Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ وَالثَّلَاثُ -
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ - وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا.
وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ الْمَوْلَى أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا جَمِيعًا: لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ.
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّضَاعِ؟ فَقَالَ: لَا أَقُولُ كَمَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، كَانَا يَقُولَانِ: لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ بِالثَّلَاثِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَأَخْصَبَ الْجِسْمَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ: أرنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي - يَعْنِي عَبْدَ الْوَارِثِ - أَنَا حُسَيْنٌ - هُوَ الْمُعَلِّمُ - أَنَا مَكْحُولٌ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَيْسَ بِالْمَصَّةِ وَلَا بِالْمَصَّتَيْنِ بَأْسٌ، إنَّمَا الرَّضَاعُ مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ثَوْرٍ - هُوَ أَبُو زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ: مَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ مِنْهَا: الضِّرَارُ، وَالْعُفَافَةُ وَالْمَلْجَةُ.
وَالضِّرَارُ - أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَيْنِ كَيْ تُحَرِّمَ بَيْنَهُمَا.
وَالْعُفَافَةُ - الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي يَبْقَى فِي الثَّدْيِ.
وَالْمُلْجَةُ - اخْتِلَاسُ الْمَرْأَةِ وَلَدَ غَيْرِهَا فَتُلْقِمُهُ ثَدْيَهَا.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى بِغُلَامٍ
стр. 4447
وَجَارِيَةٍ - أَرَادُوا أَنْ يُنَاكِحُوا بَيْنَهُمَا - قَدْ عَلِمُوا أَنَّ امْرَأَةً أَرْضَعَتْ أَحَدَهُمَا؟ فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: كَيْفَ أَرْضَعْتِ الْآخَرَ؟ قَالَتْ: مَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَبْكِي فَأَرْضَعَتْهُ أَوْ قَالَتْ: فَأَمْصَصْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: نَاكِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ الْخَصَابَةُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَا جَمِيعًا: أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْأَسْلَمِيِّ: أَنَّهُ اسْتَفْتَى أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا يُحَرِّمُ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ - يَعْنِي مِنْ الرَّضَاعِ.
وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ - وَبِهِ يُؤْخَذُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَكَذَا نَصَّ الْحَدِيثُ -: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ أَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْوَادِعِيِّ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إنَّمَا الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالْعَظْمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - وَلَوْ بِقَطْرَةٍ - صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ -.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعًا دُونَهُمَا.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ أَيْضًا.
وَصَحَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَطَاوُسٍ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
стр. 4448
فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى سَبْعِ رَضَعَاتٍ، فَلَمْ نَجِدْ لِهَذَا الْقَوْلِ مُتَعَلَّقًا، فَسَقَطَ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى عَشْرِ رَضَعَاتٍ فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ مَا كُتِبَ بِهِ إلَى أَبُو الْمُرَجَّى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَرْوَازٍ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ الرَّحَبِيُّ أَنَا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَاتِبُ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُغَلِّسِ قَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: أَنَا أَبِي أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ أَنَا أُبَيٌّ - هُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: أَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إنَّ سَالِمًا كَانَ مِنَّا حَيْثُ عَلِمْت كُنَّا نَعُدُّهُ وَلَدًا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: أَنْكَرْتُ وَجْهَ أَبِي حُذَيْفَةَ، إذْ رَآهُ يَدْخُلُ عَلَيَّ قَالَ: فَأَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ لِيَدْخُلْ عَلَيْك كَيْفَ شَاءَ، فَإِنَّمَا هُوَ ابْنُك.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا -:
أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهِمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْ ابْنِ إِسْحَاقَ - وَهُوَ ابْنُ جُرَيْجٍ - فَقَالَ فِيهِ: أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ - عَلَى مَا نُورِدُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ .
أَوْ يَكُونُ مَحْفُوظًا فَتَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ صَحِيحَةً وَرِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ صَحِيحَةً فَيَكُونَانِ خَبَرَيْنِ اثْنَيْنِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَالْعَشْرُ الرَّضَعَاتُ مَنْسُوخَاتٌ عَلَى مَا نُورِدُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ، إذْ لَا يَخْلُو ضَرُورَةً مِنْ أَنْ يَكُونَ وَهْمًا، أَوْ مَنْسُوخًا، لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ حَرَّمَ بِثَلَاثِ رَضَعَاتٍ لَا بِأَقَلَّ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى.
стр. 4449
مِنْهَا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَصْحَابُ شُعْبَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَدْرَكَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَسَمِعَهُ مِنْهَا، وَمِنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْهَا، فَحَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ، وَهُوَ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ الْمَشْهُورُ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ أَنَا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ - أَنَا سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ - عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَتَبْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَسْأَلُهُ عَنْ الرَّضَاعِ؟ فَكَتَبَ: إنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيَّ حَدَّثَنَا أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لَا تُحَرِّمُ الْخَطْفَةُ وَلَا الْخَطْفَتَانِ» .
وَمِنْ طَرِيق أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ النَّسَائِيّ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ الزُّبَيْرِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ النَّسَائِيّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَخْبَرَنِي أُبَيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ابْنُ الزُّبَيْرِ سَمِعَ أَبَاهُ، وَخَالَتَهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَوَاهُ عَنْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَهُ أَيْضًا صُحْبَةٌ، وَإِلَّا فَلْيُخْبِرْنَا الْمُقْدِمُ عَلَى نَصْرِ الْبَاطِلِ، وَدَفْعِ الْحَقِّ، وَمُؤْثِرُ
стр. 4450
رَأْيِهِ عَلَى مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مَنْ يَتَّهِمُ مِنْ رُوَاةِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ؟ .
وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا: مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ الطُّوسِيُّ أَنَا يَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - أَنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا يُحَرِّمُ مِنْهُ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ مِنْ اللَّبَنِ» .
وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الْفَضْلِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا إِسْحَاقُ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ كُلُّهُمْ عَنْ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ: أَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ - هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ - هُوَ صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ - هُوَ ابْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّم الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ، وَلَا الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ أَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ أَنَا حَمَّادُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ الضُّبَعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» .
وَنَاهُ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ
стр. 4451
أَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ أَنَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ الضُّبَعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» .
قَالُوا: فَهَذِهِ آثَارٌ صِحَاحٌ رَوَاهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُمُّ الْفَضْلِ، وَالزُّبَيْرُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ كُلُّهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتْ مَجِيءَ التَّوَاتُرِ قَالُوا: فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وَبَقِيَ مَا زَادَ عَلَى التَّحْرِيمِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَدَقُوا فِي أَنَّهَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَرِدْ غَيْرُهَا لَكَانَ الْقَوْلُ مَا قَالُوا لَكِنْ قَدْ جَاءَ غَيْرُ هَذَا مِمَّا سَنَذْكُرُهُ الْآنَ إنْ شَاءَ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُحِدَّ الْمُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا بِمَا أَغْنَى مِنْ الْجُوعِ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ لَهَا: اُنْظُرْنَ مِنْ إخْوَتِكُنَّ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» .
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَزَائِدَةَ، كُلِّهِمْ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» .
وَقَدْ أَوْرَدْنَا أَيْضًا قَبْلُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵌ مِنْ أَنَّهُ «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ» .
стр. 4452
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ ﵌.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ أَثَرَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَالْحُجَّةُ بِهِمَا قَائِمَةٌ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ؟ فَوَجَدْنَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: نَزَلَ الْقُرْآنُ أَنْ لَا يُحَرِّمَ إلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ وَخَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ هَذَا لَفْظُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. وَلَفْظُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَالَتْ " كَانَ مِمَّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ سَقَطَ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ وَخَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ ".
وَمِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ " كَانَ فِيمَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ ".
وَرُوِّينَا أَيْضًا - مَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا الْقَعْنَبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ: أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ سُلَيْمَانُ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ أَيْضًا خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَا ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ
стр. 4453
عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِمًا وَهُوَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ زَيْدًا، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إلَيْهِ وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فَرُدُّوا إلَى آبَائِهِمْ فَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَبٌ فَمَوْلَى وَأَخٌ فِي الدِّينِ، فَجَاءَتْ سَهْلَةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَيَرَانِي فَضْلًا، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا قَدْ عَلِمْتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ» فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَانِ خَبَرَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَجَلَالَةِ الرُّوَاةِ وَثِقَتِهِمْ، وَلَا يَسَعُ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَنْهُمَا.
وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ يُبَيِّنُ وَهْمَ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ لِهَذَا الْخَبَرِ، فَذَكَرَ فِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ أَوْ نَسَخَهُ، إذْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ﵊ أَفْتَاهَا بِالْعَشْرِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ التَّحْرِيمُ بِالْخَمْسِ، ثُمَّ أَفْتَاهَا بِالْخَمْسِ بَعْدَ نُزُولِهَا، وَقَدْ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إلَّا بَعْضُ سَاعَةٍ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّحْرِيمَ بِقَلِيلِ الرَّضَاعَةِ وَكَثِيرِهَا؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] قَالُوا: فَعَمَّ اللَّهُ وَلَمْ يَخُصَّ.
