Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
سَمِعْت لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ يَقُولُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: مَنْ مَلَكَ جَارِيَةً مَلَكَهَا أَبُوهُ قَبْلَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ فَرْجُهَا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُهَا عَلَى الْوَلَدِ إلَّا الْوَطْءُ فَقَطْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالَا جَمِيعًا: لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِمْ إلَّا الْوَطْءُ - يَعْنِيَانِ إمَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا مَنْ حَرَّمَهَا بِالْمَسِّ لِلشَّهْوَةِ دُونَ مَا دُونَ ذَلِكَ، أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ خَاصَّةً دُونَ مَا دُونَ ذَلِكَ، أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى مَحَاسِنِهَا لِشَهْوَةٍ دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ، فَأَقْوَالٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا، إنَّمَا هِيَ آرَاءٌ مُجَرَّدَةٌ لَا يُؤَيِّدُهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَاقِطَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ.
وَأَمَّا صِحَّةُ قَوْلِنَا -: فَلِلْخَبَرِ الَّذِي حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ، قَالَ: نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ «الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَقِيَنِي عَمِّي وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَمَةُ الْحَلَالُ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ لَهُ وَطِئَهَا أَوْ لَمْ يَطَأْهَا، نَظَرَ إلَيْهَا، أَوْ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهَا، وَقَالَ اللَّهُ ، ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَالْحَلَائِلُ جَمْعُ حَلِيلَةٍ، وَالْحَلِيلَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ الْحَلَالِ، فَكُلُّ امْرَأَةٍ حَلَّتْ لِرَجُلٍ فَهِيَ حَلِيلَةٌ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَهَا ابْنَةٌ أَوْ مَلَكَهَا وَلَهَا ابْنَةٌ]
١٨٦٤ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَهَا ابْنَةٌ أَوْ مَلَكَهَا وَلَهَا ابْنَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ الِابْنَةُ فِي حِجْرِهِ وَدَخَلَ بِالْأُمِّ مَعَ ذَلِكَ وَطِئَ أَوْ لَمْ يَطَأْ، لَكِنْ خَلَا بِهَا بِالتَّلَذُّذِ: لَمْ تَحِلَّ لَهُ ابْنَتُهَا أَبَدًا، فَإِنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَلَمْ تَكُنِ الِابْنَةُ فِي حِجْرِهِ، أَوْ كَانَتْ الِابْنَةُ فِي حِجْرِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْأُمِّ، فَزَوَاجُ الِابْنَةِ لَهُ حَلَالٌ.
وَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا أُمٌّ أَوْ مَلَكَ أَمَةً تَحِلُّ لَهُ وَلَهَا أُمٌّ فَالْأُمُّ حَرَامٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَبَدَ الْأَبَدِ - وَطِئَ فِي كُلِّ ذَلِكَ الِابْنَةَ أَوْ لَمْ يَطَأْهَا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 3887
فَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ الرَّبِيبَةَ بِنْتَ الزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَةِ إلَّا بِالدُّخُولِ بِهَا، وَأَنْ تَكُونَ هِيَ فِي حِجْرِهِ، فَلَا تَحْرُمُ إلَّا بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا حَرَّمَ مِنْ النِّسَاءِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
وَكَوْنُهَا فِي حِجْرِهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ -: أَحَدُهُمَا: سُكْنَاهَا مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ، وَكَوْنُهُ كَافِلًا لَهَا.
وَالثَّانِي:
نَظَرُهُ إلَى أُمُورِهَا نَحْوَ الْوِلَايَةِ لَا بِمَعْنَى الْوَكَالَةِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَقَعُ بِهِ عَلَيْهَا كَوْنُهَا فِي حِجْرِهِ.
وَأَمَّا أُمُّهَا فَيُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ جُمْلَةً: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَأَجْمَلَهَا فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا.
وَفِي كُلِّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ -: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْأُمَّ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِالِابْنَةِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سُئِلَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: هُمَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا إنْ طَلَّقَ الِابْنَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا تَزَوَّجَ أُمَّهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَ أُمَّهَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا: تَزَوَّجَ ابْنَتَهَا، وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁.
نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ - هُوَ قَاضِي صَنْعَاءَ - قَالَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: الرَّبِيبَةُ، وَالْأُمُّ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْمَرْأَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ - هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُوَيْمِرٌ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ كِنَانَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَنْكَحَهُ أَبُوهُ امْرَأَةً بِالطَّائِفِ، قَالَ فَلَمْ أَمَسَّهَا حَتَّى تُوُفِّيَ عَمِّي عَنْ أُمِّهَا - وَأُمُّهَا ذَاتُ مَالٍ كَثِيرٍ - فَقَالَ لِي أَبِي: هَلْ لَك فِي أُمِّهَا؟ قَالَ: فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَخْبَرْته الْخَبَرَ؟ فَقَالَ: انْكِحْ أُمَّهَا - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
стр. 3888
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْأَجْدَعِ تَزَوَّجَ جَارِيَةً شَابَّةً فَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَخَطَبَ أُمَّهَا؟ فَقَالَتْ لَهُ: نَعَمْ، إنْ كُنْتُ أَحِلُّ لَك، فَجَاءَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْخَصَ لَهُ - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي شَمْخِ بْنِ فَزَارَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ رَأَى أُمَّهَا فَأَعْجَبَتْهُ فَاسْتَفْتَى ابْنَ مَسْعُودٍ فَأَفْتَاهُ أَنْ يُفَارِقَهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا فَتَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا - وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ عَلَى مَا نُورِدُهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِهِ يَقُولُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ بِإِبَاحَةِ نِكَاحِ أُمِّ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إذَا طَلَّقَ الِابْنَةَ وَلَمْ يُبِحْهُ إنْ مَاتَتْ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا؟ قَالَ: إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا تَزَوَّجَ أُمَّهَا، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: إنْ طَلَّقَ الِابْنَةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا تَزَوَّجَ أُمَّهَا، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّهَا.
وَطَائِفَةٌ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْأُمِّ وَالِابْنَةِ -: رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَطَائِفَةٌ تَوَقَّفَتْ فِي كُلِّ ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ عَبْدِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْأَجْدَعِ تَزَوَّجَ جَارِيَةً فَهَلَكَتْ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَخَطَبَ أُمَّهَا فَقَالَتْ: نَعَمْ، إنْ كُنْتُ أَحِلُّ لَك؟ فَسَأَلَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْخَصَ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ نَهَاهُ وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ عَزَمَ فِي الْأُمِّ وَأَرْخَصَ فِي
стр. 3889
الرَّبِيبَةِ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ إرْخَاصَ مَنْ أَرْخَصَ لَهُ وَنَهْيَ مَنْ نَهَاهُ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابُك وَفَهِمْت الَّذِي فِيهِ، وَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَك مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك، وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْك مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك، وَلَعَمْرِي إنَّ النِّسَاءَ كَثِيرٌ - وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَجَاءَ بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ فَقَرَأَهُ الَّذِي سَأَلَهُمْ؟ فَكُلُّهُمْ قَالَ: صَدَقَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: فَانْصَرَفَ عَنْ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] مَعْطُوفٌ عَلَى مَا حَرَّمَ، هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ - وَقَوْلُهُ : ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] نَعْتٌ لِلرَّبَائِبِ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ صِلَةِ الرَّبَائِبِ لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، إذْ لَوْ كَانَ رَاجِعًا إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لَكَانَ مَوْضِعُهُ أُمَّهَاتِ نِسَائِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ - وَهَذَا مُحَالٌ فِي الْكَلَامِ.
فَصَحَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي " الرَّبَائِبِ " خَاصَّةً، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى " أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ " وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي " الرَّبِيبَةِ " فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إذَا دَخَلَ بِأُمِّهَا فَقَدْ حَرُمَتْ الْبِنْتُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ -: رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا نَكَحَ ابْنَتَهَا إنْ شَاءَ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا؟ فَقَالَ عِمْرَانُ: لَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا - دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا - فَإِنْ طَلَّقَ الْأُمَّ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا تَزَوَّجَ ابْنَتَهَا - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِمِثْلِ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ قَالَ: كَانَ عِنْدِي امْرَأَةٌ قَدْ وَلَدَتْ لِي فَتُوُفِّيَتْ، فَوَجَدْت عَلَيْهَا، فَلَقِيت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالَ لِي: مَالَك؟ قُلْت: تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ، قَالَ: أَلَهَا ابْنَةٌ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِك؟ قُلْت: لَا، هِيَ فِي الطَّائِفِ، قَالَ: فَانْكِحْهَا؟ قُلْت: وَأَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 3890
قَالَ: إنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِك وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي حِجْرِك.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا حَجَّاجٌ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَوْأَةَ يُقَالُ لَهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدٍ - أَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا - أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَوْجَدَهُ نَكَحَ امْرَأَةً ذَاتَ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِهِ، فَاصْطَحَبَا مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ نَكَحَ امْرَأَةً شَابَّةً، فَقَالَ لَهُ أَحَدُ بَنِيِّ الْأُولَى: قَدْ نَكَحْت عَلَى أُمِّنَا وَكَبُرَتْ فَاسْتَغْنَيْتُ عَنْهَا بِامْرَأَةٍ شَابَّةٍ فَطَلِّقْهَا؟ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ إلَّا أَنْ تُنْكِحَنِي ابْنَتَك؟ قَالَ: فَطَلَّقَهَا وَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ، وَلَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ وَلَا أَبُوهَا ابْنَ الْعَجُوزِ الْمُطَلَّقَةِ، قَالَ: فَجِئْت سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت لَهُ: اسْتَفْتِ لِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ؟ قَالَ: لِتَجِيءَ مَعِي؟ فَأَدْخَلَنِي عَلَى عُمَرَ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْخَبَرَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَاذْهَبْ فَسَلْ فُلَانًا ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي؟ قَالَ: وَلَا أَرَاهُ إلَّا عَلِيًّا - قَالَ: فَسَأَلْته؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَرْطِ اللَّهِ بِغَيْرِ نَصٍّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] إنَّمَا عَنَى الْجِمَاعَ - صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الْقُبْلَةَ لِلْأُمِّ الَّتِي تَتَزَوَّجُ تُحَرِّمُ ابْنَتَهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ - وَصَحَّ عَنْهُ - أَنَّ الدُّخُولَ: هُوَ أَنْ يَكْشِفَ، وَيُفَتِّشَ، وَيَجْلِسَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا؟ قَالَ: فَلَوْ غَمَزَ وَلَمْ يَكْشِفْ لَمْ تُحَرَّمْ ابْنَتُهَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا: أَنَّهُ الدُّخُولُ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَشَغَبَ الْمُخَالِفُونَ الَّذِينَ لَا يُرَاعُونَ كَوْنَ الرَّبِيبَةِ فِي حِجْرِ زَوْجِ أُمِّهَا مَعَ دُخُولٍ بِهَا بِآثَارٍ فَاسِدَةٍ.
مِنْهَا: خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحْهَا» .
стр. 3891
وَهَذَا هَالِكٌ مُنْقَطِعٌ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَالْمُثَنَّى: ضَعِيفَانِ.
وَبِخَبَرٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا " مَنْ كَشَفَ عَنْ فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا فَهُوَ مَلْعُونٌ " وَهَذَا طَرِيفٌ جِدًّا.
وَبِخَبَرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرْت عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمِّ الْحَكَمِ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَنَيْت بِامْرَأَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَفَأَنْكِحُ ابْنَتَهَا؟ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَا يَصْلُحُ لَك أَنْ تَنْكِحَ امْرَأَةً تَطَّلِعُ مِنْ ابْنَتِهَا عَلَى مَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْهَا» وَهَذَا مُنْقَطِعٌ فِي مَوْضِعَيْنِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: فِي الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيَغْمِزُهَا لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ: أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا» وَهَذَا أَشَدُّ انْقِطَاعًا.
وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ مِنْ طَرِيقِ «أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَقَالَ لَهَا ﵊: وَاَللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي فِي الرَّضَاعَةِ» .
قَالُوا: فَلَمْ يَذْكُرْ كَوْنَهَا فِي حِجْرِهِ؟ فَقُلْنَا: وَلَا ذَكَرَ دُخُولَهُ بِهَا أَيْضًا، إنَّمَا فِي هَذَا الْخَبَرِ كَوْنُهَا رَبِيبَةً لَهُ فَقَطْ وَبِعَقْدِ النِّكَاحِ تَكُونُ رَبِيبَتَهُ، وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَكَيْفَ وَهَذَا خَبَرٌ هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ.
وَرَوَاهُ مَنْ لَيْسَ دُونَ هِشَامٍ فَزَادَ بَيَانًا -: كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ «أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ - لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فَأَثْبَتُوا فِيهِ ذِكْرَهُ ﵊ كَوْنَهَا فِي حِجْرِهِ.
وَهَكَذَا رُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا
стр. 3892
شُعَيْبُ - هُوَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ - عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَفِيهِ «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي» وَلَا شَكَّ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ عَنْ قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ أَسْقَطَ بَعْضُ الرُّوَاةِ لَفْظَةً أَثْبَتَهَا غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ وَفَوْقَهُ فِي الْحِفْظِ، فَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِالْأَنْقَصِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْقُرْآنِ.
وَمَوَّهُوا بِحَمَاقَاتٍ -: مِثْلُ أَنْ قَالُوا: أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] عَلَى الْأَغْلَبِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِخْبَارٌ عَنْهُ بِالْبَاطِلِ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ هَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ اللَّاتِي لَمْ يُؤْتِهِنَّ أُجُورَهُنَّ؟ .
فَقُلْنَا: لَوْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ آخَرُ بِإِحْلَالِ الْمَوْهُوبَةِ وَاَلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا فَرِيضَةٌ لَمَا حَلَّتْ إلَّا اللَّاتِي يُؤْتِيهِنَّ أُجُورَهُنَّ، وَأَنْتُمْ لَا نَصَّ فِي أَيْدِيكُمْ يُحَرِّمُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ مِنْ الرَّبَائِبِ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ: كُلُّ تَحْرِيمٍ لَهُ سَبَبَانِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا إذَا انْفَرَدَ كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ؟
قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا كَذِبٌ مُجَرَّدٌ، بَلْ لَا تَأْثِيرَ لَهُ دُونَ اجْتِمَاعِهِ فِي السَّبَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مَعَهُ.
وَادَّعَوْا أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ عُبَيْدٍ الَّذِي رَوَى عَنْ عَلِيٍّ إبَاحَةَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: بَلْ كَذَبُوا، هُوَ مَشْهُورٌ ثِقَةٌ، رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ.
فَوَضَحَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ بِيَقِينٍ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
[مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَزَوْجَةِ أَبِيهَا وَزَوْجَةِ ابْنِهَا وَابْنَةِ عَمِّهَا]
١٨٦٥ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَزَوْجَةِ أَبِيهَا، وَزَوْجَةِ ابْنِهَا وَابْنَةِ عَمِّهَا لَحًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ.
وَكَذَلِكَ تَحِلُّ لَهُ امْرَأَةُ زَوْجِ أُمِّهِ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ قَدِيمٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِهِ الْآنَ.
стр. 3893
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ نِكَاحُ: الْخَصِيِّ، وَالْعَقِيمِ، وَالْعَاقِرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِنَهْيٍ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُحَرَّمُ وَطْءُ حَرَامٍ نِكَاحًا حَلَالًا إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ]
١٨٦٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُحَرَّمُ وَطْءُ حَرَامٍ نِكَاحًا حَلَالًا إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ: وَهُوَ أَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ، فَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ تَنَاسَلَ مِنْهُ أَبَدًا.
وَأَمَّا لَوْ زَنَى الِابْنُ بِهَا ثُمَّ تَابَتْ لَمْ يَحْرُمْ بِذَلِكَ نِكَاحُهَا عَلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ.
وَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ إذَا تَابَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، أَوْ ابْنَتَهَا - وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ وَالزِّنَا فِي هَذَا كُلِّهِ سَوَاءٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: النِّكَاحُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ يَقَعُ عَلَى شَيْئَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - الْوَطْءُ، كَيْفَ كَانَ بِحَرَامٍ أَوْ بِحَلَالٍ. وَالْآخَرُ - الْعَقْدُ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْآيَةِ بِدَعْوَى بِغَيْرِ نَصٍّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ رَسُولِهِ ﷺ فَأَيُّ نِكَاحٍ نَكَحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ - حُرَّةً أَوْ أَمَةً بِحَلَالٍ أَوْ بِحَرَامٍ - فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى وَلَدِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ.
وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَحْرِيمِ نِكَاحٍ حَلَالٍ مِنْ أَجْلِ وَطْءٍ حَرَامٍ، فَالْقَوْلُ بِهِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ شَرْعٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ .
وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّ وَطْءَ الْحَرَامِ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ -: رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ لَهُ سَبْعَةَ رِجَالٍ كُلُّهُمْ صَارَ رَجُلًا يَحْمِلُ السِّلَاحَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَصَابَ مِنْ أُمِّهَا مَا لَا يَحِلُّ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ: لَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إذَا كَانَ الْحَلَالُ يُحَرِّمُ الْحَرَامَ فَالْحَرَامُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا.
وَعَنْ
стр. 3894
ابْنُ مَعْقِلٍ: هِيَ لَا تَحِلُّ فِي الْحَلَالِ فَكَيْفَ تَحِلُّ لَهُ فِي الْحَرَامِ وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيع عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إذَا قَبَّلَهَا أَوْ لَامَسَهَا أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا مِنْ شَهْوَةٍ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسِيحٍ قَالَ: سَأَلْتُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ رَجُلٍ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ أُمَّهَا أَوْ يَتَزَوَّجَهَا؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ.
وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَأَلَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ جَارِيَةً أَرْضَعَتْهَا هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مَا كَانَ فِي الْحَلَالِ حَرَامًا فَهُوَ فِي الْحَرَامِ حَرَامٌ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِيمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا أَبَدًا - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ؟ نَعَمْ، وَلَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: يُرْوَى عَنْ يَحْيَى الْكِنْدِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَا جَمِيعًا: مَنْ أَوْلَجَ فِي صَبِيٍّ فَلَا يَتَزَوَّجُ أُمَّهُ - وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ حَتَّى أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَاطَ بِغُلَامٍ لَمْ يَحِلَّ لِلْفَاعِلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ الْمَفْعُولِ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، إذَا لَمَسَ لِشَهْوَةٍ حَرَامًا، أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا وَلَا ابْنَتِهَا، وَحُرِّمَ نِكَاحُهَا عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ أَبَدًا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ فِيهِ إلَّا بِالْوَطْءِ فَقَطْ.
وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ: فَلَمْ يُحَرِّمُوا بِوَطْءٍ حَرَامٍ نِكَاحًا حَلَالًا - رُوِّينَا ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ نا يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ - هُوَ الْقَطَّانُ - نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا جَمِيعًا: الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ؟ فَقَالَ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَا جَمِيعًا: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ - وَهُوَ
стр. 3895
أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَان، وَأَصْحَابِهِمَا، وَأَصْحَابِنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ الْمَانِعُونَ مِنْ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] .
وَبِمُرْسَلَيْنِ -: فِي أَحَدِهِمَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرْت عَنْ ابْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمِّ الْحَكَمِ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ امْرَأَةٍ كَانَ زَنَى بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَيَنْكِحُ الْآنَ ابْنَتَهَا؟ فَقَالَ ﵊ لَا أَرَى ذَلِكَ وَلَا يَصْلُحُ لَكَ أَنْ تَنْكِحَ امْرَأَةً تَطَّلِعُ مِنْ ابْنَتِهَا عَلَى مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنْهَا» .
وَالْآخَرُ - فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي هَانِئٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْآيَةِ فَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا الْخَبَرَانِ - فَمُرْسَلَانِ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ، لَا سِيَّمَا وَفِي أَحَدِهِمَا: انْقِطَاعٌ آخَرُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمِّ الْحَكَمِ مَجْهُولٌ - وَفِي الْآخَرِ: الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ - وَهُوَ هَالِكٌ - عَنْ أَبِي هَانِئٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَقَدْ عَارَضَهُمَا خَبَرٌ آخَرُ - لَا نُورِدُهُ احْتِجَاجًا بِهِ، لَكِنْ مُعَارَضَةً لِلْفَاسِدِ بِمَا إنْ لَمْ يَكُنْ أَحْسَنَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ دُونَهُ، وَهُوَ مَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ اتَّبَعَ امْرَأَةً حَرَامًا أَيَنْكِحُ ابْنَتَهَا أَوْ أُمَّهَا؟ فَقَالَ: لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ، وَإِنَّمَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ نِكَاحًا حَلَالًا» .
وَمَوَّهُوا أَيْضًا - بِأَنْ قَالُوا: مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، أَوْ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، أَوْ إحْدَاهُمَا: مُحْرِمٌ، أَوْ مُعْتَكِفٌ، أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْ أَمَتَهُ الْوَثَنِيَّةَ، أَوْ ذِمِّيَّةً، عَمْدًا، ذَاكِرًا، فَإِنَّهُ وَطِئَ حَرَامًا - وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرِّمٌ لِأُمِّهَا وَابْنَتِهَا، وَمُحَرِّمٌ لَهَا عَلَى آبَائِهِ، وَبَنِيهِ، فَكَذَلِكَ كُلُّ وَطْءٍ حَرَامٍ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلْ وَطِئَ فِرَاشًا حَلَالًا، وَإِنَّمَا حُرِّمَ لِعِلَّةٍ لَوْ
стр. 3896
ارْتَفَعَتْ حَلَّ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا حِلَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَطَأْ إلَّا زَوْجَتَهُ، أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ صَحِيحٍ، فَلَاحَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمَوَّهُوا أَيْضًا - بِأَنْ قَالُوا: مَنْ وَطِئَ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ - بِجَهْلٍ أَوْ بِغَيْرِهِ - فَهُوَ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَهُوَ يُحَرِّمُ أُمَّهَا وَابْنَتَهَا، وَيُحَرِّمُهَا عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي صِحَّتِهِ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا حُجَّةَ فِي سِوَاهُمَا - وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهَا حَلَالٌ لِوَلَدِهِ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَحَلَالٌ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا وَابْنَتِهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا، وَلَا ابْنَتُهَا، وَلَا تُحَرَّمُ عَلَى وَالِدِهِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ حَلَائِلِ ابْنِهِ، وَلَا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا حَلَّ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَهُ مِنْهَا، وَلَتَوَارَثَا، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ صَحَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ، وَإِنَّمَا تُحَرَّمُ عَلَى الِابْنِ فَقَطْ، لِأَنَّهَا مِمَّا نَكَحَ أَبُوهُ إنْ كَانَ وَطِئَهَا، وَإِلَّا فَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ.
