنَ إلَّا بَعْدَ مِيرَاثِ مَنْ يَرِثُ مَعَهُنَّ. وَالثَّالِثَةُ - أَنْ نَنْظُرَ فِيمَنْ ذَكَرْنَا فَإِنْ وَجَدْنَا الْمَالَ يَتَّسِعُ لِفَرَائِضِهِنَّ أَيْقَنَّا أَنَّ اللَّهَ أَرَادَهُمْ فِي تِلْكَ الْفَرِيضَةِ نَفْسِهَا بِمَا سُمِّيَ لَهُمْ فِيهَا فِي الْقُرْآنِ، وَإِنْ وَجَدْنَا الْمَالَ لَا يَتَّسِعُ لِفَرَائِضِهِمْ نَظَرْنَا فِيهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، فَمَنْ وَجَدْنَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَدْ اتَّفَقَ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ اتِّفَاقًا مَقْطُوعًا بِهِ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي تِلْكَ الْفَرِيضَةِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَيْقَنَّا قَطْعًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْهُ قَطُّ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ فَلَمْ نُعْطِهِ إلَّا مَا اُتُّفِقَ لَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُتَّفَقْ لَهُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ نُعْطِهِ شَيْئًا، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُ فِي النُّصُوصِ فِي الْقُرْآنِ. وَمَنْ وَجَدْنَا مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَدْ اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ لَهُ إلَّا بَعْضُ الْمُسَمَّى فِي الْقُرْآنِ، وَجَبَ وَلَا بُدَّ يَقِينًا أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالْمَنْصُوصِ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنْ لَا يُلْتَفَتَ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِخِلَافِ النَّصِّ، إذْ لَمْ يَأْتِ فِي تَصْحِيحِ دَعْوَاهُ بِنَصٍّ آخَرَ. وَهَذَا غَايَةُ الْبَيَانِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى شُذُوذِ شَيْءٍ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ،

стр. 3492

وَالزَّوْجَيْنِ فِي مَسَائِلِ الْعَوْلِ كُلِّهَا يَقُولُ الْمُبْطِلُونَ لِلْعَوْلِ: إنَّ الْوَاجِبَ لَهُمْ مَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ فِي الْقُرْآنِ - وَقَالَ الْقَائِلُونَ بِالْعَوْلِ: لَيْسَ لَهُمْ إلَّا بَعْضُهُ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لَا بِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ. وَأَمَّا الْأَخَوَاتُ وَالْبَنَاتُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِالْعَوْلِ وَالْمُبْطِلُونَ لِلْعَوْلِ، وَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِهَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ ثَالِثٌ لَهُمَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ لَهُمَا ثَالِثٌ، إذْ لَيْسَ فِي الْمُمْكِنِ إلَّا إثْبَاتٌ أَوْ نَفْيٌ: عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْعَوْلِ لَهُنَّ مَا جَاءَ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ، لَكِنْ إمَّا بَعْضُ ذَلِكَ، وَإِمَّا لَا شَيْءَ فَكَانَ إجْمَاعُهُمْ حَقًّا بِلَا شَكٍّ، وَكَانَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ، فَوَجَبَ إذْ لَا حَقَّ لَهُنَّ بِالنَّصِّ أَنْ لَا يُعْطُوا إلَّا مَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ لَهُنَّ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْمَعْ لَهُنَّ عَلَى شَيْءٍ وَقَدْ خَرَجْنَ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالضَّرُورَةِ عَنْ النَّصِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِينَ شَيْئًا بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ - وَهَذَا بَيَانٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ادَّعَوْا عَلَيْنَا فِيهَا التَّنَاقُضَ، فَهِيَ: زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَأُخْتَانِ لِأَبٍ، وَأُخْتَانِ لِأُمٍّ - وَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى ادَّعَوْا فِيهَا التَّنَاقُضَ عَلَى بَعْضِنَا دُونَ بَعْضٍ، وَهِيَ: زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَأُخْتَانِ لِأُمٍّ، فَقَالُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلُّ هَؤُلَاءِ أُولُو فَرْضٍ مُسَمًّى، لَا يَرِثُ مِنْهُمْ أَحَدٌ بِغَيْرِ الْفَرْضِ الْمُسَمَّى فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا مَنْ يَرِثُ مَرَّةً بِفَرْضٍ مُسَمًّى فَتُقَدِّمُوهُ، وَمَرَّةً مَا بَقِيَ فَتُسْقِطُوهُ أَوْ تُؤَخِّرُوهُ. وَقَالُوا فِي الْأُمِّ وَالْأَخَوَاتِ الشَّقَائِقِ، أَوْ لِلْأَبِ فَقَطْ، أَوْ لِلْأُمِّ فَقَطْ، مِمَّنْ قَدْ يَرِثُ وَقَدْ لَا يَرِثُ شَيْئًا: فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ إسْقَاطُ بَعْضٍ وَإِثْبَاتُ بَعْضٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَسْأَلَةُ: الزَّوْجِ، وَالْأُمِّ، وَالْأُخْتَيْنِ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتَيْنِ لِلْأُمِّ. فَلَا تَنَاقُضَ فِيهَا أَصْلًا، لِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ لِلْأَبِ قَدْ يَرِثَانِ بِفَرْضٍ مُسَمًّى مَرَّةً، وَقَدْ لَا يَرِثَانِ إلَّا مَا بَقِيَ - إنْ بَقِيَ شَيْءٌ -: فَلَا يُعْطَيَانِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ لَهُمَا، وَلَا اتِّفَاقٌ. وَلَيْسَ لِلْأُمِّ هَاهُنَا إلَّا السُّدُسُ؛ لِأَنَّ لِلْمَيِّتِ إخْوَةً، فَوَجَبَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ بِالنَّصِّ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ بِالنَّصِّ، فَذَلِكَ الثُّلُثَانِ، وَلِلْأُخْتَيْنِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ بِالنَّصِّ. وَأَيْضًا: فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُجْمَعٌ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، وَمُخْتَلَفٌ فِي حَطِّهِمْ فَوَجَبَ تَوْرِيثُهُمْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَبَطَلَ حَطُّهُمْ بِالدَّعْوَى الْمُخَالِفَةِ