ثُمَّ ذَكَرُوا آثَارًا صِحَاحًا -: مِثْلَ «قَوْلِهِ ﵊ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» .
«وَقَوْلِهِ ﷺ فِي بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ: إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» .
«وَقَوْلِهِ ﵊ لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ: إنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ، وَفِي عَمِّ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَرَى فُلَانًا - يَعْنِي عَمَّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ» .
стр. 4454
وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ فِي أَمْرِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَجَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، كُلِّهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلَّا " أَرْضِعِيهِ " فَقَطْ دُونَ ذِكْرِ عَدَدٍ.
وَذَكَرُوا قَوْلَهُ ﵊: «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ وَلَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ» قَالُوا: فَلَمْ يَذْكُرْ ﵊ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَدَدًا.
وَذَكَرُوا مِمَّا لَا خَيْرَ فِيهِ -: خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَمَّا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ؟ فَقَالَ: الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا هَذَا الْخَبَرُ، فَخَبَرُ سُوءٍ مَوْضُوعٌ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ فَسَاقِطٌ لَا يُرْوَى عَنْهُ، قَدْ أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَهُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ، فَلَا مَعْنَى لَأَنْ يُشْتَغَلَ بِالْبَاطِلِ.
وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلُ وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَقٌّ، لَكِنْ لَمَّا جَاءَتْ رِوَايَةُ الثِّقَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا بِأَنَّهُ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يُحَرِّمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ: كَانَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ زَائِدَةً عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ، وَفِي تِلْكَ الْأَخْبَارِ، وَكَانَتْ
стр. 4455
رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِ أَبِي حُذَيْفَةَ " أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، هِيَ زَائِدَةً عَلَى رِوَايَةِ مَنْ ذَكَرْنَا، وَابْنُ جُرَيْجٍ ثِقَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُ زِيَادَتِهِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا.
وَقَدْ فَعَلَ الْمُخَالِفُونَ لَنَا مِثْلَ هَذَا حَيْثُ يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ، وَحَيْثُ لَا يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ -: كَتَرْكِهِمْ عُمُومَ الْقُرْآنِ فِي قَطْعِ السَّارِقِ لِرِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ فِي الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ وَلِرِوَايَةٍ صَالِحَةٍ فِي رُبُعِ الدِّينَارِ.
وَكَزِيَادَةِ الْمَالِكِيِّينَ التَّدَلُّكَ فِي الْغُسْلِ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ لِغَيْرِ نَصٍّ، وَكَزِيَادَةِ الْحَنَفِيِّينَ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ، وَمِنْ الرُّعَافِ، وَالْقَيْءِ لِرِوَايَاتٍ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
وَتَرْكُ الزِّيَادَةِ الَّتِي يَرْوِيهَا الْعَدْلُ خَطَأٌ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ ثَابِتَةٌ فَمَنْ خَالَفَهَا فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَهُ ﵊ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَاعْتَرَضُوا بِالْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٍ بِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵌ رَضَاعَاتٌ مُحَرِّمَاتٌ، وَلِسَائِرِ النِّسَاءِ رَضَاعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ تُرِكَ ذَلِكَ بَعْدُ.
وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ دُونَ سَبْعِ رَضَعَاتٍ ثُمَّ صَارَ إلَى خَمْسٍ - وَقَالَ طَاوُسٌ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَحَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرٌ جَاءَ بِالتَّحْرِيمِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ تُحَرِّمُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ لَمْ يُسْنِدْهُ إلَى صَاحِبٍ فَضْلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَمِثْلُ هَذَا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَا يَحِلُّ الْقَطْعُ بِالنَّسْخِ بِظَنِّ تَابِعِيٍّ.
وَقَالُوا أَيْضًا: قَوْلُ الرَّاوِي: فَمَاتَ ﵊ وَهُوَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَوْلٌ مُنْكَرٌ، وَجُرْمٌ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُجَوِّزَ أَحَدٌ سُقُوطَ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌؟ .
فَقُلْنَا: لَيْسَ كَمَا ظَنَنْتُمْ إنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ لِمَا ذَكَرْتُمْ،
стр. 4456
ثُمَّ - إنَّهُ ﵊ مَاتَ وَهُوَ مِمَّا يُقْرَأُ مَعَ الْقُرْآنِ بِحُرُوفِ الْجَرِّ يُبْدَلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَمِمَّا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي بَطَلَ أَنْ يُكْتَبَ فِي الْمَصَاحِفِ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ، كَآيَةِ الرَّجْمِ سَوَاءً سَوَاءً - فَبَطَلَ اعْتِرَاضُهُمْ الْمَذْكُورُ.
وَاعْتَرَضُوا عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ الَّذِي فِيهِ «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ» بِأَنْ قَالُوا: هُوَ خَبَرٌ مُضْطَرِبٌ فِي سَنَدِهِ، فَمَرَّةً عَنْ عَائِشَةَ، وَمَرَّةً عَنْ الزُّبَيْرِ؟
فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ هَذَا قُوَّةٌ لِلْخَبَرِ أَنْ يُرْوَى مِنْ طُرُقٍ، وَمَا يَعْتَرِضُ بِهَذَا فِي الْآثَارِ إلَّا جَاهِلٌ بِمَا يَجِبُ فِي قَوْلِ النَّقْلِ الثَّابِتِ؛ لِأَنَّهُ اعْتِرَاضٌ لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ أَصْلًا، إنَّمَا هُوَ دَعْوَى فَاسِدَةٌ.
وَالْعَجَبُ كُلُّهُ أَنَّهُمْ يَعِيبُونَ الْأَخْبَارَ الثَّابِتَةَ بِنَقْلِهَا مَرَّةً عَنْ صَاحِبٍ، وَمَرَّةً عَنْ آخَرَ، ثُمَّ لَا يُفَكِّرُ الْحَنَفِيُّونَ فِي أَخْذِهِمْ بِحَدِيثِ أَيْمَنَ فِيمَا تُقْطَعُ فِيهِ يَدُ السَّارِقِ، وَهُوَ حَدِيثٌ سَاقِطٌ مُضْطَرِبٌ فِيهِ أَشَدُّ الِاضْطِرَابِ.
وَلَا يُفَكِّرُ الْمَالِكِيُّونَ فِي أَخْذِهِمْ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ رُبُعِ الدِّينَارِ.
وَفِي الصَّدَقَةِ فِي الْفِطْرِ بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ، وَكِلَاهُمَا أَشَدُّ اضْطِرَابًا مِنْ خَبَرِ الرَّضْعَتَيْنِ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَعَلَّقُونَ بِمَا أَمْكَنَهُمْ.
وَقَالُوا: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَحَدُ رُوَاةِ ذَلِكَ الْخَبَرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ لَا يُحَرِّمُ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ إنَّمَا الْحُجَّةُ فِي رِوَايَتِهِ لَا رَأْيِهِ، وَقَدْ أَفْرَدْنَا فِي كِتَابِنَا الْمَعْرُوفِ بِ " الْإِعْرَابِ " اضْطِرَابَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَأَخْذَهُمْ بِرِوَايَةِ الرَّاوِي وَتَرْكَهُمْ لِرَأْيِهِ فِي خِلَافِهِ لِمَا رَوَاهُ.
وَذَكَرُوا أَيْضًا - اعْتِرَاضَاتٍ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالْغَثَاثَةِ، لَا يَخْفَى سُقُوطُهَا عَلَى ذِي فَهْمٍ، عُمْدَتُهَا مَا ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -.
فَوَجَبَ الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَخْبَار، وَلَمَّا كَانَ ﵊ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ وَلَا الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» عَلِمْنَا أَنَّ الْمَصَّةَ غَيْرُ الرَّضْعَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قُلْنَا: إنَّ اسْتِنْفَادَ الرَّاضِعِ مَا فِي الثَّدْيَيْنِ مُتَّصِلًا رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ الْمَصَّةَ لَا تُحَرِّمُ، إلَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّهَا قَدْ سَدَّتْ مَسَدًّا مِنْ الْجُوعِ وَلَا يُوقَنُ بِوُصُولِهَا إلَى الْأَمْعَاءِ، وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي لَا يَسُدُّ مَسَدًّا مِنْ الْجُوعِ، وَلَا يُوقَنُ بِوُصُولِهِ إلَى الْأَمْعَاءِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 4457
[مَسْأَلَةٌ رَضَاعُ الْكَبِيرِ مُحَرِّمٌ]
مَسْأَلَةٌ: وَرَضَاعُ الْكَبِيرِ مُحَرِّمٌ - وَلَوْ أَنَّهُ شَيْخٌ يُحَرِّمُ - كَمَا يُحَرِّمُ رَضَاعُ الصَّغِيرِ وَلَا فَرْقَ؟
وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ -: فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ فِي الصِّغَرِ وَلَا يُحَرِّمُ فِي الْكِبْرِ، وَلَمْ يَحُدُّوا حَدًّا فِي ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﵌ حَاشَ عَائِشَةَ وَحْدَهَا كُنَّ يَرَيْنَ رَضَاعَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَاصَّةً لَهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَرَيْنَ: لَا يُحَرِّمُ إلَّا رَضَاعُ الصَّغِيرِ، لَا رَضَاعُ الْكَبِيرِ، دُونَ أَنْ يَرِدَ عَنْهُنَّ فِي ذَلِكَ حَدٌّ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ رَضَاعِ الْكَبِيرِ - فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا رَضَاعَةَ إلَّا مَا أُرْضِعَ فِي الصِّغَرِ، وَلَا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَلْزَمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ حَدَّثَنِي يُونُسُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَبَى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﵌ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِالرَّضَاعَةِ أَحَدٌ حَتَّى رَضَعَ فِي الْمَهْدِ.
