Полный текст (5 355 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا - وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَحِلُّ لَكِ حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ؟»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، ثُمَّ عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَهُمَا مَجْهُولَانِ - وَهُوَ خَبَرٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ - عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي احْتَجَجْنَا بِهِ، لِأَنَّنَا لَا نُنْكِرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُخْتَارًا، فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهِ جُمْلَةً
وَالْخَبَرُ الثَّانِي - رَوَاهُ ابْنُ قَانِعٍ - رَاوِي كُلِّ بَلِيَّةٍ - عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ الْبَخْتَرِيِّ - الَّذِي لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ - عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ وُهَيْبٍ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إلَى قَوْلِهِ «فَلَا تَحِلِّينَ لَهُ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ جَاءَنِي هِبَةً وَاحِدَةً»
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِحَدِيثِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ، فَذَكَرَتْ فِيهِ أَنَّهَا قَالَتْ: فَإِنَّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَاءَنِي هِبَةً "؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ هَذَا لَكَانَ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ السَّاقِطَيْنِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنَّهُ إنَّمَا أَسْقَطَ التَّأْجِيلَ، أَوْ التَّفْرِيقَ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْهِبَةِ، وَلَا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ ذَلِكَ "
فَصَحَّ أَنَّهَا كَهَانَةٌ كَاذِبَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَإِنَّمَا جَاءَ لَفْظُ الْهِبَةِ صَحِيحًا فِي حَدِيثٍ -: رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُحَمَّدٌ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ - هُوَ الضَّرِيرُ - نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَطَلَّقَهَا، وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلَ الْهُدْبَةِ، فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ، فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي
стр. 3957
طَلَّقَنِي، وَإِنِّي تَزَوَّجْت زَوْجًا غَيْرَهُ فَدَخَلَ بِي وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ، فَلَمْ يَقْرَبْنِي إلَّا هِبَةً وَاحِدَةً، وَلَمْ يَصِلْ مِنِّي إلَى شَيْءٍ، أَفَأَحِلُّ لِزَوْجِي الْأَوَّلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَحِلِّينَ لِزَوْجِك الْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ أَنْ يُطَلِّقَهَا الْعِنِّينُ إنْ شَاءَ، إنَّمَا نَمْنَعُ وَنُنْكِرُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُرْهٍ، أَوْ أَنْ يُؤَجَّلَ عَامًا، ثُمَّ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، لَا، وَلَا جَاءَ قَطُّ فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا فِي رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ، وَلَا أَوْجَبَهُ قِيَاسٌ، وَلَا مَعْقُولٌ
فَإِنْ قَالُوا: قَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِي الْإِيلَاءِ بِالتَّوْقِيفِ ثُمَّ الْإِجْبَارِ عَلَى الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَأَيْنَ السُّنَّةُ وَأَيْنَ التَّفْرِيقُ؟ ثُمَّ أَنْتُمْ أَوَّلُ مَنْ لَا يَقِيسُ عَلَى الْمُؤْلِي مَنْ امْتَنَعَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ عَامِدًا مِنْ غَيْرِ إيلَاءٍ بِيَمِينٍ فَلَا تُوقِفُونَهُ، وَلَا تُؤَجِّلُونَهُ
فَظَهَرَ فَسَادُ كُلِّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ، وَفَسَادُ قَوْلِهِمْ جُمْلَةً، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالتَّابِعِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[أَحْكَامُ قَسْمِ الزَّوْجَاتِ]
[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِكْرًا وَلَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى]
أَحْكَامُ قَسْمِ الزَّوْجَاتِ ١٨٩٦ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِكْرًا حُرَّةً أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً، وَلَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخُصَّ الْبِكْرَ بِمَبِيتِ سَبْعِ لَيَالٍ عِنْدَهَا، ثُمَّ يُقَسِّمَ فَيَعُودَ وَلَا يُحَاسِبَهَا بِتِلْكَ السَّبْعِ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا
فَإِنْ تَزَوَّجَ ثَيِّبًا حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَعِنْدَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ - مُسْلِمَةٌ أَوْ كِتَابِيَّةٌ - فَلَهُ
стр. 3958
أَنْ يَخُصَّهَا بِمَبِيتِ ثَلَاثِ لَيَالٍ، ثُمَّ يُقَسِّمُ وَيَعْدِلُ، وَلَا يُحَاسِبُهَا بِتِلْكَ الثَّلَاثِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَقَامَ عِنْدَ غَيْرِهَا كَمَا أَقَامَ عِنْدَهَا سَوَاءً سَوَاءً، وَيَسْقُطُ حُكْمُهَا فِي التَّفْضِيلِ
وَلَا يَحِلُّ لَهُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا - كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ غَيْرَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ - أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ وَجُرْحَةٌ فِيهِ، كَسَائِرِ النَّاسِ وَلَا فَرْقَ
وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخُصَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ بِأَنْ تُسَافِرَ مَعَهُ إلَّا بِقُرْعَةٍ
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبَزَّارِ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْبِكْرِ سَبْعًا وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثًا»
وَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا أَبُو قِلَابَةَ - هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ - نا أَبُو عَاصِمٍ - هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ - نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الْجَرْمِيُّ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا»
وَقَدْ رُوِّينَاهُ بِأَنَّ أَنَسًا قَالَ: هِيَ السُّنَّةُ - وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا بَيَانٌ وَاضِحٌ فِي إسْنَادِهِ
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ - هُوَ الْقَعْنَبِيُّ - نا سُلَيْمَانُ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حِينَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ شِئْتُ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ»
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ
стр. 3959
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا: لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ثُمَّ دُرْتُ؟ قَالَتْ: ثَلِّثْ»
وَرُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ بَيْنَ الْإِسْنَادِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا جَمِيعًا: نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ - هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ - عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي»
وَبِهِ يَقُولُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِمْ
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ -: وَهُوَ أَنَّ لِلْبِكْرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ -: رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عَطَاءٌ: يُؤْثِرُونَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ، وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ، وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: يَمْكُثُ عِنْدَ الْبِكْرِ ثَلَاثًا ثُمَّ يُقَسِّمُ، وَعِنْدَ الثَّيِّبِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ يُقَسِّمُ
وَهُوَ قَوْلُ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُقِيمُ عِنْدَ ثَيِّبٍ وَلَا بِكْرٍ إلَّا مَا يُقِيمُ عِنْدَ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ عِنْدَهُ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ
стр. 3960
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ الْحَسَنِ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَا جَمِيعًا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ
وَوَجَدْنَا مَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْتَجُّونَ بِمَا يَجِبُ مِنْ الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ
وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَمَ لِلْبِكْرِ بِسَبْعٍ زَائِدَةٍ، وَلِلثَّيِّبِ بِثَلَاثٍ زَائِدَةٍ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ قَوْلًا لَهُ ﵊ لِقَوْلٍ لَهُ آخَرَ مَا دَامَ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهَا جَمِيعًا، بِأَنْ يَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ، أَوْ بِأَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمَنْ تَعَدَّى هَذَا فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ الْمُخَالِفِينَ بِأَهْوَائِهِمْ الْفَاسِدَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَهُنَا يُوجِبُونَ فِي الْقِسْمَةِ لِلزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ
وَلِلزَّوْجَةِ الْأَمَةِ لَيْلَةً، وَهَذَا هُوَ الْمِيلُ حَقًّا، وَالْجَوْرُ صِرَاحًا، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ لِلْحُرَّةِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَلِلْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ لَيْلَةً، وَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ هَذَا التَّفْضِيلِ بِالْبَاطِلِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا لَا يُعْرَفُ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ، لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ
وَعَجَبٌ آخَرُ - وَهُوَ أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ لِمَنْ لَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَمَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ، أَنْ يُقَسِّمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَةً، وَلِلْمَمْلُوكَةِ الْيَهُودِيَّةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ الْفَضَائِحِ.