стр. 3493

لِلنَّصِّ، وَصَحَّ بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ الْأُخْتَيْنِ لِلْأَبِ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الثُّلُثَيْنِ، وَلَا نَصَّ لَهُمَا بِغَيْرِهِ، وَلَمْ يُجْمَعْ لَهُمَا عَلَى شَيْءٍ يُعْطَيَانِهِ، فَإِذْ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا بِالنَّصِّ وَلَا بِالْإِجْمَاعِ: فَلَا يَجُوزُ تَوْرِيثُهُمَا أَصْلًا. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ: الزَّوْجِ، وَالْأُمِّ، وَالْأُخْتَيْنِ لِلْأُمِّ: فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُ أَبَا سُلَيْمَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِمَّنْ يَحُطُّ الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ بِالِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ. وَأَمَّا نَحْنُ وَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنْ لَا يَحُطَّ إلَى السُّدُسِ إلَّا بِثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِخْوَةِ فَصَاعِدًا؟ فَجَوَابُنَا فِيهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. أَنَّ الزَّوْجَ وَالْأُمَّ يَرِثَانِ بِكُلِّ وَجْهٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا الْأُخْتَانِ لِلْأُمِّ، فَقَدْ يَرِثَانِ وَقَدْ لَا يَرِثَانِ، فَلَا يَجُوزُ مَنْعُ مَنْ نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لَهُ الْمِيرَاثَ فِي كُلِّ حَالٍ وَأَبَدًا، وَلَا يَجُوزُ تَوْرِيثُ مَنْ قَدْ يَرِثُ وَقَدْ لَا يَرِثُ إلَّا بَعْدَ تَوْرِيثِ مَنْ نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُجُوبِ تَوْرِيثِهِ وَبَعْدَ اسْتِيفَائِهِ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ أَخَذَهُ الَّذِي قَدْ لَا يَرِثُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُكَلَّفِ إلَّا هَذَا، أَوْ مُخَالَفَةُ الْقُرْآنِ بِالدَّعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ: فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ بِالْقُرْآنِ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ بِالْقُرْآنِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا السُّدُسُ، فَلَيْسَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ غَيْرُهُ، إذْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ سِوَاهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الأخ أَوْ الْأُخُوَّة لِأُمّ] ١٧١٩ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ مَاتَ وَتَرَكَ وَلَدًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ ذَكَرٍ كَذَلِكَ، أَوْ تَرَكَ أَبًا أَوْ جَدًّا لِأَبٍ، وَتَرَكَ أَخًا لِأُمٍّ، أَوْ أُخْتًا لِأُمٍّ، أَوْ أَخًا لِأُمٍّ، أَوْ إخْوَةً لِأُمٍّ: فَلَا مِيرَاثَ لِوَلَدِ الْأُمِّ أَصْلًا، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا مِمَّنْ ذَكَرْنَا: فَلِلْأَخِ لِلْأُمِّ السُّدُسُ فَقَطْ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ السُّدُسُ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ أُخْتًا وَأَخًا لِأُمٍّ: فَلَهُمَا الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، لَا يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً: فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ شَرْعًا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَبَ لَهُمْ السُّدُسُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْلِ وَلَا فَرْقَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] .