стр. 4458
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفِطَامِ فَلَا -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ سُئِلَتْ: هَلْ يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ بَعْدَ الْفِطَامِ؟ قَالَتْ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْوَادِعِيِّ أَنَّ رَجُلًا مَصَّ مِنْ ثَدْيِ امْرَأَتِهِ فَدَخَلَ اللَّبَنُ فِي حَلْقِهِ فَسَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكَ امْرَأَتُك، ثُمَّ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو عَطِيَّةَ - وَنَحْنُ عِنْدَهُ -: فَقَامَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقُمْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: أَرَضِيعًا تَرَى هَذَا؟ إنَّمَا الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالْعَظْمَ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ. فَتَبَيَّنَ هَاهُنَا أَنَّهُ إنَّمَا يُحَرِّمُ مُدَّةَ تَغَذِّي الرَّضِيعِ بِاللَّبَنِ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ النَّزَّالِ - هُوَ ابْنُ سَبْرَةَ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِطَامِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، قَالُوا: لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ - قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: الرَّضَاعُ بَعْدَ الْفِطَامِ مِثْلُ الْمَاءِ يَشْرَبُهُ. وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ: إنْ فُطِمَ وَلَهُ عَامٌ وَاحِدٌ وَاسْتَمَرَّ فِطَامُهُ ثُمَّ رَضَعَ فِي
стр. 4459
الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ هَذَا الرَّضَاعُ الثَّانِي شَيْئًا، وَقَالَ: فَإِنْ تَمَادَى رَضَاعُهُ وَلَمْ يُفْطَمْ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ، وَمَا كَانَ بَعْدَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ وَإِنْ تَمَادَى الرَّضَاعُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيق سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَا رَضَاعَ إلَى مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ، وَأَمَّا مَا رُضِعَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْأَعْوَامِ فَلَا يُحَرِّمُ - وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَى مَا كَانَ فِي عَامَيْنِ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ فِي عَامَيْنِ وَشَهْرَيْنِ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ -: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ، وَمَالِكٍ: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ بِشَيْءٍ مِنْهَا قَبْلَ الْمَذْكُورِينَ، وَلَا مَعَهُمْ، إلَّا مَنْ قَلَّدَهُمْ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُمْ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْفِتْنَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَأَمَّا الرَّضَاعُ بَعْدَهُمَا فَلَا يُحَرِّمُ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا رَضَاعَ بَعْدَ حَوْلَيْنِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ: أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا رَضَاعَ إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ.
стр. 4460
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ الرَّضَاعَةِ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً فَهِيَ تُحَرِّمُ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ سَعُوطٍ، أَوْ وَجُورٍ أَوْ رَضَاعٍ فِي الْحَوْلَيْنِ فَهُوَ يُحَرِّمُ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِنَا.
وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْهُ فِي مَوْطِئِهِ الَّذِي قُرِئَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إرْضَاعُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ يُحَرِّمُ كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ عَنْ أَبِي مُوسَى وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ: أَنَّ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ مَوْلَى الْأَشْجَعِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: إنِّي أَرَدْت أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَدْ سَقَتْنِي مِنْ لَبَنِهَا وَأَنَا كَبِيرٌ تَدَاوَيْت بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَا تَنْكِحُهَا وَنَهَاهُ عَنْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ «عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعِ الْكَبِيرِ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِحَدِيثِ أَمْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ بِأَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ - وَهُوَ كَبِيرٌ - فَفَعَلَتْ، فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا لَهَا، قَالَ عُرْوَةُ: فَأَخَذَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ فَكَانَتْ تَأْمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ، وَبَنَاتِ أَخِيهَا يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنْ الرِّجَالِ.» وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ:
стр. 4461
سَقَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَ مَا كُنْت رَجُلًا كَبِيرًا أَفَأَنْكِحُهَا؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْتُ لَهُ: وَذَلِكَ رَأْيُك؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بِذَلِكَ بَنَاتِ أَخِيهَا - وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ، وَمَالِكٍ، فَلَا خَفَاءَ بِفَسَادِهَا، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ فِي النَّهَارِ: إنَّهُ لَيْلٌ، مُكَابَرَةً وَنَصْرًا لِلْبَاطِلِ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَفْتُونِينَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَاهُنَا حَوْلَيْنِ نَاقِصَيْنِ، وَأَشَارَ إلَى عَدَدِهَا بِالشَّمْسِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَجَمَعَ هَذَا الْقَوْلُ مُخَالَفَةَ اللَّهِ ، وَمُكَابَرَةَ الْحِسِّ: أَمَّا مُخَالَفَةُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] .
فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَهُ هِيَ الَّتِي مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، وَأَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ إلَّا فِي الْأَشْهُرِ الْعَرَبِيَّةِ الْقَمَرِيَّةِ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ الدِّينَ الْقَيِّمَ، وَنَسَبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْكَذِبَ مِنْ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُرَاعَى عَدَدَ الْحَوْلَيْنِ بِالْعَجَمِيَّةِ.
وَأَمَّا مُكَابَرَةُ الْعِيَانِ - فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَوْلَيْنِ الْأَعْجَمِيَّيْنِ الْمَعْدُودَيْنِ بِالشَّمْسِ وَقَطْعِهِمَا لِلْفُلْكِ وَبَيْنَ الْحَوْلَيْنِ الْعَرَبِيَّيْنِ الْمَعْدُودَيْنِ بِالْقَمَرِ إلَّا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ شَهْرَيْنِ لَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَتَتْ، وَالْقَطْعُ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ فِي دِينِ اللَّهِ بِمِثْلِ هَذَا لَا يَحِلُّ.
وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِمَا كَانَ فِي الْمَهْدِ - فَكَلَامٌ أَيْضًا لَا تَقُومُ بِصِحَّتِهِ حُجَّةٌ لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ.
وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِمَا كَانَ فِي الصِّغَرِ - فَإِنَّ الصِّغَرَ يَتَمَادَى إلَى بُلُوغِ الْحُلُمِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَلْزَمُهُ الْحُدُودُ، وَلَا الْفَرَائِضُ - وَهَذَا حَدٌّ لَا يُوجِبُهُ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ.
стр. 4462
وَأَمَّا مَنْ حَدَّ ذَلِكَ بِالْفِطَامِ - فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ فِي التَّحْرِيمِ إذْ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرٌ، وَلَا فِي تَرَاضِيهِمَا بِالْفِصَالِ تَحْرِيمٌ؛ لَأَنْ يَرْتَضِعَ الْوَلَدُ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّمَا فِيهَا انْقِطَاعُ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْأَبِ فِي الرَّضَاعِ، وَلَيْسَ بِانْقِطَاعِ حَاجَةِ الصَّبِيِّ إلَى الرَّضَاعِ يَنْقَطِعُ التَّحْرِيمُ بِرَضَاعِهِ - إنْ رَضَعَ - إذْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ.
وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ أَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا خَبَرٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ لَمْ تَسْمَعْ مِنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَسَنُّ مِنْ زَوْجِهَا هِشَامٍ بِاثْنَيْ عَشْرَ عَامًا وَكَانَ مَوْلِدُ هِشَامٍ سَنَةَ [٦٠ هـ] سِتِّينَ، فَمَوْلِدُ فَاطِمَةَ عَلَى هَذَا سَنَة [٤٨ هـ] ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ، وَمَاتَتْ أُمُّ سَلَمَةَ سَنَةَ [٥٩ هـ] تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَفَاطِمَةُ صَغِيرَةٌ لَمْ تَلْقَهَا، فَكَيْفَ أَنْ تَحْفَظَ عَنْهَا، وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْ خَالَةِ أَبِيهَا عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا - وَهِيَ فِي حِجْرِهَا - إنَّمَا أَبْعَدُ سَمَاعِهَا مِنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃.
وَمَوَّهُوا أَيْضًا - بِخَبَرَيْنِ سَاقِطَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ» .
وَالْآخَرُ - مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ أَيْضًا عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٍ ابْنَيْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا وَفِيهِ: وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِطَامِ.
