← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ مَخْلُوقٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَمَّا الَّذِي قَالَ لِلرَّجُلِ: احْبِسْ لِي الدَّابَّةَ فَصَدَمَتْهُ فَقَتَلَتْهُ: فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي أَمَرَهُ بِحَبْسِهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا بَاشَرَ فِيهِ إتْلَافَهُ. فَلَوْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِحَبْسِ الدَّابَّةِ رَمَاهَا فَقَتَلَهَا، أَوْ جَنَى عَلَيْهَا فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مِنْ إتْلَافِهَا، وَمِنْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا مَا لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِعْلَهُ، فَهُوَ مُتْلِفٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَجَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمُبَاشِرٌ لِذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وَكَذَلِكَ - لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا، أَوْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا فَفَعَلَ لَضَمِنَ، لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ، وَبِمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالْأَمْرِ، وَالْمَأْمُورُ أَيْضًا مُتَعَدٍّ بِالِائْتِمَارِ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمُبَاشَرَتِهِ الْجِنَايَةَ. وَأَمَّا مَنْ ضَمَّ صَبِيَّةً مِنْ دَابَّةٍ فَرَمَحَتْهَا الدَّابَّةُ فَقَتَلَتْهَا: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ إتْلَافَهَا، وَ " جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ ". وَأَمَّا الَّذِي حَمَلَ صَبِيًّا فَسَقَطَ فِي مَهْوَاةٍ فَمَاتَ الصَّبِيُّ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ مِنْ وُقُوعِ حَامِلِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَالضَّمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ قَاتِلٌ خَطَأً - وَإِنْ كَانَ مَاتَ مِنْ الْوَقْعَةِ لَا مِنْ وُقُوعِ حَامِلِهِ عَلَيْهِ، فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ. فَلَوْ مَاتَ الْحَامِلُ حِينَ وُقُوعِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، أَوْ قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ، لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ عَلَى مَيِّتٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اللِّصُّ يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ هَلْ لَهُ قَصْدُ قَتْلِهِ] ٢١١٧ - مَسْأَلَةٌ: اللِّصُّ يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ هَلْ لَهُ قَصْدُ قَتْلِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَصْلَتَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى لِصٍّ بِالسَّيْفِ، فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ حُجَيْرِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: قُلْت لِعِمْرَانِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَرَأَيْت إنْ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ يُرِيدُ نَفْسِي وَمَالِي؟ قَالَ عِمْرَانُ: لَوْ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ يُرِيدُ نَفْسِي وَمَالِي لَرَأَيْت أَنْ قَدْ حَلَّ لِي قَتْلُهُ.

стр. 4762

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ عَوْفٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: اُقْتُلْ اللِّصَّ، وَالْحَرُورِيَّ، وَالْمُسْتَعْرِضَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَرَكَ قِتَالَ رَجُلٍ يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ أَوْ يَطْرُقُهُ فِي بَيْتِهِ تَأَثُّمًا مِنْ ذَلِكَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا دَخَلَ اللِّصُّ دَارَ الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ فَلَا ضِرَارَ عَلَيْهِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الرَّجُلُ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَاقْتُلْهُ، فَمَا أَصَابَك مِنْ شَيْءٍ فَعَلَيَّ. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت لِعُبَيْدَةَ: أَرَأَيْت إنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ يُرِيدُ بَيْتِي؟ قَالَ: إنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْك بَيْتَك لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْك مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَحِلُّ لَك نَفْسُهُ. وَعَنْ مَنْصُورٍ أَنَّهُ سَأَلَ إبْرَاهِيمَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْرِضُ لِلرَّجُلِ يُرِيدُ مَالَهُ أَيُقَاتِلُهُ؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: لَوْ تَرَكَهُ لَقَتَلَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ نا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ - نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَنِي، قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ» . قَالَ عَلِيٌّ: فَمَنْ أَرَادَ أَخْذَ مَالِ إنْسَانٍ ظُلْمًا مِنْ لِصٍّ، أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ تَيَسَّرَ لَهُ طَرْدُهُ مِنْهُ وَمَنْعُهُ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ حِينَئِذٍ: فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ - وَإِنْ تَوَقَّعَ - أَقَلَّ تَوَقُّعٍ - أَنْ يُعَاجِلَهُ اللِّصُّ: فَلْيَقْتُلْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ. فَإِنْ قِيلَ: اللِّصُّ مُحَارِبٌ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحَارِبِ؟ قُلْنَا: فَإِنْ كَابَرَ وَغَلَبَ فَهُوَ مُحَارِبٌ، وَاخْتِيَارُ الْقَتْلِ فِي الْمُحَارِبِ إلَى الْإِمَامِ لَا إلَى غَيْرِهِ، أَوْ إلَى مَنْ قَامَ بِالْحَقِّ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إمَامٌ، وَإِنْ لَمْ يُكَابِرْ وَلَا غَلَبَ، لَكِنْ تَلَصَّصَ: فَلَيْسَ مُحَارِبًا، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ أَصْلًا. وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4763

[مَسْأَلَةٌ صَاحِبُ الْمَعْبَرِ يَعْبُرُ بِدَوَابَّ فَغَرِقَتْ .] صَاحِبُ الْمَعْبَرِ يَعْبُرُ بِدَوَابَّ فَغَرِقَتْ. قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ، قَالَ لِي: صَاحِبُ الْمَعْبَرِ يَعْبُرُ بِدَوَابَّ فَغَرِقَتْ؟ قَالَ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنْ يُبَاشِرَ تَعْطِيبَ الْمَعْبَرِ، أَوْ تَعْطِيبَ السَّفِينَةِ، فَيَضْمَنُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ اسْتَعَانَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَتَلِفَ] ٢١١٨ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ اسْتَعَانَ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَتَلِفَ؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى صَبِيًّا فَرَسًا فَقَتَلَهُ؟ قَالَ: يَضْمَنُ الرَّجُلُ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا سُفْيَانُ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَعَنِتَ فَهُوَ ضَامِنٌ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ فِي عَبْدِ رَجُلٍ أَكْرَهَهُ رَجُلٌ فَحَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ فَأَوْطَأَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ؟ قَالَ: يَغْرَمُ الَّذِي حَمَلَ الْعَبْدَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ اسْتَعَانَ صَغِيرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَعَنِتَ، فَهُوَ ضَامِنٌ. وَمَنْ اسْتَعَانَ كَبِيرًا حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَعَنَتْ فَهُوَ غَيْرُ ضَامِنٍ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا إسْرَائِيلُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا فَرَسًا فَقَتَلَهُ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا. وَعَنْ عَوْفِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ حَيَّانَ الْحِمَّانِيُّ يَصْنَعُ الْخَيْلَ، وَأَنَّهُ حَمَلَ ابْنَهُ عَلَى فَرَسٍ فَخَرَّ، فَتَقَطَّرَ مِنْ الْفَرَسِ فَمَاتَ، فَجُعِلَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ زَمَانَ زِيَادٍ بِالْبَصْرَةِ. وَعَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: مَنْ حَمَلَ غُلَامًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَسَقَطَ فَمَاتَ، فَقَدْ غَرِمَ.

стр. 4764

وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا؟ وَقَالَ: يَغْرَمُ دِيَتَهُ لَوْ جَرَحَهُ. وَعَنْ رَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمَا قَالَا جَمِيعًا: مَنْ اسْتَعَانَ غُلَامًا لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَهُوَ لِمَا أَصَابَهُ ضَامِنٌ - وَقَالَا فِي الْحُرِّ يَمْلِكُ نَفْسَهُ: لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ اسْتِعَانَةُ شَيْءٍ إذَا أَتَى ذَلِكَ طَائِعًا؟ قَالَ رَبِيعَةُ: إلَّا أَنْ يُسْتَغْفَلَ، أَوْ يُسْتَجْهَلَ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسَمِعْت اللَّيْثَ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي الزِّنَادِ. وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْغُلَامِ يَسْتَعِينُهُ رَجُلٌ - وَلَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ -: فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ -، وَإِنْ اسْتَعَانَهُ بِإِذْنِ أَهْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: مَنْ اسْتَعَانَ مَمْلُوكًا بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ ضَمِنَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَحَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ مَنْ اسْتَعَانَ غُلَامًا - لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ - بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَهُوَ لَهُ ضَامِنٌ، فَإِنْ بَلَغَ خَمْسَةَ أَشْبَارٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ -، وَإِنْ اسْتَعَانَهُ بِإِذْنِ أَهْلِهِ -، وَهَذَا صَحِيحٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ ﵄ مَنْ حَمَلَ غُلَامًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ فَسَقَطَ فَمَاتَ فَقَدْ غَرِمَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُمَا. أَمَّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ - وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ - وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ. وَحَصَلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ: مَنْ أَعْطَى صَبِيًّا فَرَسًا فَقَتَلَهُ، فَالْمُعْطِي ضَامِنٌ وَعَنْ رَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، نَحْوُ ذَلِكَ. وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، نَحْوُ ذَلِكَ. فَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ بَيْنَ إذْنِ أَهْلِهِ، وَلَا بَيْنَ غَيْرِ إذْنِهِمْ. وَحَصَلَ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا بَالِغًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ تَلِفَ - وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ، نَحْوُهُ.

стр. 4765

وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ، وَأَبَا يُوسُفَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، قَالُوا: مَنْ غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا فَمَاتَ عِنْدَهُ بِحُمَّى أَوْ فَجْأَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ - فَإِنْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ: فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْغَاصِبِ، وَكَانَ زُفَرُ يَقُولُ: لَا يَضْمَنُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إذَا أَرْسَلَ صَبِيًّا فِي حَاجَةٍ فَجَنَى الصَّبِيُّ جِنَايَةً، قَالَ: فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ شَيْءٌ مِنْ جِنَايَتِهِ، قَالَ: فَإِذَا أَرْسَلَ مَمْلُوكًا فِي حَاجَةٍ فَجَنَى، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الَّذِي أَرْسَلَهُ، قَالَ: فَإِنْ اسْتَعْمَلَ أَجِيرًا صَغِيرًا فِي حَاجَةٍ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: مَنْ أَمَرَ صَغِيرًا، أَوْ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ بِأَنْ يَسْقِيَهُ مَاءً، أَوْ يُنَاوِلَهُ وَضُوءًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، قَالَ: فَإِنْ عَنِتَا فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُمَا. وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ مِنْهُمْ: أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَانَ صَغِيرًا، أَوْ عَبْدًا مَمْلُوكًا فِي شَيْءٍ لَهُ بَالٌ، فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُمَا - إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنٍ - وَإِذَا أَمَرَ الرَّجُلُ الصَّبِيَّ الْحُرَّ أَنْ يَنْزِلَ فِي بِئْرٍ، أَوْ يَرْقَى فِي نَخْلَةٍ، فَهَلَكَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَهُ - فَإِنْ اسْتَعَانَ كَبِيرًا حُرًّا فَأَعَانَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُسْتَغْفَلَ أَوْ يُسْتَجْهَلَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ غَصَبَ حُرًّا فَبَاعَهُ فَطُلِبَ؟ فَلَمْ يُوجَدْ: أَنَّهُ يَضْمَنُ دِيَتَهُ - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - فَلَا نَعْلَمُ لَهُ فِي هَذَا قَوْلًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا بَعَثَتْ إلَى مُعَلِّمِ الْكِتَابِ، ابْعَثْ لِي غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ صُوفًا وَلَا تَبْعَثْ إلَيَّ حُرًّا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِيَلُوحَ الْحَقُّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتْبَعُهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ - فَابْتَدَأْنَا بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃: فَأَمَّا الرِّوَايَةُ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ فِي طَلَبِهَا غِلْمَانًا يَنْفُشُونَ لَهَا الصُّوفَ، وَاشْتَرَطَتْ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ حُرٌّ؟ فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ حُكْمِ التَّضْمِينِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْبَابِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهَا - وَلَعَلَّ نَفْشَ الصُّوفِ كَانَ بِحَضْرَتِهَا