وَلَهُمْ هَهُنَا اعْتِرَاضَاتٌ تَشْهَدُ بِقِلَّةِ حَيَاءِ الْمُعْتَرِضِ بِهَا، وَرِقَّةِ دِينِهِ كَتَعَلُّقِهِمْ بِقَوْلِهِ ﵊: «إنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي»
стр. 3961
فَقَالُوا: هَذَا حَدِيثٌ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ، وَنَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي قَوْلِهِ ﵊ فِي هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ: «وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ وَدُرْتُ»
فَاعْتَرَضُوا بِعُقُولِهِمْ الرَّكِيكَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَّمُوهُ الْعَدْلَ وَالْحِسَابَ
وَقَالُوا: إنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي لَوْ سَبَّعَ عِنْدَهَا أَنْ يُحَاسِبَهَا بِالْأَرْبَعِ لَيَالٍ الزَّائِدَةِ عَلَى الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ حَقُّهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِنْ الْحُمْقِ وَرِقَّةِ الدِّينِ فِي النِّهَايَةِ الْقُصْوَى، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ حَقٌّ لِأَحَدٍ إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ
فَاَلَّذِي أَوْجَبَ لَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ أَلَمُّ بِهَا دُونَ ضَرَّتِهَا، هُوَ الَّذِي أَسْقَطَهَا إنْ سَبَّعَ عِنْدَهَا - لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ إلَّا كَافِرٌ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الضَّلَالِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قَالُوا: فَمَا قَوْلُكُمْ إنْ أَقَامَ عِنْدَ الثَّيِّبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ، أَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْبِكْرِ أَوْ الثَّيِّبِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ - وَلَهَا ضَرَّةٌ، أَوْ ضَرَائِرُ زَوْجَاتٌ؟
قُلْنَا: نَعَمْ، أَمَّا إنْ أَقَامَ عِنْدَ الثَّيِّبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ، فَلَا يُحَاسِبُهَا إلَّا بِمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، وَأَمَّا إنْ أَقَامَ عِنْدَهَا أَوْ عِنْدَ الْبِكْرِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ، فَإِنَّهُ يُحَاسِبُ الثَّيِّبَ بِجَمِيعِ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا، وَيُوفِي ضَرَّتَهَا أَوْ ضَرَائِرَهَا مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلَا يُحَاسِبُ الْبِكْرَ إلَّا بِمَا زَادَ عَلَى السَّبْعِ فَقَطْ
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: أَنَّ الثَّلَاثَ حَقُّ الثَّيِّبِ، وَالسَّبْعَ حَقُّ الْبِكْرِ، فَمَا زَادَ عَلَى هَذَيْنِ فَهُوَ ظُلْمٌ يُحَاسِبُهَا بِهِ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الثَّيِّبِ فِي أَنْ أَلَمَّ بِالثَّلَاثِ إلَّا حَيْثُ أَسْقَطَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فَقَطْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُسَبِّعَ لَهَا وَزَادَ عَلَى السَّبْعِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى السَّبْعِ تَسْبِيعٌ وَزِيَادَةٌ، وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهَا فِي الثَّلَاثِ بِالتَّسْبِيعِ، فَإِذَا سَقَطَ لَمْ يَعُدْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعِ
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ: يُقَسِّمُ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ، وَلِلزَّوْجَةِ الْمَمْلُوكَةِ لَيْلَةً بِرِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أرنا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ذَرٍّ - أَوْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيِّ - عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا
стр. 3962
تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ قَسَّمَ لِلْأَمَةِ الثُّلُثُ، وَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ
وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ، وَالْمِنْهَالُ ضَعِيفٌ
وَرُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَثْبُتْ لِلْمِنْهَالِ شَهَادَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ مِنْ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمَسْرُوقٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَالشَّافِعِيِّ
وَقَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ: الْقَسَمُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَوَعَّدَ ﵊ كَمَا أَوْرَدْنَا قَبْلُ عَلَى الْمَيْلِ إلَى زَوْجَةٍ دُونَ أُخْرَى وَلَمْ يَخُصَّ حُرَّةً مِنْ أَمَةٍ وَلَا مُسْلِمَةً مِنْ كِتَابِيَّةٍ
وَاحْتَجُّوا مِنْ قِيَاسِهِمْ الْفَاسِدِ بِأَنْ قَالُوا: لَمَّا كَانَتْ عِدَّةُ الْأَمَةِ نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَا فِي الْقَسَمِ كَذَلِكَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ -: أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّنَا لَا نُوَافِقُهُمْ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِهِمْ الْمُخْتَلِطِ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْحَامِلِ كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ الْحَامِلِ فَهَلَّا جَعَلُوا الْقِسْمَةَ لَهُمَا سَوَاءً؟ مِنْ أَجْلِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعِدَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَيَقُولُونَ: إنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ بِالْأَقْرَاءِ ثَلَاثًا عِدَّةَ الْحُرَّةِ، فَهَلَّا قَسَمُوا لَهَا الثُّلُثَيْنِ مِنْ قَسَمِ الْحُرَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا؟ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَمَةَ لَا تَرِثُ، وَأَنَّ الْحُرَّةَ تَرِثُ، فَهَلَّا جَعَلُوا الْأَمَةَ لَا قِسْمَةَ لَهَا، كَمَا لَا مِيرَاثَ لَهَا، وَكَمَا لَا شَهَادَةَ لَهَا عِنْدَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ فِي أَهْذَارِهِمْ مِثْلُ الْغَرِيقِ بِمَا أَحَسَّ تَعَلَّقَ.
وَاحْتَجُّوا فِي قَوْلِهِمْ الْفَاسِدِ: إنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْسِمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَةً، ثُمَّ يَبِيتَ ثَلَاثَ لَيَالٍ حَيْثُ شَاءَ، بِرِوَايَاتٍ سَاقِطَةٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ سَوَّارٍ: أَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأُعْجِبَ عُمَرُ بِذَلِكَ
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ: الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكُلُّهُمْ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ -
стр. 3963
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِي أَحَدٍ حُجَّةٌ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَأَمَّا التَّخَلُّفُ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ - فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ " مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا وَغَيْرِهِ إيجَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، وَتَوَعُّدَهُ بِحَرْقِ بُيُوتِ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ
وَقَدْ تَزَوَّجَ ﵊ وَأَصْحَابُهُ فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ تَخَلَّفَ فِي التَّسْبِيعِ وَالتَّثْلِيثِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ ضَلَالَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ.
وَأَمَّا السَّفَرُ بِامْرَأَةٍ مِنْ زَوْجَاتِهِ أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِثَلَاثٍ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَطَارَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، فَخَرَجَتَا مَعَهُ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ خَرَجَ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَا بِقُرْعَةٍ لَمْ يُحَاسِبْهُنَّ بِلَيَالِيِهِنَّ مَعَهُ فِي السَّفَرِ، لِأَنَّهُ خَرَجَ بِهِنَّ بِحَقٍّ لَا بِمَيْلٍ وَلَا بِحَيْفٍ، فَإِنْ خَرَجَ بِهَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ حَاسَبَهُنَّ بِتِلْكَ اللَّيَالِي، وَلَزِمَهُ فَرْضًا أَنْ يُوفِيَ الَّتِي لَمْ يُسَافِرْ بِهَا عَدَدَ تِلْكَ اللَّيَالِي
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُمَا: يَخْرُجُ بِهَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْعَدْلَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فَرْضٌ، كَمَا أَوْرَدْنَا، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا خَصَّهُ نَصٌّ، وَلَمْ يَخُصَّ النَّصُّ إلَّا السَّفَرَ بِالْقُرْعَةِ فَقَطْ، فَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ ظُلْمٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ لَهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهُوَ عَدْلٌ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَنْعِ، فَلَيْسَ بِذَلِكَ مَائِلًا إلَى إحْدَاهُنَّ.
وَأَمَّا إذَا سَافَرَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَدْ مَالَ إلَيْهَا، وَهَذَا ظُلْمٌ لَا يَحِلُّ -.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْسِمَ لِأُمِّ وَلَدِهِ وَلَا لِأَمَتِهِ مَعَ زَوْجَةٍ]
١٨٩٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْسِمَ لِأُمِّ وَلَدِهِ، وَلَا لِأَمَتِهِ مَعَ زَوْجَةٍ - إنْ كَانَتْ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ
стр. 3964
وَبُرْهَانُهُ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَلَمْ يَجْعَلْ لِمِلْكِ الْيَمِينِ حَقًّا يَجِبُ فِيهِ الْعَدْلُ، فَإِذْ لَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْقِسْمَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَ فِي الْوَاجِبِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، فَلَوْ طَابَتْ نَفْسُ الزَّوْجَةِ بِذَلِكَ فَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْسِمَ لِأَمَتِهِ، لِأَنَّهُ حَقُّ الزَّوْجَةِ طَابَتْ بِتَرْكِهِ نَفْسًا، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَطَأَ أَمَتَهُ مَتَى شَاءَ كَمَا فَعَلَ ﵊ بِمَارِيَةَ فِي يَوْمٍ أَيَّ نِسَائِهِ شَاءَ دُونَ قِسْمَةٍ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ حَدُّ الْقِسْمَةِ لِلزَّوْجَاتِ]
١٨٩٨ - مَسْأَلَةٌ: وَحَدُّ الْقِسْمَةِ لِلزَّوْجَاتِ: مِنْ لَيْلَةٍ فَمَا زَادَ إلَى سَبْعٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى سَبْعٍ
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَزِيدُ عَلَى لَيْلَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ -: رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْذِرِ النَّيْسَابُورِيِّ: نَا بِذَلِكَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ عَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: بُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا -: مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ ﵂: «إنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» فَصَحَّ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسَبِّعَ وَمَا دُونَ السَّبْعِ جَائِزٌ بِجَوَازِ السَّبْعِ، لِأَنَّهُ بَعْضُ السَّبْعِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ فَمَمْنُوعٌ لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ فَلَوْ جَازَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ الْوَاحِدَةِ مَا شَاءَ - وَلَوْ أَعْوَامًا - وَيَقُولُ: سَأَقْسِمُ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ - وَهَذَا بَاطِلٌ وَظُلْمٌ.
