Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.
стр. 3851
وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فِيمَا تَنَاقَضُوا فِيهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَأَخَذُوا بِرِوَايَةِ الصَّاحِبِ وَخَالَفُوا رَأْيَهُ الَّذِي خَالَفَ بِهِ مَا رَوَى.
وَاَلَّذِي نَعْرِفُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ، وَجَرِيرٌ كِلَاهُمَا عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: " إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ " قَالَ إبْرَاهِيمُ: وَكَانَ أَعْجَبُ ذَلِكَ إلَى أَصْحَابِنَا أَنْ يَجْعَلُوا عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَإِنَّمَا كَرِهَ ابْنُ عُمَرَ زَوَاجَ الْمَرْءِ مَنْ أَعْتَقَهَا لِلَّهِ فَقَطْ -.
فَبَطَلَ كَيْدُهُمْ الضَّعِيفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَتَبَ بِهِ إلَى دَاوُد بْنِ بَابْشَاذَ قَالَ: نَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ ثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا.
ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ رَوَى هَذَا ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا ذَكَرْنَا.
ثُمَّ قَالَ: هُوَ مِنْ بَعْدِهِ ﵊ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّهُ يُجَدِّدُ لَهَا صَدَاقًا -: نا بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ نا الْخَصِيبُ - هُوَ ابْنُ نَاصِحٍ - حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا نَصُّ كَلَامِ الطَّحَاوِيَّ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ عُمَرَ كَيْفَ كَانَ، وَلَعَلَّهُ لَوْ أَوْرَدَهُ لَكَانَ خِلَافًا لِظَنِّ الطَّحَاوِيَّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِمَّا رَوَاهُ أَصْحَابُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ الثِّقَاتُ عَنْهُ، وَالْخَصِيبُ لَا يُدْرِي حَالُهُ وَلَيْسَ بِالْمَشْهُورِ فِي أَصْحَابِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، فَهُوَ أَمْرٌ ضَعِيفٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
وَالْخَبَرُ الْأَوَّلُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لَا مِنْ جُوَيْرِيَةَ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ بْنِ كَاسِبٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَذَكَرُوا أَيْضًا: الْخَبَرَ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ جُوَيْرِيَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّهَا
стр. 3852
وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَوْ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، وَإِنَّهَا كَاتَبَتْهُ وَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، وَإِنَّهُ ﵊ قَالَ لَهَا: أَوْ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، أَقْضِي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ»
قَالُوا: وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُؤَدِّيَ كِتَابَةَ مُكَاتَبَةٍ لِغَيْرِهِ وَيَتَزَوَّجَهَا بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، إنَّمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقَيْنِ ضَعِيفَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ. وَالْآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ أَسَدِ بْنِ مُوسَى، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ لَا يَخْلُو أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ وَهَبَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ عَرَفَ رَغْبَتَهُ ﵊ فِيهَا، وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْ كِتَابَتِهَا بَعْدُ شَيْئًا، فَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِثَابِتٍ أَوْ بِصَاحِبٍ غَيْرِ هَذَا أَصْلًا.
وَأَيْضًا - فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَتَمَادَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا حَتَّى عَتَقَتْ بِأَدَائِهَا أَوْ بِأَدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهَا عَنْهَا لَكَانَتْ مَوْلَاةَ ثَابِتٍ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَطْعًا، وَلَا اخْتَلَفَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْلَاةَ ثَابِتٍ أَصْلًا
فَوَضَحَ سُقُوطُ مَا رَوَاهُ أَسَدٌ، وَزِيَادٌ، وَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْمُلَفَّقَاتِ الَّتِي لَا تُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا.
وَمَوَّهُوا أَيْضًا: بِمَا حَدَّثَنَا حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ نا أَبُو حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا امْرِئٍ أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ جَدِيدٍ فَلَهُ أَجْرَانِ» .
стр. 3853
فَهَذَا لَفْظُ سُوءٍ انْفَرَدَ بِهِ يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا - عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالْخَبَرُ مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ لَيْسَ فِيهِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ أَصْلًا.
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ أَصْلًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا إلَّا بِمَهْرٍ جَدِيدٍ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا مَهْرًا آخَرَ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ - وَهَذَا الْخَبَرُ رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ -: مِنْهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ اثْنَانِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا مُطَرِّفٌ - هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ - عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ فِي الَّذِي يُعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا فَلَهُ أَجْرَانِ» لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَهْرٌ جَدِيدٌ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ إلَى مُسْلِمٍ قَالَ: نا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى نا هُشَيْمٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا مِنْ خُرَاسَانَ يَسْأَلُ الشَّعْبِيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو إنَّ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا: فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ؟ فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ - هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ - هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﵌ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَ بِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ» ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا الْخَبَرَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ مُسْلِمٌ: وَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانُ، وَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: نا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
стр. 3854
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، إنَّمَا هُوَ أَبَاطِيلُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا مِنْ السَّلَفِ طَائِفَةٌ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا؟ قَالَ: " لَهُ أَجْرَانِ " وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ.
وَمِنْ طَرِيق سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا يَحْيَى بْنُ الْأَنْصَارِيِّ، وَالْمُغِيرَةُ وَيُونُسُ - هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - وَجَابِرٌ، قَالَ يَحْيَى: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ يُونُسُ: عَنْ الْحَسَنِ، وَقَالَ جَابِرٌ: عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالُوا كُلُّهُمْ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، قَالَ هُشَيْمٌ: وَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ " إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَمَتِهِ قَدْ أَعْتَقْتُك وَتَزَوَّجْتُك فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَعْتَقْتُك وَأَتَزَوَّجُك فَأَعْتَقَهَا: إنْ شَاءَتْ تَزَوَّجَتْهُ، وَإِنْ شَاءَتْ لَمْ تَتَزَوَّجْهُ ".
وَكَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُ غَيْرَ هَذَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُعْتِقَ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ قَالَ يَحْيَى: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: عَنْ أَبِيهِ، قَالَا جَمِيعًا: لَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، قَالَ طَاوُسٍ: ذَلِكَ حَسَنٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَيَتَزَوَّجُهَا وَيَجْعَلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.
وَبِهِ إلَى مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَجَعَلَ عِتْقَهَا مَهْرَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا -
стр. 3855
وَابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: إنْ طَلَّقَهَا سَعَتْ لَهُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَؤُلَاءِ: عَلِيٌّ، وَأَنَسٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمُ، وَمَنْ لَقِيَهُ إبْرَاهِيمُ مِنْ شُيُوخِهِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي - خَالَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَهُ وَوَفَّقَ - وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَمَا نَعْلَمْ لِلْمُخَالِفِينَ، سَلَفًا إلَّا تِلْكَ الرِّوَايَةُ السَّاقِطَةُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا كَيْفَ كَانَ لَفْظُهُ؟ وَلَا كَيْفَ كَانَ لَفْظُ نَافِعٍ الَّذِي ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَشَيْئًا رُبَّمَا ذَكَرُوهُ -:
رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: نا هُشَيْمٌ نا يُونُسُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَجْعَلَ مَعَ عِتْقِهَا شَيْئًا مَا كَانَ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا هَذَا اسْتِحْبَابٌ مِنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِلَّا فَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ أَنْ يَجْعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الَّذِي فَرَضَ لَهَا هُوَ عِتْقُهَا - وَهُوَ شَيْءٌ قَدْ تَمَّ فَلَا يُسْتَدْرَكُ - وَتَكْلِيفُ الْغَرَامَةِ هُوَ إيجَابُ غَيْرِ نِصْفِ مَا فَرَضَ لَهَا فَلَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ تَتَزَوَّجْهُ فَإِنْ عَتَقَ لَمْ يَتِمَّ؛ إنَّمَا هُوَ عِتْقٌ بِشَرْطِ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ فَيَكُونُ صَدَاقُهَا، فَإِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْهُ فَلَا صَدَاقَ لِنِكَاحٍ لَمْ يَتِمَّ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَتْهُ فَقَدْ تَمَّ النِّكَاحُ، وَصَحَّ الْعِتْقُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا تُجْبَرَ الْمَرْأَةُ عَلَى أَنْ تَتَجَهَّزَ لِلزَّوْجِ بِشَيْءٍ]
١٨٥٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْبَرَ الْمَرْأَةُ عَلَى أَنْ تَتَجَهَّزَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا، لَا مِنْ صَدَاقِهَا الَّذِي أَصْدَقَهَا، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ مَالِهَا، وَالصَّدَاقُ كُلُّهُ لَهَا تَفْعَلُ فِيهِ كُلِّهِ مَا شَاءَتْ، لَا إذْنَ لِلزَّوْجِ فِي ذَلِكَ، وَلَا اعْتِرَاضَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَصْدَقَهَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أُجْبِرَتْ عَلَى أَنْ تَبْتَاعَ بِكُلِّ ذَلِكَ شُورَةً مِنْ ثِيَابٍ وَوِطَاءٍ وَحُلِيٍّ تَتَجَمَّلُ بِهِ لَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ تَقْضِيَ مِنْهَا دَيْنًا عَلَيْهَا إلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ
стр. 3856
فَأَقَلَّ، فَإِنْ أَصْدَقَهَا نِقَارَ ذَهَبٍ أَوْ نِقَارَ فِضَّةٍ فَهُوَ لَهَا، وَلَا تُجْبَرُ عَلَى أَنْ تَبْتَاعَ بِهَا شُورَةً أَصْلًا.
فَإِنْ أَصْدَقَهَا حُلِيًّا أُجْبِرَتْ أَنْ تَتَحَلَّى بِهِ لَهُ، فَإِنْ أَصْدَقَهَا ثِيَابًا وَوِطَاءً أُجْبِرَتْ عَلَى أَنْ تَلْبَسَهَا بِحَضْرَتِهِ، وَلَمْ تَجِبْ لَهَا عَلَيْهِ كِسْوَةٌ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ تَخْلَقُ فِيهَا تِلْكَ الثِّيَابُ.
فَإِنْ أَصْدَقَهَا خَادِمًا أُنْثَى أُجْبِرَتْ عَلَى أَنْ تَخْدُمَهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا بَيْعُهَا.
وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَلَهَا أَنْ تَفْعَلَ فِيهِ مَا شَاءَتْ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. فَلَوْ أَصْدَقَهَا دَابَّةً، أَوْ مَاشِيَةً، أَوْ ضَيْعَةً، أَوْ دَارًا، أَوْ طَعَامًا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ فِي كُلِّ ذَلِكَ رَأْيٌ، وَهُوَ لَهَا تَفْعَلُ فِيهِ مَا شَاءَتْ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهَا إنْ شَاءَتْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا يَكْفِي مِنْ فَسَادِهِ عَظِيمُ تَنَاقُضِهِ، وَفَرَّقَهُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ مِنْ ذَلِكَ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَهُ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ.