стр. 3494

وَهَذَا قَوْلُنَا، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ، إلَّا رِوَايَتَيْنِ رُوِيَتَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ يَقْسِمُونَ الثُّلُثَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ وَالْأُخْتَ لِلْأُمِّ يَرِثَانِ مَعَ الْأَبِ. فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فَلَا نَقُولُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ أَنْ يَقُولُوا بِهَذِهِ الْقَوْلَةِ قِيَاسًا عَلَى مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ، أَوْ الْأَشِقَّاءِ، وَبِاَللَّهِ لَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ لَكَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ كُلِّ مَا حَكَمُوا فِيهِ بِالْقِيَاسِ، وَأَيْنَ هَذَا الْقِيَاسُ مِنْ قِيَاسِهِمْ مِيرَاثَ الْبِنْتَيْنِ عَلَى مِيرَاثِ الْأُخْتَيْنِ، وَسَائِرِ تِلْكَ الْمَقَايِيسِ الْفَاسِدَةِ؟ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَلَمْ تَصِحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا فِي السُّدُسِ الَّذِي حَطَّهُ الْإِخْوَةُ مِنْ مِيرَاثِ الْأُمِّ فَرَدُّوهَا إلَى السُّدُسِ عَنْ الثُّلُثِ فَقَطْ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ خِلَافُهَا - وَلَمْ نَقُلْ بِهَا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى هَذَا التَّوْرِيثَ " كَلَالَةً " فَوَجَبَ أَنْ تَعْرِفَ مَا " الْكَلَالَةُ " وَمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ إلَّا بِنَصٍّ ثَابِتٍ، أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ، وَإِلَّا فَهُوَ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَوَجَدْنَا: مَنْ يَرِثُهُ إخْوَةٌ أَوْ أَخَوَانِ أَوْ أَخٌ: إمَّا شَقِيقٌ، وَإِمَّا لِأَبٍ، وَإِمَّا لِأُمٍّ - وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا ابْنَةَ، وَلَا وَلَدَ ابْنِ ذَكَرٍ - وَإِنْ سَفَلَ - وَلَا أَبَ وَلَا جَدَّ لِأَبٍ - وَإِنْ عَلَا - فَهُوَ كَلَالَةٌ، مِيرَاثُهُ كَلَالَةٌ بِإِجْمَاعٍ مَقْطُوعٍ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ. وَوَجَدْنَا أَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ شَيْءٌ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ: أَهُوَ كَلَالَةٌ أَمْ لَا؟ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْطَعَ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ الثَّابِتِ - إذَا لَمْ نَجِدْ نَصًّا مُفَسِّرًا - فَوَجَبَ بِهَذَا أَنْ لَا يَرِثَ الْإِخْوَةُ كَيْفَ كَانُوا، إلَّا حَيْثُ يُعْدَمُ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا، إلَّا أَنْ يُوجِبَ مِيرَاثَ بَعْضِهِمْ نَصٌّ صَحِيحٌ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ فَقَطْ: وَهُوَ الْأَخُ الشَّقِيقُ، أَوْ لِلْأَبِ مَعَ الِابْنَةِ فَصَاعِدًا، وَأُخْتٌ مِثْلُهُ مَعَهُ فَصَاعِدًا، مَا لَمْ يَسْتَوْفِ الْبَنَاتُ

стр. 3495

الثُّلُثَيْنِ. وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: الْأُخْتُ كَذَلِكَ مَعَ الْبِنْتِ، أَوْ الْبَنَاتِ حَيْثُ لَا عَاصِبَ لِلْمَيِّتِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الذَّكَرَ] ١٧٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ ابْنًا وَابْنَةً، أَوْ ابْنًا وَابْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ ابْنَةً وَابْنًا فَأَكْثَرَ، أَوْ اثْنَيْنِ وَبِنْتَيْنِ فَأَكْثَرَ: فَلِلذَّكَرِ سَهْمَانِ، وَلِلْأُنْثَى سَهْمٌ. هَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ، وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. ١٧٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَالْأَخُ، وَالْأُخْتُ الْأَشِقَّاءُ أَوْ لِلْأَبِ فَقَطْ فَصَاعِدًا - كَذَلِكَ أَيْضًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ - وَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ، وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الْأُخُوَّة الْأَشِقَّاء والأخوة لِأَب] ١٧٢٢ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ أَخٌ شَقِيقٌ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، وَمَعَهُ أُخْتٌ شَقِيقَةٌ فَأَكْثَرُ، أَوْ لَا أُخْتَ مَعَهُ: لَمْ يَرِثْ هَاهُنَا الْأَخُ لِلْأَبِ، وَلَا الْأُخْتُ لِلْأَبِ شَيْئًا. وَهَذَا نَصُّ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ أَيْضًا، وَالْأَقْرَبُ بِالْأُمِّ وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْأَبِ أَوْلَى مِمَّنْ لَمْ يَقْرُبْ بِالْأُمِّ بِضَرُورَةِ الْحِسِّ. ١٧٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ أُخْتًا شَقِيقَةً، وَأَخًا لِأَبٍ، أَوْ إخْوَةً ذُكُورًا لِأَبٍ: فَلِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ، وَلِلْأَخِ لِلْأَبِ أَوْ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ: مَا بَقِيَ - وَإِنْ كَثُرُوا - وَهَذَا إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، وَنَصُّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. فَإِنْ تَرَكَ أُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ أَخًا، أَوْ إخْوَةً لِأَبٍ: فَلِلشَّقِيقَتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، وَمَا بَقِيَ: فَلِلْأَخِ، أَوْ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ، كَمَا قُلْنَا. ١٧٢٤ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ تَرَكَ أُخْتًا شَقِيقَةً، وَأُخْتًا لِأَبٍ، أَوْ أَخَوَاتٍ لِلْأَبِ: فَلِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ، وَلِلَّتِي لِلْأَبِ أَوْ اللَّوَاتِي لِلْأَبِ: السُّدُسُ فَقَطْ - وَإِنْ كَثُرْنَ - لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فَلَمْ يَجْعَلْ تَعَالَى لِلْأَخَوَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ إلَّا الثُّلُثَيْنِ. فَإِنْ تَرَكَ أَيْضًا أُخْتًا لِأُمٍّ: كَانَ لَهَا سُدُسٌ خَامِسٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَخًا لِأُمٍّ. فَإِنْ كَانَ أَخَوَانِ لِأُمٍّ، أَوْ أُخْتَانِ لِأُمٍّ، أَوْ أَخًا، أَوْ أُخْتًا، أَوْ إخْوَةً كَثِيرًا لِأُمٍّ: فَالثُّلُثُ الْبَاقِي لَهُمَا أَوْ لَهُمْ أَوْ لَهُنَّ - وَهَذَا نَصٌّ كَمَا أَوْرَدْنَا، وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ.

