← Фикх общий

Фикх общий · id 767

المحلى بالآثار

ابن حزم

Полный текст (5 355 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

فَإِنْ وُجِدَ لَا أَثَرَ فِيهِ؟ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا حَكَمَ فِي مَقْتُولٍ، وَلَيْسَ كُلُّ مَيِّتٍ مَقْتُولًا، فَإِنْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ قُتِلَ بِأَثَرٍ وُجِدَ فِيهِ مِنْ: ضَرْبٍ أَوْ شَدْخٍ أَوْ خَنْقٍ، أَوْ ذَبْحٍ أَوْ طَعْنٍ، أَوْ جُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ، أَوْ سُمٍّ - فَهُوَ مَقْتُولٌ وَالْقَسَامَةُ فِيهِ. وَإِنْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مَيِّتٌ حَتْفَ أَنْفِهِ لَا أَثَرَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ فَلَا قَسَامَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ هِيَ الْحَالَ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَسَامَةِ. إنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا حَتْفَ أَنْفِهِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَقْتُولًا، غَمَّهُ بِشَيْءٍ وَضَعَهُ عَلَى فِيهِ فَقَطَعَ نَفَسَهُ فَمَاتَ: فَالْقَسَامَةُ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُلْتُمْ هَذَا وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مَقْتُولٍ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ؟ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: إنَّ الْمَقْتُولَ أَيْضًا مُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ قَتَلَهُ سَبُعٌ، فَلَمَّا كَانَ إمْكَانُ مَا ذَكَرْنَا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْقَسَامَةِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَوَجَبَتْ الْقَسَامَةُ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ - فَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا، فَلَا تَكُنْ غَافِلًا مُتَعَسِّفًا أَنَّنَا قَدْ قِسْنَا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ بَابٌ وَاحِدٌ كُلُّهُ، إنَّمَا هُوَ مَنْ وُجِدَ مَيِّتًا وَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَكَانَ قَتْلُهُمْ لَهُ الَّذِي ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَيْهِمْ مُمْكِنًا - فَهَذِهِ هِيَ الْقِصَّةُ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهَا بِالْقَسَامَةِ، فَفَرْضٌ عَلَيْنَا أَنْ نَحْكُمَ فِيهَا بِالْقَسَامَةِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَنْ ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ حَقًّا، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ إذَا أَيْقَنَّا أَنَّ الَّذِي يَدَّعُونَهُ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَسَوَاءٌ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ أَعْدَاءٍ كُفَّارٍ، أَوْ أَعْدَاءٍ مُؤْمِنِينَ، أَوْ أَصْدِقَاءٍ كُفَّارٍ، أَوْ أَصْدِقَاءٍ مُؤْمِنِينَ، أَوْ فِي دَارِ أَخِيهِ، أَوْ ابْنِهِ أَوْ حَيْثُمَا وُجِدَ، فَالْقَسَامَةُ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُعَاوِيَةَ، بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لَا يَصِحُّ خِلَافُهُمَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمَا حَكَمَا بِالْقَسَامَةِ فِي إسْمَاعِيلَ بْنِ هَبَّارٍ وُجِدَ مَقْتُولًا بِالْمَدِينَةِ، وَادَّعَى قَوْمٌ قَتْلَهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى - مُفْتَرِقَةِ الدُّورِ - وَلَمْ يُوجَدْ الْمَقْتُولُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَهُمْ: زُهْرَى، وَتَيْمِيٌّ، وَلَيْثِيٌّ كِنَانِيٌّ، وَبِهَذَا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4867

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَسَوَاءٌ وُجِدَ الْمَقْتُولُ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ فِي دَارِهِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، أَوْ فِي السُّوقِ، أَوْ بِالْفَلَاةِ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ نَهْرٍ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ، أَوْ فِي بَحْرٍ، أَوْ عَلَى عُنُقِ إنْسَانٍ، أَوْ فِي سَقْفٍ، أَوْ فِي شَجَرَةٍ، أَوْ فِي غَارٍ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ وَاقِفَةٍ، أَوْ سَائِرَةٍ - كُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَمَا قُلْنَا. وَمَتَى ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ - فِي كُلِّ ذَلِكَ - عَلَى أَحَدٍ فَالْقَسَامَةُ فِي ذَلِكَ كَمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُذْرَعُ مَا بَيْنَهُمَا فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ: حَلَفُوا وَغَرِمُوا مَعَ قَوْلِهِمْ: إنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ حَلَفُوا وَوَدَوْا. فَإِنْ تَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ مِمَّا نَاهٍ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّمَرِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ نا يُوسُفُ بْنُ أَحْمَدَ نا أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ نا أَبُو إسْرَائِيلُ الْمُلَائِيُّ نا عَطِيَّةُ - هُوَ الْعَوْفِيُّ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ فَقِيسَ إلَى أَيِّهِمَا أَقْرَبُ؟ فَوُجِدَ أَقْرَبَ إلَى إحْدَاهُمَا بِشِبْرٍ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى شِبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَمَّنَ النَّبِيُّ ﵇ مَنْ كَانَتْ أَقْرَبَ إلَيْهِ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَتْ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْدٍ - هُوَ ابْنُ الصَّامِتِ - فَقَالَ الْجُلَاسُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: إنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنْ الْحَمِيرِ؟ فَسَمِعَهَا عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَا شَيْءَ إنْ لَمْ أَرْفَعْهَا إلَى النَّبِيِّ ﵊ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ فِيهِ، وَأَنْ أَخْلِطَ بِخُطْبَتِهِ، وَلَنِعْمَ الْأَبُ هُوَ لِي فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَسَكَتُوا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْجُلَاسَ فَعَرَفَهُ - وَهُمْ يَتَرَحَّلُونَ - فَلَمْ يَتَحَرَّكْ أَحَدٌ، كَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ، لَا يَتَحَرَّكُونَ إذَا نَزَلَ الْوَحْيُ، فَرُفِعَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فَقَالَ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فَقَالَ الْجُلَاسُ: اسْتَتِبْ إلَيَّ رَبِّي، فَإِنِّي أَتُوبُ إلَى اللَّهِ، وَأَشْهَدُ لَهُ بِصِدْقِ ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٧٤] قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ مَوْلَى الْجُلَاسِ قُتِلَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَبَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: أَنْ يَعْقِلُوهُ، فَلَمَّا قَدِمَ - النَّبِيُّ ﵇ جَعَلَ عَقْلَهُ عَلَى عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَ عُمَيْرٌ مِنْهَا بِعَلِيًّا حَتَّى مَاتَ» .

стр. 4868

ونا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ نا مُوسَى بْنُ مُعَاوِيَةَ نا وَكِيعٌ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْبِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ «أَنَّ قَتِيلًا وُجِدَ فِي هُذَيْلٍ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ فَدَعَا خَمْسِينَ مِنْهُمْ، فَأَحْلَفَهُمْ، كُلَّ رَجُلٍ عَنْ نَفْسِهِ يَمِينًا: بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا قَتَلْنَا وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، ثُمَّ أَغْرَمَهُمْ الدِّيَةَ» . نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: إنَّمَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ أَقْسَمَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ: مَا قَتَلْنَا، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا - فَإِنْ عَجَزَتْ الْأَيْمَانُ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَقَلُوا. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عُثْمَانَ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَكْحُولٍ «نا عَمْرُو بْنُ أَبِي خُزَاعَةَ أَنَّهُ قُتِلَ فِيهِمْ قَتِيلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ الْقَسَامَةَ عَلَى خُزَاعَةَ: بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا نَعْلَمُ قَاتِلًا، وَحَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ نَفْسِهِ، وَغَرِمُوا الدِّيَةَ» . قَالُوا: وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ قَبْلُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ فَلَا يَجِبُ الِاشْتِغَالُ بِهَا عَلَى مَا نُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي صَدَّرْنَا بِهِ: فَهَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ضَعَّفَهُ هُشَيْمٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمَا نَدْرِي أَحَدًا وَثَّقَهُ - وَذَكَرَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْكَلْبِيَّ الْكَذَّابَ فَيَأْخُذُ عَنْهُ الْأَحَادِيثَ، ثُمَّ يُكَنِّيهِ بِأَبِي سَعِيدٍ وَيُحَدِّثُ بِهَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَيُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ الْخُدْرِيِّ، وَهَذَا مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَهُوَ سَاقِطٌ. ثُمَّ هُوَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إسْرَائِيلَ الْمُلَائِيِّ - هُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، فَهُوَ بَلِيَّةٌ عَنْ بَلِيَّةٍ، وَالْمُلَائِيُّ هَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا - وَلَيْسَ فِي الذَّرْعِ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ خَبَرٌ غَيْرُ هَذَا أَلْبَتَّةَ، لَا مُسْنَدٌ وَلَا مُرْسَلٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْد بْنِ الصَّامِتِ، وَعُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ عَنْ

стр. 4869

عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ: أَنَّ مَوْلَى الْجُلَاسِ قُتِلَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ جَعَلَ عَقْلَهُ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُ وُجِدَ مَقْتُولًا فِيهِمْ، وَلَا أَنَّهُ ﵇ أَوْجَبَ فِيهِ قَسَامَةً - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِمْ - وَإِنَّمَا فِيهِ: أَنَّهُ قُتِلَ فِيهِمْ، فَقَاتِلُهُ مِنْهُمْ، وَإِذَا كَانَ قَاتِلُهُ مِنْهُمْ فَالْعَقْلُ عَلَيْهِمْ - فَهَذِهِ صِفَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ - وَبِهِ نَقُولُ - فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِهَذَا الْخَبَرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أَبِي خُزَاعَةَ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَمُرْسَلٌ - فَبَطَلَ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ عَنْ عَلِيٍّ لَا يَصِحُّ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْهُ - فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَعَنْ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَقَدْ وَصَفَهُ الشَّعْبِيُّ بِالْكَذِبِ - وَفِيهِ أَيْضًا: الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، وَمَا نَعْلَمُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا فِي الْإِجْمَاعِ، وَلَا فِي الْقِيَاسِ: أَنْ يَحْلِفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَيَغْرَمَ - وَالْقَوْمُ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَلَّا قَاسُوا الدَّعْوَى فِي الدَّمِ عَلَى الدَّعْوَى فِي الْمَالِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا السُّنَّةَ أَصَابُوا، وَلَا الْقِيَاسَ أَحْسَنُوا. [مَسْأَلَة الْقَسَامَةُ فِي الْعَبْدِ يُوجَدُ مَقْتُولًا] ٢١٥٤ - مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْقَسَامَةُ فِي الْعَبْدِ يُوجَدُ مَقْتُولًا؟ فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْقَسَامَةُ فِي الْعَبْدِ يُوجَدُ قَتِيلًا كَمَا هِيَ فِي الْحُرِّ، وَعَلَيْهِمْ قِيمَتُهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، لَا يُبْلِغُ بِهَا دِيَةُ حُرٍّ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَلَا غَرَامَةَ وَهُوَ هَدَرٌ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: لَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَغْرَمُونَ ثَمَنَهُ. وَقَالَ: زُفَرُ، وَالشَّافِعِيُّ: فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالْقِيمَةُ، إلَّا أَنَّ زُفَرَ قَالَ: يُقْسِمُونَ وَيَغْرَمُونَ قِيمَتَهُ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْلِفُ الْعَبْدُ وَيَغْرَمُ الْقَوْمُ قِيمَتَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُنَا فِيهِ إنَّ الْقَسَامَةَ فِيهِ كَالْحُرِّ - سَوَاءً سَوَاءً - فِي كُلِّ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهِ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا. فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ: لَا قَسَامَةَ فِي الْعَبْدِ يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا حَكَمَ