стр. 4463
وَهَذَانِ خَبَرَانِ لَا يَجُوزُ التَّشَاغُلُ بِهِمَا؛ لِأَنَّ جُوَيْبِرًا سَاقِطٌ، وَالضَّحَّاكَ ضَعِيفٌ وَحَرَامَ بْنَ عُثْمَانَ هَالِكٌ بِمُرَّةٍ - فَسَقَطَ كُلُّ مَا تَعَلَّقُوا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَسَقَطَتْ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا إلَّا قَوْلَ مَنْ رَاعَى الْحَوْلَيْنِ، وَقَوْلَ مَنْ لَمْ يُرَاعِ فِي ذَلِكَ حَدًّا أَصْلًا، فَنَظَرْنَا فِيمَنْ رَاعَى الْحَوْلَيْنِ فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] . وَبِقَوْلِهِ : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
وَبِقَوْلِهِ : ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] .
فَقَالُوا: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ أَنَّ فِصَالَ الرَّضِيعِ فِي عَامَيْنِ، وَأَنَّ رَضَاعَهُ حَوْلَانِ كَامِلَانِ؛ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.
قَالُوا: فَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَةَ قَدْ تَمَّتْ، وَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ انْقَطَعَ حُكْمُهُ مِنْ التَّحْرِيمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: صَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَيْنَا الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ غَيْرُ هَذَا لَكَانَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ مُتَعَلَّقٌ، لَكِنْ قَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا جَمِيعًا: أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرَى وَجْهَ أَبِي
стр. 4464
حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ وَهُوَ خَلِيفُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْضِيعِيهِ، فَقَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ» .
وَمِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ. أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ - هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ «عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ فِي بَيْتِهِمْ فَأَتَتْ - يَعْنِي سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ - إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ وَيَذْهَبُ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ» .
وَمِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا غُنْدَرٌ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِعَائِشَةَ ﵄ إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْك الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ إنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سَالَمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ - وَهُوَ رَجُلٌ - وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ» وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: «جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إلَى النَّبِيِّ ﵌ فَقَالَتْ: إنَّ سَالِمًا كَانَ يُدْعَى ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فَضْلٌ وَنَحْنُ فِي مَنْزِلٍ ضَيِّقٍ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﵌ أَرْضِعِي سَالِمًا تَحْرُمِي عَلَيْهِ.» قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ بَعْضُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نَدْرِي لَعَلَّ هَذِهِ كَانَتْ رُخْصَةً لِسَالِمٍ خَاصَّةً - قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي بِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ بَعْدَ الْفِصَالِ حَتَّى مَاتَتْ.
стр. 4465
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَتُبَيِّنُ مُرَادَ اللَّهِ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ أَنَّ الرَّضَاعَةَ الَّتِي تَتِمُّ بِتَمَامِ الْحَوْلَيْنِ، أَوْ بِتَرَاضِي الْأَبَوَيْنِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، إذَا رَأَيَا فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلرَّضِيعِ أَنَّهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ، وَاَلَّتِي يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْأَبَوَانِ أَحَبَّا أَمْ كَرِهَا.
وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ فِي الْآيَةِ كِفَايَةٌ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
فَأَمَرَ تَعَالَى الْوَالِدَاتِ بِإِرْضَاعِ الْمَوْلُودِ عَامَيْنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَحْرِيمُ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا أَنَّ التَّحْرِيمَ يَنْقَطِعُ بِتَمَامِ الْحَوْلَيْنِ.
وَكَانَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى فِي حَوْلَيْنِ وَلَا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ زَائِدًا عَلَى الْآيَاتِ الْأُخَرِ، وَعُمُومًا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِنَصٍّ يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لَهُ لَا بِظَنٍّ، وَلَا بِمُحْتَمَلٍ لَا بَيَانَ فِيهِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ قَدْ جَاءَتْ مَجِيءَ التَّوَاتُرِ رَوَاهَا نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ كَمَا أَوْرَدْنَا، وَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ وَزَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَرَوَاهُ مِنْ التَّابِعِينَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَحُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ.
وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الزُّهْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَرَبِيعَةُ.
وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَشُعْبَةُ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، وَمَعْمَرٌ، وَغَيْرُهُمْ.
وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ: الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ، فَهُوَ نَقْلُ كَافَّةٍ لَا يَخْتَلِفُ مُؤَالِفٌ وَلَا مُخَالِفٌ فِي صِحَّتِهِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: هُوَ خَاصٌّ لِسَالِمٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَعْلَمْ مَنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا أَنَّهُ ظَنٌّ مِمَّنْ ظَنَّ ذَلِكَ مِنْهُنَّ ﵅.
стр. 4466
وَهَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُنَّ قُلْنَ: مَا نَرَى هَذَا إلَّا خَاصًّا لِسَالِمٍ، وَمَا نَدْرِي لَعَلَّهُ رُخْصَةٌ لِسَالِمٍ، فَإِذْ هُوَ ظَنٌّ بِلَا شَكٍّ، فَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُعَارَضُ بِالسُّنَنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] .
وَشَتَّانَ بَيْنَ احْتِجَاجِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ بِاخْتِيَارِهَا وَبَيْنَ احْتِجَاجِ عَائِشَةَ ﵂ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، وَقَوْلُهَا لَهَا: أَمَا لَك فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ وَسُكُوتُ أُمِّ سَلَمَةَ يُنْبِئُ بِرُجُوعِهَا إلَى الْحَقِّ عَنْ احْتِيَاطِهَا.
وَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ أَنَّ الْمُخَالِفِينَ لَنَا هَاهُنَا يَقُولُونَ: إنَّ الْمُرْسَلَ كَالْمُسْنَدِ، وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ إذَا أَرْضَعْنَ الْكَبِيرَ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَكَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ خَاصَّةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِنَسْخِ التَّبَنِّي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي نَصٍّ ثَابِتٍ: هَذَا مَنْسُوخٌ، إلَّا بِنَصٍّ ثَابِتٍ مُبَيَّنٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ، فَكَيْفَ وَقَوْلُ سَهْلَةَ ﵂ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ بَيَانٌ جَلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَاتِ وَبِالْيَقِينِ نَدْرِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ خَاصَّةً لِسَالِمٍ، أَوْ فِي التَّبَنِّي الَّذِي نُسِخَ لَبَيَّنَهُ ﵊ كَمَا بَيَّنَ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي الْجَذَعَةِ إذْ قَالَ لَهُ تُجْزِئُك وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَك.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا يُطْلِقُ بِهِ لِسَانَهُ: كَيْفَ يَحِلُّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَرْضِعَ ثَدْيَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا اعْتِرَاضٌ مُجَرَّدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أَمَرَ بِذَلِكَ، وَالْقَائِلُ بِهَذَا لَا يَسْتَحْيِ مِنْ أَنْ يُطْلِقَ: أَنَّ لِلْمَمْلُوكَةِ أَنْ تُصَلِّيَ عُرْيَانَةً يَرَى النَّاسُ ثَدْيَيْهَا وَخَاصِرَتَهَا، وَأَنَّ لِلْحُرَّةِ أَنْ تَتَعَمَّدَ أَنْ تَكْشِفَ مِنْ شَفَتَيْ فَرْجِهَا مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ تُصَلِّي كَذَلِكَ وَيَرَاهَا الصَّادِرُ وَالْوَارِدُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ تَكْشِفَ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ بَطْنِهَا كَذَلِكَ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَدَمِ الْحَيَاءِ وَقِلَّةِ الدِّينِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» حُجَّةٌ لَنَا بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ لِلْكَبِيرِ مِنْ الرَّضَاعَةِ فِي طَرْدِ الْمَجَاعَةِ نَحْوَ مَا لِلصَّغِيرِ، فَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ رَضَاعٍ إذَا بَلَغَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
стр. 4467
قَالَ عَلِيٌّ: فَصَحَّ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا الْكَبِيرُ إذَا أَرْضَعَتْهُ فِي حَالِ كِبَرِهِ أُخْتٌ مِنْ أَخَوَاتِهَا الرَّضَاعَ الْمُحَرِّمَ، وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ وَنَقْطَعُ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِيُبِيحَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَهِكُهُ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
فَنَحْنُ نُوقِنُ وَنَبُتُّ بِأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَقَعُ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَلَيْسَ فِي امْتِنَاعِ سَائِرِهِنَّ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ شَيْءٌ يُنْكَرُ؛ لِأَنَّ مُبَاحًا لَهُنَّ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ مَنْ يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ عَلَيْهِنَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ حَمَلَتْ امْرَأَةٌ مِمَّنْ يَلْحَقُ وَلَدُهَا بِهِ فَدُرَّ لَهَا اللَّبَنُ]
٢٠٢١ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ حَمَلَتْ امْرَأَةٌ مِمَّنْ يَلْحَقُ وَلَدُهَا بِهِ فَدُرَّ لَهَا اللَّبَنُ، ثُمَّ وَضَعَتْ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا آخَرُ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَمَلَكَهَا آخَرُ، فَمَا أَرْضَعَتْ فَهُوَ وَلَدٌ لِلْأَوَّلِ لَا لِلثَّانِي، فَإِنْ حَمَلَتْ مِنْ الثَّانِي فَتَمَادَى اللَّبَنُ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ، فَإِنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ الْأَوَّلِ وَصَارَ لِلثَّانِي [وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] .