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْ عَدَدِ اللَّيَالِي إلَّا مَا أَجَازَهُ النَّصُّ فَقَطْ، وَلَوْلَا هَذَا الْأَثَرُ مَا أَجَزْنَا أَكْثَرَ مِنْ لَيْلَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَلَيْلَةً أَحَبُّ إلَيْنَا، لِأَنَّهُ كَذَلِكَ جَاءَتْ الْآثَارُ الثَّابِتَةُ مِنْ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﵅
[مَسْأَلَةٌ وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ لَيْلَتَهَا لِضَرَّتِهَا]
١٨٩٩ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ لَيْلَتَهَا لِضَرَّتِهَا جَازَ ذَلِكَ، فَإِنْ بَدَا لَهَا فَرَجَعَتْ فِي ذَلِكَ، فَلَهَا ذَلِكَ
стр. 3965
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا إِسْحَاقُ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا جَرِيرٌ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ لَمَّا كَبِرَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ؟ فَكَانَ ﵊ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ»
وَقَدْ صَحَّ «أَنَّهُ ﵊ اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ فِي مَرَضِهِ - الَّذِي مَاتَ فِيهِ - أَنْ يَمْرَضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ؟ فَأَذِنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ»
وَأَمَّا قَوْلُنَا: إنَّ لَهَا الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ، فَلِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ غَيْرُ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَا شَكٍّ، وَلَا تَجُوزُ هِبَةُ مَجْهُولٍ، فَإِنَّمَا هُوَ إبَاحَةُ حَادِثَةٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إذَا جَاءَ، فَلَهَا أَنْ لَا تُحْدِثَ تِلْكَ الْإِبَاحَةَ وَأَنْ تَتَمَسَّكَ بِحَقِّهَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا - وَبِهِ جَلَّ وَعَزَّ نَتَأَيَّدُ
[أَحْكَامُ الْوَطْءِ وَآدَابُهُ]
[مَسْأَلَةٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ جَمِيعَ زَوْجَاتِهِ وَإِمَائِهِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ]
أَحْكَامُ الْوَطْءِ وَآدَابُهُ ١٩٠٠ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ جَمِيعَ زَوْجَاتِهِ وَإِمَائِهِ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ تَطَهَّرَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ فَهُوَ أَحْسَنُ، وَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ فَحَسَنٌ، لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبَنَانِيّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مَرَّةً» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْإِمَاءُ مِنْ نِسَاءِ الرَّجُلِ، قَالَ اللَّهُ : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا وَهْبُ بْنُ مُسِرَّة نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فُلَانِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَمَّتِهِ سَلْمَى بِنْتِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ
стр. 3966
فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا، قَالَ فَقُلْت لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ اغْتَسَلْت غُسْلًا وَاحِدًا؟ قَالَ: هَذَا أَطْهُرُ وَأَطْيَبُ» ، أَوْ قَالَ: وَأَنْظَفُ ". قَالَ عَلِيٌّ: وَلَوْ لَمْ يَأْتِ هَذَا الْخَبَرُ لَكَانَ الْغُسْلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ حَسَنًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ ذَلِكَ نَهْيٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ]
١٩٠١ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ أَصْلًا، لَا فِي امْرَأَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا - أَمَّا مَا عَدَا النِّسَاءَ، فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ. وَأَمَّا فِي النِّسَاءِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ - اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمُرَ، وَعَنْ نَافِعٍ كَمَا رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أرنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد نا أُصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: قُلْت لِمَالِكٍ: إنَّ عِنْدنَا بِمِصْرَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قُلْت لَابْنِ عُمُرَ: إنَّا نَشْتَرِي الْجَوَارِيَ فَنُحَمِّضُ لَهُنَّ، قَالَ: وَمَا التَّحْمِيضُ؟ قَالَ: نَأْتِيهِنَّ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ قَالَ ابْنُ عُمُرَ: أُفٍّ أُفٍّ أُفٍّ، أَوَ يَعْمَلُ هَذَا مُسْلِمٌ؟ فَقَالَ لِي مَالِكٌ: فَأَشْهَدُ عَلَى رَبِيعَةَ لَحَدَّثَنِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمُرَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُفَيْلٍ نا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنِي الْمُفَضَّلُ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَالَ لِنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمُرَ: قَدْ أَكْثَرَ عَلَيْك الْقَوْلَ أَنَّك تَقُولُ عَنْ ابْنِ عُمُرَ أَنَّهُ أَفَتَى بِأَنَّ تُؤْتَى النِّسَاءُ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ فَقَالَ نَافِعٌ: لَقَدْ كَذَبُوا عَلَيَّ - وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ لَوْ صَحَّتْ لَجَاءَنَا مَا يَنْسَخُهَا - عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّه وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حَجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّ " أَنَّى " فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ إنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى " مِنْ أَيْنَ " لَا بِمَعْنَى: أَيْنَ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ - فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مِنْ
стр. 3967
أَيْنَ شِئْتُمْ " قَالَ اللَّهُ : ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧]
بِمَعْنَى: مِنْ أَيْنَ لَك هَذَا
وَقَالُوا: لَوْ حُرِّمَ مِنْ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ لَحُرِّمَ جَمِيعُهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كَمَا قَالُوا لَوْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ
وَقَالُوا: وَطْءُ الْمَجْمُوعَةِ جَائِزٌ وَرُبَّمَا مَالَ الذَّكَرُ إلَى الدُّبُرِ؟
قَالَ عَلِيٌّ: إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ وَطْءِ الْمَجْمُوعَةِ إلَّا بِالْإِيلَاجِ فِي الدُّبُرِ فَوَطْؤُهَا حَرَامٌ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ؟ فَوَجَدْنَا مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ، قَالَ أَحْمَدُ: نَا وَهْبُ بْنُ مَسَرَّةَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْأَشَجُّ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا جَمِيعًا: نا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرٍ» هَذَا لَفْظُ وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعٍ، وَرِوَايَةُ أَحْمَدَ " فِي دُبُرِهَا " لَمْ يَخْتَلِفَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ
وَبِهِ إلَى أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ - هُوَ الثَّوْرِيُّ - حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ خَبَرَانِ صَحِيحَانِ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِهِمَا، وَلَوْ صَحَّ خَبَرٌ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَانِ نَاسِخَيْنِ لَهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُبَاحٌ حَتَّى يَأْتِيَ تَحْرِيمُهُ، فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ وَرَدَا بِمَا فَصَّلَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ لَنَا
وَقَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ
стр. 3968
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ
وَمَا رَوَيْت إبَاحَةَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ إلَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحْدَهُ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ، وَعَنْ نَافِعٍ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ، وَعَنْ مَالِكٍ بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ فَقَطْ.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً حُبْلَى مِنْ غَيْرِهِ]
١٩٠٢ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً حُبْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ أُدِّبَ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَهُ أَعْتَقَ عَلَيْهِ مَا وَلَدَتْ مِنْ ذَلِكَ الْحَمْلِ وَلَا بُدَّ - وَلَا تَعْتِقُ هِيَ بِذَلِكَ
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ غُنْدَرُ نا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ لَهُ: يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَصِحُّ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ خَبَرٌ غَيْرَ هَذَا، فَإِذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ فَقَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِ مِلْكُهُ، وَإِذْ حُرِّمَ عَلَيْهِ مِلْكُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ، إذْ لَيْسَ إلَّا مَمْلُوكٌ أَوْ حُرٌّ.
وَأَمَّا تَأْدِيبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ أَتَى مُنْكَرًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[أَحْكَامُ الْعَزْل]
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ الْعَزْلُ عَنْ حُرَّةٍ وَلَا عَنْ أَمَةٍ]
أَحْكَامُ الْعَزْل
١٩٠٣ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ الْعَزْلُ عَنْ حُرَّةٍ وَلَا عَنْ أَمَةٍ
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ نا الْمَقْبُرِيُّ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ - نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ - هُوَ يَتِيمُ عُرْوَةَ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُخْتِ عُكَاشَةَ قَالَتْ «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ، وَقَرَأَ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] »
стр. 3969
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ
وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الْعَزْلَ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي فِيهِ «لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا»
قَالَ عَلِيٌّ: هَذَا خَبَرٌ إلَى النَّهْيِ أَقْرَبُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ - وَاحْتَجُّوا بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلَ يَهُودَ: هُوَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى وَبِأَخْبَارٍ أُخَرَ لَا تَصِحُّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُعَارِضُهَا خَبَرُ جُدَامَةَ الَّذِي أَوْرَدْنَا، وَقَدْ عَلِمْنَا بِيَقِينٍ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَأَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَعَلَى هَذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ حَلَالًا حَتَّى نَزَلَ التَّحْرِيمُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]
فَصَحَّ أَنَّ خَبَرَ جُدَامَةَ بِالتَّحْرِيمِ هُوَ النَّاسِخُ لِجَمِيعِ الْإِبَاحَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا قَبْلَ الْبَعْثِ وَبَعْدَ الْبَعْثِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ ﵊ أَنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ، وَالْوَأْدُ مُحَرَّمٌ، فَقَدْ نَسَخَ الْإِبَاحَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ بِيَقِينٍ.
فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ تِلْكَ الْإِبَاحَةَ الْمَنْسُوخَةَ قَدْ عَادَتْ، وَأَنَّ النَّسْخَ الْمُتَيَقَّنَ قَدْ بَطَلَ فَقَدْ ادَّعَى الْبَاطِلَ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَأَتَى بِمَا لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]
وَقَدْ جَاءَتْ الْإِبَاحَةُ لِلْعَزْلِ صَحِيحَةً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ
стр. 3970
وَصَحَّ الْمَنْعُ مِنْهُ عَنْ جَمَاعَةٍ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَعْزِلُ، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْت أَحَدًا مِنْ وَلَدِي يَعْزِلُ لَنَكَّلْته
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَكِّلَ عَلَى شَيْءٍ مُبَاحٍ عِنْدَهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَكْرَهُ الْعَزْلَ
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَزْلِ: هِيَ الْمَوْءُودَةُ الْخَفِيَّةُ
وَرُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَزْلِ: هِيَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى
وَبِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا شُعْبَةُ نا زَيْدُ بْنُ خُمَيْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْت أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ: مَا كُنْت أَرَى مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أرنا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ضَرَبَ عُمَرُ عَلَى الْعَزْلِ بَعْضَ بَنِيهِ
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُنْكِرَانِ الْعَزْلَ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سَمَاعُ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ صَحِيحٌ
وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَطَاوُسٍ
[أَحْكَامُ حُقُوقُ الزَّوْجَيْنِ]
[مَسْأَلَةٌ الْإِحْسَانُ إلَى النِّسَاءِ فَرْضٌ]
أَحْكَامُ حُقُوقُ الزَّوْجَيْنِ ١٩٠٤ - مَسْأَلَةٌ: وَالْإِحْسَانُ إلَى النِّسَاءِ فَرْضٌ وَلَا يَحِلُّ تَتَبُّعُ عَثَرَاتِهِنَّ وَمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ لَيْلًا فَلَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ إلَّا نَهَارًا، وَمَنْ قَدِمَ نَهَارًا فَلَا يَدْخُلُ إلَّا لَيْلًا، إلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ مَانِعٌ عُذْرٌ
стр. 3971
بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وَقَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: إذْ حُرِّمَ التَّضْيِيقُ عَلَيْهِنَّ فَقَدْ أَوْجَبَ تَعَالَى التَّوْسِيعَ عَلَيْهِنَّ وَافْتَرَضَ تَرْكَ ضَرِّهِنَّ -:
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيم عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ - فَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا وَفِيهِ -: فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فِرَاشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَعْنِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِرَاشَ الْمَضْجَعِ، ذَلِكَ أَمْرٌ يَجِبُ فِيهِ الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنَةِ، فَلَا يُؤْمَرُ فِيهِ بِضَرْبٍ غَيْرِ مُبَرِّحٍ، وَإِنَّمَا عَنَى ﵊ بِلَا شَكٍّ كُلَّ مَا اُفْتُرِشَ فِي الْبُيُوتِ، وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسْكَنِهِ أَوْ فِي بَيْتِهِ مَنْ لَا يُرِيدُ دُخُولَهُ مَنْزِلَهُ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَقَطْ - وَهَذَا يَأْتِي مُبَيَّنًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَسَرَّةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ كَلَامًا، وَفِيهِ «فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ نا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ
«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ»
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو النُّعْمَانِ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ عَارِمٌ - نا هُشَيْمٌ نا سَيَّارٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «قَفَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْ غَزْوَةٍ فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ قَالَ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغْيِبَةُ»
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعَارُضٌ؟ قُلْنَا: كَلًّا، بَلْ قَدْ بَيَّنَ ﵊ فِي كِلَا
стр. 3972
الْخَبَرَيْنِ مُرَادَهُ، ذَكَرَ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ: أَنْ لَا يَدْخُلَ لَيْلًا فَيَتَّبِعَ بِذَلِكَ عَثْرَةً إنْ كَانَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ فَصَحَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي الَّذِي جَاءَ لَيْلًا
وَبَيَّنَ ﵊ فِي الْآخَرِ: أَنْ يُمْهِلَ مَنْ أَتَى نَهَارًا حَتَّى يَدْخُلَ لَيْلًا بَعْدَ أَنْ يَتَّصِلَ خَبَرُهُ بِأَهْلِهِ، فَتَسْتَحِدَّ وَتَمْتَشِطَ
وَلَا يَنْسُبُ التَّعَارُضَ إلَى كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ إلَّا كَافِرٌ وَلَا يَنْسُبُهُ إلَى الصَّحَابَةِ إلَّا مُبْتَدِعٌ، وَلَا يَنْسُبُهُ إلَى الْأَئِمَّةِ - وَمَنْ دُونَهُمْ - إلَّا مُنْحَرِفُ الْقَلْبِ عَنْ السُّنَنِ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ
[مَسْأَلَةٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ]
١٩٠٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لَكِنْ بِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي مَالِهِ سَوَاءٌ أَذِنَ فِي ذَلِكَ أَمْ نَهَى أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «لَا تَصُمْ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ»
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا كَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا اللَّفْظُ زَائِدٌ عَلَى مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ، فَقَالَ فِيهِ " مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا "
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاعْتَرَضَ بَعْضُ أَهْلِ الْجُرْأَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ السُّنَنِ بِأَنْ قَالُوا: هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَلْ تَصَّدَّقُ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا؟ فَقَالَ: لَا، إلَّا شَيْئًا مِنْ قُوتِهَا، فَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَّدَّقَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ؟
стр. 3973
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْفُتْيَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إنَّمَا رُوِّينَاهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَرْزَمِيِّ - وَهُوَ مَتْرُوكٌ - عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَهِيَ سَاقِطَةٌ، فَلَا يُعَارِضُ بِهَا رِوَايَةَ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْهُ إلَّا جَاهِلٌ، أَوْ فَاسِقٌ مُجَاهِرٌ بِالْبَاطِلِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ حَاتِمٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا جَمِيعًا: نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ «عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ بِمَا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ وَلَا تُوكِي فَيُوكِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ»
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سَمَاعُ حَجَّاجٍ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ثَابِتٌ، وَلَكِنَّهُ هَكَذَا يَقُولُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ وَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: أُطْعِمُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِي؟ فَقَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: مَا لَمْ تَقِي مَالَك بِمَالِهِ
قَالَ اللَّهُ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]
فَإِذَا أَبَاحَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا رَأْيَ لِلزَّوْجِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ أَصْلًا
[مَسْأَلَةٌ لَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي شَيْءٍ أَصْلًا]
١٩٠٦ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي شَيْءٍ أَصْلًا، لَا فِي عَجْنٍ، وَلَا طَبْخٍ، وَلَا فَرْشٍ، وَلَا كَنْسٍ، وَلَا غَزْلٍ، وَلَا نَسْجٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ أَصْلًا - وَلَوْ أَنَّهَا فَعَلَتْ لَكَانَ أَفْضَلَ لَهَا وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِكِسْوَتِهَا مَخِيطَةً تَامَّةً، وَبِالطَّعَامِ مَطْبُوخًا تَامًّا وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُحْسِنَ عِشْرَتَهُ، وَلَا تَصُومَ تَطَوُّعًا وَهُوَ حَاضِرٌ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تُدْخِلُ
стр. 3974
بَيْتَهُ مَنْ يَكْرَهُ، وَأَنْ لَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا مَتَى أَرَادَ، وَأَنْ تَحْفَظَ مَا جَعَلَ عِنْدَهَا مِنْ مَالِهِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لِذَلِكَ بِالْأَثَرِ الثَّابِتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «شَكَتْ فَاطِمَةُ مَجْلَ يَدَيْهَا مِنْ الطَّحِينِ، وَأَنَّهُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ إذْ سَأَلَهُ خَادِمًا»
وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ - مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: كُنْت أَخْدِمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ وَكُنْت أَسُوسُهُ كُنْت أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْهِ
وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ - مِنْ طَرِيقِ «أَسْمَاءَ أَيْضًا، أَنَّهَا كَانَتْ تَعْلِفُ فَرَسَ الزُّبَيْرِ وَتَسْقِي الْمَاءَ، وَتَجْزِمُ غَرْبَهُ، وَتَعْجِنُ، وَتَنْقُلُ النَّوَى عَلَى رَأْسِهَا مِنْ أَرْضٍ لَهُ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَهَا وَهِيَ تَنْقُلُهُ - قَالَ: فَإِذَا خَدَمَتْ هَاتَانِ الْفَاضِلَتَانِ هَذِهِ الْخِدْمَةَ الثَّقِيلَةَ فَمَنْ بَعْدَهُمَا يَتَرَفَّعُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ النِّسَاءِ» ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ لِأَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا: أَنَّهُ ﵊ أَمَرَهُمَا بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَتَا مُتَبَرِّعَتَيْنِ بِذَلِكَ، وَهُمَا أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْمَبَرَّةِ ﵄ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إنْ تَطَوَّعَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ، إنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى سِرِّ الْحَقِّ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفُتْيَا وَالْقَضَاءُ بِإِلْزَامِهِ
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤]
قُلْنَا: أَوَّلُ الْآيَةِ بَيَّنَ فِيمَا هِيَ هَذِهِ الطَّاعَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ٣٤]
فَصَحَّ أَنَّهَا الطَّاعَةُ إذَا دَعَاهَا لِلْجِمَاعِ فَقَطْ.
وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَسْأَلَتَيْنِ
وَمَنْ أَلْزَمَ الْمَرْأَةَ خِدْمَةً دُونَ خِدْمَةٍ فَقَدْ شَرَّعَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مَا لَا يَصِحُّ، وَمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ بَيَّنَ ﵊: أَنَّ لَهُنَّ عَلَيْنَا رِزْقَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
стр. 3975
فَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ: مِنْ أَنْ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِرِزْقِهَا مُمَكِّنًا لَهَا أَكْلَهُ، وَالْكِسْوَةَ مُمَكِّنًا لَهَا لِبَاسَهَا، لِأَنَّ مَا لَا يُوصَلُ إلَى أَكْلِهِ وَلِبَاسِهِ إلَّا بِعَجْنٍ وَطَبْخٍ، وَغَزْلٍ، وَنَسْجٍ، وَقِصَارَةٍ، وَصِبَاغٍ، وَخِيَاطَةٍ، فَلَيْسَ هُوَ رِزْقًا، وَلَا كِسْوَةً - هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ فِي اللُّغَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ - وَأَمَّا حِفْظُ مَا جُعِلَ عِنْدَهَا فَفَرْضٌ بِلَا خِلَافٍ
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحْلِقَ رَأْسَهَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ]
١٩٠٧ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحْلِقَ رَأْسَهَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا مَحِيدَ مِنْهَا، وَلَا أَنْ تَصِلَ فِي شَعْرِهَا شَيْئًا أَصْلًا، لَا مِنْ شَعْرِهَا وَلَا مِنْ شَعْرِ إنْسَانٍ غَيْرِهَا، أَوْ مِنْ شَعْرِ حَيَوَانٍ، أَوْ صُوفٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ - وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ
وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تُفْلِجَ أَسْنَانَهَا، وَلَا أَنْ تَنْتِفَ الشَّعْرَ مِنْ وَجْهِهَا، وَلَا أَنْ تَشُمَّ بِالنَّقْشِ وَالْكُحْلِ أَوْ غَيْرِهِ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهَا، فَإِنْ فَعَلَتْ فَهِيَ مَلْعُونَةٌ هِيَ وَاَلَّتِي تَفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ نا أَبُو دَاوُد - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا هَمَّامٌ - هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» فَإِنْ اُضْطُرَّتْ إلَى ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَتْ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي ابْنَةً عَرُوسًا وَأَنَّهَا اشْتَكَتْ فَتَمَزَّقَ شَعْرُهَا، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ وَصَلْتُ لَهَا فِيهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ نا أَبُو دَاوُد - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»
[مَسْأَلَةٌ كَذِبِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ فِيمَا يَسْتَجْلِبُ بِهِ الْمَوَدَّةَ]
١٩٠٨ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا بَأْسَ بِكَذِبِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ فِيمَا يَسْتَجْلِبُ بِهِ الْمَوَدَّةَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ زُنْبُورٍ الْمَكِّيُّ نا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ - هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ
стр. 3976
حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ أَنَّهَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا أَعُدُّهُ كَذِبًا: الرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ يَقُولُ الْقَوْلَ يُرِيدُ الصَّلَاحَ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ الْقَوْلَ فِي الْحَرْبِ وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ، وَالْمَرْأَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا»
[مَسْأَلَةٌ لَا يَحِلُّ النَّفْحُ بِالْبَاطِلِ]
١٩٠٩ - مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَحِلُّ النَّفْحُ بِالْبَاطِلِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي ضَرَّةً فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِي؟ فَقَالَ ﵊: الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»
[مَسْأَلَةٌ جَوَازُ اللَّعِبُ بِالصُّوَرِ لِلصَّبَايَا خَاصَّةً]
١٩١٠ - مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ لِلصَّبَايَا خَاصَّةً اللَّعِبُ بِالصُّوَرِ، وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِنَّ، وَالصُّوَرُ مُحَرَّمَةٌ إلَّا هَذَا، وَإِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا جَمِيعًا: نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ بُكَيْرٍ - هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ - عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ - رَبِيبِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنْ الصُّورَةِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَرِنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ النَّيْسَابُورِيُّ نَا حُجَيْنٌ - هُوَ ابْنُ الْمُثَنَّى -
стр. 3977
نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَرِّبُ إلَيَّ صَوَاحِبِي يَلْعَبْنَ مَعِي بِاللُّعَبِ الْبَنَاتِ الصِّغَارِ»
[أَحْكَامُ الْوَطْء]
[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِتَارُ بِالْجِمَاعِ فَرْضٌ]
أَحْكَامُ الْوَطْء ١٩١١ - مَسْأَلَةٌ: وَالِاسْتِتَارُ بِالْجِمَاعِ فَرْضٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ
[مَسْأَلَةٌ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلَّ شَيْءٍ حَاشَ الْإِيلَاجَ فَقَطْ]
١٩١٢ - مَسْأَلَةٌ: وَحَلَالٌ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ كُلَّ شَيْءٍ حَاشَ الْإِيلَاجَ فَقَطْ، وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خِدَاشٍ نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - وَهُوَ الْبَاهِلِيُّ - صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كُنَّا نُضَاجِعُ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَفِي الْفُرُشِ وَاللُّحُفِ مِنْ قِلَّةٍ، فَأَمَّا إذْ وَسَّعَ اللَّهَ الْفُرُشَ وَاللُّحُفَ فَاعْتَزِلُوهُنَّ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَبُو إسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا مَنْبُوذٌ الْمَكِّيُّ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: كُنَّا عِنْدَ مَيْمُونَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: أَيْ بُنَيَّ مَا لِي أَرَاك شَعِثَ الرَّأْسِ؟ فَقَالَ: إنَّ مُرَجِّلَتِي حَائِضٌ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ نا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ أُمِّ دُرَّةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ:
стр. 3978
كُنْت إذَا حِضْت نَزَلْت عَنْ الْمِثَالِ إلَى الْحَصِيرِ فَلَمْ نَقْرَبْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ
وَهَذَا لَا شَيْءَ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ دُرَّةَ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ لَا تُدْرَى
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى أَنَّ لَهُ مِنْ السُّرَّةِ فَصَاعِدًا فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ مَا دُونَ ذَلِكَ.