стр. 4766

فَكَرِهَتْ أَنْ يَرَاهَا حُرٌّ مِنْ الصِّبْيَانِ - وَلَعَلَّهُ قَدْ قَارَبَ الْبُلُوغَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ - وَرُؤْيَةُ الْعَبِيدِ لَهَا مُبَاحٌ، وَنَفْشُ الصُّوفِ لَا يُطِيقُهُ إلَّا مَنْ لَهُ قُوَّةٌ مِنْ الْغِلْمَانِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَا نَقْطَعُ بِهَذَا أَيْضًا إلَّا أَنَّنَا نَقْطَعُ أَنَّهُ لَيْسَ خَبَرُهَا هَذَا مِنْ حُكْمِ التَّضْمِينِ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ الَّذِي لَمْ يَصِحَّ عَنْ صَاحِبٍ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ غَيْرُهُ، فَوَجَدْنَاهُ حَدَّ مِقْدَارَ الصَّبِيِّ فِي ذَلِكَ بِخَمْسَةِ أَشْبَارٍ - وَقَدْ خَالَفَهُ الْحَنَفِيُّونَ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَى خُصُومِهِمْ بِقَوْلٍ قَدْ خَالَفُوهُ هُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَبَقِيَتْ الْأَقْوَالُ غَيْرُهَا، وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا - تَضْمِينُ مَنْ اسْتَعَانَ عَبْدًا أَوْ صَغِيرًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِمَا وَتَرْكُ تَضْمِينِهِ، إنْ اسْتَعْنَاهُمَا بِإِذْنِ أَهْلِهِمَا. وَالثَّانِي - تَضْمِينُهُ كَيْفَمَا اسْتَعَانَهُمَا بِإِذْنِ أَهْلِهِمَا، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا. وَالثَّالِثُ - قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ الْعَبْدَ الْكَبِيرَ لَا يَضْمَنُ مَنْ اسْتَعَانَهُ، لَكِنْ مَنْ اسْتَعَانَ الصَّغِيرَ ضَمِنَ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ، فَوَجَدْنَاهُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ فِي الصَّغِيرِ يُغْصَبُ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِحُمَّى، أَوْ فَجْأَةً، فَلَا يَضْمَنُ غَاصِبُهُ شَيْئًا، وَبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِصَاعِقَةٍ تَحْرِقُهُ، أَوْ حَيَّةٍ تَنْهَشُهُ فَيَضْمَنُ دِيَتَهُ - وَهَذَا عَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ. وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَعْضُدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ وَلَا مُسْتَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ، وَلَا مَعْقُولٌ، وَلَا احْتِيَاطٌ - وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا مِرْيَةٍ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا خَطَأً؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ اسْتِعَانَةِ الصَّغِيرِ وَالْعَبْدِ فِي الْأَمْرِ ذِي الْبَالِ فَيَضْمَنُ، وَمَنْ اسْتَعَانَهُمَا فِي الْأَمْرِ غَيْرِ ذِي الْبَالِ فَلَا يَضْمَنُ - وَهَذَا أَيْضًا تَقْسِيمٌ لَا يُؤَيِّدُهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قَوْلُ

стр. 4767

صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا رَأْيٌ سَدِيدٌ وَلَا مَعْقُولٌ - وَلَا يَخْلُو مُسْتَعِينُ الصَّغِيرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِذَلِكَ، أَوْ لَا يَكُونَ مُتَعَدِّيًا. -: فَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فَحُكْمُ الْعُدْوَانِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ - وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مُتَعَدِّيًا، فَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ مِمَّا لَيْسَ عُدْوَانًا سَوَاءٌ -، وَكَذَلِكَ إيجَابُ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ بَاعَ حُرًّا فَلَمْ يُوجَدْ الْحُرُّ؟ فَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ فَخَطَأٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَسْتَسْقِيَ الْمَرْءُ الصَّبِيَّ، وَعَبْدَ غَيْرِهِ الْمَاءَ، أَوْ يُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَحْمِلَا لَهُ وُضُوءًا - ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ ضَمَانَهُمَا إنْ تَلِفَا فِي ذَلِكَ، فَكَيْف يُجْعَلُ الضَّمَانُ فِيمَا حَدَثَ مِنْ فِعْلٍ قَدْ أَبَاحَهُ لِفَاعِلِهِ مِمَّا لَمْ يُبَاشِرْ هُوَ تِلْكَ الْجِنَايَةِ هَذَا ظُلْمٌ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ فَخَطَأٌ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ: أَوَّلُهَا - أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ يُرْسِلُ الصَّغِيرَ وَالْعَبْدَ لِغَيْرِهِ فِي حَاجَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِمَا فَجَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنَايَةً فَيَضْمَنُ الْمُرْسِلُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ الْكَبِيرِ، وَلَا يَضْمَنُ جِنَايَةَ الْحُرِّ الصَّغِيرِ - وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَعْضُدُهُ شَيْءٌ مِنْ الدَّلَائِلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي - مَنْ أَرْسَلَ صَغِيرًا فِي حَاجَتِهِ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا صَغِيرًا فِي عَمَلٍ شَاقٍّ فَتَلِفَ فِيهِ ضَمِنَ - وَإِنْ كَانَ الْأَجِيرُ كَبِيرًا لَمْ يَضْمَنْ - فَهَذِهِ فُرُوقٌ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَظَرْنَا، هَلْ نَجِدُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَوَجَدْنَا - مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلْيَخْدُمْكَ، فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَوَاَللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا» فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ اسْتَخْدَمَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ يَتِيمٌ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فِي الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ، وَالْقَرِيبَةِ، وَالْغَزَوَاتِ الْمُخِيفَةِ، وَفِي الْحَضَرِ.

стр. 4768

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ بِإِذْنِ أُمِّهِ وَزَوْجِهَا وَأَهْلِهِ؟ قُلْنَا لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: نَعَمْ، قَدْ كَانَ هَذَا، وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنِّي إنَّمَا اسْتَخْدَمْته لِإِذْنِ أَهْلِهِ لِي فِي ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ﵊ فَإِذْنُهُمْ وَتَرْكُ إذْنِهِمْ عَلَى السَّوَاءِ وَإِنَّمَا الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ حُسْنُ النَّظَرِ لِلْغُلَامِ، فَإِنْ كَانَ مَا اسْتَعَانَهُ فِي عَمَلِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ نَظَرًا لَهُ فَهُوَ فِعْلُ خَيْرٍ - أَذِنَ أَهْلُهُ وَوَلِيُّهُ أَمْ لَمْ يَأْذَنُوا - وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ نَظَرٌ لَهُ فَهُوَ ظُلْمٌ -: أَذِنَ أَهْلُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَأْذَنُوا. بُرْهَانُ ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَلَمْ يَأْتِ بِمُرَاعَاةِ إذْنِ أَهْلِ الْغُلَامِ: لَا قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ - فَبَطَلَ مُرَاعَاةُ إذْنِهِمْ بِيَقِينٍ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعِينُ بِالْغُلَامِ نَاظِرًا لِلْغُلَامِ فِي تِلْكَ الِاسْتِعَانَةِ أَوْ غَيْرَ نَاظِرٍ لَهُ -: فَإِنْ كَانَ نَاظِرًا لَهُ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَإِذَا هُوَ مُحْسِنٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَهُ مِمَّا لَمْ يَجْنِهِ هُوَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَاظِرٍ لَهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ ظَالِمٍ يَضْمَنُ دِيَةَ الْمَظْلُومِ. أَلَا تَرَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ ظَلَمَ إنْسَانًا حُرًّا يُسَخِّرُهُ إلَى مَكَان بَعِيدٍ فَتَلِفَ هُنَالِكَ؟ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ الظَّالِمُ لَهُ، وَلَا فَرْقَ هَاهُنَا بَيْنَ ظُلْمٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ. وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا دِيَةَ إلَّا عَلَى قَاتِلٍ، وَالْمُسْتَعِينُ الظَّالِمُ لَمْ يُتْلِفْ الْمُسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، فَإِنَّ الْمُسْتَعِينَ لَهُ لَا يُسَمَّى قَاتِلًا لَهُ، وَلَا مُبَاشِرَ قَتْلِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَصْلًا - صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا - إلَّا أَنْ يُبَاشِرَ، أَوْ يَأْمُرَ بِإِكْرَاهِهِ وَإِدْخَالِهِ الْبِئْرَ، أَوْ تَطْلِيعِهِ فِي مَهْوَاةٍ فَيَطْلُعُ كَرْهًا لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ - فَهَذَا قَاتِلُ عَمْدٍ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، فَظَهَرَ أَمْرُ الصَّغِيرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْعَبْدُ - يُسَخِّرُهُ غَيْرُ سَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُكْرِهْهُ لَكِنْ اسْتَعَانَهُ بِرَغْبَةٍ فَأَعَانَهُ فَتَلِفَ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لَمْ يُبَاشِرْ إتْلَافَهُ، وَلَا ضَمَّهُ بِغَصْبٍ، فَلَا غَرَامَةَ فِيهِ أَصْلًا، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إجَارَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ - وَهُوَ مَالُ غَيْرِهِ - فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمَالِ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ.

стр. 4769

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» . فَإِنْ غَصَبَ الْعَبْدَ فَاسْتَعْمَلَهُ، أَوْ أَكْرَهَهُ بِالتَّهْدِيدِ، فَقَدْ غَصَبَ أَيْضًا، وَقَدْ ضَمِنَ مُغْتَصِبُهُ كُلَّ مَا أَصَابَهُ عِنْدَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَإِنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ مَا سَخَّرَهُ فِيهِ، أَوْ مِمَّا سَخَّرَهُ فِيهِ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ تَعَدَّى عَلَيْهِ هَذَا الْمُكْرِهُ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا بُدَّ، أَوْ مِثْلِهِ إنْ فَاتَ، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ - وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ أَهْلِهِ فَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ، بِخِلَافِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا إذْنَ لَهُمْ فِيهِ، إلَّا فِيمَا هُوَ حَظٌّ لِلصَّبِيِّ فَقَطْ، وَإِلَّا فِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] ٢١١٩ - مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] قَالَ: مَنْ أَوْبَقَهَا ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] قَالَ: مَنْ كَفَّ عَنْ قَتْلِهَا. وَبِهِ - إلَى سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] قَالَ: مَنْ أَنْجَاهَا مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ فَقَدْ أَحْيَاهَا. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ نا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ: سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُولُ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] قَالَ: مَنْ كَفَّ عَنْ قَتْلِهَا فَقَدْ أَحْيَاهَا. قَالَ عَلِيٌّ هَذَا لَيْسَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ فَيَسْلَمُ لَهُ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا خُصَيْفٌ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ.