وَمَوَّهُوا أَيْضًا - بِأَنْ قَالُوا: مَنْ وَطِئَ أَمَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَهُوَ وَطْءٌ حَرَامٌ، وَهِيَ تُحَرَّمُ بِذَلِكَ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ هُوَ زِنًى مَحْضٌ وَمَا وَجَدْنَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى: امْرَأَةً تَحِلُّ أَنْ يَتَدَاوَلَهَا رَجُلَانِ، هَذِهِ أَخْلَاقُ الْكِلَابِ، وَمِلَّةُ الشَّيْطَانِ، لَا أَخْلَاقُ النَّاسِ، وَلَا دِينُ اللَّهِ ، وَلَا تَحْرُمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ أُمُّهَا، وَلَا ابْنَتُهَا، وَلَا تُحَرَّمُ عَلَى ابْنِهِ إنَّمَا تُحَرَّمُ عَلَى الْأَبِ فَقَطْ، لِمَا قَدَّمْنَا -.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَمَوَّهُوا بِأَنْ قَالُوا: إذَا اجْتَمَعَ الْحَرَامُ وَالْحَلَالُ غُلِبَ الْحَرَامُ، فَقَوْلٌ لَا يَصِحُّ، وَلَا جَاءَ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ قَطُّ - وَيَلْزَمُ مَنْ صَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ أَنْ يَقُولَ: إنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا أَبَدًا، لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا حَرَامٌ وَحَلَالٌ.
وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَلْحَقَهُ بِزَمْعَةَ، وَأَمَرَ سَوْدَةَ بِأَنْ تَحْتَجِبَ عَنْهُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ رُمْنَا أَنْ نَفْهَمَ وَجْهَ احْتِجَاجِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ فَمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَهِيَ شَغِيبَةٌ بَارِدَةٌ مُمَوِّهَةٌ - وَالْخَبَرُ صَحِيحٌ ظَاهِرُ الْوَجْهِ، وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ أَلْحَقَهُ بِزَمْعَةَ بِظَاهِرِ وِلَادَتِهِ عَلَى فِرَاشِ زَمْعَةَ، وَأَفْتَى أُخْتَهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ بِأَنْ لَا يَرَاهَا، خَوْفَ أَنْ
стр. 3897
يَكُونَ مِنْ غَيْرِ نُطْفَةِ أَبِيهَا، وَاحْتِجَابُ الْمَرْأَةِ عَنْ أَخِيهَا شَقِيقِهَا مُبَاحٌ إذَا لَمْ تَقْطَعْ رَحِمَهُ وَلَا مَنَعَتْهُ رِفْدَهَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَإِذْ قَدْ بَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - فَلْنَأْتِ بِالْبُرْهَانِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ فَصَّلَ لَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ الْمَنَاكِحِ إلَى أَنْ أَتَمَّ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَمَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَا فَصَّلَ تَحْرِيمَهُ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ، وَحَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى، وَشَرَعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُحَرَّمُ عَلَى ابْنٍ مِنْ زِنْجِيَّةٍ لِغِيَّةٍ نِكَاحُ ابْنَةِ الْخَلِيفَةِ الْهَاشِمِيِّ]
١٨٦٧ - (١٨٧٥ فِي النُّسَخِ الْأُخْرَى) - مَسْأَلَةٌ: وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ إخْوَةٌ لَا يُحَرَّمُ عَلَى ابْنٍ مِنْ زِنْجِيَّةٍ لِغِيَّةٍ نِكَاحُ ابْنَةِ الْخَلِيفَةِ الْهَاشِمِيِّ. وَالْفَاسِقُ - الَّذِي بَلَغَ الْغَايَةَ مِنْ الْفِسْقِ - الْمُسْلِمُ - مَا لَمْ يَكُنْ زَانِيًا - كُفُؤٌ لِلْمُسْلِمَةِ الْفَاضِلَةِ.
وَكَذَلِكَ الْفَاضِلُ الْمُسْلِمُ كُفُؤٌ لِلْمُسْلِمَةِ الْفَاسِقَةِ مَا لَمْ تَكُنْ زَانِيَةً؟ وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ فَنِكَاحُ الْأَقَارِبِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ - صَاحِبُ مَالِكٍ - وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: يُفْسَخُ نِكَاحُ الْمَوْلَى لِلْعَرَبِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ رَضِيَتْ الْقُرَشِيَّةُ بِالْمَوْلَى وَوَفَّاهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا أَمَرَ الْوَلِيُّ أَنْ يَنْكِحَهَا فَإِنْ أَبَى أَنْكَحَهَا الْقَاضِي.
وَقَالَ مَالِكٌ: وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ كَقَوْلِنَا.
стр. 3898
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: احْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِآثَارٍ سَاقِطَةٍ، وَالْحُجَّةُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .
وقَوْله تَعَالَى مُخَاطِبًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] .
وَذَكَرَ مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ النِّسَاءِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
وَقَدْ أَنْكَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْدًا مَوْلَاهُ.
وَأَنْكَحَ الْمِقْدَادَ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَإِنَّمَا تَخَيَّرْنَا نِكَاحَ الْأَقَارِبِ، لِأَنَّهُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْكِحْ بَنَاتَهِ إلَّا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُنَا فِي الْفَاسِقِ، وَالْفَاسِقَةِ، فَيَلْزَمُ مَنْ خَالَفَنَا أَنْ لَا يُجِيزَ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَنْكِحَ إلَّا فَاسِقَةً، وَأَنْ لَا يُجِيزَ لِلْفَاسِقَةِ أَنْ يَنْكِحَهَا إلَّا فَاسِقٌ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ تَزْوِيجُ الْمَرِيضِ الْمُوقِنِ بِالْمَوْتِ أَوْ غَيْرِ الْمُوقِنِ]
١٨٦٨ - مَسْأَلَةٌ: وَتَزْوِيجُ الْمَرِيضِ الْمُوقِنِ بِالْمَوْتِ، أَوْ غَيْرِ الْمُوقِنِ: مَرِيضَةً كَذَلِكَ أَوْ صَحِيحَةً جَائِزٌ، وَيَرِثُهَا وَتَرِثُهُ: مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ أَوْ صَحَّ ثُمَّ مَاتَ.
وَكَذَلِكَ لِلْمَرِيضَةِ الْمُوقِنَةِ وَغَيْرِ الْمُوقِنَةِ: أَنْ تَتَزَوَّجَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا، وَلَهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى كَالصَّحِيحَيْنِ وَلَا فَرْقَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ نِكَاحُ الْمَرِيضِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ الدُّخُولِ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا فِي ثُلُثِ مَالِهِ، بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ أَلْبَتَّةَ.
قَالَ: فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَهَا فَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ وَلَا مِيرَاثَ لَهَا
стр. 3899
قَالَ: فَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ - وَقَدْ كَانَ دَخَلَ بِهَا - فَأَرَى أَنْ يُفَارِقَهَا وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: إنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ النِّكَاحُ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ وَلَا يَرِثَهَا الَّذِي يَتَزَوَّجُهَا - دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ - وَلَهَا الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إنْ دَخَلَ بِهَا.
قَالَ: وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ - وَهِيَ حَامِلٌ طَلَاقًا بَائِنًا فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إذَا أَتَمَّتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؟ وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا نَعْرِفُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ.
وَمِمَّنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمَرِيضِ -: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ ذَلِكَ النِّكَاحُ.
وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: صَدَاقُ الَّتِي تَتَزَوَّجُ الْمَرِيضَ فِي ثُلُثِهِ.
وَاخْتَلَفَ عَنْ رَبِيعَةَ -: فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ سَمْعَانَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - أَنَّ صَدَاقَهَا فِي ثُلُثِهِ، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا - قَالَ ابْنُ سَمْعَانَ: وَقَضَى بِهَذَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ فِي نِكَاحِ بِنْتِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ عِيَاضٍ الزُّهْرِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ مَعْمَرٍ - وَهُوَ ثِقَةٌ - أَنَّ صَدَاقَهَا وَمِيرَاثَهَا فِي ثُلُثِهِ.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ.
وَرَاعَى آخَرُونَ الْمُضَارَّةَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَأَلْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَزْوِيجِ الْمَرِيضِ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: إنْ لَمْ يَكُنْ مُضَارًّا جَازَ تَزْوِيجُهُ - وَإِنْ كَانَ مُضَارًّا لَمْ يَجُزْ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ، قَالَا: فَإِنْ خَلَا بِهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيُّ فِي نِكَاحِ الْمَرِيضِ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْإِضْرَارُ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَلَا نَرَى أَنْ تَرِثَهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضِرَارًا.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ قَتَادَةُ: إنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا مِنْ حَاجَةٍ إلَيْهَا فِي خِدْمَتِهِ، أَوْ فِي قِيَامٍ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ
стр. 3900
الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إلَّا عَشْرَةُ أَيَّامٍ أَنْ أَمُوتَ فِي آخِرِهَا يَوْمًا لِي فِيهِنَّ طَوْلٌ لِلنِّكَاحِ لَتَزَوَّجْت مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: زَوِّجُونِي، إنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ عَزَبًا.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَا جَمِيعًا: نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - هُوَ الضَّرِيرُ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الزُّبَيْرِ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ يَعُودُهُ فَبَشَّرَ الزُّبَيْرُ بِجَارِيَةٍ وَهُوَ عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ قُدَامَةُ: زَوِّجْنِيهَا؟ فَقَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: وَمَا تَصْنَعُ بِجَارِيَةٍ صَغِيرَةٍ وَأَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ؟ فَقَالَ لَهُ قُدَامَةُ: إنْ أَنَا عِشْت فَابْنَةُ الزُّبَيْرِ، وَإِنْ مِتُّ فَأَحَقُّ مَنْ وَرِثَتْنِي، قَالَ عُرْوَةُ: فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بِنْتَ عَمٍّ لَهُ فِي مَرَضِهِ لِتَرِثَهُ، فَمَاتَ فَوَرِثَتْهُ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثَنِيّ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ بِنْتَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَمِّهِ - وَهُوَ مَرِيضٌ - لِتُشْرِكَ نِسَاءَهُ فِي الْمِيرَاثِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ اللَّهِ لَهُ صُحْبَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَا جَمِيعًا: نا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ سَعِيدٌ فِي رِوَايَتِهِ: سَمِعْت الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: تَزْوِيجُ الْمَرِيضِ جَائِزٌ، وَشِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ نَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: نِكَاحُ الْمَرِيضِ جَائِزٌ، وَلَا يُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ.
стр. 3901
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: نِكَاحُ الْمَرِيضِ جَائِزٌ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِمَا وَكُلُّهُمْ يَرَى الصَّدَاقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا.