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمٍ الْبَجَلِيِّ أَنَّ نَفَرًا سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ حَائِضًا؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ، لَا تَطَّلِعَنَّ عَلَى مَا تَحْتَهُ حَتَّى تَطْهُرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَفْتِيهَا فِي الْحَائِضِ يُبَاشِرُهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نَعَمْ، تَجْعَلُ عَلَى سِفْلَتِهَا ثَوْبًا.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَوْلٌ: لَك مَا فَوْقَ السُّرَّةِ -.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَسَمِعْت قَتَادَةَ يَقُولُ: لَك مَا فَوْقَ الْإِزَارِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: مَا تَحْتَ الْإِزَارِ حَرَامٌ.
وَبِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: تُبَاشِرُ الْحَائِضُ زَوْجَهَا إذَا كَانَ عَلَى جَزْلَتِهَا السُّفْلَى إزَارٌ، سَمِعْنَا ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِخَبَرٍ - رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أَنَّهُ قَالَ: «وَأَمَّا مَا لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَمَا فَوْقَ الْإِزَارِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ إلَى رَجُلٍ يُسَمَّى عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو الْبَجَلِيَّ الْكُوفِيَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَاصِمٌ هَذَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُمَرَ، لِأَنَّنَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عُمَيْرٍ - مَوْلَى عُمَرَ - وَعُمَيْرٌ هَذَا مَجْهُولٌ وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْمَذْكُورِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ سَأَلُوا عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ
стр. 3979
وَبِخَبَرٍ آخَرَ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ نا مَرْوَانُ - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ - نا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ نا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ حِزَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ مَا يَحِلُّ لِي مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ حِزَامَ بْنَ حَكِيمٍ ضَعِيفٌ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى غَسْلَ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الْمَذْيِ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا.
وَبِخَبَرٍ - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَزَنِيُّ حَدَّثَنِي بَقِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَلِيدِ عَنْ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَغْطَشُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ هِشَامٌ - وَهُوَ ابْنُ قِرْطٍ الْأَزْدِيُّ أَمِيرُ حِمْصَ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ فَوْقَ الْإِزَارِ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ»
وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَغْطَشِ - وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ.
وَبِخَبَرٍ - مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الرَّحِيمِ نا مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ مَاذَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا؟ قَالَ: سَمِعْنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ كَانَ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَهُوَ كَذَلِكَ: «لَا يَحِلُّ لَهُ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» وَهَذَا حَدِيثٌ كَمَا تَرَى غَيْرُ مُسْنَدٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَهْمِ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ - يَعْنِي الْحَائِضَ - قَالَ: مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ الْعُمَرِيِّ الصَّغِيرِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ -
стр. 3980
فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَدْ جَاءَ خَبَرٌ - مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ نُدْبَةَ - مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ - عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ يُبَاشِرُ الْحَائِضَ مِنْ نِسَائِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهَا إزَارٌ يَبْلُغُ أَنْصَافَ الْفَخْذَيْنِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ مُحْتَجِزَةً» .
وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ: بَلَغَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ - أُمَّيْ الْمُؤْمِنِينَ - مِثْلُ هَذَا، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَعَنْ نُدْبَةَ - وَهِيَ مَجْهُولَةٌ - وَلَوْ صَحَّ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ وَلَا مُتَعَلِّقَ لِأَحَدٍ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا أَمْرٌ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إلَى أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُهَا إلَّا وَبَيْنَهُمَا ثَوْبٌ.
رُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْت عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ مَا لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ؟ فَقَالَ: الْفِرَاشُ وَاحِدٌ وَاللِّحَافُ شَتَّى، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا مِنْ طَرَفِ ثَوْبِهِ رَدَّ عَلَيْهَا؟ وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ نا ابْنُ وَهْبٍ نا مَخْرَمَةُ - هُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ» .
وَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ - هُوَ مَوْلَى بَنِي جُمَحَ - نَا مُسَدَّدٌ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَنَامُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَبَيْنَهُمَا ثَوْبٌ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: سَمَاعُ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ لَا يَصِحُّ -: كَمَا نا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّيْدَلَانِيُّ نا الْعُقَيْلِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ نا أَبِي نا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ قَالَ: أَخْرَجَ إلَيَّ مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ كِتَابًا وَقَالَ لِي: هَذِهِ كُتُبُ أَبِي لَمْ أَسْمَعْ مِنْهَا شَيْئًا
стр. 3981
وَأَمَّا خَبَرُ عَائِشَةَ - أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - فَفِيهِ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ لَمْ يُوَثِّقْهُ أَحَدٌ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمَالِكٌ، وَمَنْ قَلَّدَهُ إلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ، وَمَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَمَا نَعْلَمُ لِهَذَا الْقَوْلِ مُتَعَلَّقًا أَصْلًا، فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
وَلَا يُمَوِّهَنَّ مُمَوِّهٌ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ الْحَائِضَ مِنْ نِسَائِهِ أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرَهَا، فَإِنَّ الْإِزَارَ قَدْ يَبْلُغُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَقَدْ يَبْلُغُ إلَى أَنْصَافِ الْفَخِذَيْنِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ - إلَى مِثْلِ قَوْلِنَا -: كَمَا نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ نا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عِقَالٍ سَأَلْت أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ إذَا كَانَ صَائِمًا؟ قَالَتْ: فَرْجُهَا؟ قُلْت: فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا؟ قَالَتْ: فَرْجُهَا - وَهُوَ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا مَخْرَجَ الدَّمِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يُبَاشِرُ الرَّجُلُ الْحَائِضَ إذَا كَفَّ عَنْهَا الْأَذَى.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَائِضِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا فِيمَا دُونَ الدَّمِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَائِضِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ فَرْجَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُدْخِلْهُ - يَعْنِي عَلَى فَرْجِهَا -.
وَبِهِ إلَى وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُقَلِّبَ بَيْنَ فَخِذَيْ الْحَائِضِ - وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ بَيَّنَّا سُقُوطَ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَدَّمْنَا إلَّا هَذَا الْقَوْلَ، وَقَوْلَ مَنْ
стр. 3982
تَعَلَّقَ بِالْآيَةِ فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الْقَوْلِ فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نَا ثَابِتٌ - هُوَ الْبُنَانِيُّ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَفِيهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلَى آخِرِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ بَيَانٌ لِلْآيَةِ، بَيَّنَ ﵊ إثْرَ نُزُولِهَا مُرَادَ رَبِّهِ تَعَالَى فِيهَا.
وَصَحَّ بِهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ الْحَيْضِ - وَلَا شَكَّ فِي هَذَا - لِأَنَّهُ ﵊ بَيَّنَ مُرَادَ رَبِّهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ، وَلَمْ يَنْسَخْهَا، قَالَ اللَّهُ : ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[مَسْأَلَةٌ وَطِئَ حَائِضًا عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا]
١٩١٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ حَائِضًا عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْعَمْدِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لَا صَدَقَةٌ وَلَا غَيْرُهَا، إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ.
وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ فِي ذَلِكَ بِكَفَّارَةٍ -: كَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنْ وَطِئَهَا فِي الدَّمِ فَدِينَارٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ.