وَأَطْرَفُ شَيْءٍ إبَاحَتُهُ لَهَا قَضَاءَ الثَّلَاثَةِ دَنَانِيرَ وَالدِّينَارَيْنِ فِي دَيْنِهَا فَقَطْ، لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَيْتَ شِعْرِي إنْ كَانَ صَدَاقُهَا أَلْفَيْ دِينَارٍ، أَوْ كَانَ صَدَاقُهَا دِينَارًا وَاحِدًا كَيْفَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ إنَّ هَذَا الْعَجَبُ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]
فَافْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُعْطُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً، وَلَمْ يُبِحْ لِلرِّجَالِ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ النِّسَاءِ، فَأَيُّ بَيَانٍ بَعْدَ هَذَا نَرْغَبُ؟ أَمْ كَيْفَ تَطِيبُ نَفْسُ مُسْلِمٍ عَلَى مُخَالَفَةِ هَذَا الْكَلَامِ لِرَأْيٍ فَاسِدٍ مُتَخَاذِلٍ مُتَنَافِرٍ لَا يُعْرَفُ لِقَائِلِهِ فِيهِ سَلَفٌ.
وَوَجَدْنَا اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لِلْمَرْأَةِ حُقُوقًا فِي مَالِ زَوْجِهَا - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - وَهِيَ الصَّدَاقُ، وَالنَّفَقَةُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْإِسْكَانُ، مَا دَامَتْ فِي عِصْمَتِهِ وَالْمُتْعَةُ إنْ طَلَّقَهَا - وَلَمْ يَجْعَلْ لِلزَّوْجِ فِي مَالِهَا حَقًّا أَصْلًا، لَا مَا قَلَّ وَلَا مَا كَثُرَ.
стр. 3857
وَلَا شَيْءَ أَطْرَفُ مِنْ إسْقَاطِهِمْ عَنْ الزَّوْجِ الْكِسْوَةَ مَا دَامَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَكْتَسِيَ مِنْ صَدَاقِهَا وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ النَّفَقَةُ مَا دَامَ يُمْكِنُهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ صَدَاقِهَا؟ فَهَلْ سُمِعَ بِأَسْقَطَ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ الْفَاسِدِ؟ وَشَغَبَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] ؟ فَقُلْنَا: صَدَقَ اللَّهُ ، وَلَا يَحِلُّ تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، فَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.
وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرٌ لِقِيَامِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا، وَلَا لِلْحُكْمِ بِرَأْيِهِ، وَلَا لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ.
وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ قَائِمٌ عَلَيْهَا يُسْكِنُهَا حَيْثُ يَسْكُنُ وَيَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ، وَيُرَحِّلُهَا حَيْثُ يَرْحَلُ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ فِي الْآيَةِ لِمَا ادَّعَيْتُمْ لَكُنْتُمْ أَوَّلَ مُخَالِفِينَ لَهَا، لِأَنَّكُمْ خَصَّصْتُمْ بَعْضَ الصَّدَقَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَدُونَ سَائِرِ مَالِهَا، كُلُّ ذَلِكَ تَحَكُّمٌ بِالْبَاطِلِ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَشَغَبُوا أَيْضًا بِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِحُسْنِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا - فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» .
وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا لَا نَظِيرَ لَهُ -: أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أَنْ تُنْكَحَ لِمَالِهَا، وَلَا نَدَبَ إلَى ذَلِكَ، وَلَا صَوَّبَهُ، بَلْ إنَّمَا أَوْرَدَ ذَلِكَ إخْبَارًا عَنْ فِعْلِ النَّاسِ فَقَطْ، وَهَذِهِ أَفْعَالُ الطَّمَّاعِينَ الْمَذْمُومِ فِعْلُهُمْ فِي ذَلِكَ بَلْ فِي الْخَبَرِ نَفْسِهِ الْإِنْكَارُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﵊: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ» فَلَمْ يَأْمُرْ بِأَنْ تُنْكَحَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا لِلدِّينِ خَاصَّةً، لَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ لِمَالِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لَهَا الصَّدَاقَ عَلَيْهِ وَالنَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ.
стр. 3858
وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيَانُ النَّهْيِ عَنْ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا -: كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نَا ابْنُ مُفَرِّجٍ الْقَاضِي نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيِّ نا الْبَزَّارُ نا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَنْكِحُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَلَعَلَّ حُسْنَهُنَّ يُرْدِيهِنَّ، وَلَا تَنْكِحُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَلَعَلَّ أَمْوَالَهُنَّ يُطْغِيهِنَّ، وَأَنْكِحُوهُنَّ لِلدِّينِ، وَلَأَمَةٌ سَوْدَاءُ خَرْمَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ» .
ثُمَّ إنَّهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفِينَ لِمَا مَوَّهُوا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِمَالِهَا - لَوْ أُبِيحَ ذَلِكَ أَوْ نُدِبَ إلَيْهِ - شَيْءٌ مِمَّا أَتَوْا بِهِ مِنْ التَّخْلِيطِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ صَدَاقِ فِضَّةٍ مَضْرُوبَةٍ، وَذَهَبٍ مَضْرُوبٍ، وَبَيْنَ سَبَائِكِ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ غَيْرِ مَضْرُوبَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ إصْدَاقِ ثِيَابٍ، وَوِطَاءٍ، وَجَوْهَرٍ، وَخَادِمٍ، وَبَيْنَ إصْدَاقِ حَرِيرٍ، وَقُطْنٍ، وَكَتَّانٍ، وَصُوفٍ، وَدَابَّةٍ، وَمَاشِيَةٍ، وَعَبْدٍ، وَطَعَامٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَضَاءِ ثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ مِنْ دَيْنِهَا فَأَقَلَّ، وَبَيْنَ قَضَائِهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ - فَوَضَحَ عَظِيمُ فَسَادِ تَخْلِيطِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَرُبَّمَا يُمَوِّهُونَ بِمَا نَذْكُرُهُ مِمَّا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى نا قَتَادَةُ عَنْ جَلَالِ بْنِ أَبِي الْجَلَالِ الْعَتَكِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ إلَى رَجُلٍ ابْنَتَهُ مِنْ امْرَأَةٍ عَرَبِيَّةٍ فَأَنْكَحَهَا إيَّاهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ بِابْنَةٍ لَهُ أُخْرَى أُمُّهَا أَعْجَمِيَّةٌ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَتَى مُعَاوِيَةَ فَقَصَّ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: مُعْضِلَةٌ وَلَا أَبَا حَسَنٍ - وَكَانَ عَلِيٌّ حَرْبًا لِمُعَاوِيَةَ - فَقَالَ الرَّجُلُ لِمُعَاوِيَةَ فَأْذَنْ لِي أَنْ آتِيَهُ؟ فَأَذِنَ لَهُ مُعَاوِيَةُ، فَأَتَى الرَّجُلُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا عَلِيٌّ، فَرَدَّ ﵇، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ؟ فَقَضَى عَلِيٌّ عَلَى أَبِي الْجَارِيَةِ بِأَنْ يُجَهِّزَ ابْنَتَهُ الَّتِي أَنْكَحَهَا إيَّاهُ بِمِثْلِ الصَّدَاقِ الَّذِي سَاقَ مِنْهَا لِأُخْتِهَا بِمَا أَصَابَ مِنْ فَرْجِهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَمَسَّ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا.
قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ: وَأَخْبَرَنِي هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ جَارِيَةً فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لِلَّتِي دَخَلَ بِهَا الصَّدَاقُ الَّذِي سَاقَ، وَعَلَى الَّذِي غَرَّهُ أَنْ يَزِفَّ إلَيْهِ امْرَأَتَهُ بِمِثْلِ صَدَاقِهَا.
стр. 3859
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ أَنَّ لِلزَّوْجِ فِي ذَلِكَ حَقًّا وَلَا أَرَبًا، إنَّمَا فِيهِمَا أَنْ يَضْمَنَ لِلَّتِي زُوِّجَتْ مِنْهُ وَزُفَّ إلَيْهِ غَيْرُهَا صَدَاقَهَا الَّذِي اسْتَهْلَكَ لَهَا وَأُعْطِيَ لِغَيْرِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ - وَهَكَذَا نَقُولُ.
ثُمَّ هُمْ يُخَالِفُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي مَوْضِعَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ جَعَلَ لِلَّتِي زُفَّتْ إلَيْهِ الصَّدَاقَ الَّذِي سُمِّيَ لِأُخْتِهَا، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا، بَلْ إنَّمَا يَقْضُونَ لَهَا بِصَدَاقِ مِثْلِهَا.
وَالْمَوْضُوعُ الثَّانِي - أَمْرُ عَلِيٍّ لَهُ أَنْ لَا يَطَأَ الَّتِي صَحَّ نِكَاحُهُ مَعَهَا إلَّا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأُخْرَى الَّتِي زُفَّتْ إلَيْهِ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا.
فَمِنْ الْمَقْتِ وَالْعَارِ وَالْإِثْمِ تَمْوِيهُ مَنْ يُوهِمُ أَنَّهُ يَحْتَجُّ بِأَثَرٍ هُوَ أَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُهُ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ - هَذَا مَعَ أَنَّ الْجَلَالَ بْنَ أَبِي الْجَلَالِ غَيْرُ مَشْهُورٍ.
وَبِمَا أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ نا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ نَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ خِطْبَةَ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ ﵄ «وَأَنَّ عَلِيًّا بَاعَ دِرْعَهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ قَالَ: فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهَا فِي حِجْرِهِ فَقَبَضَ مِنْهَا قَبْضَةً فَقَالَ: يَا بِلَالٌ أَبْغِنَا بِهَا طِيبًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَهِّزُوهَا» قَالَ: فَجُعِلَ لَنَا سَرِيرٌ مَشْرُوطٌ بِالشَّرْطِ وَوِسَادَةٌ مِنْ أُدْمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَمِلْءُ الْبَيْتِ كَثِيبًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَا تَبْلُغُ قَبْضَةٌ فِي طِيبٍ، وَسَرِيرٌ مَشْرُوطٌ بِالشَّرِيطِ، وَوِسَادَةٌ مِنْ أُدْمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ: عُشْرَ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[مَسْأَلَةٌ عَلَى الزَّوْجِ كِسْوَةُ الزَّوْجَةِ]
١٨٥٤ - مَسْأَلَةٌ: وَعَلَى الزَّوْجِ كِسْوَةُ الزَّوْجَةِ - مُذْ يَعْقِدُ النِّكَاحَ - وَنَفَقَتُهَا، وَمَا تَتَوَطَّاهُ وَتَتَغَطَّاهُ وَتَفْتَرِشُهُ، وَإِسْكَانُهَا كَذَلِكَ أَيْضًا - صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً - ذَاتَ أَبٍ أَوْ
стр. 3860
يَتِيمَةً - غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً - دُعِيَ إلَى الْبِنَاءِ أَوْ لَمْ يُدْعَ نَشَزَتْ أَوْ لَمْ تَنْشِزْ - حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً - بُوِّئَتْ مَعَهُ بَيْتًا أَوْ لَمْ تُبَوَّأْ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا أَبُو قَزَعَةَ الْبَاهِلِيُّ " عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْتُ وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْتُ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبُو قَزَعَةَ هَذَا - هُوَ سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ - ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَابْنُهُ قَزَعَةُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا الْحَجَّاجُ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ: فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» .
فَعَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ النِّسَاءِ وَلَمْ يَخُصَّ نَاشِزًا مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً، وَلَا أَمَةً مُبَوَّأَةً بَيْتًا مِنْ غَيْرِهَا ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: أَنْ اُنْظُرُوا إلَى
стр. 3861
مَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ أَنْ يَبْعَثُوا بِنَفَقَةٍ أَوْ يَرْجِعُوا - وَذَكَرَ بَاقِي الْخَبَرِ، فَلَمْ يَسْتَثْنِ عُمَرُ امْرَأَةً مِنْ امْرَأَةٍ -: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ عَنْ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَاضِبَةً هَلْ لَهَا نَفَقَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَرُوِّينَا عَنْ نَحْوِ خَمْسَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ: لَا نَفَقَةَ لِنَاشِزٍ - وَهَذَا قَوْلٌ خَطَأٌ مَا نَعْلَمُ لِقَائِلِهِ حُجَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ النَّفَقَةَ بِإِزَاءِ الْجِمَاعِ، وَالطَّاعَةِ؟ قُلْنَا: لَا، بَلْ هَذَا الْقَوْلُ كَذِبٌ، وَأَوَّلُ مَنْ يُبْطِلُهُ أَنْتُمْ، أَمَّا الْحَنَفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ فَيُوجِبُونَ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرَةِ، وَلَا جِمَاعَ هُنَالِكَ وَلَا طَاعَةَ.
وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ: يُوجِبُونَ النَّفَقَةَ عَلَى " الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ " وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَرِيضَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ جِمَاعُهَا، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ مَا عَلَى النَّاشِزِ فَقَالَ: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤] .
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى النَّاشِزِ إلَّا الْهَجْرُ وَالضَّرْبُ، وَلَمْ يُسْقِطْ نَفَقَتَهَا وَلَا كِسْوَتَهَا - فَعَاقَبْتُمُوهُنَّ أَنْتُمْ بِمَنْعِهَا حَقَّهَا، وَهَذَا شَرْعٌ فِي الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَهُوَ بَاطِلٌ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّهَا ظَالِمَةٌ بِنُشُوزِهَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ كُلُّ ظَالِمٍ يَحِلُّ مَنْعُهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ؛ هَذَا حُكْمُ الشَّيْطَانِ، وَظُلْمَةُ الْعُمَّالِ وَالشَّرْطِ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ لَا يُسْقِطُونَ قَرْضًا أَقْرَضَتْهُ إيَّاهُ مِنْ أَجْلِ نُشُوزِهَا؟ فَمَا ذَنْبُ نَفَقَتِهَا تَسْقُطُ دُونَ سَائِرِ حُقُوقِهَا إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ عَجِيبٌ؟
وَقَالَ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا.
وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَسْقَطَهَا حُجَّةً أَصْلًا، فَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ، قَالَ اللَّهُ :
стр. 3862
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] فَصَحَّ أَنَّ مَنْ لَا بُرْهَانَ لَهُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ إلَّا حَتَّى يُدْعَى إلَى الْبِنَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الْحُكْمُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهَا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ صَحِيحٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ جَاءَتْ بِخِلَافِهِ فَهُوَ سَاقِطٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأ وَقَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا رَضِيَتْهُ]
١٨٥٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَبِ الْبِكْرِ - صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً - أَوْ الثَّيِّبِ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْقَرَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ: حُكْمٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صَدَاقِ الِابْنَةِ، أَوْ الْقَرِيبَةِ، وَلَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا أَنْ يَهَبَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، لَا لِلزَّوْجِ - طَلَّقَ أَوْ أَمْسَكَ - وَلَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ أَبَدًا.
وَلَهَا أَنْ تَهَبَ صَدَاقَهَا أَوْ بَعْضَهُ لِمَنْ شَاءَتْ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَبٍ وَلَا لِزَوْجٍ فِي ذَلِكَ - هَذَا إذْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً بَقِيَ لَهَا بَعْدَهُ غِنًى وَإِلَّا فَلَا.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إنَّمَا هُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا - وَقَدْ كَانَ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا رَضِيَتْهُ - فَلَهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا الَّذِي سُمِّيَ لَهَا، إلَّا أَنْ تَعْفُوَ هِيَ فَلَا تَأْخُذُ مِنْ زَوْجِهَا شَيْئًا مِنْهُ وَتَهَبُ لَهُ النِّصْفَ الْوَاجِبَ لَهَا، أَوْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ فَيُعْطِيهَا الْجَمِيعَ، فَأَيُّهُمَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ كَمَا قُلْنَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْت عِيسَى بْنَ عَاصِمٍ يَقُولُ: سَمِعْت شُرَيْحًا يَقُولُ: سَأَلَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ؟ فَقُلْت: هُوَ الْوَلِيُّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: بَلْ هُوَ الزَّوْجُ.
مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الزَّوْجُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا فَأَكْمَلَ لَهَا الصَّدَاقَ وَتَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ :
стр. 3863
﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعْنِي الزَّوْجَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: هُوَ الزَّوْجُ.
نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْعُذْرِيُّ نا مَكِّيُّ بْنُ عَيْسُونَ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُزَيْقٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَابِرٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ الطَّهْرَانِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ قَتَادَةَ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قَالَ قَتَادَةُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَا جَمِيعًا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمُجَاهِدٌ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هُوَ الزَّوْجُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: هُوَ الْوَلِيُّ، قَالَ: فَأَخْبَرْتهمْ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَرَجَعُوا عَنْ قَوْلِهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الزَّوْجُ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ - هُوَ جَعْفَرُ بْنُ إيَاسِ بْنِ أَبِي وَحْشِيَّةَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هُوَ الزَّوْجُ.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى غَفْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هُوَ الزَّوْجُ.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هُوَ الزَّوْجُ.
وَمِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الْأَعْلَى نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] هُوَ الزَّوْجُ.
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ: هُوَ الزَّوْجُ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ.
стр. 3864
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ الْوَلِيُّ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إنْ عَفَا وَلِيُّهَا ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَضَنَّتْ جَازَ، وَإِنْ أَبَتْ.
وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ كَانَ يَقُولُ: أَوْ يَعْفُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا إنْ كَانَ وُصُولًا وَإِنْ كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ.
وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ، وَعَلْقَمَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلًا لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ وَلِيُّ الْبِكْرِ جُمْلَةً - وَصَحَّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ الْأَبُ جُمْلَةً. وَقَوْلٌ خَامِسٌ: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ السَّيِّدُ يَعْفُو عَنْ صَدَاقِ أَمَتِهِ، وَالْأَبُ خَاصَّةً فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ خَاصَّةً: يَجُوزُ عَقْدُهُ عَنْ صَدَاقِهَا - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَظَرْنَا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ -: فَوَجَدْنَا قَوْلَ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمَالِكٍ أَظْهَرَهَا فَسَادًا وَأَبْعَدَهَا عَنْ مُقْتَضَى الْآيَةِ جُمْلَةً وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] سَيِّدَ الْأَمَةِ وَوَالِدَ الْبِكْرِ خَاصَّةً لَمَا سَتَرَهُ وَلَا كَتَمَهُ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ فِي كِتَابِهِ، وَلَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ .
فَإِنْ قِيلَ: هَذَانِ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَالْبِكْرِ إلَّا بِعَقْدِهِمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا إلَّا بِرِضَا الزَّوْجِ وَإِلَّا فَلَا، فَلَهُ فِي ذَلِكَ كَاَلَّذِي لِلسَّيِّدِ، وَلِلْأَبِ سَوَاءً سَوَاءً، فَمَنْ جَعَلَهُمَا أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ بِأَيْدِيهِمَا عُقْدَةُ النِّكَاحِ مِنْ الزَّوْجِ مَعَ تَخْصِيصِ الْآيَةِ بِلَا بُرْهَانٍ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ؛ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ؟ فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً وَسَقَطَ بِسُقُوطِهِ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إنَّهُ الْأَبُ أَيْضًا جُمْلَةً - وَكَذَلِكَ سَقَطَ أَيْضًا الْقَوْلُ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ وَلِيُّ الْبِكْرِ جُمْلَةً.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ الْوَلِيُّ -: فَوَجَدْنَا الْأَوْلِيَاءَ قِسْمَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ أَبِ الْبِكْرِ، وَسَيِّدِ الْأَمَةِ، فَكَانَ حَظُّ هَذَيْنِ فِي كَوْنِ عُقْدَةِ
стр. 3865
النِّكَاحِ بِأَيْدِيهِمَا كَحَظِّ الزَّوْجِ فِي كَوْنِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ بِيَدِهِ سَوَاءً سَوَاءً، وَقَدْ يَسْقُطُ حُكْمُ الْأَبِ فِي الْبِكْرِ بِأَنْ يَكُونَ كَافِرًا - وَهِيَ مُؤْمِنَةٌ أَوْ هُوَ مُؤْمِنٌ وَهِيَ كَافِرَةٌ - أَوْ بِأَنْ يَكُونَ مَجْنُونًا - وَيَسْقُطُ أَيْضًا حُكْمُ السَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، لَكِنْ إنْ أَبَوْا أُخْرِجَ الْأَمْرُ عَنْ أَيْدِيهِمْ وَعَقَدَ السُّلْطَانُ نِكَاحَهَا، فَهَؤُلَاءِ حَظُّ الزَّوْجِ فِي كَوْنِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ بِيَدِهِ أَكْمَلُ مِنْ حَظِّ الْأَوْلِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ.
فَوَجَدْنَا أَمَدَ الْأَوْلِيَاءِ مُضْطَرِبًا كَمَا تَرَى، ثُمَّ إنَّمَا هُوَ الْعَقْدُ فَقَطْ، ثُمَّ لَا شَيْءَ بِأَيْدِيهِمْ جُمْلَةً مِنْ عُقْدَةِ النِّكَاحِ، بَلْ هِيَ إلَى الزَّوْجِ إنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَلَّهَا بِالطَّلَاقِ.
وَوَجَدْنَا أَمَرَ الزَّوْجِ ثَابِتًا فِي أَنَّ عُقْدَةَ كُلِّ نِكَاحٍ بِيَدِهِ، وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِإِرَادَتِهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا تَحِلُّ إلَّا بِإِرَادَتِهِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ بِلَا شَكٍّ.
