Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتْبَعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ.
فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى فِيهِ عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ - فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: وَجَدْنَا الْغُرَّةَ الْمَحْكُومَ بِهَا فِي جَنِينِ الْهُذَلِيَّةِ وَقُوِّمَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا - وَهُوَ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ دِيَةِ أُمِّهِ أَيْضًا لِأَنَّ دِيَةَ الْأَمَةِ قِيمَتُهَا، حَتَّى أَنَّ مَالِكًا حَمَلَهُ هَذَا الْقِيَاسُ عَلَى أَنْ جَعَلَ فِي جَنِينِ الدَّابَّةِ عُشْرَ قِيمَتِهَا - وَفِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ عُشْرَ الْبَدَنَةِ.
قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ سَاقِطًا؛ لِأَنَّ تَقْوِيمَ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ بِالدَّرَاهِمِ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ - وَلَا صَحَّ عَنْ صَاحِبٍ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفَ عُشْرِ ثَمَنِ أُمِّهِ، لَمْ نَجِدْ لَهُمْ مُتَعَلِّقًا - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ لِتَعَرِّيهِ عَنْ الْأَدِلَّةِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ سُفْيَانَ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا - فَسَقَطَ أَيْضًا.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: لَمَّا كَانَتْ الْغُرَّةُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ مُقَدَّرَةً بِخَمْسِينَ دِينَارًا كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ عُشْرِ دِيَتِهِ لَوْ خَرَجَ حَيًّا - وَكَانَ ذَكَرًا - أَوْ عُشْرَ دِيَتِهَا - لَوْ كَانَتْ أُنْثَى - وَخَرَجَتْ حَيَّةً، فَوَجَبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَيًّا فَقُتِلَ لَكَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ قَوْلَهُمْ: لَمَّا كَانَ ثَمَنُ الْغُرَّةِ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ خَمْسِينَ دِينَارًا وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ، لَوْ خَرَجَ حَيًّا - وَكَانَ ذَكَرًا - وَعُشْرُ دِيَتِهَا، لَوْ خَرَجَتْ حَيَّةً - وَكَانَتْ أُنْثَى - فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ كَذَلِكَ، فَبَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
стр. 4797
أَوَّلُهَا - أَنَّهُ قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ تَقْوِيمَ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا بَاطِلٌ، لَمْ يَصِحَّ قَطُّ فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَصَارَ قِيَاسُهُمْ هَذَا قِيَاسًا لِلْخَطَأِ عَلَى الْخَطَأِ.
وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَهُمْ تَقْوِيمُ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَكُونَ نِسْبَتُهُ مِنْ دِيَتِهِ، أَوْ مِنْ دِيَةِ أُمِّهِ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ وَهَلَّا قُلْتُمْ: إنَّهَا قِيمَةٌ نَافِذَةٌ مُؤَقَّتَةٌ: كَالْغُرَّةِ وَلَا فَرْقَ؟ وَلَكِنْ أَبَوْا إلَّا التَّرْدِيدَ مِنْ الدَّعَاوَى الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ.
وَالرَّابِعُ - أَنْ يُعَارَضَ قِيَاسُهُمْ بِمِثْلِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ: مِنْ أَنَّ الْخَمْسِينَ دِينَارًا الَّتِي قُوِّمَتْ بِهَا الْغُرَّةُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ إنَّمَا اُعْتُبِرَ بِهَا مِنْ دِيَةِ أُمِّهِ، لَا مِنْ دِيَةِ نَفْسِهِ؟ فَقَالُوا: إنْ كَانَ جَنِينُ الْأَمَةِ - ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى - فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، كَمَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ - ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى - عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، فَهَلْ هَاهُنَا إلَّا دَعْوَى مُقَابَلَةً بِمِثْلِهَا؟ وَتَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ؟ ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ فِيهِ حُكْمًا، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا قَوْلًا عَارِيًّا مِنْ الْأَدِلَّةِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ، إذْ مَا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، فَهِيَ دَعْوَى سَاقِطَةٌ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] فَمَنْ لَا بُرْهَانَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إلَّا مَا نَقَصَهَا، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا سَقَطَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ [كُلُّهَا] وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ
стр. 4798
عِنْدَ اخْتِلَافِ الْقَائِلِينَ بِهَا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَفَعَلْنَا.
فَوَجَدْنَا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: أَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَك؟ فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ.
وَمَا ناه أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَحْرَانِيُّ نا عُثْمَانَ بْنُ عُمَرَ نا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ نا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ﵇: دِيَةُ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ عُمُومُ إمْلَاصِ كُلِّ امْرَأَةٍ - وَكَذَلِكَ نَصُّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ - وَلَمْ يَقُلْ ﷺ إنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَوِّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِلْمَ مَا لَمْ يَقُلْ، وَلَا أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَهَذَا يُوجِبُ النَّارَ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فِي جَنِينِ حُرَّةٍ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنَّمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فِي جَنِينِ هُذَلِيَّةٍ لِحْيَانِيَّةٍ تُسَمَّى مُلَيْكَةَ قَتَلَتْهَا ضَرَّتُهَا أُمُّ عَفِيفٍ، الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ فِي دَعْوَاكُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ جَنِينُ حُرَّةٍ، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ لِأَنَّهُ جَنِينُ هُذَلِيَّةٍ؟ أَوْ لِأَنَّهُ جَنِينُ امْرَأَةٍ تُسَمَّى مُلَيْكَةَ، أَوْ لِأَنَّ ضَرَّتَهَا قَتَلَتْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْقَاتِلَةَ اسْمُهَا أُمُّ عَفِيفٍ - هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ وَتَخْلِيطٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
стр. 4799
[مَسْأَلَةٌ فِي جَنِينِ الذِّمِّيَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا]
مَسْأَلَةٌ: جَنِينُ الذِّمِّيَّةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: قَالَ قَائِلُونَ فِي جَنِينِ الذِّمِّيَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا - وَهَذَا قَوْلٌ إنَّمَا قَاسُوهُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي تَقْوِيمِ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا - وَهُوَ قَوْلٌ ظَاهِرُ الْخَطَأِ.
وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي جَنِينِ الذِّمِّيَّةِ أَيْضًا غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ يُقْضَى عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ بِهِ، فَيَطْلُبُونَ غُلَامًا أَوْ أَمَةً - كَافِرَيْنِ - فَيَدْفَعَانِهِ، أَوْ يَدْفَعَانِهَا إلَى مَنْ تَجِبُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدَا فَبِقِيمَةِ أَحَدِهِمَا - لَوْ وُجِدَ - وَالْقِيمَةُ فِي هَذَا - وَفِي الْغُرَّةِ جُمْلَةً إذَا عُدِمَتْ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ أَحَدٌ غَرَامَةً، إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَأَقَلُّ مَا كَانَتْ تُسَاوِي الْغُرَّةُ - لَوْ وُجِدَتْ - وَاجِبٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالنَّصِّ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَا بِنَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ - فَهُوَ سَاقِطٌ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ.
وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا ضَرَبَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً خَطَأً فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا: يُكَلَّفُ أَنْ تَبْتَاعَ عَاقِلَتُهُ عَبْدًا كَافِرًا أَوْ أَمَةً كَافِرَةً وَلَا بُدَّ - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ عَبْدًا مُسْلِمًا وَلَا أَمَةً مُسْلِمَةً - وَالرَّقَبَةُ الْكَافِرَةُ تُجْزِي فِي الْغُرَّةِ الْمَذْكُورَةِ - سَوَاءٌ كَانَ الْجَانِي وَعَاقِلَتُهُ: مُسْلِمِينَ، أَوْ كَانُوا كُفَّارًا - وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ فَقَطْ، كَمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ الْغُرَّةُ مُؤْمِنَةً لَمَا أَغْفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِلْمَ بَيَانِ ذَلِكَ - كَمَا لَمْ يَغْفُلْ، أَوْ بَيَّنَ أَنَّهُ يُجْزِي فِي ذَلِكَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا مَا نَقَصَ الْأَمَةَ إلْقَاءُ الْجَنِينِ، فَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ وَلَا بُدَّ، زِيَادَةً عَلَى الْغُرَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ أَفْسَدَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٢١٣٤ -
[مَسْأَلَةٌ جَنِينُ الْبَهِيمَةِ]
؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا
стр. 4800
ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ: نَرَى أَنْ تُقَامَ الْبَهِيمَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدُهَا، ثُمَّ تُقَامَ بَعْدَ أَنْ تَطْرَحَ جَنِينَهَا، فَيَكُونُ فَضْلُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا حَتَّى طَرَحَتْ جَنِينَهَا - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: نَرَى جَنِينَ الْبَهِيمَةِ إلَى الْحُكْمِ بِقِيمَةٍ إنَّمَا الْبَهِيمَةُ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ - وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا أَرَى فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ شَيْئًا أَوْسَعَ مِنْ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَالٍ فَقِيمَةُ مِثْلِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ: إنَّ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ، أَوْ الْحَاكِمِ: فَقَوْلٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يُوجِبُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا رَسُولُهُ ﵊ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادًا فِي أَخْذِ مَالٍ مِنْ إنْسَانٍ وَإِعْطَائِهِ آخَرَ، بَلْ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ مَا يُعْطِيهِ لِآخَرَ، إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ: أَنَّ فِي جَنِينِ الْفَرَسِ عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهَا، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
[مَسْأَلَةٌ كَافِرٌ ذِمِّيٌّ قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ]
٢١٣٥ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَوْ أَنَّ كَافِرًا ذِمِّيًّا قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ بَعْدَ قَتْلِهِ الْمَقْتُولَ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ: فَلَا قَوَدَ عَلَى الْقَاتِلِ أَصْلًا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» .
قَالُوا: وَدِيَةُ الْمَقْتُولِ - إنْ اخْتَارُوا الدِّيَةَ قَبْلَ إسْلَامِ قَاتِلِ وَلِيِّهِمْ، أَوْ فَادُوهُ ثُمَّ أَسْلَمَ: بَقِيَتْ الْغَرَامَةُ لَهُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ اسْتَحَقُّوهُ عِنْدَهُ، وَالْأَمْوَالُ تَجِبُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَلِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ - وَقَدْ «مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَخَذَهَا ﷺ لِقُوتِ أَهْلِهِ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلَ هَذَا.