وَعَنْ قَتَادَةَ: إنْ كَانَ وَاجِدًا فَدِينَارٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ دِينَارٍ.
وَعَنْ عَطَاءٍ مَنْ وَطِئَ حَائِضًا يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ -: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ -: وَرَأَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ دِينَارٍ أَوْ نِصْفَ دِينَارٍ وَوَجَدْنَا أَهْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ يَحْتَجُّونَ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُسْنَدًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَمِقْسَمٌ ضَعِيفٌ
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَشَرِيكٌ، وَخُصَيْفٌ ضَعِيفَانِ -
стр. 3983
وَمِنْ طَرِيقٍ فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْمَكْفُوفِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَوْطٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مُسْنَدًا، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَيُّوبَ - هَالِكَانِ - وَالْمَكْفُوفُ مَجْهُولٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ السَّبِيعِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ «أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ لَهُ: تَصَدَّقْ بِدِينَارٍ» ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ - هَالِكٌ - وَالسَّبِيعِيُّ - مَجْهُولٌ - وَلَا يَظُنُّ جَاهِلٌ أَنَّهُ أَبُو إِسْحَاقَ - مَاتَ أَبُو إِسْحَاقَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ أَصْبَغُ بِدَهْرٍ - وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ - وَقَدْ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا مُرْسَلًا، وَفِيهِ: «تَصَدَّقْ بِخُمْسَيْ دِينَارٍ» .
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: أَنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ كَفَّارَةِ مَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى نَا الْمُعْتَمِرُ - هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ - قَالَ: قَرَأْت عَلَى فَضْلٍ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ: أَنَّ أَيْفَعَ حَدَّثَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ، أَوْ إطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا: قُلْت: وَمَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ - أَوْ سَمِعَ أَذَانَ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يُجْمِعْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ؟ قَالَ: كَذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا هِشَامُ - هُوَ ابْنُ حَسَّانٍ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَقِيسُ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الْحَائِضِ بِاَلَّذِي يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ.
وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ تَمِيمٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ بَذِيمَةَ يَقُولُ: سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصَبْتُ امْرَأَتِي - وَهِيَ حَائِضٌ - فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً» ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقِيمَةُ الرَّقَبَةِ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ - وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ بِإِسْنَادِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ تَمِيمٍ ضَعِيفَانِ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ - وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ أَنْ يَقِيسُوا وَاطِئَ الْحَائِضِ
стр. 3984
عَلَى الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ، لِأَنَّهُمَا مَعًا وَطِئَا فَرْجًا حَلَالَ الْعَيْنِ، لَمْ يَحْرُمْ إلَّا بِحَالِ الصَّوْمِ، أَوْ حَالِ الْحَيْضِ فَقَطْ، وَلَكِنْ هَذَا مِمَّا تَنَاقَضُوا فِيهِ، لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَضْعَفَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ لَقُلْنَا بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يَجِبْ مِنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ شَرْعٌ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا ابْنُ سِيرِينَ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ - وَصَحَّ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِمْ
[مَسْأَلَةٌ رَأَتْ الْحَائِضُ الطُّهْرَ]
١٩١٤ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا رَأَتْ الْحَائِضُ الطُّهْرَ فَإِنْ غَسَلَتْ فَرْجَهَا فَقَطْ، أَوْ تَوَضَّأَتْ فَقَطْ، أَوْ اغْتَسَلَتْ كُلَّهَا، فَأَيَّ ذَلِكَ فَعَلَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا لِزَوْجِهَا، إلَّا أَنَّهَا لَا تُصَلِّي حَتَّى تَغْتَسِلَ كُلُّهَا بِالْمَاءِ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا حَتَّى تَغْسِلَ جَمِيعَ جَسَدِهَا - رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمَكْحُولٍ، وَالْحَسَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ.
وَرُوِّينَاهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِمَا وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، إلَى أَنَّ الْحَائِضَ إنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرَةً، فَإِنَّهَا بِانْقِضَاءِ الْعَشَرَةِ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا - وَإِنْ لَمْ تَغْسِلْ فَرْجَهَا وَلَا تَوَضَّأَتْ وَلَا اغْتَسَلَتْ - فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةٍ، فَإِنَّهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ لَمْ يَحِلَّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ -: إمَّا أَنْ تَغْتَسِلَ كُلُّهَا، وَإِمَّا أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ فَإِنْ مَضَى لَهَا وَقْتُ صَلَاةٍ حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا - وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَلَا غَسَلَتْ فَرْجَهَا وَلَا تَوَضَّأَتْ -
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا قَوْلَ أَسْقَطُ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ بِالْبَاطِلِ بِلَا دَلِيلٍ أَصْلًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا بَعْدَهُ، إلَّا مَنْ قَلَّدَهُ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى مِثْلِ قَوْلِنَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
стр. 3985
وَمَعْمَرٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، ثُمَّ اتَّفَقَ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، فَقَالَا جَمِيعًا فِي الْحَائِضِ إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ فَإِنَّهَا تَغْسِلُ فَرْجَهَا وَيُصِيبُهَا زَوْجُهَا.
وَرُوِّينَا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ فَتَوَضَّأَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا لِزَوْجِهَا - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُبَّمَا يُمَوِّهُ مُمَوِّهٌ بِالْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ «وَإِنْ أَتَاهَا - يَعْنِي الْحَائِضَ - وَقَدْ أَدْبَرَ الدَّمُ عَنْهَا وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَنِصْفُ دِينَارٍ» ؟ فَقَدْ قُلْنَا: إنْ مِقْسَمًا ضَعِيفٌ وَلَمْ يَلْقَ عَبْدُ الْكَرِيمِ مِقْسَمًا، فَهُوَ لَا شَيْءَ، وَلَا سِيَّمَا وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا الْخَبَرِ.
وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَحْتَجَّ الْمَرْءُ بِخَبَرٍ هُوَ أَوَّلُ مُبْطِلٍ لَهُ، وَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا أَنْ تَجُوزَ لَهَا الصَّلَاةُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ مُعَلَّقًا بِالصَّلَاةِ، فَقَدْ تَكُونُ الْمَرْأَةُ جُنُبًا فَيَحِلُّ وَطْؤُهَا، وَلَا تَحِلُّ لَهَا الصَّلَاةُ، وَتَكُونُ مُعْتَكِفَةً، وَمُحْرِمَةً وَصَائِمَةً فَتُصَلِّي وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِذْ لَا بَيَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا إلَّا فِي الْآيَةِ، فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَوَجَدْنَاهُ لَمْ يُبِحْ وَطْءَ الْحَائِضِ إلَّا بِوَجْهَيْنِ اثْنَيْنِ -: وَهِيَ أَنْ تَطْهُرَ، وَأَنْ تَطْهُرَ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي فِي " تَطَهَّرْنَ " رَاجِعٌ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ إلَى الضَّمِيرِ الَّذِي فِي " يَطْهُرْنَ " وَالضَّمِيرُ الَّذِي فِي " يَطْهُرْنَ " رَاجِعٌ إلَى الْحَيْضِ، فَكَانَ مَعْنَى " يَطْهُرْنَ " هُوَ انْقِطَاعُ الْحَيْضِ وَظُهُورُ الطُّهْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ الْفِعْلَ إلَيْهِنَّ، وَكَانَ مَعْنَى " يَطْهُرْنَ " فِعْلًا يَفْعَلْنَهُ، لِأَنَّهُ رَدَّ الْفِعْلَ إلَيْهِنَّ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مُقْتَضَاهَا وَعُمُومِهَا، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا، وَلَا الِاخْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ لَفْظُهَا دُونَ كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ بِالدَّعْوَى الْكَاذِبَةِ، فَيَكُونُ إخْبَارًا عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا
стр. 3986
لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ مُرَادِهِ، وَهَذَا حَرَامٌ - وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ بَعْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ " تَطَهَّرْنَ " دُونَ سَائِرِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ لَأَخْبَرْنَا بِهِ، وَلَبَيَّنَهُ عَلَيْنَا، وَلَمَا وَكَلَنَا إلَى التَّكَهُّنِ وَالظُّنُونِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] فَقَدْ فَصَّلَ لَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا مِنْ وَطْءِ الْحَائِضِ وَأَنَّهُ حَرَامٌ مَا لَمْ يَطْهُرْنَ فَيَطَّهَّرْنَ.
فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ " الطُّهْرِ " بَعْدَ أَنْ " يَطْهُرْنَ " فَقَدْ حَلَلْنَ بِهِ، وَالْوُضُوءُ تَطَهُّرٌ بِلَا خِلَافٍ، وَغَسْلُ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ تَطَهُّرٌ كَذَلِكَ، وَغَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ تَطَهُّرٌ، فَبِأَيِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ تَطَهَّرَتْ الَّتِي رَأَتْ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِ لَنَا إتْيَانُهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[أَحْكَامُ لِبْسُ الْحَرِير وَالذَّهَب]
[مَسْأَلَةٌ لِبَاسُ الْمَرْأَةِ الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا]
أَحْكَامُ لِبْسُ الْحَرِير وَالذَّهَب ١٩١٥ - مَسْأَلَةٌ: وَلِبَاسُ الْمَرْأَةِ الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا: حَلَالٌ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ قَوْمٌ لَهُنَّ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ نا شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ نا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ " أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الْحَرِيرِ فَقَالَ لَهَا ابْنُ عُمَرَ: مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ".
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ كَعْبٍ أَبِي ذُبْيَانَ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ يَقُولُ " أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ فَإِنَّ مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ".
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ لِابْنَتِهِ " لَا تَلْبَسِي الذَّهَبَ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْك حَرَّ اللَّهَبِ ".