ثُمَّ الْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَكَانَ عَفْوُ الْوَلِيِّ عَنْ مَالِ وَلِيِّهِ كَسْبًا عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَحُكْمًا فِي مَالِ غَيْرِهِ فَهُوَ حَرَامٌ - فَصَحَّ أَنَّهُ الزَّوْجُ الَّذِي يَفْعَلُ فِي مَالِ نَفْسِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ عَفْوٍ أَوْ يَقْضِي بِحَقِّهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ نِكَاحُ الشِّغَارِ]
١٨٥٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ الشِّغَارِ: وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذَا وَلِيَّةَ هَذَا عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ أَيْضًا، سَوَاءٌ ذَكَرَا فِي كُلِّ ذَلِكَ صَدَاقًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَوْ لِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ لَمْ يَذْكُرَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ صَدَاقًا، كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ يُفْسَخُ أَبَدًا، وَلَا نَفَقَةَ فِيهِ؛ وَلَا مِيرَاثَ، وَلَا صَدَاقَ وَلَا شَيْءَ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَا عِدَّةَ.
فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَالْوَلَدُ لَهُ لَاحِقٌ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ عَالِمَةً بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ جَاهِلَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -:
стр. 3866
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا النِّكَاحُ وَيُفْسَخُ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أُزَوِّجُك ابْنَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُفْسَخُ، هَذَا إنْ دَخَلَ بِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْسَخُ هَذَا النِّكَاحُ إذَا لَمْ يُسَمَّ فِي ذَلِكَ مَهْرٌ، فَإِنْ سَمَّيَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا، أَوْ لِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ثَبَتَ النِّكَاحَانِ مَعًا، وَبَطَلَ الْمَهْرُ الَّذِي سَمَّيَا، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا إنْ مَاتَ، أَوْ وَطِئَهَا، أَوْ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: هُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ ذَكَرَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقًا، أَوْ لِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، أَوْ لَمْ يَذْكُرَا صَدَاقًا أَصْلًا، أَوْ اشْتِرَاطًا وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا صَدَاقَ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذَا مَهْرُ مِثْلِهَا.
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَنَّهُمَا إنْ سَمَّيَا صَدَاقًا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا إلَّا الْمُسَمَّى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاَلَّذِي قُلْنَا بِهِ هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، فَوَجَبَ النَّظَرُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَوَجَدْنَا فِي ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي»
وَقَدْ رُوِّينَاهُ أَيْضًا مُسْنَدًا صَحِيحًا مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَغَيْرِهِمْ، فَكَانَ هَذَا تَحْرِيمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ سِوَاهُ.
فَنَظَرْنَا فِي أَقْوَالِ مَنْ خَالَفَ -:
стр. 3867
فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَقَوْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ تَبْيِينُنَا لِفَسَادِهِ وَتَعَرِّيهِ مِنْ الْبُرْهَانِ جُمْلَةً.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُمَا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا فَسَدَ هَذَا النِّكَاحُ لِفَسَادِ صَدَاقِهِ فَقَطْ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا -: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالصَّدَاقُ الْفَاسِدُ يَفْسَخُ، فَكَانَ نِكَاحُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، فَهُمَا مَفْسُوخَانِ - قَالَ: فَإِنْ سَمَّيَا لِإِحْدَاهُمَا صَدَاقًا صَحَّ ذَلِكَ النِّكَاحُ، وَصَحَّ نِكَاحُ الْأُخْرَى لِصِحَّةِ صَدَاقِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَكَانَ هَذَا قَوْلًا فَاسِدًا، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا الْعَقْدُ الَّذِي سُمِّيَ فِيهِ الصَّدَاقُ صَحِيحًا فَهُوَ صَدَاقٌ صَحِيحٌ، فَلَا مَعْنَى لِفَسْخِهِ وَإِصْلَاحِهِ بِصَدَاقٍ آخَرَ إذًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بَلْ هُوَ فَاسِدٌ؟ قُلْنَا: فَقُلْ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يُجِيزُ كُلَّ ذَلِكَ وَيُصْلِحُ الصَّدَاقَ، وَإِلَّا فَهِيَ مُنَاقَضَةٌ ظَاهِرَةٌ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَوَجَدْنَاهُ ظَاهِرَ الْفَسَادِ لِمُخَالَفَةِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَدَعْوَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ الشِّغَارِ لِفَسَادِ الصَّدَاقِ فِي كِلَيْهِمَا دَعْوَى كَاذِبَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَقْوِيلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ - وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ» .
وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَآخَرَ مَعَهُ - هُوَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ - عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ وَالشِّغَارُ أَنْ يُبَدِّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أُخْتَهُ بِأُخْتِهِ بِغَيْرِ ذِكْرِ صَدَاقٍ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.
стр. 3868
قُلْنَا: أَمَّا هَذَانِ الْخَبَرَانِ فَهُمَا خِلَافُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، كَاَلَّذِي قَدَّمْنَا وَلَا فَرْقَ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ لِوَجْهَيْنِ -:
أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ وَإِنْ ذُكِرَ فِيهِمَا صَدَاقٌ أَوْ لِإِحْدَاهُمَا فَإِنَّهُ يُبْطِلُ ذَلِكَ الصَّدَاقَ جُمْلَةً بِكُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ هَذَا فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ فَقَدْ خَالَفَ مَا فِيهِمَا.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ - وَهُوَ الَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ - وَهُوَ أَنَّ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ إنَّمَا فِيهِمَا تَحْرِيمُ الشِّغَارِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الصَّدَاقُ فَقَطْ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الشِّغَارِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الصَّدَاقُ - لَا بِتَحْرِيمٍ وَلَا بِإِجَازَةٍ - وَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَقَدْ ادَّعَى الْكَذِبَ وَقَوَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ، فَوَجَبَ أَنْ نَطْلُبَ حُكْمَ الشِّغَارِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الصَّدَاقُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ: فَوَجَدْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ قَدْ وَرَدَا بِعُمُومِ الشِّغَارِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ الزَّوَاجُ بِالزَّوَاجِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ ﵊ فِيهِمَا ذِكْرُ صَدَاقٍ وَلَا السُّكُوتُ عَنْهُ، فَكَانَ خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ زَائِدًا عَلَى خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَخَبَرُ أَنَسٍ زِيَادَةُ عُمُومٍ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» .
وَوَجَدْنَا الشِّغَارَ - ذُكِرَ فِيهِ صَدَاقٌ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ - قَدْ اشْتَرَطَا فِيهِ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ بِكُلِّ حَالٍ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ فَارِسٍ نا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ نا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ قَالَ: «إنَّ الْعَبَّاسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْكَحَ ابْنَتَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
стр. 3869
ابْنَتَهُ: وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ فِي كِتَابِهِ: هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا مُعَاوِيَةُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْهُمْ مُخَالِفٌ يَفْسَخُ هَذَا النِّكَاحَ - وَإِنْ ذَكَرَا فِيهِ الصَّدَاقَ - وَيَقُولُ: إنَّهُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ تَشْنِيعِ الْحَنَفِيِّينَ بِخِلَافِ الصَّاحِبِ الَّذِي يَدَّعُونَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ كَدَعْوَاهُمْ ذَلِكَ فِي نَزْحِ زَمْزَمَ مِنْ زِنْجِيٍّ مَاتَ فِيهَا فَنَزَحَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ لَمْ يَلْتَفِتُوا هَاهُنَا إلَى مَا عَظَّمُوهُ وَحَرَّمُوهُ هُنَالِكَ.
وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ مِمَّنْ أَدْرَكَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ وَرَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، وَشَاهَدَ هَذَا الْحُكْمَ بِالْمَدِينَةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي أُمَيَّةَ يَأْتِي بِهِ الْبَرِيدُ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ، هَذَا مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِهَا وَالصَّحَابَةُ يَوْمَئِذٍ بِالشَّامِ وَالْمَدِينَةِ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنْ الَّذِينَ كَانُوا أَحْيَاءً أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِلَا شَكٍّ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ رَجُلَيْنِ أَنْكَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُخْتَهُ بِأَنْ يُجَهِّزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِهَازٍ يَسِيرٍ لَوْ شَاءَ أَخَذَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا، نُهِيَ عَنْ الشِّغَارِ: فَقُلْت لَهُ: إنَّهُ قَدْ أَصْدَقَهَا كِلَاهُمَا؟ قَالَ: لَا، قَدْ أَرْخَصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ؟ فَقُلْت لِعَطَاءٍ: يُنْكِحُ هَذَا ابْنَتَهُ بِكَذَا وَهَذَا ابْنَتَهُ بِكَذَا بِصَدَاقٍ كِلَاهُمَا يُسَمِّي صَدَاقَهُ، وَكِلَاهُمَا أَرْخَصَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ أَجْلِ نَفْسِهِ؟ قَالَ: إذَا سَمَّيَا صَدَاقًا فَلَا بَأْسَ، فَإِنْ قَالَ: جَهِّزْ وَأُجَهِّزُ؟ فَلَا ذَلِكَ الشِّغَارُ، قُلْت: فَإِنْ فَرَضَ هَذَا وَفَرَضَ هَذَا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَفَرَّقَ عَطَاءٌ بَيْنَ النِّكَاحَيْنِ يُعْقَدُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ - ذَكَرَا صَدَاقًا أَوْ
стр. 3870
لَمْ يَذْكُرَا - فَأَبْطَلَهُ، وَبَيْنَ النِّكَاحَيْنِ لَا يَعْقِدُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَأَجَازَهُ، وَهَذَا قَوْلُنَا، وَمَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خِلَافًا لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ خَطَبَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فَزَوَّجَهُ، ثُمَّ خَطَبَ الْآخَرُ إلَيْهِ فَزَوَّجَهُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يُزَوِّجَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ - فَهَذَا هُوَ الْحَرَامُ الْبَاطِلُ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ بَعْضَهُمْ احْتَجَّ بِأَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ يُعْقَدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَدَاقُهُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، وَكُلُّ مَفْسُوخٍ بَاطِلٌ أَبَدًا، لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى أَنْ لَا صِحَّةَ لِذَلِكَ الْعَقْدِ إلَّا بِذَلِكَ الْمَهْرِ، وَذَلِكَ الْمَهْرُ بَاطِلٌ، فَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ إلَّا بِصِحَّةِ بَاطِلٍ بَاطِلٌ، بِلَا شَكٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ نِكَاحٌ عَلَى شَرْطٍ]
١٨٥٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَصِحُّ نِكَاحٌ عَلَى شَرْطٍ أَصْلًا، حَاشَا الصَّدَاقَ الْمَوْصُوفَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ الْمَدْفُوعَ، أَوْ الْمُعَيَّنَ، وَعَلَى أَنْ لَا يَضُرَّ بِهَا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا: إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
وَأَمَّا بِشَرْطِ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ أَنْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، أَوْ أَنْ لَا يُرَحِّلَهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ فَهُوَ عَقْدٌ مَفْسُوخٌ، وَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ وَالشُّرُوطُ كُلُّهَا بَاطِلٌ، سَوَاءٌ عَقَدَهَا بِعِتْقٍ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِأَنْ أَمَرَهَا بِيَدِهَا، أَوْ أَنَّهَا بِالْخِيَارِ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حُكْمِهِ، أَوْ عَلَى حُكْمِهَا، أَوْ عَلَى حُكْمِ فُلَانٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ عَقْدٌ فَاسِدٌ - وَقَدْ أَجَازَ بَعْضَ ذَلِكَ قَوْمٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ الْأَشْعَثَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى حُكْمِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى صَدَاقٍ، فَجَعَلَ لَهَا عُمَرُ صَدَاقَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا - وَهَذَا مُنْقَطِعٌ عَنْ عُمَرَ، لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ ﵁.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فَمَنْ تَزَوَّجَ عَلَى حُكْمِهِ: إنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا مَا حَكَمَ بِهِ الزَّوْجُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: إنْ اتَّفَقَا عَلَى شَيْءٍ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى حُكْمِهَا أَوْ حُكْمِهِ جَازَ، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا.