стр. 4801
فَلَوْ أَنَّ الْمَجْرُوحَ أَسْلَمَ أَيْضًا ثُمَّ مَاتَ - وَهُوَ مُسْلِمٌ - فَالْقَوَدُ لَهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِمُؤْمِنٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا جَرَحَ ذِمِّيًّا عَمْدًا ظَالِمًا فَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ فَالْقَوَدُ فِي ذَلِكَ بِالسَّيْفِ خَاصَّةً، وَلَا قَوَدَ فِي الْجُرْحِ لِأَنَّ الْجُرْحَ حَصَلَ، وَلَا قَوَدَ فِيهِ لِلْكَافِرِ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] فَلَمَّا أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمًا مِنْ جِنَايَةِ ظُلْمٍ يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهَا: حَصَلَ مَقْتُولًا عَمْدًا - وَهُوَ مُسْلِمٌ - فَفِيهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
فَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا جَرَحَا إنْسَانًا، ثُمَّ عَقَلَ الْمَجْنُونُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ، فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ، لَا دِيَةَ، وَلَا قَوَدَ، لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَةِ هَدَرٍ لَا حُكْمَ لَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُلْتُمْ فِي الَّذِي يَرْمِي حَرْبِيًّا ثُمَّ يُسْلِمُ، ثُمَّ يَمُوتُ: إنَّ فِيهِ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ الدِّيَةَ فِيمَنْ مَاتَ مِنْ جِنَايَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا، وَلَا تَجْعَلُونَ الدِّيَةَ فِيمَنْ مَاتَ مِنْ جِنَايَةِ هَذَا؟ فَقَدْ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: هَكَذَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ الْمَأْمُورَ بِتِلْكَ الْجِنَايَةِ مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ مُلْزَمٌ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ كَفَّارَةً أَوْ كَفَّارَةً وَدِيَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَيْسَ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ مُخَاطَبَيْنِ أَصْلًا، وَلَا مُكَلَّفَيْنِ شَرِيعَةً فِي قَتْلِ عَمْدٍ، وَلَا فِي قَتْلِ خَطَأٍ: فَسَقَطَ حُكْمُ كُلِّ مَا عَمِلَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الشَّرْعِ دُخُولٌ، وَلَمْ يَسْقُطْ مَا فَعَلَهُ الْمُخَاطَبُ الْمُكَلَّفُ الْمَأْمُورُ الْمَنْهِيُّ.
وَلَوْ أَنَّ عَاقِلًا قَتَلَ أَوْ جَرَحَ ثُمَّ جُنَّ فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ: فَالْقَوَدُ عَلَى الْمَجْنُونِ، أَوْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَلَا مُفَادَاةَ هُنَالِكَ؟ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوَدَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ جَنَى، وَحُكْمُ تِلْكَ الْجِنَايَةِ لَازِمٌ لَهُ، وَقَدْ يَسْقُطُ عَنْهُ بِذَهَابِ عَقْلِهِ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ - وَكَذَلِكَ يُقَامُ عَلَيْهِ فِي جُنُونِهِ حَدٌّ لَزِمَهُ فِي حَالِ عَقْلِهِ، وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِي حَالِ عَقْلِهِ كُلُّ حَدٍّ كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ، بِلَا خِلَافٍ مِنْ الْأُمَّةِ، وَالسَّكْرَانُ مَجْنُونٌ؟ .
стр. 4802
[مَسْأَلَةٌ كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا الْقَعْنَبِيُّ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ - عَنْ سَعْدٍ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا لَا يُسْنَدُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَخِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ - وَهُمْ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ: يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ إمَامٌ ثِقَةٌ، وَعَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَيْسَ بِالْهُنَالِكَ فِي الْإِمَامَةِ، وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ - لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، فَبَطَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ فِي كَسْرِ الْعَظْمِ خَاصَّةً، وَلَمَّا كَانَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذَا فِي الْحُرْمَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكُونُ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ، وَتَخْصِيصًا بِلَا بُرْهَانٍ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَمَنْ جَرَحَ مَيِّتًا، أَوْ كَسَرَ عَظْمَهُ، أَوْ أَحْرَقَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ - أَمَّا الْقَتْلُ فَلَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَاتِلًا - وَأَمَّا الْجُرْحُ وَالْكَسْرُ، فَلَوْ وُجِدَ فِيهِ خِلَافٌ لَوَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ - وَإِنْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ فِي أَنْ لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَهَذَا جُرْحٌ وَجَارِحٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وَهَذَا الْفِعْلُ بِالْمَيِّتِ سَيِّئَةٌ وَاعْتِدَاءٌ، فَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ إجْمَاعٌ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْحَيِّ؟
стр. 4803
قُلْنَا، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذَا لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا -: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِصَاصِ وَالِاعْتِدَاءِ عُمُومٌ، ثُمَّ قَدْ يَخُصُّ بِالْعَفْوِ وَالصَّدَقَةِ بَعْضُ الْمُعْتَدَى عَلَيْهِمْ دُونَ بَعْضٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الصَّادِقِ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلَا بِقَوْلِهِ الصَّادِقِ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ وَاجِبًا لِمَنْ لَا عَفْوَ لَهُ وَلَا صَدَقَةَ، كَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ، فَيَكُونُ الْمَيِّتُ دَاخِلًا فِي هَذَا الْعُمُومِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ - وَهُوَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى فَإِنْ تَصَدَّقَ الْمَجْرُوحُ وَحْدَهُ، وَلَا قَالَ فَمَنْ عَفَا مِنْ الَّذِينَ الْعَفْوُ إلَيْهِمْ خَاصَّةً، وَلَكِنْ أَجْمَلَ الْأَمْرَ، فَجَائِزٌ عَفْوُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَصَدَقَتُهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ عَفْوٌ وَصَدَقَةٌ، وَجَائِزٌ عَفْوُ الْوَلِيِّ إذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَفْوٌ وَيَئِسَ مِنْ ذَلِكَ؟ وَأَكْثَرُ الْحَاضِرِينَ مِنْ خُصُومِنَا يَرَوْنَ الْقَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَيِّتٍ كَفَنَهُ - وَبِهِ نَأْخُذُ، وَعَلَى مَنْ قَذَفَ مَيِّتًا.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى الْحَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى بِمَيِّتَةٍ، فَإِنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا رَأَوْهُ مِنْ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْقَوَدِ لَهُ مِنْ الْجُرْحِ وَالْكَسْرِ - وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ ذَلِكَ أَصْلًا لِبَعْضٍ، بَلْ كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا جَاءَ النَّصُّ بِإِيجَابِ حُكْمٍ عَلَى عَامِلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَوَاجِبٌ إنْفَاذُ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ عَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا قَوْلٌ يُؤَيِّدُهُ النَّظَرُ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ بِالصِّحَّةِ، وَمَا نَعْلَمُ هَاهُنَا قَوْلًا لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ يَمْنَعُ مِنْهُ، فَكَيْفَ أَنْ يَصِحَّ الْإِجْمَاعُ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ؟ هَذَا أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِهِ أَبَدًا، وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَوُجِدَ بِلَا شَكٍّ، وَلَمَا اخْتَفَى، فَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إلَى مَا أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ - وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَائِلٌ بِذَلِكَ - إذَا لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ بِتَخْصِيصِ النَّصِّ، أَوْ بِنَسْخِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ الْوَكَالَةُ فِي الْقَوَدِ]
стр. 4804
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمْرُ الْوَلِيِّ بِأَنْ يُؤْخَذَ لَهُ الْقَوَدُ جَائِزٌ لِبَرَاهِينَ: أَوَّلُهَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَالْقَوَدُ: بِرٌّ وَتَقْوَى، فَالتَّعَاوُنُ فِيهِ وَاجِبٌ.
وَثَانِيهَا: مَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَمْرِهِ بِالْقَوَدِ مِنْ الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَخَ رَأْسَ الْجَارِيَةِ بِالْحَجَرِ، فَكَانَ أَمْرُهُ ﵇ عُمُومًا لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ.
وَثَالِثُهَا: إجْمَاعُ الْأُمَّةِ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا أَوْجَبَ لَهُ مَا لِوَلِيٍّ مِنْ الْقَتْلِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ مَنْ يَقْتُلُ، وَالسُّلْطَانُ وَلِيٌّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَجَائِزٌ، إذَا أَمَرَ الْمُولَى مَنْ يَأْخُذُ لَهُ الْقَوَدَ أَنْ يَغِيبَ فَيَسْتَقِيدَ الْمَأْمُورُ، وَهُوَ غَائِبٌ، إذْ قَدْ وَجَبَ الْقَوَدُ بِيَقِينِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمْرِ رَسُولِهِ ﷺ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْوَلِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ مَغِيبٍ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
فَإِنْ غَابَ الْوَلِيُّ ثُمَّ عَفَا، فَلَيْسَ عَفْوُهُ بِشَيْءٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاتِلِ - وَلَا يَصِحُّ عَفْوُ الْوَلِيِّ إلَّا بِأَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ الْمَأْمُورَ بِالْقَوَدِ وَيَصِحُّ عِنْدَهُ.
بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لِلْمَأْمُورِ بِأَخْذِ الْقَوَدِ، وَأَنْ يَأْتَمِرَ لِلْآمِرِ لَهُ بِذَلِكَ، وَأَبَاحَ لَهُ دَمَ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ، وَأَعْضَاءَهُ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ بِهِ، فَإِذَا عَفَا الْوَلِيُّ فِي غَيْرِ عِلْمِ الْمَأْمُورِ بِالْقَوَدِ فَهُوَ مُضَارٌ، وَالْمُضَارُ مُتَعَدٍّ، وَالْمُتَعَدِّي ظَالِمٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» فَلَا حَقَّ لِذَلِكَ الْعَفْوِ الَّذِي هُوَ مُضَارَّةٌ مَحْضَةٌ، وَهُوَ غَيْرُ الْعَفْوِ الَّذِي حَضَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَرَسُولُهُ ﵇؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ الَّذِي حَضَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَرَسُولُهُ ﷺ فَهُوَ طَاعَةٌ، وَعَفْوُ الْمُضَارَّةِ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَعْصِيَةُ غَيْرُ الطَّاعَةِ، وَهَذَا الْعَفْوُ بَعْدَ الْأَمْرِ: هُوَ عَفْوٌ بِخِلَافِ الْعَفْوِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ نَادِبًا إلَيْهِ، وَإِذْ هُوَ غَيْرُهُ، فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِذَلِكَ الْعَافِي، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى قَوَدِهِ.
فَلَوْ بَعَثَ رَسُولًا إلَى الْمَأْمُورِ بِالْقَوَدِ فَلَا حُكْمَ لَهُ إلَّا حَتَّى يَبْلُغَ إلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ
стр. 4805
وَيَلْزَمُ الْعَافِيَ، فَإِنْ قَتَلَهُ الْمَأْمُورُ بِالْقَوَدِ بَعْدَ صِحَّةِ الْخَبَرِ عِنْدَهُ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ فَهُوَ قَاتِلُ عَمْدٍ، أَوْ خَائِنُ عَهْدٍ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جُنَّ الْآمِرُ وَلَا فَرْقَ، فَالْأَخْذُ بِالْقَوَدِ وَاجِبٌ، كَمَا أَمَرَ بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ]
٢١٣٨ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ؟ فَسَوَاءٌ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ، أَوْ قَالَ: أَنَا ذَكَرٌ: الْقَوَدُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ يُسَمَّى ذَكَرًا وَأُنْثَيَيْنِ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَتْ امْرَأَةٌ شَفْرَيْهِ وَلَا فَرْقَ.
