← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

فَمَرَّةً يَحْتَاطُونَ لِلْجَدِّ فَيَنْتَزِعُونَ مِنْ يَدِ الْأُخْتِ مَا يَقُولُونَ أَنَّهُ فَرْضُهَا، وَيَرُدُّونَ أَكْثَرَهُ عَلَى الْجَدِّ. وَمَرَّةً يُوَرِّثُونَ الْجَدَّ وَيَمْنَعُونَ الْإِخْوَةَ جُمْلَةً. وَمَرَّةً يَحْتَاطُونَ لِلْأُخْتِ فَيُقِيمُونَ وَلِيجَةً يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يُوَرِّثُونَهُ وَهُمْ لَا يُوَرِّثُونَهُ، إنَّمَا يُعْطُونَهُ لِلْأُخْتِ وَيَحْرِمُونَ الْجَدَّ. هَذِهِ مُخَاتَلَاتٌ قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى زَيْدًا عَنْهَا، وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ : أَنَّ زَيْدًا مَا قَالَهَا قَطُّ، وَلَا عُمَرُ، كَانَ - وَاَللَّهِ - زَيْدٌ، وَعُمَرُ ﵄ أَخْوَفَ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَعْلَمَ مِنْ أَنْ يَقُولَا هَذَا -. وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِذْ قَدْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ؟ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ أَبٌ لَا يَرِثُ مَعَهُ مَنْ لَا يَرِثُ مَعَ الْأَبِ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ. وَجَاءَتْ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ بِأَسَانِيدَ إنْ لَمْ تَكُنْ أَحْسَنَ مِنْ أَسَانِيدِ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي تَعَلَّقُوا بِهَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدٍ: لَمْ تَكُنْ دُونَهَا. فَمَنْ أَعْجَبُ مِمَّنْ تَرَكَ رِوَايَةً صَحَّتْ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَرُوِيَتْ عَنْ جُمْهُورِهِمْ، وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ لِرِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ لَمْ تَصِحَّ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ عَنْ بَعْضِهِمْ بِاخْتِلَافٍ عَنْ الَّذِي رُوِيَتْ عَنْهُ أَيْضًا نَفْسِهِ، وَرُجُوعٍ مِنْ قَوْلٍ إلَى قَوْلٍ؟ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ تَشْنِيعٍ بِاتِّبَاعِ الْجُمْهُورِ، وَهُمْ هَاهُنَا قَدْ خَالَفُوا الْجُمْهُورَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يُعْطَى الْجَدُّ مَعَ الْبَنِينَ الذُّكُورِ، وَالْبَنَاتِ مَا يُعْطَى الْأَبُ مَعَهُمْ. وَأَجْمَعُوا عَلَى تَوْرِيثِ الْجَدِّ مَعَ الْبَنِينَ الذُّكُورِ، وَعَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ لَا يَرِثُونَ مَعَهُ هُنَالِكَ شَيْئًا.

стр. 3537

وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُوَرِّثُوا الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ مَعَ الْجَدِّ شَيْئًا، كَمَا لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ - وَلَيْسَ هَذَا إجْمَاعًا فِي الْأَصْلِ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ تَوْرِيثُهُمْ مَعَ الْأَبِ وَمَعَ الْجَدِّ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُوَرِّثُوا بَنِي الْأَخِ مَعَ الْجَدِّ، كَمَا لَا يُوَرِّثُونَهُمْ مَعَ الْأَبِ - وَلَيْسَ هَذَا إجْمَاعًا فِي الْأَصْلِ: فَقَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ تَوْرِيثُهُمْ مَعَ الْجَدِّ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُوَرِّثُوا الْأَعْمَامَ مَعَ الْجَدِّ، كَمَا لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى ابْنِ الِابْنِ أَنَّهُ يَرِثُ مِيرَاثَ الِابْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ ابْنٌ، وَلَا يَرِثُ إخْوَةُ الْجَدِّ مِنْهُ شَيْئًا مَعَهُمْ - ثُمَّ لَمْ يَقِيسُوا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا تَوْرِيثَ الْجَدِّ مِنْ ابْنِ ابْنِهِ دُونَ إخْوَتِهِ، وَلَا قَاسُوهُ عَلَى الْأَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ أَبٌ فِي تَحْرِيمِ مَا نَكَحَ، وَفِي تَحْرِيمِ الْقَرَائِبِ، فَلَا الْقِيَاسَ أَحْسَنُوا، وَلَا التَّقْلِيدَ اتَّبَعُوا، وَلَا النَّظَرَ الْتَزَمُوا، وَلَا بِالنَّصِّ أَخَذُوا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي هَذَا هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] فَصَحَّ أَنَّ الْجَدَّ أَبٌ، وَأَنَّ ابْنَ الِابْنِ ابْنٌ، فَلَهُ مِيرَاثُ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ أَبٌ، وَلِابْنِ الِابْنِ مِيرَاثُ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ ابْنٌ وَكَفَى - وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَعْظُمُ مِمَّنْ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا - وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَقَدْ أَتَى بَعْضُهُمْ بِآبِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ قَالَ: لَيْسَ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا: بَيَانَ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَا خَالَفَهُ عُمَرُ عَلَى تَعْظِيمِهِ أَبَا بَكْرٍ. وَذَكَرُوا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ نا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ فِي " الْكَلَالَةِ " أَقْضِي فِيهَا؟ فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ، وَاَللَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ: هُوَ مَا دُونَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ أَنْ أُخَالِفَ أَبَا بَكْرٍ؟

стр. 3538

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ الْقَبِيحَةِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ، أَيْنَ الشَّعْبِيُّ مِنْ عُمَرَ؟ وَاَللَّهِ مَا وُلِدَ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِأَزْيَدَ مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ - ثُمَّ إنَّهَا رِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّ مُخَالَفَةَ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ أَشْهَرُ مِنْ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ تَعْظِيمُهُ إيَّاهُ بِمُوجِبٍ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ -: وَأَوَّلُ ذَلِكَ: الْخَبَرُ الَّذِي أَوْرَدْنَا بِأَصَحِّ إسْنَادٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ: إنِّي قَدْ رَأَيْت فِي الْجَدِّ رَأْيًا، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: إنْ نَتَّبِعْ رَأْيَك فَإِنَّهُ رَأْيُ رُشْدٍ، وَإِنْ نَتَّبِعْ رَأْيَ الشَّيْخِ قَبْلَك، فَنِعْمَ ذَوِي الرَّأْيِ كَانَ قَالَ عُثْمَانُ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْعَلُهُ أَبًا فَاعْجَبُوا لِهَذَا الْعَمَى، وَلِعِبَادَةِ الْهَوَى وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْكَذِبِ، وَانْظُرُوا هَلْ يَحْتَمِلُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ عُثْمَانَ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَجْعَلُ الْجَدَّ أَبًا فِي الْمِيرَاثِ. وَقَدْ صَحَّ خِلَافُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي " الْكَلَالَةِ " نَفْسِهَا، وَفِي تَرْكِ الِاسْتِخْلَافِ وَفِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ جِدًّا - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ مَا قَالَ لَكَانَ لَمْ يُخَالِفْهُ عُمَرُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْجَدَّ أَبٌ فِي الْمِيرَاثِ كَمَا أَوْرَدْنَا، فَلَمْ يُخَالِفْ أَبَا بَكْرٍ إذَا وَافَقَهُ فِي ذَلِكَ، بَلْ هُوَ آخِرُ قَوْلٍ قَالَهُ - وَإِلَيْهِ رَجَعَ كَمَا أَوْرَدْنَا، فَهُوَ أَوَّلُ أَقْوَالِ عُمَرَ وَآخِرُ أَقْوَالِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَا دَاخِلَةَ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِنْ بَرَاهِينِنَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَذْكُرْ فِي الْقُرْآنِ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ أَلْبَتَّةَ، وَلَا مِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ إلَّا فِي آيَتَيْ " الْكَلَالَةِ " فَوَجَبَ ضَرُورَةً بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يَرِثَ أَخٌ، وَلَا أُخْتٌ، إلَّا فِي مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ، وَوَجَبَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِيرَاثُ الْكَلَالَةِ، إلَّا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ رَاجِعٍ إلَى النَّصِّ -: فَوَجَدْنَا مَنْ وَرِثَهُ إخْوَةٌ ذُكُورٌ أَوْ إنَاثٌ، أَوْ كِلَاهُمَا - أَشِقَّاءُ، أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ - وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ، وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ ذَكَرٌ، وَلَا ابْنَةٌ، وَلَا أَبٌ، وَجَدٌّ لِأَبٍ، فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ مَقْطُوعٌ عَلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، عَلَى أَنَّهُ مِيرَاثُ كَلَالَةٍ. وَوَجَدْنَا السَّلَفَ مُخْتَلِفِينَ - إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أَحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا - فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مِيرَاثُ كَلَالَةٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَيْسَ مِيرَاثَ كَلَالَةٍ، فَوَجَبَ الِانْقِيَادُ لِلْإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ، وَتَرْكُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، إذْ لَا نَصَّ عِنْدَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ لَا مِيرَاثَ أَلْبَتَّةَ لِأَخٍ،

стр. 3539

وَلَا لِأُخْتٍ - مَا دَامَ لِلْمَيِّتِ أَحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا - إلَّا أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ نَصٌّ فَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا النَّصِّ الْآخَرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْأَخِ الذَّكَرِ الشَّقِيقِ، أَوْ لِلْأَبِ مَعَ الِابْنَةِ وَالْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا، وَفِي الْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ وَالْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا - إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عَاصِبٌ ذَكَرٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [مَسْأَلَة الْأُولَى بِالْمِيرَاثِ] ١٧٣٧ - مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ: أَخًا لِأَبٍ، وَابْنَ أَخٍ شَقِيقٍ: فَالْأَخُ لِلْأَبِ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى رَجُلٍ ذُكِرَ، وَابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ، لِأَنَّهُ أَوْلَى رَجُلٍ ذُكِرَ بِلَا خِلَافٍ. فَلَوْ تَرَكَ: ابْنَ عَمٍّ، وَعَمًّا، فَالْعَمُّ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْعَمِّ، وَابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ - فَإِنْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا: كَانَ أَبُوهُ شَقِيقَ أَبِي الْمَيِّتِ، وَالْآخَرُ: كَانَ أَبُوهُ أَخَا أَبِي الْمَيِّتِ لِأَبِيهِ، إلَّا أَنَّ هَذَا هُوَ أَخُو الْمَيِّتِ لِأُمِّهِ، فَالْمَالُ كُلُّهُ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِلْأُمِّ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَشُرَيْحٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا فِي ابْنَيْ عَمَّيْنِ، أَحَدُهُمَا: ابْنُ شَقِيقِ أَبِي الْمَيِّتِ، وَالْآخَرُ: ابْنُ أَخِي أَبِي الْمَيِّتِ لِأَبِيهِ: أَنَّ ابْنَ شَقِيقِ أَبِي الْمَيِّتِ أَوْلَى، لِاسْتِوَائِهِ مَعَ أَبِي الْمَيِّتِ فِي وِلَادَةِ جَدِّ الْمَيِّتِ، دُونَ ابْنِ الْعَمِّ الْآخَرِ، وَبِالْحِسِّ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُمَا قَدْ اسْتَوَيَا فِي وِلَادَةِ جَدِّ الْمَيِّتِ أَبِي أَبِيهِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِوِلَادَةِ جَدِّ الْمَيِّتِ لِأَبِيهِ وَأَبِي الْمَيِّتِ، وَانْفَرَدَ الْآخَرُ بِوِلَادَةِ أُمِّ الْمَيِّتِ لَهُ، وَلَا يُخَيَّلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ وِلَادَةَ الْأُمِّ أَقْرَبُ مِنْ وِلَادَةِ الْجَدَّةِ، فَهُوَ أَوْلَى رَجُلٍ ذُكِرَ - فَإِنْ تَرَكَتْ: ابْنَيْ عَمٍّ، أَحَدُهُمَا: زَوْجٌ، فَالنِّصْفُ لِلزَّوْجِ بِالزَّوْجِيَّةِ، وَمَا بَقِيَ فَبَيْنَ الِابْنَيْ عَمٍّ سَوَاءً؟ . [مَسْأَلَة مِيرَاث المعتق] ١٧٣٨ - مَسْأَلَةٌ وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا أَوْ أَمَةً: وَرِثَ مَالَ الْمُعْتَقِ إنْ مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحُطُّ بِمِيرَاثِهِ، أَوْ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي السِّهَامِ. وَكَذَلِكَ يَرِثُ مَنْ تَنَاسَلَ مِنْهُ مِنْ نَسْلِ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَعَمَّ ﵊ وَلَمْ يَخُصَّ. «وَأَعْتَقَتْ ابْنَةُ حَمْزَةَ عَبْدًا فَمَاتَ وَتَخَلَّفَ ابْنَةً، فَأَعْطَى ﵊ ابْنَتَهُ النِّصْفَ، وَبِنْتَ حَمْزَةَ النِّصْفَ» - وَكَذَلِكَ يَرِثُ مَنْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَتْ - وَهَكَذَا مَنْ سَفَلَ. ١٧٣٩ - مَسْأَلَةٌ وَمَا أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ مَاتَتْ، وَلَهَا بَنُونَ وَعُصْبَةٌ مِنْ إخْوَةٍ، أَوْ بَنِي

