← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةَ زَيْنَبَ فَقَالَ: تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ» . فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ قَدْ كَرِهَ مَسَّ خَاتَمِ الذَّهَبِ فَلَعَلَّهُ كَرِهَهُ لِفَاطِمَةَ أَيْضًا، وَمَعَ ذَلِكَ حَلَّاهُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَاكِمُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ هُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - وَيَزِيدُ - هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - وَمُعْتَمِرٌ - هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ - وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالُوا كُلُّهُمْ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لِإِنَاثِ أُمَّتِي الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَحَرَّمَهُ عَلَى ذُكُورِهَا» . وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ، وَحَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ كُلِّهِمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الْحَرِيرِ فَقَطْ إلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ: الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ. وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَمَعْمَرٍ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ وَذَكَرَ الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوَى عَنْهُ نَافِعٌ وَمُوسَى بْنُ مَيْسَرَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - نا أَبِي عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: إنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ حَدَّثَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ، أَوْ الزَّعْفَرَانُ، مِنْ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ مُعَصْفَرٍ، أَوْ حِذَاءٍ، أَوْ حُلِيٍّ، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصٍ، أَوْ خُفٍّ» فَعَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَا جَمِيعَ الْحُلِيَّ، وَلَوْ كَانَ الذَّهَبُ حَرَامًا عَلَيْهِنَّ لَبَيَّنَهُ ﵊ بِلَا شَكٍّ، فَإِذْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى مَنْعِهِ، فَهَذَا حَلَالٌ لَهُنَّ -. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَبِهَذَا تَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَقَتَادَةَ، قَالَ قَتَادَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ، وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاج، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا سَأَلَاهُ عَنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ؟ فَقَالَ: يُكْرَهَانِ لِلرِّجَالِ وَلَا يُكْرَهَانِ لِلنِّسَاءِ

стр. 3992

وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْبَزَّارِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَى حُذَيْفَةُ صِبْيَانًا عَلَيْهِمْ قُمُصُ حَرِيرٍ فَنَزَعَهُ عَنْ الْغِلْمَانِ، وَأَمَرَ بِنَزْعِهِ عَنْهُمْ، وَتَرَكَهُ عَلَى الْجَوَارِي. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ [مَسْأَلَةٌ التَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ] ١٩١٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزُّمُرُّدِ: حَلَالٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا نَخُصُّ شَيْئًا إلَّا آنِيَةُ الْفِضَّةِ فَقَطْ، فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، عَلَى خَبَرِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ " لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . فَلَمْ يُفَصِّلْ تَحْرِيمَ التَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ فِي ذَلِكَ، فَهِيَ حَلَالٌ. وَقَدْ خَصَّ قَوْمٌ بِالْإِبَاحَةِ حِلْيَةَ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَالْخَاتَمِ، وَالْمُصْحَفِ وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ. وَأَمَّا اللُّؤْلُؤُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] . قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ إلَّا اللُّؤْلُؤُ، فَهُوَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ حَلَالٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ [أَحْكَامُ الصُّلْحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ] [مَسْأَلَةٌ إذَا شَجَرَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ] أَحْكَامُ الصُّلْحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ١٩١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَجَرَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ: بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا عَنْ حَالِ الظَّالِمِ مِنْهُمَا، وَيَنْهَيَا إلَى الْحَاكِمِ مَا وَقَفَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لِيَأْخُذَ الْحَقَّ مِمَّنْ هُوَ قَبْلَهُ، وَيَأْخُذَ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لَا بِخُلْعٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَهْلُ الْقَرَابَةُ: هُمْ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ - وَالْأَهْلُ أَيْضًا: الْمَوَالِي، كَمَا

стр. 3993

رُوِّينَا فِي حَدِيثِ أَبِي طَيْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» . وَقَالَ : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] فَلَا يَخْلُو ضَرُورَةً الضَّمِيرُ الَّذِي فِي " بَيْنِهِمَا " مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الزَّوْجَيْنِ وَهَكَذَا نَقُولُ أَوْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْحَكَمَيْنِ، فَنَصُّ الْآيَةِ: أَنَّهُ إنَّمَا يُوَفِّقُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا إنْ أَرَادَا إصْلَاحًا، وَالْإِصْلَاحُ هُوَ قَطْعُ الشَّرِّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] يَعْنِي الطَّلَاقَ، وَقَدْ قُرِئَ " أَنْ يُصْلِحَا "؟ . قُلْنَا: نَعَمْ، وَإِنَّمَا رَدَّ هَذَا الصُّلْحَ إلَى اخْتِيَارِ الزَّوْجَيْنِ، لَا إلَى غَيْرِهِمَا، وَعَلَيْهِمَا، وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ: أَصْلَحْت بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ - أَيْ طَلَّقْتهَا عَلَيْهِ - وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا -: كَمَا رُوِّينَا - أَنَّ عُثْمَانَ بَعَثَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ حَكَمَيْنِ بَيْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقِيلَ لَهُمَا: إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا. وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلَّا مُنْقَطِعًا. رُوِّينَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: عَلَيْكُمَا إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا. وَصَحَّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَعَنْ رَبِيعَةَ وَشُرَيْحٍ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا، إلَّا ابْنَ الْمُغَلِّسِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُفَرِّقَا - نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكَشِّيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا هِشَامٌ - هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَهُمَا - يَعْنِي الْحَكَمَيْنِ - أَنْ يُصْلِحَا، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا

стр. 3994

وَبِهِ إلَى عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نا يُونُسُ عَنْ شَيْبَانَ - هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ - عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] . قَالَ قَتَادَةُ: إنَّمَا بُعِثَ الْحَكَمَانِ لِيُصْلِحَا، فَإِنْ أَعْيَاهُمَا ذَلِكَ شَهِدَا عَلَى الظَّالِمِ بِظُلْمِهِ، وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمَا الْفُرْقَةُ، وَلَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ إنْسَانًا قَالَ لَهُ: أَيُفَرِّقُ الْحَكَمَانِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الزَّوْجَانِ ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ. وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ التَّفْرِيقَ إلَى الْحَاكِمِ بِمَا يُنْهِيهِ إلَيْهِ الْحَكَمَانِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ: أَنَّ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُفَرِّقَا، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ. وَقَالَ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] . فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ، إلَّا حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِوُجُوبِ فَسْخِ النِّكَاحِ فَقَطْ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 3995

[أَحْكَامُ النَّفَقَات] [ مَسْأَلَةٌ يُنْفِقُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ حِينِ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا] ١٩١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَيُنْفِقُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ حِينِ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا دُعِيَ إلَى الْبِنَاءِ أَوْ لَمْ يُدْعَ - وَلَوْ أَنَّهَا فِي الْمَهْدِ - نَاشِزًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ نَاشِزٍ، غَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ فَقِيرَةً، ذَاتَ أَبٍ كَانَتْ أَوْ يَتِيمَةً، بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً - عَلَى قَدْرِ مَالِهِ -. فَالْمُوسِرُ: خُبْزُ الْحَوَارِيِّ، وَاللَّحْمُ، وَفَاكِهَةُ الْوَقْتِ - عَلَى حَسَبِ مِقْدَارِهِ - وَالْمُتَوَسِّطُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَالْمُقِلُّ أَيْضًا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا قَدْ ذَكَرْنَا بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النِّسَاءِ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» . وَهَذَا يُوجِبُ لَهُنَّ النَّفَقَةَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا نَفَقَةَ لِلْمَرْأَةِ إلَّا حَيْثُ تُدْعَى إلَى الْبِنَاءِ بِهَا وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ اسْتِثْنَاءَ الصَّغِيرَةِ وَالنَّاشِزِ لَمَا أَغْفَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُبَيِّنَهُ لَهُ غَيْرُهُ، حَاشَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ اُنْظُرُوا مَنْ طَالَتْ غِيبَتُهُ أَنْ يَبْعَثُوا نَفَقَةً أَوْ يَرْجِعُوا أَوْ يُفَارِقُوا فَإِنْ فَارَقَ فَإِنَّ عَلَيْهِ نَفَقَةَ مَا فَارَقَ مِنْ يَوْمٍ غَابَ "

стр. 3996

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَمْ يَخُصَّ عُمَرُ نَاشِزًا مِنْ غَيْرِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ سَأَلْت الْحَكَمَ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَاضِبَةً هَلْ لَهَا نَفَقَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ - وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِلصَّغِيرَةِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَمَا نَعْلَمُ لِعُمَرَ فِي هَذَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا يُحْفَظُ مَنْعُ النَّاشِزِ مِنْ النَّفَقَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: النَّفَقَةُ بِإِزَاءِ الْجِمَاعِ، فَإِذَا مَنَعَتْ الْجِمَاعَ مُنِعَتْ النَّفَقَةُ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ حُجَّةٌ أَفْقَرُ إلَى مَا يُصَحِّحُهَا مِمَّا رَامُوا تَصْحِيحَهَا بِهِ، وَقَدْ كَذَبُوا فِي ذَلِكَ، مَا النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ إلَّا بِإِزَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ الزَّوْجِيَّةُ فَالنَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَاجِبَتَانِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْعَجَبُ كُلُّهُ اسْتِحْلَالُهُمْ ظُلْمَ النَّاشِزِ فِي مَنْعِهَا حَقَّهَا مِنْ أَجْلِ ظُلْمِهَا لِلزَّوْجِ فِي مَنْعِ حَقِّهِ، وَهَذَا هُوَ الظُّلْمُ بِعَيْنِهِ، وَالْبَاطِلُ صُرَاحًا. وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ لَا يُجِيزُونَ لِمَنْ ظَلَمَهُ إنْسَانٌ فَأَخَذَ لَهُ مَالًا فَقَدَرَ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنْ مَالٍ يَجِدُهُ لِظَالِمِهِ أَنْ يَنْتَصِفَ، وَرَأَوْا مَنْعَ النَّاشِزِ النَّفَقَةَ، وَالْكِسْوَةَ، وَلَا يُدْرَى لِمَاذَا؟ وَقَدْ تَنَاقَضُوا فِي حُجَّتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ فَرَأَوْا النَّفَقَةَ لِلْمَرِيضَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، فَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ: إنَّ النَّفَقَةَ بِإِزَاءِ الْجِمَاعِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَكْسُو الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ: فَالْمُوسِرُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَكْسُوهَا الْخَزَّ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَالْمُتَوَسِّطُ: جَيِّدَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالْمُقِلُّ عَلَى قَدْرِهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَأْكَلِ النَّاسِ وَمَلَابِسِهِمْ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أرنا عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْحِمْصِيُّ نا