стр. 4770

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا حُكْمٌ إنَّمَا كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢] . قَالَ عَلِيٌّ: فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ كُفِينَاهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - إذْ لَوْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا لَأَعْلَمَنَا بِذَلِكَ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَثِيرًا، وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَهُوَ مِنْ الْإِصْرِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا. وَأَمَرَنَا تَعَالَى أَنْ نَدْعُوَهُ فِي أَنْ لَا يَحْمِلَهُ عَلَيْنَا إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَإِذْ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فَلَمْ نُكَلَّفْ مَعْرِفَةَ كَيْفِيَّتِهِ، إلَّا أَنَّ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا: هُوَ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ، وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِيهِ، فَفَرَضَ عَلَيْنَا اجْتِنَابَهُ، وَاعْتِقَادَ أَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَهُوَ مَعَ تَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهُ. وَمِمَّا كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا عَلَيْنَا اسْتِنْقَاذَ كُلِّ مُتَوَرِّطٍ مِنْ الْمَوْتِ إمَّا بِيَدِ ظَالِمٍ كَافِرٍ، أَوْ مُؤْمِنٍ مُتَعَدٍّ، أَوْ حَيَّةٍ أَوْ سَبُعٍ، أَوْ نَارٍ أَوْ سَيْلٍ، أَوْ هَدْمٍ أَوْ حَيَوَانٍ، أَوْ مِنْ عِلَّةٍ صَعْبَةٍ نَقْدِرُ عَلَى مُعَانَاتِهِ مِنْهَا، أَوْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَوَعَدَنَا عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ الَّذِي لَا يُضَيِّعُهُ رَبُّنَا تَعَالَى، الْحَافِظُ عَلَيْنَا صَالِحَ أَعْمَالِنَا وَسَيِّئَهُ. فَفَرْضٌ عَلَيْنَا أَنْ نَأْتِيَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَا افْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْصَى أَجْرَنَا عَلَى ذَلِكَ مَنْ يُجَازِي عَلَى مِثْقَالِ الذَّرَّةِ مِنْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ لِمَا يُرْضِيهِ بِمَنِّهِ آمِينَ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَعْتَصِمُ. [مَسْأَلَةٌ شَقَّ نَهْرًا فَغَرَّقَ نَاسًا] ٢١٢٠ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ شَقَّ نَهْرًا فَغَرَّقَ نَاسًا، أَوْ طَرَحَ نَارًا، أَوْ هَدَمَ بِنَاءً فَقَتَلَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَنْ شَقَّ نَهْرًا فَغَرَّقَ قَوْمًا، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ عَامِدًا لِيُغْرِقَهُمْ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَالدِّيَاتُ مِنْ قَتْلِ جَمَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَ شَقَّهُ لِمَنْفَعَةٍ أَوْ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ - وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ لَا يُصِيبُ بِهِ أَحَدًا - فَمَا هَلَكَ بِهِ فَهُوَ قَاتِلُ خَطَأٍ، وَالدِّيَاتُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْكَفَّارَةُ

стр. 4771

عَلَيْهِ؛ لِكُلِّ نَفْسٍ كَفَّارَةٌ، وَيَضْمَنُ فِي كُلِّ ذَلِكَ مَا أَتْلَفَ مِنْ الْمَالِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَنْ أَلْقَى نَارًا أَوْ هَدَمَ بِنَاءً وَلَا فَرْقَ. وَإِنْ عَمَدَ إحْرَاقَ قَوْمٍ أَوْ قَتْلَهُمْ بِالْهَدْمِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمِدْ ذَلِكَ فَهُوَ قَاتِلُ خَطَأٍ. وَلَوْ سَاقَ مَاءً فَمَرَّ عَلَى حَائِطٍ فَهَدَمَ الْمَاءُ الْحَائِطَ فَقَتَلَ: فَكَمَا قُلْنَا أَيْضًا سَوَاءً سَوَاءً وَلَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذَكَرْنَا مُبَاشِرٌ لِإِتْلَافِ مَا تَلِفَ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ بِذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْجَانِي، أَوْ تَلِفَ بِهِ مَالٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَدَثَتْ بَعْدَهُ، وَلَا جِنَايَةَ عَلَى مَيِّتٍ. وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا رَمَى حَجَرًا أَوْ سَهْمًا ثُمَّ مَاتَ إثْرَ خُرُوجِ السَّهْمِ أَوْ الْحَجَرِ فَأَصَابَ الْحَجَرُ أَوْ السَّهْمُ إنْسَانًا - عَمَدَهُ أَوْ لَمْ يَعْمِدْهُ - فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَكُنْ إلَّا وَهُوَ مِمَّنْ لَا فِعْلَ لَهُ، بِخِلَافِ مَا خَرَجَ خَطَأً ثُمَّ مَاتَ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ وَقَعَتْ وَهُوَ حَيٌّ، فَلَوْ جُنَّ إثْرَ رَمْيِ السَّهْمِ أَوْ الْحَجَرِ فَكَمَوْتِهِ وَلَا فَرْقَ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا النَّائِمُ فَبِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ، وَهُمَا غَيْرُ مُخَاطَبِينَ، إلَّا أَنَّهُ لَا عَمْدَ لَهُ، فَلَوْ أَنَّ نَائِمًا انْقَلَبَ فِي نَوْمِهِ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَوْقَدَ نَارًا لِيَصْطَلِيَ فَاشْتَعَلَتْ تِلْكَ النَّارُ فَأَتْلَفَتْ أَمْتِعَةً وَنَاسًا] ٢١٢١ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَلِيٌّ: وَأَمَّا مَنْ أَوْقَدَ نَارًا لِيَصْطَلِيَ، أَوْ لِيَطْبُخَ شَيْئًا، أَوْ أَوْقَدَ سِرَاجًا ثُمَّ نَامَ، فَاشْتَعَلَتْ تِلْكَ النَّارُ فَأَتْلَفَتْ أَمْتِعَةً وَنَاسًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا. وَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا آثَارٌ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْت الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، وَحَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ رَجُلٍ رَمَى نَارًا فِي دَارِ قَوْمٍ فَاحْتَرَقُوا، قَالَا جَمِيعًا: لَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدٌ وَلَا يُقْتَلُ. وَبِهِ - إلَى وَكِيعٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ قَالَ: أَحْرَقَ رَجُلٌ تِبْنًا فِي فَرَاجٍ لَهُ فَخَرَجَتْ شَرَرَةٌ مِنْ نَارٍ فَأَحْرَقَتْ شَيْئًا لِجَارِهِ؟ فَكَتَبْت فِيهِ إلَى

стр. 4772

عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَكَتَبَ إلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ» وَأَرَى أَنَّ النَّارَ جُبَارٌ. قَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَ ﵁: النَّارُ عَجْمَاءُ فَهِيَ جُبَارٌ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فَنَظَرْنَا، هَلْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ؟ فَوَجَدْنَا - مَا ناه أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ قَالَ: نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّقِّيُّ الصَّمُوتُ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «النَّارُ جُبَارٌ» . نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد نا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ نا زَيْدُ بْنُ الْمُبَارَكِ نا عَبْدُ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «النَّارُ جُبَارٌ» . قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَا يَحِلُّ خِلَافُهُ، فَوَجَبَ بِهَذَا أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ بِالنَّارِ فَهُوَ هَدْرٌ، إلَّا نَارًا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى تَضْمِينِ طَارِحِهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مَا تَعَمَّدَ الْإِنْسَانُ طَرْحَهَا لِلْإِفْسَادِ، وَالْإِتْلَافِ، فَهَذَا مُبَاشِرٌ مُتَعَدٍّ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِيمَا عَمَدَ قَتْلَهُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ. وَأَمَّا نَارٌ أَوْقَدَهَا غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَهِيَ جُبَارٌ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا عُمُومٌ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَّا مَا خَصَّهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ، وَلَا إجْمَاعَ إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَصْدِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [٢١٢٢ - مَسْأَلَةٌ مَا جَاءَ فِي الرِّجْلِ] ؟ قَالَ عَلِيٌّ: جَاءَ فِي الرِّجْلِ أَثَرٌ نَذْكُرُهُ، وَنَذْكُرُ مَا قِيلَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسَدٍ الْبَاهِلِيُّ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» .

стр. 4773

نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ نا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَجَاءَ هَذَا أَيْضًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ النَّصْرِيُّ نا عِيسَى بْنُ حَبِيبٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِي نا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ نا أَبُو فَرْوَةَ - هُوَ عُرْوَةُ بْنُ الْحَارِثِ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الرِّجْلُ جُبَارٌ. قَالَ عَلِيٌّ: فَقَالَ قَوْمٌ: سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ضَعِيفٌ فِي الزُّهْرِيِّ. قَالَ عَلِيٌّ وَمَا نَدْرِي وَجْهَ هَذَا؟ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ثِقَةٌ، فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ خَطَأً فَلْيُبَيِّنْهُ؟ وَإِلَّا فَرِوَايَتُهُ حُجَّةٌ، وَهَذَا إسْنَادٌ مُسْتَقِيمٌ لِاتِّصَالِ الثِّقَاتِ فِيهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْخَبَرِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَعْنَى " الرِّجْلُ جُبَارٌ ": إنَّمَا هُوَ مَا أَصَابَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَا أُصِيبَ بِالرِّجْلِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَكِلَا التَّفْسِيرَيْنِ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُمَا مُوَافِقَانِ لِلَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِلَا بُرْهَانٍ [وَدَعْوَى] بِلَا دَلِيلٍ. فَصَحَّ أَنَّ كُلَّ مَا جُنِيَ بِرِجْلٍ مِنْ إنْسَانٍ، أَوْ حَيَوَانٍ، فَهُوَ هَدْرٌ لَا غَرَامَةَ فِيهِ، وَلَا قَوَدَ، وَلَا كَفَّارَةَ، إلَّا مَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ بِهِ بِأَنَّهُ مَحْكُومٌ فِيهِ بِالْقَوَدِ، كَالتَّعَمُّدِ لِذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْجَانِي يُسْتَقَادُ مِنْهُ فَيَمُوتُ أَحَدُهُمَا] ٢١٢٣ - مَسْأَلَةٌ: الْجَانِي يُسْتَقَادُ مِنْهُ فَيَمُوتُ أَحَدُهُمَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إذَا مَاتَ الْمُسْتَقِيدُ، فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ اسْتَقَادَ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ ثُمَّ مَاتَ الْمُسْتَقِيدُ مِنْ الَّذِي أَصَابَهُ، قَالَ أَرَى: أَنْ يُودَى؟ قُلْت: فَمَاتَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ، قَالَ: أَرَى أَنْ يُودَى، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَظُنُّ أَنَّهُ سَيُودَى.

стр. 4774

وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَقَادَ مِنْ آخَرَ ثُمَّ مَاتَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ غَرِمَ دِيَتَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: السُّنَّةُ أَنْ يُودَى - يَعْنِي الْمُسْتَقَادَ مِنْهُ. وَبِهِ - إلَى مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ أَشَلَّ أُصْبُعَ رَجُلٍ؟ قَالَ يَسْتَقِيدُ مِنْهُ، فَإِنْ شُلَّتْ أُصْبُعُهُ، وَإِلَّا غَرِمَ لَهُ الدِّيَةَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ أَوْ غَيْرِهِ - شَكَّ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي ذَلِكَ - الشَّعْبِيُّ فِي رَجُلٍ جَرَحَ رَجُلًا فَاقْتَصَّ مِنْهُ ثُمَّ هَلَكَ الْمُسْتَقَادُ؟ قَالَ: عَقْلُهُ عَلَى الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ وَيُطْرَحُ عَنْهُ دِيَةُ جُرْحِهِ مِنْ ذَلِكَ فَمَا فَضَلَ فَهُوَ عَلَيْهِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ عَنْ الْحَارِثِ الْعُقَيْلِيِّ فِي الَّذِي يُسْتَقَادُ مِنْهُ ثُمَّ يَمُوتُ، قَالَ: يَغْرَمُ دِيَتَهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ خَطَأٌ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُقْتَصِّ مِنْهُ: أَيُّهُمَا مَاتَ وُدِيَ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: اسْتَأْذَنْت زِيَادَ بْنَ جَرِيرٍ فِي الْحَجِّ فَسَأَلَنِي عَنْ رَجُلٍ شَجَّ رَجُلًا فَاقْتُصَّ لَهُ مِنْهُ فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فَقُلْت: عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَيُرْفَعُ عَنْهُ بِقَدْرِ الشَّجَّةِ، ثُمَّ نَسِيتُ ذَلِكَ، فَجَاءَ إبْرَاهِيمُ فَسَأَلْته فَقَالَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ، قَالَ شُعْبَةُ فَسَأَلْت الْحَكَمَ وَحَمَّادًا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَا جَمِيعًا: عَلَيْهِ الدِّيَةُ. وَقَالَ حَمَّادٌ: وَيُرْفَعُ عَنْهُ بِقَدْرِ الشَّجَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: إذَا اقْتَصَّ مِنْ يَدٍ، أَوْ شَجَّةٍ، فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الَّذِي يُقْتَصُّ مِنْهُ دِيَتُهُ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَهُ غَيْرَ أَنَّهُ يَطْرَحُ عَنْهُ دِيَةَ جُرْحِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا شَيْءَ فِي هَلَاكِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ.