стр. 3540

إخْوَةٍ - وَإِنْ سَفَلُوا - أَوْ أَعْمَامٍ، أَوْ بَنِي أَعْمَامٍ - وَإِنْ بَعُدُوا وَسَفَلُوا -: فَمِيرَاثُ مَنْ أَعْتَقَتْ لِعُصْبَتِهَا لَا لِوَلَدِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا عُصْبَتَهَا، كَأَوْلَادِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهَا، أَوْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي عَمِّهَا لَا أَحَدَ مِنْ بَنِي جَدِّهَا، وَلَا مِنْ بَنِي أَبِيهَا: أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ الْمِيرَاثُ لِوَلَدِهَا، وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ: اخْتَصَمَا إلَى عُمَرَ فِي مَوْلَى لِصَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَضَى عُمَرُ بِالْعَقْلِ عَلَى عَلِيٍّ، وَبِالْمِيرَاثِ لِلزُّبَيْرِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْوَلَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ النَّسَبِ، مَنْ أَحْرَزَ الْوَلَاءَ أَحْرَزَ الْمِيرَاثَ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَحَقُّهُمْ بِالْوَلَاءِ أَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ. قَالَ عَلِيٌّ: الْأَحَقُّ بِالْوَلَاءِ هُمْ عُصْبَتُهَا الَّذِينَ إلَيْهِمْ يَنْتَمِي الْمَوَالِي، فَيَقُولُونَ: نَحْنُ مَوَالِي بَنِي أَسَدٍ إنْ كَانَتْ هِيَ أَسْدِيَةً، وَلَا يَنْتَمُونَ إلَى بَنِي تَمِيمٍ إنْ كَانَ وَلَدُهَا مِنْ تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بِقَوْلِ عَلِيٍّ هَاهُنَا نَقُولُ، وَقَالَ بِقَوْلِ عُمَرَ: الشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بُرْهَانُ صِحَّةُ قَوْلِنَا -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» . وَقَالَ ﵊: «مَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ مُضَرَ وَبَنُوهَا مِنْ الْيَمَنِ: فَمَوَالِيهَا مِنْ مُضَرَ، بِلَا شَكٍّ. وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَرِثُ مُضَرِّيًا بِالتَّعْصِيبِ، بَلْ يَرِثُهُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ، وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يَمَانِيٌّ أَوْلَى بِرَجُلٍ مُضَرِيٍّ.

стр. 3541

وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنْ انْقَرَضَ وَلَدُهَا عَادَ مِيرَاثُهُمْ إلَى عُصْبَةِ أُمِّهِمْ مِنْ مُضَرَ، لَا إلَى عُصْبَةِ أَبْنَاءِ الْمُعْتَقَةِ، فَهَلْ سُمِعَ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا؟ وَكَيْفَ يَرِثُونَ عَنْ أُمِّهِمْ وَلَاءً لَا يَرِثُهُ عَنْهُمْ عُصْبَتُهُمْ، إنَّ هَذَا الْمُحَالَ ظَاهِرٌ، وَإِذَا لَمْ يُورَثُ عَنْهُمْ آخِرًا فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَرِثُوهُ هُمْ أَوَّلًا. وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا شَغَبُوا بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ قَالُوا: كَمَا يَرِثُونَ مَالَ أُمِّهِمْ كَذَلِكَ يَرِثُونَ وَلَاءَ مَوْلَاهَا الَّذِي لَوْ كَانَتْ حَيَّةً لَوَرِثَتْهُ هِيَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا بَاطِلٌ لَيْسَ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ يَرِثُ الْوَلَاءَ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ مَعَنَا فِي أَنَّ امْرَأَةً لَوْ مَاتَتْ وَلَهَا مَالٌ وَمَوَالٍ، وَتَرَكَتْ: زَوْجَهَا، وَأُخْتَهَا، وَبَنِي عَمِّهَا: فَإِنَّ جَمِيعَ مِيرَاثِهَا لِزَوْجِهَا وَأُخْتِهَا، وَلَا حَقَّ لَهُمَا فِي وَلَاءِ مَوَالِيهَا، وَأَنَّ وَلَاءَ مَوَالِيهَا لِبَنِي عَمِّهَا الَّذِينَ لَا يَأْخُذُونَ مِنْ مَالِهَا شَيْئًا. وَكَذَلِكَ: امْرَأَةٌ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ: زَوْجًا، وَبِنْتَيْنِ، وَأُمًّا، وَبَنِي ابْنٍ -: فَإِنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِلزَّوْجِ وَالْبِنْتَيْنِ وَالْأُمِّ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ بَنُو الِابْنِ شَيْئًا، وَأَنَّ وَلَاءَ مَوَالِيهَا عِنْدَهُمْ لِبَنِي الِابْنِ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُ الَّذِينَ وَرِثُوا الْمَالَ شَيْئًا -: فَظَهَرَ فَسَادُ احْتِجَاجِهِمْ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ، إذْ عُرِّيَ مِنْ بُرْهَانٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ مَوَّهُوا بِقَضَاءِ عُمَرَ: فَقَدْ قَضَى عُمَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا بِأَنَّ عُصْبَةَ وَلَدِهَا يَرِثُونَ وَلَاءَ مَوَالِيهَا عَنْ وَلَدِهَا، وَلَا يَرِثُهُ إخْوَتُهَا -: فَقَدْ خَالَفُوا عُمَرَ فِي ذَلِكَ تَحَكُّمًا بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ١٧٤٠ - مَسْأَلَةٌ وَمَا وُلِدَ لِلْمَمْلُوكِ مِنْ حُرَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ مَنْ أَعْتَقَ أَبَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَرِثُ الْمَرْءُ مَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ مِنْ حَمْلٍ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَ أَبَاهُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَهَذَا الْمَوْلُودُ خُلِقَ حُرًّا، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ عَلَيْهِ بَعْدَ حُرِّيَّتِهِ وَلَاءٌ لِمَنْ لَمْ يُعْتِقْهُ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ قَبْلُ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ.

стр. 3542

وَأَمَّا مَنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ ثَبَاتِ الْوَلَاءِ عَلَى أَبِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَوْجُودًا إلَّا وَالْوَلَاءُ عَلَيْهِ ثَابِتٌ - فَمِيرَاثُهُ لِمَوْلَاهُ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ الشَّعْبِيِّ: لَا وَلَاءَ إلَّا لِذِي نِعْمَةٍ. ١٧٤١ - مَسْأَلَةٌ وَمَا وُلِدَ لِمَوْلًى مِنْ مَوْلَاةٍ لِآخَرِينَ فَوَلَاؤُهُ لِمَنْ أَعْتَقَ، أَبَاهُ، أَوْ أَجْدَادَهُ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَمَا وَلَدَتْ الْمَوْلَاةُ مِنْ عَرَبِيٍّ فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِمَوَالِي أُمِّهِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَمَا وَلَدَتْ الْمَوْلَاةُ مِنْ زَوْجٍ مَمْلُوكٍ، أَوْ مِنْ زِنًى، أَوْ مِنْ إكْرَاهٍ، أَوْ حَرْبِيٍّ، أَوْ لَاعَنَتْ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: وَلَاؤُهُ لِمَوَالِي أُمِّهِ - وَلَا نَقُولُ بِهَذَا، بَلْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، بَلْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْوَلَاءِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى أُمِّهِ إنْ كَانَ أَبُوهُ مَوْلًى، أَوْ عَرَبِيًّا - فَظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْعَبْدُ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ] ١٧٤٢ - مَسْأَلَةٌ وَالْعَبْدُ لَا يَرِثُ، وَلَا يُورَثُ: مَالُهُ كُلُّهُ لِسَيِّدِهِ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَ بِهِ نَصٌّ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرُوِّينَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ: أَنَّهُ يُبَاعُ فَيُعْتَقُ فَيَرِثُ - وَهَذَا لَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الْمُكَاتَب] ١٧٤٣ - مَسْأَلَةٌ وَالْمُكَاتَبُ إذَا أَدَّى شَيْئًا مِنْ مُكَاتَبَتِهِ فَمَاتَ، أَوْ مَاتَ لَهُ مُورِثٌ وَرِثَ مِنْهُ وَرَثَتُهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى فَقَطْ، وَوَرِثَ هُوَ أَيْضًا بِمِقْدَارِ مَا أَدَّى فَقَطْ، وَيَكُونُ مَا فَضَلَ عَمَّا وَرِثَ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ، وَيَكُونُ مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهِ لِسَيِّدِهِ. وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْمُكَاتَبِ " وَذَكَرْنَا مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ. وَمَنْ مَاتَ وَبَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ عَبْدٌ: فَلِلَّذِي لَهُ الْوَلَاءُ مِمَّا تَرَكَ بِمِقْدَارِ مَا لَهُ فِيهِ مِنْ الْوَلَاءِ وَالْبَاقِي لِلَّذِي لَهُ الرِّقُّ - سَوَاءٌ كَانَ يَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنْ كَسْبِهِ. فِي حَيَاتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ - لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ مَا كَانَ يَأْخُذُ: مِلْكٌ لِجَمِيعِ الْمُكَاتَبِ يَأْكُلُهُ، وَيَتَزَوَّجُ فِيهِ، وَيَتَسَرَّى، وَيَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَهُوَ مَالُهُ - وَهُوَ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ الَّذِي لَهُ فِيهِ

стр. 3543

بَقِيَّةٌ - فَإِذَا مَاتَ فَهُوَ مَالٌ يُخَلِّفُهُ، لَيْسَ لِلَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ أَنْ يَأْخُذَهُ الْآنَ، إذْ قَدْ وَجَبَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّذِي لَهُ فِيهِ بَعْضُ الْوَلَاءِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَقَالَ مَالِكٌ: مَالُهُ كُلُّهُ لِلَّذِي لَهُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الرِّقِّ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مِيرَاثُهُ كُلُّهُ لِلَّذِي لَهُ فِيهِ شُعْبَةُ الْعِتْقِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤَدِّي مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ وَيَرِثُ الْبَاقِيَ وَرَثَتُهُ - وَإِنْ لَمْ يُرَقَّ بِذَلِكَ: فَمَالُهُ كُلُّهُ لِلْمُتَمَسِّكِ بِالرِّقِّ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: مَالُهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: إنَّهُ يُورَثُ بِمِقْدَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْعِتْقِ، وَلَا يَرِثُ هُوَ بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ. وَقَوْلُنَا فِي ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُد، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَأَحَدِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. [مَسْأَلَة مِيرَاث وَلَد الزِّنَا] ١٧٤٤ - مَسْأَلَةٌ وَوَلَدُ الزِّنَى يَرِثُ أُمَّهُ، وَتَرِثُهُ أُمُّهُ، وَلَهَا عَلَيْهِ حَقُّ الْأُمُومِيَّةِ مِنْ: الْبِرِّ، وَالنَّفَقَةِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَسَائِرِ حُكْمِ الْأُمَّهَاتِ -: وَلَا يَرِثُهُ الَّذِي تَخَلَّقَ مِنْ نُطْفَتِهِ، وَلَا يَرِثُهُ هُوَ، وَلَا لَهُ عَلَيْهِ حَقُّ الْأُبُوَّةِ لَا فِي بِرٍّ، وَلَا فِي نَفَقَةٍ، وَلَا فِي تَحْرِيمٍ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا فِي التَّحْرِيمِ فَقَطْ. بُرْهَانُ صِحَّةِ مَا قُلْنَا -: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» وَقَوْلُهُ ﵊ أَيْضًا «الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» . فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْفِرَاشِ - وَهِيَ الْأُمُّ - وَبِصَاحِبِهِ - وَهُوَ الزَّوْجُ، أَوْ السَّيِّدُ - وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْعَاهِرِ إلَّا الْحَجَرَ.