стр. 4870

بِالْقَسَامَةِ فِي حُرٍّ لَا فِي عَبْدٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَحْكُمَ بِهَا إلَّا حَيْثُ حَكَمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَبْدُ مَالٌ كَالْبَهِيمَةِ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْبَهِيمَةِ، وَلَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ - وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا؟ فَلَمَّا نَظَرْنَا فِي ذَلِكَ وَجَدْنَا هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ لَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهِمَا: أَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحْكُمْ بِالْقَسَامَةِ إلَّا فِي حُرٍّ؟ فَقَدْ قُلْنَا: فِي هَذَا مَا كَفَى، وَلَمْ يَقُلْ ﵇ إنِّي إنَّمَا حَكَمْتُ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا؟ فَنَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ، وَنُخْبِرُ عَنْ مُرَادِهِ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ ﵇ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا تَكَهُّنٌ وَتَخَرُّصٌ بِالْبَاطِلِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ أَصْلًا، وَالْعَبْدُ قَتِيلٌ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ كَمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا مَزِيدَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ مَالٌ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ كَمَا لَا قَسَامَةَ فِي الْبَهِيمَةِ؟ فَقَوْلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ، وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ، فَالْعَبْدُ - وَإِنْ كَانَ مَالًا فَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ حُكْمَ الْأَمْوَالِ وَالْبَهَائِمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَالٌ، فَإِنَّ الْحُرَّ أَيْضًا حَيَوَانٌ كَمَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ حَيَوَانٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ نُبْطِلَ الْقَسَامَةَ فِي الْحُرِّ قِيَاسًا عَلَى بُطْلَانِهَا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانِ؟ وَأَيْضًا - فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْإِثْمَ عِنْدَ اللَّهِ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ، كَالْإِثْمِ فِي قَتْلِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا نَفْسٌ مُحَرَّمَةٌ، وَدَاخِلَانِ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَاتِلُ الْبَهِيمَةِ. فَوَجَبَ عَلَى أُصُولِهِمْ - أَنْ نَحْكُمَ لِلْعَبْدِ إذَا وُجِدَ مَقْتُولًا بِمِثْلِ الْحُكْمِ فِي الْحُرِّ إذَا وُجِدَ مَقْتُولًا، لَا بِمِثْلِ الْحُكْمِ فِي الْبَهِيمَةِ - لَا سِيَّمَا فِي قَوْلِ الْحَنَفِيِّينَ الْمُوجِبِينَ لِلْقَوَدِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي الْعَمْدِ - فَهَذِهِ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمَا صَحِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ، وَالشَّافِعِيِّينَ: الْمُوجِبِينَ لِلْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ خَطَأً، كَمَا يُوجِبُونَهَا فِي قَتْلِ الْحُرِّ خَطَأً بِخِلَافِ قَتْلِ الْبَهِيمَةِ خَطَأً؟ فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ، وَصَحَّ أَنَّ الْقَسَامَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْعَبْدِ كَمَا هِيَ فِي الْحُرِّ مِنْ طَرِيقِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا طَرِيقِ الْقِيَاسِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ أَلْزَمَ قِيمَةَ الْعَبْدِ مَنْ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ دُونَ قَسَامَةٍ، فَقَوْلٌ لَا يُؤَيِّدُهُ

стр. 4871

قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ - وَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَإِغْرَامُ قَوْمٍ لَمْ يَثْبُتْ قِبَلَهُمْ حَقٌّ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَلَا قَسَامَةَ فِي بَهِيمَةٍ وُجِدَتْ مَقْتُولَةً، وَلَا فِي شَيْءٍ وُجِدَ مِنْ الْأَمْوَالِ مَفْسُودًا؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا تُسَمَّى " قَتِيلًا " فِي اللُّغَةِ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَسَامَةِ فِي الْقَتِيلِ، فَلَا يَحِلُّ تَعَدِّي حُكْمِهِ ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] وَالْأَمْوَالُ مُحَرَّمَةٌ إلَّا بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ؟ فَالْوَاجِبُ فِي الْبَهِيمَةِ - تُوجَدُ مَقْتُولَةً أَوْ تَتْلَفُ - وَفِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا: مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﵇ إذْ يَقُولُ «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ» . فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ إنْ ادَّعَى صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ تُوجَدُ مَقْتُولَةً أَوْ صَاحِبُ الْمَالِ إتْلَافَ مَالِهِ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُكَلِّفَهُ الْبَيِّنَةَ؟ فَإِنْ أَتَى بِهَا قَضَى لَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ، وَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ - وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ دَعْوَى فِي دَمٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، حَاشَا الْقَتِيلَ يُوجَدُ، فَفِيهِ الْقَسَامَةُ كَمَا خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الذِّمِّيِّ يُوجَدُ قَتِيلًا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا قَسَامَةَ فِيهِ - وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ الْقَسَامَةَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَالْقَوْلُ فِيهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا حَكَمَ بِالْقَسَامَةِ فِي مُسْلِمٍ ادَّعَى عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَلَمْ يَقُلْ ﵊: إنَّمَا حَكَمْت بِهَا، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ ادَّعَى عَلَى يَهُودِيِّ؟ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَوَّلَ ﵊ مَا لَمْ يَقُلْهُ، لَكِنَّهُ ﵇ حَكَمَ بِهَا فِي قَتِيلٍ وُجِدَ، وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ حَالًا مِنْ حَالٍ، وَالذِّمِّيُّ قَتِيلٌ، فَالْقَسَامَةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ إذَا ادَّعَاهَا أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى ذِمِّيٍّ أَوْ ذِمِّيِّينَ؛ لِأَنَّهُ إنْ ادَّعَوْهَا عَلَى مُسْلِمٍ - فَحَتَّى لَوْ صَحَّ مَا ادَّعَوْهُ بِالْبَيِّنَةِ - فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ، وَلَكِنْ إنْ أَرَادُوا أَنْ يُقْسِمُوا وَيُودِيَهُ الْإِمَامُ، فَذَلِكَ لَهُمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ - حَكَمَ بِهَا فِي مُسْلِمٍ ادَّعَى عَلَى يَهُودَ؟ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِهَا وَاجِبٌ فِي مُسْلِمٍ ادَّعَى - عَلَى مُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ غَيْرُ الْحَالِ الَّتِي حَكَمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مُسْلِمٍ ادَّعَى بِالْقَسَامَةِ عَلَى أُصُولِهِمْ، وَلَا

стр. 4872

فَرْقَ بَيْنَ الْحُكْمِ بِهَا فِي مُسْلِمٍ عَلَى مُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِهَا فِي ذِمِّيٍّ عَلَى ذِمِّيِّينَ أَوْ عَلَى مُسْلِمِينَ؛ لِعُمُومِ حُكْمِهِ ﵇ وَإِنَّهُ لَمْ يَخُصَّ ﵇ صِفَةً مِنْ صِفَةٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة فِيمَنْ يَحْلِفُ بِالْقَسَامَةِ] ٢١٥٥ - مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ يَحْلِفُ بِالْقَسَامَةِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ فِيهَا الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ مِنْ عَشِيرَةِ الْمَقْتُولِ الْوَارِثِينَ لَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فِي وُجُوهٍ، مِنْهَا: هَلْ يَحْلِفُ مَنْ لَا يَرِثُ مِنْ الْعَصَبَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَحْلِفُ الْعَبْدُ فِي جُمْلَتِهِمْ أَمْ لَا؟ وَهَلْ تَحْلِفُ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَحْلِفُ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَحْلِفُ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَحْلِفُ الْحَلِيفُ أَمْ لَا؟ فَوَجَبَ لَمَّا تَنَازَعُوا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا عِنْدَ التَّنَازُعِ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الْآيَةَ؟ فَفَعَلْنَا - فَوَجَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵇ قَالَ فِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ - الَّذِي لَا يَصِحُّ عَنْهُ غَيْرُهُ - كَمَا قَدْ تَقَصَّيْنَاهُ قَبْلُ «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ وَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» فَخَاطَبَ النَّبِيُّ ﵊ بَنِي حَارِثَةَ عَصَبَةَ الْمَقْتُولِ. وَبِيَقِينٍ يَدْرِي كُلُّ ذِي مَعْرِفَةٍ: أَنَّ وَرَثَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ﵁ لَمْ يَكُونُوا خَمْسِينَ، وَمَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَحْدَهُ، وَكَانَ الْمُخَاطَبُ بِالتَّحْلِيفِ ابْنَيْ عَمِّهِ مُحَيِّصَةُ، وَحُوَيِّصَةَ، وَهُمَا غَيْرُ وَارِثِينَ لَهُ؟ فَصَحَّ - أَنَّ الْعَصَبَةَ يَحْلِفُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا وَارِثِينَ. وَصَحَّ - أَنَّ مَنْ نَشِطَ لِلْيَمِينِ مِنْهُمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ - سَوَاءٌ كَانَ بِذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى الْمَقْتُولِ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ - لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَاطَبَ ابْنَيْ الْعَمِّ، كَمَا خَاطَبَ الْأَخَ خِطَابًا مُسْتَوِيًا، لَمْ يُقَدِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ.

стр. 4873

وَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي التَّحْلِيفِ إلَّا الْبَطْنُ الَّذِي يُعْرَفُ الْمَقْتُولُ بِالِانْتِسَابِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخَاطِبْ بِذَلِكَ إلَّا بَنِي حَارِثَةَ الَّذِي كَانَ الْمَقْتُولُ مَعْرُوفًا بِالنَّسَبِ فِيهِمْ، وَلَمْ يُخَاطِبْ بِذَلِكَ سَائِرَ بُطُونِ الْأَنْصَارِ - كَبَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَبَنِي ظَفَرٍ، وَبَنِي زَعْوَرٍ، وَهُمْ إخْوَةُ بَنِي حَارِثَةَ - فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُدْخِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَإِنْ كَانَ فِي الْعَصَبَةِ عَبْدٌ صَرِيحُ النَّسَبِ فِيهِمْ، إلَّا أَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ أَمَةً لِقَوْمٍ فَلَحِقَهُ الرِّقُّ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُمْ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَخُصَّ ﵇ إذْ قَالَ: خَمْسُونَ مِنْكُمْ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ - إذَا كَانَ مِنْهُمْ - كَمَا كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁ مِنْ طِينَتِهِ: عَنَسَ، وَلَحِقَهُ الرِّقُّ لِبَنِي مَخْزُومٍ - وَكَمَا كَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَزْدِيًّا صَرِيحًا فَلَحِقَهُ الرِّقُّ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ تَزَوَّجَ فُهَيْرَةَ أَمَةَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَكَمَا كَانَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو بَهْرَانِيًّا قُحًّا، وَلَحِقَهُ الرِّقُّ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ - فَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَحَلَفَ امْرَأَةً فِي الْقَسَامَةِ - وَهِيَ طَالِبَةٌ - فَحَلَفَتْ، وَقَضَى لَهَا بِالدِّيَةِ عَلَى مَوْلًى لَهَا. وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: لَا تَحْلِفُ الْمَرْأَةُ أَصْلًا - وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ مَنْ تَلْزَمُهُ لَهُ النُّصْرَةُ، وَهَذَا بَاطِلٌ مُؤَيَّدٌ بِبَاطِلٍ؛ لِأَنَّ النُّصْرَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسَدَّدٌ نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا كَانَ أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ» . وَرَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ نا زُهَيْرُ - هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ - نا أَشْعَثُ - هُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ - ني مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ أَمَرَنَا: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ - أَوْ الْمُقْسِمِ - وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ» .

стр. 4874

فَقَدْ افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى نَصْرَ إخْوَانِنَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] . نَعَمْ، وَنَصْرُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَرْضٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] . فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَوْلَى بِالنُّصْرَةِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - فَوَجَبَ أَنْ تَحْلِفَ الْمَرْأَةُ إنْ شَاءَتْ - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» وَهَذَا لَفْظٌ يَعُمُّ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا حُكْمَ عُمَرَ لِئَلَّا يَدَّعُوا لَنَا الْإِجْمَاعَ. فَأَمَّا الصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ، فَغَيْرُ مُخَاطَبِينَ أَصْلًا بِشَيْءٍ مِنْ الدِّينِ - قَالَ ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ. فَذَكَرَ: الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ» مَعَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ أَنْ لَا يَحْلِفَا فِي الْقَسَامَةِ مُتَيَقَّنٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَأَمَّا الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ، وَالْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ، وَالْحَلِيفُ، فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: قَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ - وَمَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . وَأَثْبَتَ الْحَلِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - قَالُوا: وَنَحْنُ نَعْلَمُ يَقِينًا - أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِبَنِي حَارِثَةَ مَوَالٍ مِنْ أَسْفَلَ، وَحُلَفَاءُ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا مِرْيَةَ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: أَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ - وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ» فَصَحِيحٌ - وَكَذَلِكَ كَوْنُ بَنِي حَارِثَةَ لَهُمْ الْحُلَفَاءُ وَالْمَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ بِلَا شَكٍّ؟ إلَّا أَنَّنَا لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ إذْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ وَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ» حَضَرَ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حَلِيفٌ لَهُمْ، أَوْ مَوْلًى لَهُمْ - وَلَوْ أَيْقَنَّا أَنَّهُ حَضَرَ هَذَا الْخِطَابَ مَوْلًى لَهُمْ، أَوْ حَلِيفٌ لَهُمْ، لَقُلْنَا بِأَنَّ الْحَلِيفَ وَالْمَوْلَى يَحْلِفُونَ مَعَهُمْ، وَإِذْ لَا يَقِينَ عِنْدَنَا أَنَّهُ حَضَرَ هَذَا الْخِطَابَ حَلِيفٌ وَمَوْلًى؟ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ فِي حُكْمٍ مُنْفَرِدٍ بِرَسْمِهِ، إلَّا مَنْ نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ لُزُومِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَهُ.