стр. 3871
وَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، قَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَحْتَكِمَ هِيَ بِجَمِيعِ مَا فِي الْعَالَمِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَكِمَ هُوَ بِلَا شَيْءٍ، فَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَالنِّكَاحُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ مَفْسُوخٌ.
فَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَا ذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. وَقَوْلُ مَالِكٍ يُفْسَخُ النِّكَاحُ إنْ لَمْ يَتَّفِقَا: خَطَأٌ، لِأَنَّهُ فَسْخُ نِكَاحٍ صَحِيحٍ بِغَيْرِ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ وَلَا مِنْ رَسُولِهِ ﷺ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» فَمَنْ اشْتَرَطَ مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ، وَإِنْ عُقِدَ عَلَيْهِ نِكَاحٌ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ لَهَا أَنْ لَا يُرَحِّلَهَا فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ -: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ: أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَ عُمَرَ رَجُلٌ أَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَهَا شَرْطُهَا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ عِنْدَهُ: هَلَكَتْ الرِّجَالُ إذْ لَا تَشَاءُ امْرَأَةٌ تُطَلِّقُ زَوْجَهَا إلَّا طَلَّقَتْهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ عِنْدَ مَقَاطِعِ حُقُوقِهِمْ.
وَبِهِ إلَى سَعِيدٍ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - نَا عَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ:
стр. 3872
أَنَّ مُعَاوِيَةَ أُتِيَ فِي ذَلِكَ فَاسْتَشَارَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ؟ فَقَالَ: لَهَا شَرْطُهَا - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ - وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا، فَوَضَعَ عُمَرُ عَنْهُ الشَّرْطَ وَقَالَ: الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا.
وَبِهِ إلَى سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبَّادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ يَشْتَرِطُ لَهَا دَارَهَا؟ فَقَالَ: شَرْطُ اللَّهِ قَبْلَ شَرْطِهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، نا هُشَيْمٌ نا مُغِيرَةُ، وَيُونُسُ، قَالَ مُغِيرَةُ: عَنْ إبْرَاهِيمَ، وَقَالَ يُونُسُ: عَنْ الْحَسَنِ، قَالَا جَمِيعًا: يَجُوزُ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِطَلَاقٍ أَوْ بِعَتَاقٍ، أَوْ بِأَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا أَوْ بِتَخْيِيرِهَا.
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا قَوْلٌ لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ خِلَافٌ لِكُلِّ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِإِلْزَامِ هَذِهِ الشُّرُوطِ -: بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ زُغْبَةُ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ بِهِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ مَعَنَا، وَلَا مُسْلِمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ: فِي أَنَّهُ إنْ شَرَطَ لَهَا أَنْ تَشْرَبَ الْخَمْرَ، أَوْ أَنْ تَأْكُلَ لَحْمَ
стр. 3873
الْخِنْزِيرِ، أَوْ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ، أَوْ أَنْ تَدَعَ صَوْمَ رَمَضَانَ، أَوْ أَنْ يُغَنِّيَ لَهَا، أَوْ أَنْ يَزْفِنَ لَهَا، وَنَحْوَ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ كُلِّهِ بَاطِلٌ لَا يَلْزَمُهُ.
فَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُرِدْ قَطُّ فِي هَذَا الْخَبَرِ شَرْطًا فِيهِ تَحْرِيمُ حَلَالٍ، أَوْ تَحْلِيلُ حَرَامٍ، أَوْ إسْقَاطُ فَرْضٍ، أَوْ إيجَابُ غَيْرِ فَرْضٍ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ خِلَافٌ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَوَامِرِهِ ﵊.
وَاشْتِرَاطُ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ، أَوْ أَنْ لَا يَتَسَرَّى، أَوْ أَنْ لَا يَغِيبَ عَنْهَا أَوْ أَنْ لَا يُرَحِّلَهَا عَنْ دَارِهَا - كُلُّ ذَلِكَ تَحْرِيمُ حَلَالٍ، وَهُوَ وَتَحْلِيلُ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ سَوَاءٌ، فِي أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ خِلَافٌ لِحُكْمِ اللَّهِ .
فَصَحَّ أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا أَرَادَ شَرْطَ الصَّدَاقِ الْجَائِزِ الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَحَلَّ بِهِ الْفَرْجَ لَا مَا سِوَاهُ.
وَأَمَّا تَعْلِيقُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِطَلَاقٍ، أَوْ بِعَتَاقٍ، أَوْ تَخْيِيرِهَا، أَوْ تَمْلِيكِهَا أَمْرَهَا فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الْأَيْمَانِ " مِنْ كِتَابِنَا هَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ» .
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ حَالِفًا، وَلَا هِيَ يَمِينًا، وَهُوَ بَاطِلٌ لَيْسَ فِيهِ إلَّا اسْتِغْفَارُ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّوْبَةُ فَقَطْ، وَلِمَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَنَّ تَخْيِيرَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، أَوْ تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا أَمْرَهَا: كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ قَطُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا رَسُولَهُ ﷺ .
وَصَحَّ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَمَلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ خِيَارٌ فِي فِرَاقِ زَوْجِهَا أَوْ الْبَقَاءِ مَعَهُ إلَّا حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُعْتَقَةِ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ أَمْرَ نَفْسِهَا أَبَدًا - فَسَقَطَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ وَصَيْفًا غَيْرَ مَوْصُوفٍ، أَوْ خَادِمًا غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ، أَوْ بَيْتًا غَيْرَ مَوْصُوفٍ وَلَا مَحْدُودٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُبْطِلُ النِّكَاحَ إنْ عَقَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَعْرِفُ مَا هُوَ، فَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى صَدَاقٍ مَعْرُوفٍ، بَلْ عَلَى مَالِهَا أَنْ تَقُولَ: قِيمَةُ كُلِّ ذَلِكَ أَلْفُ دِينَارٍ، وَيَقُولَ هُوَ: بَلْ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ تَعَاقَدَا ذَلِكَ بَعْدَ صِحَّةِ النِّكَاحِ،
стр. 3874
فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَالصَّدَاقُ فَاسِدٌ، وَيَقْضِي لَهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ -: رُوِّينَا إجَازَةَ ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَزَوَّجَ عَلَى وَصَيْفٍ فَإِنَّهُ يَقُومُ عَرَبِيٌّ وَهِنْدِيٌّ، وَحَبَشِيٌّ، وَتُجْمَعُ الْقِيَمُ وَيَقْضِي لَهَا بِمِثْلِهَا.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهَا فِي الْوَصِيفِ الْأَبْيَضِ خَمْسُونَ مِثْقَالًا، فَإِنْ أَعْطَاهَا وَصَيْفًا يُسَاوِي خَمْسِينَ دِينَارًا مِنْ ذَهَبٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ، وَإِلَّا فَيَقْضِي عَلَيْهِ بِتَمَامِ خَمْسِينَ دِينَارًا مِنْ ذَهَبٍ، وَيَقْضِي لَهَا فِي الْبَيْتِ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِي الْخَادِمِ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا مِنْ ذَهَبٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَجَبٌ يُغْنِي إيرَادُهُ عَنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِمَا مِنْ التَّحَكُّمِ الْبَارِدِ بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَهَا الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ، وَلَيْتَ شِعْرِي كَمْ هَذَا الْوَسَطُ؟ وَمِنْ الْوُصَفَاءِ مَا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسَاوِي عِشْرِينَ دِينَارًا، فَظَهَرَ فَسَادُ هَذِهِ الْآرَاءِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَةٌ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ]
١٨٥٨ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ النِّكَاحُ إلَى أَجَلٍ، وَكَانَ حَلَالًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ نَسْخًا بَاتًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
стр. 3875
وَقَدْ ثَبَتَ عَلَى تَحْلِيلِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ ﵃ مِنْهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ.
وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَسَلَمَةُ، وَمَعْبَدٌ ابْنَا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ
وَرَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ مُدَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّةَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ إلَى قُرْبِ آخَرِ خِلَافَةِ عُمَرَ.
وَاخْتُلِفَ فِي إبَاحَتِهَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَنْ عَلِيٍّ فِيهَا تَوَقُّفٌ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَهَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا عَدْلَانِ فَقَطْ، وَأَبَاحَهَا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ.
وَمِنْ التَّابِعِينَ: طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ أَعَزَّهَا اللَّهُ.
وَقَدْ تَقَصَّيْنَا الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ فِي كِتَابِنَا الْمَوْسُومِ بِ " الْإِيصَالُ "
وَصَحَّ تَحْرِيمُهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ.
وَاخْتُلِفَ فِيهَا: عَنْ عَلِيٍّ، وَعُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهَا وَفَسْخِ عَقْدِهَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ.
стр. 3876
وَقَالَ زُفَرُ: يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَقَدْ صَحَّ تَحْرِيمُ الشِّغَارِ، وَالْمَوْهُوبَةِ، فَأَبَاحُوهَا، وَهِيَ فِي التَّحْرِيمِ أَبْيَنُ مِنْ الْمُتْعَةِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُبَالُونَ بِالتَّنَاقُضِ.
وَنَقْتَصِرُ مِنْ الْحُجَّةِ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى خَبَرِ ثَابِتٍ - وَهُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَالَ " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: «مَنْ كَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ فَلْيُعْطِهَا مَا سَمَّى لَهَا، وَلَا يَسْتَرْجِعْ مِمَّا أَعْطَاهَا شَيْئًا، وَيُفَارِقْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا عَلَيْكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا حَرَّمَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَدْ أَمِنَّا نَسْخَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ زُفَرَ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
فَمَنْ أَبْطَلَ هَذَا الشَّرْطَ وَأَجَازَ الْعَقْدَ، فَإِنَّهُ أَلْزَمَهُمَا عَقْدًا لَمْ يَتَعَاقَدَاهُ قَطُّ، وَلَا الْتَزَمَاهُ قَطُّ، لِأَنَّ كُلَّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ يَدْرِي بِلَا شَكٍّ أَنَّ الْعَقْدَ الْمَعْقُودَ إلَى أَجَلٍ هُوَ غَيْرُ الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ.
فَمِنْ الْبَاطِلِ إبْطَالُ عَقْدٍ تَعَاقَدَاهُ وَإِلْزَامُهُمَا عَقْدًا لَمْ يَتَعَاقَدَاهُ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَلْبَتَّةَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِهِ الَّذِي أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، لَا أَحَدَ دُونَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ نِكَاحِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ]
١٨٥٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ الْأُمِّ، وَلَا الْجَدَّةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَإِنْ بَعُدَتَا.