стр. 3544

وَمَنْ جَعَلَ تَحْرِيمًا بِمَا لَا حَقَّ لَهُ فِي الْأُبُوَّةِ فَقَدْ نَاقَضَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث المولدون فِي أَرْض الشِّرْك] ١٧٤٥ - مَسْأَلَةٌ وَالْمَوْلُودُونَ فِي أَرْضِ الشِّرْكِ يَتَوَارَثُونَ كَمَا يَتَوَارَثُ مَنْ وُلِدَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِهِمْ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ - سَوَاءٌ أَسْلَمُوا وَأَقَرُّوا مَكَانَهُمْ، أَوْ تَحَمَّلُوا، أَوْ سُبُوا فَأُعْتِقُوا. وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ -: فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ: أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ بِوِلَادَةِ الشِّرْكِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَدْرَكْت الصَّالِحِينَ يَذْكُرُونَ: أَنَّ فِي السُّنَّةِ: أَنَّ وِلَادَةَ الْعَجَمِ مِمَّنْ وُلِدَ فِي أَرْضِ الشِّرْكِ ثُمَّ تَحَمَّلَ: أَنْ لَا يَتَوَارَثُوا. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: لَا يُورَثُ أَحَدٌ بِوِلَادَةِ الْأَعَاجِمِ إلَّا أَحَدٌ وُلِدَ فِي الْعَرَبِ. وَلَا نَعْلَمُ يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ: شَيْءٌ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الثِّقَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ. .. وَمِنْ طَرِيقٍ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ: أَنَّ عُمَرَ - وَلَمْ يُدْرِكْ أَبَانُ عُمَرَ - وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ: أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ - وَهَذَا أَبْعَدُ - وَالزُّهْرِيُّ: أَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ - وَمَا وَرِثَ عُمَرُ وَلَدُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ إلَّا بِوِلَادَةِ الشِّرْكِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَيْهِ: أَنْ لَا يُوَرِّثَ الْحَمِيلَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ: أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْ لَا يَتَوَارَثَ الْحُمَلَاءُ فِي وِلَادَةِ الْكُفْرِ؟ فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَالُوا: مَا شَأْنُهُمْ أَنْ لَا يَتَوَارَثُوا إذَا عُوفُوا وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ.

стр. 3545

وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْحَسَنِ، قَالَا جَمِيعًا: إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَرِثَ الْحَمِيلُ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَوْ أَحَدِهِمَا عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، قَالَا جَمِيعًا: لَا يُورَثُ الْحَمِيلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَتَوَارَثُ الْحُمَلَاءُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُلُّ نَسَبٍ يُتَوَاصَلُ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ وَارِثٌ مَوْرُوثٌ. وَمِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَا جَمِيعًا: الْحَمِيلُ يُورَثُ. وَمِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ الضَّبِّيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَمِيلِ: إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ مِنْهُ مَا يَصِلُ مِنْ أَخِيهِ، وَيَحْرِمُ مِنْهُ مَا يَحْرِمُ مِنْ أَخِيهِ: وَرِثَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: كَانَ أَبِي حَمِيلًا فَوَرَّثَهُ مَسْرُوقٌ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ أَنَّهُ وَرَّثَ حَمِيلًا بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَنَّهُ كَانَ أَخَاهُ - وَبِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا سَمِعَتْهُ يَقُولُ: هُوَ أَخِي. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ إسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ: أَنَّهُ قَالَ: خَاصَمْت إلَى شُرَيْحٍ فِي مَوْلَاةٍ لِلْحَيِّ مَاتَتْ عَنْ مَالٍ كَثِيرٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَخَاصَمَ مَوَالِيَهَا، وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَخِي؟ فَوَرَّثَهُ شُرَيْحٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ وَرِثَ الْحَمِيلُ - كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا إقْرَارٌ فَقَطْ وَرِثَ بِهِ مَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُورَثُ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَرِثُ الْحَمِيلُ بِبَيِّنَةٍ أَصْلًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ مَدِينَةٍ أَسْلَمُوا فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِمَا يُوجِبُ الْمِيرَاثَ فَإِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ.

стр. 3546

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ - فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُمَا قَسَّمَ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَهُمَا قَوْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَالْأُصُولِ، فِي إسْقَاطِ مَالِكٍ الْحُكْمَ بِبَيِّنَةِ الْعَدْلِ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ. وَتَفْرِيقُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ وَبَيْنَ مَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُسْلِمُونَ، أَوْ يُسْبَوْنَ فَيُسْلِمُوا، وَوَجَدْنَا الْإِقْرَارَ بِالْمَوَالِيدِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَوَارِيثِ: لَا نَعْلَمُ أَلْبَتَّةَ صِحَّةَ الْمَوَالِيدِ إلَّا بِهِ، فَمَا تَصِحُّ بُنُوَّةُ أَحَدٍ إلَّا بِإِقْرَارِ الْآبَاءِ أَنَّهُ وُلِدَ، أَوْ بِإِقْرَارِ أَخَوَيْنِ يَقْدُمَانِ مُسَافِرَيْنِ وَيَجِبُ مِيرَاثُهُمَا. وَبِهَذَا الْإِقْرَارِ يَتَوَارَثُ أَهْلُ الْكُفْرِ إذَا أَسْلَمُوا عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ ذَلِكَ لَا وَجْهَ لَهُ، وَبِالْإِقْرَارِ تَوَارَثَ الْمُهَاجِرُونَ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَلِكَ خَطَأٌ لَا خَفَاءَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الْمُسْلِم الْكَافِر والكافر الْمُسْلِم] ١٧٤٦ - مَسْأَلَةٌ وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ - الْمُرْتَدُّ وَغَيْرُ الْمُرْتَدِّ سَوَاءٌ - إلَّا أَنَّ الْمُرْتَدَّ مُذْ يَرْتَدُّ فَكُلُّ مَا ظَفِرَ بِهِ مِنْ مَالِهِ فَلِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ - رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا، أَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ - وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ مِنْ مَالِهِ حَتَّى قُتِلَ أَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا: فَلِوَرَثَتِهِ مِنْ الْكُفَّارِ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَهُ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ مَاتَ مُسْلِمًا. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّكُمْ تَقُولُونَ: إنْ مَاتَ عَبْدٌ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ، أَوْ يَهُودِيٌّ - وَسَيِّدُهُ مُسْلِمٌ - فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لَا بِالْمِيرَاثِ، لَكِنْ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ أَخْذَهُ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَالْعَبْدُ لَا يُورَثُ بِالْخَبَرِ الَّذِي جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي مِيرَاثِ الْمُكَاتَبِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْجُزْءِ الْمَمْلُوكِ مِيرَاثًا - لَا لَهُ وَلَا مِنْهُ -. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي بَعْضِ هَذَا -:

стр. 3547

فَرُوِّينَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمَسْرُوقٍ: تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ -: وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ثَابِتٌ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ، وَلَا يُوَرِّثُ الْكَافِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: مَا حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ قَضَاءٌ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْهُ؟ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمٌ أَعْتَقَ كَافِرًا فَإِنَّهُ يَرِثُهُ - وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَا لَمْ يَقُلْ " سَمِعْت، أَوْ أَنَا، أَوْ أَرِنَا " تَدْلِيسٌ، وَلَوْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ: إلَّا عَبْدُهُ، أَوْ أَمَتُهُ، وَلَا يُسَمَّى الْمُعْتَقُ، وَلَا الْمُعْتَقَةُ: عَبْدًا، وَلَا أَمَةً. وَاخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ: فَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ جَعَلَ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَصِحَّ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الْمُرْتَدِّ هَلْ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ بَنُوهُ؟ فَقَالَ: نَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَنَا، قَالَ: وَتَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، فَإِنْ قُتِلَ: فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُطَيِّبُونَ مِيرَاثَ الْمُرْتَدِّ لِأَهْلِهِ إذَا قُتِلَ. وَرُوِيَ تَوْرِيثُ مَالِ الْمَقْتُولِ عَلَى الرِّدَّةِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَا كَانَ مِنْ مَالِهِ فِي مِلْكِهِ إلَى أَنْ ارْتَدَّ فَلِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ،

стр. 3548

وَمَا كَسَبَ بَعْدَ رِدَّتِهِ فَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَمَالُهُ فَإِنْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَمَا كَسَبَ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا كَانَ لَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَلِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقْضِي الْقَاضِي بِعِتْقِ مُدَبِّرِيهِ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا أَخَذَ مَا وَجَدَ مِنْ مَالِهِ بِأَيْدِي وَرَثَتِهِ؛ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِمَّا أَكَلُوهُ، أَوْ أَتْلَفُوهُ، وَكُلُّ مَا حَمَلَ مِنْ مَالِهِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فَهُوَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ إذَا ظُفِرَ بِهِ، لَا لِوَرَثَتِهِ، فَلَوْ رَجَعَ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَأَخَذَ مَالًا مِنْ مَالِهِ فَنَهَضَ بِهِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فَظُفِرَ بِهِ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَمَتَانِ إحْدَاهُمَا مُسْلِمَةٌ، وَالْأُخْرَى كَافِرَةٌ، فَوَلَدَتَا مِنْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ - مُذْ ارْتَدَّ - فَأَقَرَّ بِهِمَا لَحِقَا بِهِ جَمِيعًا، وَوَرِثَهُ ابْنُ الْمُسْلِمَةِ، وَلَمْ يَرِثْهُ ابْنُ الذِّمِّيَّةِ. قَالَ: وَلَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ - مُذْ يَرْتَدُّ - إلَى أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يَمُوتَ، أَوْ يُسْلِمَ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا الْكُفَّارِ أَصْلًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ: - كَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَبِهِ يَقُولُ رَبِيعَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قُتِلَ، أَوْ مَاتَ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَمَالُهُ لَهُ، فَإِنْ ارْتَدَّ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ اُتُّهِمَ: إنَّمَا ارْتَدَّ لِيَمْنَعَ وَرَثَتَهُ؟ فَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ - هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ مَنْ ارْتَدَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَرِثْهُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ أَحَدٌ بِأَنَّهُ يَرْتَدُّ لِيَمْنَعَ أَخْذَ الْمِيرَاثِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ إنْ قُتِلَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْكُفَّارِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: مَالُ الْمُرْتَدِّ - مُذْ يَرْتَدُّ - لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: فَظَاهِرُ الِاضْطِرَابِ وَالتَّنَاقُضِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَحُكْمٌ بِالتُّهْمَةِ؟ وَهُوَ الظَّنُّ الْكَاذِبُ الَّذِي حَرَّمَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الْحُكْمَ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ: فَتَقْسِيمٌ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - فَوَسَاوِسُ كَثِيرَةٌ فَاحِشَةٌ -:

стр. 3549

مِنْهَا: تَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ. وَمِنْهَا: تَوْرِيثُهُ وَرَثَتَهُ عَلَى حُكْمِ الْمَوَارِيثِ وَهُوَ حَيٌّ بَعْدُ. وَمِنْهَا: قَضَاؤُهُ لَهُ إنْ رَجَعَ بِمَا وَجَدَ، لَا بِمَا اسْتَهْلَكُوا - وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَجَبَ لِلْوَرَثَةِ مَا قَضَوْا لَهُمْ بِهِ، أَوْ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ. فَإِنْ كَانَ وَجَبَ لَهُمْ؟ فَلِأَيِّ شَيْءٍ يَنْتَزِعُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ - وَهَذَا ظُلْمٌ وَبَاطِلٌ وَجَوْرٌ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ؟ فَلِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَلُّوا أَنْ يَقْضُوا لَهُمْ بِهِ حَتَّى أَكَلُوهُ، وَوُرِثَ عَنْهُمْ، وَتَحَكَّمُوا فِيهِ، وَلَئِنْ كَانَ رَجَعَ إلَى الْمُرَاجِعِ إلَى الْإِسْلَامِ؟ فَمَا الَّذِي خُصَّ بِرُجُوعِهِ إلَيْهِ مَا وَجَدَ دُونَ مَا لَمْ يَجِدْ؟ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَضَوْا لَهُ بِهِ؟ إنَّ هَذَا لَضَلَالٌ لَا خَفَاءَ بِهِ وَأَعْجَبُ شَيْءٍ اعْتِرَاضُ هَؤُلَاءِ النَّوْكَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نِكَاحِهِ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ، وَجَعْلِهِ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا بِقَوْلِهِمْ السَّخِيفِ: لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ أَمَةٌ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، أَوْ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ حُرَّةٌ مُعْتَقَةٌ - فَهَذَا نِكَاحٌ بِلَا صَدَاقٍ، مَعَ إجَازَتِهِمْ لِأَبِي حَنِيفَةَ هَذِهِ الْحَمَاقَاتِ، وَالْمُنَاقَضَاتِ، وَمَا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيَّةَ ﵂ إلَّا وَهِيَ حُرَّةٌ مُعْتَقَةٌ بِصَدَاقٍ قَدْ صَحَّ لَهَا وَتَمَّ، وَهُوَ عِتْقُهُ لَهَا. ثُمَّ تَفْرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ مَالٍ تَرَكَهُ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ، أَوْ مَالٍ حَمَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ إلَى أَرْضِ الْكُفْرِ، وَمَالٍ تَرَكَهُ ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ فَحَمَلَهُ - فَهَذَا مِنْ الْمُضَاعَفِ نَسْجُهُ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ التَّخْلِيطِ - مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الْفَاسِدَةَ لَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ غَيْرِهِ قَبْلَ مَنْ ضَلَّ بِتَقْلِيدِهِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: بِأَنَّ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ فَلَا حُجَّةَ لِهَذَا الْقَوْلِ إلَّا التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ مُؤْمِنًا مِنْ كَافِرٍ؟ فَيُقَالُ لَهُمْ: لَقَدْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ ذَلِكَ، وَأَنْتُمْ قَدْ مَنَعْتُمْ الْمُكَاتَبَ مِنْ الْمِيرَاثِ وَالْقُرْآنُ يُوجِبُهُ لَهُ، وَالسُّنَّةُ كَذَلِكَ، وَمَنَعْتُمْ الْقَاتِلَ بِرِوَايَةٍ لَا تَصِحُّ، وَمَنَعْتُمْ سَائِرَ الْكُفَّارِ مِنْ أَنْ يَرِثَهُمْ الْمُسْلِمُونَ؟ وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ؟ وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا وَجْهَ لَهُ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِالْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُ بِهِ فَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ، بُرْهَانُنَا عَلَى ذَلِكَ -: أَنَّ كُلَّ

стр. 3550

مَا ظُفِرَ بِهِ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ مَالُ كَافِرٍ، لَا ذِمَّةَ لَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وَلَا يُحَرَّمُ مَالُ كَافِرٍ إلَّا بِالذِّمَّةِ، وَهَذَا لَا ذِمَّةَ لَهُ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَّا وَقَدْ بَطَلَ مِلْكُهُ لَهُ، أَوْ عَنْهُ، وَوَجَبَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ إلَّا كَأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا مَا لَمْ يُظْفَرْ بِهِ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ مِنْ مِلْكِهِ لَهُ مَا لَمْ يَظْفَرْ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَا ذِمَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ الْكُفَّارِ خَاصَّةً، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] وَآيَاتُ الْمَوَارِيثِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهَا إلَّا مَا أَخْرَجَهُ نَصُّ سُنَّةٍ صَحِيحٌ. فَإِنْ كَانُوا ذِمَّةً سَلَّمَ إلَيْهِمْ مَنْ ظَفِرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوهُ بِالْمِيرَاثِ. وَإِنْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ أُخِذَ لِلْمُسْلِمِينَ مَتَى ظُفِرَ بِهِ. فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ لَهُ يَرِثُهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا حُكْمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ، وَمُوجَبُ الْإِجْمَاعِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ١٧٤٧ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ مَاتَ لَهُ مَوْرُوثٌ وَهُمَا كَافِرَانِ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَيُّ أُخِذَ مِيرَاثُهُ عَلَى سُنَّةِ الْإِسْلَامِ - وَلَا تُقَسَّمُ مَوَارِيثُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَّا عَلَى قَسْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَوَارِيثَ فِي الْقُرْآنِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] . وَلَا أَعْجَبُ مِمَّنْ يَدَعُ حُكْمَ الْقُرْآنِ - وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى - وَيَحْكُمُ بِحُكْمِ الْكُفْرِ - وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ حُكْمُ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَأَنَّهُ الضَّلَالُ الْمُبِينُ، وَاَلَّذِي لَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِهِ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ عَجِيبٌ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ

стр. 3551

حَدَّثَهُ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ: إنَّ ابْنِي هَلَكَ، فَزَعَمَتْ الْيَهُودُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِي فِي مِيرَاثِهِ؟ فَدَعَاهُمْ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَا تُعْطُونَ هَذِهِ حَقَّهَا؟ فَقَالُوا: لَا نَجِدُ لَهَا حَقًّا فِي كِتَابِنَا؟ فَقَالَ: أَفِي التَّوْرَاةِ؟ قَالُوا: بَلَى، فِي الْمُثَنَّاةِ قَالَ: وَمَا الْمُثَنَّاةُ؟ قَالُوا: كِتَابٌ كَتَبَهُ أَقْوَامٌ عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ؟ فَسَبَّهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَعْطُوهَا حَقَّهَا. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى حَيَّانَ بْنِ شُرَيْحٍ: أَنْ اجْعَلْ مَوَارِيثَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَوَارِيثُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَحْكَامِ دِينِهِمْ، إلَّا أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: تَقْسِيمُ مَوَارِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى حُكْمِ دِينِهِمْ - سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ - وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مِنْ الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ مَا أَخَذَ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ: قَسَمَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا تَقْسِيمُ مَالِكٍ: فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الْفَرْقَ الَّذِي ذُكِرَ: قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا دَلِيلٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ، وَمَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَا وَافَقَهُ فِيهِ مَالِكٌ: فَقَدْ ذَكَرْنَا إبْطَالَهُ، وَمَا فِي الشُّنْعَةِ أَعْظَمُ مِنْ تَحْكِيمِ الْكُفْرِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى مُسْلِمٍ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ؟ وَمَا عَهِدْنَا قَوْلَهُمْ فِي حُكْمٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ إلَّا أَنَّهُ يُحْكَمُ فِيهِ وَلَا بُدَّ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ إلَّا هَاهُنَا، فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا أَنْ يُحْكَمَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِحُكْمِ الشَّيْطَانِ فِي دِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لَا سِيَّمَا إنْ أَسْلَمَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ، فَلَعَمْرِي إنَّ اقْتِسَامَهُمْ مِيرَاثَهُمْ بِقَوْلِ " دكريز الْقُوطِيِّ " " وَهِلَالٍ الْيَهُودِيِّ " لَعَجَبٌ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي هَذَا أَثَرَانِ يَحْتَجُّونَ بِأَضْعَفَ مِنْهُمَا، وَبِإِسْنَادِهِمَا نَفْسِهِ، إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ - وَهُوَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا حَجَّاجُ بْنُ يَعْقُوبَ نا مُوسَى بْنُ دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّ مَا أَدْرَكَ إسْلَامٌ وَلَمْ يُقْسَمْ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ» .

стр. 3552

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ كُلَّ مَا قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّ مَا أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ، وَلَمْ يُقْسَمْ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ» . قَالَ عَلِيٌّ: مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ضَعِيفٌ، وَالثَّانِي مُرْسَلٌ، وَلَا نَعْتَمِدُ عَلَيْهِمَا، إنَّمَا حُجَّتُنَا مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مِيرَاث الْمَوْلُود] ١٧٤٨ - مَسْأَلَةٌ وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ فَخَرَجَ حَيًّا كُلُّهُ - أَوْ بَعْضُهُ أَقَلُّهُ أَوْ أَكْثَرُهُ - ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ تَمَامِ خُرُوجِهِ - عَطَسَ أَوْ لَمْ يَعْطِسْ - وَصَحَّتْ حَيَاتُهُ بِيَقِينٍ بِحَرَكَةِ عَيْنٍ، أَوْ يَدٍ، أَوْ نَفْسٍ، أَوْ بِأَيِّ شَيْءٍ صَحَّتْ، فَإِنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ، وَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِهْلَالِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] . وَهَذَا وَلَدٌ بِلَا شَكٍّ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا وَرَّثْتُمُوهُ وَإِنْ وُلِدَ مَيِّتًا بِحَيَاتِهِ فِي الْبَطْنِ؟ قُلْنَا: لَوْ أَيْقَنَّا حَيَاتَهُ لَوَرَّثْنَاهُ، وَقَدْ تَكُونُ لِحَرَكَةِ رِيحٍ - وَالْجَنِينُ مَيِّتٌ - وَقَدْ يَنْفُشُ الْحَمْلُ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ حَمْلًا وَإِنَّمَا كَانَ عِلَّةً، فَإِنَّمَا نُوقِنُ حَيَاتَهُ إذَا شَاهَدْنَاهُ حَيًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَخْرُجَ حَيًّا كُلَّهُ. وَهَذَا قَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَإِنْ رَضَعَ وَأَكَلَ مَا لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ مُقَلِّدُوهُ بِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَفْرِضُ لِلصَّبِيِّ إذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: إذَا صَاحَ صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ وَرِثَ وَوُرِّثَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ فِي الْمَنْفُوسِ: يَرِثُ إذَا سُمِعَ صَوْتُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرِيكٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ بِشْرِ بْنِ غَالِبٍ، قَالَ: سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: مَتَى يَجِبُ سَهْمُ الْمَوْلُودِ؟ قَالَ: إذَا اسْتَهَلَّ.

стр. 3553

وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ وَجَبَ عَقْلُهُ وَمِيرَاثُهُ. وَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثْ مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَرُوِيَ أَيْضًا: عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ قَلَّدَ هَذَأ الْقَوْلَ بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ. وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ» . وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودِ وَرِثَ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيّ نا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ نا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الصَّبِيُّ إذَا اسْتَهَلَّ وَرِثَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ حَدَّثَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَيْثَمِ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَهِلَّ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ حَدَّثَنِي طَلْقٌ عَنْ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَجَبَتْ دِيَتُهُ وَمِيرَاثُهُ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ إنْ مَاتَ» . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِيهِ أَيْضًا: مُطَرِّفٌ عَنْ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . قَالُوا وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ وَالْحُسَيْنِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: سِتَّةٌ