وَرَأَى الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: أَنَّ لَهَا الصَّدَاقَ الْمُسَمَّى لَهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَتَزَوَّجَ شَيْخُنَا أَبُو الْخِيَارِ مَسْعُودُ بْنُ سُلَيْمَانَ ﵁ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعِ لَيَالٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ يَائِسٌ مِنْ الْحَيَاةِ وَدَخَلَ بِهَا إحْيَاءً لِلسُّنَّةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَهْدُنَا بِالْمَالِكِيِّينَ يُعَظِّمُونَ خِلَافَ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃: مُخَالِفٌ وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَالزُّبَيْرَ، وَقُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، بِحَضْرَةِ جَمِيعِ الْأَحْيَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ، وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ النِّكَاحَ، وَلَمْ يَخُصَّ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ: صَحِيحًا وَصَحِيحَةً مِنْ مَرِيضٍ وَمَرِيضَةٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]
وَمَا نَعْلَمُ لِلْمُخَالِفِ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ يُعْقَلُ، غَيْرُ أَنَّ بَعْضَهُمْ احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ مَنْ يُشْرِكُهُمْ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُونَ: إنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ - وَهُوَ مُوقِنٌ بِالْمَوْتِ - بِابْنِ أَمَةٍ لَهُ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ: إنَّهُ عَبْدُهُ - فَأَقَرَّ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَإِنَّ إقْرَارَهُ نَافِذٌ، وَيَرِثُ مَالَهُ - فَأَجَازُوا أَنْ يُدْخِلَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ مَنْ يَحْرِمُهُمْ الْكُلَّ، وَمَنَعُوهُ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَحُطُّهُمْ الْيَسِيرَ، وَهَذَا غَايَةُ التَّخْلِيطِ.
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ رَجُلًا مَرِيضًا يَائِسًا مِنْ الْفَاقَةِ وَالْعَيْشِ ابْتَاعَ جَارِيَةً وَأَشْهَدَ النَّاسَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَبْتَاعُهَا لِيَطْلُبَ مِنْهَا الْوَلَدَ، لِيَمْنَعَ بِذَلِكَ وَرَثَتَهُ الْمِيرَاثَ، فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُبَاحٌ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ وَقَدْ لَا تَحْمِلُ؟
стр. 3902
قُلْنَا: وَاَلَّتِي تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ قَدْ تَمُوتُ هِيَ قَبْلَهُ فَيَرِثُهَا فَيَزِيدُ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ فِي مِيرَاثِهِمْ، وَلَيْتَ شِعْرِي أَيَمْنَعُونَ الْمُسْلِمَ الْمَرِيضَ مِنْ زَوَاجِ مَمْلُوكَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ لَا يَرِثَانِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَمْنَعُونَ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الزَّوَاجِ؟ وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ تَرْكِ أَصْلِهِمْ الْفَاسِدِ ضَرُورَةً أَوْ التَّنَاقُضُ.
وَقَالُوا: قِسْنَا نِكَاحَ الْمَرِيضِ عَلَى طَلَاقِهِ؟ فَقُلْنَا: قِسْتُمْ الْخَطَأَ عَلَى الْخَطَأِ، ثُمَّ أَخْطَأْتُمْ فِي الْقِيَاسِ، لِأَنَّكُمْ أَجَزْتُمْ طَلَاقَ الْمَرِيضِ وَوَرَّثْتُمُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ إصَابَةَ الْقِيَاسِ فَأَجِيزُوا نِكَاحَهُ، وَامْنَعُوهُ الْمِيرَاثَ مَعَ ذَلِكَ - وَهَذَا مِمَّا تَرَكَ فِيهِ الْحَنَفِيُّونَ الْقِيَاسَ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ.
وَمِنْ الْعَجَائِبِ أَنَّ مَالِكًا يَفْسَخُ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْفَارَّةِ، كَمَا يَفْسَخُ نِكَاحَ الصَّحِيحَةِ لِلْمَرِيضِ، وَلَا يَدَعُ لِلْفَارَّةِ مِمَّا سُمِّيَ لَهَا إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَيَجْعَلُ لِلَّتِي تَزَوَّجَتْ الْمَرِيضَ جَمِيعَ مَهْرِ مِثْلِهَا - فَهَلْ يُسْمَعُ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا التَّحَكُّمِ بِلَا بُرْهَانٍ
[مَسْأَلَةٌ حَمَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زِنًى أَوْ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَفْسُوخٍ]
؟ ١٨٦٩ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ حَمَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زِنًى، أَوْ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَفْسُوخٍ، أَوْ كَانَ نِكَاحًا صَحِيحًا فَفَسْخٌ لِحَقٍّ وَاجِبٍ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَحَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلِكُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، كُلُّ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ، أَوْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَهَاتَانِ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الزَّوَاجُ أَلْبَتَّةَ حَتَّى يَضَعَا حَمْلَهُمَا، وَحَاشَا الْمُعْتَقَةَ الْحَامِلَةَ تَخْتَارُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ نِكَاحَ هَذِهِ مَفْسُوخٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الْحَامِلَ الْمُطَلَّقَةَ، أَوْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا: هِيَ مُعْتَدَّةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَ الْمُعْتَدَّةِ جُمْلَةً حَتَّى تَتِمَّ عِدَّتُهَا.
وَأَمَّا سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا فَلَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ إيجَابُ عِدَّةٍ عَلَيْهِنَّ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْهُنَّ، إلَّا عَلَى الْمُعْتَقَةِ تَخْتَارُ نَفْسَهَا فَقَطْ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ مِنْ عِدَّةٍ، وَلَا ذَاتِ زَوْجٍ، فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ نَصٌّ، وَلَا نَصٌّ يَمْنَعُ هَهُنَا مِنْ الزَّوَاجِ، وَلَا يَحِلُّ بِالنَّصِّ وَطْءُ حَامِلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْهُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا -: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو يُوسُفَ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ -: لِلْحَامِلِ مِنْ زِنًى أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.
стр. 3903
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَإِنْ خَرَجَتْ إلَيْنَا الْحَرْبِيَّةُ مُسْلِمَةً - وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا - فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا - وَقَالَ زُفَرُ عَلَى الزَّانِيَةِ الْعِدَّةُ كَامِلَةً.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَتَزَوَّجُ الْحَامِلُ مِنْ زِنًى حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، وَلَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ، إلَّا حَتَّى تَعْتَدَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ؟ قَالَ عَلِيٌّ: وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: خَطَبْت إلَى رَجُلٍ أُخْتَهُ، فَذَكَرَ أَنَّهَا أَحْدَثَتْ - يَعْنِي زَنَتْ - فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَضَرَبَهُ أَوْ كَادَ يَضْرِبُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: وَلِلْخَبَرِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بِهَذَا الْخَبَرِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَفِيهِ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: انْكِحْ وَاسْكُتْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا عُمَرُ أَمَرَهَا بِالنِّكَاحِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ حَتَّى تُتِمَّ عِدَّةً، وَلَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا -: وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَزَوَّجَ سِبَاعُ بْنُ ثَابِتٍ بِنْتَ مَوْهَبِ بْنِ رَبَاحٍ وَلَهُ ابْنٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَفَجَرَ الْغُلَامُ بِالْجَارِيَةِ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَسُئِلَتْ فَاعْتَرَفَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاعْتَرَفَا، فَحَدَّهُمَا وَحَرَّضَ عَلَى أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَأَبَى الْغُلَامُ.
فَهَذَا عُمَرُ يُبِيحُ لِلْحَامِلِ مِنْ زِنًى الزَّوَاجَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ مِثْلَ هَذَا لَوْ ظَفِرُوا بِهِ.
وَشَغَبَ الْمُخَالِفُونَ بِأَنْ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ نَضْرَةُ بْنُ أَكْثَمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَمَّا غَشِيَهَا وَجَدَهَا حُبْلَى، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا، وَأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا عَبْدٌ لَهُ، وَأَمَرَ بِهَا فَجُلِدَتْ مِائَةً، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا عَجَبَ أَعْجَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَجُّ بِهَذَا الْخَبَرِ أَوَّلَ مُخَالِفٍ
стр. 3904
لِكُلِّ مَا فِيهِ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ انْسَنَدَ لَقُلْنَا بِهِ، وَلَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ سَعِيدٍ وَنَضْرَةَ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُنْقَطِعٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا ابْنُ أَبِي السَّرِيِّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ: نَضْرَةُ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً بِكْرًا فِي سِتْرِهَا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ حُبْلَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ، وَإِذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوهَا» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَهُنَا تَفْرِيقًا، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يُمَوِّهَ بِإِسْنَادِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ سَمَاعٌ مِنْ نَصْرَةَ أَوْ نَضْرَةَ، فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فَإِنَّمَا جَاءَ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَهَذَا مَرْدُودٌ عَلَى أَوَّلِ السُّورَةِ فِي الْمُطَلَّقَاتِ وَمَحْمُولٌ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] الْآيَاتِ كُلِّهَا.
وَإِنَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا بِخَبَرِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ.
وَقَالُوا: قِسْنَا الْمُنْفَسِخَةَ النِّكَاحَ بَعْدَ صِحَّتِهِ أَوْ لِفَسَادِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ؟ قُلْنَا: الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَحْكُمَ لِلشَّيْءِ بِحُكْمِ نَظِيرِهِ، وَلَيْسَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ الْحَلَالُ نَظِيرًا لِلْفَاسِدِ الْحَرَامِ، الَّذِي لَا يَحِلُّ عَقْدُهُ، وَلَا إقْرَارُهُ، بَلْ هُوَ ضِدُّهُ، فَهُوَ بَاطِلٌ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا الَّتِي انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بَعْدَ صِحَّتِهِ، فَإِنَّ الْفَسْخَ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاخْتِيَارِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا الْفَسْخُ فَلَا يُرَاعَى اخْتِيَارُهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الْحَامِلُ مِنْ سَيِّدِهَا: يَمُوتُ عَنْهَا، أَوْ يَعْتِقُهَا أَوْ تَحْمِلُ
стр. 3905
مِنْ زِنًى لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، وَلَا هِيَ فِي عِدَّةٍ، وَلَا هِيَ أُمُّ وَلَدٍ، فَإِنَّ إنْكَاحَهَا حَلَالٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ عِنْدَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ثَلَاثًا]
١٨٧٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ثَلَاثًا - وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ أَوْ غَيْرُ حَامِلٍ، وَقَدْ وَطِئَهَا - إذْ كَانَتْ فِي عِصْمَتِهِ - أَوْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ - فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إثْرَ طَلَاقِهِ لَهَا رَابِعَةً، أَوْ أُخْتَهَا، أَوْ عَمَّتَهَا، أَوْ خَالَتَهَا، أَوْ بِنْتَ أَخِيهَا، أَوْ بِنْتَ أُخْتِهَا، وَيَدْخُلَ بِهَا.
فَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا.
وَقَوْلُنَا فِي هَذَا هُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، - وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِمَا، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِ - وَهُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ - وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا، وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ نُضَيْلَةَ، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الْأَوْزَاعِيِّ - وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ إبَاحَةُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الَّتِي طَلَّقَ حُبْلَى.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ مَوَّهُوا بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] قَالُوا: وَهَذَا جَامِعٌ بَيْنَهُمَا فِي لِحَاقِ حَمْلِهِمَا بِهِ، وَفِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِمَا، وَإِسْكَانِهِمَا عَلَيْهِ.