وَلَا الْبِنْتِ، وَلَا بِنْتٍ مِنْ قِبَلِ الْبِنْتِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الِابْنِ وَإِنْ سَفُلَتَا.
وَلَا نِكَاحُ الْأُخْتِ كَيْفَ كَانَتْ، وَلَا نِكَاحُ بِنْتِ أَخٍ، أَوْ بِنْتِ أُخْتٍ، وَإِنْ سَفُلَتَا.
وَلَا نِكَاحُ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَإِنْ بَعُدَتَا.
وَلَا نِكَاحُ أُمِّ الزَّوْجِ، وَلَا جَدَّتِهَا، وَإِنْ بَعُدَتْ.
وَلَا أُمِّ الْأَمَةِ الَّتِي حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَا نِكَاحُ جَدَّتِهَا وَإِنْ بَعُدَتْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَالَ اللَّهُ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 3877
إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
قَالَ عَلِيٌّ: وَالْجَدَّةُ كَيْفَ كَانَتْ أُمَّ أَبٍ، أَوْ أُمَّ جَدٍّ، أَوْ أُمَّ جَدِّ جَدٍّ، أَوْ أُمَّ أُمِّ جَدٍّ، أَوْ جَدَّةَ أُمٍّ، أَوْ أُمَّ أُمٍّ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ " أُمٌّ " قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وَالْأُخْتُ تَكُونُ شَقِيقَةً، وَتَكُونُ لِأَبٍ، وَتَكُونُ لِأُمٍّ.
وَبِنْتُ الْبِنْتِ، وَبِنْتُ الِابْنِ، وَبِنْتُ ابْنِ الْبِنْتِ، وَبِنْتُ بِنْتِ الِابْنِ.
وَهَكَذَا كَيْفَ كَانَتْ، كُلُّ هَؤُلَاءِ " بِنْتٌ " قَالَ : ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٧]
«وَقَالَ ﷺ فِي الْحَيْضِ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» .
وَبِنْتُ بِنْتِ الْأَخِ، وَبِنْتُ ابْنِ الْأَخِ، كُلُّهُنَّ بَنَاتُ أَخٍ.
وَبِنْتُ بِنْتِ الْأُخْتِ، وَبِنْتُ ابْنِ الْأُخْتِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ بِنْتُ أُخْتٍ.
وَأُخْتُ الْجَدِّ مِنْ الْأَبِ، وَأُخْتُ جَدِّ الْجَدِّ مِنْ الْأَبِ، كُلُّهُنَّ عَمَّةٌ.
وَأُخْتُ الْجَدِّ مِنْ الْأُمِّ، وَأُخْتُ الْجَدَّةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، كُلُّهُنَّ خَالَةٌ.
وَالزَّوْجَةُ، وَالْأَمَةُ الَّتِي حَلَّ وَطْؤُهَا لِلرَّجُلِ، كُلُّهُنَّ مِنْ نِسَائِهِ.
وَكُلُّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا الْأَمَةَ وَابْنَتَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِنَّ قَوْمًا أَحَلُّوهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مَا حَرُمَ مِنْ الْأَنْسَابِ حرم مِنْ الرَّضَاع]
١٨٦٠ - مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَا حَرُمَ مِنْ الْأَنْسَابِ، وَالْحُرُمُ الَّتِي ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ، كَالْمَرْأَةِ الَّتِي تُرْضِعُ الرَّجُلَ فَهِيَ أُمُّهُ، وَأُمُّهَا جَدَّتُهُ، وَجَدَّاتُهَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا كُلُّهُنَّ أُمٌّ لَهُ.
وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْهُ فَهُنَّ أَخَوَاتُهُ وَإِخْوَتُهُ.
وَمَنْ تَنَاسَلَ مِنْهُمْ فَهُنَّ بَنَاتُ إخْوَتِهِ وَبَنَاتُ أَخَوَاتِهِ.
وَعَمَّاتُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ وَخَالَاتُهَا خَالَاتُهُ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَعَمَّاتُ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ عَمَّاتُهُ - وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا حَرَّمَتْهُ الْوِلَادَةُ حَرَّمَهُ الرَّضَاعُ» .
стр. 3878
[مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ]
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْجَمْعُ فِي اسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ وِلَادَةٍ أَوْ مِنْ رَضَاعٍ كَمَا ذَكَرْنَا لَا بِزَوَاجٍ وَلَا بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَلَا إحْدَاهُمَا بِزَوَاجٍ، وَالْأُخْرَى بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَلَا بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا بَيْنَ الْخَالَةِ وَبِنْتِ أُخْتِهَا، كَمَا قُلْنَا فِي الْأُخْتَيْنِ سَوَاءً سَوَاءً.
فَمَنْ اجْتَمَعَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ، أَوْ عَمَّةٌ وَبِنْتُ أَخِيهَا، أَوْ خَالَةٌ وَبِنْتُ أُخْتِهَا، فَهُمَا جَمِيعًا عَلَيْهِ حَرَامٌ، حَتَّى يُخْرِجَ إحْدَاهُمَا عَنْ مِلْكِهِ بِمَوْتٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ، أَوْ حَتَّى تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بِأَيِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ كَانَ: حَلَّ لَهُ وَطْءُ الْبَاقِيَةِ.
فَإِنْ رَجَعَتْ إلَى مِلْكِهِ الْأُخْرَى رَجَعَتْ حَرَامًا كَمَا كَانَتْ، وَبَقِيَتْ الْأُولَى حَلَالًا كَمَا كَانَتْ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ أَوْ زَوَّجَهَا أَوْ مَاتَتْ: حَلَّتْ لَهُ الَّتِي كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ: حَلَّ لَهُ زَوَاجُ الْأُخْرَى.
وَكَذَلِكَ إنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَتَمَّتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى غَفَرَ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَبْقَاهُمْ عَلَيْهِ.
قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِالزَّوَاجِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَطَائِفَةٌ أَحَلَّتْهُمَا، وَطَائِفَةٌ تَوَقَّفَتْ فِي ذَلِكَ.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: يَطَأُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، فَإِذَا وَطِئَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.
فَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ، وَالْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا - يَعْنِي بِمِلْكِ الْيَمِينِ -.
وَأَخْبَرَهُ عِكْرِمَةُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: لَا تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيْك قَرَابَةٌ بَيْنَهُنَّ، إنَّمَا يُحَرِّمُهُنَّ عَلَيْك الْقَرَابَةُ بَيْنَك وَبَيْنَهُنَّ.
стр. 3879
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْجَبُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ: حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ، وَيَقُولُ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] هِيَ مُرْسَلَةٌ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَحَلَّهُمَا، وَقَوْلُ عَلِيٍّ فِي التَّوَقُّفِ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " سُئِلَ عُمَرُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ أُمٍّ وَابْنَتِهَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يُجِيزَهُمَا جَمِيعًا ".
وَقَالَ ابْنُ عُتْبَةَ: فَوَدِدْتُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ أَشَدَّ فِي ذَلِكَ مِمَّا هُوَ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ أَدْرَكَ عُمَرَ - وَجَاءَ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّ نِيَارًا الْأَسْلَمِيَّ اسْتَفْتَى عُثْمَانَ فِي امْرَأَةٍ وَأُخْتِهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ أُخْرَى، وَلَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَرُوِّينَا التَّوَقُّفَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ " سَأَلْت ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ؟ فَقَالَ: حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ - قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي قُلْنَا بِهِ -: فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهَا؟ قَالَ لَا، حَتَّى يُخْرِجَهَا عَنْ مِلْكِهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: إنَّهُمْ قَالُوا: إذَا زَوَّجَهَا فَلَا بَأْسَ بِأُخْتِهَا - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَإِنْ زَوَّجَهَا.
نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ ابْنَ عَامِرٍ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا يَقْرَبَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا.
стр. 3880
وَبِهِ إلَى الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مَمْلُوكَتَانِ أُخْتَانِ فَلَا يَغْشَيَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُخْرِجَ الْأُخْرَى عَنْ مِلْكِهِ.
قَالَ شُعْبَةُ: وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: مَنْ عِنْدَهُ أُخْتَانِ مَمْلُوكَتَانِ لَا يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وَلَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يُخْرِجَ إحْدَاهُمَا عَنْ مِلْكِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَمَةٍ لَهُ قَدْ كَبُرَتْ وَكَانَ يَطَؤُهَا وَلَهَا ابْنَةٌ، أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَغْشَاهَا؟ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْهَاك عَنْهَا وَمَنْ أَطَاعَنِي.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قُلْت لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَك مُطَرِّفٌ عَنْ أَبِي الْجَهْمِ عَنْ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: يَحْرُمُ مِنْ الْإِمَاءِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْحَرَائِرِ إلَّا الْعَدَدَ؟ قَالَ سُفْيَانُ: نَعَمْ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ تَوَقَّفَ فَلَمْ يَلُحْ لَهُ الْبَيَانُ فَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ، وَأَمَّا مَنْ أَحَلَّهُمَا، فَإِنَّهُ غَلَّبَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فَخَصَّ مِلْكَ الْيَمِينِ مِنْ هَذَا النَّهْيِ، وَكَذَلِكَ فَعَلُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ غَيْرُ هَذَا -: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا النَّصَّيْنِ لَا بُدَّ مِنْ تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ -: أَمَّا كَمَا قَالَ مَنْ ذَكَرْنَا فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
وَأَمَّا كَمَا قُلْنَا نَحْنُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إلَّا أَنْ تَكُونَا أُخْتَيْنِ، أَوْ أُمَّ امْرَأَةٍ حَلَّتْ لَكُمْ، أَوْ عَمَّةً وَبِنْتَ أَخِيهَا، أَوْ خَالَةً وَبِنْتَ أُخْتِهَا، فَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الِاسْتِثْنَاءَيْنِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ إلَّا بِبُرْهَانٍ ضَرُورِيٍّ، وَأَمَّا بِالدَّعْوَى فَلَا، فَطَلَبُنَا، هَلْ لِلْمُغَلِّبِينَ الْمُسْتَثْنِينَ مِلْكَ الْيَمِينِ مِنْ تَحْرِيمِ: الْأُخْتَيْنِ، وَالْأُمِّ وَابْنَتِهَا، وَالْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا، وَالْخَالَةِ وَبِنْتِ أُخْتِهَا بُرْهَانٌ؟ فَلَمْ نَجِدْهُ أَصْلًا، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْهَنَا قَطُّ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَمُحَالٌ أَنْ يُخَاطِبَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُحَالِ، أَوْ أَنْ يَنْهَانَا عَنْ الْمُحَالِ.