وَمَنْ كَانَتْ لَهُ سِنٌّ زَائِدَةٌ أَوْ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ فَقَطَعَهَا قَاطِعٌ اُقْتُصَّ لَهُ مِنْهُ، مِنْ أَقْرَبِ سِنٍّ إلَى تِلْكَ السِّنِّ، وَأَقْرَبِ إصْبَعٍ إلَى تِلْكَ الْإِصْبَعِ؛ لِأَنَّهَا سِنٌّ وَأُصْبُعٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبْقَى الْمُقْتَصُّ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَيَبْقَى لِمُقْتَصٍّ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ، وَبَيْنَ أَنْ يُقْطَعَ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ إلَّا السَّبَّابَةُ وَحْدَهَا - سَبَّابَةُ سَالِمِ الْأَصَابِعِ؟ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقِصَاصَ فِي ذَلِكَ، وَيَبْقَى الْمُقْتَصُّ ذَا أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَيَبْقَى الْمُقْتَصُّ مِنْهُ لَا أُصْبُعَ لَهُ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْأَسْنَانِ وَلَا فَرْقَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ تَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ فِي تَوَلِّي قَتْلِ قَاتِلِ وَلِيِّهِمْ]
٢١٣٩ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَإِذَا تَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ فِي تَوَلِّي قَتْلِ قَاتِلِ وَلِيِّهِمْ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنْ اتَّفَقْتُمْ عَلَى أَحَدِكُمْ أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَذَلِكَ لَكُمْ وَإِلَّا أَقْرَعْنَا بَيْنَكُمْ، فَأَيُّكُمْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ تَوَلَّى الْقِصَاصَ - وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: بُرْهَانُ هَذَا: أَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَوَدَ اثْنَانِ مَعًا، فَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا بِأَمْرِهِمَا - وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ، فَأَمْرُ غَيْرِهِمَا بِالْقَوَدِ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِمَا مَعًا فِي تَوَلِّي ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ هَاهُنَا بِالْقُرْعَةِ إسْقَاطٌ لِحَقِّ أَحَدِهِمَا، وَإِبْقَاءٌ لِحَقِّ الْآخَرِ - وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقُّ ذِي حَقٍّ إلَّا لِضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ لَا سَبِيلَ مَعَهَا إلَى تَوْفِيَةِ الْحَقِّ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ سَقَطَ الْحَقُّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
وَنَحْنُ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا مَنْعُهُمَا مِنْ حَقِّهِمَا، وَنَحْنُ مُضْطَرُّونَ إلَى إسْقَاطِ حَقِّ أَحَدِهِمَا، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَسْنَا مُضْطَرِّينَ إلَى إسْقَاطِ حَقِّهِمَا جَمِيعًا فَلَا يَجُوزُ لَنَا مَا لَمْ نَضْطَرَّ إلَيْهِ فَقَدْ بَطَلَ أَنْ نَأْمُرَ غَيْرَهُمَا بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقْصِدَ
стр. 4806
إلَى أَحَدِهِمَا فَنُسْقِطَ حَقَّهُ هَكَذَا مُطَارَفَةً فَيَكُونُ جَوْرًا وَمُحَابَاةً، فَوَجَبَتْ الْقُرْعَةُ وَلَا بُدَّ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَفَعَتْ إلَيْهَا وَلَا يَحِلُّ إيقَافُ الْأَمْرِ حَتَّى يَتَّفِقَا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَنْعَهُمَا جَمِيعًا مِنْ حَقِّهِمَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، بِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ أَخَاف إنْسَانًا فَقَطَعَ سَاقَهُ وَمَنْكِبَهُ وَأَنْفَهُ وَقَتَلَهُ]
٢١٤٠ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَخَاف إنْسَانًا فَقَطَعَ سَاقَهُ وَمَنْكِبَهُ وَأَنْفَهُ وَقَتَلَهُ، فَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كُلَّ ذَلِكَ، وَيَقْتُلَهُ - وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ دُونَ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كُلَّ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ، وَلَا يَقْتُلَهُ، لَكِنْ يَعْفُوَ عَنْهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ قَدْ وَجَبَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهَا قِصَاصًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا قَبْلُ، وَهَذَا أَيْضًا مَنْدُوبٌ إلَى الْعَفْوِ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ وَعَنْ بَعْضِهِ، فَأَيَّ حَقِّهِ فَعَلَ فَذَلِكَ لَهُ، وَأَيَّ حَقِّهِ تَرَكَ فَذَلِكَ لَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَقْطَعَ ذِرَاعَهُ وَيُخِيفَهُ عَلَى أَنْ يَقْتُلَهُ، وَأَمَّا عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ فَلَا.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ: فِي ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَإِذَا أَبَاحَ لَهُ تَعْذِيبَهُ فَأَتَى بِبَعْضِ مَا أُبِيحَ لَهُ وَعَفَا عَنْ الْبَعْضِ، فَقَدْ أَحْسَنَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَدَّ - وَمَا وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَطُّ أَلْزَمَ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ كُلِّهِ وَمَنَعَ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ بَعْضِهِ.
بَلْ قَدْ صَحَّ النَّصُّ بِخِلَافِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ جُمْلَةً وَهُوَ «فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُرَنِيِّينَ إذْ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ قِصَاصًا بِمَا فَعَلُوا بِالرُّعَاةِ وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا» .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فَأَغْنَى عَنْ تَرْدَادِهِ وَأَبْطَلْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ كَاذِبًا: إنَّ هَذَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ كَانَتْ الْمُثْلَةُ مُبَاحَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ قَطَعَ أُصْبُعَ آخَرَ عَمْدًا فَسَأَلَ الْقَوَدَ]
٢١٤١ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: مَنْ قَطَعَ أُصْبُعَ آخَرَ عَمْدًا فَسَأَلَ
стр. 4807
الْقَوَدَ؟ أَقَدْنَا لَهُ مِنْ حِينِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَإِنْ تَآكَلَتْ الْيَدُ فَذَهَبَتْ وَبَرِئَ، فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْ الْيَدِ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِعُدْوَانٍ وَظُلْمٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَهُ مُوضِحَةً عَمْدًا فَذَهَبَتْ مِنْهَا عَيْنَاهُ اُقْتُصَّ لَهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ وَمِنْ الْعَيْنَيْنِ مَعًا وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ - فَلَوْ مَاتَ مِنْهَا قُتِلَ بِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنْ جِنَايَةِ عُدْوَانٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَمَّا تَعْجِيلُ الْقِصَاصِ مِنْ الْأُصْبُعِ وَالْمُوضِحَةِ؟ فَنَعَمْ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَوَدُ فِي النَّفْسِ وَاجِبٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا ذَهَابُ الْعَيْنَيْنِ وَالْيَدِ فَقَطْ فَإِنَّمَا فِي ذَلِكَ الدِّيَةُ فَقَطْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا خَطَأٌ وَمُنَاقَضَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَوَلَّدَ عَنْ جِنَايَتِهِ مِنْ ذَهَابِ نَفْسٍ، أَوْ ذَهَابِ عُضْوٍ؟ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا نَظَرٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ.
فَلَوْ أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ قَطَعَ كَفَّ نَفْسِهِ، خَوْفَ سِرَايَةِ الْأَكَلَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْجَانِي؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْيَدِ كَانَ بِاخْتِيَارِ قَاطِعِهَا، لَا مِنْ فِعْلِهِ، وَلَعَلَّهَا لَوْ تَرَكَهَا تَبْرَأُ - فَلَوْ قَطَعَ إنْسَانٌ أُنْمُلَةً لَهَا طَرَفَانِ، فَإِنْ قَطَعَ كُلَّ طَرَفٍ فِي أَصْلِهِ قُطِعَ مِنْ يَدِهِ أُنْمُلَتَانِ كَذَلِكَ، فَلَوْ قَطَعَ فِي الْأُصْبُعِ قَبْلَ افْتِرَاقِ الْأُنْمُلَتَيْنِ: قُطِعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَطْ، وَلَا مَزِيدَ، وَلَا أَرْشَ لَهُ فِي الْأُنْمُلَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .
فَالْوَاجِبُ أَنْ يُوضَعَ مِنْهُ الْحَدِيدُ حَيْثُ وُضِعَ، وَيُذَاقَ مِنْ الْأَلَمِ مَا أَذَاقَ وَلَا مَزِيدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ فِي الْأُصْبُعِ الْقَوَدُ، وَلَهُ فِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: الْحُكُومَةُ غَرَامَةُ مَالٍ وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
[مَسْأَلَةٌ هَدَمَ بَيْتًا عَلَى إنْسَانٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ وَهُوَ رَاقِدٌ فَقَطَعَ رَأْسَهُ]
٢١٤٢ - مَسْأَلَةٌ - قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَنْ هَدَمَ بَيْتًا عَلَى إنْسَانٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ - وَهُوَ رَاقِدٌ - فَقَطَعَ رَأْسَهُ، أَوْ قَالَ: هَدَمْت الْبَيْتَ؟ وَهُوَ قَدْ كَانَ مَاتَ بَعْدُ، أَوْ
стр. 4808
قَالَ: ضَرَبْته بِالسَّيْفِ وَهُوَ مَيِّتٌ: لَمْ يُلْتَفَتْ لَهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَى أَوْلِيَائِهِ فِي ذَلِكَ، وَوَجَبَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ صَحَّتْ حَيَاتُهُ بِيَقِينٍ، فَهُوَ عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى يَصِحَّ مَوْتُهُ، وَمُدَّعِي مَوْتِهِ مُدَّعِي بَاطِلٍ، وَانْتِقَالُ حَالٍ، وَالدَّعْوَى لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَةٌ جُرِحَ جُرْحًا يَمُوتُ مِنْ مِثْلِهِ فَتَدَاوَى بِسُمٍّ فَمَاتَ]
٢١٤٣ - مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا يَمُوتُ مِنْ مِثْلِهِ فَتَدَاوَى بِسُمٍّ فَمَاتَ؟ فَالْقَوَدُ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ مَاتَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَفِعْلِ غَيْرِهِ: فَكِلَاهُمَا قَاتِلٌ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدُ - وَإِنْ طَرَحَهُ غَيْرُهُ؟ فَإِنْ اخْتَارُوا الدِّيَةَ، فَالدِّيَةُ كُلُّهَا أَيْضًا لَازِمَةٌ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَهُوَ حَسْبُنَا.
стр. 4809
[كِتَابُ الْعَوَاقِلِ وَالْقَسَامَةِ وَقَتْلِ أَهْلِ الْبَغْيِ] [ مَسْأَلَةُ الْعَوَاقِلِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كِتَابُ الْعَوَاقِلِ، وَالْقَسَامَةِ، وَقَتْلِ أَهْلِ الْبَغْيِ ٢١٤٣ - (مُكَرَّرٌ) - مَسْأَلَةُ: الْعَوَاقِلِ؟ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا ابْنُ جُرَيْحٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ» .
وَبِهِ: إلَى مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ نا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إنَّ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» .
وَبِهِ: إلَى مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ
стр. 4810
قَالَ «ضَرَبَتْ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ - وَهِيَ حُبْلَى - فَقَتَلَتْهَا وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ؟ قَالَ: وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَصَحَّ أَنَّ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَفِي الْغُرَّةِ الْوَاجِبُ فِي الْجَنِينِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ، وَالْجَانِي، بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ مَنْ هُمْ الْعَاقِلَةُ الْغَارِمَةُ لِدِيَةِ الْخَطَأِ، وَلِغُرَّةِ الْجَنِينِ، وَأَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ الْجَانِي الَّذِينَ هُمْ عَصَبَتُهُ وَمُنْتَهَاهُمْ الْبَطْنُ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ - عَلَى مَا أَوْرَدْنَا آنِفًا - مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَجُمْهُورُ النَّاسِ يَقُولُونَ: تَغْرَمُ الْعَاقِلَةُ الْمَذْكُورَةُ الدِّيَةَ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الْعَاقِلَةُ؟ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِمَا قُلْنَا - وَجُمْهُورُ النَّاسِ يَقُولُونَ: هَذِهِ الْآثَارُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهَا لِصِحَّتِهَا - وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ غَيْرُ هَذِهِ - لَا بَأْسَ بِذِكْرِ بَعْضِهَا - وَإِنْ كَانَتْ لَا حُجَّةَ فِيهَا لَكِنْ لِتُعْرَفَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقْلَ قُرَيْشٍ عَلَى قُرَيْشٍ، وَعَقْلَ الْأَنْصَارِ عَلَى الْأَنْصَارِ» .
نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: أَنْ يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ، وَيَفْدُوا عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ» : فَالْأَوَّلُ: مُنْقَطِعٌ، وَفِيهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ.
وَالثَّانِي: فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ - وَهُوَ سَاقِطٌ - وَفِيهِ مِقْسَمٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
стр. 4811
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِأَنْ تَغْرَمَ الْعَاقِلَةُ جَرِيرَةَ غَيْرِهَا؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ: مَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ التَّمِيمِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْهَاشِمِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا شَقِيقٌ ني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ عَنْ زِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي فَقَالَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ: أَمَا إنَّك لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْك» .
نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدٌ نا أَحْمَدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ نا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ - هُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ - عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ الْيَرْبُوعِيِّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ قَتَلُوا فُلَانًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهَتَفَ بِصَوْتِهِ: أَلَا لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى» .
وَبِهِ: إلَى مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ نا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ نا شُعْبَةُ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: سَمِعْت الْأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ: «أَنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ قَتَلُوا فُلَانًا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى» .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ - وَإِنْ كَانَ فِي أَسَانِيدِهَا مُعْتَرِضٌ - فَإِنَّ مَعْنَاهَا صَحِيحٌ، وَفِي الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْتُمْ كِفَايَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُنْتَظِمَةٌ لِمَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
ثُمَّ نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: نَعَمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنْ ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَأَنَّ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] وَنَعَمْ، لَا يَجْنِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى أُخْرَى،
стр. 4812
وَلَكِنَّ الَّذِي قَالَ هَذَا كُلَّهُ، وَحَكَمَ بِهِ، هُوَ أَيْضًا الْقَائِلُ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] .
وَهُوَ الْمُخْبِرُ لَنَا عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ عَفَا لَنَا عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ - وَهُوَ تَعَالَى مَعَ ذَلِكَ الْمُوجِبُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ دِيَةً، وَكَفَّارَةَ عِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَفَّارَةِ.
وَهُوَ الْمُوجِبُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ عَلَى عَصَبَةِ قَاتِلِ الْخَطَأِ وَأَهْلِ بَطْنِهِ الَّذِي يَنْتَمِي إلَيْهِمْ دِيَةَ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً، وَالْغُرَّةَ الْوَاجِبَةَ فِي الْجَنِينِ، وَكُلٌّ قَوْلُ حَقٍّ، وَكُلٌّ حُكْمُهُ وَاجِبٌ، يُضَمُّ بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ، وَيُسْتَثْنَى الْأَقَلُّ مِنْ الْأَكْثَرِ.
وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُ بَعْضِ أَوَامِرِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا ضَرْبُ أَحْكَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، إذْ كُلُّهَا فَرْضٌ وَحَقٌّ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْلَى بِالطَّاعَةِ لَهُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ أَحَدٍ غَرَامَةً عَنْ أَحَدٍ إلَّا أَنْ يُوجِبَهَا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَاجِبٌ أَنْ نَنْظُرَ مَنْ الْعَصَبَةُ، وَالْبَطْنُ، وَالْأَوْلِيَاءُ - الَّذِينَ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ - وَالْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ - فَوَجَدْنَا النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْعَاقِلَةُ هُمْ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي دِيوَانٍ وَاحِدٍ فِي الْعَطَاءِ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْت الزُّهْرِيَّ - أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: الثُّلُثُ فِيمَا دُونَهُ، فِي خَاصَّةِ مَالِهِ - يَعْنِي: مَالَ الْجَانِي، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ.
وَبِهِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ يُقْضَى بِهَا - وَالْعَاقِلَةُ: هُمْ أَهْلُ دِيوَانِهِ، يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أُعْطِيَّاتِهِمْ، حَتَّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ مِنْ الدِّيَةِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ أَوْ ثَلَاثَةً، فَإِنْ أَصَابَهُ أَكْثَرُ ضَمَّ إلَيْهِمْ أَقْرَبَ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ فِي النَّسَبِ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ.
стр. 4813
وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ، فُرِضَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ - الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ - فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَيُضَمُّ إلَيْهِمْ أَقْرَبُ الْقَبَائِلِ إلَيْهِمْ فِي النَّسَبِ حَتَّى يُصِيبَ الرَّجُلُ مِنْ الدِّيَةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَرْبَعَةً.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الدِّيَةُ تَكُونُ عِنْدَ الْأَعْطِيَةِ عَلَى الرِّجَالِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: الْعَقْلُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ فِي عَطِيَّةِ الْمُقَاتَلَةِ.
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: الْعَقْلُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَعَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ يَأْخُذُ مَعَهُمْ الْعَطَاءَ، وَلَا يَكُونُ عَلَى قَوْمِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الدِّيَةُ عَلَى الْقَبَائِلِ عَلَى الْغَنِيِّ قَدَرُهُ، وَمَنْ دُونَهُ عَلَى قَدْرِهِ، وَعَقْلُ الْمَوَالِي يَلْتَزِمُهُ أَهْلُ الْعَاقِلَةِ - شَاءُوا أَمْ أَبَوْا، كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ، أَوْ مُنْقَطِعِينَ - قَدْ تَعَاقَلَ النَّاسُ زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الدِّيوَانُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إلَى الْقُرَى، إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَا يُشْبِهُهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْقُرَى فَسَكَنَهَا وَثَوَى بِهَا: رَأَيْت أَنْ يَضُمَّ عَقْلَهُ إلَى قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ مَنْ يَحْمِلُ عَقْلَهُ مِنْ قَوْمِهِ ضُمَّ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِقَبِيلَتِهِ مِنْ الْقَبَائِلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمَا: الْعَقْلُ عَلَى ذَوِي الْأَنْسَابِ دُونَ أَهْلِ الدِّيوَانِ، وَالْحُلَفَاءِ: الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ بَنِي أَبِيهِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جَدِّهِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جَدِّ أَبِيهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا بَعْدَ أَنْ رَجَعَتْ الْأَقْوَالُ فِي ذَلِكَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقَطْ: أَحَدُهَا - قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ: عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ، لَا عَلَى عَصَبَةِ الْجَانِي.
وَالْآخَرُ - قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ مَعَهُ: أَنَّ الْعَاقِلَةَ عَلَى قَوْمِهِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ وَنَحْوِهَا، لَا عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْبَادِيَةِ.
وَالثَّالِثُ - قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَمَنْ مَعَهُمَا: أَنَّ الْعَاقِلَةَ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَتِهِ، مِنْ بَنِي أَبِيهِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي أَجْدَادِهِ أَبًا فَأَبًا
стр. 4814
فَوَجَدْنَا مَنْ جَعَلَ الْعَاقِلَةَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ خَاصَّةً يَقُولُونَ: إنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَعَلَهَا عُمَرُ عَلَى الدِّيوَانِ.
قَالُوا: فَإِنْ بَطَلَ الدِّيوَانُ رَجَعَ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ ﵁ لَمْ نَجِدْ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرَ هَذِهِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ بَاطِلٌ - إنَّ الَّذِي ادَّعَوْهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَبْطَلَ حُكْمَ الْعَاقِلَةِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَرَى عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَأَحْدَثَ حُكْمًا آخَرَ، فَإِنَّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَكَذِبٌ مُفْتَرَى.
وَلَعَلَّ مُمَوِّهًا أَنْ يُمَوِّهَ فِي ذَلِكَ -: بِمَا ناه مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَمَّنْ سَمِعَ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: جَعَلَ عُمَرُ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْأَعْطِيَةِ فَهَذَا مِمَّا لَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَّنْ لَا يُدْرَى.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ لَمْ يُسَمِّهِ الثَّوْرِيُّ: لَوْ كَانَ فِي شَيْخِ الثَّوْرِيِّ خَيْرٌ لَبَرِحَ بِهِ - ثُمَّ هُوَ عَنْ الشَّعْبِيِّ - وَلَمْ يُولَدْ الشَّعْبِيُّ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ؟ وَقَدْ جَهَدْنَا أَنْ نَجِدَ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَمَا وَجَدْنَاهُ وَلَا لَهُ أَصْلٌ أَلْبَتَّةَ - وَرَحِمَ اللَّهُ الْقَائِلَ: الْإِسْنَادُ مِنْ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ، وَأَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ عُمَرَ خِلَافُ هَذَا.
كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي جِنَايَةٍ جَنَاهَا عُمَرُ: عَزَمْت عَلَيْك إلَّا قَسَمْت الدِّيَةَ عَلَى بَنِي أَبِيك فَقَسَمَهَا؟ عَلَى قُرَيْشٍ، فَهَذَا حُكْمُ عُمَرَ، وَعَلِيٌّ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَا يُعْرَفُ عَلَيْهِمَا مُنْكِرٌ مِنْهُمْ فِي قَسْمِ مَا تَغْرَمُهُ الْعَاقِلَةُ عَلَى الْقَبِيلَةِ، لَا عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ، وَلَا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا لَوْ وَجَدُوهُ.
وَأَمَّا عُمَرُ ﵁ فَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُحْدِثَ حُكْمًا آخَرَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ، وَلَاحَ فَسَادُهُ، وَضَعْفُ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ.
стр. 4815
ثُمَّ نَظَرَنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ احْتَجَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا، وَتِلْكَ الْحُجَّةُ بِعَيْنِهَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فِي قَوْلِهِ " إنَّ مَنْ نَزَعَ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ إلَى قَرْيَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْقُرَى، كَالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ عَنْهُ: أَهْلُ الْقُرَى، وَأَهْلُهُ بِالْبَادِيَةِ ".
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَمَا عَلِمْنَاهُ قَالَ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَ مَالِكٍ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُهُ نَظَرٌ، وَلَا قِيَاسٌ: فَبَطَلَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمْ يَبْقَ - إذْ بَطَلَ هَذَانِ الْقَوْلَانِ - إلَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِمُوَافَقَتِهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الَّذِي هُوَ الْحُجَّةُ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَرُدَّ إلَيْهِ النَّوَازِلَ فِي ذَلِكَ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى: فَوَجَدْنَاهُ ﷺ قَدْ كَتَبَ عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، وَجَاءَ حُكْمُهُ ﷺ فِي الدِّيَةِ، وَفِي الْغُرَّةِ كَمَا قَدْ قَدَّمْنَا وَجَاءَ حُكْمُهُ ﵇: أَنَّ الْعَاقِلَةَ هُمْ الْأَوْلِيَاءُ وَهُمْ الْعَصَبَةُ - فَصَحَّ بِهَذَا مَا قُلْنَاهُ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ - الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ عَلَى قُرَيْشٍ عُقُولَهُ، وَعَلَى الْأَنْصَارِ عُقُولَهُ فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ كَمَا أَوْرَدْنَاهُ وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ.