стр. 3997

أَبُو الْيَمَانِ - هُوَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - أرنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ لِبَاسِ النِّسَاءِ الْحَرِيرَ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ " أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ بُرْدَ حَرِيرٍ ". وَقَالَ اللَّهُ : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا يَأْكُلُونَ فِيهِ إلَّا التَّمْرَ؛ أَوْ التِّينَ، أَوْ بَعْضَ الثِّمَارِ، أَوْ اللَّبَنَ، أَوْ السَّمَكَ: قُضِيَ لَهَا بِمَا يَقْتَاتُهُ أَهْلُ بَلَدِهَا كَمَا ذَكَرْنَا - وَأَكْثَرُ النَّفَقَةِ عِنْدَنَا رَطْلَانِ بِالْبَغْدَادِيِّ. ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا وَهْبُ بْنُ مِسْوَرَةَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ - هُوَ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْكُوفِيُّ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ «أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ فَضَالَةَ الْجُشَمِيِّ قَالَ دَخَلَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ أَسْمَالٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَمَا لَكَ مِنْ مَالٍ؟ فَقَالَ: بَلْ مِنْ كُلِّ الْمَالِ، قَدْ أَتَانِي اللَّهُ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلْيُرَ عَلَيْكَ مِمَّا أَتَاكَ اللَّهُ» . فَفِي هَذَا الْخَبَرِ أَنْ يَلْبَسَ الْإِنْسَانُ عَلَى حَسَبِ مَالِهِ، وَنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ [مَسْأَلَةٌ لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمٍ لِزَوْجَتِهِ] ١٩١٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمٍ لِزَوْجَتِهِ - وَلَوْ أَنَّهُ ابْنُ الْخَلِيفَةِ وَهِيَ بِنْتُ خَلِيفَةٍ. إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ لَهَا بِمَنْ يَأْتِيهَا بِالطَّعَامِ وَالْمَاءِ، مُهَيَّأً مُمْكِنًا لِلْأَكْلِ - غَدْوَةً وَعَشِيَّةً -. وَبِمَنْ يَكْفِيهَا جَمِيعَ الْعَمَلِ مِنْ الْكَنْسِ وَالْفَرْشِ. وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِكِسْوَتِهَا كَذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ. وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ قَطُّ بِإِيجَابِ نَفَقَةِ خَادِمِهَا عَلَيْهِ، فَهُوَ ظُلْمٌ وَجَوْرٌ. وَأَمَّا مَنْ كَلَّفَهَا الْعَجِينَ وَالطَّبْخَ، وَلَمْ يُكَلِّفْهَا حِيَاكَةَ كِسْوَتِهَا وَخِيَاطَتِهَا فَقَدْ تَنَاقَضَ، وَظَهَرَ خَطَؤُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلزَّوْجَةِ مُيَاوَمَةً] ١٩٢٠ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنَّمَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ مُيَاوَمَةً، لِأَنَّهُ هُوَ رِزْقُهَا، فَإِنْ تَعَدَّى مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَأَخَّرَ عَنْهَا الْغَدَاءَ، أَوْ الْعَشَاءَ أُدِّبَ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 3998

فَإِنْ أَعْطَاهَا أَكْثَرَ، فَإِنْ مَاتَتْ، أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا، أَوْ أَتَمَّتْ عِدَّتَهَا وَعِنْدَهَا فَضْلُ يَوْمٍ أَوْ غَدَاءٍ أَوْ عَشَاءٌ: قُضِيَ عَلَيْهَا بِرَدِّهِ إلَيْهِ. وَهُوَ فِي الْمَيْتَةِ مِنْ رَأْسِ مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَقِّهَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا جَعْلُهُ عِنْدَهَا عِدَّةً لِوَقْتِ مَجِيءِ اسْتِحْقَاقِهَا إيَّاهُ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ فَهُوَ عِنْدَهَا أَمَانَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَلَا ظُلْمَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ لَا يُقْضَى عَلَيْهَا بِرَدِّ مَا لَمْ تَسْتَحِقَّهُ قَبْلَهُ. وَأَمَّا الْكِسْوَةُ - فَإِنَّهَا إذَا وَجَبَتْ لَهَا فَهِيَ حَقُّهَا، وَإِذْ هُوَ حَقُّهَا فَهُوَ لَهَا، فَسَوَاءٌ مَاتَتْ إثْرَ ذَلِكَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، أَوْ أَتَمَّتْ عِدَّتَهَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا: لَيْسَ عَلَيْهَا رَدُّهَا، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا رَدُّهَا لَكَانَتْ غَيْرَ مَالِكَةٍ لَهَا حِينَ تَجِبُ لَهَا - وَهَذَا بَاطِلٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْلَقَتْ ثِيَابَهَا أَوْ أَصَابَتْهَا وَلَيْسَتْ مِنْ مَالِهَا فَهِيَ لَهَا، فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ الَّذِي يُعْهَدُ فِي مِثْلِهِ إخْلَاقُ تِلْكَ الْكِسْوَةِ فَهِيَ لَهَا، وَيُقْضَى لَهَا عَلَيْهِ بِأُخْرَى - فَلَوْ امْتَهَنَتْهَا ضِرَارًا أَوْ فَسَادًا حَتَّى أُخْلِقَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يُعْهَدُ فِيهِ إخْلَاقُ مِثْلِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا عَلَيْهِ، إنَّمَا عَلَيْهِ رِزْقُهَا وَكِسْوَتُهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَعْرُوفُ هُوَ الَّذِي قُلْنَا. وَأَمَّا الْوِطَاءُ وَالْغِطَاءُ - فَبِخِلَافِ ذَلِكَ، لِأَنَّ عَلَيْهِ إسْكَانَهَا، فَإِذْ عَلَيْهِ إسْكَانُهَا فَعَلَيْهِ مِنْ الْفُرُشِ وَالْغِطَاءِ مَا يَكُونُ دَافِعًا لِضَرَرِ الْأَرْضِ عَنْ السَّاكِنِ فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى كِسْوَتَهَا - وَبَيَّنَ ذَلِكَ الْخَبَرَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ قَبْلُ مُسْنَدًا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَهُ» . فَنُسِبَ ﵇ الْفُرُشُ إلَى الزَّوْجِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ لَهَا بِهِ، وَهُوَ لِلزَّوْجِ لَا تَمْلِكُهُ هِيَ، وَمَنْ قَضَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ الْمُيَاوَمَةِ فَقَدْ قَضَى بِالظُّلْمِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ ، وَنَسْأَلُهُ عَنْ أَنْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، فَأَيُّ حَدٍّ حُدَّ - مِنْ جُمُعَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ -: كُلِّفَ الْبُرْهَانُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا يَجِدُهُ. فَإِنْ ذَكَرَ ذَاكِرٌ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدٌ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ نا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ الْحَدَثَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ» .

стр. 3999

رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ كُلَّ سَنَةٍ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ» ؟ قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّهُ كَانَ يَدْفَعُهُ إلَيْهِنَّ مُقَدَّمًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُنَّ مُيَاوَمَةً، أَوْ مُشَاهَرَةً - وَنَحْنُ لَمْ نَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ إنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِهِ، فَإِنْ فَعَلَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ فَتَلِفَ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ مِنْهَا، أَوْ بِعُدْوَانٍ. فَهِيَ ضَامِنَةٌ لَهُ، لِأَنَّهَا أَخَذَتْ مَا لَيْسَ حَقًّا لَهَا، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ مَالَ أَحَدٍ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُسْقِطُ حَقَّ ذِي حَقٍّ، فَلَوْ تَطَوَّعَ هُوَ بِذَلِكَ دُونَ قَضَاءِ قَاضٍ فَتَلِفَ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ مِنْهَا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ثَانِيَةً، وَكِسْوَتُهَا ثَانِيَةً كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَدَّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَحَقُّهَا بَاقٍ قَبْلَهُ، إذْ لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهَا بَعْدُ. [مَسْأَلَةٌ إسْكَانُ الزَّوْجَة عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ] ١٩٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَيَلْزَمُهُ إسْكَانُهَا عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] . [مَسْأَلَةٌ لَا يَلْزَمُ الزَّوْج حُلِيٌّ وَلَا طِيبٌ] ١٩٢٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُهُ لَهَا حُلِيٌّ وَلَا طِيبٌ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْهُمَا عَلَيْهِ، وَلَا رَسُولَهُ ﵌ [مَسْأَلَةٌ مَنَعَ الزَّوْج النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا] ١٩٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ مَنَعَ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا - فَسَوَاءٌ كَانَ غَائِبًا. أَوْ حَاضِرًا هُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، يُؤْخَذُ مِنْهُ أَبَدًا وَيَقْضِي لَهَا بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، وَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ يُضْرَبُ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا فَهُوَ دَيْنٌ قِبَلَهُ. [مَسْأَلَةٌ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ نَفَقَةِ الزَّوْجَة وَالْكِسْوَةِ] ١٩٢٤ - مَسْأَلَةٌ: فَمَنْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، فَسَوَاءٌ قَلَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ كَثُرَ: الْوَاجِبُ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِمَا قَدَرَ، وَيُسْقَطُ عَنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ، وَلَمْ يَجِبْ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُضِيَ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ يُوسَرَ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَنْفَقَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ مُدَّةَ عُسْرِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، وَلَا آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ إيَّاهُ، وَمَا لَمْ يُكَلِّفْهُ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 4000

فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ أَبَدًا أَيْسَرَ أَوْ لَمْ يُوسِرْ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا وَجَبَ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ فَمَنَعَهَا إيَّاهَا - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا - فَهَذَا يُؤْخَذُ بِهِ أَبَدًا أَعْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُعْسِرْ، لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ، فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَلَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ إعْسَارُهُ، لَكِنْ يُوجِبُ الْإِعْسَارُ أَنْ يَنْظُرَ بِهِ إلَى الْمَيْسَرَةِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . [مَسْأَلَةٌ مَنَعَهَا الزَّوْج النَّفَقَةَ أَوْ الْكِسْوَةَ أَوْ الصَّدَاقَ] ١٩٢٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُهَا النَّفَقَةَ أَوْ الْكِسْوَةَ أَوْ الصَّدَاقَ ظُلْمًا، أَوْ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ لَا يَقْدِرُ لَمْ يَجُزْ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ وَإِنْ ظَلَمَ فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَمْنَعَهُ حَقًّا لَهُ قَبْلَهَا، إنَّمَا لَهَا أَنْ تَنْتَصِفَ مِنْ مَالِهِ - إنْ وَجَدَتْهُ لَهُ - بِمِقْدَارِ حَقِّهَا: «كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ إذْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي أَفَآخُذُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌: خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . رُوِّينَاهُ هَكَذَا مِنْ لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌. [مَسْأَلَةٌ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتُهُ غَنِيَّةٌ] ١٩٢٦ - مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتُهُ غَنِيَّةٌ كُلِّفَتْ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ، وَلَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إنْ أَيْسَرَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَنَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ لَا عَلَى امْرَأَتِهِ - وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْحُرِّ وَلَدٌ أَوْ وَالِدٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ وَالِدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَا فَقِيرَيْنِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . قَالَ عَلِيٌّ: الزَّوْجَةُ وَارِثَةٌ فَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى الْعَبْدِ كَمَا هِيَ عَلَى الْحُرِّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذْ

стр. 4001

أَوْجَبَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵌ نَفَقَةَ النِّسَاءِ وَكِسْوَتَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، لَمْ يَخُصَّ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ. وَإِذْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] . وَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى حُرًّا مِنْ عَبْدٍ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . وَفِيمَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: فِي الْمَرْأَةِ الْبَالِغَةِ الْمَرِيضَةِ - الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا زَوْجُهَا - أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَرَضُهَا يَمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا - فَإِنْ بَنَى بِهَا وَهِيَ كَذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى جِمَاعِهَا فَإِنْ أَمْسَكَهَا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا. قَالَ: فَإِنْ مَرِضَتْ عِنْدَهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا صَحِيحَةً - فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا. قَالَ: فَإِنْ بَنَى بِالرَّتْقَاءِ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا. وَهَذِهِ مُنَاقَضَاتٌ طَرِيفَةٌ فِي السَّخَافَةِ جِدًّا. وَقَالَ: إنْ سُجِنَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ حِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا كَرْهًا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ عُمَرَ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَائِبِ مُدَّةَ مَغِيبِهِ وَإِنْ طَلَّقَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ الْمَرْأَةِ تُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ الَّذِي لَهَا وَتَتَسَلَّفُ؟ قَالَ: نَرَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ زَوْجُهَا بِالسَّدَادِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ وَضَعَ لَهَا مَا يُصْلِحُهَا. قَالَ يُونُسُ: وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا الْحَقُّ، لِأَنَّهُ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَنْفَقَ فَهُوَ مُدَّعٍ لِسُقُوطِ حَقٍّ لَهَا ثَبَتَ قَبْلَهُ، فَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ. رُوِّينَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: مَا أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا فِيهِ، وَمَا اسْتَدَانَتْ فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ - وَهَذَا تَقْسِيمٌ لَا يَقُومُ بِصِحَّتِهِ بُرْهَانٌ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: لَا نَفَقَةَ لِلْمَرْأَةِ إلَّا إذَا شَكَتْ إلَى الْجِيرَانِ، فَمِنْ حِينِ تَشْكُو تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ، وَيُؤْخَذُ بِهَا الزَّوْجُ - وَهَذَا تَحْدِيدٌ فَاسِدٌ.