стр. 3881
فَصَحَّ أَنَّهُ تَعَالَى إنَّمَا نَهَانَا عَنْ مَعْنًى يُمْكِنُ جَمْعُهُمَا فِيهِ، وَلَيْسَ إلَّا الزَّوَاجُ لِأَنَّ جَمْعَهُمَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ جَائِزٌ حَلَالٌ بِلَا خِلَافٍ؟
فَقُلْنَا: صَدَقْتُمْ أَنَّهُ تَعَالَى يَنْهَانَا عَنْ الْمُحَالِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ، وَأَخْطَأْتُمْ فِي تَخْصِيصِكُمْ بِنَهْيِهِ الزَّوَاجَ فَقَطْ، لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْآيَةِ بِلَا بُرْهَانٍ، بَلْ نَهَانَا عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِالزَّوَاجِ، وَبِاسْتِحْلَالِ وَطْءِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَبِالتَّلَذُّذِ مِنْهُمَا مَعًا، فَهَذَا مُمْكِنٌ، فَهَلُمُّوا دَلِيلًا عَلَى تَخْصِيصِكُمْ الزَّوَاجَ دُونَ مَا ذَكَرْنَا؟ فَلَمْ نَجِدْهُ عِنْدَهُمْ أَصْلًا، فَلَزِمْنَا أَنْ نَأْتِيَ بِبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَائِنَا وَإِلَّا فَهِيَ دَعْوَى وَدَعْوَى -: فَوَجَدْنَا قَوْلَ اللَّهِ : ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا - قَطْعًا مُتَيَقَّنًا فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ.
بَلْ كُلُّهُمْ مُجْمِعٌ قَطْعًا عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْغُلَامَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَهُوَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ.
وَأَنَّ الْأُمَّ مِنْ الرَّضَاعَةِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْأُخْتَ مِنْ الرَّضَاعَةِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَكِلْتَاهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِمَا، أَوْ الْأَمَةَ يَمْلِكُهَا الرَّجُلُ قَدْ تَزَوَّجَهَا أَبُوهُ وَوَطِئَهَا، وَوَلَدَ لَهُ مِنْهَا: حَرَامٌ عَلَى الِابْنِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] . ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] .
﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
لَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ حَاشَا زَوَاجَ الْكِتَابِيَّاتِ فَقَطْ، فَلَا يَحِلُّ تَخْصِيصُ نَصٍّ لَا بُرْهَانَ عَلَى تَخْصِيصِهِ، وَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِ مَا هَذِهِ صِفَتُهَا، أَوْ تَخْصِيصُ نَصٍّ آخَرَ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ مَخْصُوصٌ، فَتَخْصِيصُ الْمَخْصُوصِ هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
وَبِهَذِهِ الْحُجَّةِ احْتَجَّ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَمْ يَزَالُوا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
стр. 3882
حَتَّى أَغْضَبُوهُ - يَعْنِي فِي الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ - فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ حَمْلَك مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا مَنْ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَطَأَ أَيَّ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ لَهُ شَاءَ، وَحِينَئِذٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الَّتِي لَمْ يَطَأْ، فَقَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُمَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَ إحْدَاهُمَا حَرَامٌ جَمِيعًا - فَهَذَا قَوْلُنَا، أَوْ إنَّهُمَا جَمِيعًا حِينَئِذٍ حَلَالٌ، فَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خِلَافُ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ، أَوْ يَقُولُ: إنَّ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا حَلَالٌ لَهُ وَالْأُخْرَى حَرَامٌ، فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا لِوَجْهَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - قَوْلُ اللَّهِ : ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فَمُحَالٌ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا قَدْ فَصَّلَهُ لَنَا - وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ إحْدَاهُمَا حَرَامٌ لَمْ يُفَصِّلْ لَنَا تَحْرِيمَهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - إنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ أَيْضًا بَاطِلٌ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ، لِأَنَّهُمْ يُبِيحُونَ لَهُ وَطْءَ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْلِيلَهُمَا جَمِيعًا، لَا تَحْرِيمَ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ تَخْيِيرُ أَحَدٍ فِي حَرَامٍ وَحَلَالٍ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصُّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ بِذَلِكَ، فَيُوقَفُ عِنْدَهُ، وَأَمَّا بِالرَّأْيِ الْفَاسِدِ فَلَا.
فَصَحَّ قَوْلُنَا يَقِينًا وَبَطَلَ مَا سِوَاهُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَالْخَبَرُ الْمَشْهُورُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَنْ «لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ النَّاسِ، إلَّا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فَإِنَّهُ أَبَاحَهُ -: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ عَلَى خَالَتِهَا» .
стр. 3883
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» .
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَخِيهِ الَّتِي مَاتَ أَخُوهُ عَنْهَا]
١٨٦٢ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلْأَخِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَخِيهِ الَّتِي مَاتَ أَخُوهُ عَنْهَا، أَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، أَوْ إثْرَ طَلَاقِ الْأَخِ لَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا.
وَكَذَلِكَ لِلْعَمِّ وَلِلْخَالِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَيَّهُمَا كَانَ: امْرَأَةً مَاتَ عَنْهَا ابْنُ الْأَخِ أَوْ ابْنُ الْأُخْتِ، أَوْ طَلَّقَاهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْعِدَّةِ، أَوْ إثْرَ طَلَاقٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ وَطْءٌ.
وَكَذَلِكَ لِابْنِ الْأَخِ، وَلِابْنِ الْأُخْتِ أَنْ يَتَزَوَّجَا امْرَأَةَ الْعَمِّ، أَوْ الْخَالِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَوْ طَلَاقِهِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ، أَوْ إثْرَ طَلَاقٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ وَطْءٌ.
هَذَا لَا نَصَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُفَصَّلْ لَنَا تَحْرِيمُهُ فَهُوَ حَلَالٌ.
قَالَ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بَعْدَ ذِكْرِهِ تَعَالَى مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ النِّسَاءِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ زَوَاجُ امْرَأَةِ أَبِيهِ]
١٨٦٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ زَوَاجُ امْرَأَةِ أَبِيهِ، وَلَا مَنْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَبُوهُ وَحَلَّتْ لَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، أَوْ التَّلَذُّذُ مِنْهَا بِزَوَاجٍ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَلَهُ تَمَلُّكُهَا، إلَّا أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَصْلًا.
وَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ زَوَاجُ امْرَأَةٍ وَلَا وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ حَلَّ لِوَلَدِهِ وَطْؤُهَا أَوْ التَّلَذُّذُ مِنْهَا بِزَوَاجٍ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ أَصْلًا.
وَالْجَدُّ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا - وَإِنْ عَلَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ - كَالْأَبِ وَلَا فَرْقَ.
وَابْنُ الِابْنِ وَابْنُ الِابْنَةِ - وَإِنْ سَفُلَا - كَالِابْنِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَلَا فَرْقَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ عَقَدَ فِيهَا الرَّجُلُ زَوَاجًا فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهَا فِي الْأَبَدِ عَلَى أَبِيهِ وَأَجْدَادِهِ، وَعَلَى بَنِيهِ وَعَلَى مَنْ تَنَاسَلَ مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ أَبَدًا.
وَأَمَّا مَنْ حَلَّتْ لِلرَّجُلِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى مَنْ وَلَدَ، وَعَلَى مَنْ وَلَدَهُ - وَفِيمَا لَمْ يَطَأْهَا خِلَافٌ نَذْكُرُ مِنْهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَيَسَّرَ لَنَا ذِكْرُهُ مِنْ ذَلِكَ -:
стр. 3884
ذَكَرَتْ طَائِفَةٌ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى وَلَدِهِ وَآبَائِهِ بِتَجْرِيدِهِ لَهَا فَقَطْ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: جَرَّدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَارِيَةً فَنَظَرَ إلَيْهَا ثُمَّ نَهَى بَعْضَ وَلَدِهِ أَنْ يَقْرَبَهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَى جَارِيَةً فَجَرَّدَهَا وَنَظَرَ إلَيْهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: أَعْطِنِيهَا، فَقَالَ: إنَّهَا لَا تَحِلُّ لَك، إنَّمَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْك النَّظَرُ وَالتَّجْرِيدُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا فُضَيْلٍ عَنْ هِشَامٍ - هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: إنْ جَرَّدَهَا الْأَبُ حَرَّمَهَا عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ جَرَّدَهَا الِابْنُ حَرَّمَهَا عَلَى الْأَبِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَنْ الْحَسَنِ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ - وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُهَا إلَّا اللَّمْسُ وَالنَّظَرُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ مَسْرُوقًا قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: إنَّ جَارِيَتِي هَذِهِ لَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَيْكُمْ إلَّا اللَّمْسُ وَالنَّظَرُ قَالَ سَعِيدٌ: وَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ مَسْرُوقًا قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ: لَمْ أُصِبْ مِنْهَا إلَّا مَا حَرَّمَهَا عَلَى وَلَدِي اللَّمْسَ وَالنَّظَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: يُحَرِّمُ الْوَالِدُ عَلَى وَلَدِهِ، وَالْوَلَدُ عَلَى وَالِدِهِ أَنْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَرْجِهَا، أَوْ فَرْجَهُ عَلَى فَرْجِهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا جَرِيرٌ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقُبْلَةَ وَاللَّمْسَ يُحَرِّمُ: الْأُمَّ وَالْبِنْتَ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُحَرِّمُهَا عَلَى الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ النَّظَرُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - هُوَ الْأَنْصَارِيُّ - عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ - وَكَانَ بَدْرِيًّا - أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لَهُ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا بَنُوهُ وَقَالَ: لَمْ أُصِبْ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا أَنِّي نَظَرْتُ مَنْظَرًا أَكْرَهُ أَنْ يَنْظُرُوهُ مِنْهَا.
стр. 3885
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا وَهْمٌ مِنْ أَبِي شِهَابٍ، إنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ كَذَا رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى -: مِنْهَا - مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ - ابْنَيْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - وَكَانَ أَبُوهُمَا بَدْرِيًّا - أَنَّهُ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لَهُ أَنْ يَبِيعُوهَا وَلَا يَقْرَبُوهَا كَأَنَّهُ اطَّلَعَ مِنْهَا مُطَّلَعًا كَرِهَ أَنْ يَطَّلِعُوا مِنْهَا عَلَى مِثْلِ مَا اطَّلَعَ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى أَنَّ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ، أَوْ النَّظَرَ إلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ يُحَرِّمُهَا، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: " إذَا قَبَّلَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ مِنْ شَهْوَةٍ أَوْ مَسَّ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَبِيهِ، وَلَا لِابْنِهِ ".
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إذَا نَظَرَ الرَّجُلُ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ مِنْ شَهْوَةٍ لَمْ تَحِلَّ لِأَبِيهِ، وَلَا لِابْنِهِ - وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا نَظَرَ إلَى شَيْءٍ مِنْ مَحَاسِنِهَا لِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ فِي الْأَبَدِ عَلَى الْوَلَدِ، كَالسَّاقِ، وَالشَّعْرِ، وَالصَّدْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: إذَا نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا حَرُمَتْ عَلَى وَلَدِهِ.