стр. 4468
[كِتَابُ الدِّمَاءِ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ] [ مَسْأَلَةٌ قَتْلُ مُؤْمِنٍ أَوْ مُؤْمِنَةٍ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ
كِتَابُ الدِّمَاءِ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ ٢٠٢٢ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: لَا ذَنْبَ عِنْدَ اللَّهِ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْ شَيْئَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - تَعَمُّدُ تَرْكِ صَلَاةِ فَرْضٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا.
الثَّانِي - قَتْلُ مُؤْمِنٍ أَوْ مُؤْمِنَةٍ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ.
أَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي " كِتَابِ الصَّلَاةِ ".
وَأَمَّا الْقَتْلُ - فَقَالَ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَنَا عَلِيٌّ - هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ - أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» .
стр. 4469
قَالَ الْبُخَارِيُّ: ونا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبِ أَنَا إِسْحَاقُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ - عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " إنَّ مَنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا: سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ ".
[مَسْأَلَةٌ الْقَتْلُ قِسْمَانِ عَمْدٌ وَخَطَأٌ]
٢٠٢٣ - مَسْأَلَةٌ: وَالْقَتْلُ قِسْمَانِ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: الْآيَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرْنَا آنِفًا، فَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْقَتْلِ قِسْمًا ثَالِثًا - وَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ هَاهُنَا قِسْمًا ثَالِثًا، وَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ - وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ نَصٌّ أَصْلًا، وَقَدْ بَيَّنَّا سُقُوطَ تِلْكَ الْآثَارِ فِي " كِتَابِ الْإِيصَالِ " وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
مَعَ أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِشِبْهِ الْعَمْدِ هُمْ مُخَالِفُونَ لِتِلْكَ الْآثَارِ السَّاقِطَةِ الَّتِي مَوَّهُوا بِهَا فِيمَا فِيهَا مِنْ صِفَةِ الدِّيَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - وَهُوَ عِنْدَهُمْ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ -: أَحَدُهُمَا - مَا تَعَمَّدَ بِهِ الْمَرْءُ مِمَّا قَدْ يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ - وَقَدْ لَا يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ﵁: هَذَا عَمْدٌ وَفِيهِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ، كَمَا فِي سَائِرِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ، وَقَالَ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وَالثَّانِي - مَا تَعَمَّدَ بِهِ مِمَّا لَا يَمُوتُ أَحَدٌ أَصْلًا مِنْ مِثْلِهِ، فَهَذَا لَيْسَ قَتْلَ عَمْدٍ وَلَا خَطَأٍ - وَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ فَقَطْ.
وَمِنْ عَجَائِبِ الْأَقْوَالِ هَاهُنَا أَنَّ الْحَنَفِيِّينَ يَقُولُونَ: مَنْ أَخَذَ حَجَرًا مِنْ قِنْطَارٍ فَضَرَبَ مُتَعَمِّدًا رَأْسَ مُسْلِمٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَضْرِبُهُ بِهِ حَتَّى شَدَخَ رَأْسَهُ كُلَّهُ: فَإِنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ قَتْلَ عَمْدٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ رَأْسِهِ بِعُودٍ غَلِيظٍ حَتَّى يَكْسِرَهُ كُلَّهُ وَيُسِيلَ دِمَاغَهُ وَيَمُوتَ وَلَا فَرْقَ.
وَقَالَ الْمَالِكِيُّونَ مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ فِي فَخْذِ مُسْلِمٍ فَمَاتَ الْمَضْرُوبُ إثْرَ الضَّرْبَةِ -: فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَيُقْتَلُ الضَّارِبُ.
وَسَمَاعُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَكْفِي مِنْ تَكَلُّفِ الرَّدِّ عَلَيْهِمَا.
стр. 4470
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: فَالْخَطَأُ مَنْ رَمَى شَيْئًا فَأَصَابَ مُسْلِمًا لَمْ يُرِدْهُ بِمَا قَدْ يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ فَمَاتَ الْمُصَابُ، أَوْ وَقَعَ عَلَى مُسْلِمٍ فَمَاتَ مِنْ وَقْعَتِهِ - فَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ قَتْلُ خَطَأٍ لَا قَوَدَ فِيهِ.
أَوْ قَتَلَ فِي دَارٍ الْحَرْبِ إنْسَانًا يَرَى أَنَّهُ كَافِرٌ فَإِذَا بِهِ مُسْلِمٌ، أَوْ قَتَلَ إنْسَانًا مُتَأَوِّلًا غَيْرَ مُقَلِّدٍ - وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ فَإِذَا بِهِ عَلَى الْخَطَأِ.
بُرْهَانُ قَوْلِنَا فِي الْقَاتِلِ فِي دَارِ الْحَرْبِ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] .
" مِنْ " هَاهُنَا بِمَعْنَى " فِي " لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنَّ قَوْمًا كُفَّارًا حَرْبِيِّينَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إنْسَانٌ وَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ خَطَأً: فَإِنَّ فِيهِ الدِّيَةَ لِوَلَدِهِ، وَالْكَفَّارَةَ - فَصَحَّ بِذَلِكَ مَا قُلْنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأَمَّا الْمُتَأَوِّلُ - فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ أَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ - سَمِعْت أَبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيَّ يَقُولُ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وَإِنِّي عَاقِلُهُ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: فَلَا شَكَّ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوهُ مُتَأَوِّلِينَ أَنَّ لَهُمْ قَتْلَهُ - وَهَكَذَا نَقُولُ فِيمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مِنْ النَّصِّ ثُمَّ قَتَلَ مُتَمَادِيًا عَلَى تَأْوِيلِهِ الْفَاسِدِ، الْمُخَالِفِ لِلنَّصِّ، أَوْ عَلَى تَقْلِيدِ مَنْ تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ: فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَهَذَا الْخَبَرُ زَائِدٌ عَلَى خَبَرِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَخَالِدٍ ﵄ فِي قَتْلِ خَالِدٍ مَنْ قَتَلَ مِنْ بَنِي خُذَيْمَةَ مُتَأَوِّلًا - وَفِي قَتْلِ أُسَامَةَ: الرَّجُلَ الَّذِي قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ - وَالزِّيَادَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا.
стр. 4471
[مَسْأَلَةٌ لَا قَوَدَ عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا عَلَى سَكْرَانَ]
مَسْأَلَةٌ: وَلَا قَوَدَ عَلَى مَجْنُونٍ فِيمَا أَصَابَ فِي جُنُونِهِ، وَلَا عَلَى سَكْرَانَ فِيمَا أَصَابَ فِي سُكْرِهِ - الْمُخْرِجِ لَهُ مِنْ عَقْلِهِ - وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ: دِيَةٌ، وَلَا ضَمَانٌ، وَهَؤُلَاءِ وَالْبَهَائِمُ سَوَاءٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي " الطَّلَاقِ " وَغَيْرِهِ مِنْ الْخَبَرِ الثَّابِتِ فِي رَفْعِ الْقَلَمِ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَالسَّكْرَانِ لَا يَعْقِلُ وَقَدْ ذَكَرْنَا «خَبَرَ حَمْزَةَ ﵁ فِي قَوْلِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ مَا لَوْ قَالَهُ فِي صِحَّتِهِ لَخَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَعَقْرُهُ نَاقَتَيْ عَلِيٍّ ﵁ فَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فِي ذَلِكَ مَلَامَةً وَلَا غَرَامَةً» .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ كَانَ هَذَا مَا شَاءَ وَاحِدٌ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا أَوْ يُفْسِدَ مَالَهُ إلَّا تَسَاكَرَ حَتَّى يَبْلُغَ مَا يُرِيدُ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: فَقُولُوا هَذَا الْكَلَامَ فِي الْمَجْنُونِ، فَقُولُوا: لَوْ كَانَ هَذَا لَمَا شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا، أَوْ يُتْلِفَ مَالَهُ إلَّا تَحَامَقَ وَتَجَنَّنَ، حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُرِيدُ وَلَا فَرْقَ.
فَقَالُوا: وَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَكْرَانُ؟ فَقُلْنَا: وَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَجْنُونٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَالْحَقُّ الْمُتَيَقَّنُ فِي هَذَا: أَنَّ الْأَحْكَامَ لَازِمَةٌ لِكُلِّ بَالِغٍ حَتَّى يُوقَنَ أَنَّهُ ذَاهِبُ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ.
وَأَمَّا مَا لَمْ يُوقَنْ ذَلِكَ - فَالْأَحْكَامُ لَهُ لَازِمَةٌ وَحَالُ ذَهَابِ الْعَقْلِ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يُشَاهِدُهُ، وَقَدْ وَافَقَنَا الْمُخَالِفُونَ لَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ السَّكْرَانُ بِارْتِدَادِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ - وَهَذَا أَشْنَعُ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَإِنْ قَالُوا: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ فِي ذَلِكَ دِيَةً؟ قُلْنَا: لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَأَمْوَالُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ حَرَامٌ بِغَيْرِ نَصٍّ، كَتَحْرِيمِ دِمَائِهِمْ وَلَا فَرْقَ وَلَا نَصَّ فِي وُجُوبِ غَرَامَةٍ عَلَيْهِمْ أَصْلًا.