стр. 4002

وَصَحَّ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهُ: إنَّ زَوْجِي غَابَ، وَإِنِّي اسْتَدَنْت دِينَارًا فَأَنْفَقْتُهَا عَلَى نَفْسِي؟ فَقَالَ لَهَا شُرَيْحٌ: أَكَانَ أَمَرَ بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَاقْضِي دَيْنَك. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا نَفَقَةَ لِلْمَرْأَةِ إلَّا أَنْ يَفْرِضَهَا لَهَا السُّلْطَانُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ فَرَضَهَا لَهَا سُلْطَانُ السَّلَاطِينِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فَبَطَلَ رَأْيُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ غَابَ ثُمَّ قَدُمَ فَطَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ بِالنَّفَقَةِ، فَإِنْ أَقَامَتْ لَهَا بَيِّنَةً بِأَنَّهَا أَقَرَّ لَهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهَا بِشَيْءٍ قَضَى لَهَا، وَإِلَّا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذِهِ أَيْضًا قَضِيَّةٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتهَا، وَلَا يُدْرَى بِمَاذَا سَقَطَ حَقُّهَا الْوَاجِبُ لَهَا بِدَعْوَاهُ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُسْجَنُ فَلَا يُطَلِّقُ وَلَا يُكَلَّفُ طَلَاقًا. وَهَذَا قَوْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ قَاضِي الْبَصْرَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْتَ شِعْرِي لِمَاذَا يُسْجَنُ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ أَوْ يُطَلِّقَ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: " كَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ادَّعَوْا - فُلَانًا وَفُلَانًا - نَاسًا قَدْ انْقَطَعُوا عَنْ الْمَدِينَةِ وَرَحَلُوا عَنْهَا: إمَّا أَنْ يَرْجِعُوا إلَى نِسَائِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَبْعَثُوا بِنَفَقَةٍ إلَيْهِنَّ، وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقُوا وَيَبْعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى ". وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ أُجْبِرَ عَلَى طَلَاقِهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَظَرْنَا فِيمَا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ نا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» ، تَقُولُ امْرَأَتُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الْخَبَرِ - فَوَجَدْنَا هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌.

стр. 4003

بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نَا أَبِي ثنا الْأَعْمَشُ نا أَبُو صَالِحٍ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي. وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي " وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ - قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كَيْسِ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْخَبَرِ. فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيْنِ، عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْنَا: أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا حَكَى قَوْلَ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّ هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي الْحُكْمِ. وَأَمَّا عُمَرُ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْ بِذَلِكَ إلَّا أَغْنِيَاءَ قَادِرِينَ عَلَى النَّفَقَةِ، وَلَيْسَ فِي خَبَرِ عُمَرَ ذِكْرُ حُكْمِ الْمُعْسِرِ؟ بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ إسْقَاطُ طَلَبِ الْمَرْأَةِ لِلنَّفَقَةِ إذَا أُعْسِرَ بِهَا الزَّوْجُ - عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُطَلِّقُهَا عَلَيْهِ الْحَاكِمُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا -: فَقَالَ مَالِكٌ: يُؤَجَّلُ فِي عَدَمِ النَّفَقَةِ شَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ، فَإِنْ انْقَضَى الْأَجَلُ - وَهِيَ حَائِضٌ أُخِّرَ حَتَّى تَطْهُرَ، وَفِي الصَّدَاقِ عَامَيْنِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا عَلَيْهِ الْحَاكِمُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، فَإِنْ أَيْسَرَ فِي الْعِدَّةِ فَلَهُ ارْتِجَاعُهَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُؤَجَّلُ إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ -: وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ نَحْوَ هَذَا جَمَاعَةً -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ؟ قَالَ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: سَنَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَنَةٌ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ لِزَوْجِ امْرَأَةٍ شَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا: اضْرِبُوا لَهُ أَجَلَ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ فَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا - قَالَ: أَبُو الزِّنَادِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ؟ فَقَالَ فِي الْأَجَلِ وَالتَّفْرِيقِ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

стр. 4004

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ أَنْكَحَ ابْنَتَهُ رَجُلًا لَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ إلَى الزَّوْجِ فَأَتَى فَقَالَ: أَنْكَحَنِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنْكَحْتَهُ وَأَنْتَ تَعْرِفُ، فَمَا الَّذِي أَصْنَعُ، اذْهَبْ بِأَهْلِك. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: " مَنْ تَزَوَّجَ - وَهُوَ غَنِيٌّ - ثُمَّ احْتَاجَ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا " وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: إنَّ مَنْ أَدْرَكْتُ كَانُوا يَقُولُونَ: إذَا لَمْ يُنْفِقْ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، قِيلَ لِمَالِكٍ: قَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ يُعْسَرُونَ وَيَحْتَاجُونَ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ النَّاسُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ، إنَّمَا تَزَوَّجَتْهُ رَجَاءً. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَا جَمِيعًا: إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ نَجِدْ لِأَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ حُجَّةً أَصْلًا، إلَّا تَعَلُّقَهُمْ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ صَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلَانِ، كَمَا أَوْرَدْنَا أَحَدُهُمَا - يُجْبَرُ عَلَى مُفَارَقَتِهَا، وَالْآخَرُ - يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، فَأَيُّهُمَا السُّنَّةُ، وَأَيُّهُمَا كَانَ السُّنَّةُ، فَالْآخَرُ خِلَافَ السُّنَّةِ، بِلَا شَكٍّ، وَلَمْ يَقُلْ سَعِيدٌ: إنَّهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَحَتَّى لَوْ قَالَهُ لَكَانَ مُرْسَلًا لَا حُجَّةَ فِيهِ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا أَرَادَ - بِلَا شَكٍّ - أَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ دُونِهِ ﵊. وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا رُوِّينَا مِنْ فِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ سَعِيدٍ هَذَا - وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ يَحْتَجُّ فِيمَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِ سَعِيدٍ: إنَّهُ سُنَّةٌ، وَهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ - مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ نَبَاتٍ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الْأَعْلَى نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو " أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَضَى فِي فِدَاءِ وَلَدِ الْأَمَةِ الْغَارَّةِ بِأَنَّهَا حُرَّةُ الْمِلَّةِ، أَوْ السُّنَّةُ كُلُّ رَأْسٍ رَأْسَيْنِ ". وَلَا يَلْتَفِتُونَ - مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ

стр. 4005

نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةُ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: " لَا تَلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا ﵌ عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا ". وَالصَّحِيحُ الثَّابِتُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ نا سُفْيَانُ عَنْ سَعْدٍ - هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ " صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ ". وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أرنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أرنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مُخَافَتَةً ثُمَّ يُكَبِّرُ وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْآخِرَةِ» . فَمَنْ أَعْجَبُ مِمَّنْ يَرَى قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قَضِيَّةٍ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهَا هِيَ سُنَّةٌ حُجَّةٌ، وَلَا يَرَى قَوْلَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ هِيَ السُّنَّةُ حُجَّةٌ؟ وَهُوَ مِثْلُ سَعِيدٍ فِي إدْرَاكِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَكَيْفَ بِعُثْمَانَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُدْرِكُ سَعِيدٌ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِمْ أَبَدًا، وَكُلُّهُمْ أَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ مِنْ سَعِيدٍ بِلَا شَكٍّ - وَهَذَا تَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ بِالْبَاطِلِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي تَأْجِيلِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، فَسَاقِطَةٌ جِدًّا، لِأَنَّهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ، وَكِلَاهُمَا لَا شَيْءَ. وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ قَوْلُ مَالِكٍ لِلَّذِي احْتَجَّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَحْتَاجُونَ وَيُعَسِّرُونَ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ النَّاسُ الْيَوْمَ كَذَلِكَ، إنَّمَا تَزَوَّجَتْهُ رَجَاءً " فَجَمَعَ هَذَا الْقَوْلُ وُجُوهًا مِنْ الْخَطَأِ -: مِنْهَا - مُخَالَفَةُ أَمْرِ الصَّحَابَةِ وَمَا مَضَوْا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ الِاعْتِرَافَ بِأَنَّ النَّاسَ لَيْسُوا كَذَلِكَ الْيَوْمِ، فَكَيْفُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجِيزَ حُكْمًا يُقِرُّ بِأَنَّ النَّاسَ فِيهِ عَلَى خِلَافِ مَا مَضَى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ مَنْ لَهُ بِذَلِكَ، وَمِنْ أَيْنَ عَرَفَ تَبَدُّلَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا يَعْلَمُ أَحَدٌ فِيهَا أَنَّ النَّاسَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ عَصْرَ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّمَا تَزَوَّجَتْهُ الْمَرْأَةُ لِلْجِمَاعِ وَالنَّفَقَةِ بِلَا شَكٍّ، فَمَا النَّاسُ الْيَوْمَ إلَّا كَذَلِكَ.

стр. 4006

ثُمَّ قَوْلُهُ " إنَّمَا تَزَوَّجَتْهُ رَجَاءً " فَيُقَالُ لَهُ: فَكَانَ مَاذَا؟ وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا مِمَّا يُحِيلُ حُكْمَ مَا مَضَى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃؟ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّونَ عَلَيْهِمْ بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ - وَهِيَ أَنْ قَالُوا: إذَا كُلِّفْتُمُوهَا صَبْرَ شَهْرٍ، فَلَا سَبِيلَ إلَى عَيْشِ شَهْرٍ بِلَا أَكْلٍ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ تَكْلِيفِهَا الصَّبْرَ أَبَدًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا اعْتِرَاضٌ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا لِلشَّافِعِيِّ: إذَا طَلَّقْتُمُوهَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا صَبْرَ عَنْ الْأَكْلِ، فَأَنْتُمْ تُكَلِّفُونَهَا الْعِدَّةَ - وَهِيَ رُبَّمَا كَانَتْ أَشْهُرًا - فَقَدْ كَلَّفْتُمُوهَا الصَّبْرَ بِلَا نَفَقَةٍ مُدَّةً لَا يُعَاشُ فِيهَا بِلَا أَكْلٍ وَلَا فَرْقَ - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ جُمْلَةً. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا عَلَيْنَا بِأَنْ قَالُوا: قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَنْ عَنَّ عَنْ امْرَأَتِهِ وَبَيَّنَهَا بِضَرَرِ فَقْدِ الْجِمَاعِ، فَضَرَرُ فَقْدِ النَّفَقَةِ أَشَدُّ؟ فَقَالَ لَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: قَدْ اتَّفَقْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَطِئَهَا مَرَّةً ثُمَّ عَنَّ عَنْهَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَأَكْثَرَ ثُمَّ أُعْسِرَ بِنَفَقَتِهَا؟ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَرَكَتْ قِيَاسَهَا الْفَاسِدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَقَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ نا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ نا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَاهُ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِنًا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا؟ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا وَقَامَ عُمَرُ إلَى حَفْصَةَ يُجَأْ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟ فَقُلْنَ: وَاَللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ شَيْئًا أَبَدًا مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ ﵊ شَهْرًا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا أَوْرَدْنَا هَذَا لِمَا فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ مِنْ ضَرْبِهِمَا ابْنَتَيْهِمَا، إذْ سَأَلَتَا النَّبِيَّ ﵌ نَفَقَةً لَا يَجِدُهَا، وَإِذْ ضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ امْرَأَتَهُ، إذْ سَأَلَتْهُ نَفَقَةً لَا يَجِدُهَا.