стр. 3496

فَإِنْ تَرَكَ شَقِيقَتَيْنِ وَأَخَوَاتٍ لِأَبٍ، وَابْنَ عَمٍّ أَوْ عَمًّا، فَلِلشَّقِيقَتَيْنِ: الثُّلُثَانِ " وَلِلْعَمِّ، أَوْ لِابْنِ الْعَمِّ مَا بَقِيَ، وَلَا شَيْءَ لِلَّوَاتِي لِلْأَبِ - وَهَذَا دَلِيلُ النَّصِّ وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ إلَّا شَيْئًا ذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ الثُّلُثَ الْبَاقِي لِلَّوَاتِي لِلْأَبِ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَيْثُ يُوجَدُ عَاصِبٌ ذَكَرٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ أُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ، وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ، وَأَخَوَاتٍ أَوْ أُخْتًا لِأَبٍ، أَوْ إخْوَةً لِأَبٍ، فَلِلشَّقِيقَتَيْنِ فَصَاعِدًا: الثُّلُثَانِ، وَلِلْبِنْتَيْنِ لِلْأُمِّ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ - وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَلَا لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، وَلَا لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ - وَهَذَا دَلِيلُ النَّصِّ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ مَقْطُوعٌ بِهِ. ١٧٢٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ تَرَكَ أُخْتًا شَقِيقَةً وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ لِلْأَبِ، فَلِلشَّقِيقَةِ: النِّصْفُ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ مَا يَجِبُ لِلْأَخَوَاتِ السُّدُسُ وَلَا يَزِدْنَ عَلَى السُّدُسِ أَصْلًا، وَيَكُونُ الْبَاقِي لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ. فَإِنْ كَانَتَا شَقِيقَتَيْنِ، وَأُخْتًا أَوْ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ، وَأَخًا لِأَبٍ: فَالثُّلُثَانِ لِلشَّقِيقَتَيْنِ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ الذَّكَرِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَلَا لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو شِهَابٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى - هُوَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ - عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ قَالَ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي أَخَوَاتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَإِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ لِأَبٍ: لِلْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ: الثُّلُثَانِ، وَسَائِرُ الْمَالِ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ. وَبِهِ إلَى، سَعِيدٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ نا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَخَوَاتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ: فَجَعَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَخَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَ وَهُوَ يَرَى أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: مَا رَدُّك عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، أَلَقِيت أَحَدًا هُوَ أَثْبَتُ فِي نَفْسِك مِنْهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَقِيت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدْته فِي الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ قَالَ فِي أُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَإِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ لِأَبٍ: إنَّ لِلَّتَيْنِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ: الثُّلُثَيْنِ، فَمَا

стр. 3497

بَقِيَ فَلِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ - وَأَنَّ عَائِشَةَ شَرَّكَتْ بَيْنَهُمْ، فَجَعَلَتْ مَا بَقِيَ بَعْدَ الثُّلُثَيْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: قَالَ مَسْرُوقٌ رَأَيْت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ يُشْرِكُونَ بَيْنَهُمْ، قَالَ الْأَعْمَشُ: وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي أُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَإِخْوَةٍ لِأَبٍ: لِهَذِهِ النِّصْفُ، ثُمَّ يَنْظُرُ: فَإِنْ كَانَ إذَا قَاسَمَ بِهَا الذُّكُورَ أَصَابَهَا أَكْثَرُ مِنْ السُّدُسِ لَمْ يُزِدْهَا عَلَى السُّدُسِ، وَإِذَا أَصَابَهَا أَقَلُّ مِنْ السُّدُسِ: قَاسَمَ بِهَا - وَكَانَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﵌ يَقُولُونَ: لِهَذِهِ النِّصْفُ، وَمَا بَقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: هَذَا مِنْ قَضَاءِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ: أَنْ يَرِثَ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ. قَالَ عَلِيٌّ: بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ عَلْقَمَةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ خَالَفَ ابْنَ مَسْعُودٍ بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ قَوْلُ سَائِرِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّهُ مِنْ قَضَاءِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ قَضَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ، وَقَدْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَوْرِيثِ الْعَمِّ، وَابْنِ الْعَمِّ، وَابْنِ الْأَخِ: دُونَ الْعَمَّةِ، وَبِنْتِ الْعَمِّ، وَبِنْتِ الْأَخِ - فَهَلْ هَذَا مِنْ قَضَاءِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ: إنَّ سَائِرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى خِلَافِ هَذَا. فَنَقُولُ لِلْمُحْتَجِّ بِهَذَا: هَبْكَ صَحَّ لَك ذَلِكَ - وَهُوَ لَا يَصِحُّ - عَنْ سِتَّةٍ مِنْهُمْ، أَهَذَا حُجَّةٌ عِنْدَك؛ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ أَمْ لِمَاذَا؟ فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ إجْمَاعًا، قُلْنَا لَهُ: فَمَا لَيْسَ إجْمَاعًا وَلَا نَصًّا: فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ إجْمَاعًا؟ قُلْنَا: فَمُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ: كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، فَانْظُرْ فِيمَ تَدْخُلُ، وَبِمَاذَا