стр. 4875

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ ﷺ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» يُغْنِي عَنْ حُضُورِ الْمَوَالِي هُنَالِكَ، وَالْحَلِيفُ أَيْضًا - يُسَمَّى فِي لُغَةِ الْعَرَبِ " مَوْلًى " كَمَا قَالَ ﵇ لِلْأَنْصَارِ أَوَّلَ مَا لَقِيَهُمْ «أَمِنَ مَوَالِي يَهُودَ» يُرِيدُ مِنْ حُلَفَائِهِمْ؟ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: قَدْ قَالَ ﵊ مَا ذَكَرْتُمْ. وَقَالَ أَيْضًا «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» ، وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ فِي " كِتَابِ الْعَاقِلَةِ " وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَ أَخْوَالِهِ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ: حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلَّدٌ مِنْ امْرَأَةٍ هِيَ مِنْهُمْ بِحَقِّ الْوِلَادَةِ، وَالْحَلِيفُ وَالْمَوْلَى أَيْضًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَتِهِمْ - وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ ﵇ مَا يُوجِبُ أَنْ يُحْكَمَ لِلْمَوْلَى وَالْحَلِيفِ بِكُلِّ حُكْمٍ وَجَبَ لِلْقَوْمِ. وَقَدْ صَحَّ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ لَا يَسْتَحِقُّهَا مَوْلَى قُرَيْشٍ، وَلَا حَلِيفُهُمْ، وَلَا ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ -. وَالْقَسَامَةُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ سَوَاءٌ - فِيمَا ذَكَرْنَا - فِيمَنْ يَحْلِفُ فِيهَا، وَلَا فَرْقَ. [مَسْأَلَة كَمْ يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ .] ٢١٥٦ - مَسْأَلَةٌ: كَمْ يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَحْلِفُ إلَّا خَمْسُونَ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ: بَطَلَ حُكْمُ الْقَسَامَةِ، وَعَادَ الْأَمْرُ إلَى التَّدَاعِي. وَقَالَ آخَرُونَ: إنْ نَقَصَ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا: رُدِّدَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا اثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ اثْنَيْنِ فَقَطْ بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْعَمْدِ - وَأَمَّا فِي الْخَطَأِ فَيَحْلِفُ فِيهِ وَاحِدٌ خَمْسِينَ - وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُلَمَاءِ أَهْل الْمَدِينَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: يَحْلِفُ خَمْسُونَ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ عَدَدِهِمْ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا: رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى وَاحِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ إلَّا وَلِيٌّ وَاحِدٌ: بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ، وَعَادَ الْحُكْمُ إلَى التَّدَاعِي - وَهَذَا قَوْلُ مَالك. وَقَالَ آخَرُونَ: تُرَدَّدُ الْأَيْمَانُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَحْدَهُ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

стр. 4876

وَهَكَذَا قَالُوا فِي أَيْمَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ: أَنَّهَا تُرَدَّدُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ - فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ: فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ بِتَرْدِيدِ الْأَيْمَانِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ فِي كِتَابٍ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي الْأَيْمَانِ أَنْ يَحْلِفَ الْأَوْلِيَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدَدُ عَصَبَتِهِ تَبْلُغُ خَمْسِينَ رُدِّدَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ بَالِغًا مَا بَلَغُوا» . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ يَحِقُّ دَمُ الْمَقْتُولِ إذَا حُلِفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقْتَلُ قَاتِلُهُ، أَوْ تُؤْخَذُ دِيَتُهُ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ أَوْلِيَاؤُهُ - مَنْ كَانُوا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا - فَمَنْ تَرَكَ مِنْهُمْ الْيَمِينَ ثَبَتَتْ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ يَحْلِفُ - فَإِنْ نَكَلُوا كُلُّهُمْ: حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا: مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ بَطَلَ دَمُهُ - وَإِنْ نَكَلُوا كُلُّهُمْ: عَقَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ - وَلَا يُطَلُّ دَمُ مُسْلِمٍ إذَا اُدُّعِيَ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: هَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُمَا مُرْسَلَانِ، وَالْمُرْسَلُ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ: أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَفِيهِ: أَنْ يَحْلِفَ الْأَوْلِيَاءُ، وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ الْحَنَفِيُّونَ؛ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ. قِيلَ لِلْمَالِكِيِّينَ: هُوَ أَيْضًا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ: أَنْ لَا يَحْلِفَ إلَّا اثْنَانِ. وَأَيْضًا - فَلَيْسَ هُوَ بِأَوْلَى مِنْ الْمُرْسَلِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ: إنْ نَكَلَ الْفَرِيقَانِ عَقَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَلَا يَقُولُ بِهِ مَالِكِيٌّ، وَلَا شَافِعِيٌّ، وَفِيهِ الْقَوَدُ بِالْقَسَامَةِ - وَلَا يَقُولُ بِهِ حَنَفِيٌّ، وَلَا شَافِعِيٌّ، وَفِيهِ تَرْدِيدُ الْأَيْمَانِ جُمْلَةً دُونَ تَخْصِيصٍ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَيْضًا - فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِتَرْدِيدِ الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي التَّرْدِيدِ، فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ رَدَّدَ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمَا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ مَعْنَاهُ: كَأَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ فَحَلَفُوا أَرْبَعِينَ يَمِينًا، فَبَقِيَتْ عَشَرَةُ أَيْمَانٍ، فَحَلَفَ الْعَشَرَةُ الَّذِينَ حَلَفُوا أَوَّلًا فَقَطْ، وَرُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ وَأَنَّهَا تُرَدَّدُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فَالِاثْنَيْنِ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ سَمْعَانَ: سَمِعْت مَنْ أَدْرَكْت مِنْ

стр. 4877

عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ تَكُونُ فِي الْخَطَأِ عَلَى الْوَارِثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ خَطَأً إلَّا وَارِثٌ وَاحِدٌ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا مُرَدَّدَةً ثُمَّ يُدْفَعُ إلَيْهِ الدِّيَةَ: فَإِنْ كَانُوا ابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ، لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا فَطَاعَ أَحَدُهُمَا بِالْقَسَامَةِ وَأَبَى الْآخَرُ، فَعَلَى الَّذِي طَاعَ بِالْقَسَامَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مُرَدَّدَةٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَةَ رَهْطٍ كَانَتْ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، فَإِنْ لَمْ تَنْفُقْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ جُعِلَ الْفَضْلُ عَلَى الِاثْنَيْنِ فَالِاثْنَيْنِ وَأَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى الْوَرَثَةِ بِقَدْرِ الْمِيرَاثِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيِّ: أَنَّ تَرْدِيدَ الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّهُ أَمْرٌ حَدَثٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ رَدَّدَ الْأَيْمَانَ مُعَاوِيَةُ فِي الْقَسَامَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا خَبَرٌ مُرْسَلٌ لَوْ وَجَدُوا مِثْلَهُ لَطَارُوا بِهِ. فَصَحَّ أَنْ لَا قَسَامَةَ إلَّا بِخَمْسِينَ يَحْلِفُونَ: أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ صَاحِبَنَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً كَيْفَمَا عَلِمُوا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ وَعَادَ الْأَمْرُ إلَى حُكْمِ التَّدَاعِي، وَيَحْلِفُونَ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ وَهُمْ قُعُودٌ حَيْثُ كَانَتْ وُجُوهُهُمْ: بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، لَا يُكَلَّفُونَ زِيَادَةً عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَلَا فَرْقَ بَيْنَ زِيَادَةِ " الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ " وَزِيَادَةِ " الْمِلْكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ الْمُتَكَبِّرِ " وَكُلُّ هَذَا حُكْمٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى نَصٌّ، وَلَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَا أَوْجَبَهُ قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ. وَكَذَلِكَ لَا يُكَلَّفُونَ الْوُقُوفَ عِنْدَ الْيَمِينِ، وَلَا صَرْفَ وُجُوهِهِمْ إلَى الْقِبْلَةِ، وَلَا يَنْزِعُوا أَرْدِيَتَهُمْ أَوْ طَيَالِسَتَهُمْ - وَكُلُّ هَذِهِ أَحْكَامٌ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصُّ قُرْآنٍ، وَلَا سُنَّةٌ لَا صَحِيحَةٌ، وَلَا سَقِيمَةٌ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا قِيَاسٌ، وَلَا نَظَرٌ. فَإِنْ قَالُوا: هُوَ تَهْيِيبٌ لِيَرْتَدِعَ الْكَاذِبُ؟ قِيلَ لَهُمْ: وَهُوَ تَشْهِيرٌ وَإِنْ أَرَدْتُمْ التَّهْيِيبَ فَأَصْعِدُوهُ الْمَنَارَ، أَوْ ارْفَعُوهُ عَلَى الْمَنَارِ، أَوْ شُدُّوا وَسَطَهُ بِحَبْلٍ وَجَرِّدُوهُ فِي سَرَاوِيلَ - وَكُلُّ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَا مَعْنَى

стр. 4878

لَأَنْ يَحْلِفَ فِي الْجَامِعِ إلَّا إنْ كَانَ مَجْلِسُ الْحَاكِمِ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَى الْمُحَلَّفِ كُلْفَةُ حَرَكَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ إنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَمُعَاوِيَةَ أَنَّ عُمَرَ جَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي الْقَسَامَةِ مِنْ الْيَمَنِ إلَى مَكَّةَ وَمِنْ الْكُوفَةِ إلَى مَكَّةَ لِيَحْلِفُوا فِيهَا. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ثَابِتٌ: أَنَّهُ حَمَلَهُمْ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ لِلتَّحْلِيفِ فِي الْحَطِيمِ أَوْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَالْمَالِكِيُّونَ، وَالْحَنَفِيُّونَ، وَالشَّافِعِيُّونَ مُخَالِفُونَ لَهُمَا ﵄ فِي ذَلِكَ، وَهُمْ الْآنَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهِمَا فِي التَّرْدِيدِ الَّذِي قَدْ خَالَفُوهُمَا أَيْضًا فِيهِ نَفْسِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَنَجْمَعُ هَاهُنَا حُكْمَ الْقَسَامَةِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي دَارِ قَوْمٍ، أَوْ فِي صَحْرَاءَ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ، أَوْ فِي سُوقٍ، أَوْ فِي دَارِهِ. أَوْ حَيْثُ وُجِدَ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى وَاحِدٍ، أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَا قَالُوهُ وَادَّعَوْهُ حَقًّا، وَلَمْ يُتَيَقَّنْ كَذِبُهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَلَّفُونَ خَمْسِينَ بَالِغًا، عَاقِلًا، مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ مِنْ عَصَبَةِ الْمَقْتُولِ، لَا نُبَالِي وَرَثَةً أَوْ غَيْرَ وَرَثَةٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ ". ثُمَّ لَهُمْ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا، وَقَالُوا: لَا نَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ بِعَيْنِهِ: حَلَفَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ خَمْسُونَ كَذَلِكَ، أَوْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ، يَقُولُ كُلُّ حَالِفٍ مِنْهُمْ " بِاَللَّهِ مَا قَتَلْتُ " وَلَا يُكَلَّفُ أَكْثَرَ وَيُبَرَّءُونَ - فَإِنْ نَكَلُوا أُجْبِرُوا كُلُّهُمْ عَلَى الْيَمِينِ - أَحَبُّوا أَمْ كَرِهُوا - حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ كَمَا قُلْنَا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفُوا أَنْ يَقُولُوا " وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا "؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْمَرْءِ بِمَنْ قَتَلَ فُلَانًا إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ، فَإِنْ أَدَّاهَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ. فَإِنْ قَبِلَ: قُبِلَ، فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ أَحَدٌ شَهَادَةً عِنْدَهُ لِيُؤَدِّيَهَا بِلَا خِلَافٍ. فَإِنْ نَقَصَ عَصَبَةَ الْمَقْتُولِ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ، أَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ وَفِيهِ حَيَاةٌ، أَوْ لَمْ يُرِدْ الْخَمْسُونَ أَنْ يَحْلِفُوا وَلَا رَضُوا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَقَدْ بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ. فَأَمَّا فِي نُقْصَانِ الْعَدَدِ عَنْ خَمْسِينَ، وَفِي وُجُودِ الْقَتِيلِ حَيًّا، فَلَيْسَ فِي هَذَا إلَّا