стр. 4007

وَمِنْ الْمُحَالِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ يَضْرِبَا طَالِبَةَ حَقٍّ، وَمِثْلُ هَذَا لَوْ وَجَدَهُ الْمُخَالِفُونَ لَنَا لِعِظَمِ تَسَلُّطِهِمْ بِهِ - وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَحْتَجُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ سَأَلْتُ عَطَاءً عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَصْلُحُ امْرَأَتَهُ مِنْ النَّفَقَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ لَهَا إلَّا مَا وَجَدْتَ، لَيْسَ لَهَا إلَّا مَا وَجَدْتَ، لَيْسَ لَهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ " أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَعْجَزُ عَنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ؟ قَالَ: تُوَاسِيه تَتَّقِي اللَّهَ وَتَصْبِرُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا مَا اسْتَطَاعَ ". وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: يَسْتَأْنِي بِهِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَتَلَا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] . قَالَ مَعْمَرٌ: وَبَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ سِوَاهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي الْمَرْأَةِ يُعْسِرُ زَوْجُهَا بِنَفَقَتِهَا؟ قَالَ: هِيَ امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ، وَلَا تَأْخُذُ بِقَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا: قَوْلُ اللَّهِ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ يُنْفِقُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى مَمَالِيكِهِمَا مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ] ١٩٢٧ - مَسْأَلَةٌ: وَيُنْفِقُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى مَمَالِيكِهِمَا مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، أَنْ يُطْعِمَهُ شِبَعَهُ مِمَّا يَأْكُلُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ وَيَكْسُوَهُ مِمَّا يَطْرُدُ عَنْهُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، وَلَا يَكُونُ بِهِ مُثْلَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، لَكِنْ مِمَّا يُلْبَسُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَكْسُوِّ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَيَسْتُرُ الْعَوْرَةَ. وَفُرِضَ عَلَيْهِ - مَعَ ذَلِكَ - أَنْ يُطْعِمَهُ مِمَّا يَأْكُلُ - وَلَوْ لُقْمَةً - وَأَنْ يَكْسُوَهُ مِمَّا يَلْبِسُ - وَلَوْ فِي الْعِيدِ - وَيُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى، أَوْ أَعْسَرَ: بِيعَ مِنْ مَالِهِ مَا يُنْفِقُ بِهِ عَلَى

стр. 4008

مَنْ ذَكَرْنَا فِي الْإِبَايَةِ - وَأَمَّا فِي الْعُسْرِ: فَيُبَاعُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِأَيْدِيهِمَا عَمَلٌ يَكُونُ لَهُ أُجْرَةٌ يَقُومُ مِنْهَا مُؤْنَتُهُ، فَإِنَّهُ يُؤَاجِرُ حِينَئِذٍ وَلَا يُبَاعُ - وَلَا تُعْتَقُ أُمُّ الْوَلَدِ مِنْ عَدَمِ النَّفَقَةِ، لَكِنْ يُجْبَرُ كَمَا قُلْنَا إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ كُلِّفَتْ مَا يُكَلَّفُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ نا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبِسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ عَلَيْهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ نا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي حَزْرَةَ الْقَاصِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ أَبَا الْيُسْرِ قَالَ لَهُ: إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ فِي الرَّقِيقِ «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ» . قَالَ: أَبُو الْيُسْرِ " فَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " فَهَذَا أَبُو الْيُسْرِ يَرَى هَذَا الْأَمْرَ فَرْضًا. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ نا ابْنُ وَهْبٍ أرنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ عَنْ الْعَجْلَانِ مَوْلَى فَاطِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ - هُوَ الْحَوْضِيُّ - نَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ يَقُولُ: «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَلْيُؤَاكِلْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ؛ أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَجْمَعُ مَا قُلْنَا، وَقَدْ صَحَّ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ عَنْ الْمُثْلَةِ - وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ إنْ غَابَ أَوْ أَبَى بِيعَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وَكُلُّ مَا لَزِمَتْ الْمُسْلِمَ نَفَقَتُهُ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ فِي مَالِهِ، فَفَرْضٌ عَلَيْنَا إيصَالُهُ إلَيْهِ، وَتَوْفِيَتُهُ إيَّاهُ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِ

стр. 4009

عَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ: بِيعَ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَمَنْ لَمْ يَبِعْ مِنْ مَالِ مَنْ عَلَيْهِ حَقُّ مَا يُوَصِّلُهُ بِهِ الْعَبْدُ أَوْ غَيْرُهُ إلَى حَقِّهِ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَمِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ إيفَاءُ ذِي الْحَقِّ حَقَّهُ، وَمِنْ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مَنْعُ ذِي الْحَقِّ حَقَّهُ. وَأَمَّا بَيْعُ الْمَمْلُوكِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلَا كَانَ بِيَدِ الْعَبْدِ عَمَلٌ يُؤَاجَرُ بِهِ، أَوْ مُؤَاجَرَةُ الْمَمْلُوكِ إنْ كَانَ بِيَدِهِ عَمَلٌ تَقُومُ مِنْهُ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ، فَلَمَّا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ أَبَا طَيْبَةَ كَانَ لِمَوَالِيهِ عَلَيْهِ خِرَاجٌ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُخْفُوا عَنْهُ مِنْ خِرَاجِهِ. وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا لَيْثٌ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ إلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ فِيمَنْ بَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَقَدْ سَمِعَهُ أَبُو الزُّبَيْرِ مِنْ جَابِرٍ كَمَا نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ نا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا الْعُقَيْلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: " قَدِمْتُ عَلَى أَبِي الزُّبَيْرِ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَابَيْنِ فَسَأَلَتْهُ كُلَّ هَذَا سَمِعْته مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مِنْهُ مَا سَمِعْتُ، وَمِنْهُ مَا حُدِّثْتُ، فَقُلْتُ: أَعْلِمْ لِي عَلَى كُلِّ مَا سَمِعْت مِنْهُ؟ فَأَعْلِمْ لِي عَلَى هَذَا الَّذِي عِنْدِي ". وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لِمَ بِعْتُمْ الْعَبْدَ إذَا أَعْسَرَ السَّيِّدُ بِنَفَقَتِهِ، أَوْ بِنَفَقَةِ أَهْلِهِ، أَوْ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ - وَلَمْ تُطَلِّقُوا الزَّوْجَةَ، وَلَمْ تَعْتِقُوا أُمَّ الْوَلَدِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ؟ قُلْنَا: حَقُّ مَنْ لَهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ فِي مَالِهِ وَعَبْدُهُ، وَأَمَتُهُ، مَالٌ مِنْ مَالِهِ فَيُبَاعَانِ فِي كُلِّ حَقٍّ عَلَيْهِ لِيُعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ -

стр. 4010

وَكَمَا قَالَ ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] وَمَنْ مَنَعَ أَحَدًا نَفَقَتَهُ الْوَاجِبَةَ لَهُ فَقَدْ بَخَسَ شَيْئًا هُوَ لَهُ - وَأَمَّا الزَّوْجَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ فَلَيْسَتَا مَالًا مِنْ مَالِهِ لَكِنَّ حَقَّهُمَا فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَحَقُّهُمَا فِي مَالِ أَنْفُسِهِمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ فَحَقُّهُمَا فِي سَهْمِ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ مِنْ الصَّدَقَاتِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ أَوْ الْفُقَرَاءِ، يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْمُشَاهَدَةِ، فَأَيُّ وَجْهٍ لِلطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ هَاهُنَا؟ لَوْ أَنْصَفَ الْمُعَانِدُونَ أَنْفُسَهُمْ؟ . [مَسْأَلَةٌ نَفَقَة حَيَوَانِهِ كُلِّهِ أَوْ تَسْرِيحِهِ لِلرَّعْيِ] ١٩٢٨ - مَسْأَلَةٌ: وَيُجْبَرُ أَيْضًا عَلَى نَفَقَةِ حَيَوَانِهِ كُلِّهِ أَوْ تَسْرِيحِهِ لِلرَّعْيِ إنْ كَانَ يَعِيشُ مِنْ الْمَرْعَى إنْ أَبَى بِيعَ عَلَيْهِ كُلُّ ذَلِكَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُوسَى نا أَبُو عَوَانَةَ نا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ وَرَّادٍ - كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إلَى مُعَاوِيَةَ «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﵌ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِضَاعَةُ الْمَالِ حَرَامٌ وَإِثْمٌ، وَعُدْوَانٌ، بِلَا خِلَافٍ، وَمَنْعُ الْمَرْءِ حَيَوَانُهُ مِمَّا فِيهِ مَعَاشُهُ، أَوْ إصْلَاحُهُ إضَاعَةٌ لِمَالِهِ، فَالْوَاجِبُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . وَالْإِحْسَانُ إلَى الْحَيَوَانِ بِرٌّ وَتَقْوَى، فَمَنْ لَمْ يُعِنْ عَلَى إصْلَاحِهِ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَعَصَى اللَّهَ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُبَاعُ عَلَيْهِ حَيَوَانُهُ، لَكِنْ ﷺ يُؤْمَرُ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِ فَقَطْ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا ضَلَالٌ ظَاهِرٌ - كَمَا ذَكَرْنَا - وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ مُقَلَّدِيهِ بِضَلَالٍ آخَرَ قَالَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ إذَا أَرَادَ إضَاعَتَهُ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى سَقْيِ نَخْلِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى سَقْيِ النَّخْلِ إنْ كَانَ فِي تَرْكِ سَقْيِهِ هَلَاكُ النَّخْلِ، وَكَذَلِكَ فِي الزَّرْعِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] .