стр. 3498

تَصِفُ ابْنَ مَسْعُودٍ؟ وَاَللَّهِ إنَّ الْمُعَرِّضَ بِهِ فِي ذَلِكَ لَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، لَا ابْنُ مَسْعُودٍ الْمَقْطُوعُ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَالْعِلْمِ، وَالدِّينِ، وَالْإِيمَانِ. وَأَمَّا الْآيَةُ: فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِيمَا يَرِثُهُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ بِالتَّعْصِيبِ، لَا فِيمَا وَرِثَهُ الْأَخَوَاتُ بِالْفَرْضِ الْمُسَمَّى، وَالنَّصُّ قَدْ صَحَّ بِأَنْ لَا يَرِثَ الْأَخَوَاتُ بِالْفَرْضِ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُخَالِفُونَ لَنَا: عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ أُخْتًا شَقِيقَةً، وَعَشْرَ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ، وَعَمًّا أَوْ ابْنَ عَمٍّ، أَوْ ابْنَ أَخٍ: فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ إلَّا السُّدُسُ فَقَطْ، وَالْبَاقِي لِمَنْ ذَكَرْنَا. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ أُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ، وَعَشْرَ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ، وَعَمًّا أَوْ ابْنَ عَمٍّ، أَوْ ابْنَ أَخٍ: أَنَّ اللَّوَاتِي لِلْأَبِ لَا يَرِثْنَ شَيْئًا أَصْلًا، فَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَرِثْنَ مَعَ الْأَخِ، وَلَا يَرِثْنَ مَعَ الْعَمِّ، وَلَا مَعَ ابْنِ الْعَمِّ، وَلَا مَعَ ابْنِ الْأَخِ؟ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَصْحَابِهَا، فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَالْفَرَائِضُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ النِّصْفُ لِلشَّقِيقَةِ، أَوْ الثُّلُثَانِ لِلشَّقِيقَتَيْنِ، أَوْ النِّصْفُ لِلشَّقِيقَةِ، وَالسُّدُسُ لِلَّتِي لِلْأَبِ أَوْ اللَّوَاتِي لِلْأَبِ فَقَطْ، فَصَحَّ أَنَّ الْبَاقِيَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ، وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ النَّصَّ وَالْقِيَاسَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الأبن وأبن الأبن] ١٧٢٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَرِثُ مَعَ الِابْنِ الذَّكَرِ أَحَدٌ إلَّا الْبَنَاتُ، وَالْأَبُ وَالْأُمُّ، وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ، فَقَطْ. وَوَلَدُ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ سَوَاءٌ فِي الْمِيرَاثِ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدِ أَبِيهِ، وَكَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً لِغَيْرِ أَبِيهِ، وَهَذَا كُلُّهُ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. ١٧٢٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَرِثُ بَنُو الِابْنِ مَعَ الِابْنِ الذَّكَرِ شَيْئًا - أَبَاهُمْ كَانَ أَوْ عَمَّهُمْ.

стр. 3499

وَلَا يَرِثُ بَنُو الْأَخِ الشَّقِيقِ أَوْ لِلْأَبِ مَعَ أَخٍ شَقِيقٍ أَوْ لِأَبٍ - وَهَذَا نَصُّ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. ١٧٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ ابْنَةً، وَبَنِي ابْنٍ ذُكُورًا: فَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ وَلِبَنِي الِابْنِ الذُّكُورِ مَا بَقِيَ. فَإِنْ تَرَكَ ابْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا، وَبَنِي ابْنٍ ذُكُورًا فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَمَا بَقِيَ فَلِبَنِي الِابْنِ - فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ ابْنَةً، وَلَا وَلَدًا، وَتَرَكَ بِنْتَ ابْنٍ، فَلَهَا النِّصْفُ، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، فَإِنْ تَرَكَ بَنَاتِ ابْنٍ وَبَنِي ابْنٍ: فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. فَإِنْ تَرَكَ ابْنَةً وَابْنَةَ ابْنٍ، أَوْ بِنْتَيْ ابْنٍ، أَوْ بَنَاتِ ابْنٍ: فَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِبِنْتِ الِابْنِ، أَوْ لَبِنْتَيْ الِابْنِ، أَوْ لِبَنَاتِ الِابْنِ: السُّدُسُ فَقَطْ - وَإِنْ كَثُرْنَ - وَالْبَاقِي لِلْعَاصِبِ. فَإِنْ تَرَكَ ابْنَتَيْنِ وَبَنَاتِ ابْنٍ وَعَمًّا وَابْنَ عَمٍّ، أَوْ أَخًا، أَوْ ابْنَ أَخٍ: فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَيَكُونُ مَا بَقِيَ لِلْعَمِّ، أَوْ لِابْنِ الْعَمِّ، أَوْ لِلْأَخِ، أَوْ لِابْنِ الْأَخِ - وَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ نَصٌّ وَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْآنَ. ١٧٢٩ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ ابْنَةً وَبَنِي ابْنٍ ذُكُورًا وَإِنَاثًا: فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ - ثُمَّ يَنْظُرُ: فَإِنْ وَقَعَ لِبَنَاتِ الِابْنِ بِالْمُقَاسَمَةِ السُّدُسُ فَأَقَلُّ قَاسَمْنَ، وَإِنْ وَقَعَ لَهُنَّ أَكْثَرُ لَمْ يَزِدْنَ عَلَى السُّدُسِ. فَإِنْ تَرَكَ ابْنَتَيْنِ وَبَنِي ابْنٍ ذُكُورًا وَإِنَاثًا: فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لِذُكُورِ وَلَدِ الْوَلَدِ دُونَ الْإِنَاثِ. فَإِنْ تَرَكَ ابْنَةً، وَبِنْتَ ابْنٍ، وَبَنِي ابْنِ ابْنٍ: فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كُنَّ أَكْثَرَ - وَالْبَاقِي لِذُكُورِ وَلَدِ الْوَلَدِ دُونَ الْإِنَاثِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُقَاسِمُ الذَّكَرُ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ الْإِنَاثِ وَيُقَاسِمُ أَيْضًا وَلَدُ الْوَلَدِ عَمَّاتِهِ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.