стр. 3906
وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَاؤُهُ فِي خَمْسِ نِسْوَةٍ، وَلَا فِي أُخْتَيْنِ، مَا نَعْلَمُ لَهُمْ غَيْرَ هَذَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي نَفَقَتِهِ عَلَيْهِمَا، وَإِسْكَانِهِ لَهُمَا، فَلَسْنَا نُسَاعِدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، هُمْ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا مَا ضَرَّ ذَلِكَ شَيْئًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ إلَّا فِي اسْتِحْلَالِ الْوَطْءِ فَقَطْ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي لِحَاقِ حَمْلِهِمَا بِهِ، وَبَيْنَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي لِحَاقِ ابْنَيْهِمَا بِهِ.
وَأَمَّا اجْتِمَاعُ مَائِهِ فِي خَمْسِ نِسْوَةٍ، أَوْ فِي ثَمَانٍ، أَوْ فِي أُخْتَيْنِ، فَلَا نَعْلَمُ نَصًّا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ: مَنَعَا مِنْ ذَلِكَ، إنَّمَا مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَمِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ اسْتِحْلَالِ وَطْءٍ فَقَطْ، وَقَدْ فَصَّلَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ النِّسَاءِ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .
وَمِنْ طَرِيفِ تَنَاقُضِ الْحَنَفِيِّينَ هَهُنَا: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: مَنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا، وَلَا عَمَّتَهَا، وَلَا خَالَتَهَا، وَلَا بِنْتَ أَخِيهَا، وَلَا بِنْتَ أُخْتِهَا، حَتَّى تُتِمَّ الْمُعْتَقَةُ عِدَّتَهَا ثَلَاثَ حِيَضٍ.
قَالَ: وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَأَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَ مَاؤُهُ فِي أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَخَامِسَةٍ مُعْتَدَّةٍ مِنْهُ - وَمَنَعَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ زُفَرُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَمْلُوكَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَهَا]
١٨٧١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَمْلُوكَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَهَا، وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَمْلُوكَهَا قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَهُ، فَإِنْ أَعْتَقَتْهُ جَازَ لَهُمَا التَّنَاكُحُ إنْ تَرَاضَيَا كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَا فَرْقَ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فَفَرَّقَ تَعَالَى بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ صِنْفَيْنِ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا
[مَسْأَلَةٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ وَالِدِهِ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِوَالِدِهِ]
١٨٧٢ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ وَالِدِهِ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِوَالِدِهِ، وَأَمَةَ وَلَدِهِ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِوَلَدِهِ، وَأَمَةَ أُمِّهِ، وَأَمَةَ ابْنَتِهِ.
وَجَائِزٌ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أُمِّ سَيِّدِهِ، وَبِنْتِ سَيِّدِهِ، وَأُخْتِ سَيِّدِهِ، إذَا كَانَ كُلُّ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ - وَمَا نَعْلَمُ لِمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةً أَصْلًا.
стр. 3907
إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: قَدْ يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ أَوْ قَدْ تَشْتَرِيهِ وَيَشْتَرِيهَا وَلَا فَرْقَ.
بُرْهَانُ صِحَّةِ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَلَمْ يَسْتَثْنِ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدًا مِمَّنْ ذَكَرْنَا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ اعْتِقَادِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَدْرِكُ بِعَقْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُشَرِّعْهُ رَبُّهُ تَعَالَى
[مَسْأَلَةٌ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً]
١٨٧٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا - مُتَغَفِّلًا لَهَا وَغَيْرَ مُتَغَفِّلٍ - إلَى مَا بَطَنَ مِنْهَا وَظَهَرَ - وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَمَةٍ يُرِيدُ شِرَاءَهَا.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إلَّا إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، لَكِنْ يَأْمُرُ امْرَأَةً تَنْظُرُ إلَى جَمِيعِ جِسْمِهَا وَتُخْبِرُهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] فَافْتَرَضَ اللَّهُ غَضَّ الْبَصَرِ جُمْلَةً، كَمَا افْتَرَضَ حِفْظَ الْفَرْجِ، فَهُوَ عُمُومٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ إلَّا مَا خَصَّهُ نَصٌّ صَحِيحٌ، وَقَدْ خَصَّ النَّصُّ نَظَرَ مَنْ أَرَادَ الزَّوَاجَ فَقَطْ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُسَدَّدٌ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ قَالَ جَابِرٌ فَخَطَبْتُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ تَحْتَ الْكَرَبِ حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا بَعْضَ مَا دَعَانِي إلَيْهَا» .
وَقَدْ رُوِّينَاهُ - أَيْضًا - مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَكَانَ هَذَا عُمُومًا مَخْرَجًا لِهَذِهِ الْحَالِ مِنْ جُمْلَةِ مَا حُرِّمَ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ.
стр. 3908
وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى الْجَارِيَةِ يُرِيدُ ابْتِيَاعَهَا فَلَا نَصَّ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا حُجَّةَ فِيمَا جَاءَ عَنْ سِوَاهُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ -: فَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى سَاقِهَا وَبَطْنِهَا وَظَهْرِهَا، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى عَجُزِهَا وَصَدْرِهَا - وَنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ.
وَصَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَدُونَ الرُّكْبَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَرُوِّينَا عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّهُ لَمْ يَسْتَجِزْ النَّظَرَ إلَى سَاقِهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَبَقِيَ أَمْرُ الِابْتِيَاعِ عَلَى وُجُوبِ غَضِّ الْبَصَرِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ: فَقَدْ جَاءَ فِيهِمَا الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مِنْ أَمْرِ «الْخَثْعَمِيَّةَ الَّتِي سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا؟ وَأَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ جَعَلَ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ عَنْهَا، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِسِتْرِ وَجْهِهَا» فَفِي هَذَا إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ اللَّذَّةِ.
وَأَمَّا الْكَفَّانِ: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ نا أَبِي نا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ - هُوَ ابْنُ ثَابِتٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ - وَمَعَهُ بِلَالٌ - فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَتُلْقِي سِخَابَهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَا جَمِيعًا: نَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: " سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِينَ فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً، تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتْخَهَا» .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْفَتْخُ خَوَاتِمُ كِبَارٌ كُنَّ يَحْبِسْنَهَا فِي أَصَابِعِهِنَّ، فَلَوْلَا ظُهُورُ أَكُفَّهُنَّ مَا أَمْكَنَهُنَّ إلْقَاءُ الْفَتْخِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ لَا يُرِيدُ زَوَاجَهَا أَوْ شِرَاءَهَا]
١٨٧٤ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ لَا يُرِيدُ زَوَاجَهَا أَوْ شِرَاءَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً لِتَلَذُّذٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ، فَإِنْ نَظَرَ فِي الزِّنَا إلَى الْفَرْجَيْنِ لِيَشْهَدَ بِذَلِكَ فَمُبَاحٌ لَهُ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، قَالَ : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]
стр. 3909
وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا إلَّا بِصِحَّةِ النَّظَرِ إلَى الْفَرْجَيْنِ وَالتَّثَبُّتِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَالْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ كَمَا قَدَّمْنَا آنِفًا عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أَوْ لَهَا أَوْ مِنْهَا.
وَجَائِزٌ لِذِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَرَى جَمِيعَ جِسْمِ حَرِيمَتِهِ، كَالْأُمِّ، وَالْجَدَّةِ، وَالْبِنْتِ، وَابْنَةِ الِابْنِ، وَالْخَالَةِ، وَالْعَمَّةِ، وَبِنْتِ الْأَخِ، وَبِنْتِ الْأُخْتِ، وَامْرَأَةِ الْأَبِ، وَامْرَأَةِ الِابْنِ، حَاشَا الدُّبُرَ وَالْفَرْجَ فَقَطْ.
وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ بَعْضُهُنَّ مِنْ بَعْضٍ.
وَكَذَلِكَ الرِّجَالُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةَ.
فَذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: زِينَتَهُنَّ زِينَةً ظَاهِرَةً تُبْدَى لِكُلِّ أَحَدٍ وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَقَطْ، وَزِينَةً بَاطِنَةً حَرَّمَ إبْدَاءَهَا إلَّا لِمَنْ ذَكَرَ فِي الْآيَةِ.
وَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى قَدْ سَاوَى فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبُعُولَةِ، وَالنِّسَاءِ، وَالْأَطْفَالِ، وَسَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا فِي الْآيَةِ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ " أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، فَحُكْمُ الْعَوْرَةِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا، إلَّا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِغَيْرِ الزَّوْجِ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْفَرْجِ وَالدُّبُرِ.
وَلَمْ نَجِدْ لَا فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا مَعْقُولٍ: فَرْقًا بَيْنَ الشَّعْرِ، وَالْعُنُقِ، وَالذِّرَاعِ، وَالسَّاقِ، وَالصَّدْرِ، وَبَيْنَ الْبَطْنِ، وَالظَّهْرِ، وَالْفَخِذِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلَى شَيْءٍ مِنْ امْرَأَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ: لَا الْوَجْهَ، وَلَا غَيْرَهُ، إلَّا لِقِصَّةٍ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ مِنْهَا مُنْكَرٌ بِقَلْبٍ أَوْ بِعَيْنٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ طَاوُسٍ كَرَاهَةَ نَظَرَ الرَّجُلِ إلَى شَعْرِ ابْنَتِهِ، وَأُمِّهِ، وَأُخْتِهِ - وَلَا يَصِحُّ عَنْ طَاوُسٍ، وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ: أَنْ لَا يُنْظَرَ مِنْ ذَاتِ الْمَحْرَمِ إلَّا إلَى مَا فَوْقَ
стр. 3910
الصَّدْرِ - وَهَذَا تَحْدِيدٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانُ رَأْيٍ، وَلَا اسْتِحْسَانٍ، لِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَنَا هَهُنَا بِأَهْوَائِهِمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى زِينَةِ شَعْرِ الْعَجُوزِ السَّوْدَاءِ الْحُرَّةِ، وَلَعَلَّ النَّظَرَ إلَيْهَا يَقْذِي الْعَيْنَ، وَيُمِيتَ تَهْيِيجَ النَّفْسِ.
وَيُجِيزُونَ النَّظَرَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ إلَى وَجْهِ الْجَارِيَةِ الْجَمِيلَةِ الْفَتَاةِ وَيَدَيْهَا وَقَدْ صَحَّ فِي ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «إنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يُحَجِّمَهَا - قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَوْ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ.
وَقَدْ رُوِّينَا بِأَصَحِّ طَرِيقٍ: أَنَّ كُلَّ مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، فَإِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ عَنْ جَابِرٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّاوِي: «حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ» فَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْخَبَرِ مِمَّنْ دُونَ جَابِرٍ. ثُمَّ هُوَ أَيْضًا ظَنٌّ غَيْرُ صَادِقٍ، لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ وُلِدَتْ بِمَكَّةَ، وَبِهَا وَلَدَتْ أَكْثَرَ أَوْلَادِهَا.
وَأَبُو طَيْبَةَ: غُلَامٌ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ، فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَكَانَ عَبْدًا مَضْرُوبًا عَلَيْهِ الْخَرَاجُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «حَجَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ» وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَجِّمَهَا إلَّا حَتَّى يَرَى عُنُقَهَا، وَأَعْلَى ظَهْرَهَا مِمَّا يُوَازِي أَعْلَى كَتِفَيْهَا.
[مَسْأَلَةٌ نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا]
١٨٧٥ - مَسْأَلَةٌ: وَحَلَالٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَكَذَلِكَ لَهُمَا أَنْ يَنْظُرَا إلَى فَرْجِهِ، لَا كَرَاهِيَةَ فِي ذَلِكَ أَصْلًا.