стр. 4011

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَمَنْعُ الْحَيَوَانِ مَا لَا مَعَاشَ لَهُ إلَّا بِهِ مِنْ عَلَفٍ أَوْ رَعْيٍ، وَتَرْكُ سَقْيِ شَجَرِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ حَتَّى يَهْلَكَا - بِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى - فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ وَإِهْلَاكٌ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُحِبُّ هَذَا الْعَمَلَ، فَمَنْ أَضَلَّ مِمَّنْ يَنْصُرُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْفَاسِدَةَ الْعَائِدَةَ بِالْفَسَادِ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ لَا تُجْبِرُونَ أَحَدًا عَلَى زَرْعِ أَرْضِهِ إذَا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: إنَّمَا نَتْرُكُهُ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ مَعَاشٌ غَيْرُهُ يُغْنِي عَنْ زَرْعِهَا - وَهَذَا بِلَا شَكٍّ صَلَاحٌ لِلْأَرْضِ وَإِحْمَامٌ لَهَا. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غِنًى عَنْ زَرْعِهَا، فَإِنَّمَا يُجْبِرُهُ عَلَى زَرْعِهَا إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى إعْطَائِهَا بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلَا نَتْرُكُهُ يَبْقَى عَالَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِإِضَاعَتِهِ لِمَالِهِ، وَمَعْصِيَتِهِ لِلَّهِ بِذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَسْتَعِينُ.

стр. 4012

[النَّفَقَاتُ عَلَى الْأَقَارِبِ] [ مَسْأَلَةٌ الْبَدْءُ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا غِنًى عَنْهُ بِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ] ِ ١٩٢٩ - مَسْأَلَةٌ: فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا غِنًى عَنْهُ بِهِ: مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُجْبَرُ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا عَمَلَ بِيَدِهِ مِمَّا يَقُومُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ: مِنْ أَبَوَيْهِ، وَأَجْدَادِهِ، وَجَدَّاتِهِ، وَإِنْ عَلَوْا - وَعَلَى الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ وَبَنِيهِمْ - وَإِنْ سَفَلُوا - وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالزَّوْجَاتِ -: كُلُّ هَؤُلَاءِ يُسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُقَدَّمُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ - قَلَّ مَا بِيَدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ كَثُرَ - لَكِنْ يَتَوَاسَوْنَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ لَهُ عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ: لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ هَؤُلَاءِ - بَعْدَ كِسْوَتِهِمْ وَنَفَقَتِهِمْ - شَيْءٌ أُجْبِرَ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمَةِ وَمَوْرُوثِيهِ، إنْ كَانَ مَنْ ذَكَرْنَا لَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَا عَمَلَ بِأَيْدِيهِمْ تَقُومُ مُؤْنَتُهُمْ مِنْهُ، وَهُمْ الْأَعْمَامُ، وَالْعَمَّاتُ - وَإِنْ عَلَوْا - وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ - وَإِنْ عَلَوْا - وَبَنُو الْإِخْوَةِ - وَإِنْ سَفَلُوا. وَالْمَوْرُوثُونَ - هُمْ: مَنْ لَا يُحَجِّبُهُ أَحَدٌ عَنْ مِيرَاثِهِ إنْ مَاتَ، مِنْ عُصْبَةٍ أَوْ مَوْلًى مِنْ أَسْفَلَ، فَإِنْ حُجِبَ عَنْ مِيرَاثِهِ لِوَارِثٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَاتِهِمْ. وَمَنْ مَرِضَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا كُلِّفَ أَنْ يَقُومَ بِهِمْ وَبِمَنْ يَخْدُمُهُمْ، وَكُلِّ هَؤُلَاءِ فَمَنْ قَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى مَعَاشٍ وَتَكَسُّبٍ، - وَإِنْ خَسَّ - فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ، إلَّا الْأَبَوَيْنِ وَالْأَجْدَادِ، وَالْجَدَّاتِ، وَالزَّوْجَاتِ " فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَصُونَهُمْ عَنْ خَسِيسِ الْكَسْبِ - إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 4013

وَيُبَاعُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا مَا بِهِ عَنْهُ غِنًى مِنْ عَقَارِهِ وَعُرُوضِهِ وَحَيَوَانِهِ وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا إنْ بِيعَ عَلَيْهِ هَلَكَ وَضَاعَ، فَمَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يُبَعْ إلَّا فِيمَا فِي نَفْسِهِ إلَيْهِ ضَرُورَةً إنْ، لَمْ يَتَدَارَكْهَا بِذَلِكَ هَلَكَ، وَلَا يُشَارِكُ الْوَالِدَ أَحَدٌ فِي النَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ الْأَدْنَيْنَ فَقَطْ. وَهَذَا مَكَانٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ، كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ نَا أَبُو الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكَشِّيُّ نا قَبِيصَةُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَجْبَرَ أَحَدًا عَلَى أَحَدٍ - يَعْنِي عَلَى نَفَقَتِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُنْفِقُ أَحَدٌ إلَّا عَلَى الْوَالِدِ الْأَدْنَى، وَالْأُمِّ الَّتِي وَلَدَتْهُ مِنْ بَطْنِهَا هَذَيْنِ - يَعْنِي الْأَبَوَيْنِ - يُجْبَرُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى مِنْ الْوَلَدِ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا إذَا كَانَا فَقِيرَيْنِ، وَيُجْبَرُ الرَّجُلُ دُونَ الْمَرْأَةِ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ الْأَدْنَى الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ فَقَطْ، وَعَلَى الْبِنْتِ الدُّنْيَا - وَإِنْ بَلَغَتْ - حَتَّى يُزَوِّجَهَا فَقَطْ. وَلَا تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى نَفَقَةِ وَلَدِهَا - وَإِنْ مَاتَ جُوعًا - وَهِيَ فِي غَايَةِ الْغِنَى. قَالَ: وَلَا يُنْفِقُ عَلَى أَبَوَيْهِ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ قَلَّدَهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ - وَإِنْ بَعُدُوا - وَعَلَى بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ وَمَنْ تَنَاسَلَ مِنْهُمْ - وَإِنْ سَفَلَ - وَلَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ غَيْرَ مَنْ ذَكَرْنَا - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَلَّدَهُ - وَقَدْ أَشَارَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ أَبٍ، وَلَا أُمٍّ، وَلَا غَيْرِهِمَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُجْبَرُ أَحَدٌ إلَّا عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ تَنَاقَضَ تَنَاقُضًا شَنِيعًا، قَالَ: يُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الْمُحْتَاجِينَ خَاصَّةً - ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا - فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا مُحْتَاجِينَ أُجْبِرَ عَلَى نَفَقَةِ الْإِنَاثِ مِنْهُمْ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى نَفَقَةِ الذُّكُورِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا زَمْنَى. فَإِنْ كَانُوا زَمْنَى مُحْتَاجِينَ أُجْبِرَ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الصِّغَارِ الْمُحْتَاجِينَ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَالْكِبَارِ وَالْفَقِيرَاتِ مِنْ النِّسَاءِ خَاصَّةً - وَإِنْ لَمْ يَكُنَّ

стр. 4014

زَمِنَاتٍ - وَالْكِبَارِ الْمُحْتَاجِينَ إذَا كَانُوا زَمْنَى، وَإِلَّا فَلَا - كُلُّ ذَلِكَ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمَةِ إذَا كَانَ وَارِثًا لَهُمْ خَاصَّةً. وَلَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ وَارِثًا لَهُ، وَلَا عَلَى نَفَقَةِ مَوْرُوثِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ مِنْهُ. قَالَ: وَلَا يُشَارِكُ الْوَالِدَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ أَحَدٌ، وَلَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى وَالِدِيهِ أَحَدٌ، فَإِنْ كَانَ جَمَاعَةٌ وَارِثُونَ ذَوُو رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى النَّفَقَةِ أُجْبِرُوا كُلُّهُمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهُ. قَالُوا: فَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ لَمْ يَلْزَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ نَفَقَةٌ عَلَى مَنْ دِينُهُ خِلَافَ دِينِهِ إلَّا الْوَلَدَ عَلَى أَبَوَيْهِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ فِي دِينِهِ، وَإِلَّا الْوَالِدَ الْكَافِرَ عَلَى نَفَقَةِ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ خَاصَّةً الَّذِينَ صَارُوا مُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ أُمِّهِمْ. قَالَ: وَلَا يُجْبَرُ فَقِيرٌ عَلَى أَحَدٍ إلَّا الْوَالِدُ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، وَإِلَّا الزَّوْجُ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ، وَإِلَّا الرَّجُلُ الْفَقِيرُ، وَالْمَرْأَةُ الْفَقِيرَةُ عَلَى نَفَقَةِ أُمِّهِمَا الْفَقِيرَةِ - قَالَ: وَلَا يُجْبَرُ الِابْنُ الْفَقِيرِ عَلَى نَفَقَةِ أَبِيهِ الْفَقِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ زَمِنًا فَيُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُمْكِنُ إجْبَارُ فَقِيرٍ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ، إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ؟ ثُمَّ لَوَدِدْنَا أَنْ نَعْرِفَ حَدَّ هَذَا الْفَقْرِ عِنْدَهُمْ مِنْ الْغِنَى الَّذِي يُوجِبُونَ بِهِ النَّفَقَةَ عَلَى مَنْ ذَكَرُوا قَبْلُ، ثُمَّ نَسُوا مَا قَالُوا، فَقَالُوا: إنْ كَانَ لَهُ خَالٌ، وَابْنُ عَمٍّ مُوسِرَانِ، وَهُوَ فَقِيرٌ زَمِنٌ، أَوْ صَغِيرٌ صَحِيحٌ فَقِيرٌ: فَنَفَقَتُهُ عَلَى خَالِهِ دُونَ ابْنِ عَمِّهِ. قَالُوا: فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ مُعْسِرٌ زَمِنٌ وَلَهُ ابْنَةٌ مُعْسِرَةٌ، وَلَهُ أَخٌ شَقِيقٌ، وَأَخٌ لِأَبٍ، وَأَخٌ لِأُمٍّ مُوسِرُونَ: فَنَفَقَتُهُ وَنَفَقَةُ ابْنَتِهِ عَلَى الشَّقِيقِ فَقَطْ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ مَكَانَ الِابْنَةِ ابْنٌ مُعْسِرٌ زَمِنٌ كَبِيرٌ كَانَتْ نَفَقَةُ الْأَبِ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهَا عَلَى شَقِيقِهِ، وَسُدُسُهَا عَلَى أَخِيهِ لِلْأُمِّ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَخِيهِ لِلْأَبِ وَكَانَتْ نَفَقَةُ الِابْنِ عَلَى عَمِّهِ شَقِيقِ أَبِيهِ فَقَطْ. فَاعْجَبُوا لِهَذَا الْهَوَسِ؟ وَهُمْ لَا يُوَرِّثُونَ الْأَبَ، وَلَا الِابْنَ وَكُلَّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، قَالُوا: وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا زَمِنًا وَلَهُ أَبٌ مُوسِرٌ، وَابْنٌ مُوسِرٌ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى الِابْنِ دُونَ الْأَبِ - وَلَهُمْ تَخْلِيطٌ كَثِيرٌ طَوِيلٌ غَثٌّ، يَكْفِي مِنْ بَيَانِ سُقُوطِهِ مَا ذَكَرْنَا - وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ.

стр. 4015

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بِمِثْلِ قَوْلِنَا - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَفَ بَنِي عَمِّ مَنْفُوسٍ كَلَالَةً بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيٌّ - هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ - نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَبَسَ عُصْبَةَ صَبِيٍّ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الرُّؤَاسِيُّ عَنْ الْحَسَنِ - هُوَ ابْنُ حَيٍّ - عَنْ مُطَرِّفٍ - هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ - عَنْ إسْمَاعِيلَ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إذَا كَانَ عَمٌّ وَأُمٌّ؟ فَعَلَى الْعَمِّ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ وَعَلَى الْأُمِّ بِقَدْرِ مِيرَاثِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ جَعَلَ نَفَقَةَ الصَّبِيِّ مِنْ مَالِهِ، وَقَالَ لِوَارِثِهِ: أَمَّا إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَخَذْنَاك بِنَفَقَةٍ - أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نا مُسَدَّدٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ - هُوَ الْمُقْرِي - نا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قَالَ: رَضَاعُ الصَّبِيِّ -: نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ نا رَوْحُ - هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: نَفَقَةُ الصَّبِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَلَى وَارِثِهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَبِهِ إلَى رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت: لِعَطَاءٍ أَيُجْبَرُ وَارِثُ الصَّبِيِّ - وَإِنْ كَرِهَ - بِأَجْرِ مُرْضِعَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ مَالٌ؟ فَقَالَ: أَفَتَدَعُهُ يَمُوتُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ وَارِثُ الْمَوْلُودِ، عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ، أَيْ مِثْلُ مَا ذُكِرَ.