فَوَجَبَ أَنْ نَبْدَأَ فِي الْعَقْلِ بِالْعَصَبَةِ كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْ لَا نَتَجَاوَزَ الْبَطْنَ، كَمَا حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْ لَا يُلْتَفَتَ إلَى دِيوَانٍ، وَلَا إلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصُّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، لَكِنْ يُكَلَّفُ ذَلِكَ الْعَصَبَةُ حَيْثُ كَانُوا إلَى الْبَطْنِ، فَإِنْ جَهِلُوا أَوْ تَعَذَّرَ أَمْرُهُمْ لِافْتِرَاقِ النَّاسِ فِي الْبِلَادِ، الْعَصَبَةُ وَالْبَطْنُ حِينَئِذٍ مِنْ الْغَارِمِينَ، وَمِمَّنْ قَدْ لَزِمَتْهُمْ تِلْكَ الْغَرَامَةُ، وَوَجَبَتْ فِي أَمْوَالِهِمْ، فَإِذْ هُمْ مِنْ الْغَارِمِينَ فَيُؤَدَّى حَقُّهُمْ فِي الصَّدَقَاتِ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ فَيُؤَدَّى عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ - فَهَذَا حُكْمُ الْعَاقِلَةِ قَدْ بَيَّنَّاهُ وَأَوْضَحْنَاهُ.
[مَسْأَلَة هَلْ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ فِي الْعَمْدِ أَوْ الِاعْتِرَافِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ]
٢١٤٤ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ فِي الْعَمْدِ، أَوْ الِاعْتِرَافِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ؟ أَوْ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فِي الْخَطَأِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا:
стр. 4816
كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ: نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ، نا وَكِيعٌ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ أَبُو مَالِكٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: الْعَمْدُ، وَالْعَبْدُ، وَالصُّلْحُ، وَالِاعْتِرَافُ فِي مَالِ الْجَانِي لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ - قَالَ: اصْطَلَحَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ لَا يَعْقِلُوا عَمْدًا وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إلَّا أَنْ يَشَاءُوا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ الْعَمْدَ وَلَا الصُّلْحَ، وَلَا الِاعْتِرَافَ، وَلَا الْعَبْدَ.
وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ الْعَمْدِ إلَّا أَنْ تُعِينَهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ - قَالَ مَالِكٌ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَقْلٌ مِنْ قِبَلِ الْعَمْدِ إلَّا أَنْ يَشَاءُوا ذَلِكَ، إنَّمَا عَلَيْهِمْ عَقْلُ الْخَطَأِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُهُمْ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَلَكِنْ تُعِينُهُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَخْذُلُوهُ عَنْ شَيْءٍ أَصَابَهُ فِي الصُّلْحِ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ: وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعِينُوهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ غَيْرَ هَذَا لِمَا رُوِيَ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ رَجُلٌ حُرٌّ اسْتَقْبَلَ مَمْلُوكًا فَتَصَادَفَا فَمَاتَا جَمِيعًا؟ فَقَالَا جَمِيعًا: دِيَةُ الْعَبْدِ عَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ.
стр. 4817
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إنْ قَتَلَ رَجُلٌ عَبْدًا خَطَأً فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ قَتَلَ دَابَّةً خَطَأً فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، وَالصَّلْتُ: أَنَّ رَجُلًا بِالْبَصْرَةِ رَمَى إنْسَانًا ظَنَّ أَنَّهُ كَلْبٌ فَقَتَلَهُ، فَإِذَا هُوَ إنْسَانٌ؟ فَلَمْ يَدْرِ النَّاسُ مَنْ قَاتِلُهُ، فَجَاءَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ قَتَلَهُ فَسَجَنَهُ، وَكَتَبَ فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنَّك بِئْسَ مَا صَنَعْت إذْ سَجَنْتَهُ وَقَدْ جَاءَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، فَخَلِّ سَبِيلَهُ وَاجْعَلْ دِيَتَهُ عَلَى الْعَشِيرَةِ.
وَزَعَمَ الصَّلْتُ: أَنَّهُ مِنْ الْأَزْدِ - الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ - وَأَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ عَاسًّا يَعُسُّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعَبْدُ تَحْمِلُ قِيمَتَهُ الْعَاقِلَةُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ: فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، إذْ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي: فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ: لَا تَتْرُكُوا مُفْرَجًا أَنْ تُعِينُوهُ فِي فِكَاكٍ أَوْ عَقْلٍ» وَالْمُفْرِجُ: كُلُّ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ - وَهَذَا مُرْسَلٌ يُوجِبُ أَنْ تُعِينَ الْعَاقِلَةُ فِيمَا لَمْ تَحْمِلْ جَمِيعَهُ - وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ عُمَرَ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي مُرْسَلٍ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ حُجَّةٌ وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، فَبَدَأْنَا بِالْعَمْدِ مَا أُلْزِمَ فِيهِ دِيَةٌ، أَوْ صُولِحَ فِيهِ، فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُكَلِّفَ عَاقِلَةً غَرَامَةً حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﵇، وَلَمْ يُوجِبْهَا قَطُّ نَصٌّ ثَابِتٌ فِي الْعَمْدِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَحْمِلَ الْعَاقِلَةُ الْعَمْدَ، وَلَا الصُّلْحَ فِي الْعَمْدِ.
стр. 4818
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الِاعْتِرَافِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
وَوَجَدْنَا الْمُقِرَّ بِقَتْلِ الْخَطَأِ لَيْسَ مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لَا عَلَيْهِ، فَإِذْ لَيْسَ مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يُصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، إلَّا أَنَّنَا نَقُولُ: إنَّهُ إنْ كَانَ عَدْلًا حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ مَعَهُ وَاسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ نَكَلُوا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
فَلَوْ أَقَرَّ اثْنَانِ عَدْلَانِ بِقَتْلِ خَطَأٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمَا بِلَا يَمِينٍ، لِأَنَّهُمَا شَاهِدَا عَدْلٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ [النَّاسُ] فِي هَذَا: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: الدِّيَةُ عَلَى الْمُقِرِّ فِي مَالِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِمَنْ أَقَرَّ لَهُ أَقْسَمَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْعَبْدِ يُقْتَلُ خَطَأً، هَلْ تَحْمِلُ قِيمَتَهُ الْعَاقِلَةُ أَمْ لَا؟ فَوَجَدْنَا مَنْ لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْ عُمَرَ كَمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ وَلَمْ يُولَدْ الشَّعْبِيُّ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ ﵁ بِسِنِينَ وَلَا نَعْلَمُهُ أَيْضًا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَضَايَا عَظِيمَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ خَالَفُوهَا، قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ التَّنَازُعِ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ، فَفَعَلْنَا.
فَوَجَدْنَا مَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ نا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا نا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ مُكَاتَبًا قُتِلَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ ﵇ أَنْ يُودَى مَا أَدَّى دِيَةَ الْحُرِّ، وَمَا لَا دِيَةَ الْمَمْلُوكِ» .
стр. 4819
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: إنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْوَانَ كَانَا يَقُولَانِ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ يُودَى مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ بِقَدْرِ مَا أَدَّى، وَمَا رُقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ.
فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْحُجَّةُ فِي الدِّينِ سَمَّى مَا يُودَى فِي قَتْلِ الْعَبْدِ " دِيَةً " وَسَمَّاهُ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ حُجَّةٌ - فِي اللُّغَةِ " دِيَةً ".
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّ الدِّيَةَ فِي النَّفْسِ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ - وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً: كَفَّارَةً بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً - فَصَحَّ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ: أَنَّ مَا يُودَى فِي الْعَبْدِ دِيَةٌ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ - وَبِهَذَا نَقُولُ.
وَأَمَّا الدِّيَةُ وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ " دِيَةً " وَالْأَمْوَالُ مَحْظُورَةٌ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة مِقْدَارُ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ]
٢١٤٥ - مَسْأَلَةٌ: مِقْدَارُ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مِنْ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ إلَّا مَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ كَانَ الثُّلُثَ، فَهُوَ فِي مَالِ الْجَانِي.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ إلَّا مَا كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا، فَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَهُوَ فِي مَالِ الْجَانِي.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الثُّلُثُ فَصَاعِدًا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ فَعَلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ إلَّا مَا كَانَ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا، وَمَا كَانَ أَقَلَّ فَهُوَ فِي مَالِ الْجَانِي.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنْ جَنَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، فَبَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَتِهَا كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ بَلَغَ أَقَلَّ فَفِي مَالِهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَبَلَغَ نِصْفَ عُشْرِ دِيَتِهَا حَمَلَتْهُ عَاقِلَةُ الْجَانِي - رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً - وَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَجُلًا فَبَلَغَ
стр. 4820
نِصْفَ عُشْرِ دِيَتِهِ فَإِنَّهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي - رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً - وَمَا كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَفِي مَالِ الْجَانِي.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ تَآلَفُوا عَلَى الْكَثِيرِ فَقَطْ حَمَلُوا الْكَثِيرَ فَقَطْ - وَلَمْ تَحُدَّ لِلْقَلِيلِ وَلَا لِلْكَثِيرِ حَدًّا -.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ كَمَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ فِي خَاصَّةِ مَالِهِ وَمَا زَادَ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي - كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ سَمْعَانَ قَالَ: سَمِعْت رِجَالًا مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الدِّيَةِ أَنْ لَا يُحْمَلَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ حَتَّى تَبْلُغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ - عَقْلُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ - فَإِذَا بَلَغَتْ ذَلِكَ فَصَاعِدًا حُمِلَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُهُ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهُ.
وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ فَلَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ - عَلَى ذَلِكَ أَمْرُ السُّنَّةِ -.
وَعَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: إنَّ مِنْ الْأَمْرِ - الْقَدِيمِ عِنْدَنَا - أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْعَاقِلَةِ عَقْلٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْجُرْحُ ثُلُثَ الدِّيَةِ.
وَعَنْ رَبِيعَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا دُونَ الثُّلُثِ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى شَيْءٍ.
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَمَعْمَرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ أَوْ قَدْ كِدْنَا أَنْ نَجْتَمِعَ: أَنَّ مَا دُونَ الثُّلُثِ فِي مَالِهِ خَاصَّةً.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى فِي مَوْلًى جُرِحَ، فَكَانَ دُونَ الثُّلُثِ مِنْ الدِّيَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا يُتْبَعُ بِهِ - وَبِهَذَا يَقُولُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ - قَالَ مَالِكٌ: مَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ مِنْ الرَّجُلِ مِنْ جِنَايَةِ الرَّجُلِ جَرَحَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَعَلَى الْعَاقِلَةِ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَفِي مَالِهِ، وَمَا بَلَغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَرْأَةِ
стр. 4821
فَعَلَى الْعَاقِلَةِ فَمَا كَانَ أَقَلَّ فَفِي مَالِهِ سَوَاءٌ جَرَحَتْ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ - كَمَا رُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ.
قَالَ وَكِيعٌ: وَسَمِعْت سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مُوضِحَةَ الْمَرْأَةِ إلَّا فِي قَوْلِ مَنْ رَآهَا كَمُوضِحَةِ الرَّجُلِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْخَامِسُ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا بِهِ فَرَاعَوْا الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ، قَالُوا: فَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ امْرَأَةً فَبَلَغَتْ الْجِنَايَةُ نِصْفَ عُشْرِ دِيَتِهَا فَصَاعِدًا فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ بَلَغَتْ أَقَلَّ فَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي - رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً - فَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَجُلًا فَبَلَغَتْ الْجِنَايَةُ نِصْفَ عُشْرِ دِيَتِهِ فَصَاعِدًا فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ بَلَغَتْ أَقَلَّ فَفِي مَالِ الْجَانِي - رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً.