стр. 3500

وَهَذَا خَطَأٌ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ كَالْحُجَّةِ فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ مَعَ الْأُخْتِ وَالْأَخَوَاتِ الشَّقَائِقِ، سَوَاءً سَوَاءً، حَرْفًا حَرْفًا -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الْجَدَّة] ١٧٣٠ - مَسْأَلَةٌ: وَالْجَدَّةُ تَرِثُ الثُّلُثَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ حَيْثُ تَرِثُ الْأُمُّ الثُّلُثَ، وَتَرِثُ السُّدُسَ حَيْثُ تَرِثُ الْأُمُّ السُّدُسَ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ. وَتَرِثُ الْجَدَّةُ وَابْنُهَا أَبُو الْمَيِّتِ حَيٌّ، كَمَا تَرِثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا. وَكُلُّ جَدَّةٍ تَرِثُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ أُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ أَقْرَبُ مِنْهَا فَإِنْ اسْتَوَيْنَ فِي الدَّرَجَةِ اشْتَرَكْنَ فِي الْمِيرَاثِ الْمَذْكُورِ. وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا أُمُّ الْأُمِّ، وَأُمُّ الْأَبِ، وَأُمُّ أُمِّ الْأُمِّ، وَأُمُّ أُمِّ الْأَبِ، وَأُمُّ أَبِي الْأَبِ، وَأُمُّ أَبِي الْأُمِّ، وَهَكَذَا أَبَدًا. وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ: فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثْ إلَّا جَدَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ أُمُّ الْأُمِّ فَقَطْ - وَرُوِيَ عَنْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ، تَوْرِيثُ جَدَّتَيْنِ فَقَطْ، وَهُمَا: أُمُّ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهَا، وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بِتَوْرِيثِ ثَلَاثِ جَدَّاتٍ، وَهُمَا اللَّتَانِ ذَكَرْنَا، وَأُمُّ أَبٍ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا - وَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ: تَوْرِيثُ كُلِّ جَدَّةٍ إلَّا جَدَّةً مِنْ قِبَلِ أَبِي أُمٍّ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَبِي جَدَّةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَرِثُ الْجَدَّةُ وَالْجَدَّتَانِ وَالْأَكْثَرُ إلَّا السُّدُسَ فَقَطْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَتْ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَقْرَبَ انْفَرَدَتْ بِالسُّدُسِ وَلَمْ تَرِثْ مَعَهَا الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مُسَاوِيَةً لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَوْ كَانَتْ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَبْعَدَ اشْتَرَكَتَا فِي السُّدُسِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَرِثُ الْجَدَّةُ مَا دَامَ ابْنُهَا الَّذِي صَارَتْ بِهِ جَدَّةً حَيًّا. بُرْهَانُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] فَجَعَلَ آدَمَ وَامْرَأَتَهُ ﵉ أَبَوَيْنَا، فَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ. وَقَدْ جَسَرَ قَوْمٌ عَلَى الْكَذِبِ هَاهُنَا فَادَّعَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ لَيْسَ لِلْجَدَّةِ إلَّا السُّدُسُ -

стр. 3501

وَهَذَا مِنْ تِلْكَ الْجَسْرَاتِ - كَتَبَ إلَيَّ عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّبْرِيزِيُّ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: نا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ اللَّبَّانِ نا دِعْلِجُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْجَارُودِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ نا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْجَدَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ إذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ - وَقَالَ طَاوُسٌ: الْجَدَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ تَرِثُ مَا تَرِثُ الْأُمُّ - وَمَا وَجَدْنَا إيجَابَ السُّدُسِ لِلْجَدَّةِ إلَّا مُرْسَلًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ: خَمْسَةٌ فَقَطْ، فَأَيْنَ الْإِجْمَاعُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا سِيَّمَا مَنْ وَرَّثَ الْجَدَّ مِيرَاثَ الْأَبِ فَإِنَّهُ نَاقَضَ، إذْ لَمْ يُوَرِّثْ الْجَدَّةَ مِيرَاثَ الْأُمِّ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ خَبَرَ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ «أَطْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ السُّدُسَ» رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ. وَخَبَرُ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ شَهِدَا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى الْجَدَّةَ السُّدُسَ» . وَخَبَرُ ابْنِ وَهْبٍ عَمَّنْ سَمِعَ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَطْعَمَ جَدَّتَيْنِ السُّدُسَ، إذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ، أَوْ شَيْءٌ دُونَهُمَا، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ إلَّا وَاحِدَةٌ: فَلَهَا السُّدُسُ» . وَخَبَرُ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُزْمَةَ أَخْبَرَنِي أَبِي نا عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ» . وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالُوا: وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُخَالِفُهُ. قُلْنَا: هَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ. حَدِيثُ قَبِيصَةَ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ، وَلَا سَمِعَهُ مِنْ الْمُغِيرَةِ وَلَا مُحَمَّدٍ، وَخَبَرُ إبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ.