стр. 4016

وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ نَا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ - عَنْ أَشْعَثَ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحُمْرَانِيِّ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قَالَ: النَّفَقَةُ وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - هُوَ الْمُقَدَّمِيُّ - ثنا حَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً عَنْ يَتِيمٍ لَهُ عُصْبَةٌ أَغْنِيَاءُ أَيُجْبَرُونَ عَلَى أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: نَعَمْ، يُنْفِقُونَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا كَانُوا يَرِثُونَهُ لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أرنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: يُجْبَرُ الرَّجُلُ إذَا كَانَ مُوسِرًا عَلَى نَفَقَةِ أَخِيهِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا -: وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا فَيُنْفَقُ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ نَصِيبِهِ - يَعْنِي مِنْ الْمِيرَاثِ - إنْ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أُنْفِقَ عَلَى الصَّغِيرِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُسَدَّدٌ نا هُشَيْمٌ نا مَنْصُورٌ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: يُجْبَرُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَرِثُ - يَعْنِي فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْمَوْرُوثِ -. وَبِهِ إلَى إسْمَاعِيلَ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قَالَ: رَضَاعُ الصَّغِيرِ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . عَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ مَا عَلَى أَبِيهِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي: أَنَّهُ قَالَ فِي رَضَاعِ الصَّبِيِّ يَمُوتُ أَبُوهُ أَنَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قَالَ: هُوَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ.

стр. 4017

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَهَؤُلَاءِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مُخَالِفٌ. وَمِنْ التَّابِعِينَ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَشُرَيْحٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ، لِأَنَّهَا تَقَاسِيمُ كَثِيرَةٌ سَخِيفَةٌ لَمْ يُوجِبْهَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا احْتِيَاطٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، وَلَا قَالَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ - فَمَا نَعْلَمُهُ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا نَعْلَمُهُ يُحْتَجُّ لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يُمَوِّهَ مُمَوِّهٌ بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ أُجْمِعَ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ الصِّغَارِ وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي ضَبْطَ الْإِجْمَاعِ إلَّا كَاذِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا، مَعَ أَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُؤَيِّدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ - وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا فَرْقَ. وَأَمَّا قَوْلُ حَمَّادٍ فَإِنَّهُ خَصَّ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ دُونَ الْمَوْرُوثِ بِلَا دَلِيلٍ. فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُنَا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] . وَالْخَبَرُ الَّذِي رُوِّينَاهُ قَبْلُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» . فَأَوْجَبَ اللَّهُ حَقًّا لِذِي الْقُرْبَى وَلِلْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ - وَأَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ الْعَطِيَّةَ لِلْأَقَارِبِ. فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: حَقُّهُ الصِّلَةُ وَتَرْكُ الْقَطِيعَةِ؟

стр. 4018

قُلْنَا: نَعَمْ، هَذَا حَقُّهُ، وَالصِّلَةُ: هِيَ أَنْ لَا يَدَعَهُ يَسْأَلَ وَيَتَكَفَّفَ، أَوْ يَمُوتَ جَوْعًا أَوْ بَرْدًا، أَوْ ضَيَاعًا، أَوْ يُضْحِي لِلشَّمْسِ وَالْمَطَرِ وَالرِّيحِ وَالْبَرْدِ، وَهُوَ ذُو فَضْلَةٍ مِنْ مَالٍ هُوَ عَنْهَا فِي غِنًى، وَلَيْسَ فِي الْقَطِيعَةِ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ قَالُوا: إنَّهُ قَدْ قَرَنَ ذَوِي الْقُرْبَى بِالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَحَقُّ الْمَسَاكِينِ عَلَى كُلِّ مَنْ بِحَضْرَتِهِمْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ فَرْضًا يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَقْضِي الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَكَذَلِكَ حَقُّ ابْنِ السَّبِيلِ ضِيَافَتُهُ، فَإِنْ قِيلَ: مَنْ هُمْ ذَوُو الْقُرْبَى هَؤُلَاءِ؟ قُلْنَا: كُلُّ مَنْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُنْتَسِلُونَ مِنْ آدَمَ ﵇ وَامْرَأَتِهِ، وَابْنًا بَعْدَ ابْنٍ، وَوِلَادَةً بَعْدَ وِلَادَةٍ، إلَى أَبِ الْإِنْسَانِ الْأَدْنَى وَأُمِّهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ يُبَيِّنُ مَنْ هُمْ ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمْ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِمْ؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أرنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِالصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ؟ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: تَصَدَّقُ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ، أَوْ قَالَ: عَلَى زَوْجِكَ، قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ» . وَرُوِّينَا هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أرنا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا جَمِيعًا: نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ قَالَ: نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَصَدَّقُوا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاخْتَلَفَ سُفْيَانُ، وَيَحْيَى، فَقَدَّمَ سُفْيَانُ الْوَلَدَ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقَدَّمَ الْقَطَّانُ الزَّوْجَةَ عَلَى الْوَلَدِ، وَكِلَاهُمَا ثِقَةٌ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُقَدَّمَ الْوَلَدُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَلَا الزَّوْجَةُ عَلَى الْوَلَدِ، بَلْ يَكُونَانِ سَوَاءً، لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكَرِّرُ كَلَامَهُ

стр. 4019

ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَمُمْكِنٌ أَنْ يُكَرِّرَ فُتْيَاهُ ﵊ هَاهُنَا كَذَلِكَ، فَمَرَّةً قَدَّمَ الْوَلَدَ، وَمَرَّةً قَدَّمَ الزَّوْجَةَ، فَصَارَ سَوَاءً مَعَ قَوْلِهِ ﵊ لِهِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ إذْ سَأَلَتْهُ إبَاحَةً مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجِهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» فَقَرَنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَلَدِ سَوَاءً. ثُمَّ وَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ نا يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ نا أَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ قَالَ: «دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» . وَهَذِهِ أَخْبَارٌ صِحَاحٌ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ، فَأَخْبَرَ ﵊ آمِرًا بِأَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ يَعُولُ، وَهُمْ: الْأَبَوَانِ، وَالْإِخْوَةُ، فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ هَؤُلَاءِ مُبْدُونَ مَعَ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ كُلَّ جَدَّةٍ " أُمٌّ " وَكُلَّ جَدٍّ " أَبٌ " وَكُلَّ ابْنِ ابْنَةٍ وَابْنٍ " ابْنٌ " وَابْنَةِ ابْنٍ وَابْنَةٍ " ابْنَةٌ " كُلُّهُمْ ابْنٌ وَابْنَةٌ - فَصَحَّ نَصًّا مَا قُلْنَا. وَأَنَّ بَعْدَ هَؤُلَاءِ: الْأَدْنَى الْأَدْنَى، وَفِي هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، مِنْ: عَمٍّ وَعَمَّةٍ، وَخَالٍ وَخَالَةٍ، وَابْنِ أُخْتٍ وَبِنْتِ أُخْتٍ، وَابْنِ أَخٍ وَابْنَةِ أَخٍ: يَقِينًا. ثُمَّ وَجَدْنَا قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فَصَحَّ بِهَذَا أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَارِثِ مَعَ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمَةِ، وَخَرَجَ مَنْ لَيْسَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ، وَلَا وَارِثًا مِنْ هَذَا الْحُكْمِ، وَمِنْ تَخْصِيصِهِ بِالنَّفَقَةِ - مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ - لِأَنَّهُ كَسَائِرِ مَنْ أَدْلَتْهُ الْوَلَّادَاتُ - وِلَادَةً بَعْدَ وِلَادَةٍ - إلَى آدَمَ ﵇، لَيْسَتْ وِلَادَةً بِأَوْلَى مِنْ الَّتِي فَوْقَهَا بِأَبٍ، فَلَمْ يَجُزْ إيجَابُ فَرْضِ إخْرَاجِ الْمَالِ عَنْ يَدِ مَالِكِهِ إلَى آخَرَ إلَّا بِنَصٍّ جَلِيٍّ، وَلَا نَصَّ إلَّا فِيمَنْ ذَكَرْنَا. وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّ وِلَادَةً أَكْثَرَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا بِغَيْرِ نَصٍّ، فَإِنْ عَمَّ أَوْجَبَ النَّفَقَةَ

стр. 4020

عَلَى جَمِيعِ وَلَدِ آدَمَ، وَالنُّصُوصُ كُلُّهَا لَا تُوجِبُ ذَلِكَ، إلَّا فِي خَاصٍّ مِنْهَا، لِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ ذَوِي الْقُرْبَى وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاكِينُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ بِلَا شَكٍّ. فَصَحَّ أَنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ وِلَادَاتِ بَعْضِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ دُونَ بَعْضٍ - فَصَحَّ مَا قُلْنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَقَالُوا: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُضَارَّ، وَذَكَرُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ لَا تَصِحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهَا إمَّا مُرْسَلَةٌ، وَإِمَّا مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَصَحَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ مَعْنَاهُ - لَا يُضَارُّ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ. وَرُوِّينَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ رَضَاعَ الصَّغِيرِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ مَالِ أَبِيهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يُرَدُّ الْمِيرَاثُ لِأَهْلِهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ تَمْوِيهٌ مِنْ الْمُخَالِفِ، وَكُلُّ هَذَا حَقٌّ، وَبِهِ نَقُولُ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْمُخَالِفِ، لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ (عَلَى الْوَارِثِ أَنْ لَا يُضَارَّ) قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فِي الْمُضَارَّةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَمُوتَ مَوْرُوثُهُ جَوْعًا وَبَرْدًا - وَهُوَ غَنِيٌّ - فَلَا يَرْحَمُهُ بِأَكْلَةٍ، وَلَا بِشَيْءٍ يَسْتُرُهُ بِهِ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْمَوْتُ مِنْ الْبَرْدِ، وَهَذَا عَيْنُ الْمُضَارَّةِ، بِلَا شَكٍّ عِنْدَ أَحَدٍ. أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ " إنَّ رَضَاعَ الصَّغِيرِ فِي نَصِيبِهِ " فَقَوْلٌ صَحِيحٌ إذَا كَانَ لَهُ مِيرَاثٌ مِنْ مَالٍ، وَنَحْنُ لَمْ نُوجِبُ مُؤْنَتَهُ عَلَى وَارِثِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَصْلًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرْمِيَ وَلَدَهَا إلَى أَبِيهِ - إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً - وَإِلَى عُصْبَتِهِ - إنْ كَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا - وَأَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا رَضَاعَ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فَوَجَبَ إجْبَارُ الْأُمِّ - أَحَبَّتْ أَمْ كَرِهَتْ - عَلَى إرْضَاعِ وَلَدِهَا حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، كَمَا أَمَرَ