وَالْقَوْلُ السَّادِسُ - كَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْحٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إذَا بَلَغَ الثُّلُثَ فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَقَالَ لِي ذَلِكَ ابْنُ أَيْمَنَ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّهُ قَالَ: فَمَا لَمْ يَبْلُغْ الثُّلُثَ فَعَلَى قَوْمِ الرَّجُلِ خَاصَّةً.
وَالْقَوْلُ السَّابِعُ - كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْ جِرَاحٍ أَوْ دَمٍ كَانَ خَطَأً، فَإِنَّ عَقْلَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْقَبِيلَةُ مِنْ الْخَطَأِ عَلَى مَا ائْتَلَفُوا عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ إلْفَتُهُمْ عَلَى الْكَثِيرِ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْقَلِيلِ، فَإِنَّ عَقْلَ مَا ائْتَلَفُوا عَلَيْهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَعَقْلَ مَا لَمْ يَأْتَلِفُوا عَلَيْهِ عَلَى الْجَارِحِ فِي مَالِهِ - وَلَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - اصْطَلَحَتْ عَلَيْهِ الْقَبِيلَةُ - بَأْسٌ.
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَلَّفَ مُعَقِّلَةَ قُرَيْشٍ، إذْ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ: عَلَى أَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَمَا فَوْقَهَا، وَأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى الْجَارِحِ فِي مَالِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّامِنُ - قَالَهُ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا قَوْلَ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ ثَمَنَ الْعَبْدِ - وَلَمْ يَخُصَّ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الثُّلُثَ فَمَا دُونَهُ فِي مَالِ
стр. 4822
الْجَانِي، وَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْعَاقِلَةِ؟ فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ نَعْلَمُهَا أَصْلًا - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ، إذْ كُلُّ قَوْلٍ لَا حُجَّةَ لَهُ، فَهُوَ سَاقِطٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي - فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ: مَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَلَّفَ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَعَاقِلِهِمْ فَكَانَتْ بَنُو سَاعِدَةَ فُرَادَى عَلَى مَعْقُلَةٍ يَتَعَاقَلُونَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا، وَيَكُونُ مَا دُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ اكْتَسَبَ وَجَنَى» .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: «عَاقَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ: فَجَعَلَ الْعَقْلَ بَيْنَهُمْ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ» .
وَمَا ناه حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ نا مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا فِي جَاهِلِيَّتِنَا وَإِنَّمَا نَحْمِلُ مِنْ الْعَقْلِ مَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَنُؤْخَذُ بِهِ حَالًّا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَنَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَتَجَازَى، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ كُنَّا فِيمَنْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَعَاقِلِ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ: ثُلُثَ الدِّيَةِ - رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الِاحْتِجَاجِ، فَوَجَدْنَاهُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَيْنِ عَنْ رَبِيعَةَ مُرْسَلَانِ.
أَمَّا الْمُسْنَدُ - فَهَالِكٌ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، تُرِكَ بِأَخَرَةٍ - وَهُوَ أَيْضًا عَنْ الْوَاقِدِيِّ، وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ.
ثُمَّ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَرُبَّ مُرْسَلٍ أَصَحَّ مِنْ هَذَا قَدْ تَرَكُوهُ، كَالْمُرْسَلِ فِي: أَنَّ فِي الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ: ثُلُثَ دِيَتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَهُوَ مُرْسَلٌ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ وَابْنِ سَمْعَانَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ - ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمَا كَانَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُجَّةٌ.
وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْ حُكْمِهِ: فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ رُبُعُ ثَمَنِهَا، وَكِتَابُهُ
стр. 4823
بِذَلِكَ إلَى الْقُضَاةِ فِي الْبِلَادِ، وَمِنْ خُطْبَتِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّ فِي الضِّلْعِ جَمَلًا، وَفِي التَّرْقُوَةِ جَمَلًا.
وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ عُمَرَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ لَيْسَ حُجَّةً، وَيَكُونَ قَوْلٌ مَكْذُوبٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ حُجَّةً - فَسَقَطَ كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مَا دُونَ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ الدِّيَةِ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنْ قَالُوا: إنَّ الْأَمْوَالَ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُؤَقَّتٌ لَا يَتَعَدَّى - وَوَجَدْنَا ثُلُثَ الدِّيَةِ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَرْشًا مَعْلُومًا لَا يَتَعَدَّى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كُلُّ مَا لَهُ أَرْشٌ مَحْدُودٌ فَتَحَمَّلَهُ الْعَاقِلَةُ، وَمَا لَا أَرْشَ لَهُ مَحْدُودًا فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؟ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَوْلٌ كَاذِبٌ، وَبَاطِلٌ مَوْضُوعٌ، وَلَا نَدْرِي أَيْنَ وَجَدُوا هَذَا إلَّا بِظُنُونٍ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي تَقْسِيمِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَمُرَاعَاةِ مَالِكٍ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْجَانِيَةَ، أَوْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ إذَا كَانَ هُوَ الْجَانِيَ، وَمُرَاعَاةِ أَبِي حَنِيفَةَ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خَاصَّةً - رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً - فَوَجَدْنَاهُمَا تَقْسِيمَيْنِ لَمْ يَسْبِقْ أَبَا حَنِيفَةَ إلَى تَقْسِيمِهِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ، وَلَا سَبَقَ مَالِكًا فِي تَقْسِيمِهِ هَذَا أَحَدٌ نَعْلَمُهُ، وَلَئِنْ جَازَ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ أَنْ يَقُولَا قَوْلًا بِرَأْيِهِمَا لَا يُعْرَفُ لَهُ قَائِلٌ قَبْلَهُمَا، فَمَا حَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَلَا أَبَاحَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُبِحْهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ دُونَهُمَا، لَا سِيَّمَا مَنْ قَالَ بِمَا أَوْجَبَهُ الْقُرْآنُ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ مَنْ صَوَّبَ لِمَالِكٍ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلًا بِالرَّأْيِ لَمْ يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَ بِهِ قَبْلَهُمَا ثُمَّ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ مُتَّبِعًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ قَوْلًا لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ أَنَّهُ قَالَ بِهِ، وَلَا صَحَّ إجْمَاعٌ بِخِلَافِهِ - فَمَا تَرَكَ لِلْبَاطِلِ شَغَبًا؟ ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَا كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا فَعَلَى الْعَاقِلَةِ، وَمَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَعَلَى قَوْمِ الْجَانِي خَاصَّةً - فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ - فَسَقَطَ.
стр. 4824
ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الزِّنَادِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْقَبَائِلُ وَتَرَاضَتْ بِهِ فَقَطْ، فَوَجَدْنَاهُ مُخْبِرًا عَنْ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَصَحَّ بِإِخْبَارِ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا سُنَّةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَرَاضٍ فَقَطْ فَهَذَا لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ قَطْعًا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَوَجَدْنَا حُجَّتَهُمْ أَنْ قَالُوا: لَمَّا حَمَلَتْ الدِّيَةَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ كَانَ حَمْلُهَا لِبَعْضِ الدِّيَةِ وَلِلْقَلِيلِ أَوْلَى، إذْ مَنْ حَمَلَ الْكَثِيرَ وَجَبَ أَنْ يَحْمِلَ الْقَلِيلَ - وَهَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَصَحَّ أَنَّهَا آرَاءٌ مُجَرَّدَةٌ لَا سُنَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا إجْمَاعَ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ التَّنَازُعِ فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» .
فَوَجَبَ أَنْ لَا تَلْزَمَ الْعَاقِلَةَ غَرَامَةٌ أَصْلًا إلَّا حَيْثُ أَوْجَبَهَا النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ بِإِيجَابِ دِيَةِ النَّفْسِ فِي الْخَطَأِ عَلَيْهَا وَصَحَّ النَّصُّ بِإِيجَابِ الْغُرَّةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْجَنِينِ عَلَى الْعَاقِلَةِ أَيْضًا، لَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنْ تَلْزَمَ غَرَامَةٌ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا غَرَامَةٌ لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﵇ وَلَا يَصِحُّ فِيهَا كَلِمَةٌ عَنْ صَاحِبٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا فِيهَا آثَارٌ عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ التَّابِعِينَ مُخْتَلِفِينَ غَيْرَ مُتَّفِقِينَ - فَصَحَّ أَنَّهَا أَقْوَالٌ عُذِرَ قَائِلُهَا بِالِاجْتِهَادِ وَقَصْدِ الْخَيْرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة هَلْ يَغْرَمُ الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ]
٢١٤٦ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يَغْرَمُ الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ: يَغْرَمُ الْقَاتِلُ خَطَأً مَعَ عَاقِلَتِهِ.
стр. 4825
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابُنَا: لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي الْغَرَامَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَمَا عَجَزَتْ عَنْهُ الْعَاقِلَةُ فَهُوَ فِي مَالِهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا -: فَوَجَدْنَا الْمُوجِبِينَ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً أَنْ يَغْرَمَ مَعَ عَاقِلَتِهِ يَقُولُونَ: إنَّ سَعْدَ بْنَ طَارِقٍ رَوَى عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: قَتَلْتُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ رَجُلًا ظَنَنْته كَافِرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مُسْلِمٌ بَرِيءٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ، قَالَ: فَأَخْبَرْتُ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الدِّيَةُ عَلَيْك وَعَلَى قَوْمِك.
قَالُوا: وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ السَّلَفِ مُخَالِفٌ.
وَقَالُوا: إنَّمَا الْغُرْمُ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَغْرَمُ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ النُّصْرَةِ لَهُ، فَهُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ - مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، فَوَجَدْنَاهُ لَا حُجَّةَ لَهُ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا تَابِعٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا وَجَدْنَاهُ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ - فَسَقَطَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَكَمَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْعَاقِلَةِ: كَمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةُ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إنَّ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «ضَرَبَتْ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ
стр. 4826
الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ» فَهَذَا نَصُّ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَرَاءَةِ الْجَانِيَةِ مِنْ الدِّيَةِ جُمْلَةً، وَأَنَّ مِيرَاثَهَا لِزَوْجِهَا وَبَنِيهَا، لَا مَدْخَلَ لِلْغَرَامَةِ فِيهِ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَصَبَتِهَا، وَهِيَ لَيْسَتْ عَصَبَةً لِنَفْسِهَا، لَا فِي شَرِيعَةٍ، وَلَا فِي لُغَةٍ.
فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ الْجَانِي خَطَأً مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ، وَلَا مِنْ الْغُرَّةِ شَيْئًا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ عَجَزَتْ الْعَاقِلَةُ: فَالدِّيَةُ، وَالْغُرَّةُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُمْ غَارِمُونَ، فَحَقُّهُمْ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِالدِّيَةِ عَلَى أَوْلِيَائِهَا.
وَبُرْهَانٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْأَمْوَالَ مُحَرَّمَةٌ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَقَدْ صَحَّ النَّصُّ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَغْرَمُ الدِّيَةَ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّ الْقَاتِلَ يَغْرَمُ مَعَهُمْ شَيْئًا، فَلَمْ يَحِلَّ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀ وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِعُمَرَ ﵁ وَهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ نَفْسِهِ، وَفِي غَيْرِهِ، فَمِمَّا حَضَرَنَا ذِكْرُهُ مِنْ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا فَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ خَطَأً، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالدِّيَةِ فِيهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ - وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا؟ .