стр. 4879

حُكْمُ الدَّعْوَى، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحِدًا - كَانَ أَوْ أَكْثَرَ - يَمِينًا وَاحِدَةً فَقَطْ، فَإِنْ نَكَلَ، أَوْ نَكَلُوا: أُجْبِرُوا عَلَى الْأَيْمَانِ أَحَبُّوا أَمْ كَرِهُوا. وَهَكَذَا إنْ نَقَصَ عَدَدُ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَلَا قَسَامَةَ أَصْلًا، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ دَعْوَاهُمْ وَعَصَبَتُهُ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ لَا بُدَّ أَنْ يُودَى الْمَقْتُولُ - حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا - مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ مِنْ الصَّدَقَاتِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] . وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «مَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إمَّا أَنْ يُقَادَ أَوْ أَنْ يُعْقَلَ» . وَلَيْسَ الْقَتْلُ الْوَاقِعُ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَقَطْ، وَفِي كِلَيْهِمَا الدِّيَةُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُكْمِ رَسُولِهِ ﵊. وَأَيْضًا - فَإِنَّ الْخَطَأَ يَكُونُ عَلَى عَاقِلَةِ قَاتِلِ الْخَطَأِ مِنْ الْغَارِمِينَ، وَفِي الْعَمْدِ يَكُونُ الْقَاتِلُ إذَا قُبِلَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ غَارِمًا مِنْ الْغَارِمِينَ، فَحَظُّهُمْ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَاجِبٌ، أَوْ فِي كُلِّ مَالٍ مَوْقُوفٍ لِجَمِيعِ مَصَالِحِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مَقْتُولٍ بِلَا شَكٍّ، حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ قُتِلَ، لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً، لَكِنْ بِفِعْلِ بَهِيمَةٍ، أَوْ مَنْ لَهُ حُكْمُ الْبَهِيمَةِ مِنْ الْمَجَانِينِ، أَوْ الصِّبْيَانِ، أَوْ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَبَقِيَ فِي الْقَسَامَةِ خَبَرٌ نُورِدُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مُغْتَرٌّ بِجَهْلِ ضَعْفِهِ، أَوْ بِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهُ أُغْفِلَ وَلَمْ يُذْكَرْ، فَيَكُونُ نَقْصًا مِنْ حُكْمِ السُّنَّةِ فِي الْقَسَامَةِ. وَهُوَ كَمَا نَاهٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْت ابْنَ سَمْعَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَلَقُوا الْمُشْرِكِينَ بِإِضَمٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وَغَشِيَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ

стр. 4880

عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيَّ، فَلَمَّا لَحِقَهُ، قَالَ عَامِرٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَلَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ لِكَلِمَتِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ إلَى مُحَلِّمٍ فَقَالَ: أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَ قَالَهَا فَإِنَّمَا تَعَوَّذَ بِهَا وَهُوَ كَافِرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهَلَّا ثَقَبْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ يُرِيدُ بِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إنَّمَا يُعْرِبُ اللِّسَانُ عَنْ الْقَلْبِ - وَأَقْبَلَ عُيَيْنَةَ بْنُ بَدْرٍ فِي قَوْمِهِ حَمِيَّةً وَغَضَبًا لِقَيْسٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُتِلَ صَاحِبُنَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأَقِدْنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ أَنْ كَانَ صَاحِبُكُمْ قُتِلَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قَدْ سُمِعَ إيمَانُهُ؟ فَفَعَلُوا، فَلَمَّا حَلَفُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُعْفُوا عَنْهُ وَاقْبَلُوا الدِّيَةَ، فَقَالَ عُيَيْنَةَ بْنُ حِصْنٍ إنَّا نَسْتَحِي أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنَّا أَكَلْنَا ثَمَنَ صَاحِبِنَا؟ وَوَاثَبَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ فِي قَوْمِهِ غَضَبًا وَحَمِيَّةً لِخِنْدَفٍ فَقَالَ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ: بِمَاذَا اسْتَطَلْتُمْ دَمَ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: أَقْسَمَ مِنَّا خَمْسُونَ رَجُلًا: أَنَّ صَاحِبَنَا قُتِلَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: فَسَأَلَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَعْفُوا عَنْ قَتْلِهِ وَتَقْبَلُوا الدِّيَةَ فَأَبَيْتُمْ؟ فَأُقْسِمُ: بِاَللَّهِ لَتَقْبَلُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي دَعَاكُمْ إلَيْهِ، أَوْ لَآتِيَنَّ بِمِائَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَيُقْسِمُونَ بِاَللَّهِ لَقَدْ قُتِلَ صَاحِبُكُمْ وَهُوَ كَافِرٌ؟ فَقَالُوا عِنْدَ ذَلِكَ: عَلَى رِسْلِكَ، بَلْ نَقْبَلُ مَا دَعَانَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَقْبَلُ الَّذِي دَعَوْتَنَا إلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ، فَدِيَةُ أَبِيكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْإِبِلِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا خَبَرٌ لَا يَنْسَنِدُ أَلْبَتَّةَ مِنْ طَرِيقٍ يُعْتَدُّ بِهَا - وَانْفَرَدَ بِهِ ابْنُ سَمْعَانَ - وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ - بِذِكْرِ قَسَامَةِ خَمْسِينَ عَلَى أَنَّهُ قُتِلَ مُسْلِمًا، وَهُوَ أَيْضًا مُرْسَلٌ - وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، فَإِذْ لَمْ يَصِحَّ فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ فِي الدِّمَاءِ مُشْكِلٌ] ٢١٥٧ - مَسْأَلَةٌ: فِي الدِّمَاءِ مُشْكِلٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ بَهْرَامُ الدِّينَوَرِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ نا عَمِّي - هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - نا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ «مُطِيعٍ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ - وَكَانَ اسْمُهُ الْعَاصِ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 4881

- ﷺ مُطِيعًا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ يَقُولُ: لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا، وَلَا يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ صَبْرًا أَبَدًا» . نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ نا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زَكَرِيَّا - هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ: قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَدًا» . نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ نا نَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَوْدِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ عَلِيٌّ ﵀: الْأَوَّلِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَالْآخَرُ إنْ صَحَّ سَمَاعُ الشَّعْبِيِّ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ فَهُمَا صَحِيحَانِ - وَالْحَارِثُ هَذَا: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَوْنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ أَشْجَعَ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَوَجْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيِّنٌ، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا أَخْبَرَ بِهَذَا عَنْ نَفْسِهِ: أَنَّهُ لَا يَغْزُو مَكَّةَ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ بَعْدَهَا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ صَبْرًا أَبَدًا، وَكَانَ هَذَا كَمَا قَالَ ﵇، فَمَا قَتَلَ بَعْدَهَا قُرَشِيًّا. بُرْهَانُ هَذَا: أَنَّهُ ﵇ قَدْ أَنْذَرَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَأَنْذَرَ بِغَزْوِ الْكَعْبَةِ - وَهُوَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ «أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تَكُونُ قَالَ: فَذَهَبْتُ فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَفَتَحْتُ لَهُ وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَبْرًا، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ: نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: نا ابْنُ وَهْبٍ

стр. 4882

أَخْبَرَنِي يُونُسُ - هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - ثُمَّ اتَّفَقَ زِيَادٌ، وَيُونُسُ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَصَحَّ أَنَّ قَوْمًا مِنْ قُرَيْشٍ سَيُقْتَلُونَ صَبْرًا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي أَنَّ قُرَشِيًّا لَوْ قَتَلَ لَقُتِلَ، وَلَوْ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ لَرُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ - وَهَكَذَا نَقُولُ فِيهِ: لَوْ ارْتَدَّ، أَوْ حَارَبَ أَوْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثًا ثُمَّ شَرِبَ الرَّابِعَةَ - وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ مَكَّةَ - أَعَزَّهَا اللَّهُ وَحَرَسَهَا - لَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، أَوْ الْمُحَارِبُونَ، أَوْ الْبُغَاةُ، فَمَنَعُوا فِيهَا مِنْ إظْهَارِ الْحَقِّ - أَنَّ فَرْضًا عَلَى الْأُمَّةِ غَزْوُهُمْ لَا غَزْوُ مَكَّةَ، فَإِنْ انْقَادُوا، أَوْ خَرَجُوا فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا وَلَا خَرَجُوا: أَنَّهُمْ يُخْرَجُونَ مِنْهَا، فَإِنْ هُمْ امْتَنَعُوا وَقَاتَلُوا، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ فِيهَا وَعِنْدَ الْكَعْبَةِ - فَكَانَتْ هَذِهِ الْإِجْمَاعَاتُ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ وَإِنْذَارُ النَّبِيِّ ﵇ بِهَدْمِ ذِي السُّوَيْقَتَيْنِ لِلْكَعْبَةِ. وَبِالضَّرُورَةِ نَدْرِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ إلَّا بَعْدَ غَزْوٍ مِنْهُ - وَقَدْ غَزَاهَا الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَيَّانِيُّ - لَعَنَهُمْ اللَّهُ أَجْمَعِينَ - وَأَلْحَدُوا فِيهَا وَهَتَكُوا حُرْمَةَ الْبَيْتِ، فَمِنْ رَامٍ لِلْكَعْبَةِ بِالْمَنْجَنِيقِ - وَهُوَ الْفَاسِقُ الْحَجَّاجُ - وَقَتَلَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵄ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَمِنْ قَالِعٍ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَسَالِبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَقْتُولِينَ حَوْلَهَا - وَهُوَ الْكَافِرُ الْمَلْعُونُ - سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْقُرْمُطِيُّ، فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ مُبَيِّنًا إخْبَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ بِمَا أَخْبَرَ فِي حَدِيث مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَالْحَارِثِ بْنِ الْبَرْصَاءِ، وَأَنَّهُ ﵇ إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ - وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ ﵇ أَنْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا يَغْزُوهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ ﵇ لَا يَقْتُلُ أَبَدًا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ صَبْرًا، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِ كَلَامِهِ ﵌ دُونَ بَعْضٍ، فَهَذَا تَحَكُّمٌ فَاسِدٌ، بَلْ تُضَمُّ أَقْوَالُهُ ﵇ كُلُّهَا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، فَكُلُّهَا حَقٌّ.

стр. 4883

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ» عَلَى الْأَمْرِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْقُرَشِيِّ قَوَدًا أَوْ رَجْمًا فِي الزِّنَى - وَهُوَ مُحْصَنٌ - عَلَى وُجُوبِ غَزْوِ مَنْ لَاذَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْحِرَابَةِ وَالْبَغْيِ؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا مَنَعَ بِذَلِكَ مِنْ غَزْوِهَا ظُلْمًا، وَمِنْ قَتْلِ قُرَشِيٍّ صَبْرًا ظُلْمًا؟ قُلْنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: هَذِهِ أَحْكَامٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا حُكْمُ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا، وَلَا حُكْمُ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا يَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ: أَنْ تُغْزَى بَلَدٌ مِنْ الْبِلَادِ ظُلْمًا، وَلَا أَنْ يُقْتَلَ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ ظُلْمًا، وَكَأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ عَارِيًّا مِنْ الْفَائِدَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4884

[قَتْلُ أَهْلِ الْبَغْيِ] ِ ٢١٥٨ - مَسْأَلَةٌ: قَتْلُ أَهْلِ الْبَغْيِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] الْآيَةَ. فَكَانَ قِتَالُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: قِتَالِ الْبُغَاةِ، وَقِتَالِ الْمُحَارِبِينَ - فَالْبُغَاةُ قِسْمَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إمَّا قِسْمٌ خَرَجُوا عَلَى تَأْوِيلٍ فِي الدِّينِ فَأَخْطَئُوا فِيهِ، كَالْخَوَارِجِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْأَهْوَاءِ الْمُخَالِفَةِ لِلْحَقِّ. وَإِمَّا قِسْمٌ أَرَادُوا لِأَنْفُسِهِمْ دُنْيَا فَخَرَجُوا عَلَى إمَامِ حَقٍّ، أَوْ عَلَى مَنْ هُوَ فِي السِّيرَةِ مِثْلُهُمْ، فَإِنْ تَعَدَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ إلَى إخَافَةِ الطَّرِيقِ، أَوْ إلَى أَخْذِ مَالِ مَنْ لَقُوا، أَوْ سَفْكِ الدِّمَاءِ هَمَلًا: انْتَقَلَ حُكْمُهُمْ إلَى حُكْمِ الْمُحَارِبِينَ، وَهُمْ مَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْبُغَاةِ. فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ يُبَيِّنُ حُكْمَهُمْ: مَا نا هِشَامُ بْنُ سَعْدِ الْخَيْرِ نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِئُ نا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبُجَيْرَمِيُّ نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ نا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ نا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ نا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ، كِلَاهُمَا قَالَ: عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَخْبَرَتْنَا أُمُّنَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي عَمَّارٍ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَإِنَّمَا قَتَلَ عَمَّارَ ﵁ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ ﵁ وَكَانُوا مُتَأَوِّلِينَ تَأْوِيلَهُمْ فِيهِ - وَإِنْ أَخْطَئُوا الْحَقَّ - مَأْجُورُونَ أَجْرًا وَاحِدًا: لِقَصْدِهِمْ الْخَيْرَ.