стр. 4021

اللَّهُ أَحَبَّ زَوْجُهَا أَمْ كَرِهَ - وَأَنْ تُجْبَرَ عَلَى أَنْ لَا تُضَارَّ بِوَلَدِهَا وَلَا ضِرَارَ أَكْثَرَ مِنْ مَنْعِهِ رَضَاعَهَا، وَلَا يُبَاحُ لِامْرَأَةٍ - وَلَوْ أَنَّهَا بِنْتُ الْخَلِيفَةِ - غَيْرَ هَذَا، إلَّا الْمُطَلَّقَةَ، فَإِنَّهَا إنْ تَعَاسَرَتْ هِيَ وَأَبُو الصَّغِيرِ بِأَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى أُجْرَةٍ يَتَرَاضَيَانِ بِهَا - وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَقْبَلُ ثَدْيَ غَيْرِهَا - فَهَذِهِ يَسْتَرْضِعُ الْمُطَلِّقُ لَهَا أُخْرَى أَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى - لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧] . وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ ، فَلَا سَمْعًا وَلَا طَاعَةً لِمَنْ عَنَدَ عَنْهُ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: «أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ فِي الْمُخْتَلِعَةِ مِنْ جَدِّهِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ الشَّمَّاسِ أَنَّهَا كَانَتْ جَمِيلَةَ بِنْتَ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَأَنَّهَا وَلَدَتْ غُلَامًا فَجَعَلَتْهُ فِي لِيفٍ وَأَرْسَلَتْ بِهِ إلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَنْ خُذْ عَنِّي صَبِيَّكَ؟ فَأَتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَنَّكَهُ، وَاسْتَرْضَعَ لَهُ، وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا نَصُّ مَا قُلْنَا كَانَتْ مُخْتَلِعَةً مُطَلَّقَةً أَبْغَضَ النَّاسُ فِيهِ مُعَاشَرَةً لَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا يَجُوزُ - إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ كَثِيرًا - أَنْ يُنْفِقُوا عَلَى الْمُحْتَاجِ إلَّا عَلَى دُورِهِمْ، لَا عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، لِأَنَّ النَّصَّ سَوِيٌّ بَيْنَهُمْ بِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلَا تَجُوزُ الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ هُوَ هَذَا الْوَارِثُ؟ أَهُوَ وَارِثُ الْأَبِ الْمَيِّتِ، أَمْ وَارِثُ الَّذِي تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ؟ قُلْنَا: هَذَا تَعَسُّفٌ وَتَكَلُّفٌ يَأْثَمُ السَّائِلُ، لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِوَالِدِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا قَالَ ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . فَفِي ﴿الْوَارِثِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ضَمِيرُ هُوَ أَنَّهُ يَقْتَضِي مَوْرُوثًا وَلَا بُدَّ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الَّذِي لَهُ الْحُكْمُ وَاَلَّذِي مَنَعَ أَبَوَاهُ مِنْ الْمُضَارَّةِ بِهِ هُوَ الْوَلَدُ بِلَا شَكٍّ، وَلَا مَعْنَى لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ فِي ذَوِي الرَّحِمِ خَاصَّةً. وَأَمَّا فِي الْوِرَاثَةِ - فَلَا مِيرَاثَ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ.

стр. 4022

وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّهُ إنْ كَانَ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا كَسْبٌ يَقُومُ بِهِ بِنَفْسِهِ - وَإِنْ كَانَ خَسِيسًا مِنْ الْكَسْبِ - فَلَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقُومَ بِنَفَقَتِهِمْ حِينَئِذٍ إلَّا الْآبَاءُ، وَالْأُمَّهَاتُ، وَالزَّوْجَاتُ، فَقَطْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَصُونَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللَّهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا - وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَلَيْسَ فِي الْعُقُوقِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ غَنِيًّا ذَا حَالٍ وَيَتْرُكَ أَبَاهُ، أَوْ جَدَّهُ يَكْنُسُ الْكَنَفَ، أَوْ يَسُوسُ الدَّوَابَّ، وَيَكْنُسُ الزِّبْلَ، أَوْ يَحْجُمُ، أَوْ يَغْسِلُ الثِّيَابَ لِلنَّاسِ، أَوْ يُوقِدُ فِي الْحَمَّامِ - وَيَدَعُ أُمَّهُ أَوْ جَدَّتَهُ تَخْدِمُ النَّاسَ، وَتَسْقِي الْمَاءَ فِي الطُّرُقِ - فَمَا خَفَضَ لَهُمَا جُنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ مَنْ فَعَلٌ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ كُلِّهَا اخْتِلَافَ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ إلَى مَنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَجَاءَتْ النُّصُوصُ بِبَيَانِ ذَلِكَ. فَالْإِحْسَانُ إلَى الْأَبَوَيْنِ: الصَّبْرُ لِجَفَائِهِمَا، وَتَوْقِيرُهُمَا، وَتَعْظِيمُهُمَا، وَطَاعَتُهُمَا مَا لَمْ يَأْمُرَا بِمَعْصِيَةٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] فَهُمَا وَإِنْ أَمَرَا بِالشِّرْكِ فَوَاجِبٌ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُصْحَبَا بِالْمَعْرُوفِ، وَهَذَا يَقْتَضِي كُلَّ مَا قُلْنَا. وَالْإِحْسَانُ إلَى ذِي الْقُرْبَى: أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ الْأَذَى، وَأَنْ يُكْرِمَهُمْ وَيَحُوطَهُمْ، وَيَقُومَ فِي أُمُورِهِمْ، وَأَنْ لَا يُسْلِمَهُمْ إلَى ضَرَرٍ.

стр. 4023

وَالْإِحْسَانُ إلَى الْمَسَاكِينِ: الصَّدَقَةُ بِالْفَضْلِ حَتَّى يَشْبَعُوا أَوْ يَكْتَسِبُوا، وَيَكُونَ لَهُمْ مَرْقَدٌ يَأْوُونَ إلَيْهِ، وَمَنْ يَقُومُ بِمَرْضَاهُمْ. وَالْإِحْسَانُ إلَى الْيَتَامَى، وَرَحْمَتُهُمْ، وَتَعْلِيمُهُمْ، وَالْقِيَامُ بِهِمْ حَتَّى لَا يَضِيعُوا. وَالْإِحْسَانُ إلَى الْجَارِ: كَفُّ الْأَذَى، وَالْبِرُّ، وَاللِّقَاءُ بِالْبِشْرِ، وَالْإِكْرَامُ وَحِمَايَتُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ - وَكَذَلِكَ الْإِحْسَانُ إلَى الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ نَحْوُ ذَلِكَ. وَالْإِحْسَانُ إلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَنَا: إطْعَامُهُمْ مِمَّا نَأْكُلُ، وَكِسْوَتُهُمْ مِمَّا نَلْبَسُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ لَا نُكَلِّفَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَأَنْ لَا يُسَبُّوا فِي غَيْرِ وَاجِبٍ، وَأَنْ لَا يُضْرَبُوا فِي غَيْرِ حَقٍّ - فَهَذَا كُلُّهُ وَاجِبٌ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا صِيَانَةُ الزَّوْجَةِ - فَلِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَفَقَتَهَا، وَكِسْوَتَهَا، وَإِسْكَانَهَا، وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا - وَإِنْ كَانَتْ أَغْنَى مِنْ الزَّوْجِ - وَهَذَا يَقْتَضِي صِيَانَتَهَا عَنْ كُلِّ خِدْمَةٍ، وَكُلِّ عَمَلٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا كُلُّ مَنْ عَدَا الزَّوْجَةِ - فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ، وَلَا كِسْوَةَ، وَلَا إسْكَانَ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ مِنْ الْمَالِ، أَوْ الصَّنْعَةِ مَا يَقُومُونَ مِنْهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. وَلَا مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ الزَّمَانَةِ فِي ذَلِكَ إذْ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ. فَإِنْ قَامُوا بِبَعْضِ ذَلِكَ وَعَجَزُوا عَنْ الْبَعْضِ: وَجَبَ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا أَنْ يَقُومَ بِمَا عَجَزُوا عَنْهُ فَقَطْ. وَيَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا كَمَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ، إلَّا نَفَقَةُ الْوَلَدِ، فَمَا دَامَ الْأَبُ قَادِرًا عَلَيْهَا فَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ - هَذَا عَمَلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَإِنْ عَجَزَ الْأَبُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ مَاتَ، وَلَا مَالَ لَهُمْ، فَحِينَئِذٍ يُقْضَى بِنَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ عَلَى أُمِّهِمْ، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . وَلَيْسَ فِي الْمُضَارَّةِ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ غَنِيَّةً وَهُمْ يَسْأَلُونَ عَلَى الْأَبْوَابِ، وَلِأَنَّ الْأَوَامِرَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي جَاءَتْ مَجِيئًا وَاحِدًا لَمْ يُخَصَّ بِهَا رَجُلٌ مِنْ امْرَأَةٍ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ نا وَهْبٌ - وَهُوَ ابْنُ خَالِدٍ - نَا هِشَامٌ - هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أُمِّهَا «أُمِّ سَلَمَةَ

стр. 4024

قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي بَنِي أَبِي سَلِمَةَ إنْ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِمْ - وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ - هَكَذَا وَهَكَذَا، إنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ» . فَهَذِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُخْبِرُ أَنَّهَا تُنْفِقُ عَلَى بَنِيهَا وَلَيْسَتْ بِتَارِكَتِهِمْ يَضِيعُونَ إنَّمَا هُمْ بَنُوهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ ﵊ ذَلِكَ، وَلَا أَخْبَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَلَيْسَ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَلَا عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِمَطْعَمِ أَبِيهِ، وَمَلْبَسِهِ، وَمُؤْنَةِ خِدْمَتِهِ فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4025

[مَا يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ بَعْدَ صِحَّتِهِ وَمَا لَا يُفْسَخُ بِهِ] [ مَسْأَلَةٌ لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بَعْدَ صِحَّتِهِ بِجُذَامٍ حَادِثٍ وَلَا بِبَرَصٍ وَلَا بِجُنُونٍ] ِ ١٩٣٠ - مَسْأَلَةٌ: لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بَعْدَ صِحَّتِهِ بِجُذَامٍ حَادِثٍ، وَلَا بِبَرَصٍ كَذَلِكَ، وَلَا بِجُنُونٍ كَذَلِكَ، وَلَا بِأَنْ يَجِدَ بِهَا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ، وَلَا بِأَنْ تَجِدَهُ هِيَ كَذَلِكَ. وَلَا بِعِنَانَةٍ، وَلَا بِدَاءِ فَرْجٍ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْعُيُوبِ. وَلَا بِعَدَمِ نَفَقَةٍ، وَلَا بِعَدَمِ كِسْوَةٍ، وَلَا بِعَدَمِ صَدَاقٍ، وَلَا بِانْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فِي الْإِيلَاءِ، وَلَا بِزَوَاجِ أَمَةٍ عَلَى حُرَّةٍ، وَلَا بِزَوَاجِ حُرَّةٍ عَلَى أَمَةٍ. وَلَا بِزِنًى يَحْدُثُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَا بِزِنَاهُ بِحَرِيمَتِهَا، كَأُمِّهَا، أَوْ جَدَّتِهَا، أَوْ بِنْتِهَا، أَوْ بِنْتِ ابْنِهَا، أَوْ بِنْتِ ابْنَتِهَا، أَوْ أُخْتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا، أَوْ عَمَّتِهَا، وَلَا بِزِنَاهَا بِابْنِهِ. وَلَا بِتَفْرِيقِ الْحَكَمَيْنِ، وَبِتَخْيِيرِهِ إيَّاهَا - اخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْلَمَ تَخْتَرْ. وَلَا بِأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ حَرَامٌ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيِّتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالدَّمِ. وَلَا بِهِبَتِهِ إيَّاهَا لِأَهْلِهَا - قَبِلُوهَا أَوْ لَمْ يَقْبَلُوهَا - وَلَا بِخُرُوجِهَا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ غَيْرَ مُسْلِمَةٍ. وَلَا بِبَيْعِ الْأَمَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ، وَلَا بِبَيْعِ الْعَبْدِ ذِي الزَّوْجَةِ. وَلَا بِفَقْدِ الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ؟ وَهُمَا فِي كُلِّ ذَلِكَ بَاقِيَانِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ كَمَا كَانَ.