وَقَالَ طَائِفَةٌ: مِثْلُ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: أَيُّهُمَا مَلَكَ عُقْدَتَهَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَى الْآخَرِ - يَعْنِي الْأَبَ وَالِابْنَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ قَالَ: إذَا مَلَكَ الرَّجُلُ عُقْدَةَ الْمَرْأَةِ حَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ مَلَكَ الرَّقَبَةَ فَقَدْ مَلَكَ الْعُقْدَةَ.
وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ:
стр. 3886
سَمِعْت لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ يَقُولُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: مَنْ مَلَكَ جَارِيَةً مَلَكَهَا أَبُوهُ قَبْلَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ فَرْجُهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُهَا عَلَى الْوَلَدِ إلَّا الْوَطْءُ فَقَطْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالَا جَمِيعًا: لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِمْ إلَّا الْوَطْءُ - يَعْنِيَانِ إمَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ حَرَّمَهَا بِالْمَسِّ لِلشَّهْوَةِ دُونَ مَا دُونَ ذَلِكَ، أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ خَاصَّةً دُونَ مَا دُونَ ذَلِكَ، أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى مَحَاسِنِهَا لِشَهْوَةٍ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ، فَأَقْوَالٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا، إنَّمَا هِيَ آرَاءٌ مُجَرَّدَةٌ لَا يُؤَيِّدُهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَاقِطَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ.
وَأَمَّا صِحَّةُ قَوْلِنَا -: فَلِلْخَبَرِ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ، قَالَ: نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ «الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَقِيَنِي عَمِّي وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَمَةُ الْحَلَالُ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ لَهُ وَطِئَهَا أَوْ لَمْ يَطَأْهَا، نَظَرَ إلَيْهَا، أَوْ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهَا، وَقَالَ اللَّهُ ، ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَالْحَلَائِلُ جَمْعُ حَلِيلَةٍ، وَالْحَلِيلَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ الْحَلَالِ، فَكُلُّ امْرَأَةٍ حَلَّتْ لِرَجُلٍ فَهِيَ حَلِيلَةٌ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَهَا ابْنَةٌ أَوْ مَلَكَهَا وَلَهَا ابْنَةٌ]
١٨٦٤ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَهَا ابْنَةٌ أَوْ مَلَكَهَا وَلَهَا ابْنَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ الِابْنَةُ فِي حِجْرِهِ وَدَخَلَ بِالْأُمِّ مَعَ ذَلِكَ وَطِئَ أَوْ لَمْ يَطَأْ، لَكِنْ خَلَا بِهَا بِالتَّلَذُّذِ: لَمْ تَحِلَّ لَهُ ابْنَتُهَا أَبَدًا، فَإِنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَلَمْ تَكُنِ الِابْنَةُ فِي حِجْرِهِ، أَوْ كَانَتْ الِابْنَةُ فِي حِجْرِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْأُمِّ، فَزَوَاجُ الِابْنَةِ لَهُ حَلَالٌ.
وَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا أُمٌّ أَوْ مَلَكَ أَمَةً تَحِلُّ لَهُ وَلَهَا أُمٌّ فَالْأُمُّ حَرَامٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَبَدَ الْأَبَدِ - وَطِئَ فِي كُلِّ ذَلِكَ الِابْنَةَ أَوْ لَمْ يَطَأْهَا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 3887
فَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ الرَّبِيبَةَ بِنْتَ الزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَةِ إلَّا بِالدُّخُولِ بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ هِيَ فِي حِجْرِهِ، فَلَا تَحْرُمُ إلَّا بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا حَرَّمَ مِنْ النِّسَاءِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وَكَوْنُهَا فِي حِجْرِهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: سُكْنَاهَا مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ، وَكَوْنُهُ كَافِلًا لَهَا.
وَالثَّانِي:
نَظَرُهُ إلَى أُمُورِهَا نَحْوَ الْوِلَايَةِ لَا بِمَعْنَى الْوَكَالَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَقَعُ بِهِ عَلَيْهَا كَوْنُهَا فِي حِجْرِهِ.
وَأَمَّا أُمُّهَا فَيُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ جُمْلَةً: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَأَجْمَلَهَا فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا.
وَفِي كُلِّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ -: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْأُمَّ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِالِابْنَةِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سُئِلَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا إنْ طَلَّقَ الِابْنَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا تَزَوَّجَ أُمَّهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَ أُمَّهَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا: تَزَوَّجَ ابْنَتَهَا، وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁.
نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ - هُوَ قَاضِي صَنْعَاءَ - قَالَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: الرَّبِيبَةُ، وَالْأُمُّ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْمَرْأَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ - هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُوَيْمِرٌ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ كِنَانَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَنْكَحَهُ أَبُوهُ امْرَأَةً بِالطَّائِفِ، قَالَ فَلَمْ أَمَسَّهَا حَتَّى تُوُفِّيَ عَمِّي عَنْ أُمِّهَا - وَأُمُّهَا ذَاتُ مَالٍ كَثِيرٍ - فَقَالَ لِي أَبِي: هَلْ لَك فِي أُمِّهَا؟ قَالَ: فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَخْبَرْته الْخَبَرَ؟ فَقَالَ: انْكِحْ أُمَّهَا - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
стр. 3888
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْأَجْدَعِ تَزَوَّجَ جَارِيَةً شَابَّةً فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَخَطَبَ أُمَّهَا؟ فَقَالَتْ لَهُ: نَعَمْ، إنْ كُنْتُ أَحِلُّ لَك، فَجَاءَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْخَصَ لَهُ - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي شَمْخِ بْنِ فَزَارَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ رَأَى أُمَّهَا فَأَعْجَبَتْهُ فَاسْتَفْتَى ابْنَ مَسْعُودٍ فَأَفْتَاهُ أَنْ يُفَارِقَهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ عَلَى مَا نُورِدُهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِهِ يَقُولُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ أُمِّ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إذَا طَلَّقَ الِابْنَةَ وَلَمْ يُبِحْهُ إنْ مَاتَتْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا؟ قَالَ: إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا تَزَوَّجَ أُمَّهَا، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: إنْ طَلَّقَ الِابْنَةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا تَزَوَّجَ أُمَّهَا، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّهَا.
وَطَائِفَةٌ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْأُمِّ وَالِابْنَةِ -: رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَطَائِفَةٌ تَوَقَّفَتْ فِي كُلِّ ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْأَجْدَعِ تَزَوَّجَ جَارِيَةً فَهَلَكَتْ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَخَطَبَ أُمَّهَا فَقَالَتْ: نَعَمْ، إنْ كُنْتُ أَحِلُّ لَك؟ فَسَأَلَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْخَصَ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَاهُ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ عَزَمَ فِي الْأُمِّ وَأَرْخَصَ فِي
стр. 3889
الرَّبِيبَةِ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ إرْخَاصَ مَنْ أَرْخَصَ لَهُ وَنَهْيَ مَنْ نَهَاهُ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابُك وَفَهِمْت الَّذِي فِيهِ، وَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَك مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْك مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك، وَلَعَمْرِي إنَّ النِّسَاءَ كَثِيرٌ - وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَجَاءَ بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ فَقَرَأَهُ الَّذِي سَأَلَهُمْ؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: صَدَقَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ عَنْ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] مَعْطُوفٌ عَلَى مَا حَرَّمَ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ - وَقَوْلُهُ : ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] نَعْتٌ لِلرَّبَائِبِ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ صِلَةِ الرَّبَائِبِ لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كَانَ رَاجِعًا إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لَكَانَ مَوْضِعُهُ أُمَّهَاتِ نِسَائِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ - وَهَذَا مُحَالٌ فِي الْكَلَامِ.
فَصَحَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي " الرَّبَائِبِ " خَاصَّةً، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى " أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ " وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي " الرَّبِيبَةِ " فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إذَا دَخَلَ بِأُمِّهَا فَقَدْ حَرُمَتْ الْبِنْتُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ -: رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا نَكَحَ ابْنَتَهَا إنْ شَاءَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا؟ فَقَالَ عِمْرَانُ: لَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا - دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا - فَإِنْ طَلَّقَ الْأُمَّ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا تَزَوَّجَ ابْنَتَهَا - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِمِثْلِ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ قَالَ: كَانَ عِنْدِي امْرَأَةٌ قَدْ وَلَدَتْ لِي فَتُوُفِّيَتْ، فَوَجَدْت عَلَيْهَا، فَلَقِيت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالَ لِي: مَالَك؟ قُلْت: تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ، قَالَ: أَلَهَا ابْنَةٌ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِك؟ قُلْت: لَا، هِيَ فِي الطَّائِفِ، قَالَ: فَانْكِحْهَا؟ قُلْت: وَأَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 3890
قَالَ: إنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِك وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي حِجْرِك.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا حَجَّاجٌ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَوْأَةَ يُقَالُ لَهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدٍ - أَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا - أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَوْجَدَهُ نَكَحَ امْرَأَةً ذَاتَ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَاصْطَحَبَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ نَكَحَ امْرَأَةً شَابَّةً، فَقَالَ لَهُ أَحَدُ بَنِيِّ الْأُولَى: قَدْ نَكَحْت عَلَى أُمِّنَا وَكَبُرَتْ فَاسْتَغْنَيْتُ عَنْهَا بِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ فَطَلِّقْهَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ إلَّا أَنْ تُنْكِحَنِي ابْنَتَك؟ قَالَ: فَطَلَّقَهَا وَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ، وَلَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ وَلَا أَبُوهَا ابْنَ الْعَجُوزِ الْمُطَلَّقَةِ، قَالَ: فَجِئْت سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت لَهُ: اسْتَفْتِ لِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ؟ قَالَ: لِتَجِيءَ مَعِي؟ فَأَدْخَلَنِي عَلَى عُمَرَ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْخَبَرَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَاذْهَبْ فَسَلْ فُلَانًا ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي؟ قَالَ: وَلَا أَرَاهُ إلَّا عَلِيًّا - قَالَ: فَسَأَلْته؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَرْطِ اللَّهِ بِغَيْرِ نَصٍّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] إنَّمَا عَنَى الْجِمَاعَ - صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْقُبْلَةَ لِلْأُمِّ الَّتِي تَتَزَوَّجُ تُحَرِّمُ ابْنَتَهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ - وَصَحَّ عَنْهُ - أَنَّ الدُّخُولَ: هُوَ أَنْ يَكْشِفَ، وَيُفَتِّشَ، وَيَجْلِسَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا؟ قَالَ: فَلَوْ غَمَزَ وَلَمْ يَكْشِفْ لَمْ تُحَرَّمْ ابْنَتُهَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا: أَنَّهُ الدُّخُولُ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَشَغَبَ الْمُخَالِفُونَ الَّذِينَ لَا يُرَاعُونَ كَوْنَ الرَّبِيبَةِ فِي حِجْرِ زَوْجِ أُمِّهَا مَعَ دُخُولٍ بِهَا بِآثَارٍ فَاسِدَةٍ.
مِنْهَا: خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحْهَا» .
следующие страницы →