стр. 3911
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: الْأَخْبَارُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ طَرِيقِ «عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَمَيْمُونَةَ: أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﵅ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَغْتَسِلْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْجَنَابَةِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ» .
وَفِي خَبَرِ مَيْمُونَةَ بَيَانُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، لِأَنَّ فِي خَبَرِهَا «أَنَّهُ ﵊ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ» فَبَطَلَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُلْتَفَتَ إلَى رَأْيِ أَحَدٍ.
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ يُبِيحَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّفِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَطْءَ الْفَرْجِ وَيَمْنَعَ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ، وَيَكْفِي مِنْ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] . فَأَمَرَ بِحِفْظِ الْفَرْجِ إلَّا عَلَى الزَّوْجَةِ، وَمِلْكِ الْيَمِينِ، فَلَا مَلَامَةَ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا عُمُومٌ فِي رُؤْيَتِهِ وَلَمْسِهِ وَمُخَالَطَتِهِ.
وَمَا نَعْلَمُ لِلْمُخَالِفِ تَعَلُّقًا إلَّا بِأَثَرٍ سَخِيفٍ عَنْ امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ «عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَطُّ» .
وَآخَرَ - فِي غَايَةِ السُّقُوطِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيِّ - وَهَؤُلَاءِ: ثَلَاثُ الْأَثَافِي وَالدِّيَارُ الْبَلَاقِعِ، أَحَدُهُمْ كَانَ يَكْفِي فِي سُقُوطِ الْحَدِيثِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَخْطِبَ عَلَى خِطْبَةِ مُسْلِمٍ]
١٨٧٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَخْطِبَ عَلَى خِطْبَةِ مُسْلِمٍ سَوَاءً رُكْنًا وَتَقَارُبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ لَهَا فِي دِينِهِ وَحُسْنِ صُحْبَتِهِ، فَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَخْطِبَ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي الدِّينِ وَجَمِيلِ الصُّحْبَةِ.
أَوْ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ فِي أَنْ يَخْطُبَهَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْطُبَهَا حِينَئِذٍ.
أَوْ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ الْخِطْبَةَ فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا حِينَئِذٍ.
أَوْ إلَّا أَنْ تَرُدَّهُ الْمَخْطُوبَةُ فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطُبَهَا حِينَئِذٍ وَإِلَّا فَلَا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ
стр. 3912
عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ» فَفِي هَذَا الْخَبَرِ تَحْرِيمُ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ الْمُسْلِمِ حَتَّى يَذَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِصِّيصِيُّ نا حَجَّاجٌ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْت نَافِعًا يُحَدِّثُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ يَبِيعَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ الرَّجُلِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا إذَا رَدَّتْهُ الْمَخْطُوبَةُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُ الْخِطْبَةِ، لِأَنَّ فِي تَمَادِيهِ الْإِضْرَارَ بِهَا وَالظُّلْمَ لَهَا فِي مَنْعِهِ بِذَلِكَ غَيْرَهُ مِنْ خِطْبَتِهَا، فَكُلُّ خِطْبَةٍ تَكُونُ مَعْصِيَةً فَلَا حُكْمَ لَهَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ فَوْقَهُ فِي دِينِهِ وَحُسْنِ صُحْبَتِهِ فَلِحَدِيثِ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الْمَشْهُورِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: مَنْ خَطَبَكِ؟ قَالَتْ: مُعَاوِيَةُ وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ آخَرُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَإِنَّهُ غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِ قُرَيْشٍ لَا شَيْءَ لَهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَإِنَّهُ صَاحِبُ شَرٍّ لَا خَيْرَ فِيهِ، انْكِحِي أُسَامَةَ؟ قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ، فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: فَنَكَحَتْهُ» .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَذَكَرَتْ حَدِيثَهَا، وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي؟ قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: انْكِحِي أُسَامَةَ، فَنَكَحَتْهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطَتْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَارَ عَلَيْهَا بِاَلَّذِي هُوَ أَجْمَلُ صُحْبَةً لَهَا مِنْ أَبِي جَهْمٍ الْكَثِيرِ الضَّرْبِ لِلنِّسَاءِ، وَأُسَامَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: وَمَا يُدْرِيك أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ كَانَ قَبْلَ خَبَرِ النَّهْيِ عَنْ أَنْ يَخْطِبَ أَحَدٌ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ؟ .
стр. 3913
قُلْنَا: قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَمِنْ أَنْصَحِ النَّصَائِحِ: أَنْ يَكُونَ مَرِيدٌ يُرِيدُ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ قَدْ خَطَبَهَا مَنْ هُوَ أَحْسَنُ صُحْبَةً، وَأَفْضَلُ دِينًا، مِنْ الَّذِي خَطَبَهَا قَبْلَهُ فَيَخْطُبُهَا هُوَ.
وَأَمَّا إنْ تَرَكَ خِطْبَتَهَا مِنْ أَجْلِ الْخَاطِبِ قَبْلَهُ فَقَطْ فَمَا نَصَحَ الْمُسْلِمَةَ وَلَقَدْ غَشَّهَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ فَتًى مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ وَالْحِلْمِ.
وَأُسَامَةُ - مَوْلَى كَلْبِيٌّ أَسْوَدُ كَالْقَارِ - فَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّهُ لَا فَضْلَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا بِالدِّينِ الَّذِي هُوَ نِهَايَةُ الْفَضْلِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ فِي غَايَةِ النُّصْحِيَّةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا شَكٍّ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ إذَا رُكْنًا وَتَقَارُبًا فَدَعْوَى فَاسِدَةٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَضِّدْهَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا نَظَرٌ صَحِيحٌ إنَّمَا هُوَ رَأْيٌ سَاقِطٌ فَقَطْ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ امْرَأَةٍ فِي عِدَّتِهَا]
١٨٧٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَةِ امْرَأَةٍ فِي عِدَّتِهَا.
وَجَائِزٌ أَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِمَا تَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ نِكَاحَهَا.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فَأَبَاحَ تَعَالَى التَّعْرِيضَ وَمَنَعَ مِنْ الْمُوَاعَدَةِ سِرًّا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمِنْ التَّعْرِيضِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «إذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» .
وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا - أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «لَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ» : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌.
стр. 3914
وَمِنْ التَّعْرِيضِ مَا رُوِّينَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَقُولَ: إنِّي أُرِيدُ الزَّوَاجَ، وَلَوَدِدْت أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسَّرَ لِي امْرَأَةً صَالِحَةً، وَنَحْوَ هَذَا.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ]
١٨٧٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ مَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُولَدُ لَهُ ابْنَةٌ، أَمْ ابْنٌ، أَمْ مَيْتَةٌ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ غَائِبَةٍ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ]
١٨٧٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ غَائِبَةٍ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا عَلَى ذَلِكَ؛ وَلَا يَحِلُّ إنْكَاحُ غَائِبٍ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهُ وَرِضًا.
لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَقَدْ «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أُمَّ حَبِيبَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ بِرِضَاهُمَا مَعًا» .
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
١٨٨٠ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَزَوَّجَ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ - بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ - سَوَاءً ادَّعَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ أَوْ لَمْ تَدَّعِ، فَكُلُّ مَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَهُمْ عَبِيدٌ لِسَيِّدِهَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ فِدَاءٍ فِيهِمْ، إلَّا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، فَعَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا وَلَيْسَ نِكَاحًا وَالْوَلَدُ لَاحِقُونَ بِالرَّجُلِ إنْ كَانَ جَاهِلًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوُجِدَتْ مَمْلُوكَةً وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَوْلَادًا فَأَوْلَادُهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ يَوْمَ الْحُكْمِ وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، إنْ كَانَ غَرَّهُ غَيْرُهُمَا، أَوْ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ هِيَ غَرَّتْهُ، وَعَلَيْهِ صَدَاقُهَا لِسَيِّدِهَا، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَلَا عَلَيْهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَتْلٌ فَأَخَذَ الْأَبُ دِيَتَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى أَوْلَادِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: هُمْ أَحْرَارٌ وَعَلَى أَبِيهِمْ قِيمَةُ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ يَوْمَ الْحُكْمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَوْلَادِ وَهُمْ أَحْرَارٌ - وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: عَلَيْهِمْ قِيمَةُ أَنْفُسِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَبُوهُمْ عَدِيمًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُمْ أَحْرَارٌ وَعَلَى أَبِيهِمْ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ وُلِدُوا، سَوَاءٌ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَمَنْ عَاشَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: اعْجَبُوا لِمَا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ مِنْ الْفَضَائِحِ لَا يُمْكِنُ أَلْبَتَّةَ أَنْ تَكُونَ
стр. 3915
الْأَوْلَادُ إلَّا أَحْرَارًا أَوْ مَمَالِيكَ، وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ، فَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانُوا أَحْرَارًا مُذْ وُلِدُوا فَمَا يَحِلُّ لِسَيِّدِ أُمِّهِمْ أَخْذُ قِيمَةِ حُرٍّ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَغْرَمَ أَبُوهُمْ فِي قِيمَتِهِمْ ثَمَنًا أَصْلًا.
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - فَذَكَرَ فِيهِمْ -: وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ» .
وَإِنْ كَانُوا مَمَالِيكَ فَمَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ إجْبَارُ إنْسَانٍ عَلَى بَيْعِ مَمَالِيكِهِ بِغَيْرِ نَصٍّ مِنْ قُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌
ثُمَّ عَجَبٌ آخَرُ - وَهُوَ إلْزَامُهُ قِيمَةَ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ ارْتِجَاعُهُ بِمَا غَرِمَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْ قِيمَةِ الْأَوْلَادِ وَلَا يَرُدُّونَهُ بِمَا غَرِمَ مِنْ الصَّدَاقِ - فَأَتَوْا بِغَرِيبَةٍ، قَالُوا: لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَعَاضَ بَعْضَهَا؟ فَقُلْنَا: وَقَدْ اسْتَعَاضَ أَوْلَادًا أَحْرَارًا، فَلَا تَرُدُّوهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ جَاءَتْ عَنْ السَّلَفِ فِي هَذَا آثَارٌ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: بَاعَ رَجُلٌ جَارِيَةً لِأَبِيهِ فَتَسَرَّاهَا الْمُشْتَرِي فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا فَجَاءَ أَبُوهُ فَخَاصَمَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَرَدَّهَا وَوَلَدَهَا إلَيْهِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: دَعْ لِي وَلَدِي؟ فَقَالَ: دَعْ لَهُ وَلَدَهُ.
وَرُوِّينَاهُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ قَضَى بِالْخَلَاصِ عَلَى الْبَائِعِ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ قَالَ أَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ جَارِيَةً لِأَبِيهِ وَأَبُوهُ غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يُجِيزَ بَيْعَ ابْنِهِ وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي فَاخْتَصَمُوا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ فَقَضَى لِلرَّجُلِ بِجَارِيَتِهِ وَأَمَرَ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَأْخُذَ بَيْعَهُ بِالْخَلَاصِ فَلَزِمَهُ؟ فَقَالَ أَبُو الْبَائِعِ: مُرْهُ فَلْيُخَلِّ عَنْ ابْنِي؟ فَقَالَ عُمَرُ: وَأَنْتَ فَخَلِّ عَنْ ابْنِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ شَفَاعَةٌ مِنْ عُمَرَ ﵁ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى لَهُ بِمِلْكِهِمْ أَوْ قَضَى مِنْهُ بِالْخَلَاصِ.
وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ
стр. 3916
نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى التَّغْلِبِيَّ - نَا سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: إنَّ أَمَةً أَتَتْ طَيِّئًا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا، ثُمَّ إنَّ سَيِّدَهَا ظَهَرَ عَلَيْهَا، فَقَضَى لَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنَّهَا وَأَوْلَادُهَا لِسَيِّدِهَا، وَأَنَّ لِزَوْجِهَا مَا أَدْرَكَ مِنْ مَتَاعِهِ، وَجَعَلَ فِيهِمْ الْمِلَّةَ أَوْ السُّنَّةَ كُلُّ رَأْسٍ بِرَأْسَيْنِ - قَالَ قَتَادَةَ: وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: فِي كُلِّ رَأْسٍ رَأْسٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّ امْرَأَةً بَاعَتْ هِيَ وَابْنٌ لَهَا جَارِيَةً لِزَوْجِهَا، فَوَلَدَتْ الْجَارِيَةُ لِلَّذِي ابْتَاعَهَا، ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا فَخَاصَمَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ: لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَدْ بَاعَ ابْنُك وَامْرَأَتُك؟ فَقَالَ: إنْ كُنْت تَرَى لِي حَقًّا فَأَعْطِنِي؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَخُذْ جَارِيَتَك وَابْنَهَا، ثُمَّ سَجَنَ الْمَرْأَةَ وَابْنَهَا حَتَّى تَخَلَّصَا لَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الزَّوْجُ سَلَّمَ الْبَيْعَ -: فَهَؤُلَاءِ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ - أَئِمَّةُ الْهُدَى - قَدْ قَضَوْا بِأَوْلَادِ الْمُسْتَحِقَّةِ رَقِيقًا لِسَيِّدِ أُمِّهِمْ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
إلَّا رِوَايَةً سَاقِطَةً عَنْ عَلِيٍّ رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ مِنْهُ أَوْلَادًا ثُمَّ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ، قَالَ: تُرَدُّ عَلَيْهِ، وَيَقُومُ عَلَيْهِ وَلَدُهَا فَيَغْرَمُ الَّذِي بَاعَهُ بِمَا عَزَّ وَهَانَ - وَابْنُ عَيَّاشٍ ضَعِيفٌ - وَهُمْ يُشَنِّعُونَ خِلَافَ مِثْلِ هَذَا إذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ، وَقَدْ خَالَفُوهُمْ هَهُنَا.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَحْتَجُّ هَهُنَا، وَلَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ جُمْلَةً إلَّا بِقُرْآنٍ، أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا نُورِدُ مَا نُورِدُ مِنْ ذَلِكَ تَبْكِيتًا لِمَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إذَا وَافَقَ هَوَاهُ، وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ إذَا خَالَفَهُ، وَهَذَا هُوَ التَّلَاعُبُ بِالدِّينِ.
وَقَالَ : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَجَاءَ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَكُلُّ مَنْ بَعْدَهُ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ وَلَدَ مَا يَمْلِكُهُ الْمَرْءُ مِنْ إنَاثِ الْإِمَاءِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ مِلْكٌ لِمَالِك أُمِّهِ.
стр. 3917
فَنَسْأَلُ الْمُخَالِفِينَ عَنْ هَذِهِ الْغَارَّةِ أَوْ الْمُبِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا: أَهِيَ زَوْجَةٌ لِلَّذِي وَلَدَتْ لَهُ، أَوْ مِلْكُ يَمِينٍ لَهُ، أَمْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا؟ .
فَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ، وَأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ مِلْكُ يَمِينِ مَالِكِهَا الَّذِي لَمْ يَبِعْهَا، وَلَا أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا أَذِنَ لَهَا فِي النِّكَاحِ، وَأَنَّهَا مَالٌ مِنْ مَالِهِ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ أَمَتِهِ أَوْ مَمَالِيكِهِ بِمَا وَلَدَتْ عَنْ يَدِهِ بِغَيْرِ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَهَذَا غَايَةُ الْبَيَانِ.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ أَشْيَاءُ نَذْكُرُ مِنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْمَكَانِ -:
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اعْقِلْ عَنِّي ثَلَاثًا: الْإِمَارَةُ شُورَى، وَفِي وَفْدِ الْعَرَبِ مَكَانَ كُلِّ عَبْدٍ عَبْدٌ، وَفِي ابْنِ الْأَمَةِ عَبْدَانِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا فِي الصِّحَّةِ عَنْ عُمَرَ ﵁ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَلَا فَرْقَ - وَبِاَللَّهِ لَوْ ظَفِرُوا خُصُومُنَا بِمِثْلِ هَذَا مَا تَرَدَّدُوا، وَلَاسْتَخَارُوا اللَّهَ تَعَالَى لَوْ وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ تَوْقِيفٌ، كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ فِي ابْتِيَاعِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْعَبْدَ وَبَيْعَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ غَاضِرَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي نِسَاءٍ سَعَيْنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَمَرَ أَنْ يَقُومَ أَوْلَادُهُنَّ عَلَى آبَائِهِمْ وَلَا يُسْتَرَقُّوا - يَعْنِي إمَاءً زَنَيْنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - فَوَلَدْنَ مِنْ الزِّنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِدَاءِ وَلَدِ الرَّجُلِ مِنْ أَمَتِهِ قَوَّمَ مَكَانَ كُلِّ جَارِيَةٍ جَارِيَةً، وَمَكَانَ كُلِّ غُلَامٍ غُلَامًا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ أَوْ عَنْ عُثْمَانَ؛ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِدَاءِ سَبْيِ الْعَرَبِ بِسِتَّةِ فَرَائِضَ
стр. 3918
وَقَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ فِي كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي فِدَاءِ سَبْيِ الْعَرَبِ فِي كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى يَذْكُرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي وَلَدِ الْأَمَةِ تُخْبِرُ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَيَنْكِحُهَا أَحَدُهُمْ فَتَلِدُ لَهُ: أَنَّ عَلَى آبَائِهِمْ مِثْلَ كُلِّ وَلَدٍ لَهُ مِنْ الرَّقِيقِ فِي الشِّبْرِ وَالذَّرْعِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ: فَإِنْ كَانَ أَوْلَادُهُ حِسَانًا؟ قَالَ: لَا يُكَلَّفُ مِثْلُهُمْ فِي الْحُسْنِ، إنَّمَا يُكَلَّفُ فِي الذَّرْعِ.
نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: نَكَحَ رَجُلٌ أَمَةً فَوَلَدَتْ لَهُ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَكَتَبَ: أَنْ يُفَادِيَ أَوْلَادَهُ -.
قَالَ ابْنُ مُفَرِّجٍ فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: بِوَصِيفَيْنِ أَحْمَرَيْنِ، كُلُّ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ.
فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْفِدَاءَ، إلَّا إمَّا بِغُلَامٍ مَكَانَ الذَّكَرِ، أَوْ بِجَارِيَةٍ مَكَانَ الْأُنْثَى، وَإِمَّا بِغُلَامَيْنِ مَكَانَ غُلَامٍ ذَكَرٍ.
وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فِي وَلَدِ الْغَارَّةِ يُقَارَبُ أَبُوهُمْ فِيهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي الْغَارَّةِ قَالَ: صَدَاقُهَا عَلَى الَّذِي غَرَّهُ.
وَقَالَ حُمَامُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْحَكَمُ فِكَاكُ وَلَدِهَا عَلَى الْأَبِ - وَلَا نَعْلَمُ عَنْ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ غَيْرَ مَا أَوْرَدْنَا - فَخَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ، كُلَّ هَؤُلَاءِ، لِاخْتِرَاعٍ لَهُمْ فَاسِدٍ، وَبِإِيجَابِ الْقِيمَةِ الَّتِي لَمْ تَأْتِ مِنْ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ أَثَرَانِ نَذْكُرُهُمَا -:
стр. 3919
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي سَبْيِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ فِدَاءَ الرَّجُلِ ثَمَانٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَنَّ فِي الْأُنْثَى عَشْرًا، قَالَ سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي مُجَالِدٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ ذَلِكَ شَكَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَعَلَ فِدَاءَ الرَّجُلِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ» .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَضَى النَّبِيُّ ﵌ فِي فِدَاءِ رَقِيقِ الْعَرَبِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الرَّجُلِ إذَا سُبِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِثَمَانٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي ابْنِ الْأَمَةِ بِوَصِيفَيْنِ وَصَيْفَيْنِ، لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ - ذَكَرٍ وَأُنْثَى -. وَقَضَى فِي سَبِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ بِعَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي وَلَدِهَا مِنْ الْعَبْدِ بِوَصِيفَيْنِ يَفْدِيهِ مَوَالِي أُمِّهِ - وَهُمْ عُصْبَتُهَا - لَهُمْ مِيرَاثُهَا وَمِيرَاثُهُ، مَا لَمْ يَعْتِقْ أَبُوهُ. وَقَضَى فِي سَبْيِ الْإِسْلَامِ بِسِتَّةٍ مِنْ الْإِبِلِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ - فَذَلِكَ فِدَاءُ الْعَرَبِ» .
فَإِنْ تَعَلَّقُوا بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي بَكْرِ عَيَّاشٍ قَالَ: أَبُو حُصَيْنٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَيْسَ عَلَى عَرَبِيٍّ مِلْكٌ، وَلَسْنَا بِنَازِعِينَ مِنْ يَدِ أَحَدٍ شَيْئًا أَسْلَمَ عَلَيْهِ، وَلَا كُنَّا نُقَوِّمُهُمْ الْمِلَّةَ؟ قُلْنَا: أَنْتُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا، فَتُوجِبُونَ الْمِلْكَ لِلْعِلْجِ عَلَى أَوْلَادِ الْعَرَبِيِّ، وَالْقُرَشِيِّ، إذَا تَزَوَّجَ أَمَتَهُ بِإِذْنِهِ، وَلَا يُمْكِنُكُمْ دَعْوَى إجْمَاعٍ هَهُنَا، لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيَّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَأَبَا ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ، كُلَّهُمْ يَقُولُ عَنْ عُمَرَ: فِي الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ أَمَةَ رَجُلٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا: أَنَّ أَوْلَادَهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ لَا رِقَّ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى أَبِيهِمْ فِدَاؤُهُمْ -.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ مَنْ - تَعَلَّقَ فِي رَدِّ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ - بِرِوَايَةِ شَيْخٍ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ عَنْ عُمَرَ: الْبَيْعُ عَنْ صَفْقَةٍ أَوْ خِيَارٍ.
وَبِرِوَايَةِ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَا يُؤَمِّنُ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا.
ثُمَّ خَالَفَ رِوَايَةَ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَرِوَايَةَ ابْنِ طَاوُسٍ
стр. 3920
عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ - وَمُرْسَلَ عِكْرِمَةَ -: لِمَنْحُوسِ الْحَظِّ مِنْ الصَّوَابِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ.