стр. 4885

وَيَكُونُ مِنْ الْمُتَأَوِّلِينَ قَوْمٌ لَا يُعْذَرُونَ، وَلَا أَجْرَ لَهُمْ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا أَبِي نا الْأَعْمَشُ نا خَيْثَمَةَ نا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ، سِيمَاهُمْ التَّحَالُقُ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَصٌّ جَلِيٌّ بِمَا قُلْنَا، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَذَمَّهُمْ أَشَدَّ الذَّمِّ، وَأَنَّهُمْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، وَأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ. فَصَحَّ أَنَّ أُولَئِكَ أَيْضًا: مُفْتَرِقُونَ، وَأَنَّ الطَّائِفَةَ الْمَذْمُومَةَ تَقْتُلُهَا أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ، فَجَعَلَ ﵇ فِي الِافْتِرَاقِ تَفَاضُلًا، وَجَعَلَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ لَهَا دُنُوٌّ مِنْ الْحَقِّ - وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَوْلَى بِهِ - وَلَمْ يَجْعَلْ لِلثَّالِثَةِ شَيْئًا مِنْ الدُّنُوِّ إلَى الْحَقِّ. فَصَحَّ أَنَّ التَّأْوِيلَ يَخْتَلِفُ، فَأَيُّ طَائِفَةٍ تَأَوَّلَتْ فِي بُغْيَتِهَا طَمْسًا لِشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ، كَمَنْ قَامَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ لِيُخْرِجَ الْأَمْرَ عَنْ قُرَيْشٍ، أَوْ لِيَرُدَّ النَّاسَ إلَى الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الرَّجْمِ، أَوْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الذُّنُوبِ، أَوْ اسْتِقْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ قَتْلِ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، وَإِظْهَارِ الْقَوْلِ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ، أَوْ إبْطَالِ الرُّؤْيَةِ، أَوْ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا حَتَّى يَكُونَ، أَوْ إلَى الْبَرَاءَةِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوْ إبْطَالِ الشَّفَاعَةِ، أَوْ إلَى إبْطَالِ الْعَمَلِ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَعَا إلَى الرَّدِّ إلَى مَنْ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الزَّكَاةِ، أَوْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى: فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ تَامَّةٌ.

стр. 4886

وَأَمَّا مَنْ دَعَا إلَى تَأْوِيلٍ لَا يَحِلُّ بِهِ سُنَّةٌ، لَكِنْ مِثْلَ تَأْوِيلِ مُعَاوِيَةَ فِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ لِعَلِيٍّ: فَهَذَا يُعْذَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إحَالَةُ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ خَاصٌّ فِي قِصَّةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَتَعَدَّى. وَمِنْ قَامَ لِعَرَضِ دُنْيَا فَقَطْ، كَمَا فَعَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي الْقِيَامِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَمَا فَعَلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي الْقِيَامِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَمَنْ قَامَ أَيْضًا عَنْ مَرْوَانَ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعْذَرُونَ، لِأَنَّهُمْ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ أَصْلًا، وَهُوَ بَغْيٌ مُجَرَّدٌ. وَأَمَّا مَنْ دَعَا إلَى أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِظْهَارِ الْقُرْآنِ، وَالسُّنَنِ، وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ: فَلَيْسَ بَاغِيًا، بَلْ الْبَاغِي مَنْ خَالَفَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَكَذَا إذَا أُرِيدَ بِظُلْمٍ فَمَنَعَ مِنْ نَفْسِهِ - سَوَاءٌ أَرَادَهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ - وَهَذَا مَكَانٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّ السُّلْطَانَ فِي هَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا يُحَارَبُ السُّلْطَانُ وَإِنْ أَرَادَ ظُلْمًا. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ أَنَّ رِجَالًا سَأَلُوا ابْنَ سِيرِينَ فَقَالُوا: أَتَيْنَا الْحَرُورِيَّةَ زَمَانَ كَذَا وَكَذَا، لَا يَسْأَلُونَ عَنْ شَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَ مَنْ لَقُوا؟ فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ تَأَثُّمًا، وَلَا مِنْ قَتْلِ مَنْ أَرَادَ قِتَالَك إلَّا السُّلْطَانَ، فَإِنَّ لِلسُّلْطَانِ نَحْوًا. وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: السُّلْطَانُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ، كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: «أَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى عَامِلٍ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَهْطَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَلَبِسَ سِلَاحَهُ هُوَ وَمَوَالِيهِ وَغِلْمَتُهُ، وَقَالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ - مَظْلُومًا - فَهُوَ شَهِيدٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: «إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تَيَسَّرَ لِلْقِتَالِ دُونَ الْوَهْطِ، ثُمَّ قَالَ: مَالِي لَا أُقَاتِلُ دُونَهُ وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» .

стр. 4887

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَبَيْن عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ وَتَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ رَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ - هُوَ ابْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيّ - إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَوَعَظَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ «مَنْ قُتِلَ عَلَى مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ وَبِحَضْرَةِ سَائِرِهِمْ ﵃ يُرِيدُ قِتَالَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَامِلَ أَخِيهِ مُعَاوِيَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ أَمَرَهُ بِقَبْضِ " الْوَهْطِ " وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ أَخْذَهُ مِنْهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَمَا كَانَ مُعَاوِيَةُ ﵀ لِيَأْخُذَ ظُلْمًا صُرَاحًا، لَكِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ تَأَوَّلَهُ بِلَا شَكٍّ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَلَبِسَ السِّلَاحَ لِلْقِتَالِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهَكَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ: أَنَّ الْخَارِجَةَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا خَرَجَتْ سُئِلُوا عَنْ خُرُوجِهِمْ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةٌ ظُلِمُوهَا أُنْصِفُوا، وَإِلَّا دُعُوا إلَى الْفَيْئَةِ، فَإِنْ فَاءُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا، وَلَا نَرَى هَذَا إلَّا قَوْلَ مَالِكٍ أَيْضًا. فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَرُدَّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا الرَّدَّ إلَيْهِ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . فَفَعَلْنَا: فَلَمْ نَجِدْ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ فِي قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ عَلَى الْأُخْرَى بَيْنَ سُلْطَانٍ وَغَيْرِهِ، بَلْ أَمَرَ تَعَالَى بِقِتَالِ مَنْ بَغَى عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ - عُمُومًا - حَتَّى يَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» أَيْضًا - عُمُومٌ - لَمْ يَخُصَّ مَعَهُ سُلْطَانًا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي قُرْآنٍ، وَلَا حَدِيثٍ، وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ: بَيْنَ مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ، أَوْ أُرِيدَ دَمُهُ، أَوْ أُرِيدَ فَرْجُ امْرَأَتِهِ، أَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 4888

وَفِي الْإِطْلَاقِ عَلَى هَذَا هَلَاكُ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَمَنْ أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ: أَيُقْتَلُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا دَامَ الْقِتَالُ قَائِمًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَسَرَاهُمْ، فَإِذَا انْجَلَتْ الْحَرْبُ فَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ أَسِيرٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَتَلَ ابْنَ يَثْرِبِيٍّ - وَقَدْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ أَصْلًا مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً، وَلَا بَعْدَ تَمَامِ الْحَرْبِ - وَبِهَذَا نَقُولُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ نَفْسٌ بِنَفْسٍ» . وَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى دَمَ الْمُحَارِبِ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَ مَنْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ ثُمَّ شَرِبَهَا فِي الرَّابِعَةِ. فَكُلُّ مَنْ وَرَدَ نَصٌّ بِإِبَاحَةِ دَمِهِ: مُبَاحُ الدَّمِ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى دَمَهُ وَلَا رَسُولُهُ ﷺ حَرَامُ الدَّمِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِفِعْلِ عَلِيٍّ ﵁ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مُسْنَدًا إلَى عَلِيٍّ ﵁. وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ إنَّمَا هُوَ فِي ابْنِ يَثْرِبِيٍّ ارْتَجَزَ يَوْمَ ذَلِكَ، فَقَالَ:

стр. 4889

أَنَا لِمَنْ يُنْكِرُنِي ابْنُ يَثْرِبِيّ ... قَاتِلٌ عَلِيًّا وَهِنْدَ الْجَمَلِ ثُمَّ ابْنَ صُوحَانَ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ فَأُسِرَ، فَأُتِيَ بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَبْقِنِي؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَبْعَدَ إقْرَارِكَ بِقَتْلِ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: عَلِيًّا، وَهِنْدًا، وَابْنَ صُوحَانَ - وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ - فَإِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ قَوَدًا بِنَصِّ كَلَامِهِ - وَهُمْ لَا يَرَوْنَ الْقَوَدَ فِي مِثْلِ هَذَا؟ فَعَادَ احْتِجَاجُهُمْ بِهِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وَلَاحَ أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ وَلِفِعْلِهِ وَالرَّابِعُ - أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ عَلِيٍّ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْأُسَرَاءِ فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ - عَلَى مَا نَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَبَطَلَ تَعَلَّقَهُمْ بِفِعْلِ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ، وَمَا نَعْلَمُهُمْ شَغَبُوا بِشَيْءٍ غَيْرَ هَذَا. فَإِنْ قَالُوا: قَدْ كَانَ قَتْلُهُ - بِلَا خِلَافٍ - مُبَاحًا قَبْلَ الْإِسَارِ، فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْإِسَارِ حَتَّى يَمْنَعَ مِنْهُ نَصٌّ، أَوْ إجْمَاعٌ؟ قُلْنَا لَهُمْ: هَذَا بَاطِلٌ، وَمَا حَلَّ قَتْلُهُ قَطُّ قَبْلَ الْإِسَارِ مُطْلَقًا، لَكِنْ حَلَّ قَتْلُهُ مَا دَامَ بَاغِيًا مُدَافِعًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَاغِيًا مُدَافِعًا: حَرُمَ قَتْلُهُ - وَهُوَ إذَا أُسِرَ فَلَيْسَ حِينَئِذٍ بَاغِيًا، وَلَا مُدَافِعًا: فَدَمُهُ حَرَامٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْقِتَالَ وَقَعَدَ مَكَانَهُ وَلَمْ يُدَافِعْ لَحَرُمَ دَمُهُ - وَإِنْ لَمْ يُؤْسَرْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وَلَمْ يَقُلْ: قَاتِلُوا الَّتِي تَبْقَى، وَالْقِتَالُ وَالْمُقَاتَلَةُ فِعْلٌ مِنْ فَاعِلَيْنِ، فَإِنَّمَا حَلَّ قِتَالُ الْبَاغِي، وَمُقَاتَلَتُهُ، وَلَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ قَطُّ فِي غَيْرِ الْمُقَاتَلَةِ، وَالْقِتَالِ، فَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قَالُوا نَقِيسُهُ عَلَى الْمُحَارِبِ؟ قُلْنَا: الْمُحَارِبُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ يُقْتَلُ إنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَرْبِ وَبَعْدَهَا بِلَا خِلَافٍ فِي أَنَّ حُكْمَهُ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ سَوَاءٌ - وَأَيْضًا فَلَيْسَ يَخْتَلِفُ أَحَدٌ فِي أَنَّ حُكْمَ الْبَاغِي غَيْرُ حُكْمِ الْمُحَارِبِ، وَبِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ حُكْمِهِمَا جَاءَ الْقُرْآنُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْإِجْهَازِ عَلَى جَرْحَاهُمْ، وَالْقَوْلُ