стр. 4775

كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ فِي الْقِصَاصِ: قَتَلَهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حَقٌّ، لَا دِيَةَ لَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ نا قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَا جَمِيعًا: مَنْ مَاتَ فِي قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ، فَلَا دِيَةَ لَهُ. وَبِهِ - إلَى قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ مَنْ مَاتَ فِي قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ، فَلَا دِيَةَ لَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ وَسُفْيَانُ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا كُنْت لِأُقِيمَ عَلَى رَجُلٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا إلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ، لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ. وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَا جَمِيعًا فِي الْمُقْتَصِّ مِنْهُ يَمُوتُ؟ قَالَا جَمِيعًا: قَتَلَهُ الْحَقُّ وَلَا دِيَةَ لَهُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ ذَلِكَ: قَتَلَهُ الْحَقُّ، لَا دِيَةَ لَهُ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، قَالَا: مَنْ قَتَلَهُ حَدٌّ فَلَا عَقْلَ لَهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ اُسْتُقِيدَ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا دَخَلَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ فَقَتَلَهُ الْقَوَدُ، فَلَيْسَ لَهُ عَقْلٌ - وَلَوْ أَنَّ كُلَّ مَنْ اُسْتُقِيدَ مِنْهُ حَقٌّ قِبَلَهُ لِلنَّاسِ فَمَاتَ مِنْهُ غَرِمَهُ الْمُسْتَقِيدُ: رَفَضَ النَّاسُ حُقُوقَهُمْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ يُونُسُ: قَالَ رَبِيعَةُ: إنْ مَاتَ الْأَوَّلُ - وَهُوَ الْمُقْتَصُّ - قُتِلَ بِهِ الْجَارِحُ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ - وَإِنْ مَاتَ الْآخَرُ - وَهُوَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ - فَبِحَقٍّ أُخِذَ مِنْهُ كَانَ مِنْهُ التَّلَفُ. وَبِهِ - يَقُولُ مَالِكٌ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا - أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْمُقْتَصُّ وُدِيَ، وَإِنْ مَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ وُدِيَ، وَرُفِعَ عَنْهُ قَدْرُ جِنَايَتِهِ.

стр. 4776

وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَمَا أَوْرَدْنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ - وَبِهِ يَقُولُ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى. وَقَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ يُودَى، وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ لِجِنَايَتِهِ شَيْءٌ - وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ - وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ - وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَقَوْلٌ ثَالِثٌ -: أَنَّهُ لَا دِيَةَ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ وَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِيَلُوحَ الْحَقُّ فَنَتْبَعَهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ: أَنَّهُ يُودَى جُمْلَةً، فَإِمَّا يُرْفَعُ عَنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ، وَإِمَّا لَا يُرْفَعُ عَنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ. يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْقَاطِعِ، وَالْجَارِحِ، وَالْكَاسِرِ، وَالْفَاقِئِ، وَالضَّارِبِ: الْقَوَدَ مِمَّا فَعَلُوا فَقَطْ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ قَتْلًا، فَدِمَاؤُهُمْ مُحَرَّمَةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُقْتَصَّ مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا لَوْ تَعَمَّدَ الْقَتْلَ فَلَزِمَهُ الْقَوَدُ، فَإِذْ هُوَ كَذَلِكَ فَمَاتَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مِمَّا فَعَلَ بِهِ بِحَقٍّ، فَقَدْ أُصِيبَ دَمُهُ خَطَأً، فَفِيهِ الدِّيَةُ. وَقَالُوا أَيْضًا: إنَّ مَنْ أَدَّبَ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ فِيهَا الدِّيَةُ، وَهُوَ إنَّمَا فَعَلَ مُبَاحًا، فَهَذَا الْمُقْتَصُّ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ مُبَاحٍ فَفِيهِ الدِّيَةُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَاتَيْنِ؟ فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ أَسْقَطَ الدِّيَةَ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ أَنْ قَالُوا: إنَّ الْقِصَاصَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِذْ أَحْسَنَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وَإِذْ لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ فَلَا غَرَامَةَ تَلْحَقُهُ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِهِ. وَأَمَّا قِيَاسُ الْمُقْتَصِّ عَلَى مَوْتِ امْرَأَتِهِ فَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِوَجْهَيْنِ:

стр. 4777

أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ قِيَاسٌ مُمَوَّهٌ وَذَلِكَ مَنْ أَدَّبَ امْرَأَتَهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا - وَضَعَ الْأَدَبَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ - أَوْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ. فَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ وَضَعَ الْأَدَبَ مَوْضِعَهُ، فَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَمُوتَ مِنْ ذَلِكَ الْأَدَبِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ، إذْ لَمْ يُبَحْ لَهُ قَطُّ أَنْ يُؤَدِّبَهَا أَدَبًا يُمَاتُ مَعَ مِثْلِهِ، وَمَنْ أَدَّبَ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْأَدَبِ فَهُوَ ظَالِمٌ مُتَعَدٍّ، وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْلِدَ فِي غَيْرِ حَدٍّ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ - عَلَى مَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . كَمَا رُوِّينَا - مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» . قَالُوا: فَلَمْ يُبَحْ لَهُ فِي الْعَدَدِ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَلَا أُبِيحَ لَهُ جَلْدُهَا بِمَا يَكْسِرُ عَظْمًا، وَيَجْرَحُ جِلْدًا، أَوْ يُعَفِّنُ لَحْمًا؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا هُوَ غَيْرُ الْجَلْدِ، وَلَمْ يُبَحْ لَهُ إلَّا الْجَلْدُ وَحْدَهُ. وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ أَنَّ عَشْرَ جَلَدَاتٍ لِامْرَأَةٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ مَرِيضَةٍ، وَلَا ضَعِيفَةٍ، وَلَا صَغِيرَةٍ: لَا تَجْرَحُ، وَلَا تَكْسِرُ، وَأَنَّهُ لَا يَمُوتُ مِنْهَا أَحَدٌ. فَإِنْ وَافَقَتْ مَنِيَّةً فِي خِلَالِ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ: فَبِأَجْلِهَا مَاتَتْ، وَلَا دِيَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا قَوَدَ، لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تَمُتْ مِنْ فِعْلِهِ أَصْلًا. وَإِنْ تَعَدَّى فِي الْعَدَدِ أَوْ ضَرَبَ بِمَا يَكْسِرُ، أَوْ يَجْرَحُ، أَوْ يُعَفِّنُ فَعَفَنَ، أَوْ جَرَحَ أَوْ كَسَرَ، فَالْقَوَدُ فِي كُلِّ ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ، فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا، أَوْ الدِّيَةُ فِيمَا لَمْ يَعْمِدْهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُقْتَصَّ مِنْهُ إنَّمَا أُبِيحَ عُضْوُهُ، أَوْ بَشَرَتُهُ وَلَمْ يُبَحْ دَمُهُ - فَصَحَّ أَنَّهُ إنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ خَطَأً، فَفِيهِ الدِّيَةُ - فَإِنَّ هَذَا قَوْلٌ غَيْرُ

стр. 4778

صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَخْذِهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ، كَقَطْعِ الْيَدِ، أَوْ شَقِّ الرَّأْسِ، أَوْ كَسْرِ الْفَخِذِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. أَوْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ، كَاللَّطْمَةِ، وَضَرْبَةِ السَّوْطِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ فَذَلِكَ الَّذِي قَصَدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى بِمَا قَدْ يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُتَعَدَّى عَلَيْهِ بِمَا قَدْ يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَى ذَلِكَ بَنَى فِيهِ، وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى هُوَ فِيمَا تَعَدَّى فِيهِ. وَالْوَجْهُ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَتَعَمَّدَهُ فِيهِ، فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ عُدْوَانًا، وَإِذْ لَيْسَ عُدْوَانًا عَلَيْهِ فَلَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ خَطَأً، فَإِنْ مَاتَ مِنْ عَمْدٍ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَتَعَمَّدَهُ فِيهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْنَا أَنْ لَا يَمُوتَ مِنْ ذَلِكَ - وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ ذَلِكَ لَمَا أَهْمَلَهُ، وَلَا أَغْفَلَهُ، وَلَا ضَيَّعَهُ، فَإِذْ لَمْ يُبَيِّنْ لَنَا تَعَالَى ذَلِكَ فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْهُ قَطُّ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي اقْتَصَّ بِهِ مِنْهُ مِمَّا لَا يُمَاتُ مِنْهُ أَصْلًا فَوَافَقَ مَنِيَّتَهُ فَإِنَّمَا مَاتَ بِأَجَلِهِ، وَلَمْ يَمُتْ مِمَّا عَمِلَ بِهِ، لَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ. فَإِنْ تَعَمَّدَ الْمُقْتَصُّ فَتَعَدَّى عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا، وَإِنْ أَخْطَأَ فَأَتَى بِمَا لَمْ يُبَحْ لَهُ عَمَلُهُ: فَهُوَ خَطَأٌ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي النَّفْسِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَفْزَعَهُ السُّلْطَانُ فَتَلِفَ] ٢١٢٤ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَفْزَعَهُ السُّلْطَانُ فَتَلِفَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ وَغَيْرِهِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ إلَى امْرَأَةٍ مُغَنِّيَةٍ كَانَ يُدْخَلُ عَلَيْهَا، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهَا: أَجِيبِي عُمَرَ؟ فَقَالَتْ: يَا وَيْلَهَا مَالَهَا وَلِعُمَرَ؟ قَالَ: فَبَيْنَمَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ فَزِعَتْ، فَضَمَّهَا الطَّلْقُ، فَدَخَلَتْ دَارًا فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ فَمَاتَ؟ فَاسْتَشَارَ عُمَرَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ: أَنْ لَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ، إنَّمَا أَنْتَ وَالٍ،

стр. 4779

وَمُؤَدِّبٌ، قَالَ: وَصَمَتَ عَلِيٌّ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانُوا قَالُوا بِرَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَالُوا فِي هَوَاك؟ فَلَمْ يَنْصَحُوا لَك، أَرَى أَنَّ دِيَتَهُ عَلَيْك لِأَنَّكَ أَنْتَ أَفْزَعْتهَا، وَأَلْقَتْ وَلَدَهَا فِي سَبِيلِك، فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَقْسِمَ عَقْلَهُ عَلَى قُرَيْشٍ - يَعْنِي: يَأْخُذَ عَقْلَهُ مِنْ قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَالصَّحَابَةُ ﵃ قَدْ اخْتَلَفُوا، فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . فَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] ، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» . فَصَحَّ أَنَّ فَرْضًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ. وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَفْتَرِضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَئِمَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَمْرًا إنْ لَمْ يَعْمَلُوهُ عَصَوْا اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ يُؤَاخِذُهُمْ فِي ذَلِكَ؟ وَوَجَدْنَا هَذِهِ الْمَبْعُوثُ فِيهَا: بُعِثَ فِيهَا بِحَقٍّ، وَلَمْ يُبَاشِرْ الْبَاعِثُ فِيهَا شَيْئًا أَصْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ عَلَيْهِ دِيَةُ وَلَدِهَا لَوْ بَاشَرَ ضَرْبَهَا أَوْ نَطْحَهَا - وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبَاشِرْ فَلَمْ يَجْنِ شَيْئًا أَصْلًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ مَنْ رَمَى حَجَرًا إلَى الْعَدُوِّ فَفَزِعَ مِنْ هُوِيِّهِ إنْسَانٌ فَمَاتَ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ - وَكَذَلِكَ مَنْ بَنَى حَائِطًا فَانْهَدَمَ، فَفَزِعَ إنْسَانٌ فَمَاتَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ سَمَّ طَعَامًا لِإِنْسَانٍ] ٢١٢٥ - مَسْأَلَةٌ: مَنْ سَمَّ طَعَامًا لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ دَعَاهُ إلَى أَكْلِهِ، فَأَكَلَهُ، فَمَاتَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ مَنْ سَمَّ طَعَامًا وَقَدَّمَهُ إلَى إنْسَانٍ وَقَالَ لَهُ: كُلْ فَأَكَلَ فَمَاتَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