стр. 3502

ثُمَّ لَوْ صَحَّا لَمَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِقَوْلِنَا؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ بِتَوْرِيثِهَا السُّدُسَ مِنْ حَيْثُ تَرِثُ الْأُمُّ السُّدُسَ مَعَ الْوَلَدِ وَالْإِخْوَةِ. وَأَمَّا خَبَرُ بُرَيْدَةَ فَعَبْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ مَجْهُولٌ. وَخَبَرُ عَلِيٍّ أَفْسَدَهَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّ ابْنَ وَهْبٍ لَمْ يُسَمِّ مَنْ أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَأَيْضًا فَعَبْدُ الْوَهَّابِ هَالِكٌ سَاقِطٌ. وَأَيْضًا فَلَا سَمَاعَ يَصِحُّ لِمُجَاهِدٍ مِنْ عَلِيٍّ وَالرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يُعْرَفُ مَخْرَجُهَا، وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ لَهَا السُّدُسَ حَيْثُ لِلْأُمِّ السُّدُسُ. وَهَلَّا قَالُوا هَاهُنَا بِقَوْلِهِمْ الْمَعْهُودِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَتْرُكْ مَا رُوِيَ إلَّا لِأَمْرٍ هُوَ أَقْوَى فِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ هَاهُنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُكْمٌ بِخِلَافِ قَوْلِنَا لَقُلْنَا بِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَصْلًا. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ رَوَيْتُمْ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ الْمَذْكُورِ: جَاءَتْ الْجَدَّةُ إلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: إنَّ ابْنَ ابْنِي، أَوْ ابْنَ ابْنَتِي مَاتَ، وَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ لِي فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقًّا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَجِدُ لَك فِي الْكِتَابِ حَقًّا، وَمَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي لَك بِشَيْءٍ وَسَأَسْأَلُ النَّاسَ؟ قُلْنَا: إنَّمَا أَخْبَرَ الصِّدِّيقُ ﵁ عَنْ وُجُودِهِ وَسَمَاعِهِ وَصَدَقَ، وَقَدْ رَوَيْتُمْ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ سَلَمَةَ سَمِعَا فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَسْمَعْ، فَرَجَعَ هُوَ ﵁ إلَى مَا سَمِعَا مِمَّا لَمْ يَسْمَعْ هُوَ؟ فَأَيُّ غَرِيبَةٍ فِي أَنْ لَا يَجِدَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ فِي ذِكْرِهِ حِينَئِذٍ مَا يَجِدُ غَيْرُهُ وَقَدْ مَنَعَ عُمَرُ مِنْ التَّزَيُّدِ عَلَى مِقْدَارِ مَا فِي الصَّدَاقِ، فَلَمَّا ذُكِّرَ بِالْقُرْآنِ رَجَعَ، وَمِثْلُ هَذَا لَهُمْ كَثِيرٌ. وَقَدْ وَجَدْنَا نَصًّا: أَنَّ الْجَدَّةَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي الْقُرْآنِ، وَمِيرَاثُ الْأَبَوَيْنِ فِي الْقُرْآنِ، فَمِيرَاثُهَا فِي الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ مَا فِي حِفْظِهِ، وَنَسِيَ آدَم، فَنَسِيَ بَنُوهُ، فَهَذَا مِيرَاثُ الْجَدَّةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ؟ وَلَيْسَ لِمُخَالِفِنَا مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا، لَا بِقُرْآنٍ، وَلَا بِسُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا نَظَرٍ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهُ بَاطِلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] وَلَا مَعْنَى لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلِ وَقِلَّتِهِمْ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا أَجْزَاءَ ضَخْمَةً فِيمَا خَالَفَ فِيهِ

стр. 3503

أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ، وَفِيمَا قَالَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِمَّا لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ قَالَ بِهِ قَبْلَهُ، وَقَطَعَهُ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْإِجْمَاعَ الْمُتَيَقَّنَ الْمَقْطُوعَ بِهِ، وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا نَظَرٌ صَحِيحٌ بِتَرْجِيحِ مَا كَثُرَ الْقَائِلُونَ بِهِ عَلَى مَا قَلَّ الْقَائِلُونَ بِهِ. فَهَذَا مِيرَاثُ الْجَدَّةِ. وَأَمَّا: كَمْ جَدَّةً تَرِثُ؟ فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: لَا تَرِثُ إلَّا جَدَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أُمُّ الْأُمِّ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ نا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَتَرَكَ جَدَّتَيْهِ: أُمَّ أُمِّهِ، وَأُمَّ أَبِيهِ، فَأَتَوْا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَأَعْطَى أُمَّ أُمِّهِ السُّدُسَ دُونَ أُمِّ الْأَبِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ - وَكَانَ بَدْرِيًّا - لَقَدْ وَرَّثْتَ الَّتِي لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ مَا وَرِثَ مِنْهَا شَيْئًا، وَتَرَكَتْ امْرَأَةً لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ وَرِثَ مَالَهَا كُلَّهُ، فَأَشْرَكَ بَيْنَهُمَا فِي السُّدُسِ. وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَدَخَلَ حَدِيثُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَرَّثَ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ السُّدُسَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَاءَتْهُ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأَبِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَسَوْفَ أَسْأَلُ لَك النَّاسَ؟ قَالَ: فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُهُ شَيْئًا؟ فَقَالَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ: لِمَ لَا تُوَرِّثُهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ لَوْ تَرَكَتْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَرِثَهَا، وَهَذِهِ لَوْ تَرَكَتْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَمْ يَرِثْهَا ابْنُ ابْنَتِهَا، فَوَرَّثَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَجْعَلُ فِي الْجَدَّاتِ خَيْرًا كَثِيرًا. فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ: جَعَلَا الْمِيرَاثَ لِلْجَدَّةِ الَّتِي لِلْأُمِّ دُونَ أُمِّ الْأَبِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: قَدْ قَالَا بِهِ، وَلَا حُجَّةَ إلَّا فِي إجْمَاعٍ مُتَيَقَّنٍ، فَلَا إجْمَاعَ مُتَيَقَّنٌ مَعَكُمْ أَصْلًا - وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ عُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ كَمَا تَرَوْنَ. وَهَذَا عَلِيٌّ يُخْبِرُ بِأَنَّ عُمَرَ قَضَى مُدَّةَ حَيَاتِهِ بِمَنْعِ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَعَلِيٌّ مَعَهُ يُوَافِقُهُ، وَعُثْمَانُ أَيْضًا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا وَلِي عَلِيٌّ خَالَفَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرَ مَا سَلَفَ مِمَّا ذَكَرْنَا إجْمَاعًا -