стр. 4890

فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْأُسَرَاءِ سَوَاءً، لِأَنَّ الْجَرِيحَ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَسِيرٌ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ وَكَانَ مُمْتَنِعًا فَهُوَ بَاغٍ كَسَائِرِ أَصْحَابِهِ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ - وَكَانَ لَا يَأْخُذُ مَالًا لِمَقْتُولٍ، يَقُولُ: مَنْ اعْتَرَفَ شَيْئًا فَلْيَأْخُذْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ جُوَيْبِرٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَتْ: سَمِعْت عَمَّارًا بَعْد مَا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ الْجَمَلِ يُنَادِي: لَا تَقْتُلُنَّ مُدْبِرًا وَلَا مُقْبِلًا، وَلَا تُذَفِّفُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَدْخُلُوا دَارًا، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، كَالْمَأْسُورِ، قَدْ قَدَرْنَا أَنْ نُصْلِحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهِ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ أَنْ نَمْنَعَهُ مِنْ الْبَغْيِ، بِأَنْ نُمْسِكَهُ وَلَا نَدَعَهُ يُقَاتِلَ. وَكَذَلِكَ الْجَرِيحُ إذَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَنَصُّ هَذِهِ الْآيَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ دَمِ الْأَسِيرِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهَا إيجَابَ الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا - نَعْنِي الْبَاغِيَ وَالْمَبْغِيَّ عَلَيْهِ - وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيِّتٍ، وَإِنَّمَا يُصْلَحُ بَيْنَ حَيَّيْنِ - فَصَحَّ تَحْرِيمُ دَمِ الْأَسِيرِ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ بِيَقِينٍ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُتْبَعُ الْمُدْبِرُ مِنْهُمْ أَصْلًا. وَقَالَ آخَرُونَ: إنْ كَانُوا تَارِكِينَ لِلْقِتَالِ جُمْلَةً، مُنْصَرِفِينَ إلَى بُيُوتِهِمْ، فَلَا يَحِلُّ اتِّبَاعُهُمْ أَصْلًا، وَإِنْ كَانُوا مُنْحَازِينَ إلَى فِئَةٍ أَوْ لَائِذِينَ بِمَعْقِلٍ يَمْتَنِعُونَ فِيهِ، أَوْ زَائِلِينَ عَنْ الْغَالِبِينَ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ إلَى مَكَان يَأْمَنُونَهُمْ فِيهِ لِمَجِيءِ اللَّيْلِ، أَوْ بِبُعْدِ الشُّقَّةِ ثَمَّ يَعُودُونَ إلَى حَالِهِمْ: فَيُتْبَعُونَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَبِهَذَا نَقُولُ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْنَا قِتَالَهُمْ حَتَّى يَفِيئُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا فَاءُوا حَرُمَ عَلَيْنَا قَتْلُهُمْ وَقِتَالُهُمْ، فَهُمْ إذَا أَدْبَرُوا تَارِكِينَ لِبَغْيِهِمْ، رَاجِعِينَ إلَى مَنَازِلِهِمْ، أَوْ مُتَفَرِّقِينَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ، فَبِتَرْكِهِمْ الْبَغْيَ صَارُوا فَائِينَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِذَا فَاءُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَقَدْ حَرُمَ قَتْلُهُمْ، وَإِذَا حَرُمَ قَتْلُهُمْ فَلَا

стр. 4891

وَجْهَ لِاتِّبَاعِهِمْ، وَلَا شَيْءَ لَنَا عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ. وَأَمَّا إذَا كَانَ إدْبَارُهُمْ لِيَتَخَلَّصُوا مِنْ غَلَبَةِ أَهْلِ الْحَقِّ - وَهُمْ بَاقُونَ عَلَى بَغْيِهِمْ - فَقِتَالُهُمْ بَاقٍ عَلَيْنَا بَعْدُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفِيئُوا بَعْدُ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا ناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّلْمَنْكِيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا كَوْثَرُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ هَلْ تَدْرِي كَيْفَ حَكَمَ اللَّهُ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقَسَّمُ فَيْئُهَا» فَإِنَّ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ - وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا؛ لِأَنَّ الْهَارِبَ: هُوَ التَّارِكُ لِمَا هُوَ فِيهِ، فَأَمَّا الْمُتَخَلِّصُ؛ لِيَعُودَ فَلَيْسَ هَارِبًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ؟ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: تُقَسَّمُ أَمْوَالُهُمْ وَتُخَمَّسُ - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: أَمْوَالُ اللُّصُوصِ الْمُحَارِبِينَ مَغْنُومَةٌ مُخَمَّسَةٌ، مَا كَانَ مِنْهَا فِي عَسْكَرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا وُجِدَ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ فَإِنَّهُ فَيْءٌ يُقَسَّمُ وَيُخَمَّسُ - وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ: أَمَّا مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَإِنَّهُ يُسْتَعَانُ فِي قِتَالِهِمْ بِمَا أُخِذَ مِنْ سِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ خَاصَّةً؛ فَإِذَا تَلِفَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي حَالِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا لَمْ يُؤْخَذْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَا سِلَاحٌ، وَلَا كُرَاعٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ - يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مَا بَقِيَ مِمَّا قَاتَلُوا بِهِ فِي الْحَرْبِ مِنْ سِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُنَا: لَا يَحِلُّ لَنَا شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ: لَا سِلَاحٌ، وَلَا كُرَاعٌ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ - لَا فِي حَالِ الْحَرْبِ وَلَا بَعْدَهَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعَهُ، بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 4892

فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، بِأَنْ يَسْتَعْمِلَ سِلَاحَهُمْ، وَكُرَاعَهُمْ مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً - فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةً أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا إجْمَاعٍ - وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَالسِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ مَالٌ مِنْ مَالِهِمْ فَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى غَيْرِهِمْ، لَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كُلِّ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى بَاطِلِهِمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . فَصَحَّ بِهَذَا يَقِينًا أَنَّ تَخْلِيَتَهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ السِّلَاحَ فِي دِمَاءِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالْكُرَاعَ فِي قِتَالِهِمْ تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَصَحَّ أَنَّ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ فِي حَالِ الْبَغْيِ: تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فَلَا يَحِلُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ، وَمِنْ اُضْطُرَّ إلَى الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ بِحَقٍّ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ غَيْرِهِ، بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ سِلَاحِ نَفْسِهِ أَوْ سِلَاحِ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ مُلْقٍ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْهِ - فَسَقَطَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ شُبْهَةً إلَّا خَبَرًا رَوَاهُ فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ عَلِيًّا قَسَّمَ يَوْمَ الْجَمَلِ فِيهِمْ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مَا قُوتِلَ بِهِ مِنْ الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ - وَهَذَا خَبَرٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ فِطْرًا ضَعِيفٌ. وَذَكَرُوا أَيْضًا مَا كَتَبَ بِهِ إلَى يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيِّ قَالَ: نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ رِفَاعَةَ الْخَوْلَانِيِّ نا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ نا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَصْحَابِ عَلِيٍّ " عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَصْحَابِ الْجَمَلِ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ جَعَلَ لَهُمْ مَا فِي عَسْكَرِ الْقَوْمِ مِنْ السِّلَاحِ، فَقَالُوا: كَيْفَ تَحِلُّ لَنَا دِمَاؤُهُمْ وَلَا تَحِلُّ لَنَا أَمْوَالُهُمْ وَلَا نِسَاؤُهُمْ؟ قَالَ: هَاتُوا سِهَامَكُمْ فَأَقْرِعُوا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَخَصَمَهُمْ عَلِيٌّ ﵁ وَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَحِلَّ لَمْ يَحِلَّ بَنُوهَا " وَهَذَا أَيْضًا أَثَرُهُ ضَعِيفٌ، وَمَدَارُهُ عَلَى نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ وَهُوَ الَّذِي رَوَى بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ

стр. 4893

- ﷺ «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَشَدُّهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ فَيُحِلُّونَ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ» فَإِنْ أَجَازُوهُ هُنَا فَلْيُجِيزُوهُ هُنَالِكَ. ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَمْ قَوْلَةٍ لِعَلِيٍّ ﵁ قَدْ خَالَفُوهَا بِآرَائِهِمْ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ عَلَقَةً إلَّا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عِصْمَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: بَهَشَ النَّاسُ إلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا: اقْسِمْ بَيْنَنَا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ: عَنَّتَنِي الرِّجَالُ فَعَنَّيْتهَا وَهَذِهِ ذُرِّيَّةُ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ فِي دَارِهِمْ، لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِمْ مَا أَوَتْ الدَّارُ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لَهُمْ، وَمَا أَجْلَبُوا بِهِ عَلَيْكُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ فَهُوَ لَكُمْ مَغْنَمٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ ﵀ رَوَاهُ عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَا يُدْرَى مَنْ هُمْ، ثُمَّ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ - وَهُوَ هَالِكٌ كَذَّابٌ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ قَالَ: إنَّ جَمِيعَ أَمْوَالِهِمْ مُخَمَّسَةٌ مَغْنُومَةٌ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: لَا يَحِلُّ مِنْهَا شَيْءٌ فَنَظَرْنَا فِي تِلْكَ. فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِمَا نا بِهِ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ نا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إلَى فُوقِهِ سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ وَالتَّسْبِيدُ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ - هُوَ الْأَعْمَشُ - عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ سِيمَاهُمْ التَّحَالُقُ وَهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ» ، وَذَكَرَ بَاقِيَ الْخَبَرِ.

стр. 4894

قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] . قَالُوا: فَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُتَيَقَّنِ أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ وَيَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ، أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، فَالْخَلْقُ وَالْبَرِيَّةُ سَوَاءٌ، قَالُوا: فَإِذْ هُمْ بِشَهَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ، وَقَدْ مَرَقُوا مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا، فَهُمْ بِيَقِينٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّهُمْ ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] لَا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ ﴿خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧] فَأَمْوَالُهُمْ مَغْنُومَةٌ مُخَمَّسَةٌ كَأَمْوَالِ الْكُفَّارِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ، وَاحْتِجَاجٌ صَادِقٌ، إلَّا أَنَّهُ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ، وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا هُوَ جَمْعُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، فَمَنْ خَرَجَ بِتَأْوِيلٍ هُوَ فِيهِ مُخْطِئٌ، لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَلَا قَصَدَ فِيهِ خِلَافَ الْقُرْآنِ وَحُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ وَهُوَ يَتَعَمَّدُ خِلَافَهُمَا، أَوْ يَعْنِدُ عَنْهُمَا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، أَوْ خَرَجَ طَالِبًا غَلَبَةً فِي دُنْيَا، وَلَمْ يَخَفْ طَرِيقًا، وَلَا سَفَكَ الدَّمَ جِزَافًا، وَلَا أَخَذَ الْمَالَ ظُلْمًا، فَهَذَا هُوَ الْبَاغِي الَّذِي يُصْلَحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ، عَلَى مَا فِي آيَةِ الْبُغَاةِ وَعَلَى مَا قَالَ ﵇ مِنْ خُرُوجِ الْمَارِقَةِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أُمَّتِهِ، إحْدَاهُمَا بَاغِيَةٌ، وَهِيَ الَّتِي تَقْتُلُ عَمَّارًا، وَالْأُخْرَى أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَحَمِدَ ﵇ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا. كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا صَدَقَةُ نا ابْنُ عُيَيْنَةَ نا أَبُو مُوسَى عَنْ الْحَسَنِ سَمِعَ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ إلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَإِلَيْهِ مَرَّةً، وَيَقُولُ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» فَإِنْ زَادَ الْأَمْرُ حَتَّى يُخِيفُوا السَّبِيلَ، وَيَأْخُذُوا مَالَ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَةً، بِلَا تَأْوِيلٍ، أَوْ يَسْفِكُوا دَمًا كَذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ مُحَارِبُونَ لَهُمْ حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ، فَإِنْ زَادَ الْأَمْرُ حَتَّى يَخْرِقُوا الْإِجْمَاعَ فَهُمْ مُرْتَدُّونَ: تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا حِينَئِذٍ وَتُخَمَّسُ وَتُقَسَّمُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

стр. 4895

وَلَا يَحِلُّ مَالُ الْمُحَارِبِ، وَلَا مَالُ الْبَاغِي وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ ظَلَمَا فَهُمَا مُسْلِمَانِ - وَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ، إلَّا بِحَقٍّ، وَقَدْ يَحِلُّ دَمُهُ، وَلَا يَحِلُّ مَالُهُ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالْقَاتِلِ عَمْدًا - وَقَدْ يَحِلُّ مَالُهُ وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ، كَالْغَاصِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُتْبَعُ النَّصُّ، فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ﵊ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ حَلَّ، وَمَا حَرَّمَا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمُ حَتَّى يَأْتِيَ إحْلَالٌ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة مَا أَصَابَهُ الْبَاغِي مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ] ٢١٥٩ - مَسْأَلَةٌ: مَا أَصَابَهُ الْبَاغِي مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا أَصَابُوهُ فِي حَالِ الْقِتَالِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فَرْجٍ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يُؤَاخَذُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا قَوَدَ فِي الدِّمَاءِ وَلَا دِيَةَ، وَلَا ضَمَانَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ مِنْ الْأَمْوَالِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ قَائِمٌ مِمَّا أَخَذُوهُ فَيُرَدُّ إلَى أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيِّ: إنْ كَانَتْ الْفِئَتَانِ إحْدَاهُمَا بَاغِيَةٌ وَالْأُخْرَى عَادِلَةٌ فِي سَوَادِ الْعَامَّةِ، فَإِمَامُ الْجَمَاعَةِ الْمُصْلِحُ بَيْنَهُمَا يَأْخُذُ مِنْ الْبَاغِيَةِ عَلَى الْأُخْرَى مَا أَصَابَتْ مِنْهَا بِالْقِصَاصِ فِي الْقَتْلَى، وَالْجِرَاحَةِ، كَمَا كَانَ أَمْرُ تَيْنِكَ الْفِئَتَيْنِ اللَّتَيْنِ نَزَلَ فِيهِمَا الْقُرْآنُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَى الْوُلَاةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْقِصَاصُ عَلَيْهِمْ، وَضَمَانُ مَا أَتْلَفُوا كَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتَّبِعُهُ - بِمَنِّ اللَّهِ تَعَالَى وَطَوْلِهِ - فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ: لَا يُؤَاخَذُونَ بِشَيْءٍ، يَحْتَجُّونَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ كَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا، وَشَهِدَتْ عَلَى قَوْمِهَا بِالشِّرْكِ، وَلَحِقَتْ بِالْحَرُورِيَّةِ، فَتَزَوَّجَتْ فِيهِمْ: ثُمَّ إنَّهَا رَجَعَتْ إلَى قَوْمِهَا ثَانِيَةً؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ الْأُولَى ثَارَتْ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا كَثِيرٌ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُقِيمُوا عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فِي فَرْجٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ فَيُرَدُّ إلَى صَاحِبِهِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى زَوْجِهَا، وَأَنْ يُحَدَّ مَنْ افْتَرَى عَلَيْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ

стр. 4896

قَالَ: هَاجَتْ رِيحُ الْفِتْنَةِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، فَاجْتَمَعَ رَأْيَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَادُ وَلَا يُودَى مَا أُصِيبُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا يُوجَدُ بِعَيْنِهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا الْتَقَتْ الْفِئَتَانِ فَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ فَهُوَ هَدَرٌ، أَلَا تَسْمَعُ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] الْآيَةَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؟ قَالَ: فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَرَى الْأُخْرَى بَاغِيَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرَ هَذَا، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ ﵀ لَمْ يُدْرِكْ تِلْكَ الْفِتْنَةَ وَلَا وُلِدَ إلَّا بَعْدَهَا بِبِضْعِ عَشْرَةِ سَنَةً وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ - كَمَا قَالَ - لَمَا كَانَ هَذَا إلَّا رَأْيًا مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لَا نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَلَا حُجَّةً فِي رَأْيِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ اتِّبَاعَ الْقُرْآنِ، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، أَوْ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ بِاتِّبَاعِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أُولِي الْأَمْرِ مِنَّا، وَإِذَا وَقَعَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ فَبِلَا شَكٍّ أَنَّ الْمَاضِينَ بِالْمَوْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِينَ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَعُدُّوا، إذْ مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ فَمَا وُجِدَ مِنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ إلَّا نَحْوُ مِائَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ لَوْ صَحَّ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَصْلًا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدِ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقَدْ أَتَيْتُ الْخَوَارِجَ وَإِنَّهُمْ لَأَحَبُّ قَوْمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إلَيَّ فَلَمْ أَزَلْ فِيهِمْ حَتَّى اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَاتِلْهُمْ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَقْتُلُوا، فَمَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ اسْتَنْكَرُوا هَيْئَتَهُ، فَثَارُوا إلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي وَالسَّاعِي فِي النَّارِ» قَالَ: فَأَخَذُوهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ فَذَبَحُوهُمَا جَمِيعًا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ دَمَاهُمَا فِي النَّهْرِ كَأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ:

стр. 4897

أَقِيدُونِي مِنْ ابْنِ خَبَّابٍ؟ قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلْنَاهُ فَحِينَئِذٍ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَهَذَا أَثَرٌ أَصَحُّ مِنْ أَثَرِ الزُّهْرِيِّ، أَوْ مِثْلُهُ، بِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَأَى الْقَوَدَ عَلَى الْخَوَارِجِ فِيمَنْ قَتَلُوهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ مِنْ إجْمَاعِهِمْ. فَصَحَّ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَبِلَا شَكٍّ نَدْرِي أَنَّ الْقَائِلِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ أَكْثَرُ عَدَدًا وَأَتَمُّ فَضْلًا، مِنْ الَّذِينَ ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ لَا يَصِحُّ عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِدَمٍ أَصَابَهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ. لَا بِقَوَدٍ وَلَا بِدِيَةٍ، وَأَنْ لَا يَضْمَنَ أَحَدٌ مَالًا أَصَابَهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ حُجَّةً يَسُوغُ الْأَخْذُ بِمِثْلِ مَا قَالُوا، وَإِنَّمَا رَجَعَ الْأَمْرُ فِيمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ إجْمَاعًا إلَى حُكْمِ الْوَالِي، وَلَمْ يَكُنْ إلَّا عَلِيًّا، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ إيجَابُ الْقَوَدِ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ مُعَاوِيَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ بِيَدِ عَلِيٍّ لَا بِيَدِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا مَأْجُورًا فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا احْتِجَاجُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ " بِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَرَى الْأُخْرَى بَاغِيَةً " فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكِلْنَا إلَى رَأْيِ الطَّائِفَتَيْنِ، لَكِنْ أَمَرَ مَنْ صَحَّ عَنْدَهُ بَغْيُ إحْدَاهُمَا بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ سَعِيدٌ ﵁ لَمَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالْمُقَاتَلَةِ مِنْ الْأُخْرَى، وَلَبَطَلَتْ الْآيَةُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَالْقَوْلُ عِنْدَنَا أَنَّ الْبُغَاةَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي صَدْرِ كَلَامِنَا ثَلَاثُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ تَأَوَّلُوا تَأْوِيلًا يَخْفَى وَجْهُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَنْ تَعَلَّقَ بِآيَةٍ خَصَّتْهَا أُخْرَى، أَوْ بِحَدِيثِ قَدْ خَصَّهُ آخَرُ، أَوْ نَسَخَهَا نَصٌّ آخَرُ، فَهَؤُلَاءِ كَمَا قُلْنَا مَعْذُورُونَ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُجْتَهِدِ يُخْطِئُ فَيَقْتُلُ مُجْتَهِدًا، أَوْ يُتْلِفُ مَالًا مُجْتَهِدًا، أَوْ يَقْضِي فِي فَرْجٍ خَطَأً مُجْتَهِدًا، وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ، فَفِي الدَّمِ دِيَةٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، لَا عَلَى الْبَاغِي، وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَيَضْمَنُ الْمَالَ كُلُّ مَنْ أَتْلَفَهُ، وَنَسَخَ كُلَّ مَا حَكَمُوا بِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي وَطْءِ فَرْجٍ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّحْرِيمِ - وَهَكَذَا أَيْضًا مَنْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا خَرَقَ بِهِ الْإِجْمَاعَ بِجَهَالَةٍ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَلَا بَلَغَتْهُ. وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا فَاسِدًا لَا يُعْذَرُ فِيهِ، لَكِنْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ - أَيَّ شَيْءٍ كَانَ -

стр. 4898

وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِقُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَفَهِمَهَا، وَتَأَوَّلَ تَأْوِيلًا يَسُوغُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَعَنَدَ، فَعَلَى مَنْ قَتَلَ هَكَذَا الْقَوَدُ فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا، وَالْحَدُّ فِيمَا أَصَابَ بِوَطْءٍ حَرَامٍ، وَضَمَانِ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْ مَالٍ. وَهَكَذَا مَنْ قَامَ فِي طَلَبِ دُنْيَا مُجَرَّدًا بِلَا تَأْوِيلٍ، وَلَا يُعْذَرُ هَذَا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ عَامِدٌ لِمَا يَدْرِي أَنَّهُ حَرَامٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَهَكَذَا مِنْ قَامَ عَصَبِيَّةً وَلَا فَرْقَ - وَقَدْ تَكُونُ الْفِئَتَانِ بَاغِيَتَيْنِ إذَا قَامَتَا مَعًا فِي بَاطِلٍ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالْقَوَدُ أَيْضًا عَلَى الْقَاتِلِ، مِنْ أَيِّ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ - وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمُحَارِبِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَنَذْكُرُ الْبُرْهَانَ فِي كُلِّ هَذَا فَصْلًا فَصْلًا: أَمَّا قَوْلُنَا: مَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ، فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فَلَا حُجَّةَ إلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ ﵃ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، بَيْنَهُمْ الْمَهَامِهُ الْفِيحُ، وَالْبِلَادُ الْبَعِيدَةُ، وَلُجَّةُ الْبَحْرِ - وَالْفَرَائِضُ تَنْزِلُ بِالْمَدِينَةِ وَلَا تَبْلُغُهُمْ إلَّا بَعْدَ عَامٍ أَوْ أَعْوَامٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا لَزِمَتْهُمْ مَلَامَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا عِنْدَ رَسُولِهِ ﵌ وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ. فَصَحَّ يَقِينًا: أَنَّ مَنْ جَهِلَ حُكْمَ شَيْءٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ إلَّا فِي ضَمَانِ مَا أَتْلَفَ مِنْ مَالٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَعَلَيْهِ مَتَى عَلِمَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَأَنْ لَا يُصِرَّ عَلَى مَا فَعَلَ وَهُوَ يَعْلَمُ -. وَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ خَاصَّةً فَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي " كِتَابِ الدِّمَاءِ وَالْقِصَاصِ " وَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد ثنا مُسَدَّدٌ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثنا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ني سَعِيدٌ - هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ - قَالَ سَمِعْت أَبَا شُرَيْحٍ الْكَعْبِيَّ يَقُول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّكُمْ مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وَإِنِّي عَاقِلُهُ فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا» وَإِنَّمَا قَتَلُوهُ مُتَأَوِّلِينَ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَأَمَّا مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَبَلَغَهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُ رَسُولِهِ ﷺ وَفَهْمُهُ وَلَمْ

стр. 4899

يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا الْعِنَادُ وَالتَّعَلُّقُ: إمَّا بِتَقْلِيدٍ مُجَرَّدٍ، أَوْ بِرَأْيٍ مُفْرَدٍ أَوْ بِقِيَاسٍ، فَلَيْسَ مَعْذُورًا أَوْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ، وَضَمَانُ مَا أَتْلَفَ، وَالْحَدُّ فِي الْفَرْجِ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَهَؤُلَاءِ مُعْتَدُونَ بِلَا شَكٍّ فَعَلَيْهِمْ مِثْلُ مَا اعْتَدَوْا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا مَنْ قَتَلُوهُ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنَّهُ شَهِيدٌ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، لَكِنْ يُدْفَنُ كَمَا هُوَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ - وَبِهَذَا نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا شُهَدَاءَ - كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَا: نا سُلَيْمَانُ - هُوَ ابْنُ دَاوُد الْهَاشِمِيُّ نا إبْرَاهِيمُ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ «وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلِمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَصَحَّ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ مِنْ الْبُغَاةِ فَإِنَّمَا قُتِلَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، فَهُوَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ شَهِيدٌ، وَلَيْسَ كُلُّ شَهِيدٍ يُدْفَنُ دُونَ غُسْلٍ وَلَا صَلَاةٍ. وَقَدْ صَحَّ: أَنَّ الْمَبْطُونَ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونَ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقَ شَهِيدٌ، وَصَاحِبَ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةَ تَمُوتُ بِجُمَعٍ شَهِيدٌ، وَصَاحِبَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ - وَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ.

стр. 4900

وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، إلَّا مَنْ خَصَّهُ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ، وَلَا نَصَّ، وَلَا إجْمَاعَ، إلَّا فِيمَنْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ فِي الْمُعْتَرَكِ وَمَاتَ فِي مَصْرَعِهِ - فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُزَمَّلُوا بِدِمَائِهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ وَيُدْفَنُوا كَمَا هُمْ دُونَ غُسْلٍ وَلَا تَكْفِينٍ - وَلَا يَجِبُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ صَلَاةٌ، فَبَقِيَ سَائِرُ الشُّهَدَاءِ، وَالْمَوْتَى، عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي الْغُسْلِ، وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلَاةِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَة هَلْ لِلْعَادِلِ أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَ أَبِيهِ الْبَاغِي أَمْ لَا] ٢١٦٠ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ لِلْعَادِلِ أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَ أَبِيهِ الْبَاغِي أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: قَالَ قَائِلُونَ: لَا يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ أَبِيهِ، أَوْ أَخِيهِ، أَوْ ذِي رَحِمٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ عَمْدًا، لَكِنْ إنْ ضَرَبَهُ لِيَصِيرَ بِذَلِكَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَلَسْنَا نَقُولُ بِهَذَا، فَإِنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةَ الرَّحِمِ إنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى» وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ ابْنًا مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ كَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الْآيَةَ. ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ. وَقِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ قِتَالٌ فِي الدِّينِ، إلَّا أَنَّنَا لَا نَخْتَارُ أَنْ يَعْمِدَ الْمَرْءُ إلَى أَبِيهِ - خَاصَّةً - أَوْ جَدِّهِ، مَا دَامَ يَجِدُ غَيْرَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ فِي الْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ وَالْقِصَاصِ، وَالْجَلْدِ، وَلَا فَرْقَ.