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ مُبَارَكٍ - هُوَ ابْنُ فَاضِلَةَ - عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ الذَّهَبَ لِلنِّسَاءِ - وَاحْتَجَّ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِخَبَرٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: يَعْنِي النِّسَاءَ - أَهْلَكَهُنَّ الْأَحْمَرَانِ الذَّهَبُ وَالزَّعْفَرَانُ» وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ
стр. 3987
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ رَأَى عَلَى عَائِشَةَ قُلَابَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ مُلَوَّنَيْنِ بِذَهَبٍ فَأَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُمَا وَتَجْعَلَ قُلَابَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ وَتُصَفِّرَهُمَا بِالزَّعْفَرَانِ» وَهَذَا مُرْسَلٌ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ، وَالْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَجَرِيرٍ كُلِّهِمْ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ رِبْعِيٍّ بْنِ خِرَاشٍ عَنْ امْرَأَتِهِ عَنْ أُخْتِ حُذَيْفَةَ قَالَتْ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ أَمَا لَكُنَّ فِي الْفِضَّةِ مَا تَحَلَّيْنَ، أَمَا إنَّهُ لَيْسَ مِنْ امْرَأَةٍ تَلْبَسُ ذَهَبًا تُظْهِرُهُ إلَّا عُذِّبَتْ بِهِ» وَهَذَا عَنْ امْرَأَةِ رِبْعِيٍّ - وَهِيَ مَجْهُولَةٌ.
وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ وَالْحَنَفِيِّينَ الْآخِذِينَ بِرِوَايَةِ امْرَأَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ أُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَحَرَّمُوا بِهِ الْحَلَالَ أَنْ يَقُولَ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَإِلَّا فَهُمْ مُتَنَاقِضُونَ.
وَبِخَبَرٍ فِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ - وَهُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَسْقَطُ مِنْهُ عَنْ «أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَلَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَخَوَاتِمَ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لِي ﵊: أَتُحِبِّينَ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ وَخَوَاتِمَ مِنْ نَارٍ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَانْزَعِي هَذَيْنِ، أَتَعْجَزُ إحْدَاكُنَّ أَنْ تَتَّخِذَ حَلْقَتَيْنِ أَوْ تُومَتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، ثُمَّ تُلَطِّخَهُمَا بِعَبِيرٍ، أَوْ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ» .
وَخَبَرٍ آخَرَ - فِيهِ: مَحْمُودُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ عَنْ شَهْرٍ: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَقَلَّدَتْ قِلَادَةً مِنْ ذَهَبٍ قُلِّدَتْ فِي عُنُقِهَا مِثْلُهَا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ جَعَلَتْ فِي أُذُنِهَا خَرْصًا مِنْ ذَهَبٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي أُذُنِهَا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَمَحْمُودُ بْنُ عَمْرٍو ضَعِيفٌ وَآخَرَ - مِنْ طَرِيقِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ «أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ عَلَيْهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ؟ فَقَالَ ﵊: سِوَارَانِ مِنْ نَارٍ؟ فَقَالَتْ: مَا تَرَى فِي طَوْقٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: طَوْقٌ مِنْ نَارٍ؟ قَالَتْ: فَمَا تَرَى فِي قُرْطَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: قُرْطَانِ مِنْ نَارٍ» وَأَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ
стр. 3988
وَبِخَبَرٍ صَحِيحٍ - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد نا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ رَأَى عَلَيْهَا مَسَكَتَيْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌: أَلَا أُخْبِرُك بِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا لَوْ نَزَعْتِ هَذَا وَجَعَلْتِ مَسَكَتَيْنِ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ صَفَّرْتِهِمَا بِزَعْفَرَانٍ كَانَتَا حَسَنَتَيْنِ» .
وَهَذَا الْخَبَرُ حُجَّةٌ لَنَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ: أَنَّهُ ﷺ نَهَاهَا عَنْ مَسَكَتَيْ الذَّهَبِ، إنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُ ﵊ اخْتَارَ لَهَا غَيْرَهُ - وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَذَا.
وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ - هُوَ الْقَعْنَبِيُّ - نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ أُسَيْدَ بْنِ أَبِي أُسَيْدَ الْبَرَّادِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحَلِّقَ جَبِينَهُ حَلْقَةً مِنْ نَارٍ فَلْيُحَلِّقْهُ حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَوِّقَ جَبِينَهُ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَوِّرَ جَبِينَهُ بِسِوَارٍ مِنْ نَارٍ فَلْيُسَوِّرْهُ سِوَارًا مِنْ ذَهَبٍ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا مُجْمَلٌ يَجِبُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «إنَّ الذَّهَبَ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا» .
لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَعَانٍ مِنْهُ وَمُسْتَثْنًى بَعْضُ مَا فِيهِ وَذَكَرُوا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا وَهْبُ بْنُ بَيَانٍ نا ابْنُ وَهْبٍ نا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عُشَانَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يُخْبِرُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ كَانَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ الْحِلْيَةَ وَالْحَرِيرَ، وَيَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ حِلْيَةَ الْجَنَّةِ وَحَرِيرَهَا فَلَا تَلْبَسُوهُمَا فِي الدُّنْيَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَبُو عُشَانَةَ غَيْرُ مَشْهُورٍ بِالنَّقْلِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ عَامًّا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَخُصُّهُ الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ «أَنَّ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حَلَالٌ لِإِنَاثِهَا» .
وَحَدِيثٌ آخَرُ - مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ نَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ - هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ - نَا أُبَيٌّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي زَيْدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ - عَنْ
стр. 3989
أَبِي سَلَامٍ - هُوَ مَمْطُورٌ الْحَبَشِيُّ - عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ - هُوَ عَمْرُو بْنُ مَرْثَدٍ - قَالَ: إنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «جَاءَتْ ابْنَةُ هُبَيْرَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهَا فَتَخٌ - قَالَ مُعَاذٌ: كَذَا فِي كِتَابِ أَبِي - أَيْ خَوَاتِمُ كِبَارٌ - فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَضْرِبُ يَدَيْهَا فَدَخَلَتْ عَلَى فَاطِمَةَ تَشْكُو ذَلِكَ إلَيْهَا، فَنَزَعَتْ فَاطِمَةُ سِلْسِلَةً مِنْ ذَهَبٍ فِي عُنُقِهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ أَهْدَاهَا أَبُو حَسَنٍ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ وَالسِّلْسِلَةُ فِي يَدِهَا، فَقَالَ: أَيَسُرُّكِ أَنْ تَقُولَ النَّاسُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي يَدِكِ سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ - ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يَقْعُدْ، فَأَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ بِالسِّلْسِلَةِ إلَى السُّوقِ فَبَاعَتْهَا وَاشْتَرَتْ بِثَمَنِهَا غُلَامًا - وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: فَأَعْتَقَتْهُ - فَحُدِّثَ بِذَلِكَ ﷺ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّى فَاطِمَةَ مِنْ النَّارِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا ضَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ يَدَيْ بِنْتِ هُبَيْرَةَ فَلَيْسَ فِيهِ: أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا ضَرَبَهَا مِنْ أَجْلِ الْخَوَاتِمِ، وَلَا فِيهِ أَيْضًا: أَنَّ تِلْكَ الْخَوَاتِمَ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ.
وَمَنْ زَادَ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْخَبَرِ فَقَدْ كَذَبَ بِلَا شَكٍّ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ رَاوِي الْخَبَرِ، وَهَذَا حَرَامٌ بَحْتٌ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ﵊ ضَرْبُ يَدَيْهَا لِأَنَّهَا أَبْرَزَتْ عَنْ ذِرَاعَيْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهَا إبْرَازُهُ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ﵊ أَعْلَمُ بِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ «أَيَسُرُّكِ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَفِي يَدِكِ سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ» فَظَاهِرُ اللَّفْظِ الَّذِي لَيْسَ يُفْهَمُ مِنْهُ سِوَاهُ أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا أَنْكَرَ إمْسَاكَهَا إيَّاهَا بِيَدِهَا، لَيْسَ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ نَصٌّ بِغَيْرِ هَذَا، وَلَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﵊ نَهَاهَا عَنْ لِبَاسِهَا وَلَا عَنْ تَمَلُّكِهَا، هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ.
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنَّهُ ﵊ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تُزَكِّهَا وَكَانَتْ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا قَالَ : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَيِّ وَجْهٍ أَنْكَرَ كَوْنَ السِّلْسِلَةِ فِي يَدِهَا ﵂ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ
стр. 3990
أَلْبَتَّةَ تَحْرِيمُ لِبَاسِهَا لَهَا، بَلْ فِيهِ نَصَّا: أَنَّهُ ﵊ أَبَاحَ لَهَا مِلْكَهَا يَقِينًا لَا شَكَّ فِيهِ، لِأَنَّهُ جَوَّزَ بَيْعَهَا لِلسِّلْسِلَةِ، وَجَوَّزَ لِلْمُشْتَرِي لَهَا مِنْهَا شِرَاؤُهَا، وَأَمَّا إمْسَاكُهَا بِالْيَدِ الَّذِي فِي هَذَا الْخَبَرِ إنْكَارُهُ فَقَدْ نُسِخَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، لِإِيجَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ الزَّكَاةَ فِي الذَّهَبِ وَإِبَاحَتِهِ ﵊ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، وَإِبَاحَتِهِ ﵊ بَيْعَ قِلَادَةِ الذَّهَبِ الَّتِي أُصِيبَتْ بِخَيْبَرَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ بِنَزْعِ الْخَرَزِ عَنْهَا، وَبَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَمْ يُحَرِّمْ بَيْعَ الْقِلَادَةِ الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ، وَلَا ابْتِيَاعَهَا وَلَا أَمَرَ بِكَسْرِهَا.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ إيجَابَ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَإِبَاحَةَ بَيْعِهِ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يُنْسَخْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ إذْ بَلَغَهُ بَيْعُ فَاطِمَةَ ﵂ السِّلْسِلَةَ الذَّهَبَ وَابْتِيَاعَهَا بِثَمَنِهَا غُلَامًا فَأَعْتَقَتْهُ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَ فَاطِمَةَ مِنْ النَّارِ» .
فَاَلَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ نا اللَّيْثُ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ قَالَ «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجِهِ بِفَرْجِهِ» .
فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْقَذَهَا مِنْ النَّارِ بِعِتْقِهَا لِلْغُلَامِ
وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ إنَّمَا أَنْقَذَهَا مِنْ النَّارِ بِبَيْعِهَا السِّلْسِلَةَ فَقَدْ قَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ مَا لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا بُرْهَانَ عِنْدَهُ بِصِحَّتِهِ، وَمَا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مِنْهُ نَصٌّ، وَلَا دَلِيلٌ إلَّا بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي كَرَاهَةِ مَسِّ حُلِيِّ الذَّهَبِ أَثَرٌ صَحِيحٌ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا ابْنُ نُفَيْلٍ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُفَيْلٍ - نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ قَدِمَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵌ حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ أَهْدَاهَا لَهُ فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ قَالَتْ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِعُودٍ مُعْرِضًا أَوْ
стр. 3991
بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةَ زَيْنَبَ فَقَالَ: تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ» .
فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ قَدْ كَرِهَ مَسَّ خَاتَمِ الذَّهَبِ فَلَعَلَّهُ كَرِهَهُ لِفَاطِمَةَ أَيْضًا، وَمَعَ ذَلِكَ حَلَّاهُ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْحَاكِمُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ هُوَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - وَيَزِيدُ - هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - وَمُعْتَمِرٌ - هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ - وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالُوا كُلُّهُمْ: نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ أَحَلَّ لِإِنَاثِ أُمَّتِي الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَحَرَّمَهُ عَلَى ذُكُورِهَا» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيِّ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ، وَحَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ كُلِّهِمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَى ذِكْرِ الْحَرِيرِ فَقَطْ إلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ: الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، وَمَعْمَرٍ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ نَافِعٍ بِإِسْنَادِهِ وَذَكَرَ الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَهُوَ أَثَرٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوَى عَنْهُ نَافِعٌ وَمُوسَى بْنُ مَيْسَرَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَا يَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - نا أَبِي عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: إنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ حَدَّثَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّهُ «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ، أَوْ الزَّعْفَرَانُ، مِنْ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ مُعَصْفَرٍ، أَوْ حِذَاءٍ، أَوْ حُلِيٍّ، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصٍ، أَوْ خُفٍّ» فَعَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهَا جَمِيعَ الْحُلِيَّ، وَلَوْ كَانَ الذَّهَبُ حَرَامًا عَلَيْهِنَّ لَبَيَّنَهُ ﵊ بِلَا شَكٍّ، فَإِذْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى مَنْعِهِ، فَهَذَا حَلَالٌ لَهُنَّ -.
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - وَبِهَذَا تَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَقَتَادَةَ، قَالَ قَتَادَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ، وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاج، كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا سَأَلَاهُ عَنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ؟ فَقَالَ: يُكْرَهَانِ لِلرِّجَالِ وَلَا يُكْرَهَانِ لِلنِّسَاءِ
стр. 3992
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ الْبَزَّارِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَى حُذَيْفَةُ صِبْيَانًا عَلَيْهِمْ قُمُصُ حَرِيرٍ فَنَزَعَهُ عَنْ الْغِلْمَانِ، وَأَمَرَ بِنَزْعِهِ عَنْهُمْ، وَتَرَكَهُ عَلَى الْجَوَارِي.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِهِ
[مَسْأَلَةٌ التَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ]
١٩١٦ - مَسْأَلَةٌ: وَالتَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزُّمُرُّدِ: حَلَالٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا نَخُصُّ شَيْئًا إلَّا آنِيَةُ الْفِضَّةِ فَقَطْ، فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، عَلَى خَبَرِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ " لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
فَلَمْ يُفَصِّلْ تَحْرِيمَ التَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ فِي ذَلِكَ، فَهِيَ حَلَالٌ.
وَقَدْ خَصَّ قَوْمٌ بِالْإِبَاحَةِ حِلْيَةَ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَالْخَاتَمِ، وَالْمُصْحَفِ وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَا بُرْهَانَ عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ.
وَأَمَّا اللُّؤْلُؤُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] .
قَالَ عَلِيٌّ: وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ إلَّا اللُّؤْلُؤُ، فَهُوَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ حَلَالٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
[أَحْكَامُ الصُّلْحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ]
[مَسْأَلَةٌ إذَا شَجَرَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ]
أَحْكَامُ الصُّلْحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ١٩١٧ - مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَجَرَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ: بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا عَنْ حَالِ الظَّالِمِ مِنْهُمَا، وَيَنْهَيَا إلَى الْحَاكِمِ مَا وَقَفَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، لِيَأْخُذَ الْحَقَّ مِمَّنْ هُوَ قَبْلَهُ، وَيَأْخُذَ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لَا بِخُلْعٍ، وَلَا بِغَيْرِهِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْأَهْلُ الْقَرَابَةُ: هُمْ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ - وَالْأَهْلُ أَيْضًا: الْمَوَالِي، كَمَا
стр. 3993
رُوِّينَا فِي حَدِيثِ أَبِي طَيْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ» .
وَقَالَ : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] فَلَا يَخْلُو ضَرُورَةً الضَّمِيرُ الَّذِي فِي " بَيْنِهِمَا " مِنْ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الزَّوْجَيْنِ وَهَكَذَا نَقُولُ أَوْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْحَكَمَيْنِ، فَنَصُّ الْآيَةِ: أَنَّهُ إنَّمَا يُوَفِّقُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا إنْ أَرَادَا إصْلَاحًا، وَالْإِصْلَاحُ هُوَ قَطْعُ الشَّرِّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] يَعْنِي الطَّلَاقَ، وَقَدْ قُرِئَ " أَنْ يُصْلِحَا "؟ .
قُلْنَا: نَعَمْ، وَإِنَّمَا رَدَّ هَذَا الصُّلْحَ إلَى اخْتِيَارِ الزَّوْجَيْنِ، لَا إلَى غَيْرِهِمَا، وَعَلَيْهِمَا، وَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ: أَصْلَحْت بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ - أَيْ طَلَّقْتهَا عَلَيْهِ - وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا -: كَمَا رُوِّينَا - أَنَّ عُثْمَانَ بَعَثَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ حَكَمَيْنِ بَيْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقِيلَ لَهُمَا: إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا.
وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلَّا مُنْقَطِعًا.
رُوِّينَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ: عَلَيْكُمَا إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا.
وَصَحَّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَعَنْ رَبِيعَةَ وَشُرَيْحٍ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا، إلَّا ابْنَ الْمُغَلِّسِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُفَرِّقَا - نا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ الْعُذُرِيُّ نا أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ خُرَيْمٍ نا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكَشِّيُّ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ نا هِشَامٌ - هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: لَهُمَا - يَعْنِي الْحَكَمَيْنِ - أَنْ يُصْلِحَا، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُفَرِّقَا
стр. 3994
وَبِهِ إلَى عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ نا يُونُسُ عَنْ شَيْبَانَ - هُوَ ابْنُ فَرُّوخَ - عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] .
قَالَ قَتَادَةُ: إنَّمَا بُعِثَ الْحَكَمَانِ لِيُصْلِحَا، فَإِنْ أَعْيَاهُمَا ذَلِكَ شَهِدَا عَلَى الظَّالِمِ بِظُلْمِهِ، وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمَا الْفُرْقَةُ، وَلَا يَمْلِكَانِ ذَلِكَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ إنْسَانًا قَالَ لَهُ: أَيُفَرِّقُ الْحَكَمَانِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الزَّوْجَانِ ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْمُغَلِّسِ.
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ التَّفْرِيقَ إلَى الْحَاكِمِ بِمَا يُنْهِيهِ إلَيْهِ الْحَكَمَانِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ: أَنَّ لِلْحَكَمَيْنِ أَنْ يُفَرِّقَا، وَلَا أَنَّ ذَلِكَ لِلْحَاكِمِ.
وَقَالَ : ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ، إلَّا حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ بِوُجُوبِ فَسْخِ النِّكَاحِ فَقَطْ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 3995
[أَحْكَامُ النَّفَقَات] [ مَسْأَلَةٌ يُنْفِقُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ حِينِ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا]
١٩١٨ - مَسْأَلَةٌ: وَيُنْفِقُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ مِنْ حِينِ يَعْقِدُ نِكَاحَهَا دُعِيَ إلَى الْبِنَاءِ أَوْ لَمْ يُدْعَ - وَلَوْ أَنَّهَا فِي الْمَهْدِ - نَاشِزًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ نَاشِزٍ، غَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ فَقِيرَةً، ذَاتَ أَبٍ كَانَتْ أَوْ يَتِيمَةً، بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً - عَلَى قَدْرِ مَالِهِ -.
فَالْمُوسِرُ: خُبْزُ الْحَوَارِيِّ، وَاللَّحْمُ، وَفَاكِهَةُ الْوَقْتِ - عَلَى حَسَبِ مِقْدَارِهِ - وَالْمُتَوَسِّطُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وَالْمُقِلُّ أَيْضًا عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: مَا قَدْ ذَكَرْنَا بِإِسْنَادِهِ قَبْلُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النِّسَاءِ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» .
وَهَذَا يُوجِبُ لَهُنَّ النَّفَقَةَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا نَفَقَةَ لِلْمَرْأَةِ إلَّا حَيْثُ تُدْعَى إلَى الْبِنَاءِ بِهَا وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ لَهُ وَجْهٌ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ اسْتِثْنَاءَ الصَّغِيرَةِ وَالنَّاشِزِ لَمَا أَغْفَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُبَيِّنَهُ لَهُ غَيْرُهُ، حَاشَ لِلَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ نا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ نَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ اُنْظُرُوا مَنْ طَالَتْ غِيبَتُهُ أَنْ يَبْعَثُوا نَفَقَةً أَوْ يَرْجِعُوا أَوْ يُفَارِقُوا فَإِنْ فَارَقَ فَإِنَّ عَلَيْهِ نَفَقَةَ مَا فَارَقَ مِنْ يَوْمٍ غَابَ "
следующие страницы →