стр. 3504

فَهَذَا أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا، وَالْكَذِبُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ أَشَدُّ عَارًا وَإِثْمًا مِنْ الْكَذِبِ عَلَى وَاحِدٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَالْقَوْلُ بِالظَّنِّ كَذِبٌ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرِثُ إلَّا جَدَّتَانِ فَقَطْ: أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّهَا، وَأُمُّ أُمِّهَا؛ وَأُمُّ أُمِّ أُمِّهَا، وَهَكَذَا أَبَدًا: أُمًّا فَأُمًّا فَقَطْ. وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمُّهَا، وَأُمُّ أُمِّهَا، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّهَا، وَهَكَذَا: أُمًّا فَأُمًّا فَقَطْ، وَلَا يُوَرِّثُونَ أُمَّ جَدٍّ أَصْلًا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَرِثُ ثَلَاثُ جَدَّاتٍ فَقَطْ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: أَتَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ أُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ، وَأَنْتَ تُوَرِّثُ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ؟ أَفَلَا تُوَرِّثُ حَوَّاءُ امْرَأَةَ آدَمَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ، وَمَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ مَسْلَمَةُ: عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَكْحُولٍ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، كِلَاهُمَا: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ خَارِجَةُ، وَمَكْحُولٌ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ: اثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأَبِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ، وَحُمَيْدٍ، قَالَا جَمِيعًا: إنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: يَرِثْنَ ثَلَاثُ جَدَّاتٍ: جَدَّتَا الْأَبِ، وَجَدَّةُ الْأُمِّ لِأُمِّهَا - وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ نا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: كَانُوا يُوَرِّثُونَ مِنْ الْجَدَّاتِ ثَلَاثًا: جَدَّتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَشْعَثَ هُوَ ابْنُ سَوَّارٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جِئْنَ أَرْبَعُ جَدَّاتٍ إلَى مَسْرُوقٍ، فَوَرَّثَ ثَلَاثًا، وَأَلْغَى أُمَّ أَبِي الْأُمِّ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: إذَا كُنَّ الْجَدَّاتُ أَرْبَعًا: طُرِحَتْ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ، وَوَرِثَ الثَّلَاثُ السُّدُسَ أَثْلَاثًا بَيْنَهُنَّ - وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

стр. 3505

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَرِثُ أَرْبَعُ جَدَّاتٍ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُ الْجَدَّاتِ الْأَرْبَعِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُمَا كَانَا يُوَرِّثَانِ أَرْبَعَ جَدَّاتٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَرِثُ كُلُّ جَدَّةٍ إلَّا جَدَّةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَيِّتِ أَبُو أُمٍّ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِمَا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إنَّمَا طُرِحَتْ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ، لِأَنَّ أَبَا الْأُمِّ لَا يَرِثُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَرِثُ كُلُّ جَدَّةٍ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَشْعَثَ، وَأَبِي سَهْلٍ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ - كِلَاهُمَا عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُوَرِّثُ مَا قَرُبَ مِنْ الْجَدَّاتِ وَمَا بَعُدَ - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ نا الشَّعْبِيُّ قَالَ: جِئْنَ إلَى مَسْرُوقٍ أَرْبَعُ جَدَّاتٍ يَتَسَاءَلْنَ؟ فَأَلْغَى أُمَّ أَبِي الْأُمِّ، قَالَ أَشْعَثُ: فَأَخْبَرْت بِذَلِكَ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَالَ: أَوْهَمَ أَبُو عَائِشَةَ، يُوَرَّثْنَ جَمِيعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبُو عَائِشَةَ: كُنْيَةُ مَسْرُوقٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالْحَسَنِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ رُوِيَ عَنْهُمْ تَوْرِيثُ أُمِّ أَبِي الْأُمِّ، وَغَيْرِهَا. قَالَ عَلِيٌّ: فَنَظَرْنَا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَوَجَدْنَا حُجَّةَ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْ إلَّا جَدَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّهَا ثُمَّ أُمُّهَا، هَكَذَا فَقَطْ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْمُجْتَمَعُ عَلَى تَوْرِيثِهَا - وَلَا يَصِحُّ أَثَرٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَعُمَرُ قَدْ قَالَ بِهِ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَجَعَ؟ قُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ إذَا وُجِدَ الْخِلَافُ، وَوَسِعَ الْآخَرَ مَا وَسِعَ الْأَوَّلَ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَلَيْسَتْ الْحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمَا ﵄ -
следующие страницы →