стр. 3554

مِنْ الصَّحَابَةِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ -: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، وَكُلُّهُ إمَّا لَا شَيْءَ وَإِمَّا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ. أَمَّا الْخَبَرُ الصَّحِيحُ: فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تَعَالَى مِنْ تَمْوِيهِهِمْ بِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ؟ هَلْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَيْئًا مِنْ حُكْمِ الْمِيرَاثِ بِنَصٍّ أَوْ بِدَلِيلٍ؟ أَمَّا هَذَا تَقْوِيلٌ لَهُ ﵊ مَا لَمْ يَقُلْ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ إلَّا أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْخُسُهُ؟ وَهَذَا حَقٌّ نُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا خُولِفُوا قَطُّ فِي هَذَا، ثُمَّ فِيهِ «أَنَّهُ يَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ» هَذَا فَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي يَقِينًا أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا عَنِي بِذَلِكَ مَنْ اسْتَهَلَّ مِنْهُمْ، وَبَقِيَ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ؟ فَنَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونَا أَيُوجَدُ مَوْلُودٌ يَخْرُجُ حَيًّا وَلَا يَسْتَهِلُّ؟ أَمْ لَا يُوجَدُ أَصْلًا؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا يُوجَدُ أَصْلًا كَابَرُوا الْعِيَانَ وَأَنْكَرُوا الْمُشَاهَدَةَ، فَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرٌ لَا يَسْتَهِلُّ إلَّا بَعْدَ أَزْيَدَ مِنْ سَاعَةٍ زَمَانِيَّةٍ، وَرُبَّمَا لَمْ يَسْتَهِلَّ حَتَّى يَمُوتَ؟ ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: فَإِذْ لَا يُوجَدُ هَذَا أَبَدًا فَكَلَامُكُمْ وَكَلَامُنَا فِيهَا عَنَاءٌ، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ تَكَلَّمَ فِيمَنْ يُولَدُ مِنْ الْفَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَحَالِّ؟ فَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَدْ يُوجَدُ هَذَا؟ قُلْنَا لَهُمْ: فَأَخْبِرُونَا الْآنَ أَتَقُولُونَ: إنَّهُ لَيْسَ مَوْلُودًا؟ فَهَذِهِ حَمَاقَةٌ وَمُكَابَرَةٌ لِلْعَيَانِ، أَمْ تَقُولُونَ: إنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَنْخُسْهُ، فَتُكَذِّبُوا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَهَذَا كَمَا تَرَوْنَ؟ أَمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ نَخَسَهُ فَلَمْ يَسْتَهِلَّ؟ فَهَذَا قَوْلُنَا، وَرَجَعْتُمْ إلَى الْحَقِّ مِنْ أَنَّهُ ﵊ ذَكَرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: مَنْ يَسْتَهِلُّ دُونَ مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثِ، إلَّا أَنَّهُ بِكُلِّ حَالٍ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ الْمَوَارِيثِ، فَبَطَلَ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ - وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ سَوَاءً سَوَاءً. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا: أَنَّهُ إذَا اسْتَهَلَّ وَرِثَ، وَهَكَذَا نَقُولُ، وَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يَرِثْ، فَإِقْحَامُهُ فِيهِ: كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ لَفْظَةَ " الِاسْتِهْلَالِ " فِي اللُّغَةِ هُوَ الظُّهُورُ، تَقُولُ اسْتَهَلَّ الْهِلَالُ بِمَعْنَى ظَهَرَ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: إذَا ظَهَرَ الْمَوْلُودُ وَرِثَ، وَهُوَ قَوْلُنَا.

стр. 3555

وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، فَلَمْ يَقُلْ أَبُو الزُّبَيْرِ: إنَّهُ سَمِعَهُ، فَهُوَ مُدَلِّسٌ. وَفِي حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ: بَقِيَّةُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَحَدِيثَا: عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ مُرْسَلَانِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ - هَالِكٌ. فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَوْلُ سِتَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَمْ قِصَّةً مِثْلَ هَذِهِ قَدْ خَالَفُوا فِيهَا طَوَائِفَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ، كَالْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ، وَإِمَامَةِ الْجَالِسِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَيْضًا: فَالْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ الصَّحَابَةِ إنَّمَا فِيهَا: أَنَّهُ إذَا اسْتَهَلَّ وَرِثَ - وَلَمْ نُخَالِفْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهَا إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُورَثْ - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا. ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ عَنْ مَوْلُودٍ وُلِدَ فَلَمْ يَسْتَهِلَّ، إلَّا أَنَّهُ تَحَرَّكَ، وَرَضَعَ، وَطَرَفَ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ قَاتِلٌ عَمْدًا، أَيَجِبُ فِيهِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ أَمْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا غُرَّةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: فِيهِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ: نَقَضُوا قَوْلَهُمْ، وَأَوْجَبُوا أَنَّهُ وَلَدٌ حَيٌّ فَلِمَ مَنَعُوهُ الْمِيرَاثَ؟ وَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ فِيهِ إلَّا غُرَّةٌ تَرَكُوا قَوْلَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة حُضُور قَرَابَة الْمَيِّت الْمِيرَاث] ١٧٤٩ - مَسْأَلَةٌ وَإِذَا قُسِّمَ الْمِيرَاثُ فَحَضَرَ قَرَابَةٌ لِلْمَيِّتِ، أَوْ لِلْوَرَثَةِ، أَوْ يَتَامَى، أَوْ مَسَاكِينُ: فَفُرِضَ عَلَى الْوَرَثَةِ الْبَالِغِينَ، وَعَلَى وَصِيِّ الصِّغَارِ، وَعَلَى وَكِيلِ الْغَائِبِ: أَنْ يُعْطُوا كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ مِمَّا لَا يُجْحِفُ بِالْوَرَثَةِ، وَيُجْبِرُهُمْ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ إنْ أَبَوْا. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨] وَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَرْضٌ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ - وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ: مِنْ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ نا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَسَمَ لِي بِهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] الْآيَةَ.

стр. 3556

وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو النُّعْمَانِ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ - نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَزْعُمُونَ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَسَخَتْ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] فَلَا وَاَللَّهِ مَا نَسَخَتْ وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ بِهَا، هُمَا وَالِيَانِ: وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِي يُرْزَقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَك أَنْ أُعْطِيَك. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ نا حَجَّاجُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] قَالَ: هِيَ وَاجِبَةٌ يُعْمَلُ بِهَا وَقَدْ أَعْطَيْت بِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ نا أَبُو عَاصِمٍ - هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ - نا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَسَمَ مِيرَاثَ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ حَيَّةٌ، فَلَمْ يَدَعْ فِي الدَّارِ مِسْكِينًا، وَلَا ذَا قَرَابَةٍ إلَّا أَعْطَاهُمْ، وَتَلَا: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ. وَصَحَّ أَيْضًا: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْعَلَاءِ بْنِ بَدْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَرُوِيَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمَا نَعْلَمُ لِأَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً أَصْلًا، بَلْ هُوَ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، وَمَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ: افْعَلْ -: إنْ شِئْت فَلَا تَفْعَلْ. وَلَيْسَ وُجُودُنَا آيَاتٍ قَامَ الْبُرْهَانُ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، أَوْ مَخْصُوصَةٌ، أَوْ أَنَّهَا نَدْبٌ، بِمُوجِبِ أَنْ يُقَالَ فِيمَا لَا دَلِيلَ بِذَلِكَ فِيهِ: هَذَا نَدْبٌ، أَوْ هَذَا مَنْسُوخٌ، أَوْ هَذَا مَخْصُوصٌ، فَيَكُونُ قَوْلًا بِالْبَاطِلِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3557

وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ جُمْهُورَ السَّلَفِ ﵃؟ تَمَّ كِتَابُ الْفَرَائِضِ. [مَسْأَلَةٌ مِيرَاثِ الْخَالِ] ١٧٥٠ - مَسْأَلَةٌ مُسْتَدْرَكَةٌ: وَلَا يَصِحُّ نَصٌّ فِي مِيرَاثِ الْخَالِ، فَمَا فَضَلَ عَنْ سَهْمِ ذَوِي السِّهَامِ، وَذَوِي الْفَرَائِضِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عَاصِبٌ، وَلَا مُعْتَقٌ وَلَا عَاصِبٌ مُعْتَقٌ: فَفِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ذِي سَهْمٍ، وَلَا عَلَى غَيْرِ ذِي سَهْمٍ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ. فَإِنْ كَانَ ذَوُو الْأَرْحَامِ فُقَرَاءَ أُعْطُوا عَلَى قَدْرِ فَقْرِهِمْ، وَالْبَاقِي فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

стр. 3558

[كِتَابُ الْوَصَايَا] [ مَسْأَلَةٌ الْوَصِيَّةُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ تَرَكَ مَالًا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَصَايَا ١٧٥١ - مَسْأَلَةٌ الْوَصِيَّةُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ تَرَكَ مَالًا، لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُذْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ إلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي. وَرُوِّينَا إيجَابَ الْوَصِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ طَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ يُشَدِّدَانِ فِي الْوَصِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَطَلْحَةَ بْنِ مُطَرِّفٍ، وَطَاوُسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَغَيْرِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا.

стр. 3559

وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَتْ فَرْضًا، وَاحْتَجُّوا: بِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ فِيهِ «لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ» . قَالُوا: فَرَدَّ الْأَمْرَ إلَى إرَادَتِهِ؟ وَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُوصِ، وَرَوَوْا: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَهُوَ رَاوِي الْخَبَرِ - لَمْ يُوصِ، وَأَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ لَمْ يُوصِ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِيمَنْ تَرَكَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ: قَلِيلٌ، لَيْسَ فِيهَا وَصِيَّةٌ، وَأَنَّ عَلِيًّا نَهَى مَنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا مِنْ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَأَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِيمَنْ تَرَكَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ: فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ. وَعَنْ النَّخَعِيِّ لَيْسَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ -: أَمَّا مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ " يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ " فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَوَاهُ كَمَا أَوْرَدْنَا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، لَكِنْ بِلَفْظِ الْإِيجَابِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ. وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، وَيُونُسُ عَنْ نَافِعٍ - وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ. فَإِذْ هُمَا صَحِيحَانِ فَقَدْ وَجَبَتْ الْوَصِيَّةُ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَهَا وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3560

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُوصِ فَقَدْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَا تَرَكَ بِقَوْلِهِ الثَّابِتِ يَقِينًا «إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ بِلَا شَكٍّ، لِأَنَّهُ أَوْصَى بِصَدَقَةِ كُلِّ مَا يَتْرُكُ إذَا مَاتَ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْأَثَرُ بِنَفْيِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي تَدَّعِيهَا الرَّافِضَةُ إلَى عَلِيٍّ فَقَطْ. وَأَمَّا مَا رَوَوْا مِنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُوصِ، فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَشْهَلَ بْنِ حَاتِمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ -. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ - وَهُوَ لَا شَيْءَ - وَالثَّابِتُ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ إيجَابِهِ الْوَصِيَّةَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ لَيْلَتَهُ مُذْ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ حَاطِبٍ وَعُمَرَ: فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَهِيَ أَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهَا. وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ -. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ حَدُّ الْقَلِيلِ بِمَا بَيْنَ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بَيَانٌ بِمَا ادَّعَوْا. ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ ذَلِكَ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُمْ صَحَابَةٌ، كَمَا أَوْرَدْنَا، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ طَائِفَةٍ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أُخْرَى، وَالْفَرْضُ حِينَئِذٍ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ فَرْضَ الْوَصِيَّةِ، أَمَّا السُّنَّةُ: فَكَمَا أَوْرَدْنَا، وَأَمَّا الْقُرْآنُ: فَكَمَا نُورِدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؟ [مَسْأَلَة مَاتَ وَلَمْ يُوصِ] ١٧٥٢ - مَسْأَلَةٌ فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يُوصِ: فَفُرِضَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ بِمَا تَيَسَّرَ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْوَصِيَّةِ وَاجِبٌ، كَمَا أَوْرَدْنَا، فَصَحَّ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ مِلْكُهُ عَمَّا وَجَبَ إخْرَاجُهُ مِنْ مَالِهِ، وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا رَآهُ الْوَرَثَةُ، أَوْ الْوَصِيُّ مِمَّا لَا إجْحَافَ فِيهِ عَلَى الْوَرَثَةِ - وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَقَدْ صَحَّ بِهِ أَثَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّ أُمِّي اُفْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَإِنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا يَا

стр. 3561

رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، فَتَصَدَّقَ عَنْهَا» فَهَذَا إيجَابُ الصَّدَقَةِ عَمَّنْ لَمْ يُوصِ، وَأَمْرُهُ ﵊: فَرْضٌ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةُ نا إسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ إنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ ﵊: نَعَمْ» . فَهَذَا إيجَابٌ لِلْوَصِيَّةِ، وَلَأَنْ يُتَصَدَّقَ عَمَّنْ لَمْ يُوصِ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي ذَنْبٍ، فَبَيَّنَ ﵊: أَنَّ تَرْكَ الْوَصِيَّةِ يَحْتَاجُ فَاعِلُهُ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ ذَلِكَ، بِأَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ، وَهَذَا مَا لَا يَسَعُ أَحَدًا خِلَافُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي مَنَامٍ لَهُ فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تِلَادًا مِنْ تِلَادِهِ. فَهَذَا يُوَضِّحُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ عِنْدَهَا ﵂: فَرْضٌ، وَأَنَّ الْبِرَّ عَمَّنْ لَمْ يُوصِ: فَرْضٌ، إذْ لَوْلَا ذَلِكَ مَا أَخْرَجَتْ مِنْ مَالِهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِإِخْرَاجِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَمْ يُوصِ إلَّا وَأَهْلُهُ أَحَقُّ، أَوْ مُحِقُّونَ أَنْ يُوصُوا عَنْهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَعَرَضْت عَلَى ابْنِ طَاوُسٍ هَذَا وَقُلْت: أَكَذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَسُفْيَانَ، وَمَعْمَرٍ، كُلُّهُمْ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تُوصِ، أَفَأُوصِي عَنْهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ» . وَمِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ "

стр. 3562

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَلَمْ تُوصِ وَلِيدَةً وَتَصَدَّقَ عَنْهَا بِمَتَاعٍ» . وَلَا مُرْسَلَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَيْنِ؟ فَخَالَفُوهُمَا، لِرَأْيِهِمَا الْفَاسِدِ [مَسْأَلَة الْوَصِيَّة لِلْأَقَارِبِ] ١٧٥٣ - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُوصِيَ لِقَرَابَتِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، إمَّا لِرِقٍّ، وَإِمَّا لِكُفْرٍ، وَإِمَّا لِأَنَّ هُنَالِكَ مَنْ يَحْجُبُهُمْ عَنْ الْمِيرَاثِ أَوْ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ فَيُوصِي لَهُمْ بِمَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ، لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُعْطُوا وَلَا بُدَّ مَا رَآهُ الْوَرَثَةُ، أَوْ الْوَصِيُّ. فَإِنْ كَانَ وَالِدَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْكُفْرِ، أَوْ مَمْلُوكًا فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يُوصِيَ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْآخَرُ كَذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أُعْطِيَ، أَوْ أُعْطِيَا مِنْ الْمَالِ وَلَا بُدَّ، ثُمَّ يُوصِي فِيمَا شَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنْ أَوْصَى لِثَلَاثَةٍ مِنْ أَقَارِبِهِ الْمَذْكُورِينَ أَجْزَأَهُ. وَالْأَقْرَبُونَ: هُمْ مَنْ يَجْتَمِعُونَ مَعَ الْمَيِّتِ فِي الْأَبِ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ إذَا نُسِبَ، وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ كَذَلِكَ أَيْضًا: هُوَ مَنْ يَجْتَمِعُ مَعَ أُمِّهِ فِي الْأَبِ الَّذِي يُعْرَفُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي اللُّغَةِ أَقَارِبُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوقَعَ عَلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ اسْمُ أَقَارِبَ بِلَا بُرْهَانٍ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ - فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨١] فَهَذَا فَرْضٌ كَمَا تَسْمَعُ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْوَالِدَانِ، وَالْأَقْرَبُونَ الْوَارِثُونَ، وَبَقِيَ مَنْ لَا يَرِثُ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْفَرْضِ. وَإِذْ هُوَ حَقٌّ لَهُمْ وَاجِبٌ فَقَدْ وَجَبَ لَهُمْ مِنْ مَالِهِ جُزْءٌ مَفْرُوضٌ إخْرَاجُهُ لِمَنْ وَجَبَ لَهُ إنْ ظُلِمَ هُوَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِخْرَاجِهِ، وَإِذَا أَوْصَى لِمَنْ أَمَرَ بِهِ فَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِمْ، فَقَدْ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ - وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ. وَمَنْ أَوْصَى لِثَلَاثَةِ أَقْرَبِينَ فَقَدْ أَوْصَى لِلْأَقْرَبِينَ - وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَنْ أَوْصَى لِقَوْمٍ وَسَمَّاهُمْ وَتَرَكَ ذَوِي قَرَابَتِهِ مُحْتَاجِينَ اُنْتُزِعَتْ مِنْهُمْ وَرُدَّتْ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِهِ فُقَرَاءُ فَلِأَهْلِ الْفَقْرِ مَنْ كَانُوا.

стр. 3563

وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ، قَالَ: إذَا أَوْصَى فِي غَيْرِ أَقَارِبِهِ بِالثُّلُثِ: جَازَ لَهُمْ ثُلُثُ الثُّلُثِ، وَرُدَّ عَلَى قَرَابَتِهِ: ثُلُثَا الثُّلُثِ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو هِلَالٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ أَوْصَى لِثَلَاثَةٍ فِي غَيْرِ قَرَابَتِهِ، فَقَالَ: لِلْقَرَابَةِ الثُّلُثَانِ، وَلِمَنْ أَوْصَى لَهُ الثُّلُثُ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ نا الْأَعْمَشُ عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ فَأَحْسَنَ الْقِسْمَةَ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْغَبُ بِرَأْيِهِ عَنْ رَأْيِ اللَّهِ يَضِلُّ، أَوْصِ لِقَرَابَتِك مِمَّنْ لَا يَرِثُ، ثُمَّ دَعْ الْمَالَ عَلَى مَا قَسَمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَأَلْت سَالِمَ بْنَ يَسَارٍ، وَالْعَلَاءَ بْنَ زِيَادٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فَدَعَوَا بِالْمُصْحَفِ فَقَرَآ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَا: هِيَ لِلْقَرَابَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ يُوصِي لِغَيْرِ ذِي الْقُرْبَى وَلَهُ ذُو قَرَابَةٍ مِمَّنْ لَا يَرِثُهُ: أَنَّهُ يُجْعَلُ ثُلُثَا الثُّلُثِ لِذَوِي الْقَرَابَةِ وَثُلُثُ الثُّلُثِ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] قَالَ: نُسِخَ مِنْهَا الْوَالِدَانِ، وَتُرِكَ الْأَقَارِبُ مِمَّنْ لَا يَرِثُ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: هِيَ لِلْقَرَابَةِ - يَعْنِي الْوَصِيَّةَ -. وَبِوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ يَقُولُ إِسْحَاقُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ فَرْضًا، بَلْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِ ذِي قَرَابَتِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.

стр. 3564

وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الَّذِي أَوْصَى بِعِتْقِ السِّتَّةِ الْأَعْبُدِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَأَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً فَقَالُوا: هَذِهِ وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ الْأَقَارِبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَنَحْنُ لَا نُخَالِفُهُمْ فِي أَنَّ قَبْلَ نُزُولِهَا كَانَ لِلْمَرْءِ أَنْ يُوصِيَ لِمَنْ شَاءَ، فَهَذَا الْخَبَرُ مُوَافِقٌ لِلْحَالِ الْمَنْسُوخَةِ الْمُرْتَفِعَةِ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ قَطْعًا - فَحُكْمُ هَذَا الْخَبَرِ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ وَالْآيَةُ رَافِعَةٌ لِحُكْمِهِ نَاسِخَةٌ لَهُ بِلَا شَكٍّ. وَمَنْ ادَّعَى فِي النَّاسِخِ أَنَّهُ عَادَ مَنْسُوخًا، وَفِي الْمَنْسُوخِ أَنَّهُ عَادَ نَاسِخًا بِغَيْرِ نَصٍّ ثَابِتٍ وَارِدٍ بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَا يَعْلَمُ وَتَرَكَ الْيَقِينَ وَحَكَمَ بِالظُّنُونِ، وَهَذَا مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] فَنَحْنُ نَقْطَعُ وَنَبُتُّ وَنَشْهَدُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى نَسْخِ نَاسِخٍ، وَرَدِّ حُكْمٍ مَنْسُوخٍ دُونَ بَيَانٍ وَارِدٍ لَنَا بِذَلِكَ، وَلَوْ جَازَ غَيْرُ هَذَا لَكُنَّا مِنْ دِينِنَا فِي لَبْسٍ، وَلَكُنَّا لَا نَدْرِي مَا أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِمَّا نَهَانَا عَنْهُ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا - فَظَهَرَ لَنَا بُطْلَانُ تَمْوِيهِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ. وَأَيْضًا: فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ صَلِيبَةً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ لَهُ قَرَابَةٌ لَا يَرِثُونَ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ فَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ حَلِيفًا أَتِيًّا لَا قَرَابَةَ لَهُ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ الْقَطْعُ بِالظَّنِّ، وَلَا تَرْكُ الْيَقِينِ لَهُ. وَأَعْجَبُ شَيْءٍ احْتِجَاجُهُمْ فِي هَذَا بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِحَدِيقَةٍ بِيعَتْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ - وَلِأَهْلِ بَدْرٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ، مِائَةُ دِينَارٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ - وَأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى لِكُلِّ أُمٍّ وَلَدٍ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ - وَأَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَوْصَتْ لِآلِ أَبِي يُونُسَ مَوْلَاهَا بِمَتَاعِهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ هَذَا لَمِنْ قَبِيحِ التَّدْلِيسِ فِي الدِّينِ، وَلَيْتَ شِعْرِي: أَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مِمَّا يُبِيحُ أَنْ لَا يُوصِيَ لِقَرَابَتِهِ؟ وَهَلْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمْ ﵃ لَمْ يُوصُوا لِقَرَابَتِهِمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يُذْكَرْ هَذَا فِيهِ؟ قُلْنَا: وَلَا ذُكِرَ فِيهِ أَنَّهُمْ أَوْصَوْا بِالثُّلُثِ فَأَقَلَّ، وَلَعَلَّهُمْ

стр. 3565

أَوْصَوْا بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ - وَهَذِهِ كُلُّهَا فَضَائِحُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِهَا - وَنَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ. [مَسْأَلَة الْوَصِيَّة لوارث] ١٧٥٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَحِلُّ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ أَصْلًا، فَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ فَصَارَ وَارِثًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي: بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، فَإِنْ أَوْصَى لِوَارِثٍ ثُمَّ صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ لَمْ تَجُزْ لَهُ الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهَا إذْ عَقَدَهَا كَانَتْ بَاطِلًا، وَسَوَاءٌ جَوَّزَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُجَوِّزُوا؛ لِأَنَّ الْكَوَافَّ نَقَلَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . فَإِذْ قَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُجِيزُوا مَا أَبْطَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَنْ يَبْتَدِئُوا هِبَةً لِذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، فَهُوَ مَالُهُمْ - وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَبْدِ الْجَلِيلِ بْنِ حُمَيْدٍ الْيَحْصُبِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، وَعَمْرِو بْنِ قَيْسٍ سَنْدَلٍ، قَالَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ: عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَطَاءٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ فِي خُطْبَتِهِ: لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» - زَادَ عَطَاءٌ فِي حَدِيثِهِ: «وَإِنْ أَجَازُوا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا» ؟ قُلْنَا: هَذَا مُرْسَلٌ، ثُمَّ هُوَ مِنْ الْمُرْسَلِ فَضِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ ابْنُ وَهْبٍ كُلُّهُمْ مُطَّرَحٌ، وَإِنَّ فِي اجْتِمَاعِهِمْ لَأُعْجُوبَةً. وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، وَالْمُسْنَدَ كَالْمُرْسَلِ، وَلَا يُبَالُونَ بِضَعِيفٍ، فَهَلَّا أَخَذُوا بِهَذَا الْمُرْسَلِ؟ وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا رُجُوعَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي كَفَالَتِهِ، فَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا. [مَسْأَلَة الْوَصِيَّة بِأَكْثَر مِنْ الثُّلُث] ١٧٥٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ - كَانَ لَهُ وَارِثٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، أَجَازَ الْوَرَثَةُ، أَوْ لَمْ يُجِيزُوا -: صَحَّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﵌ -

стр. 3566

فَقُلْت: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» . وَالْخَبَرُ بِأَنَّ «رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِعِتْقِ سِتَّةِ أَعْبُدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» . وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ زَادَتْ وَصِيَّتُهُ عَنْ الثُّلُثِ بِيَسِيرٍ كَالدِّرْهَمَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَهَذَا خِلَافُ الْخَبَرِ، وَخَطَأٌ فِي تَحْدِيدِهِ مَا ذُكِرَ دُونَ مَا زَادَ وَمَا نَقَصَ، وَلَا تَخْلُو تِلْكَ الزِّيَادَةُ - قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ - مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَقِّ الْمُوصِي أَوْ حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَقِّ الْمُوصِي فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَمِنْ حَقِّهِ أَيْضًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَفَّذَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَقِّ الْوَرَثَةِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُوصِي أَنْ يَحْكُمَ فِي مَالِهِمْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ. صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرِهِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إنَّكُمْ مِنْ أَحْرَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَدَعُ عَصَبَةً وَلَا رَحِمًا فَلَا يَمْنَعُهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ مَوْلَى عَتَاقَةٍ: أَنَّهُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ يَشَاءُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ

стр. 3567

قَالَ: إذَا مَاتَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِأَحَدٍ وَلَا عَصَبَةَ يَرِثُونَ فَإِنَّهُ يُوصِي بِمَالِهِ كُلِّهِ حَيْثُ شَاءَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةَ الرِّيَاحِيَّ أَعْتَقَتْهُ مَوْلَاتُه سَائِبَةً، فَلَمَّا اُحْتُضِرَ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لِغَيْرِهَا، فَخَاصَمَتْ فِي ذَلِكَ؟ فَقُضِيَ لَهَا بِالْمِيرَاثِ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَشَرِيكٍ الْقَاضِي، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ - كَانَ لَهُ وَارِثٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ الْمُجِيزُونَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ إنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . قَالُوا: فَإِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِلَّةَ فِي أَنْ لَا يُتَجَاوَزَ الثُّلُثُ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ يُغْنِيَ الْوَرَثَةَ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْعِلَّةُ فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَا شَاءَ؟ وَقَالُوا: هُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ؟ وَقَالُوا: فَلَمَّا كَانَ مَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ رَبٌّ، فَإِذْ هُوَ هَكَذَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ لِأَحَدٍ حَقٌّ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَضَعَهُ حَيْثُ شَاءَ؟ وَقَالُوا: كَمَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَيْثُ شَاءَ فَكَذَلِكَ لِصَاحِبِهِ؟ مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا يَشْغَبُونَ بِهِ غَيْرَ هَذَا وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي أَنْ لَا يُتَجَاوَزَ الثُّلُثُ غِنَى الْوَرَثَةِ فَبَاطِلٌ مِنْ قَوْلِهِمْ؟ مَا قَالَ ﵊ قَطُّ إنَّ أَمْرِي بِأَنْ لَا يُتَجَاوَزَ الثُّلُثُ فِي الْوَصِيَّةِ؟ إنَّمَا هُوَ لِغِنَى الْوَرَثَةِ؟ إنَّمَا قَالَ ﵊: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ؟ فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، وَحُكْمُ فَصْلٍ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِمَا بَعْدَهُ ثُمَّ ابْتَدَأَ ﵊ قَضِيَّةً أُخْرَى مُبْتَدَأَةً قَائِمَةً بِنَفْسِهَا، غَيْرَ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَا قَبْلَهَا، فَقَالَ «إنَّكَ إنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» . بُرْهَانُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ -: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُنْسَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ عَلَّلَ عِلَّةً فَاسِدَةً مُنْكَرَةً حَاشَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 3568

وَنَحْنُ نَجِدُ مَنْ لَهُ عَشَرَةٌ مِنْ الْوَرَثَةِ فُقَرَاءُ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا فَإِنَّ لَهُ بِإِقْرَارِهِمْ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِهِ، وَلَا يَتْرُكُ لَهُمْ مَا يُغْنِيهِمْ مِنْ جُوعٍ غَدَاءً وَاحِدًا، وَلَا عَشَاءً وَاحِدًا. وَنَحْنُ نَجِدُ مَنْ لَا يَتْرُكُ وَارِثًا إلَّا وَاحِدًا غَنِيًّا مُوسِرًا مُكْثِرًا وَلَا يُخَلِّفُ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَنَا أَنْ يُوصِيَ إلَّا بِثُلُثِهِ، وَلَيْسَ لَهُ غِنًى فِيمَا يَدَعُ لَهُ؟ وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرُوا لَكَانَ مَنْ تَرَكَ ابْنًا وَاحِدًا، وَتَرَكَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيمَا يَبْقَى غِنَى الْأَبَدِ، فَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ غِنَى الْوَرَثَةِ لَرُوعِيَ مَا يُغْنِيهِمْ عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ - وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ. فَصَحَّ أَنَّ الَّذِي قَالُوا بَاطِلٌ، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ تَحْدِيدُ الثُّلُثِ فَمَا دُونَهُ فَقَطْ - قَلَّ الْمَالُ أَوْ كَثُرَ، كَانَ فِيهِ لِلْوَرَثَةِ غِنًى أَوْ لَمْ يَكُنْ -. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ؛ فَلَعَلَّهُمْ يَقْرَعُونَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِهَا، وَيُورِدُونَهَا عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ وَيَتَقَاذَفُونَ لَهَا أَبَدًا. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَرَى حُجَّةً إلَّا فِي نَصِّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّمَا يَأْخُذُ الْمُسْلِمُونَ مَالَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا رَبَّ لَهُ، فَإِذْ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِمَوْتِهِ أَحَدٌ فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ؛ فَمَا زَادُونَا عَلَى تَكْرَارِ قَوْلِهِمْ، وَأَنْ جَعَلُوا دَعْوَاهُمْ حُجَّةً لِدَعْوَاهُمْ، وَفِي هَذَا نَازَعْنَاهُمْ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، لَكِنْ نَحْنُ وَأَمْوَالُنَا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَفْسِهِ، وَلَا فِي مَالٍ إلَّا بِمَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ مَالِكُهُ، وَمَالُك مَالِهِ فَقَطْ. وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ أَيْدِيَنَا عَلَى أَمْوَالِنَا فِيمَا شَاءَ لَمَا جَازَ لَنَا فِيهَا حُكْمٌ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَنَا فِيهَا حُكْمٌ، حَيْثُ لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا التَّصَرُّفَ فِيهَا. وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لَنَا فِي الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمَا جَازَ لَنَا أَنْ نُوصِيَ بِشَيْءٍ، فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ فَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا وَلَمْ يُبِحْ أَكْثَرَ فَهُوَ غَيْرُ مُبَاحٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ كَمَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَهُ حَيْثُ يَشَاءُ فَصَاحِبُهُ أَوْلَى؟ فَكَلَامٌ بَارِدٌ، وَقِيَاسٌ

стр. 3569

فَاسِدٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ فِيمَنْ تَرَكَ زَوْجَةً وَلَمْ يَتْرُكْ ذَا رَحِمٍ وَلَا مَوْلًى وَلَا عَاصِبًا: أَنَّ الرُّبْعَ لِلزَّوْجَةِ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعِ يَضَعُهَا الْإِمَامُ حَيْثُ يَشَاءُ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ. فَهَلَّا قَاسُوا هَاهُنَا كَمَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَ الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعِ حَيْثُ يَشَاءُ، فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمَالِ - وَلَكِنَّ هَذَا مِقْدَارُ قِيَاسِهِمْ فَتَأَمَّلُوهُ. وَأَمَّا إذَا أَذِنَ الْوَرَثَةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؛ فَإِنَّ عَطَاءً، وَالْحَسَنَ، وَالزُّهْرِيَّ، وَرَبِيعَةَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَعْلَى، وَمُحَمَّدَ بْنَ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالُوا: إذَا أَذِنَ الْوَرَثَةُ فَلَا رُجُوعَ لَهُمْ، وَلَمْ يَخُصُّوا إذْنًا فِي صِحَّةِ مَنْ أَذِنَ فِي مَرَضٍ. وَقَالَ شُرَيْحٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إذَا أَذِنُوا لَهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ فِي صِحَّتِهِ: بِأَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ، وَلَهُمْ الرُّجُوعُ إذَا مَاتَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَصْلًا كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ - هُوَ أَبُو عُمَيْسٍ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ - عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْمَرَ وَرَثَتَهُ فِي أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؟ فَأَذِنُوا لَهُ، فَلَمَّا مَاتَ رَجَعُوا، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ؛ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّكِرَةُ لَا يَجُوزُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الضِّرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ الْكَبَائِرِ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا «أَنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإِذَا أَوْصَى جَارَ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ - وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ» - ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠]

стр. 3570

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: يَرُدُّ عَنْ حَيْفِ النَّاحِلِ الْحَيُّ مَا يَرُدُّ مِنْ حَيْفِ النَّاحِلِ فِي وَصِيَّتِهِ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ أَبْطَلُوا مَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يُجِيزُوهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا رِضَا الْوَرَثَةِ - وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي صِحَّتِهِ فَأَذِنُوا لَهُ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ إذَا مَاتَ، وَإِنْ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَأَذِنُوا لَهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا فِي عِيَالِهِ وَنَفَقَتِهِ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ: فَلَا نَعْلَمُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا - وَلَا يَخْلُو الْمَالُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِمَالِكِهِ فِي صِحَّتِهِ وَفِي مَرَضِهِ، أَوْ يَكُونَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ لِوَرَثَتِهِ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَالُ لِصَاحِبِهِ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ فَلَا إذْنَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ - وَمِنْ الْمُحَالِ الْبَاطِلِ جَوَازُ إذْنِهِمْ فِيمَا لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ، وَفِيمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، حَتَّى لَوْ سَرَقُوا مِنْهُ دِينَارًا لَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَهُ مِنْهُمْ - وَقَدْ يَمُوتُ أَحَدُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَرِيضِ فَيَرِثُهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ: إنَّ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ بِيَقِينٍ. وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ إذْنَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّه : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَهَذَا عَقْدٌ قَدْ الْتَزَمُوهُ فَعَلَيْهِمْ الْوَفَاءُ بِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ مَنْ أَجَازَ الْعِتْقَ قَبْلَ الْمِلْكِ، وَالطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ: أَنْ يَقُولَ بِإِلْزَامِهِمْ هَذَا الْإِذْنَ، وَلَكِنَّهُمْ تَنَاقَضُوا فِي ذَلِكَ. قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: كُلُّ عَقْدٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ بِالْأَمْرِ بِهِ أَوْ بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا نَصًّا أَوْ أَبَاحَهَا نَصًّا. وَأَمَّا مَنْ عَقَدَ مَعْصِيَةً فَمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ فِي الْوَفَاءِ بِهَا، بَلْ حَرَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَنْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَزْنِيَ، أَوْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ - وَالزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ مَعْصِيَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَالْعَقْدُ فِي الْإِذْنِ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ.

стр. 3571

وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ حِينَئِذٍ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، فَحُكْمُ الْمُوصِي فِيمَا اسْتَحَقُّوهُ بِالْمِيرَاثِ بَاطِلٌ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَيْسَ لَهُمْ إجَازَةُ الْبَاطِلِ، لَكِنْ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يُنَفِّذُوا ذَلِكَ مِنْ مَالِهِمْ بِاخْتِيَارِهِمْ فَلَهُمْ ذَلِكَ وَلَهُمْ حِينَئِذٍ أَنْ يَجْعَلُوا الْأَجْرَ لِمَنْ شَاءُوا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ ثَلَاثَةً مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ. [مَسْأَلَةٌ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ مَالٌ] ١٧٥٦ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَجُزْ مِنْ وَصِيَّتِهِ إلَّا مِقْدَارُ ثُلُثِ مَا كَانَ لَهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَهُ عَقْدًا حَرَامًا لَا يَحِلُّ كَمَا ذَكَرْنَا وَمَا كَانَ بَاطِلًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِحَّ فِي ثَانٍ، إذْ لَمْ يُعْقَدْ وَلَا مُحَالَ أَكْثَرُ مِنْ عَقْدٍ لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ إذْ عُقِدَ، ثُمَّ يَصِحُّ حُكْمُهُ إذْ لَمْ يُعْقَدْ. فَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فَأَقَلَّ، ثُمَّ نَقَصَ مَالُهُ حَتَّى لَمْ يَحْتَمِلْ وَصِيَّتَهُ، ثُمَّ زَادَ لَمْ يُنَفَّذْ مِنْ وَصِيَّتِهِ إلَّا مِقْدَارُ ثُلُثِ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بِمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالُهُ قَدْ بَطَلَتْ، وَمَا بَطَلَ فَلَا سَبِيلَ إلَى عَوْدَتِهِ دُونَ أَنْ تَبْتَدِئَ إعَادَتُهُ بِعَقْدٍ آخَرَ، إذْ قَدْ بَطَلَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ. فَلَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عَامِدًا وَلَهُ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يُنَفَّذْ إلَّا فِي مِقْدَارِ ثُلُثِ مَا عَلِمَ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ عَقْدَ مَعْصِيَةٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ. فَلَوْ قَالَ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا: إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مَالًا فَإِنِّي أُوصِي مِنْهُ بِكَذَا، أَوْ قَالَ أُوصِي إذَا مَاتَ أَنْ يُخْرَجَ عَنْهُ ثُلُثُ مَا يَتَخَلَّفُ، أَوْ جُزْءًا مُشَاعًا أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ - أَوْ قَالَ: فَيَخْرُجُ مِمَّا يَتَخَلَّفُ كَذَا وَكَذَا: فَهَذَا جَائِزٌ وَتُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ مِنْ كُلِّ مَا كَسَبَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَبَعْدَ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ، بِأَيِّ وَجْهٍ كَسَبَهُ، أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ صَحِيحٍ مَلَكَهُ، بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ، عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَقْدًا صَحِيحًا فِيمَا يَتَخَلَّفُهُ، وَلَمْ يَخُصَّ بِوَصِيَّتِهِ مَا يَمْلِكُ حِينَ الْوَصِيَّةِ، وَقَدْ عَقَدَ وَصِيَّتَهُ عَقْدًا صَحِيحًا لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ ، فَهِيَ وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا. فَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ - وَمَالُهُ يَحْتَمِلُهُ - وَلَهُ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، ثُمَّ نَقَصَ مَالُهُ الَّذِي عَلِمَ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، فَوَصِيَّتُهُ نَافِذَةٌ فِيمَا عَلِمَ وَفِيمَا لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَهَا عَقْدًا صَحِيحًا تَامًّا