وَجَاءَتْ عَمَّنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ فِي ذَلِكَ آثَارٌ -:
стр. 4472
أَمَّا الصَّبِيُّ - فَجَاءَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَثَرٌ بِأَنَّ سِتَّةَ صِبْيَانٍ تَغَاطُّوا فِي النَّهْرِ فَغَرَقَ أَحَدُهُمْ فَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَشَهِدَ الثَّلَاثَةُ عَلَى الِاثْنَيْنِ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ عَلَى الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ، وَجَعَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ خُمُسَيْ الدِّيَةِ -.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، أَوْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - وَكِلَاهُمَا لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ هَالِكٌ -. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ مُخَالِفُونَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ حُجَّةً عَلَى مَنْ صَحَّحَهُ، لَا عَلَى مَنْ لَمْ يُصَحِّحْهُ.
وَرُوِيَ إيجَابُ الْغَرَامَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ الصَّبِيُّ صَغِيرًا جِدًّا فَلَا شَيْءَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا فِي مَالِهِ - وَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٍ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ فِي مَالِهِ بِكُلِّ حَالٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: فَهَذِهِ مُنَاقَضَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَقْوَالٌ بِلَا دَلِيلٍ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا رِوَايَةٍ عَنْ صَاحِبٍ أَصْلًا، وَلَا قِيَاسٍ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ مُتَيَقَّنٌ.
وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عَلَى الْعَامِدِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْخَطَأِ بَاطِلٌ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَاسَ عِنْدَهُمْ الشَّيْءُ إلَّا عَلَى نَظِيرِهِ وَمُشْبِهِهِ، وَلَا شَبَهَ بَيْنَ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ الْمَجْنُونِ أَصْلًا - فَبَطَلَ كُلُّ مَا قَالُوهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ عَنْهُ، فَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ إسْقَاطُ الدِّيَةِ قِيَاسًا عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ أَصَحَّ قِيَاسٍ يُوجَدُ، وَلَكِنَّهُمْ لَا النُّصُوصَ يَتَّبِعُونَ، وَلَا الْقِيَاسَ يُحْسِنُونَ، وَلَا الصَّحَابَةَ يُقَلِّدُونَ.
وَأَمَّا الْمَجْنُونُ - فَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَنَسٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عِقَالٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْجَهْمِ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ أَنَا
стр. 4473
عَفَّانُ - هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ - أَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إنَّ مَجْنُونًا عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ دَخَلَ الْبَيْتَ بِخِنْجَرٍ فَطَعَنَ ابْنَ عَمِّهِ فَقَتَلَهُ؟ فَقَضَى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِأَنْ يُخْلَعَ مِنْ مَالِهِ وَيُدْفَعَ إلَى أَهْلِ الْمَقْتُولِ. وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: جِنَايَةُ الْمَجْنُونِ فِي مَالِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَهَذَانِ الْأَثَرَانِ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: جِنَايَةُ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا -.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَاهُ، وَجَدَّهُ: لَا خَيْرَ فِيهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ مَرْوَانَ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ فِي مَجْنُونٍ قَتَلَ رَجُلًا؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: اعْقِلْهُ، وَلَا تُقِدْ مِنْهُ -.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ.
وَرُوِّينَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَلَى الْمَجْنُونِ الْعَقْلُ - وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا.
وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ جِنَايَةُ الْمَجْنُونِ عَلَى عَاقِلَتِهِ -.
وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّ عَنْهُمَا إلَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌.
وَقَدْ خَالَفَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ فِي هَذَا مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَصِحَّ قَطُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ.
وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنَّ الْغَرَامَةَ فِي مَالِ الْمَجْنُونِ، وَلَا أَنَّهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ: إنَّمَا فِيهَا: أَنَّهُ أَمَرَ مَرْوَانَ بِأَنْ يَعْقِلَهُ - وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ عَقَلَهُ مِنْ بَيْتِ
стр. 4474
الْمَالِ، وَلَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ هَذَا لَكَانَ حَسَنًا، وَلَيْسَ وَاجِبًا - وَهَذَا مَا خَالَفُوا فِيهِ النُّصُوصَ، وَمِمَّا صَحَّ عَنْ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يَصِحُّ لِقَوْلِهِ خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَالْقِيَاسُ: إذْ قَاسُوا مَا جَنَى الْمَجْنُونُ الْقَاصِدُ عَلَى ضِدِّهِ - وَهُوَ مَا جَنَاهُ الْعَاقِلُ الْمُخْطِئُ - وَلَمْ يَقِيسُوا إسْقَاطَ الدِّيَةِ عَلَى إسْقَاطِهِمْ الْكَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَأَمَّا السَّكْرَانُ فَرُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ سُكَارَى تَضَارَبُوا بِالسَّكَاكِينِ. وَهُمْ أَرْبَعَةٌ فَجُرِحَ اثْنَانِ، وَمَاتَ اثْنَانِ: فَجَعَلَ عَلِيٌّ دِيَةَ الِاثْنَيْنِ الْمَقْتُولَيْنِ عَلَى قَبَائِلِهِمَا، وَعَلَى قَبَائِلِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَمُوتَا، وَقَاصَّ الْحَيَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ بِدِيَةِ جِرَاحِهِمَا - وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَأَى أَنْ يُقِيدَ لِلْحَيَّيْنِ لِلْمَيِّتَيْنِ وَلَمْ يَرَ عَلِيٌّ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَعَلَّ الْمَيِّتَيْنِ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ - وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سِمَاكٍ، فَقَالَ: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْقَعْقَاعِ.
وَرَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ فَقَالَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَعْقَاعِ، وَكِلَاهُمَا لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - وَسِمَاكٌ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ.
وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْحَنَفِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ، وَالْمَالِكِيِّينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَقَادَ مِنْ السَّكْرَانِ، قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: وَكَانَ الْقَاتِلُ مُحَمَّدَ بْنَ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيَّ - وَالْمَقْتُولُ عُمَارَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ يَحْيَى لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، أَوَّلُ مَنْ ضَعَّفَهُ: مَالِكٌ، وَلَا نَعْلَمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ شَيْئًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا - وَصَحَّ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُقَادُ مِنْ السَّكْرَانِ - وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولٍ اللَّهِ ﵌ وَهَذَا مِمَّا خَالَفُوا فِيهِ النُّصُوصَ وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَالْقِيَاسُ، كَمَا ذَكَرْنَا.
стр. 4475
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: رُوِّينَا مِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ فِي كِتَابٍ لِأَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا قَوَدَ، وَلَا قِصَاصَ، وَلَا حَدَّ، وَلَا جِرَاحَ، وَلَا قَتْلَ، وَلَا نَكَالَ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ حَتَّى يَعْلَمَ مَا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا عَلَيْهِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ - فَصَحَّ أَنَّهُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ - وَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَالْمُزَنِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَإِيجَابُ الْغَرَامَةِ شَرْعٌ، فَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ نَصِّ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ - فَهُوَ شَرْعٌ مِنْ الدِّينِ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: إلَّا أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا مِنْ الصِّبْيَانِ، أَوْ الْمَجَانِينِ، أَوْ السُّكَارَى فِي: دَمٍ، أَوْ جُرْحٍ، أَوْ مَالٍ: فَفُرِضَ ثِقَافُهُ فِي بَيْتٍ لِيَكُفَّ أَذَاهُ، حَتَّى يَتُوبَ السَّكْرَانُ، وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ، وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ.
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَتَثْقِيفُهُمْ تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَإِهْمَالُهُمْ تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَتَلَ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا]
٢٠٢٥ - مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ: ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْتَأْمَنًا - عَمْدًا، أَوْ خَطَأً - فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ، وَلَا كَفَّارَةَ - وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ فِي الْعَمْدِ خَاصَّةً، وَيُسْجَنُ حَتَّى يَتُوبَ كَفًّا لِضَرَرِهِ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ -: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] .
فَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُؤْمِنِ بِيَقِينٍ - وَالضَّمِيرُ الَّذِي فِي ﴿كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢] رَاجِعٌ ضَرُورَةً - لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا - إلَى الْمُؤْمِنِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَلَا
стр. 4476
ذِكْرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِذِمِّيٍّ أَصْلًا، وَلَا لِمُسْتَأْمَنٍ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ إيجَابَ الدِّيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَلِكَ إيجَابُ الْقَوَدِ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا -: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ - مِنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ: يُقَادُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ فِي الْعَمْدِ، وَعَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ خَطَأُ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَلَا يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ - وَإِنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهُ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ فِي قَوْلِهِ هَذَا سَلَفًا أَصْلًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - مِنْهَا مَالِكٌ: لَا يُقَادُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ غِيلَةً، أَوْ حِرَابَةً، فَيُقَادُ بِهِ وَلَا بُدَّ - وَعَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا - غَيْرَ غِيلَةٍ - الدِّيَةُ فَقَطْ، وَالْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ - مِنْهَا الشَّافِعِيُّ: لَا يُقَادُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ أَصْلًا، لَكِنْ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ إيَّاهُ - عَمْدًا أَوْ خَطَأً - الدِّيَةُ، وَالْكَفَّارَةُ.
وَجَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ - مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ؟ فَأَقَادَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - قَالَ وَكِيعٌ: ونا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ بِمِثْلِهِ سَوَاءً سَوَاءً - وَهَذَا مُرْسَلٌ.
أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ أَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، قَالَا جَمِيعًا: مَنْ قَتَلَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا قُتِلَ بِهِ - وَهَذَا مُرْسَلٌ أَيْضًا -.
وَصَحَّ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: شَهِدْت كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى بَعْضِ أُمَرَائِهِ فِي مُسْلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا: فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى وَلِيِّهِ، فَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ - قَالَ مَيْمُونٌ: فَدُفِعَ إلَيْهِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَنَا أَنْظُرُهُ - وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيق حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ،
стр. 4477
قَالَ: الْمُسْلِمُ الْحُرُّ يُقْتَلُ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ - وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ -: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ قَاضِي الْيَمَنِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي زِيَادِ بْنِ مُسْلِمٍ - وَكَانَ قَدْ قَتَلَ هِنْدِيًّا بِالْيَمَنِ -: أَنْ أَغْرِمْهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَلَا تُقِدْهُ بِهِ. وَقَوْلٌ آخَرُ - رُوِّينَاهُ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الذِّمِّيَّ: إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ خُلُقًا وَعَادَةً، وَكَانَ لِصًّا عَادِيًا فَأَقِدْهُ بِهِ - وَرُوِيَ: فَاضْرِبْ عُنُقَهُ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَضَبِهِ، أَوْ طِيَرَةً، فَأَغْرِمْهُ الدِّيَةَ - وَرُوِيَ فَأَغْرِمْهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ - وَلَا يَصِحُّ - عَنْ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ - وَهُوَ هَالِكٌ - عَنْ أَبِي مُلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ: أَنَّ عُمَرَ - وَهَذَا مُرْسَلٌ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابٍ لِأَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ.
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ أَنَّ عُمَرَ، وَهَذَا مُرْسَلٌ.
أَوْ مِنْ طَرِيقِ سُوءٍ فِيهَا: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ أَسَدِ بْنِ مُوسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ عُمَرَ - وَهَذَا مُرْسَلٌ.
وَقَوْلٌ آخَرُ - وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ غِيلَةً -: رُوِّينَاهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنْ طَرِيقٍ هَالِكَةٍ مُرْسَلَةً فِيهَا: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إلَى عُثْمَانَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَدَا عَلَى دِهْقَانٍ فَقَتَلَهُ عَلَى مَالِهِ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ: أَنْ أَقْتُلْهُ بِهِ - فَإِنَّ هَذَا قَتْلُ غِيلَةٍ عَلَى الْحِرَابَةِ -: وَرُوِّينَاهُ أَيْضًا - عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَرِجَالٍ كَثِيرٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ إلَّا أَنَّ كُلَّ
стр. 4478
ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ الْأَنْدَلُسِيِّ - وَفِي بَعْضِهَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَبَعْضُهَا مُرْسَلٌ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَقَوْلٌ آخَرُ - لَا يُقْتَلُ بِهِ، كَمَا رُوِّينَا بِالرِّوَايَةِ الثَّابِتَةِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ؟ فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنْ يُقَادَ بِهِ - ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ كِتَابًا بَعْدَهُ: أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ، وَلَكِنْ اعْقِلُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ أَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ أَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ النَّصْرَانِيَّ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَضَى: أَنْ لَا يُقْتَلَ بِهِ، وَأَنْ يُعَاقَبَ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَمْدًا؟ فَدُفِعَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ بِهِ، وَغَلَّظَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَتَلَ خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ - هُوَ ابْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ - رَجُلًا ذِمِّيًّا فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ؟ فَلَمْ يَقْتُلْهُ بِهِ، وَغَلَّظَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: هَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْ عُثْمَانَ - وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا شَيْءٌ غَيْرَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا رَبَاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ أَنَّ يَهُودِيًّا قُتِلَ غِيلَةً فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا أَبُو هِلَالٍ أَنَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ. وَرُوِيَتْ بِذَلِكَ مُرْسَلَاتٌ مِنْ طَرِيقِ الصَّحَابَةِ جُمْلَةً، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْمُسْلِمُ يَقْتُلُ الذِّمِّيَّ: لَا يُقْتَلُ بِهِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ.
стр. 4479
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ - وَإِلَيْهِ رَجَعَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ -.
رُوِّينَا ذَلِكَ: مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: أَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الذِّمِّيِّ، وَالْمُعَاهِدِ، فَمَا نَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ - فَسَقَطَ بِيَقِينٍ.
وَكَذَلِكَ وَجَدْنَا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَرَّةِ، وَبَيْنَ الْإِكْثَارِ مِنْ ذَلِكَ، لَا حُجَّةَ لَهُمْ مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ ثَابِتَةٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ - فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْغِيلَةِ وَغَيْرِهَا - وَكَذَلِكَ أَيْضًا سَوَاءً سَوَاءً، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا قَتَلْنَاهُ لِلْحِرَابَةِ؟ فَقُلْنَا: أَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِالتَّرْتِيبِ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ، وَلَوْ قُلْتُمُوهُ لَكُنْتُمْ مُتَنَاقِضِينَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ قَالَ بِالتَّرْتِيبِ فِي أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْمُحَارِبُ إنْ قُتِلَ فِي حِرَابَةٌ، مَنْ لَا يُقْتَلُ بِهِ إنْ قَتَلَهُ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ، وَأَنْتُمْ لَا تَقْتُلُونَ الْمُسْلِمَ بِالذِّمِّيِّ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا التَّقْسِيمِ بِيَقِينٍ.
وَأَمَّا الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِتَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي قَتْلِ الْمُحَارِبِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ، أَوْ نَفْيِهِ - فَمِنْ أَيْنَ أَوْجَبُوا قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ - وَلَا بُدَّ - فِي الْحِرَابَةِ وَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ فِي تَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِيهِ - فَوَضَحَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ بِيَقِينٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا - فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، وَبِالْمُعَاهَدِ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] قَالُوا: هَذَا عُمُومٌ.
стр. 4480
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وَبِقَوْلِهِ : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] .
قَالُوا: وَذُو الْعَهْدِ - وَإِنْ كَانَ كَافِرًا - فَإِنَّهُ إنْ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ مَظْلُومٌ بِلَا شَكٍّ.
وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ «مِنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ» .
وَبِالْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْهُ ﵌ أَيْضًا «لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَذَكَر فِيهِمْ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» .
قَالَ عَلِيٌّ: وَسَنَذْكُرُهُمَا بِأَسَانِيدِهِمَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَاحْتَجُّوا - بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ يَرْفَعُهُ إلَى النَّبِيِّ ﵌ «أَنَّهُ أَقَادَ مُسْلِمًا قَتَلَ يَهُودِيًّا، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ» .
وَرَوَاهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَلَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ ادَّعَوْا فِيهَا الْإِجْمَاعَ - وَهُوَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ ﵁ قَتَلَ الْهُرْمُزَانِ وَكَانَ مُسْلِمًا، وَقَتَلَ جُفَيْنَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَقَتَلَ بُنَيَّةً
стр. 4481
صَغِيرَةً لِأَبِي لُؤْلُؤَةَ وَكَانَتْ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ - فَأَشَارَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى عُثْمَانَ بِقَتْلِهِ؟ قَالُوا: فَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أَشَارُوا بِقَتْلِهِ بِهِمْ ثَلَاثَتِهِمْ. وَقَالُوا: كَمَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْطَعُ إنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، وَالْمُسْتَأْمَنِ، فَقَتْلُهُ بِهِمَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الدَّمَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الْمَالِ، وَقَالُوا لَنَا خَاصَّةً: أَنْتُمْ تَحُدُّونَ الْمُسْلِمَ إنْ قَذَفَ الذِّمِّيَّ، وَالْمُسْتَأْمَنَ، وَتَمْنَعُونَ مِنْ قَتْلِهِ بِقَتْلِهِ لَهُمَا - وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا؟ وَاحْتَجُّوا عَلَى الشَّافِعِيِّينَ بِقَوْلِهِمْ: إنْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ عِنْدَكُمْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِكُمْ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ، وَبَيْنَ قَتْلِكُمْ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ: أَمَّا قَوْلُ اللَّهِ : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فَإِنَّ هَذَا مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا تَلْزَمُنَا شَرَائِعُ مَنْ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﵊ ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّنَا مُلْزَمُونَ ذَلِكَ لَكَانَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَالْقَوْلِ فِي الْآيَاتِ الْأُخَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بَعْدَهَا، وَفِي الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا، وَفِيهَا «أَوْ نَفْسٌ بِنَفْسٍ» .