стр. 4780

وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، لَكِنْ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ. قَالَ آخَرُونَ: لَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ ضَمَانُ الطَّعَامِ الَّذِي أَفْسَدَ - إنْ كَانَ لِغَيْرِهِ - وَالْأَدَبُ، إلَّا أَنْ يُؤَجِّرَهُ إيَّاهُ: فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ - وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي إيجَارِهِ إيَّاهُ - وَهُوَ يَدْرِي - أَنَّهُ يَقْتُلُ: أَنَّ فِيهِ الْقَوَدَ - وَلَهُ فِي إذَا لَمْ يُؤَجِّرْهُ إيَّاهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَالْآخَرُ: كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ [لَعَلَّ] فِي ذَلِكَ سُنَّةً جَرَتْ؟ فَوَجَدْنَا. مَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا أَبُو دَاوُد نا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ " عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ أُمَّ مُبَشِّرٍ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: مَا نَتَّهِمُ بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ بِابْنِي إلَّا الشَّاةَ الْمَسْمُومَةَ الَّتِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ بِنَفْسِي إلَّا ذَلِكَ فَهَذَا أَوَانُ قَطْعِ أَبْهِرِي» . قَالَ أَبُو دَاوُد: وَرُبَّمَا حَدَّثَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُرْسَلًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرُبَّمَا حَدَّثَ بِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ - وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنَّ مَعْمَرًا كَانَ يُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مَرَّةً مُرْسَلًا فَيَكْتُبُونَهُ، وَيُحَدِّثُهُمْ مَرَّةً فَيُسْنِدُهُ فَيَكْتُبُونَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَسْنَدَ لَهُ مَعْمَرٌ أَحَادِيثَ كَانَ يُوقِفُهَا. وَبِهِ - إلَى أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ نا رَبَاحٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ مُبَشِّرٍ قَالَ: دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ مَخْلَدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هَكَذَا قَالَ عَنْ أُمِّهِ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ عَنْ أَبِيهِ. وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْمَهْرِيُّ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ

стр. 4781

ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ «أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً، ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا - وَفِيهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: أَسَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفِّيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنْ الشَّاةِ» . وَبِهِ - إلَى أَبِي دَاوُد نا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ سُفْيَانِ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْيَهُودِ أَهْدَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةً مَسْمُومَةً» . وَبِهِ - إلَى أَبِي دَاوُد نا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَدِيٍّ نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ نا شُعْبَةُ نا هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلكَ؟ قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطكِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ قَالَ عَلَيَّ، فَقَالُوا: أَلَا تَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهْوَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآثَارُ الصِّحَاحُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّتْ لَهُ الْيَهُودِيَّةُ - لَعَنَهَا اللَّهُ - شَاةً وَأَهْدَتْهَا لَهُ مُرِيدَةً بِذَلِكَ قَتْلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهَا ﵇ وَقَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَمَاتُوا مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَا تَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا» فَكَانَتْ هَذِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً، وَأَنْ لَا قَوَدَ عَلَى مَنْ سَمَّ طَعَامًا لِأَحَدٍ مُرِيدًا قَتْلَهُ فَأَطْعَمَهُ إيَّاهُ [فَمَاتَ مِنْهُ] وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا شَيْءَ - وَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُبْطِلَ دَمَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ وَجَبَ فِيهِ قَوَدٌ وَدِيَةٌ فَنَظَرْنَا: هَلْ لِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى اعْتِرَاضٌ أَمْ لَا؟ فَوَجَدْنَا: مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ نا أَبُو دَاوُد نا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» . قَالَ أَبُو دَاوُد: ونا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو

стр. 4782

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» زَادَ «فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً سَمَّتْهَا فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَأَكَلَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ، فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْنِي: أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ - فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَأَرْسَلَ إلَى الْيَهُودِيَّةِ: مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ؟ قَالَتْ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرّكَ، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًا أَرَحْتَ النَّاسَ مَعَكَ؟ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُتِلَتْ، ثُمَّ قَالَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ: فَمَا زِلْتُ أَجِدُ مِنْ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ قَطْعِ أَبْهَرِي» . وَمَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ نا أَبِي قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ نا جَدِّي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ نُعْمَانَ - لَقِيتُهُ بِقَيْرَوَانَ إفْرِيقِيَّةَ ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْبَزَّازُ أَوْ الْبَزَّارُ - شَكَّ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ - نا أَبُو هَمَّامٍ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَهَا يَعْنِي: الَّتِي سَمَّتْهُ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَنَظَرْنَا فِي الرِّوَايَةِ فَوَجَدْنَاهَا مَعْلُولَةً: أَمَّا رِوَايَةُ وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ، فَإِنَّهَا مُرْسَلَةٌ، وَلَمْ يُسْنِدْ مِنْهَا وَهْبٌ فِي الْمَرَّةِ الَّتِي أَسْنَدَ إلَّا أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَقَطْ. وَأَمَّا سَائِرُ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ وَلَا مَزِيدَ - هَكَذَا فِي نَصِّ الْخَبَرِ الَّذِي أَوْرَدْنَا لِمَا انْتَهَى إلَى آخِرِ لَفْظِهِ «وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» . قَالَ: وَزَادَ فَأَتَى بِخَبَرِ الشَّاةِ مُرْسَلًا فَقَطْ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُرْسَلٍ. وَأَمَّا رِوَايَةُ قَاسِمٍ، فَإِنَّهَا عَنْ رِجَالٍ مَجْهُولِينَ: ابْنِ نُعْمَانَ الْقَيْرَوَانِيِّ لَا نَعْرِفُهُ - وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الْبَزَّازُ كَذَلِكَ - وَأَبُو هَمَّامٍ كَثِيرٌ لَا نَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ - وَسَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ يَرْوِي مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ مُسْنَدًا إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْرِضْ لِلْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ - وَهَذَا الْقَيْرَوَانِيُّ يَرْوِي مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّهُ ﵊ قَتَلَهَا، فَسَقَطَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ جُمْلَةً؛ لِجَهَالَةِ نَاقِلِيهَا. ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ فِيهَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا أَوْرَدْنَا، وَقَدْ صَحَّ عَنْ

стр. 4783

أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا، وَكَانَتْ الرِّوَايَةُ لَوْ صَحَّتْ - وَهِيَ لَا تَصِحُّ - مُضْطَرِبَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَرَّةً أَنَّهُ قَتَلَهَا، وَمَرَّةً أَنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا - فَلَوْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَنَّهُ ﵊ قَتَلَهَا، كَمَا قَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا، لَكَانَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةٍ أَوْجُهٍ لَا رَابِعَ لَهَا: إمَّا أَنْ تُتْرَكَ الرِّوَايَتَانِ مَعًا لِتَعَارُضِهِمَا؛ وَلِأَنَّ إحْدَاهُمَا وَهْمٌ، بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، فِي امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي سَبَبٍ وَاحِدٍ، وَيَرْجِعُ إلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يَضْطَرِبْ عَنْهُ، وَهُمَا: جَابِرٌ وَأَنَسٌ، اللَّذَانِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَقْتُلْهَا - فَهَذَا وَجْهٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ تَصِحَّ الرِّوَايَتَانِ مَعًا فَيَكُونَ ﵊ لَمْ يَقْتُلْهَا إذْ سَمَّتْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا سَمَّتْهُ، فَتَصِحُّ هَذِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَكُونُ مُوَافِقَةً لِرِوَايَةِ جَابِرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَيَكُونُ ﵊ قَتَلَهَا لِأَمْرٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. أَوْ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ - وَهُوَ أَصَحُّ الْوُجُوهِ - وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَتَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلُهُ: لَمْ يَعْرِضْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمَا جَمِيعًا لَفْظُ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا يَبْعُدُ الْوَهْمُ عَنْ الصَّاحِبِ. وَحَدِيثُ أَنَسٍ هُوَ لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، وَلَا يُقِرُّهُ رَبُّهُ تَعَالَى عَلَى الْوَهْمِ، وَلَا عَلَى الْخَطَأِ فِي الدِّينِ أَصْلًا وَهَذَا أَنَّ إنْسَانًا ذَكَرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَقْتُلُهَا؟ فَقَالَ: لَا، فَهَذَا هُوَ الْمُغَلَّبُ الْمَحْكُومُ بِهِ الَّذِي لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ - فَصَحَّ أَنَّ مَنْ أَطْعَمَ آخَرَ سُمًّا فَمَاتَ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ فِيهِ شَيْئًا أَصْلًا، بَلْ الْمَيِّتُ هُوَ الْمُبَاشِرُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ غَرَّ آخَرَ يُورِي لَهُ طَرِيقًا أَوْ دَعَاهُ إلَى مَكَان فِيهِ أَسَدٌ فَقَتَلَهُ. وَقَدْ صَحَّ الْخَبَرُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الَّتِي سَمَّتْهُ وَأَصْحَابَهُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ بَعْضُهُمْ: قَوَدًا وَلَا دِيَةً - فَبَطَلَ النَّظَرُ مَعَ هَذَا النَّصِّ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى مَنْ سَمَّ طَعَامًا لِآخَرَ، فَأَكَلَهُ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ

стр. 4784

فَمَاتَ أَنَّهُ قَتَلَهُ، إلَّا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَلَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُ " قَاتِلٌ " وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلُ هَذَا الْعَوَامُّ، وَلَيْسَ الْحُجَّةُ إلَّا فِي اللُّغَةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا إذَا أَكْرَهَهُ وَأَوْجَرَهُ السُّمَّ، أَوْ أَمَرَ مَنْ يُوجِرُهُ: فَهُوَ قَاتِلٌ بِلَا شَكٍّ، وَمُبَاشِرٌ لِقَتْلِهِ، وَيُسَمَّى " قَاتِلًا " فِي اللُّغَةِ، وَفِي الْأَثَرِ: كَمَا نا حُمَامٌ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ نا مُسَدَّدٌ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا، مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا أَبَدًا» . قَالَ عَلِيٌّ: فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ شَرِبَ السُّمَّ لِيَمُوتَ بِهِ " قَاتِلًا لِنَفْسِهِ ": فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَظَهَرَ خَطَأُ مَنْ أَسْقَطَ هَاهُنَا الْقَوَدَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4785

[أَحْكَامُ الْجَنِينِ] [ مَسْأَلَةٌ قُتِلَتْ حَامِلٌ سَوَاءٌ طَرَحَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا أَوْ لَمْ تَطْرَحْهُ] مَسْأَلَةٌ: أَحْكَامُ الْجَنِينِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: فِي الْجَنِينِ أَحْكَامٌ، وَهِيَ: مَا فِي الْجَنِينِ مِنْ الْغَرَامَةِ. وَمَا فِي صِفَةِ الْجَنِينِ. وَحُكْمُهُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، أَوْ بَعْدَ نَفْخِهِ فِيهِ. وَالْمَرْأَةُ تُولِدُ عَلَى نَفْسِهَا الْإِسْقَاطَ. وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ. وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا تُلْقِي الْجَنِينَ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَامْرَأَةٌ دَاوَتْ بَطْنَ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا. وَهَلْ فِي الْجَنِينِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ وَجَنِينُ الْأَمَةِ. وَجَنِينُ الْكِتَابِيَّةِ. خَرَجَ بَعْضُ الْجَنِينِ وَلَمْ يَخْرُجْ كُلُّهُ. وَجَنِينُ الدَّابَّةِ. وَنَحْنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ذَاكِرُونَ كُلَّ ذَلِكَ بَابًا بَابًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٢١٢٧ - مَسْأَلَةٌ - الْحَامِلُ تُقْتَلُ؟ قَالَ عَلِيٌّ: إنْ قُتِلَتْ حَامِلٌ بَيِّنَةُ الْحَمْلِ، فَسَوَاءٌ طَرَحَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا أَوْ لَمْ تَطْرَحْهُ:

стр. 4786

فِيهِ غُرَّةٌ وَلَا بُدَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ جَنِينٌ أُهْلِكَ - وَهَذَا قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ: كَمَا نا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ يُونُسُ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا قُتِلَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ، قَالَ: لَيْسَ فِي جَنِينِهَا شَيْءٌ حَتَّى تَقْذِفَهُ - وَبِهَذَا يَقُولُ مَالِكٌ. قَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ إلْقَاءَهُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ ﵊ «فِي الْجَنِينِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» كَيْفَمَا أُصِيبَ - أُلْقِيَ أَوْ لَمْ يُلْقَ - فَفِيهِ الْغُرَّةُ الْمَذْكُورَةُ. وَإِذَا قُتِلَتْ الْحَامِلُ فَقَدْ تَلِفَ جَنِينُهَا بِلَا شَكٍّ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ هَلْ فِي الْجَنِينِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا] ٢١٢٨ - مَسْأَلَةٌ - هَلْ فِي الْجَنِينِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: مَا عَلَى مَنْ قَتَلَ مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُعْتِقَ أَوْ يَصُومَ. وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَأَسْقَطَتْ؟ قَالَ: يَغْرَمُ غُرَّةً، وَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَلَا يَرِثُ مِنْ تِلْكَ الْغُرَّةِ شَيْئًا، هِيَ لِوَارِثِ الصَّبِيِّ غَيْرِهِ. وَبِهِ: إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَشْرَبُ الدَّوَاءَ أَوْ تَسْتَدْخِلُ الشَّيْءَ فَيَسْقُطُ وَلَدُهَا؟ قَالَ: تُكَفِّرُ وَعَلَيْهَا غُرَّةٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَطَلَبُنَا: هَلْ هَذَا الْقَوْلُ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ: مَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ قَالَ: سَمِعْت مُجَاهِدًا يَقُولُ: مَسَحَتْ امْرَأَةٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا؟ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَهَا أَنْ تُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ - يَعْنِي: الَّتِي مَسَحَتْ. قَالَ عَلِيٌّ: هَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَعَهْدُنَا بِالْحَنَفِيِّينَ، وَالْمَالِكِينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ يُعَظِّمُونَ

стр. 4787

خِلَافَ الصَّاحِبِ إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ، وَهَذَا حُكْمُ إمَامٍ - وَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ أَنْكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ - وَهُمْ إذَا وَجَدُوا مِثْلَ هَذَا طَارُوا بِهِ، وَشَنَّعُوا عَلَى خُصُومِهِمْ مُخَالَفَتَهُ. وَهُمْ كَمَا تَرَى قَدْ اسْتَسْهَلُوا خِلَافَهُ هَاهُنَا، وَقَدْ جَعَلُوا حُكْمًا مَأْثُورًا عَنْ عُمَرَ فِي تَنْجِيمِ الدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لَا يَصِحُّ عَنْهُ أَصْلًا: حُجَّةً يُنْكِرُونَ خِلَافَهَا، وَجَعَلُوا حُكْمَهُ بِالْعَاقِلَةِ عَلَى الدَّوَاوِينِ: حُجَّةً يُنْكِرُونَ خِلَافَهَا، وَلَمْ يَجْعَلُوا إيجَابَهُ هَاهُنَا كَفَّارَةً عَلَى الَّتِي مَسَحَتْ بَطْنَ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا بِعِتْقِ رَقَبَةٍ: حُجَّةً هَاهُنَا يَقُولُونَ بِهَا، وَهَذَا تَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ لَا يَسْتَحِلُّهُ ذُو وَرَعٍ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا نَحْنُ فَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ نَصٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعُمُومِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ - عَلَى الْعُمُومِ - الْقَوْلُ بِهَا، لَكِنَّا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى خَلَقْتُ عِبَادِي كُلَّهُمْ حُنَفَاءَ» . وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ فَهُوَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَعَلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ. فَصَحَّ أَنَّ مَنْ ضَرَبَ حَامِلًا فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ قَبْلَ تَمَامِهَا فَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الْغُرَّةَ وَاجِبَةٌ فَقَطْ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، لَكِنْ أَسْقَطَهَا جَنِينًا فَقَطْ. وَإِذْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا - لَا خَطَأً وَلَا عَمْدًا - فَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، إذْ لَا كَفَّارَةَ إلَّا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَلَا يُقْتَلُ إلَّا ذُو رُوحٍ، وَهَذَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدُ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَتَيَقَّنَتْ حَرَكَتُهُ بِلَا شَكٍّ، وَشَهِدَ بِذَلِكَ أَرْبَعُ

стр. 4788

قَوَابِلَ عُدُولٍ، فَإِنَّ فِيهِ: غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ جَنِينٌ قُتِلَ، فَهَذِهِ هِيَ دِيَتُهُ، وَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً. وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الرُّوحَ يُنْفَخُ فِيهِ بَعْدَ مِائَةِ لَيْلَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً - وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ وَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ، وَقَدْ وَافَقَنَا عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُوجِبْ هَاهُنَا كَفَّارَةً؟ قُلْنَا: لَمْ يَأْتِ لَهَا ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ الْجَنِينِ، وَلَيْسَتْ السُّنَنُ كُلُّهَا مَأْخُوذَةً مِنْ آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا مِنْ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا مِنْ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَإِذْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً كَفَّارَةً، وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ عِبَادَهُ حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ فَهُوَ إذْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الرُّوحَ فَهُوَ مُؤْمِنٌ حَنِيفٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ زَائِدَةُ شَرْعٍ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ الْجَنِينِ، وَأَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى مَقْبُولَةٌ كُلُّهَا، لَا يَحِلُّ رَدُّ شَيْءٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا أَصْلًا - وَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَوْجِبُوا فِيهِ حِينَئِذٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، إذْ هِيَ الدِّيَةُ عِنْدَكُمْ؟ . قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا قَالَ ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِقْدَارَ تِلْكَ الدِّيَةِ، لَكِنْ وَكَّلَ تَعَالَى ذَلِكَ إلَى بَيَانِ رَسُولِهِ ﷺ فَفَعَلَ ﵊ فَبَيَّنَ لَنَا ﷺ أَنَّ دِيَةَ مَنْ خَرَجَ إلَى الدُّنْيَا فَقُتِلَ، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْخَبَرِ الثَّابِتِ إذْ وَدَى بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ ﵁. وَبَيَّنَ لَنَا ﵊ أَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ بِنَصِّ لَفْظِهِ ﵊ " غُرَّةٌ " مِنْ الْعَبِيدِ أَوْ الْإِمَاءِ، وَسَمَّاهُ " دِيَةً ". كَمَا أَوْرَدْنَا آنِفًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ يَكُونُ فَكَانَتْ الدِّيَةُ مُخْتَلِفَةً لِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ لَنَا وَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَحْكَامِ الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ؟ فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْكَفَّارَاتِ فِي

стр. 4789

ذَلِكَ مُخْتَلِفًا لَبَيَّنَ لَنَا ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَذِهِ أُمُورٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا مُخَالَفَتُهَا، وَإِنَّمَا احْتَجْنَا إلَى شَهَادَةِ الْقَوَابِلِ لِيَثْبُتَ عِنْدَنَا أَنَّهَا قَدْ تَجَاوَزَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ لَيْلَةٍ تَامَّةٍ - وَإِلَّا فَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّهَا قَدْ تَجَاوَزَتْهَا - بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ - لَمَا احْتَجْنَا إلَى شَهَادَةِ أَحَدٍ بِالْحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ أَوْثَقَ الشُّهُودِ، وَأَصْدَقَ النَّاسِ، وَأَثْبَتَ الْعُدُولِ: شَهِدَ عِنْدَنَا أَنَّ الرُّوحَ يُنْفَخُ فِيهِ بَعْدَ الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، فَمَا يَحْتَاجُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ ﵊ إلَى شَهَادَةِ أَحَدٍ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا تَقُولُونَ فِيمَنْ تَعَمَّدَتْ قَتْلَ جَنِينِهَا وَقَدْ تَجَاوَزَتْ مِائَةَ لَيْلَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً بِيَقِينٍ: فَقَتَلَتْهُ، أَوْ تَعَمَّدَ أَجْنَبِيٌّ قَتْلَهُ فِي بَطْنِهَا فَقَتَلَهُ؟ فَمِنْ قَوْلِنَا: أَنَّ الْقَوَدَ وَاجِبٌ فِي ذَلِكَ وَلَا بُدَّ، وَلَا غُرَّةَ فِي ذَلِكَ حِينَئِذٍ، إلَّا أَنْ يَعْفِيَ عَنْهُ فَتَجِبُ الْغُرَّةُ فَقَطْ، لِأَنَّهَا دِيَةٌ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلُ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ عَمْدًا، فَهُوَ نَفْسٌ بِنَفْسٍ، وَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إمَّا الْقَوَدُ، وَإِمَّا الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، كَمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ تَتَعَمَّدُ إسْقَاطَ وَلَدِهَا] ٢١٢٩ - مَسْأَلَةٌ: الْمَرْأَةُ تَتَعَمَّدُ إسْقَاطَ وَلَدِهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ الْحَجَّاجِ عَنْ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ حُبْلَى فَذَهَبَتْ تَسْتَدْخِلُ فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: عَلَيْهَا عِتْقُ رَقَبَةٍ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا غُرَّةُ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ. نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ؟ قَالَ: تُعْتِقُ رَقَبَةً، وَتُعْطِي أَبَاهُ غُرَّةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا أَثَرٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ.

стр. 4790

قَالَ عَلِيٌّ: إنْ كَانَ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ فَالْغُرَّةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ: فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَعْمِدْ قَتْلَهُ. فَالْغُرَّةُ أَيْضًا عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا. وَإِنْ كَانَتْ عَمَدَتْ قَتْلَهُ فَالْقَوَدُ عَلَيْهَا، أَوْ الْمُفَادَاةُ فِي مَالِهَا. فَإِنْ مَاتَتْ هِيَ فِي كُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ إلْقَاءِ الْجَنِينِ ثُمَّ أَلْقَتْهُ: فَالْغُرَّةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فِي الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي - هِيَ كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا - وَكَذَلِكَ فِي الْعَمْدِ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ. وَأَمَّا إنْ كَانَ قَدْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَالْقَوَدُ عَلَى الْجَانِي إنْ كَانَ غَيْرَهَا. وَأَمَّا إنْ كَانَتْ هِيَ فَلَا قَوَدَ، وَلَا غُرَّةَ، وَلَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ عَلَى مَيِّتٍ، وَمَالُهُ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ فَصَاعِدًا] ٢١٣٠ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ فَصَاعِدًا؟ قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاجِيَّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ نا بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي امْرَأَةٍ ضُرِبَتْ فَأَسْقَطَتْ ثَلَاثَةَ أَسْقَاطٍ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غُرَّةً، كَمَا أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الدِّيَةَ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ فِي امْرَأَةٍ ضُرِبَتْ فَأَلْقَتْ جَنِينَيْنِ: أَنَّهُ يَدِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغُرَّةٍ: أَوْ أَمَةٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إنْ أَسْقَطَتْ ثَلَاثَةً فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غُرَّةٌ - تَبَيَّنَ خَلْقُهُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ: أَنَّهُ حَمْلٌ. وَبِهِ: إلَى ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْجَنِينِ إذَا طُرِحَ مَيِّتًا غُرَّةُ: عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ - فَإِنْ كَانَ اثْنَيْنِ فَفِيهِمَا غُرَّتَانِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَبِهَذَا نَقُولُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «دِيَةُ جَنِينِهَا عَبْدٌ، أَوْ أَمَةٌ» وَكُلُّ جَنِينٍ - وَلَوْ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ - فَهُوَ جَنِينٌ لَهَا، فَفِي كُلِّ جَنِينٍ غُرَّةُ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَلَوْ قُتِلُوا بَعْدَ الْحَيَاةِ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةٌ، وَكَفَّارَةٌ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4791