стр. 4901

فَأَمَّا إذَا رَأَى الْعَادِلُ أَبَاهُ الْبَاغِيَ، أَوْ جَدَّهُ، يَقْصِدُ إلَى مُسْلِمٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ، أَوْ ظُلْمَهُ، فَفَرْضٌ عَلَى الِابْنِ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِغَيْرِهِ عَنْهُ، وَفَرْضٌ عَلَيْهِ دَفْعُهُ عَنْ الْمُسْلِمِ - بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ - وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ قَتْلُ الْأَبِ، وَالْجَدِّ، وَالْأُمِّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ نا شُعْبَةُ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْد بْنِ مُقَرِّنٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ - فَذَكَرَ - عِيَادَةَ الْمَرَضِ، وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ الْمُقْسِمِ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ، تَأْخُذُ فَوْقَ يَدِهِ» وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» فَهَذَا أَمْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يُسْلِمَ الْمَرْءُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لِظُلْمِ ظَالِمٍ، وَأَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ يَدِ كُلِّ ظَالِمٍ، وَأَنْ يَنْصُرَ كُلَّ مَظْلُومٍ، فَإِذَا رَأَى الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْبَاغِيَ، أَوْ ذَا رَحِمِهِ - كَذَلِكَ - يُرِيدُ ظُلْمَ مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، بِكُلِّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ إلَّا بِهِ مِنْ قِتَالٍ أَوْ قَتْلٍ، فَمَا دُونَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَإِنَّمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِحْسَانَ إلَى الْأَبَوَيْنِ، وَأَنْ لَا يُنْهَرَا، وَأَنْ يُخْفَضَ لَهُمَا جَنَاحُ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ، فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ. وَهَكَذَا نَقُولُ: أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ لَهُ أَبٌ كَافِرٌ أَوْ أُمٌّ كَافِرَةٌ، أَنْ يُهْدِيَهُمَا إلَى طَرِيقِ الْكَنِيسَةِ، وَلَا أَنْ يَحْمِلَهُمَا إلَيْهَا، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ لَهُمَا قُرْبَانًا، وَلَا أَنْ يَسْعَى لَهُمَا فِي خَمْرٍ لِشَرِيعَتِهِمَا الْفَاسِدَةِ، وَلَا أَنْ يُعِينَهُمَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى مِنْ زِنًى، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَدَعَهُ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ فِي الْعَالَمِ.

стр. 4902

قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَأَمَّا الْفِئَتَانِ الْبَاغِيَتَانِ مَعًا فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا مَنْعُهُمَا وَقِتَالُهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَاغِيَةٌ عَلَى الْأُخْرَى، فَمَنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَسِعَتْهُ التَّقِيَّةُ وَأَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلَهُ، وَمَسْجِدَهُ، وَمَعَاشَهُ، وَلَا مَزِيدَ، وَكِلَاهُمَا لَا يَدْعُو إلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ ني عَمْرٌو النَّاقِدُ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ «مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، وَحَتَّى إنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا نا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ: مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «لَا يُشِرْ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ نا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ نا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ شُعْبَةَ أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ - هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - قَالَ: سَمِعْت رِبْعِيًّا - هُوَ ابْنُ حِرَاشٍ - يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ «إذَا أَشَارَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَهُمَا عَلَى حَرْفِ جَهَنَّمَ فَإِذَا قَتَلَهُ خَرَّا فِيهَا جَمِيعًا» . فَهَذِهِ صِفَةُ الطَّائِفَتَيْنِ إذَا كَانَتَا بَاغِيَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَا مَعًا عَادِلَتَيْنِ وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: أَنْ يُقَادَ لِلْبَاغِي إذَا قُوتِلَ لِيَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَقَطْ، وَلَمْ نُحِلَّهُ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَمَنْ قَتَلَ بَاغِيًا لِيَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَتَلَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ لَهُ عُضْوًا فِي الْحَرْبِ، أَوْ عَقَرَ تَحْتَهُ فَرَسًا، أَوْ أَفْسَدَ لَهُ لِبَاسًا فِي الْمُضَارَبَةِ، فَلَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ أَحْسَنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] [مَسْأَلَةٌ أَحْكَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ] ٢١٦١ - مَسْأَلَةٌ: أَحْكَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ - حَاشَا

стр. 4903

الطَّحَاوِيَّ - أَنَّهُ مَا حَكَمَ بِهِ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يَجُوزُ لِقَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَقْبَلَ كِتَابَهُ قَالُوا: وَمَا أَخَذُوهُ مِنْ صَدَقَةٍ فَلَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ ثَانِيَةً، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لِمَنْ أَخَذُوهَا مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا مَرَّةً أُخْرَى. قَالُوا: وَأَمَّا مَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مِنْ التُّجَّارِ فَعَشَّرُوهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُهُ ثَانِيَةً مِنْ التُّجَّارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْفُذُ كُلُّ قَضِيَّةٍ قَضَوْهَا إذَا وَافَقَتْ الْحَقَّ، وَيَجْزِي مَا أَخَذُوهُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَمَا أَقَامُوا مِنْ الْحُدُودِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ - وَأَصْحَابُنَا لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ قَضَايَاهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا وَلَا يُجْزِئُ مَا أَخَذُوهُ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَلَا مَا أَقَامُوا مِنْ الْحُدُودِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ، وَمِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ ثَانِيَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَعْلَمَ الْحَقَّ فَنَتْبَعُهُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنْ قَالُوا: إنَّ أَخْذَ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا جَاءَ التَّضْيِيعُ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ فَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُمْ، وَأَمَّا مَنْ مَرَّ عَلَيْهِمْ فَقَدْ عَرَّضَ مَالَهُ لِلتَّلَفِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرً هَذَا وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّ تَضْيِيعَ الْإِمَامِ يُسْقِطُ الْحُقُوقَ الْوَاجِبَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا - فَكَمَا أَخَذُوا الْعُشْرَ ثَانِيَةً مِمَّنْ جَعَلُوا ذَنْبَهُ أَنَّهُ عَرَّضَ مَالَهُ لِلتَّلَفِ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الزَّكَاةَ ثَانِيَةً، وَيَجْعَلُوا ذَنْبَ أَهْلِهَا أَنَّهُمْ عَرَّضُوا أَمْوَالَهُمْ لِلتَّلَفِ، فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُهُمْ الْهَرَبُ عَنْ مَوْضِعِ الْبُغَاةِ، أَوْ يُعَذِّرُوا الْمُعَشِّرِينَ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُمْ إذَا حَكَمُوا بِالْحَقِّ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَإِذَا أَخَذُوا الزَّكَاةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَقَامُوا الْحُدُودَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَدْ تَأَدَّى كُلُّ ذَلِكَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا تَأَدَّى كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ ثَانِيَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَمَا لَا يُؤَاخَذُونَ بِمَا أَصَابُوا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، فَكَذَلِكَ لَا يُؤَاخَذُونَ -

стр. 4904

هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ - بِمَا حَكَمُوا أَوْ أَقَامُوا مَنْ حَدٍّ، أَوْ أَخَذُوا مِنْ مَالِ صَدَقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا - بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ - وَلَا فَرْقَ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، وَذَلِكَ أَنَّنَا نَسْأَلُهُمْ، فَنَقُولُ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ حَاضِرًا مُمَكَّنًا عَدْلًا، أَيَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ صَدَقَةً دُونَهُ، أَوْ يُقِيمَ حَدًّا دُونَهُ، أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دُونَهُ، أَمْ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: هَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ: خَرَقُوا الْإِجْمَاعَ، وَتَرَكُوا قَوْلَهُمْ، وَأَبْطَلُوا الْأَمَانَةَ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَوْجَبُوا أَنْ لَا حَاجَةَ بِالنَّاسِ إلَى إمَامٍ - وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ. وَإِنْ قَالُوا: بَلْ لَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا دَامَ الْإِمَامُ قَائِمًا فَقَدْ صَحَّ أَنْ لَا يَحِلَّ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا إلَّا مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ الْحُكْمَ، وَلَا أَنْ يَكُونَ آخِذًا لِلْحُدُودِ إلَّا مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا إلَّا مَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ أَخْذَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَنْ أَقَامَ - حَدًّا، أَوْ أَخَذَ صَدَقَةً، أَوْ قَضَى قَضِيَّةً، وَلَيْسَ مِمَّنْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ بِتَقْدِيمِ الْإِمَامِ، فَلَمْ يَحْكُمْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا أَقَامَ الْحَدَّ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَمَا أُمِرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِحَقٍّ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِحَقٍّ، فَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِبَاطِلٍ، وَإِذْ فَعَلَهُ بِبَاطِلٍ فَقَدْ تَعَدَّى؛ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَإِذْ هُوَ ظُلْمٌ، فَالظُّلْمُ لَا حُكْمَ لَهُ إلَّا رَدُّهُ وَنَقْضُهُ فَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ صَدَقَةً فَعَلَيْهِ رَدُّهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَخَذَ، إلَّا أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ فَإِذَا أَوْصَلَهَا إلَيْهِمْ فَقَدْ تَأَدَّتْ الزَّكَاةُ إلَى أَهْلِهَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَصَحَّ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ حَدٍّ أَقَامُوهُ فَهُوَ مَظْلَمَةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَتُعَادُ الْحُدُودُ ثَانِيَةً وَلَا بُدَّ، وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ مَالِ مَنْ قَتَلُوهُ قَوَدًا، وَأَنْ يُفْسَخَ كُلُّ حُكْمٍ حَكَمُوهُ وَلَا بُدَّ. وَيُبَيِّنُ مَا قُلْنَاهُ نَصًّا: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ: نا مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ نا عَبْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ إدْرِيسَ - نا ابْنُ عِجْلَانَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، كُلُّهُمْ

стр. 4905

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ ثنا غُنْدَرٌ ثنا شُعْبَةُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ «إنَّهُ سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَهِيَ جَمِيعٌ - فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ ﵀: فَصَحَّ أَنَّ لِهَذَا الْأَمْرِ أَهْلًا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُنَازِعَهُمْ إيَّاهُ، وَأَنَّ تَفْرِيقَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهَا لَا يَحِلُّ. فَصَحَّ أَنَّ الْمُنَازِعِينَ فِي الْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ مَرِيدُونَ تَفْرِيقَ جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهُمْ مُنَازِعُونَ أَهْلَ الْأَمْرِ أَمْرَهُمْ، فَهُمْ عُصَاةٌ بِكُلِّ ذَلِكَ. فَصَحَّ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ عُصَاةٌ فِي مُنَازَعَتِهِمْ الْإِمَامَ الْوَاجِبَ الطَّاعَةَ، وَإِذْ هُمْ فِيهِ عُصَاةٌ، فَكُلُّ حُكْمٍ حَكَمُوهُ مِمَّا هُوَ إلَى إمَامٍ، وَكُلُّ زَكَاةٍ قَبَضُوهَا مِمَّا قَبْضُهَا إلَى الْإِمَامِ، وَكُلُّ حَدٍّ أَقَامُوهُ مِمَّا إقَامَتُهُ إلَى الْإِمَامِ - فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ. وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَنُوبَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ طَاعَتِهِ، وَأَنْ يُجْزِيَ الظُّلْمُ عَنْ الْعَدْلِ، وَأَنْ يَقُومَ الْبَاطِلُ مَقَامَ الْحَقِّ، وَأَنْ يُغْنِيَ الْعُدْوَانُ عَنْ الْإِنْصَافِ. فَصَحَّ مَا قُلْنَا نَصًّا وَوَجَبَ رَدُّ كُلِّ مَا عَمِلُوا مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إمَامٌ مُمَكَّنٌ فَقَدْ قُلْنَا: إنَّ كُلَّ مَنْ قَامَ بِالْحَقِّ حِينَئِذٍ فَهُوَ نَافِذٌ، فَالْبُغَاةُ - إنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ - فَكُلُّ مَا فَعَلُوهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ نَافِذٌ - وَأَمَّا إنْ كَانُوا كُفَّارًا فَلَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ الْكَافِرِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [مَسْأَلَةٌ هَلْ يُسْتَعَانُ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ غَيْرهمْ] ٢١٦٢ - مَسْأَلَةٌ: هَلْ يُسْتَعَانُ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ؟ أَوْ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ؟ أَوْ بِأَهْلِ بَغْيٍ آخَرِينَ؟ .
следующие страницы →