وَأَيْضًا - فَفِي آخِرِ هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهَا: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي أَنَّ صَدَقَةَ الْكَافِرِ عَلَى وَلِيِّ الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ الْمَقْتُولِ عَمْدًا لَا تَكُونُ كَفَّارَةً لَهُ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَإِنَّ الْخِطَابَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ لَا لِلْكَافِرِينَ، فَالْمُؤْمِنُونَ هُمْ الْمُخَاطَبُونَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَآخِرِهَا بِأَنْ يَعْتَدُوا عَلَى مَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ، بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى بِهِ عَلَيْهِمْ - وَلَيْسَ فِيهَا: أَنْ يَعْتَدِيَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِاعْتِدَاءٍ يَكُونُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ أَصْلًا.
وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ مِنْ الذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] لَا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فَهُوَ أَيْضًا فِي الْمُؤْمِنِ
стр. 4482
يُسَاءُ إلَيْهِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ نَصَّهَا ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ لِلْكُفَّارِ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ أَلْبَتَّةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] فَكَذَلِكَ أَيْضًا إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، يُبَيِّنُ ذَلِكَ ضَرُورَةً قَوْله تَعَالَى فِيهَا: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] وَلَا خَيْرَ لِكَافِرٍ أَصْلًا صَبَرَ أَوْ لَمْ يَصْبِرْ -: قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] .
وَقَوْلُهُ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ.
وَالْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ الَّتِي فِيهَا «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ» وَ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَإِمَّا يُودَى وَإِمَّا يُقَادُ» .
فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُخَصُّ بِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] .
فَوَجَبَ يَقِينًا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ كَالْكَافِرِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَلَا يُسَاوِيهِ فِي شَيْءٍ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَبَاطِلٌ أَنْ يُكَافِئَ دَمُهُ بِدَمِهِ، أَوْ عُضْوُهُ بِعُضْوِهِ أَوْ بَشَرَتُهُ بِبَشَرَتِهِ - فَبَطَلَ أَنْ يُسْتَقَادَ لِلْكَافِرِ مِنْ الْمُؤْمِنِ، أَوْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْهُ - فِيمَا دُونَ النَّفْسِ - إذْ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا.
стр. 4483
وَلَمَّا مَنَعَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وَجَبَ ضَرُورَةً أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ فِي قَوَدِهِ، وَلَا فِي قِصَاصٍ، أَصْلًا - وَوَجَبَ ضَرُورَةً اسْتِعْمَالُ النُّصُوصِ كُلِّهَا، إذْ لَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا.
وَمِنْ فَضَائِحِ الْحَنَفِيِّينَ - الْمُخْزِيَةِ لِقَائِلِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ - قَطْعُهُمْ يَدَ الْمُسْلِمِ بِيَدِ الذِّمِّيِّ الْكَافِرِ، وَمَنْعُهُمْ مِنْ قَطْعِ يَدِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ بِيَدِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، نَعَمْ، وَلَا يَقْطَعُونَ يَدَ الذِّمِّيِّ الْكَافِرِ إنْ تَعَمَّدَ قَطْعَ يَدِ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، فَاعْجَبُوا لِهَذِهِ الْمَصَائِبِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] .
فَإِنْ اعْتَرَضُوا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ - بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَرٍّ عَنْ يَسِيعَ الْكِنْدِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَهُمْ يَقْتُلُونَ - يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ - فَقَالَ عَلِيٌّ: فَاَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ - يَوْمَ الْقِيَامَةِ - عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: يَسِيعُ الْكِنْدِيُّ مَجْهُولٌ لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَنْ هُوَ؟ وَجَوَابُ هَذَا السَّائِلِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إنَّمَا مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلٌ بِحَقٍّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَيَأْمُرُ بِإِنْفَاذِهِ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَأَمَّا بِالظُّلْمِ وَالتَّعَدِّي - فَلَمْ يُؤَمِّنَّا اللَّهُ تَعَالَى - قَطُّ - مِنْ ذَلِكَ، كَمَا أَطْلَقَ أَيْدِي الْكُفَّارِ فِيمَا خَلَا عَلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَتَلُوهُمْ، وَعَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَجَرَحُوا وَجْهَهُ الْمُقَدَّسَ، وَكَسَرُوا ثَنِيَّتَهُ - بِنَفْسِي هُوَ، وَبِأَبِي وَأُمِّي.
وَكَمَا أَطْلَقَ أَلْسِنَةَ الْحَنَفِيِّينَ، وَأَيْدِي مَنْ وَافَقَهُمْ بِإِيجَابِ الْبَاطِلِ فِي الْقِصَاصِ لِلْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِ - وَكُلُّ ذَلِكَ ظُلْمٌ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَلَا رَضِيَهُ وَلَا جَعَلَهُ حَقًّا، بَلْ أَنْكَرَهُ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ؟ نَعَمْ، وَفِي الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ بِأَنَّهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ
стр. 4484
فَقَطْ؛ لِأَنَّهُمْ إخْوَةٌ كُلُّهُمْ، فَاسِقُهُمْ وَصَالِحُهُمْ، عَبْدُهُمْ وَحُرُّهُمْ، وَلَيْسَ أَهْلُ الذِّمَّةِ إخْوَةً لَنَا - وَلَا كَرَامَةَ لَهُمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا لِكَافِرٍ، وَاَللَّهِ مَا جَعَلَ تَعَالَى لَهُمْ قَطُّ - بِحُكْمِ دِينِهِ - سُلْطَانًا، بَلْ جَعَلَ لَهُمْ الصَّغَارَ، قَالَ : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
فَإِنْ قَالُوا: فَإِذْ لَا يُسَاوُونَنَا فَلِمَ قَتَلْتُمْ الْكَافِرَ بِالْمُؤْمِنِ؟ قُلْنَا: وَلَا كَرَامَةَ أَنْ نَقْتُلَهُ بِهِ قَوَدًا، بَلْ قَتَلْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ نَقَضَ الذِّمَّةَ، وَخَالَفَ الْعَهْدَ بِخُرُوجِهِ عَنْ الصَّغَارِ، وَكَذَلِكَ نَقْتُلُهُ إنْ لَطَمَ مُسْلِمًا أَوْ سَبَّهُ، وَنَسْتَفِيءُ جَمِيعَ مَالِهِ بِذَلِكَ، وَنَسْبِي أَهْلَهُ وَصِغَارَ وَلَدِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: فَلِمَ تَحْكُمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِرَدِّ مَا غَصَبَهُ مِنْ الذِّمِّيِّ أَوْ مَنَعَهُ إيَّاهُ مِنْ الْمَالِ؟ قُلْنَا: لَيْسَ فِي هَذَا سَبِيلٌ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ، إنَّمَا هِيَ مَظْلَمَةٌ يَبْرَأُ مِنْهَا الْمُسْلِمُ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ حَبْسِهَا فَقَطْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَيُوَضِّحُ هَذَا غَايَةَ الْوُضُوحِ -: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ «عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَآخَرُ - ذَكَرَهُ - إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: لَا، إلَّا مَا فِي كِتَابِي هَذَا، فَإِذَا فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
أَنَا حِمَامُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حِمَامٍ الْقَاضِي أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ
стр. 4485
أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَنَا أَبِي، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَنَا الْحُمَيْدِيُّ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْحُمَيْدِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا جَمِيعًا: أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَا مُطَرِّفُ بْنُ طَرِيفٍ قَالَ: سَمِعْت الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: أَنَا أَبُو جُحَيْفَةَ - هُوَ السُّوَائِيُّ - قَالَ: قُلْت لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِوَى الْقُرْآنِ؟ قَالَ عَلِيٌّ " لَا، وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إلَّا أَنْ يُعْطِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ، أَوْ مَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قُلْت: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ".
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: وَهَذَا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ خِلَافُهُ.
فَاعْتَرَضَ فِيهِ أَهْلُ الْجَهَالَةِ الْمُضِلَّةِ بِأَنْ قَالُوا: قَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي حَسَّانَ، قَالَ: «قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَا عَهِدَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا دُونَ النَّاسِ إلَّا صَحِيفَةً فِي قِرَابِ سَيْفِي؟ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهَا؟ فَإِذَا فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» .
قَالُوا: فَمَرَّةً رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ الْحَسَنِ، وَمَرَّةً رَوَاهُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ مُرْسَلًا - وَهَذِهِ عِلَّةٌ فِي الْخَبَرِ؟ فَقُلْنَا: فَكَانَ مَاذَا؟ مَا جَعَلَ مِثْلَ هَذَا عِلَّةً، إلَّا ذُو عِلَّةٍ فِي دِينِهِ، وَمَا نَدْرِي فِي رِوَايَةِ قَتَادَةَ لِلْخَبَرِ - مَرَّةً عَنْ أَبِي حَسَّانَ، وَمَرَّةً عَنْ الْحَسَنِ -: وَجْهًا يَعْتَرِضُ بِهِ، إلَّا مَنْ عَدِمَ الْحَيَاءَ، وَكَابَرَ عَيْنَ الشَّمْسِ.
وَقَالُوا أَيْضًا: قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ - إنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَالَبُونَ بِالدِّمَاءِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِدَمٍ أَصَابَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» .
следующие страницы →