[مَسْأَلَةٌ مَنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ الْوَاجِبَةُ فِي الْجَنِينِ] مَسْأَلَةٌ: مَنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ؟ قَالَ عَلِيٌّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ تَجِبُ لَهُ الْغُرَّةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْجَنِينِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي امْرَأَةٍ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ؟ قَالَ: تُعْتِقُ رَقَبَةً وَتُعْطِي أَبَاهُ غُرَّةً. نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ فِي رَجُلٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَأَسْقَطَتْ لِمَنْ دِيَةُ السِّقْطِ؟ قَالَ: بَلَغَنَا فِي السُّنَّةِ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا، فِدْيَةٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، لَيْسَ لِلَّذِي قَتَلَهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ آخَرُونَ - غَيْرَ ذَلِكَ: كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ حَتَّى أَسْقَطَتْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: عَلَيْهِ غُرَّةٌ يَرِثُهَا، وَيَدِيهِ - وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ، وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا. قَالَ عَلِيٌّ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا - كَمَا ذَكَرْنَا - وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتْبَعَهُ: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُرَّةَ مَوْرُوثَةٌ، كَمَالٍ تَرَكَهُ الْمَيِّتُ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْغُرَّةَ دِيَةٌ، فَهِيَ كَحُكْمِ الدِّيَةِ، وَالدِّيَةُ قَدْ صَحَّ أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ، فَالْغُرَّةُ كَذَلِكَ. وَقَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ مَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ عَمَّا يَجِبُ فِي أُمِّهِ: فَجَعَلَ فِي الْأُمِّ دِيَةً، وَجَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً - فَصَحَّ أَنَّ حُكْمَ الْغُرَّةِ كَحُكْمِ دِيَةِ النَّفْسِ، لَا كَحُكْمِ دِيَةِ الْأَعْضَاءِ. وَقَالُوا: قَدْ صَحَّ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ امْرَأً لَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُ دِيَةً فَمَاتَ؟ فَإِنَّهُ مَوْرُوثُهُ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ الْجَنِينُ فِيمَا وَجَبَ فِي الْجِنَايَةِ لَهُ. وَقَالُوا: لَوْ كَانَ وَاجِبًا أَنْ تَكُونَ لِلْأُمِّ لَوَجَبَ إذَا جُنِيَ عَلَيْهَا فَمَاتَتْ، ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا: أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ؟

стр. 4792

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا احْتَجُّوا بِهِ، لَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا، وَكُلُّ هَذَا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِمَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْغُرَّةَ دِيَةٌ فَهِيَ كَحُكْمِ الدِّيَةِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الدِّيَةَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ، فَالْغُرَّةُ كَذَلِكَ - فَإِنَّ هَذَا قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ فَاسِدٌ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ يَوْمًا مَا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إنَّمَا يَرَوْنَهُ فِيمَا عُدِمَ فِيهِ النَّصُّ، لَا فِيمَا فِيهِ النَّصُّ. وَأَمَّا النَّصُّ - فَإِنَّمَا جَاءَ فِي الدِّيَةِ الْمَوْرُوثَةِ فِيمَنْ قَتَلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، لَا فِيمَنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، وَالْجَنِينُ الَّذِي لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ لَمْ يُقْتَلْ قَطُّ، فَقِيَاسٌ دِيَةِ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ، عَلَى دِيَةِ مَنْ قُتِلَ: بَاطِلٌ - لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ - فَبَطَلَ هَذَا الْقِيَاسُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّ الْقَوْلَ عِنْدَنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ - هُوَ أَنَّ الْجَنِينَ إنْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ قَدْ تَجَاوَزَ الْحَمْلَ بِهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، فَإِنَّ الْغُرَّةَ مَوْرُوثَةٌ لِوَرَثَتِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَرِثُونَهُ لَوْ خَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ، عَلَى حُكْمِ الْمَوَارِيثِ، وَإِنْ لَمْ يُوقِنْ أَنَّهُ تَجَاوَزَ الْحَمْلُ بِهِ مِائَةَ لَيْلَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فَالْغُرَّةُ لِأُمِّهِ فَقَطْ. بُرْهَانُنَا عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ» فَذَكَرَ ﵊ الْقَوَدَ، أَوْ الدِّيَةَ، أَوْ الْمُفَادَاةَ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ - فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ، وَالسُّنَّةِ: أَنَّ دِيَةَ الْقَتِيلِ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ مُسَلَّمَةٌ لِأَهْلِ الْقَتِيلِ، وَالْقَتِيلُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَيٍّ: نَقَلَهُ الْقَتْلُ عَنْ الْحَيَاةِ إلَى الْمَوْتِ، بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَبِهَا خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَالْجَنِينُ بَعْدَ مِائَةِ لَيْلَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً: حَيٌّ بِنَصِّ خَبَرِ الرَّسُولِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ﷺ وَإِذْ هُوَ حَيٌّ، فَهُوَ قَتِيلٌ قَدْ قُتِلَ بِلَا شَكٍّ، وَإِذْ هُوَ قَتِيلٌ بِلَا شَكٍّ، فَالْغُرَّةُ الَّتِي هِيَ دِيَتُهُ وَاجِبَةٌ أَنْ تُسَلَّمَ إلَى أَهْلِهِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ الَّذِينَ يُسَلِّمُ لَهُمْ الدِّيَةَ أَنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا عَلَى سُنَّةِ الْمَوَارِيثِ بِلَا خِلَافٍ.

стр. 4793

وَأَمَّا إذَا لَمْ يُوقِنْ أَنَّهُ تَجَاوَزَ مِائَةَ لَيْلَةٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَحْيَا قَطُّ، فَإِذَا لَمْ يَحْيَا قَطُّ، وَلَا كَانَ لَهُ رُوحٌ بَعْدُ، وَلَا قُتِلَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَاءٌ، أَوْ عَلَقَةٌ مِنْ دَمٍ، أَوْ مُضْغَةٌ مِنْ عَضَلٍ، أَوْ عِظَامٌ، وَلَحْمٌ: فَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ بَعْضُ أُمِّهِ، فَإِذْ لَيْسَ حَيًّا بِلَا شَكٍّ، فَلَمْ يُقْتَلْ، لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مَوَاتٌ، وَلَا مَيِّتٌ، وَإِذْ لَمْ يُقْتَلْ، فَلَيْسَ قَتِيلًا، فَلَيْسَ لِدِيَتِهِ حُكْمُ دِيَةِ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا يُقَاسُ عِنْدَ أَهْلِ الْقِيَاسِ الشَّيْءُ عَلَى نَظِيرِهِ، لَا عَلَى ضِدِّهِ - وَمَنْ لَيْسَ قَتِيلًا فَهُوَ غَيْرُ مُشْبِهٍ لِلْقَتِيلِ، فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ هَاهُنَا عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ، وَإِذْ لَيْسَ قَتِيلًا، فَهُوَ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِهَا، وَدَمٌ مِنْ دَمِهَا، وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِهَا، وَبَعْضُ حَشْوَتِهَا بِلَا شَكٍّ، فَهِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا، فَالْغُرَّةُ لَهَا بِلَا شَكٍّ، فَإِنْ مَاتَتْ ثُمَّ طَرَحَتْ الْجَنِينَ - وَلَمْ يُوقِنْ أَنَّهُ أَتَمَّ عِشْرِينَ وَمِائَةَ لَيْلَةٍ - فَالْجَنِينُ لِوَرَثَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْجِنَايَةِ وَجَبَ لَهَا، فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَنْهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَإِنَّ الْعَجَبَ لَيَكْثُرُ مِمَّنْ يُرَاعِي فِي الْمَوْلُودِ الِاسْتِهْلَالَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُقَدْ بِهِ، وَلَا وَرِثَ مِنْهُ، ثُمَّ يُوَرِّثُ مِنْهُ الْغُرَّةَ - وَهُوَ لَمْ يَحْيَا قَطُّ، فَكَيْفَ أَنْ يَسْتَهِلَّ؟ وَنَسْأَلُهُمْ - عَنْ مَوْلُودٍ وُلِدَ فَرَضَعَ وَتَحَرَّكَ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ، ثُمَّ قُتِلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً مَاذَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ أَغُرَّةٌ أَمْ دِيَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: غُرَّةٌ، أَتَوْا بِطَرِيقَةٍ لَهُ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ قَبْلَهُمْ - وَإِنْ قَالُوا: بَلْ دِيَةُ أُمِّهِ، نَقَضُوا أُصُولَهُمْ، إذْ جَعَلُوا فِي قَتْلِ مَيِّتٍ دِيَةً كَامِلَةً أَوْ قَوَدًا. فَإِنْ قَالُوا: لَيْسَ مَيِّتًا؟ قُلْنَا لَهُمْ: قَوِيَ الْعَجَبُ أَنْ لَا تُوَرِّثُوا حَيًّا وَكُلُّ هَذِهِ أَقْوَالٌ يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَا جَمِيعًا: نا الْأَعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ، قَالَ يُجْمَعُ أَحَدُكُمْ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ.

стр. 4794

قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا لَمْ يُوقِنْ تَمَامَ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ لَيْلَةٍ بِجَمِيعِ أَيَّامِهَا فَهُوَ عَلَى مَا تَيَقَّنَّاهُ مِنْ مُوَاتَيَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقْطَعَ لَهُ بِانْتِقَالِهِ إلَى الْحَيَاةِ عَنْ الْمُوَاتِيَةِ الْمُتَيَقَّنَةِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَأَمَّا بِالظُّنُونِ فَلَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ جَنِين الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ] ٢١٣٢ - مَسْأَلَةٌ: جَنِينُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا؟ قَالَ عَلِيٌّ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ جَنِينَ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ مِثْلُ جَنِينِ الْحُرَّةِ، وَلَا فَرْقَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا الْحُرِّ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ - كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ ثَمَنِ أُمِّهِ - وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُهُمْ، وَأَحْمَدُ، وَأَصْحَابُهُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهِ مِنْ ثَمَنِ أُمِّهِ كَقَدْرِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ مِنْ دِيَةِ أُمِّهِ - كَمَا حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: جَنِينُ الْأَمَةِ فِي ثَمَنِ أُمِّهِ بِقَدْرِ جَنِينِ الْحُرَّةِ فِي دِيَةِ أُمِّهِ، قَالَ: فَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ جَنِينَ وَلِيدَتِهِ ثُمَّ قُتِلَتْ الْوَلِيدَةُ؟ قَالَ: يَعْقِلُ الْوَلِيدَةَ وَيَعْقِلُ جَنِينَهَا عَبْدًا، أَيَّمَا كَانَ تَمَامُ عِتْقِهِ أَنْ يُولَدَ وَيَسْتَهِلَّ صَارِخًا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِ أُمِّهِ، كَمَا نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْبَصِيرِ، نا قَاسِمُ أَصْبَغَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ: نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِ أُمِّهِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ - وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ قَتَادَةَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ إنْ خَرَجَ مَيِّتًا، فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا فَثَمَنُهُ

стр. 4795

كُلُّهُ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَزُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ: إنْ كَانَ جَنِينُ الْأَمَةِ ذَكَرًا فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا - وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَفِيهَا عُشْرُ قِيمَتِهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً - قَالَ زُفَرُ: وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ مَا نَقَصَ أُمَّهُ - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا شَيْءَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَصَ أُمَّهُ، فَفِيهِ مَا نَقَصَهَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ: كَمَا نا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ - ثُمَّ اتَّفَقَ الزُّهْرِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِيهِ حُكُومَةٌ - كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: يَنْظُرُ مَا بَلَغَ ثَمَنُ جَنِينِ الْحُرَّةِ مِنْ جَمِيعِ ثَمَنِهَا، فَإِنْ كَانَتْ عُشْرًا أُعْطِيت الْأَمَةُ عَشَرَةً، وَإِنْ كَانَتْ خُمْسًا، وَإِنْ كَانَتْ سُبْعًا، وَإِنْ كَانَتْ ثُمُنُهَا - يَعْنِي: فَكَذَلِكَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي جَنِينِ الْأَمَةِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، كَمَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَلَا فَرْقَ -: كَمَا رُوِّينَا قَبْلُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَعُرْوَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْجَنِينَ وَمَا فِيهِ، وَلَمْ يَخُصُّوا جَنِينَ حُرَّةٍ مِنْ أَمَةٍ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ فَرْقٌ لَبَيَّنُوهُ؟ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْحُرَّةَ خَاصَّةً فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، وَحَكَى عَنْهُمْ مَا لَمْ يَقُولُوا، وَلَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَنْ حَمَلَ قَوْلَهُمْ عَلَى مَا قَالُوهُ فَبِحَقٍّ وَاجِبٍ يَدْخُلُ فِيهِ جَنِينُ الْأَمَةِ، وَغَيْرُهُ، وَلَا فَرْقَ، إذْ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: لَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا يَنْقُصُهَا فَقَطْ.