стр. 3572

مِنْ حِينِ عَقَدَهُ إلَى حِينِ مَاتَ، وَلَا تَدْخُلُ دِيَتُهُ إنْ قُتِلَ خَطَأً فِيمَا تُنَفَّذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ لَهُ قَطُّ، وَلَا مَلَكَهَا قَطُّ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِوَرَثَتِهِ فَقَطْ - وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَزِيَادٍ الْأَعْلَمِ، قَالَ الْحَجَّاجُ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ زِيَادٌ الْأَعْلَمُ: عَنْ الْحَسَنِ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَلِيٌّ، وَالْحَسَنُ فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ قُتِلَ خَطَأً: أَنَّهُ يَدْخُلُ ثُلُثُ دِيَتِهِ فِي ثُلُثِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَفَادَ مَالًا وَلَمْ يَكُنْ شَعَرَ بِهِ: دَخَلَ ثُلُثُهُ فِي وَصِيَّتِهِ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، حَاشَ الدِّيَةِ فَلَا تَدْخُلُ وَصِيَّتُهُ فِيهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تَدْخُلُ وَصِيَّتُهُ إلَّا فِيمَا عَلِمَ مِنْ مَالِهِ، لَا فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ كَذَلِكَ، إلَّا فِيمَا رَجَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهُ، كَرِبْحِ مَالٍ يَنْتَظِرُهُ، أَوْ غَلَّةٍ لَا يَدْرِي مَبْلَغَهَا، فَإِنَّ وَصَايَاهُ تَدْخُلُ فِيهَا - وَمَا نَعْلَمُ هَذَا التَّقْسِيمَ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً أَصْلًا وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا: - قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فَأَوْجَبَ الْمِيرَاثَ فِي كُلِّ مَا عَلِمَ بِهِ مِنْ مَالِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَأَوْجَبَ الْوَصِيَّةَ وَالدَّيْنَ مُقَدَّمَيْنِ كَذَلِكَ عَلَى الْمَوَارِيثِ، فَالْمُفَرَّقُ بَيْنَ ذَلِكَ مُبْطِلٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ مَا قَصَدَ بِهِ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَطْ، وَمَا نَعْلَمُ لِمُخَالِفِينَا حُجَّةً أَصْلًا - وَقَدْ خَالَفُوا فِي ذَلِكَ صَاحِبًا لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ فِيهَا الْحَجَّاجَ، وَالْحَارِثَ؟ قُلْنَا: وَالرِّوَايَةُ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَلَا تَصِحُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ - وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ - وَلَا تَصِحُّ عَنْ مَكْحُولٍ؛ لِأَنَّهَا عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَلَا عَنْ رَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهَا عَمَّنْ لَمْ يُسَمَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 3573

[مَسْأَلَة الْوَصِيَّة لميت] مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِمَيِّتٍ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَمَنْ أَوْصَى لِحَيٍّ ثُمَّ مَاتَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ. فَإِنْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَلِمَيِّتٍ جَازَ نِصْفُهَا لِلْحَيِّ وَبَطَلَ نِصْفُ الْمَيِّتِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِحَيَّيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا جَازَ لِلْحَيِّ فِي النِّصْفِ وَبَطَلَتْ حِصَّةُ الْمَيِّتِ - وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ عَلِمَ الْمُوصِي بِأَنَّ الَّذِي أَوْصَى لَهُ مَيِّتٌ فَهُوَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ فَهُوَ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي. قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا تَقْسِيمٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ -: فَإِنْ قِيلَ: إذَا أَوْصَى لَهُ وَهُوَ مَيِّتٌ فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِوَرَثَتِهِ؟ قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَلَوْ أَرَادَ الْوَصِيَّةَ لِوَرَثَتِهِ لَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، فَتَقْوِيلُهُ مَا لَمْ يَقُلْ حُكْمٌ بِالظَّنِّ، وَالْحُكْمُ بِالظَّنِّ لَا يَحِلُّ. [مَسْأَلَة الْوَصِيَّة لِلذِّمِّيِّ] ١٧٥٨ - مَسْأَلَةٌ: وَالْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ جَائِزَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» . [مَسْأَلَة الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يُنَفَّذُ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهَا] ١٧٥٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يُنَفَّذُ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهَا، أَوْ فِيمَا أَوْصَى بِهِ سَاعَةَ مَوْتِ الْمُوصِي -: مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِنَفَقَةٍ عَلَى إنْسَانٍ مُدَّةً مُسَمَّاةً، أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ بَعْدَ أَنْ يَخْدُمَ فُلَانًا مُدَّةً مُسَمَّاةً قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، أَوْ يَحْمِلُ بُسْتَانَه فِي الْمُسْتَأْنَفِ، أَوْ بَغْلَةَ دَارِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يُنَفَّذُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ أَوْصَى لِآخَرَ بِغَنَمٍ حَيَاتَهُ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَيَكُونُ لِلْمُوصِي لَهُ مِنْ الْغَنَمِ أَلْبَانُهَا وَأَصْوَافُهَا وَأَوْلَادُهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهَا وَيَقُومُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا إلَّا بِقَدْرِ مَا كَانَ رَبُّهَا يَأْكُلُ مِنْ عُرُوضِهَا، وَكَذَلِكَ يُصِيبُ مِنْ أَوْلَادِهَا مَا يُصِيبُ مِنْ أُمَّهَاتِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا قَوْلٌ ظَاهِرُ الْخَطَأِ، أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنْ جَعَلَ لَهُ أَصْوَافَهَا وَأَلْبَانَهَا وَأَوْلَادَهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ عَلَيْهَا فَهَذِهِ إجَارَةٌ إذًا، وَالْإِجَارَةُ بِمَجْهُولٍ عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ

стр. 3574

بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَشَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ - ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَعْيَانِ الْغَنَمِ إلَّا مَا كَانَ يَأْكُلُ الْمُوصِي مِنْهَا، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا الْكَثِيرَ فِي الْعَامِ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا شَيْئًا وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا قَلِيلًا - فَهَذَا أَيْضًا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَقَدْ كَانَ لِلْمُوصِي أَنْ يَبِيعَهَا؛ وَيَهَبَهَا، وَيَبِيعَ مِنْهَا، فَهَلَّا جَعَلَ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا، وَأَنْ يَهَبَ كَمَا كَانَ لِلْمُوصِي، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ بِالْأَكْلِ وَبَيْنَ الِاسْتِهْلَاكِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَيَكْفِي مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُوصَى لَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَلَكَ الْغَنَمَ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، أَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ -: فَإِنْ كَانَ مَلَكَهَا فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا كُلَّهَا أَوْ مَا شَاءَ مِنْهَا وَأَنْ يَهَبَهَا كَذَلِكَ، وَأَنْ يَأْكُلَهَا كَذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمْلِكْهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا مِنْ أَصْوَافِهَا وَلَا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَوْلَادِهَا؛ لِأَنَّهَا مَالُ غَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . وَلَا شَكَّ - بِنَصِّ الْقُرْآنِ - فِي أَنَّ مَا يُخَلِّفُهُ الْمَيِّتُ مِمَّا لَمْ يُوصَى بِهِ قَطْعًا فَهُوَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ، وَإِذْ هُوَ مِلْكُهُمْ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُوصِي حُكْمٌ فِي مَالِ الْوَرَثَةِ -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ فِيمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنَفَقَتِهِ حَتَّى يَمُوتَ: أَنَّهُ يُوقَفُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّفَقَةِ نِصْفُ الثُّلُثِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعِيشُ إلَّا يَوْمًا أَوْ أَقَلَّ، وَقَدْ يَعِيشُ عَشْرَاتِ أَعْوَامٍ - فَهَذَا مَجْهُولٌ، فَهُوَ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ بِمَاذَا أَوْصَى لَهُ. وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ؟ فَلَمْ يُوصِ لَهُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُكَاتَبَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنَّ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ وَصِيَّةٌ لَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمُكَاتَبَةِ جُمْلَةً بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ خَارِجٌ بِمَوْتِ

стр. 3575

الْمُوصِي إلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ فَوَصِيَّتُهُ بِمُكَاتَبَةِ عَبْدِ الْوَرَثَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْوَرَثَةِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ فِيمَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ وَعَبْدٌ فَأَوْصَى بِأَنْ يَخْدُمَ ذَلِكَ الْعَبْدُ وَاحِدًا مِنْ أَوْلَادِهِ - سَمَّاهُ وَعَيَّنَهُ - سَنَةً ثُمَّ الْعَبْدُ حُرٌّ: فَإِنَّهُ يَخْدُمُ أَوْلَادَهُ كُلَّهُمْ سَنَةً ثُمَّ هُوَ حُرٌّ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِغَيْرِ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي، فَلَا هُوَ أَنْفَذَ وَصِيَّتَهُ وَلَا هُوَ أَبْطَلَهَا، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً، فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَقَدْ أَبْطَلَ الصَّحِيحَ، وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَقَدْ أَجَازَ الْفَاسِدَ. فَإِنْ قَالَ: جَمَعَتْ فَسَادًا وَصِحَّةً فَأَجَزْت الصَّحِيحَ وَأَبْطَلْت الْفَاسِدَ؟ قُلْنَا لَهُ: بَلْ أَجَزْت الْفَاسِدَ - وَهُوَ عِتْقُهُ مِلْكَ بَنِيهِ وَعَبْدَهُمْ - وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِكُلِّ مَا ذَكَرْنَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ - وَقَالَ فِيمَنْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِثُلُثِهِ، وَلِآخَرَ بِالنَّفَقَةِ مَا عَاشَ: أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَالَ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي إلَى غَيْرِ مَا أَوْصَى بِهِ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَا نَصَّ بِمَا قَالَ اللَّيْثُ. وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِيمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنَفَقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلَّ شَهْرٍ، وَلِعَمْرٍو بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ شَهْرٍ فَإِنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ، وَيُضْرَبُ بِمِائَةٍ لِلْمُوصَى لَهُ بِمِائَةٍ، وَيُضْرَبُ بِعَشَرَةٍ لِلْمُوصَى لَهُ بِعَشَرَةٍ فَيُعْطَى حِصَّتَهُ، وَيُعْطَى الْبَاقِيَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِالْمِائَةِ، فَإِذَا كَانَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي ضَرَبَ الْمُوصَى لَهُ بِعَشَرَةٍ بِعِشْرِينَ، وَضَرَبَ صَاحِبُ الْمِائَةِ بِمِائَةٍ، وَحَسَبَ صَاحِبُ الْعَشَرَةِ بِعَشَرَةٍ، وَحُسِبَ لَهُ مَا أَخَذَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كُلَّ شَهْرٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَلَامٌ لَا يُعْقَلُ وَلَا يُدْرَى مُنْبَعِثُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ فُلَانًا سَنَةً ثُمَّ يُعْتَقُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ: فَإِنَّهُ يَخْدُمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَالْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ، فَإِذَا مَضَتْ لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ هَكَذَا أُعْتِقَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: نَرَى أَنَّهُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ.
следующие страницы →