[مَسْأَلَة كَمْ يَغْرَمُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ]
٢١٤٧ - مَسْأَلَةٌ: كَمْ يَغْرَمُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَدْ قُلْنَا: مِنْ الْعَاقِلَةِ.
ثُمَّ وَجَبَ النَّظَرُ: أَيَدْخُلُ فِيهَا: الصِّبْيَانُ، وَالْمَجَانِينُ، وَالنِّسَاءُ، وَالْفُقَرَاءُ أَمْ لَا؟ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَصَبَةِ، وَلَيْسَ النِّسَاءُ عَصَبَةً أَصْلًا، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِنَّ هَذَا الِاسْمُ، وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ
стр. 4827
إجْمَاعٍ، وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ فِي إيجَابِ الْغُرْمِ عَلَى نِسَاءِ الْقَوْمِ فِي الدِّيَةِ الَّتِي تَغْرَمُهَا الْعَاقِلَةُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْفُقَرَاءِ، فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] .
فَهَذَا عُمُومٌ فِي كُلِّ نَفَقَةٍ فِي بِرٍّ، يُكَلَّفُهَا الْمَرْءُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهَذَا الْحُكْمِ نَفَقَةٌ - دُونَ نَفَقَةٍ - لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، فَلَا يَحِلُّ الْقَطْعُ لِأَحَدٍ: بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ مَا قَبْلَهَا خَاصَّةً فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ الْفُقَرَاءَ خَارِجُونَ مِمَّا تُكَلَّفُهُ الْعَاقِلَةُ.
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، فَوَجَدْنَا اسْمَ " عَصَبَةٍ " يَقَعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا عَلَى إخْرَاجِهِمْ عَنْ هَذِهِ الْكُلْفَةِ، بَلْ قَدْ وَجَدْنَا أَحْكَامَ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ تَلْزَمُهُمْ، كَالزَّكَاةِ الَّتِي قَدْ صَحَّ النَّصُّ بِإِيجَابِهَا عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعَ الْحَاضِرُونَ مِنْ الْمُخَالِفِينَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ زَكَاةَ مَا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ، وَالثِّمَارِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ النَّفَقَاتِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ عَلَيْهِمْ.
وَلَمْ نَحْتَجَّ بِهَذَا لِأَنْفُسِنَا، لَكِنْ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لَنَا، لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَمْوَالِ الصِّبْيَانِ، وَالْمَجَانِينِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ لُزُومِ النَّفَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ لَهُمْ، وَبَيْنَ لُزُومِ الدِّيَةِ مَعَ سَائِرِ الْعَصَبَةِ لَهُمْ؟ لَا سِيَّمَا وَهُمْ يَرَوْنَ الدِّيَةَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، إذَا قَتَلَ، وَيَرَوْنَ أُرُوشَ الْجِرَاحَاتِ عَلَيْهِمْ أَيْضًا - وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا خَفَاءَ بِهِ؟ فَإِنْ قَالُوا: فَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَنْهُمْ فِيمَا جَنَوْهُ، ثُمَّ تَرَوْنَهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا جَنَاهُ غَيْرُهُمْ؟ قُلْنَا نَعَمْ؛ لِأَنَّنَا لَا نَقُولُ بِالْمَقَايِيسِ فِي الدِّينِ، وَلَا أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْآرَاءُ، بَلْ نَكْفُرُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَنَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ.
وَقَدْ وَجَدْنَا الْقَاتِلَ يَقْتُلُ عَدَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا فَيَعْفُو عَنْهُ أَوْلِيَاؤُهُمْ، فَيُحَرَّمُ
стр. 4828
دَمُهُ، وَيَمْضِي سَالِمًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْرِقُ دِينَارًا، أَوْ يَزْنِي بِأَمَةٍ سَوْدَاءَ فَيَعْفُو عَنْهُ رَبُّ الدِّينَارِ، وَسَيِّدُ السَّوْدَاءِ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ، وَلَا الْقَتْلُ بِالْحِجَارَةِ - إنْ كَانَ مُحْصَنًا - وَأَيْنَ هَذَا وَالدِّينَارُ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ؟ وَوَجَدْنَاكُمْ تَقُولُونَ: إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَا تُؤَدِّيهَا عَنْ نَفْسِهَا، بَلْ يُؤَدِّيهَا عَنْهَا غَيْرُهَا - وَهُوَ زَوْجُهَا.
وَيَقُولُ الْحَنَفِيُّونَ: الْأُضْحِيَّةُ فَرْضٌ عَلَى الْمَرْأَةِ فَلَا تُؤَدِّيهَا هِيَ، لَكِنْ يُؤَدِّيهَا عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِذَا قُلْتُمْ هَذَا حَيْثُ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ﵇، وَأَنْتُمْ أَهْلُ آرَاءٍ وَقِيَاسٍ فِي الدِّينِ؟ فَنَحْنُ أَوْلَى بِأَنْ نَقُولَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﷺ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ احْتِجَاجَكُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ - فَذَكَرَ - الصَّبِيَّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ» .
قُلْنَا: نَحْنُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - قَائِلُونَ بِهِ، وَمُسْقِطُونَ عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ كُلَّ حُكْمٍ وَرَدَ بِخِطَابِ أَهْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ، فَهُمَا خَارِجَانِ عَمَّنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَنَحْنُ نُلْزِمُهُمَا كُلَّ غَرَامَةٍ فِي مَالٍ جَاءَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ بِغَيْرِ خِطَابٍ لِأَهْلِهِ، وَالْحُكْمُ هَاهُنَا جَاءَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِأَنَّ الدِّيَةَ وَالْغُرَّةَ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَلَمْ يُخَاطِبْ الْعَصَبَةَ، وَلَا الْتَفَتَ ﵇ إلَى اعْتِرَاضِ مَنْ اعْتَرَضَ مِنْهُمْ، بَلْ أَنْفَذَ الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ، فَنَحْنُ نُنْفِذُ الْحُكْمَ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْعَصَبَةِ وَلَا نُبَالِي صِبْيَانًا كَانُوا أَوْ مَجَانِينَ أَوْ غُيَّبًا أَوْ حَاضِرِينَ، وَلَمْ نُوجِبْ ذَلِكَ فِيمَا جَنَاهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فِيمَا قَتَلَهُ مُخَاطَبُ الْكَفَّارَةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: ثُمَّ نَظَرْنَا فِي مِقْدَارِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ الْعَصَبَةِ؟ فَوَجَدْنَا قَوْمًا قَالُوا: لَا يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ ثَلَاثَةٌ.
وَقَوْمًا قَالُوا: يُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَمِنْ الْمُقِلِّ رُبُعُ دِينَارٍ - فَكَانَتْ هَذِهِ حُدُودًا لَمْ يَأْتِ بِهَا حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ رَسُولِهِ ﷺ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إلَيْهَا
стр. 4829
وَوَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ مَا الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ؟ فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدِّيَةِ، وَبِالْغُرَّةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْمِلُوا مِنْ ذَلِكَ مَا يُطِيقُونَ، وَمَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَمَا لَا يَبْقَوْنَ بَعْدَهُ فِي عُسْرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ - أَعْنِي الْعُسْرَ بِنَا - قَطُّ، فَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْمَرْءِ مَا لَا يَبْقَى بَعْدَهُ مُعْسِرًا، أَوْ يُعْدَلُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَمَنْ احْتَمَلَ مَالُهُ أَبْعِرَةً كَثِيرَةً، وَلَمْ يُجْحِفْ ذَلِكَ بِهِ كُلِّفَ ذَلِكَ - وَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ إلَّا جُزْءًا مِنْ بَعِيرٍ كَذَلِكَ: أَشْرَكَ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ مِنْهُمْ فِي الْبَعِيرِ، هَكَذَا حَتَّى تَتِمَّ الدِّيَةُ - وَهَكَذَا فِي حُكْمِ الْغُرَّةِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَالِ الْمَرْءِ مِنْهُمْ وَعِيَالِهِ، فَتُفْرَضُ الدِّيَةُ، وَالْغُرَّةُ عَلَى الْفَضَلَاتِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ - الَّتِي يَبْقَوْنَ بَعْدَهَا - لَوْ ذَهَبَتْ - أَغْنِيَاءَ - فَيُعْدَلُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] .
وَالْعَدْلُ: هُوَ الْأَخْذُ بِالسُّنَّةِ، لَا بِأَنْ يُسَاوَى بَيْنَ ذِي الْفَضْلَةِ الْقَلِيلَةِ، وَالْفَضْلَةِ الْكَثِيرَةِ - فَيُؤْخَذَ مِنْهُمْ سَوَاءٌ - لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ الْكَثِيرِ كَثِيرٌ، وَمِنْ الْقَلِيلِ قَلِيلٌ - وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْحَقُّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة هَلْ يُعْقَلُ عَنْ الْحَلِيفِ وَعَنْ الْمَوْلَى وَعَنْ الْعَبْدِ أَمْ لَا]
٢١٤٨ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُعْقَلُ عَنْ الْحَلِيفِ؟ وَعَنْ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ؟ أَوْ مِنْ فَوْقُ؟ وَعَنْ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُعْقَلُ عَمَّنْ أَسْلَمَ عَنْ يَدَيْهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ قَوْمٌ: يَعْقِلُ عَنْ الْمَوْلَى الْمُعْتَقِ مَوَالِيهِ مِنْ فَوْقُ: كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ
стр. 4830
إبْرَاهِيمَ، قَالَ: اخْتَصَمَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، فِي مَوَالٍ لِصَفِيَّةَ؟ فَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ لِلزُّبَيْرِ، وَالْعَقْلَ عَلَى عَلِيٍّ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي رَجُلٍ أَعْتَقَهُ قَوْمٌ، وَأَعْتَقَ أَبَاهُ آخَرُونَ؟ قَالَ: يَتَوَارَثُونَ بِالْأَرْحَامِ، وَالْعَقْلُ عَلَى الْمَوَالِي.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا يَمُوتُ قَبْلَنَا، وَلَيْسَ لَهُ رَحِمٌ وَلَا وَلِيٌّ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: إنْ تَرَكَ ذَا رَحِمٍ، فَالرَّحِمُ، وَإِلَّا فَالْوَلَاءُ، وَإِلَّا فَبَيْتُ الْمَالِ يَرِثُونَهُ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ فَمَاتَ وَتَرَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَتَحَرَّجْت مِنْهَا فَرَفَعْتهَا إلَيْك؟ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ جَنَى جِنَايَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ تَكُونُ؟ قَالَ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَمِيرَاثُهُ لَكَ.
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إذَا وَالَى الرَّجُلُ رَجُلًا فَلَهُ مِيرَاثُهُ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ عَقْلُهُ.
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَبَى الْقَوْمُ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْ مَوْلَاهُمْ، أَيَكُونُ مَوْلَى مَنْ عَقَلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: إمَّا أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ، وَإِمَّا أَنْ نَعْقِلَ عَنْهُ، وَهُوَ مَوْلَانَا، قَالَ عَطَاءٌ فَإِنْ أَبَى أَهْلُهُ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ، وَأَبَى النَّاسُ، فَهُوَ مَوْلَى الْمُصَابِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: إذَا أَبَتْ الْعَاقِلَةُ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْ مَوْلَاهُمْ أُجْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ.