стр. 4796

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتْبَعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ. فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ رَأَى فِيهِ عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ - فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ حُجَّةً إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: وَجَدْنَا الْغُرَّةَ الْمَحْكُومَ بِهَا فِي جَنِينِ الْهُذَلِيَّةِ وَقُوِّمَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا - وَهُوَ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ دِيَةِ أُمِّهِ أَيْضًا لِأَنَّ دِيَةَ الْأَمَةِ قِيمَتُهَا، حَتَّى أَنَّ مَالِكًا حَمَلَهُ هَذَا الْقِيَاسُ عَلَى أَنْ جَعَلَ فِي جَنِينِ الدَّابَّةِ عُشْرَ قِيمَتِهَا - وَفِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ عُشْرَ الْبَدَنَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ هَذَا الِاحْتِجَاجُ سَاقِطًا؛ لِأَنَّ تَقْوِيمَ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ بِالدَّرَاهِمِ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ قُرْآنٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ - وَلَا صَحَّ عَنْ صَاحِبٍ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ: أَنَّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفَ عُشْرِ ثَمَنِ أُمِّهِ، لَمْ نَجِدْ لَهُمْ مُتَعَلِّقًا - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ لِتَعَرِّيهِ عَنْ الْأَدِلَّةِ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ سُفْيَانَ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا حُجَّةَ لَهُمْ أَصْلًا - فَسَقَطَ أَيْضًا. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَزُفَرَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: لَمَّا كَانَتْ الْغُرَّةُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ مُقَدَّرَةً بِخَمْسِينَ دِينَارًا كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ عُشْرِ دِيَتِهِ لَوْ خَرَجَ حَيًّا - وَكَانَ ذَكَرًا - أَوْ عُشْرَ دِيَتِهَا - لَوْ كَانَتْ أُنْثَى - وَخَرَجَتْ حَيَّةً، فَوَجَبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَيًّا فَقُتِلَ لَكَانَتْ فِيهِ الْقِيمَةُ؟ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ عَلَى مَا نَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ قَوْلَهُمْ: لَمَّا كَانَ ثَمَنُ الْغُرَّةِ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ خَمْسِينَ دِينَارًا وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ، لَوْ خَرَجَ حَيًّا - وَكَانَ ذَكَرًا - وَعُشْرُ دِيَتِهَا، لَوْ خَرَجَتْ حَيَّةً - وَكَانَتْ أُنْثَى - فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ كَذَلِكَ، فَبَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:

стр. 4797

أَوَّلُهَا - أَنَّهُ قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ. الثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ تَقْوِيمَ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا بَاطِلٌ، لَمْ يَصِحَّ قَطُّ فِي قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فَصَارَ قِيَاسُهُمْ هَذَا قِيَاسًا لِلْخَطَأِ عَلَى الْخَطَأِ. وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَهُمْ تَقْوِيمُ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَمِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَكُونَ نِسْبَتُهُ مِنْ دِيَتِهِ، أَوْ مِنْ دِيَةِ أُمِّهِ؟ وَيُقَالُ لَهُمْ: مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ وَهَلَّا قُلْتُمْ: إنَّهَا قِيمَةٌ نَافِذَةٌ مُؤَقَّتَةٌ: كَالْغُرَّةِ وَلَا فَرْقَ؟ وَلَكِنْ أَبَوْا إلَّا التَّرْدِيدَ مِنْ الدَّعَاوَى الْفَاسِدَةِ بِلَا بُرْهَانٍ. وَالرَّابِعُ - أَنْ يُعَارَضَ قِيَاسُهُمْ بِمِثْلِهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ: مِنْ أَنَّ الْخَمْسِينَ دِينَارًا الَّتِي قُوِّمَتْ بِهَا الْغُرَّةُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ إنَّمَا اُعْتُبِرَ بِهَا مِنْ دِيَةِ أُمِّهِ، لَا مِنْ دِيَةِ نَفْسِهِ؟ فَقَالُوا: إنْ كَانَ جَنِينُ الْأَمَةِ - ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى - فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، كَمَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ - ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى - عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، فَهَلْ هَاهُنَا إلَّا دَعْوَى مُقَابَلَةً بِمِثْلِهَا؟ وَتَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ؟ ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ فِيهِ حُكْمًا، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا قَوْلًا عَارِيًّا مِنْ الْأَدِلَّةِ، فَوَجَبَ تَرْكُهُ، إذْ مَا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، فَهِيَ دَعْوَى سَاقِطَةٌ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] فَمَنْ لَا بُرْهَانَ لَهُ فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إلَّا مَا نَقَصَهَا، فَوَجَدْنَاهُ أَيْضًا قَوْلًا لَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا سَقَطَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ [كُلُّهَا] وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ

стр. 4798

عِنْدَ اخْتِلَافِ الْقَائِلِينَ بِهَا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فَفَعَلْنَا. فَوَجَدْنَا - مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: أَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَك؟ فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. وَمَا ناه أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَحْرَانِيُّ نا عُثْمَانَ بْنُ عُمَرَ نا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ نا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ﵇: دِيَةُ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ عُمُومُ إمْلَاصِ كُلِّ امْرَأَةٍ - وَكَذَلِكَ نَصُّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ - وَلَمْ يَقُلْ ﷺ إنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَوِّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِلْمَ مَا لَمْ يَقُلْ، وَلَا أَنْ يُخْبِرَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَهَذَا يُوجِبُ النَّارَ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فِي جَنِينِ حُرَّةٍ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنَّمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فِي جَنِينِ هُذَلِيَّةٍ لِحْيَانِيَّةٍ تُسَمَّى مُلَيْكَةَ قَتَلَتْهَا ضَرَّتُهَا أُمُّ عَفِيفٍ، الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ فِي دَعْوَاكُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ جَنِينُ حُرَّةٍ، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ لِأَنَّهُ جَنِينُ هُذَلِيَّةٍ؟ أَوْ لِأَنَّهُ جَنِينُ امْرَأَةٍ تُسَمَّى مُلَيْكَةَ، أَوْ لِأَنَّ ضَرَّتَهَا قَتَلَتْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْقَاتِلَةَ اسْمُهَا أُمُّ عَفِيفٍ - هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ وَتَخْلِيطٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4799

[مَسْأَلَةٌ فِي جَنِينِ الذِّمِّيَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا] مَسْأَلَةٌ: جَنِينُ الذِّمِّيَّةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵁: قَالَ قَائِلُونَ فِي جَنِينِ الذِّمِّيَّةِ عُشْرُ دِيَتِهَا - وَهَذَا قَوْلٌ إنَّمَا قَاسُوهُ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي تَقْوِيمِ الْغُرَّةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا - وَهُوَ قَوْلٌ ظَاهِرُ الْخَطَأِ. وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي جَنِينِ الذِّمِّيَّةِ أَيْضًا غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ يُقْضَى عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ بِهِ، فَيَطْلُبُونَ غُلَامًا أَوْ أَمَةً - كَافِرَيْنِ - فَيَدْفَعَانِهِ، أَوْ يَدْفَعَانِهَا إلَى مَنْ تَجِبُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدَا فَبِقِيمَةِ أَحَدِهِمَا - لَوْ وُجِدَ - وَالْقِيمَةُ فِي هَذَا - وَفِي الْغُرَّةِ جُمْلَةً إذَا عُدِمَتْ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ أَحَدٌ غَرَامَةً، إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» فَأَقَلُّ مَا كَانَتْ تُسَاوِي الْغُرَّةُ - لَوْ وُجِدَتْ - وَاجِبٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالنَّصِّ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ، لَا بِنَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ - فَهُوَ سَاقِطٌ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ. وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيًّا ضَرَبَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً خَطَأً فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا: يُكَلَّفُ أَنْ تَبْتَاعَ عَاقِلَتُهُ عَبْدًا كَافِرًا أَوْ أَمَةً كَافِرَةً وَلَا بُدَّ - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ عَبْدًا مُسْلِمًا وَلَا أَمَةً مُسْلِمَةً - وَالرَّقَبَةُ الْكَافِرَةُ تُجْزِي فِي الْغُرَّةِ الْمَذْكُورَةِ - سَوَاءٌ كَانَ الْجَانِي وَعَاقِلَتُهُ: مُسْلِمِينَ، أَوْ كَانُوا كُفَّارًا - وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ فَقَطْ، كَمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] . فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ الْغُرَّةُ مُؤْمِنَةً لَمَا أَغْفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِلْمَ بَيَانِ ذَلِكَ - كَمَا لَمْ يَغْفُلْ، أَوْ بَيَّنَ أَنَّهُ يُجْزِي فِي ذَلِكَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا مَا نَقَصَ الْأَمَةَ إلْقَاءُ الْجَنِينِ، فَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ وَلَا بُدَّ، زِيَادَةً عَلَى الْغُرَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ أَفْسَدَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ٢١٣٤ - [مَسْأَلَةٌ جَنِينُ الْبَهِيمَةِ] ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا

стр. 4800

ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ: نَرَى أَنْ تُقَامَ الْبَهِيمَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدُهَا، ثُمَّ تُقَامَ بَعْدَ أَنْ تَطْرَحَ جَنِينَهَا، فَيَكُونُ فَضْلُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا حَتَّى طَرَحَتْ جَنِينَهَا - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: نَرَى جَنِينَ الْبَهِيمَةِ إلَى الْحُكْمِ بِقِيمَةٍ إنَّمَا الْبَهِيمَةُ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ - وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا أَرَى فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ شَيْئًا أَوْسَعَ مِنْ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْقَوْلُ فِي هَذَا عِنْدَنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَالٍ فَقِيمَةُ مِثْلِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ: إنَّ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ، أَوْ الْحَاكِمِ: فَقَوْلٌ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يُوجِبُهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا رَسُولُهُ ﵊ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادًا فِي أَخْذِ مَالٍ مِنْ إنْسَانٍ وَإِعْطَائِهِ آخَرَ، بَلْ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ مَا يُعْطِيهِ لِآخَرَ، إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ: أَنَّ فِي جَنِينِ الْفَرَسِ عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي جَنِينِ الْبَهِيمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهَا، وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ. [مَسْأَلَةٌ كَافِرٌ ذِمِّيٌّ قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ] ٢١٣٥ - مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَوْ أَنَّ كَافِرًا ذِمِّيًّا قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ بَعْدَ قَتْلِهِ الْمَقْتُولَ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ: فَلَا قَوَدَ عَلَى الْقَاتِلِ أَصْلًا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» . قَالُوا: وَدِيَةُ الْمَقْتُولِ - إنْ اخْتَارُوا الدِّيَةَ قَبْلَ إسْلَامِ قَاتِلِ وَلِيِّهِمْ، أَوْ فَادُوهُ ثُمَّ أَسْلَمَ: بَقِيَتْ الْغَرَامَةُ لَهُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ اسْتَحَقُّوهُ عِنْدَهُ، وَالْأَمْوَالُ تَجِبُ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَلِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ - وَقَدْ «مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَخَذَهَا ﷺ لِقُوتِ أَهْلِهِ» وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ قَبْلَ هَذَا.
следующие страницы →