وَمِنْ طَرَائِفِ مَا يَأْتُونَ بِهِ: احْتِجَاجُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: بِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَ " وَلَدَ الْغَارَّةِ، وَالْمُسْتَحَقَّةِ " لِأَنَّ أَبَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ؟ فَقُلْنَا: إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ فَكَانَ مَاذَا؟ وَفِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْتُمْ؟ أَمْ فِي أَيِّ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنْ يَخْرُجَ مِلْكُ فَرْجٍ، وَمَا وَلَدَ، عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِمْ قَهْرًا مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْوَاطِئَ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ، فَحَسْبُك بِهَذَا الْقَوْلِ هُجْنَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ التَّبَرُّجُ وَلَا التَّزَيُّنُ لِلْخُرُوجِ]
١٨٨١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ التَّبَرُّجُ وَلَا التَّزَيُّنُ لِلْخُرُوجِ إذَا خَرَجْنَ لِحَاجَةٍ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ " أَمْرَ النَّبِيِّ ﵌ إذَا خَرَجَ النِّسَاءُ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ.
[مَسْأَلَةٌ فَرْضٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ الَّتِي هِيَ زَوْجَتُهُ]
١٨٨٢ - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ الَّتِي هِيَ زَوْجَتُهُ وَأَدْنَى ذَلِكَ مَرَّةٌ فِي كُلِّ طُهْرٍ - إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ - وَإِلَّا فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: إنَّا لَنَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالرَّفِّ مِنْ جَمْدَانَ إذْ عَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ شَابَّةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي امْرَأَةٌ أُحِبُّ مَا تُحِبُّ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَدِ، وَغَيْرِهِ، وَلِي زَوْجٌ شَيْخٌ، وَوَاللَّهِ مَا بَرِحْنَا حَتَّى نَظَرْنَا إلَيْهِ يَهْوِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي لَمُحْسِنٌ إلَيْهَا وَمَا آلُوهَا؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتُقِيمُ لَهَا طُهْرَهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: انْطَلِقِي مَعَ زَوْجِك، وَاَللَّهِ إنَّ فِيهِ لِمَا يَجْزِي، أَوْ قَالَ: يُغْنِي الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ أَبَى بِالْأَدَبِ، لِأَنَّهُ أَتَى مُنْكَرًا مِنْ الْعَمَلِ؟
стр. 3921
وَمِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ نا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ نا أَبُو الْعُمَيْسِ - هُوَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ - عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ قَالَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ إنْ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْك حَقًّا، أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ: صُمْ، وَأَفْطِرْ، وَقُمْ، وَنَمْ، وَأْتِ أَهْلَكَ فَأَخْبَرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ قَوْلِ سَلْمَانَ» .
[مَسْأَلَةٌ فَرْضُ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ أَنْ لَا يَمْنَعَا السَّيِّدَ وَالزَّوْجَ الْجِمَاعَ مَتَى دَعَاهُمَا]
١٨٨٣ - مَسْأَلَةٌ: وَفَرْضُ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ أَنْ لَا يَمْنَعَا السَّيِّدَ وَالزَّوْجَ الْجِمَاعَ مَتَى دَعَاهُمَا، مَا لَمْ تَكُنْ الْمَدْعُوَّةُ حَائِضًا، أَوْ مَرِيضَةً تَتَأَذَّى بِالْجِمَاعِ، أَوْ صَائِمَةَ فَرْضٍ، فَإِنْ امْتَنَعَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهِيَ مَلْعُونَةٌ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ نا مَرْوَانُ - هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا» .
نا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ نا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - نا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ: «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ مُهَاجِرَةً إلَى زَوْجِهَا أَوْ فِرَاشِ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ» .
[مَسْأَلَةٌ الْعَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ]
١٨٨٤ - مَسْأَلَةٌ: وَالْعَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فَرْضٌ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ فِي قِسْمَةِ اللَّيَالِي - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَضِّلَ فِي قِسْمَةِ اللَّيَالِي حُرَّةً عَلَى أَمَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ، وَلَا مُسْلِمَةً عَلَى ذِمِّيَّةٍ، فَإِنْ عَصَتْهُ حَلَّ لَهُ هِجْرَانُهَا حَتَّى تُطِيعَهُ، وَضَرَبَهَا بِمَا لَمْ يُؤْلِمْ، وَلَا يَجْرَحْ، وَلَا يَكْسِرْ، وَلَا يَعْفِنْ - فَإِنْ ضَرَبَهَا بِغَيْرِ ذَنْبٍ أُقِيدَتْ مِنْهُ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ أَمَتِهِ، وَلَا عِنْدَ أُمِّ وَلَدِهِ، وَلَا فِي دَارِ غَيْرِهِ إلَّا بِعُذْرٍ.
стр. 3922
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] .
وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤] .
فَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ هِجْرَانَهَا فِي الْمَضْجَعِ إلَّا إذَا خَافَ نُشُوزَهَا، وَإِنَّمَا أَبَاحَ مَضْرِبًا، وَلَمْ يُبِحْ الْجِرَاحَ، وَلَا كَسْرَ الْعِظَامِ، وَلَا تَعْفِينَ اللَّحْمِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
فَصَحَّ أَنَّهُ إنْ اعْتَدَى عَلَيْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ.
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ - نا هَمَّامُ - هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ قَالَ «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ» .
فَلَمْ يَخُصَّ ﵊ حُرَّةً مُتَزَوِّجَةً، مِنْ أَمَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ، وَلَا مُسْلِمَةً مِنْ ذِمِّيَّةٍ - وَأَمَرَ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَعْدِلَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ الزَّوْجَاتِ، أَوْ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ.
فَصَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ إمَائِهِ.
وَكُلُّ مَا قُلْنَا فَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا فَضْلَ لِلزَّوْجَةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ فِي الْقِسْمَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةً وَزَوْجَةٌ مَمْلُوكَةً فَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْمَمْلُوكَةِ لَيْلَةٌ.
وَرُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَمَسْرُوقٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
стр. 3923
وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: الْقِسْمَةُ لَهُمَا سَوَاءٌ.
وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى لِلْحُرَّةِ يَوْمَيْنِ وَلِلْأَمَةِ يَوْمًا بِأَنَّهُ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَأَنَّهُ عَنْ عَلِيٍّ - وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَأَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ.
وَقَالُوا: لَمَّا كَانَتْ عِدَّةُ الْأَمَةِ وَحْدَهَا نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَحْدَهَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ قِسْمَتُهَا نِصْفَ قِسْمَةِ الْحُرَّةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمُرْسَلُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، وَعَهِدْنَا بِهِمْ يَرُدُّونَ السُّنَنَ الثَّابِتَةَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَاتِ بِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ وَتَرَكُوا هَهُنَا عُمُومَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ عُمُومًا بِخَبَرٍ سَاقِطٍ مُرْسَلٍ، مُخَالِفٍ لِعُمُومِ الْقُرْآنِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَدْ خَالَفُوا طَائِفَةً مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ فِيمَا لَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ فِي الْقَضَاءِ بِوَلَدِ الْأَمَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِسَيِّدِ أُمِّهِ، أَوْ فِدَائِهِ بِرَأْسٍ أَوْ رَأْسَيْنِ، وَإِلْزَامِ الْبَائِعِ الْخَلَاصَ.
وَخَالَفُوهُمْ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
وَأَمَّا قِيَاسُ الْقِسْمَةِ عَلَى الْعِدَّةِ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ كُلَّهُ بَاطِلٌ، وَتَعَارُضُهُمْ بِقِيَاسٍ أَدْخَلَ فِي الْإِيهَامِ مِنْ قِيَاسِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتَا فِي النَّفَقَةِ سَوَاءً وَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِي الْقِسْمَةِ سَوَاءً -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
стр. 3924
[أَحْكَامُ الْإِيلَاء] [ مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ]
١٨٨٥ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ ، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ، أَوْ أَنْ يَسُوءَهَا، أَوْ أَنْ لَا يَجْمَعَهُ، وَإِيَّاهَا فِرَاشٌ، أَوْ بَيْتٌ، سَوَاءً قَالَ ذَلِكَ فِي غَضَبٍ أَوْ فِي رِضًا لِصَلَاحِ رَضِيعِهَا، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ - اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ - فَسَوَاءٌ وَقَّتَ وَقْتًا - سَاعَةً فَأَكْثَرَ إلَى جَمِيعِ عُمْرِهِ - أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ: الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ.
وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُوقِفَهُ، وَيَأْمُرَهُ بِوَطْئِهَا، وَيُؤَجِّلَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ يَحْلِفُ، سَوَاءً طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَطْلُبْ، رَضِيَتْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ تَرْضَ.
فَإِنْ فَاءَ فِي دَاخِلِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَبَى لَمْ يَعْتَرِضْ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ، فَإِذَا تَمَّتْ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالسَّوْطِ عَلَى أَنْ يَفِيءَ فَيُجَامِعَ أَوْ يُطَلِّقَ، حَتَّى يَفْعَلَ أَحَدَهُمَا، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَوْ يَمُوتَ قَتِيلَ الْحَقِّ إلَى مَقْتِ اللَّهِ تَعَالَى، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ الْجِمَاعِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَصْلًا، فَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ مَا لَا يُطِيقُ، لَكِنْ يُكَلَّفُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ، وَيُحْسِنَ الصُّحْبَةَ، وَالْمَبِيتَ عِنْدَهَا، أَوْ يُطَلِّقَ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقُ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ.
وَمَنْ آلَى مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، لَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى وَطْئِهَا كَمَا قَدَّمْنَا قَبْلُ.
وَمَنْ حَلَفَ فِي ذَلِكَ بِطَلَاقٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ مَشْيٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَيْسَ مُؤْلِيًا، وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ، لِأَنَّهُ حَلَفَ بِمَا لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ.
стр. 3925
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .
فَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي كُلَّ مَا قُلْنَا، لِأَنَّ الْأَلِيَّةَ هِيَ الْيَمِينُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ» .
فَصَحَّ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَحْلِفْ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَلَيْسَ حَالِفًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وَلَمْ يَخُصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مَنْ وَقَّتَ مِمَّنْ لَمْ يُوَقِّتْ، وَلَا مَنْ اسْتَثْنَى مِمَّنْ لَمْ يَسْتَثْنِ، وَلَا مَنْ طَلَبَتْهُ امْرَأَتُهُ مِمَّنْ لَمْ تَطْلُبْهُ، وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ فِي عَبْدِهِ لَا لَهَا.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» وَالْآبِي مِنْ الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ: مُعْلِنٌ بِالْمُنْكَرِ، فَوَاجِبٌ تَغْيِيرُهُ بِالْيَدِ مَا دَامَ مُظْهِرًا لِلْمُنْكَرِ - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَارَضَ بِشَيْءٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، لِأَنَّهُ نَصُّ الْآيَةِ.
وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَهَجَرَهُنَّ كُلَّهُنَّ شَهْرًا ثُمَّ رَاجَعَهُنَّ» ، فَمَنْ فَعَلَ كَذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا فَاءَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ -.
وَالْعَاجِزُ عَنْ الْجِمَاعِ إذَا حَلَفَ مُؤْلٍ مِنْ امْرَأَتِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ جِمَاعًا مِنْ غَيْرِهِ فَوَاجِبٌ أَنْ يُكَلَّفَ مِنْ الْفَيْئَةِ مَا يُطِيقُ، وَهُوَ مُطِيقٌ عَلَى الْفَيْئَةِ بِلِسَانِهِ، وَمُرَاجَعَتُهُ مَضْجَعُهَا، وَحُسْنُ صُحْبَتِهَا.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَقَالَ : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] .
فَمَنَعَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا عَزِيمَتَهُ الطَّلَاقَ.
следующие страницы →