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ فَلَهُ مِيرَاثُهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي رَجُلٍ تَوَلَّى قَوْمًا قَالَ: إذَا عَقَلَ عَنْهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: غَيْرَ هَذَا - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ أَنَّ مَوْلًى لِبَنِي جَشْمٍ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً فَسَأَلَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا تَعْقِلُ الْعَرَبُ عَنْ الْمَوَالِي.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَنْ الْمَوْلَى وَالْحَلِيفِ
стр. 4831
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ وَالَى غَيْرَ مَنْ أَعْتَقَهُ لَكِنْ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُمْ وَيُوَالِيَ غَيْرَهُمْ مَا لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ، فَإِذَا عَقَلُوا عَنْهُ فَلَا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُمْ بِوِلَايَةٍ أَبَدًا.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابُنَا: لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَنْ الْمَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ، وَلَا عَنْ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ، وَلَا عَنْ الْحَلِيفِ، وَلَا عَنْ الْعَبْدِ.
فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نُخَلِّصَ أَقْوَالَهُمْ ثُمَّ نَذْكُرَ كُلَّ مَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا؛ لِيَظْهَرَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتَّبِعَهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ: فَكَانَ الْحَاصِلُ - مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ الْمَوَالِيَ مِنْ فَوْقُ يَعْقِلُونَ عَنْ الْمَوَالِي الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ، وَأَنَّ ذَوِي الرَّحِمِ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْمَوَالِي الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ، ثُمَّ الْمُعْتِقُونَ، ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ.
وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا يَعْقِلُ عَنْهُ، وَأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ إنْسَانٍ فَوَلَاؤُهُ لَهُ يَرِثُهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ.
وَصَحَّ مِنْ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ الْمَوَالِيَ مِنْ فَوْقُ يَعْقِلُونَ عَمَّنْ أَعْتَقُوهُ، فَإِنْ أَبَوْا عَقَلَ عَنْهُمْ الْإِمَامُ وَزَالَ وَلَاؤُهُ عَنْ الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ إلَى الَّذِي عَقَلَ عَنْهُ - وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ أَدْرَكَهُ.
وَصَحَّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّ الْمُعْتِقِينَ يَعْقِلُونَ عَنْ مَوْلَاهُمْ الَّذِي أَعْتَقُوهُ، وَعَمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْهُمْ - وَصَحَّ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْمُعْتِقُونَ عَمَّنْ أَعْتَقُوا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي طَلَبِ الْبُرْهَانِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا - وَهُوَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ - فَوَجَدْنَا مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُعْتِقِينَ يَعْقِلُونَ عَمَّنْ أَعْتَقُوهُ يَقُولُونَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .
وَقَالَ ﵇ «كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلَّا شِدَّةً» .
كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا
стр. 4832
حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلَّا شِدَّةً» .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: «كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عَقِيلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؟ فَأَتَاهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي وَأَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ قَالَ: إعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَفِيقًا - فَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ - قَالُوا: فَإِذَا كَانَ الْمَوْلَى مِنْ الْقَوْمِ، وَالْحَلِيفُ مِنْ الْقَوْمِ - وَهُمْ مَأْخُوذُونَ بِجَرِيرَتِهِ - فَالْعَقْلُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا: أَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» فَحَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَيْسَ كَوْنُهُ مِنْهُمْ مُوجِبًا أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ قَالَ أَيْضًا «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - هُوَ غُنْدَرٌ - نا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ وَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، إلَّا ابْنَ أُخْتٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لَأَنْ يَعْقِلَ عَنْهُمْ، أَوْ يَعْقِلُوا عَنْهُ إذْ لَا يَقْتَضِي قَوْلُهُ ﵇ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْعُقَيْلِيِّ «أَخَذْتُكَ
стр. 4833
بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ مِنْ ثَقِيفَ» فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا لِوُجُوهٍ -: أَحَدُهَا - أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ - إذْ أَخْذُهُ مُسْلِمًا حَرَامٌ أَخْذُهُ - لَوْلَا جَرِيرَةُ حُلَفَائِهِ، بَلْ أَخَذَ كَافِرًا حَلَالًا أَخْذُهُ، وَدَمُهُ، وَمَالُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إلَّا أَنَّهُ تَأَكَّدَ أَمْرُهُ مِنْ أَجْلِ جَرِيرَةِ حُلَفَائِهِ فَقَطْ - وَلَسْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - إنَّمَا نَحْنُ فِي مُسْلِمِينَ حَرَامٌ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، هَلْ يُؤْخَذُونَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِهِمْ أَمْ لَا؟ .
وَثَانِيهَا: أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْجَرِيرَةِ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مُسْلِمٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلَوْ أَنَّ حُلَفَاءَ الْإِنْسَانِ أَوْ إخْوَانَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ وَلَدَهُ: يَأْسِرُ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ: لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ حَلِيفَهُ، وَلَا أَخَاهُ، وَلَا ابْنَهُ، وَلَا أَبَاهُ عَنْهُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ، وَقِيَاسُ مُؤْمِنٍ عَلَى كَافِرٍ، وَجِنَايَةِ قَتْلِ خَطَأٍ عَلَى أَسْرِ كُفَّارٍ لِمُؤْمِنٍ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ مِمَّنْ مَوَّهَ بِهَذَا الْخَبَرِ فَحَرَّفَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ - جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلَّا شِدَّةً» فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُخَالِفْهُمْ فِي بَقَاءِ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْحِلْفِ فِي الْإِسْلَامِ فَيَحْتَجُّوا عَلَيْنَا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ هَلْ يَعْقِلُ الْحُلَفَاءُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَمَا مَعْنَى بَقَاءِ الْحِلْفِ إذَا قُلْنَا: مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ كَأَنَّهُمْ مِنْهُمْ، فَإِذَا غَزَوْا غَزَوْا مَعَهُمْ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُمْ حَاجَةٌ تَكَلَّمُوا فِيهَا كَمَا يَتَكَلَّمُ الْأَهْلُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - وَأَمَّا إيجَابُ غَرَامَةٍ فَلَا.
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ نا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ: قِيلَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بَلَغَنَا «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَالَفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِهِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: «فِي دَارِهِ بِالْمَدِينَةِ» ؟ قَالَ عَلِيٌّ ﵀: فَهَذَا أَعْظَمُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ أَنْ يَعْقِلَ الْحَلِيفُ عَنْ حَلِيفِهِ؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَالَفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ» ، وَلَا حِلْفَ أَقْوَى وَأَشَدَّ مِنْ حِلْفٍ عَقَدَهُ
стр. 4834
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَوْ عَقَلَ الْحُلَفَاءُ عَنْ الْحَلِيفِ لَوَجَبَ أَنْ تَعْقِلَ قُرَيْشٌ عَنْ الْأَنْصَارِ، وَالْأَنْصَارُ عَنْ قُرَيْشٍ - وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَاجِبٌ أَنْ نَطْلُبَ مَعْرِفَةَ الْوَقْتِ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ -: فَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: إنَّ كُلَّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ فَهُوَ مَشْدُودٌ، وَكُلَّ حِلْفٍ كَانَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ فَهُوَ مَنْقُوضٌ؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ وَادَعَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ ﵇ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ: أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهَا دَخَلَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَقْدِهِ دَخَلَ» .
وَقَضَى عُثْمَانُ: أَنَّ كُلَّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ جَاهِلِيٌّ ثَابِتٌ، وَكُلَّ حِلْفٍ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَفْسُوخٌ، قَضَى بِذَلِكَ فِي قَوْمٍ مِنْ بَنِي بَهْزٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ. وَقَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ كُلَّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] فَهُوَ جَاهِلِيٌّ ثَابِتٌ وَكُلَّ حِلْفٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِهَا فَهُوَ إسْلَامِيٌّ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّ مَنْ حَالَفَ لِيَدْخُلَ فِي قُرَيْشٍ بَعْدَ نُزُولِ ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ دَاخِلًا فِيهِمْ، قَضَى فِي ذَلِكَ فِي حِلْفِ رَبِيعَةَ الْعُقَيْلِيِّ، فِي جُعْفِيٍّ، وَهُوَ جَدُّ إِسْحَاقَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ؛ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فَهُوَ مَشْدُودٌ، وَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِهَا فَهُوَ مَفْسُوخٌ، فَوَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ -: فَأَمَّا قَوْلُ عُثْمَانَ ﵁ إنَّ حَدَّ انْقِطَاعِ الْحِلْفِ إنَّمَا هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْهِجْرَةِ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى - كَمَا ذَكَرْنَا - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَالَفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ» ، وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ هَذَا الْحِلْفَ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ﵁ فِي تَحْدِيدِهِ انْقِطَاعَ الْحِلْفِ بِيَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ فَهَذَا
стр. 4835
أَيْضًا مُتَوَقِّفٌ؛ لِأَنَّ حِلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَا نَدْرِي أَقَبْلَ الْحُدَيْبِيَةَ أَمْ بَعْدَهَا.
فَأَمَّا نُزُولُ ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] وَالْآيَةِ الْأُخْرَى فَمَا نَدْرِي مَتَى نَزَلَتَا؟ لِأَنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ - رَاوِي «كُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلَّا شِدَّةً» لَمْ يُسْلِمْ إلَّا يَوْمَ الْفَتْحِ، فَلَا يُحْمَلُ هَذَا الْخَبَرُ إلَّا عَلَى يَوْمِ الْفَتْحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ جُمْلَةً.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَطْلُبَ حُكْمَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَصَبَةِ - هَكَذَا جَاءَ النَّصُّ - فِي خَبَرِ دِيَةِ الْقَاتِلَةِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى الْعَصَبَةِ، وَمَنْ هُمْ الْعَصَبَةُ؟ فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَكَمَ بِمِيرَاثِ الْقَاتِلَةِ لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَحَكَمَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَصَبَتِهَا - فَبَطَلَ أَنْ تَكُونَ الْوَرَثَةُ هُمْ الْعَصَبَةُ؟ بِخِلَافِ مَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: الْعَقْلُ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِيرَاثُ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَعَلَّ مُحْتَجًّا يَحْتَجُّ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .
فَيَقُولُ: إنَّ هَذَا حُكْمُ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ؟ فَيُقَالُ لَهُ: نَعَمْ، هَذَا صَحِيحٌ، وَهَذَا حُكْمُ الْمَوَارِيثِ لَا حُكْمُ الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرِثُ بِالْوَلَاءِ الْمَرْأَةُ إذَا أَعْتَقَتْ مَوْلًى لَهَا وَلَيْسَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْعَصَبَةِ؟ .
[مَسْأَلَة تَعَاقُلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ نا عَمْرٌو - هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ - أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ فِي الْمُعَاهِدِ يَقْتُلُ، قَالَ: إنْ كَانُوا يَتَعَاقَلُونَ فَعَلَى الْعَوَاقِلِ، وَإِنْ كَانَ لَا، فَدَيْنٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَذِمَّتِهِ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي الْمُعَاهِدِ يَقْتُلُ، قَالَ: دِيَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ.
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ قَالَ: دِيَتُهُ عَلَى أَهْلِ طسوجه.
следующие страницы →