стр. 4026

وَفِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا خِلَافٌ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَذْكُرَهُ، وَنَذْكُرُ أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا لَمْ نَذْكُرْهُ قَبْلُ - فَمِنْ ذَلِكَ [مَسْأَلَةٌ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ] -: ١٩٣١ - مَسْأَلَةٌ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَدَخَلَ بِهَا فَاطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَعَلَى الْوَلِيِّ الصَّدَاقُ بِمَا دَلَّسَ كَمَا غَرَّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أرنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ نَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِّهِ إيَّاهَا - وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ بِهَا فَذَهَبَ إلَى هَذَا الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، فَرَأَيَا جَوَازَ النِّكَاحِ وَأَنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ مَعَ ذَلِكَ بِالصَّدَاقِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى فَسَادِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَوَازِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا سُفْيَانُ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ وَبِهَا بَرَصٌ، أَوَجُنُونٌ، أَوْ جُذَامٌ، أَوْ قَرَنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ - مَا لَمْ يَمَسَّهَا - إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْمَجْنُونَةِ، وَالْمَجْذُومَةِ، وَالْبَرْصَاءِ، وَذَاتِ الْقَرَنِ -: إنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ حَدَّثَنِي الْحِزَامِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ إسْمَاعِيلُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَقَالَ الْحِزَامِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَقَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَابْنِ شِهَابٍ

стр. 4027

وَرَبِيعَةِ، قَالُوا كُلُّهُمْ: لَا تَرُدُّ النِّسَاءُ إلَّا مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ، الْجُنُونُ، وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ، وَالدَّاءُ فِي الْفَرْجِ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي الَّذِي يَجِدُ امْرَأَتَهُ بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً، أَوْ ذَاتَ قَرَنٍ: إنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرُهَا، وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ الدُّخُولِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ فَارَقَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ - فَهَذَانِ قَوْلَانِ -: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ إنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرُهَا، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ - وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَمَرَّةً رُوِيَ عَنْهُ: يَرْجِعُ عَلَى وَلِيِّهَا. وَقَوْلٌ آخَرُ - أَنَّهُ يَفْسَخُ إنْ شَاءَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ - وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالشَّعْبِيِّ كَمَا أَوْرَدْنَا، وَرِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةَ: أَنَّهُ لَا يُرَدُّ النِّكَاحُ إلَّا مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ: الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَدَاءِ الْفَرْجِ - وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَبْلَ دُخُولِهَا، وَلَا بَعْدَهُ، وَلَا حُكْمُ الصَّدَاقِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ - إلَى أَنَّهُ يُخْلَى لَهَا شَيْءٌ مِنْ صَدَاقِهَا -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: بَلَغَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي بَيْعٍ، وَلَا نِكَاحٍ: الْمَجْنُونَةُ، وَالْمَجْذُومَةُ، وَالْبَرْصَاءُ، وَالْعَفْلَاءُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْت لَهُ: فَوَاقَعَهَا وَبِهَا بَعْضُ الْأَرْبَعِ، وَقَدْ عَلِمَ الَّذِي بِهَا فَكَتَمَهُ - يَعْنِي وَلِيَّهَا - قَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ غَرِمَ مِنْ صَدَاقِهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا؟ قُلْت: فَأَنْكَحَهَا غَيْرُ وَلِيٍّ؟ قَالَ: تُرَدُّ إلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نَا يَزِيدُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ كَانَ يُعَوِّضُ الْبَرْصَاءَ شَيْئًا. وَذَهَبَ قَوْمٌ - إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ مَنْ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَرْبَعٌ لَا يَجُوزُ فِي بَيْعٍ، وَلَا نِكَاحٍ: الْمَجْذُومَةُ، وَالْمَجْنُونَةُ، وَالْبَرْصَاءُ، وَالْعَفْلَاءُ.

стр. 4028

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا ابْنُ مَرْيَمَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ نِكَاحُ بَرْصَاءَ، وَلَا مَجْنُونَةٍ، وَلَا عَفْلَاءَ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَوَطِئَهَا جَازَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَرْبَعٌ لَا يَجْزِينَ فِي نِكَاحٍ وَلَا بَيْعٍ، إلَّا أَنْ يُسَمَّى، فَإِنْ سُمِّيَ فَهِيَ مِنْهُ: الْمَجْنُونَةُ، وَالْمَجْذُومَةُ، وَالْبَرْصَاءُ، وَالْعَفْلَاءُ، فَإِنْ مَسَّهَا جَازَتْ، وَإِنْ غُرَّ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى أَنَّ الْوَلِيَّ إنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَرَفَ ذَلِكَ أُحْلِفَ وَبُرِّئَ وَصَحَّ النِّكَاحُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إنْ كَانَ الْوَلِيُّ عَلِمَ غَرِمَ، وَإِلَّا اُسْتُحْلِفَ بِاَللَّهِ: مَا عَلِمَ، ثُمَّ هُوَ عَلَى الزَّوْجِ - يَعْنِي الصَّدَاقَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا هُشَيْمٌ أرنا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: إنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ الْعَيْبَ فَالصَّدَاقُ عَلَيْهِ، كَمَا غَرَّهُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَهِيَ امْرَأَتُهُ إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ فِي امْرَأَةٍ حَلْقَاءَ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ - وَهِيَ الَّتِي فِي فَرْجِهَا عَظْمٌ -: إنَّمَا لَهُ مِثْلُ مَدْخَلِ الْمِرْوَدِ تَبُولُ مِنْهُ - فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إنْ كَانَ الَّذِينَ زَوَّجُوهُ عَلِمُوا الَّذِي بِهَا فَأَغْرِمْهُمْ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَعْلَمُوهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَحْلِفُوا: بِاَللَّهِ مَا عَلِمْنَا ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ: أَنَّ عَدِيَّ بْنَ عَدِيٍّ قَالَ: كَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي امْرَأَةٍ مُرْتَتِقَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ؟ فَكَتَبَ إلَيَّ: أَنْ اسْتَحْلِفْ الْوَلِيَّ مَا عَلِمَ، فَإِنْ حَلَفَ فَأَجِزْ النِّكَاحَ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَاحْمِلْ عَلَيْهِ الصَّدَاقَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَذَكَرَ كَلَامًا مَعْنَاهُ: فِيمَنْ تَزَوَّجَ مَنْ بِهَا جُذَامٌ، أَوْ بَرَصٌ، أَوْ دَاءُ فَرْجٍ: أَنَّ الْوَلِيَّ إنْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِذَلِكَ فَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ عَلَى الزَّوْجِ صَدَاقُهُ، إلَّا أَنْ تُعَاضَ هِيَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.

стр. 4029

وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ سَعِيدٍ الْجَيَشَانِيَّ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عِكْرِمَةَ الْمَهْرِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَرَأَى بِأَصْلِ فَخْذَيْهَا وَضَحًا مِنْ بَيَاضٍ؟ فَقَالَ لَهَا: خُذِي عَلَيْك مِلْحَفَتَك ثُمَّ كَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ خِذَامٍ، فَكَتَبَ لَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَسْتَحْلِفَ الزَّوْجَ فِي الْمَسْجِدِ: بِاَللَّهِ مَا تَلَذَّذَ مِنْهَا بِشَيْءٍ مُذْ رَأَى ذَلِكَ؟ وَيَحْلِفُ إخْوَتُهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِاَلَّذِي بِهَا قَبْلَ أَنْ يُزَوَّجَهَا، فَإِنْ حَلَفُوا فَأَعْطَوْا الْمَرْأَةَ رُبْعَ الصَّدَاقِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّ الْعَمَى، وَغَيْرَ ذَلِكَ، مِنْ الْعُيُوبِ كَذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَهَا بَرْصَاءَ أَوْ عَمْيَاءَ فَدَخَلَ بِهَا، فَلَهَا الصَّدَاقُ وَيَرْجِع عَلَى مَنْ غَرَّهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: خَاصَمَ رَجُلٌ إلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ قَالُوا لِي: إنَّا نُزَوِّجُكَ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَجَاءُونِي بِامْرَأَةٍ عَمْشَاءَ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ إنْ كَانَ دُلِّسَ لَك بِعَيْبٍ لَمْ يَجُزْ. وَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ يُرَدُّ النِّكَاحُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ فِي هَذِهِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ: مَا كَانَ يُشْبِهُهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يُرَدُّ بِذَلِكَ نِكَاحُهَا إذَا وَجَدَتْ فِي زَوْجِهَا -: نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: وَجَدَتْ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إذَا عَبِثَ الْمَعْتُوهُ بِامْرَأَتِهِ طَلَّقَ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا بِهِ جُنُونٌ أَوْ ضَرَرٌ، فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ. وَقَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَدَاءِ الْفَرْجِ - إذَا

стр. 4030

تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ - فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى وَلِيِّهَا إنْ كَانَ أَخًا أَوْ أَبًا بِمَا دَلَّسَا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي زَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا، أَوْ مَوْلًى - لَا عِلْمَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا - فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ وَيُرَدُّ الصَّدَاقُ، إلَّا قَدْرُ مَا يُسْتَحَلُّ بِهِ مِثْلُهَا، وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ، فَقَطْ. قَالَ: وَلِلْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَهَا وَبِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، إذَا كَانَ الْجُذَامُ الَّذِي بِهِ بَيِّنًا وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَبْرَصِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تُرَدُّ إلَّا مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ، لَا تُرَدُّ مِنْ الْعَمَى، وَلَا مِنْ السَّوَادِ، إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ صِحَّتُهَا فَتُرَدُّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَأَمَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الصَّدَاقُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَلِيِّ الَّذِي أَنْكَحَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى نَسَبٍ فَوَجَدَهَا لِغَيْرِ رِشْدَةٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: فِي الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَدَاءِ الْفَرْجِ، مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ - قَالَ اللَّيْثُ: وَالْأَكَلَةُ كَالْجُذَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرَدُّ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالْقَرَنِ، فَأَمَّا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَأَمَّا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَهَا الْمَهْرُ الْمُسَمَّى. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى أَنَّهُ لَا رَدَّ لَهُ فِيهَا، وَلَا رَدَّ لَهَا فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا - لَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا بَعْدَهُ. وَأَنَّهُ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ جَمِيعُهُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ " أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مَجْنُونَةً أَوْ جَذْمَاءَ أَوْ بَرْصَاءَ أَوْ بِهَا قَرَنٌ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ". وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: الْحُرَّةُ لَا تُرَدُّ مِنْ عَيْبٍ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نَا هُشَيْمٌ أرنا الْمُغِيرَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هِيَ
следующие страницы →